الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الزمر
تفسيرُ سورةِ الزمر كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 109 دقيقة قراءةبِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الزُمَرِ وهَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، غَيْرَ ثَلاثِ آياتٍ نَزَلَتْ في شَأْنِ وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وهِيَ: ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللهِ ﴾ الآياتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ إلى آخَرِ السُورَةِ هو مَدَنِيٌّ، وقِيلَ فِيها: مَدَنِيٌ سَبْعُ آياتٍ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِينَ ﴾ ﴿ ألا لِلَّهِ الدِينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللهِ زُلْفى إنَّ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ تَنْزِيلُ ﴾ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿ مِنَ اللهِ ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ تَنْزِيلُ ﴾ خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: هَذا تَنْزِيلٌ، والإشارَةُ إلى القُرْآنِ الكَرِيمِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "تَنْزِيلَ" بِنَصْبِ اللامِ.
و"الكِتابِ" في قَوْلِهِ: ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ ﴾ هو القُرْآنُ الكَرِيمُ، ويَظْهَرُ لِي أنَّهُ اسْمٌ عامٌّ لِجَمِيعِ ما تَنَزَّلَ مِن عِنْدِ اللهِ مِنَ الكُتُبِ، كَأنَّهُ أخْبَرَ إخْبارًا مُجَرَّدًا أنَّ الكُتُبَ الهادِيَةَ الشارِعَةَ إنَّما تَنْزِيلُها مِنَ اللهِ، وجَعَلَ هَذا الإخْبارَ تَقْدِمَةً وتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ ﴾ ، و"العَزِيزِ" في قُدْرَتِهِ، و"الحَكِيمِ" في ابْتِداعِهِ.
و"الكِتابَ" الثانِي هو القُرْآنُ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ "بِالحَقِّ" ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: مُتَضَمِّنًا الحَقَّ، أيْ: بِالحَقِّ فِيهِ وفي أحْكامِهِ وأخْبارِهِ، والثانِي أنْ يَكُونَ بِالحَقِّ بِمَعْنى بِالِاسْتِحْقاقِ والوُجُوبِ وشُمُولِ المَنفَعَةِ لِلْعالَمِ في هِدايَتِهِمْ ودَعْوَتِهِمْ إلى اللهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْبُدِ اللهَ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الفاءُ عاطِفَةً جُمْلَةً مِنَ القَوْلِ عَلى جُمْلَةٍ وواصِلَةً، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كالجَوابِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ ﴾ جُمْلَةٌ، كَأنَّهُ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، كَما لَوْ قالَ: الكِتابُ مُنَزَّلٌ، وفي الجُمَلِ الَّتِي هي ابْتِداءٌ وخَبَرٌ إبْهامٌ ما يُشْبِهُ الجَزاءَ، فَجاءَتِ الفاءُ كالجَوابِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ قائِمٌ فَأكْرِمْهُ، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهُمْ التَقْدِيرُ: هَذِهِ خَوْلانُ.
و"مُخْلِصًا" حالٌ.
و"الدِينَ" نُصِبَ بِهِ، ومَعْنى الآيَةِ الأمْرُ بِتَحْقِيقِ النِيَّةِ لِلَّهِ في كُلِّ عَمَلٍ، و"الدِينَ" هُنا يَعُمُّ المُعْتَقَداتِ وأعْمالَ الجَوارِحِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ألا لِلَّهِ الدِينُ الخالِصُ ﴾ بِمَعْنى: مِن حَقِّهِ ومِن واجِباتِهِ، لا يَقْبَلُ غَيْرَهُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: "لِلَّهِ الحَمْدُ"، أيْ: واجِبًا ومُسْتَحَقًّا.
قالَ قَتادَةُ: ﴿ الدِينُ الخالِصُ ﴾ : لا إلَهَ إلّا اللهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا ﴾ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في المَحْذُوفِ المُقَدَّرِ، تَقْدِيرُهُ: "يَقُولُونَ: ما نَعْبُدُهُمْ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: [قالُوا ما نَعْبُدُهُمْ]، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ.
و"أولِياءَ" يُرِيدُ: مَعْبُودِينَ، وهَذِهِ مَقالَةٌ شائِعَةٌ في العَرَبِ، يَقُولُ كَثِيرٌ مِنهم في الجاهِلِيَّةِ: "المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ ونَحْنُ نَعْبُدُهم لِيُقَرِّبُونا"، وطائِفَةٌ مِنهم قالَتْ ذَلِكَ في أصْنامِهِمْ وأوثانِهِمْ.
وقالَ مُجاهِدٌ: قَدْ قالَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ في عُزَيْرَ، وقَوْمٌ مِنَ النَصارى في عِيسى، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [نَعْبُدُكُمْ] بِالكافِ، [لِتُقَرِّبُونا] بِالتاءِ.
و"زُلْفى" بِمَعْنى: قُرْبى وتَوْصِلَةً، كَأنَّهُ قالَ: لِتُقَرِّبُونا إلى اللهِ تَقْرِيبًا، وكَأنَّ هَذِهِ الطَوائِفَ كُلَّها كانَتْ تَرى نُفُوسَها أقَلَّ مِن أنْ تَتَّصِلَ هي بِاللهِ، فَكانَتْ تَرى أنْ تَتَّصِلَ بِمَخْلُوقاتِهِ، و"زُلْفى" - عِنْدَ سِيبَوَيْهِ - مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، كَأنَّهُ يُنَزَّلُ مَنزِلَةَ: مُتَزَلِّفِينَ، والعامِلُ فِيهِ "تُقَرِّبُونا"، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وفِيهِ خِلافٌ.
وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ في الدُنْيا والآخِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ ﴾ ﴿ لَوْ أرادَ اللهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللهُ الواحِدُ القَهّارُ ﴾ ﴿ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَيْلَ عَلى النَهارِ ويُكَوِّرُ النَهارِ عَلى اللَيْلَ وسَخَّرَ الشَمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ أرادَ اللهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا ﴾ مَعْناهُ: اتِّخاذُ التَشْرِيفِ والتَبَنِّي، وعَلى هَذا يَسْتَقِيمُ.
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ﴾ ، وأمّا الِاتِّخاذُ المَعْهُودُ بِالتَوالُدِ فَمُسْتَحِيلٌ أنْ يُتَوَهَّمَ في جِهَةِ اللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولا يَسْتَقِيمُ عَلَيْهِ مَعْنى قَوْلِهِ: "لاصْطَفى".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ اتِّخاذَ النَسْلِ واتِّخاذَ الأصْفِياءِ، فَأمّا الأوَّلُ فَمَعْقُولٌ، وأمّا الثانِي فَمَعْرُوفٌ بِخَبَرِ الشَرْعِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْنى هُنا الِاصْطِفاءُ والتَبَنِّي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِمّا يَخْلُقُ ﴾ ، أيْ: مِن مَوْجُوداتِهِ ومُحْدَثاتِهِ.
ثُمَّ نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ تَنْزِيهًا مُطْلَقًا عن جَمِيعِ ما لا يَكُونُ مِدْحَةً.
واتِّصافُهُ تَعالى بِالقَهّارِ عَلى الإطْلاقِ؛ لِأنَّ أحَدًا مِنَ البَشَرِ إنِ اتَّصَفَ بِالقَهْرِ فَمُقَيَّدٌ في أشْياءَ قَلِيلَةٍ، وهَوَ في حَيِّزِ قَهْرِهِ لِغَيْرِهِ مَقْهُورٌ لِلَّهِ تَعالى عَلى أشْياءَ كَثِيرَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "بِالحَقِّ" ﴾ مَعْناهُ: بِالواجِبِ الواقِعِ مَوْقِعَهُ الجامِعِ لِلْمَصالِحِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُكَوِّرُ اللَيْلَ ﴾ مَعْناهُ: يُعِيدُ مِن هَذا عَلى هَذا، ومِنهُ: كَوَّرَ العِمامَةَ الَّتِي يَلْتَوِي بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، فَكَأنَّ الَّذِي يَطُولُ مِنَ النَهارِ أوِ اللَيْلِ يَصِيرُ مِنهُ عَلى الآخَرِ جُزْءٌ فَيَسْتُرُهُ، وكَأنَّ الآخَرَ الَّذِي يَقْصُرُ يَلِجُ في الَّذِي يُطُولُ فَيَسْتَتِرُ فِيهِ، فَيَجِيءُ "يُكَوِّرُ" - عَلى هَذا - مُعادِلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: "يُولِجُ"، ضِدًّا لَهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وهَذا مِن قَوْلِهِ تَقْرِيرٌ لا تَحْرِيرٌ.
وتَسْخِيرُ الشَمْسِ) دَوامُها عَلى الجَرْيِ واتِّساقُ أمْرِها عَلى ما شاءَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى، و"الأجَلُ المُسَمّى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ تَنْفَسِدُ البِنْيَةُ ويَزُولُ جَرْيُ هَذِهِ الكَواكِبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أوقاتَ رُجُوعِها إلى قَوانِينِها كُلَّ شَهْرٍ في القَمَرِ، وسَنَةٍ في الشَمْسِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِن الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ ﴾ النَفْسُ الواحِدَةُ المُرادَةُ في الآيَةِ هي نَفْسُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَهُ قَتادَةُ، وغَيْرُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ الجِنْسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها ﴾ ظاهِرُ اللَفْظِ يَقْتَضِي أنَّ جَعْلَ الزَوْجَةِ مِنَ النَفْسِ هو بَعْدَ أنْ خَلَقَ الخَلْقَ مِنها، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، واخْتَلَفَ الناسُ في تَأْوِيلِ هَذا الظاهِرِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ: ﴿ خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ هو أخْذُ الذُرِّيَّةِ مِن ظَهْرِ آدَمَ، وذَلِكَ شَيْءٌ كانَ قَبْلَ خَلْقِ حَوّاءَ مِنهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ثُمَّ" إنَّما هي لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ لا لِتَرْتِيبِ المَعانِي، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: "ثُمَّ كانَ مِن أمْرِهِ قَبْلَ ذَلِكَ أنْ جَعَلَ مِنها زَوْجَها"، وفي نَحْوِ هَذا المَعْنى يُنْشَدُ هَذا البَيْتُ: قُلْ لِمَن سادَ ثُمَّ سادَ أبُوهُ ∗∗∗ ثُمَّ قَدْ سادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهُ وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ عِبارَةٌ عن سَبْقِ ذَلِكَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ أمْرًا حَتْمًا واقِعًا ولابُدَّ، حَسُنَ أنْ يُخْبِرَ عن تِلْكَ الحالِ الَّتِي كانَتْ وثِيقَةً، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْها حالَةَ جَعْلِ الزَوْجَةِ مِنها، فَجاءَتْ مَعانٍ مُتَرَتِّبَةً وإنْ كانَ خُرُوجُ خَلْقِ العالَمِ مِنآدَمَ إلى الوُجُودِ إنَّما يَجِيءُ بَعْدَ ذَلِكَ.
و"زَوْجُ آدَمَ" حَوّاءُ عَلَيْهِما السَلامُ، وخُلِقَتْ مِن ضِلْعِهِ القَصِيرِ فِيما رُوِيَ، ويُؤَيِّدُ هَذا الحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ: « "إنَّ المَرْأةَ خُلِقَتْ مِن ضِلْعٍ أعْوَجَ، فَإنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ"،» وقالَتْ فِرْقَةٌ: خُلِقَتْ حَوّاءُ مِن نَفْسِ طِينِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ.
والأوَّلُ أصَحُّ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلَ لَكُمْ ﴾ ، قِيلَ: مَعْناهُ: أنَّ المَخْلُوقَ الأوَّلَ مِن هَذِهِ الأنْعامِ خُلِقَ في السَماءِ وأُهْبِطَ إلى الأرْضِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ لَمّا نَزَلَ الأمْرُ بِخَلْقِهِ وإيجادِهِ مِن عِنْدِ اللهِ - وكانَتِ العادَةُ في نِعَمِ اللهِ ورَحْمَتِهِ وأمْطارِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ أنْ يُقالَ: إنَّها مِنَ السَماءِ - عَبَّرَ عن هَذِهِ بِـ"أنْزَلَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَمّا كانَتِ الأمْطارُ تَنْزِلُ، وكانَتِ الأعْشابُ والنَباتُ عنها كانَتْ هَذِهِ الأنْعامُ عَنِ النَباتِ في سِمَتِها ومَعانِيها قالَ فِيها: "أنْزَلَ" فَهو عَلى التَدْرِيجِ، كَما قالَ الراجِزُ: أسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابِهْ وَكَما قالَ الشاعِرُ: تَعالى النَدى في مَتْنِهِ وتَحَدَّرا وجَعَلَها ثَمانِيَةً، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ فِيهِ زَوْجٌ لِلذِّكْرِ مِن نَوْعِهِ، وهِيَ: الضَأْنُ والمَعْزُ والبَقَرُ والإبِلُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ ﴾ ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ، مَعْناهُ: يَخْلُقُكم في البُطُونِ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ آخَرَ في ظَهْرِ آدَمَ وظُهُورِ الآباءِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والسُدِّيُّ: يَخْلُقُكم في البُطُونِ رُتَبًا خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ عَلى المُضْغَةِ والعَلَقَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَّرِفٍ: "يَخْلُقُكُمْ" بِإدْغامِ القافِ في الكافِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "أُمَّهاتِكُمْ" ﴾ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وكَسَرَها يَحْيى بْنُ وثّابٍ، وهُما لُغَتانِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: الأُولى: هي ظَهْرُ الأبِ، ثُمَّ رَحِمُ الأُمِّ، ثُمَّ المَشِيمَةُ في البَطْنِ.
وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: هي المَشِيمَةُ والرَحِمُ، والبَطْنُ، وهَذِهِ الآياتُ كُلُّها هي مُعْتَبَرٌ وتَنْبِيهٌ لَهم عَلى الخالِقِ الصانِعِ الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ، وهَذا كُلُّهُ في رَدِّ أمْرِ الأصْنامِ والإفْسادِ لَها.
ثُمَّ قالَ تَعالى لَهُمْ: ﴿ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ ﴾ ، وقَدْ قامَتْ عَلى ذَلِكَ البَراهِينُ واتَّسَقَتِ الأدِلَّةُ.
﴿ فَأنّى تُصْرَفُونَ ﴾ ، أيْ: مِن أيِّ جِهَةٍ تَضِلُّونَ؟
وبِأيِّ سَبَبٍ؟
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عنكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ الآيَةُ مُخاطِبَةٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ، و"عِبادُهُ" هُمُ المُؤْمِنُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُخاطِبَةً لِجَمِيعِ الناسِ، لِأنَّ اللهَ تَعالى غَنِيٌّ عن جَمِيعِ الناسِ وهم فُقَراءُ إلَيْهِ، وبَيَّنَ بُعْدَ البَشَرِ عن رِضى اللهِ إنْ كَفَرُوا، بِقَوْلِهِ: ﴿ إنْ تَكْفُرُوا ﴾ .
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ مِن أهْلِ السُنَّةِ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ ﴾ ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الرِضى بِمَعْنى الإرادَةِ، والكَلامُ ظاهِرُهُ العُمُومُ ومَعْناهُ الخُصُوصُ فِيمَن قَضى اللهُ لَهُ، فَعِبادُهُ - عَلى هَذا - مَلائِكَتُهُ ومُؤْمِنُو البَشَرِ والجِنِّ، وهَذا يَتَرَكَّبُ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الكَلامُ عُمُومٌ صَحِيحٌ، والكُفْرُ يَقَعُ مِمَّنْ يَقَعُ بِإرادَةِ اللهِ تَعالى؛ إلّا أنَّهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ لا يَرْضاهُ دِينًا لَهُمْ، وهَذا يَتَرَكَّبُ عَلى الِاحْتِمالِ الَّذِي تَقَدَّمَ آنِفًا، ومَعْنى: "لا يَرْضى": لا يَشْكُرُهُ لَهم ولا يُثِيبُهم بِهِ خَيْرًا، فالرِضى - عَلى هَذا - هو صِفَةُ فِعْلٍ لِمَعْنى القَبُولِ ونَحْوِهُ، وتَأمَّلِ الإرادَةَ فَإنَّ حَقِيقَتَها، إنَّما هي فِيما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، والرِضى فَإنَّما حَقِيقَتُهُ فِيما قَدْ وقَعَ، واعْتَبِرْ هَذا في آياتِ القُرْآنِ تَجِدْهُ، وإنْ كانَتِ العَرَبُ قَدْ تَسْتَعْمِلُ في أشْعارِها عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ هَذا بَدَلَ هَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ عُمُومٌ، والشُكْرُ الحَقِيقِيُّ في ضِمْنِهِ الإيمانُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "يَرْضَهُ" بِضَمَّةٍ مُشْبَعَةٍ عَلى الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ بِضَمَّةٍ مُخْتَلَسَةٍ، واخْتُلِفَ عن نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: [يَرْضَهْ] بِسُكُونِ الهاءِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: وهو غَلَطٌ لا يَجُوزُ.
قالَ تَعالى: ﴿ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ﴾ ، أيْ: لا يَحْمِلُ أحَدٌ ذَنْبَ أحَدٍ، وأنَّثَ "الوازِرَةَ" و"الأُخْرى" لِأنَّهُ أرادَ الأنْفُسَ، و"الوِزْرُ" الثِقَلُ، وهَذا خَبَرٌ مُضَمَّنُهُ الحَضُّ عَلى أنْ يَنْظُرَ كُلُّ أحَدٍ في خاصَّةِ أمْرِهِ، وما يَنُوبُهُ في ذاتِهِ، ثُمَّ أخْبَرَهم تَعالى بِأنَّ مَرْجِعَهم في الآخِرَةِ إلى رَبِّهِمْ، أيْ: إلى ثَوابِهِ أو عِقابِهِ، فَيُوقِفُ كُلَّ أحَدٍ عَلى أعْمالِهِ؛ لِأنَّهُ المُطَّلِعُ عَلى نِيّاتِ الصُدُورِ وسائِرِ الأفْئِدَةِ، و"ذاتُ الصَدْرِ": ما فِيهِ مِن خَبِيئَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ: "الذِئْبُ مَغْبُوطٌ بِذِي بَطْنِهِ".
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا إنَّكَ مِن أصْحابِ النارِ ﴾ "الإنْسانَ" في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِهِ الكافِرُ بِدَلالَةِ ما وصَفَهُ بِهِ آخِرًا مِنِ اتِّخاذِ الأنْدادِ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ ﴾ .
وهَذِهِ آيَةٌ بَيَّنَ تَعالى بِها عَلى الكُفّارِ أنَّهم عَلى كُلِّ حالٍ يَلْجَؤُونَ في حالِ الضَرُوراتِ إلَيْهِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ عن غَيْرِ يَقِينٍ مِنهم ولا إيمانٍ، فَلِذَلِكَ لَيْسَ بِمُعْتَدٍّ بِهِ، و"مُنِيبًا" مَعْناهُ: مُقارِبًا مُراجِعًا بَصِيرَتَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ: في كَشْفِ الضُرِّ المَذْكُورِ، أو يُرِيدُ أيَّ نِعْمَةٍ كانْتْ، واللَفْظُ يَعُمُّهُما، و"خَوَّلَهُ" مَعْناهُ: مَلَّكَهُ وحَكَّمَهُ فِيها ابْتِداءً مِنهُ لا مُجازاةً، ولا يُقالُ في الجَزاءِ: خَوَّلَ، ومِنهُ الخَوَلُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخْوِلُوا هَذِهِ رِوايَةٌ، ويُرْوى: يُسْتَخْبَلُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ ﴾ .
قالَتْ فِرْقَةٌ: ما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: نَسِيَ دُعاءَهُ إلَيْهِ في حالِ الضَرَرِ ورَجَعَ إلى كُفْرِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" بِمَعْنى الَّذِي، والمُرادُ بِها اللهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ ، وقَدْ تَقَعُ (ما) مَكانَ (مَن) فِيما لا يُحْصى كَثْرَةً مِن كَلامِهِمْ.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ نَسِيَ ﴾ كَلامًا تامًّا، ثُمَّ نَفى أنْ يَكُونَ دُعاءُ هَذا الكافِرِ خالِصًا لِلَّهِ ومَقْصُودًا بِهِ مِن قَبْلِ النِعْمَةِ، أيْ في حالِ الضَرَرِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ يُرِيدُ: مِن قَبْلِ الضَرَرِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: ولَمْ يَكُنْ هَذا الكافِرُ يَدْعُو في سائِرِ زَمَنِهِ قَبْلَ الضَرَرِ، بَلْ ألْجَأهُ ضَرَرُهُ إلى الدُعاءِ.
و"الأنْدادُ": الأضْدادُ الَّتِي تُضادُّ وتُزاحِمُ وتُعارِضُ بَعْضَها بَعْضًا، قالَ قَتادَةُ: المُرادُ: مِنَ الرِجالِ يُطِيعُونَهم في مَعْصِيَةِ اللهِ تَعالى، وقالَ غَيْرُهُ: المُرادُ: الأوثانُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيُضِلَّ" بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأها بِفَتْحِ الياءِ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى، وابْنُ كَثِيرٍ، وشِبْلٌ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ لَهم - عَلى جِهَةِ التَهْدِيدِ - قَوْلًا يُخاطِبُ بِهِ واحِدًا مِنهُمْ: ﴿ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ ﴾ ، أيْ: تَلَذَّذْ بِهِ، واصْنَعْ ما شِئْتَ "قَلِيلًا"، هو عُمْرُ هَذا المُخاطَبِ.
ثُمَّ أخْبَرَهُ أنَّهُ مِن أصْحابِ النارِ، أيْ: مِن سُكّانِها والمُخَلَّدِينَ فِيها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ ﴾ ﴿ قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ: "أمَن" بِتَخْفِيفِ المِيمِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، والأعْمَشِ، وعِيسى، وشَيْبَةَ بْنِ نَصّاحٍ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، وضَعَّفَها الأخْفَشُ وأبُو حاتِمٍ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وقَتادَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "أمَّنْ" بِتَشْدِيدِ المِيمِ.
فَأمّا الأُولى فَلَها وجْهانِ: أحَدُهُما - وهو الأظْهَرُ - أنَّ الألِفَ تَقْرِيرٌ واسْتِفْهامٌ، وكَأنَّهُ يَقُولُ: أهَذا القانِتُ خَيْرٌ أمْ هَذا المَذْكُورُ الَّذِي يَتَمَتَّعُ بِكُفْرِهِ قَلِيلًا وهو مِن أصْحابِ النارِ؟
وفي الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِياقُ الآياتِ مَعَ قَوْلِهِ آخِرًا: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَأُقْسِمُ لَوْ شَيْءٌ أتانا رَسُولُهُ ∗∗∗ سِواكَ ولَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعا ويُوقَفُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: " يَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ".
والوَجْهُ الثانِي أنْ تَكُونَ الألِفُ نِداءً والخِطابُ لِأهْلِ هَذِهِ الصِفاتِ، كَأنَّهُ يَقُولُ أصاحِبَ هَذِهِ الصِفاتِ: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي؟
فَهَذا السُؤالُ بِـ"هَلْ" هو لِلْقانِتِ، ولا يُوقَفُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا المَعْنى صَحِيحٌ إلّا أنَّهُ أجْنَبِيٌّ مِن مَعْنى الآياتِ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ.
وضَعَّفَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وقالَ مَكِّيٌّ: إنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، لِأنَّ حَرْفَ النِداءِ لا يَسْقُطُ مَعَ المُبْهَمِ، ولَيْسَ كَما قالَ مَكِّيٌّ، أمّا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ في أنَّ حَرْفَ النِداءِ لا يَسْقُطُ مَعَ المُبْهَمِ فَنَعَمْ؛ لِأنَّهُ يَقَعُ الإلْباسُ الكَثِيرُ بِذَلِكَ، وأمّا أنَّ هَذا المَوْضِعَ سَقَطَ فِيهِ حَرْفُ النِداءِ فَلا وألِفٌ ثابِتَةٌ فِيهِ ظاهِرَةٌ.
وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَإنَّها: (أمْ) دَخَلَتْ عَلى (مَن)، والكَلامُ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - لا يَحْتَمِلُ إلّا المُعادَلَةَ بَيْنَ صِنْفَيْنِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ما يُعادِلُ (أمْ) مُتَقَدِّمًا في التَقْدِيرِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: "أهَذا الكافِرُ خَيْرٌ أمْ مَن"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (أمْ) قَدِ ابْتُدِأ بِها بَعْدَ إضْرابٍ مُقَدَّرٍ، ويَكُونَ المُعادِلُ في آخِرِ الكَلامِ.
والأوَّلُ أبْيَنُ.
و"القانِتُ": المُطِيعُ، وبِهَذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والقُنُوتُ في الكَلامِ يَقَعُ عَلى القِراءَةِ، وعَلى طُولِ القِيامِ في الصَلاةِ، وبِهَذا فَسَرَّها ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: "مَن أحَبَّ أنْ يُهَوِّنَ اللهُ عَلَيْهِ الوُقُوفَ يَوْمَ القِيامَةِ فَلْيُنَزِّهِ اللهَ في سَوادِ اللَيْلِ ساجِدًا أو قائِمًا"، ويَقَعُ القُنُوتُ عَلى الدُعاءِ وعَلى الصَمْتِ عِبادَةً، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَبِيِّ «أنَّ القُنُوتَ: الطاعَةُ،» وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ : أيُّ الصَلاةِ أفْضَلُ؟
قالَ: "طُولُ القُنُوتِ".» و"الآناءُ": الساعاتُ، واحِدُها إنًى كَمِعًى، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "لَنْ يَعْدُوَ شَيْءٌ إناهُ"، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ ﴾ عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ في ذَلِكَ، ويُقالُ في واحِدِها أيْضًا: "أنا" عَلى وزْنِ "قَفا"، ويُقالُ فِيهِ: "إنْيٌ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ النُونِ، ومِنهُ قالَ الهُذَلِيُّ: حُلْوٌ ومُرٌّ كَعِطْفِ القِدْحِ مِرَّتُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ في كُلٍّ إنْيٍ قَضاهُ اللَيْلُ يَنْتَعِلُ وقَرَأ الضَحّاكُ: "ساجِدٌ وقائِمٌ" بِالرَفْعِ فِيهِما.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَحْذَرُ الآخِرَةَ ﴾ مَعْناهُ: يَحْذَرُ حالَها وهَوْلَها.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "يَحْذَرُ عَذابَ الآخِرَةِ".
و"أُولُو" مَعْناهُ: أصْحابُ، واحِدُهُمْ: ذُو.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ [قُلْ يا عِبادِيَ]﴾ [الزمر: ٥٣] بِفَتْحِ الياءِ، وأسْكَنَها أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ أيْضًا، والأعْمَشُ، وابْنُ كَثِيرٍ: "يا عِبادِ" بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ.
ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وأصْحابِهِ حِينَ عَزَمُوا عَلى الهِجْرَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ.
ووَعَدَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُنْيا حَسَنَةٌ ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ فِي هَذِهِ الدُنْيا ﴾ مُتَعَلِّقًا بِـ"أحْسَنُوا"، وكَأنَّهُ يُرِيدُ: أنَّ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ في الدُنْيا لَهم حَسَنَةٌ في الآخِرَةِ، وهي الجَنَّةُ والنَعِيمُ، قالَهُ مُقاتِلُ، وَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إنَّ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ لَهم حَسَنَةٌ في الدُنْيا، وهي العافِيَةُ والطُهُورُ ووِلايَةُ اللهِ تَعالى، قالَهُ السُدِّيُّ، وكانَ قِياسُ قَوْلِهِ أنْ يَكُونَ ﴿ فِي هَذِهِ الدُنْيا ﴾ مُتَأخِّرًا، ويَجُوزُ تَقْدِيمُهُ.
والقَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ، وهو أنَّ الحَسَنَةَ في الآخِرَةِ.
و"أرْضُ اللهِ" يُرِيدُ بِها البِلادَ المُجاوِرَةَ الَّتِي تَقْتَضِيها القِصَّةُ الَّتِي الكَلامُ فِيها، وهَذا حَضٌّ عَلى الهِجْرَةِ، ولِذَلِكَ وصَفَ اللهُ الأرْضَ بِالسَعَةِ.
وقالَ قَوْمٌ: أرادَ بِالأرْضِ هُنا الجَنَّةَ، وفي هَذا القَوْلِ تَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ وعَدَ تَعالى عَلى الصَبْرِ عَلى المَكارِهِ، والخُرُوجِ عَنِ الوَطَنِ، ونُصْرَةِ الدِينِ، وجَمِيعِ الطاعاتِ، بِأنَّ الأجْرَ يُوَفّى بِغَيْرِ حِسابٍ، وهَذا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الصابِرَ يُوَفّى أجْرَهُ ثُمَّ لا يُحاسَبُ عَنِ النَعِيمِ ولا يُتابَعُ بِذُنُوبٍ، فَيَقَعُ "الصابِرُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الجَماعَةِ الَّتِي ذَكَرَها النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّها تَدْخُلُ الجَنَّةَ دُونَ حِسابٍ، في قَوْلِهِ : « "يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِي سَبْعُونَ ألْفًا بِغَيْرِ حِسابٍ، هُمُ الَّذِينَ لا يَتَطَيَّرُونَ ولا يَكْتَوُونَ ولا يَسْتَرْقُونَ، وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، وُجُوهُهم عَلى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ"» الحَدِيثَ عَلى اخْتِلافِ تَرْتِيباتِهِ.
والمَعْنى الثانِي: أنَّ أُجُورَ الصابِرِينَ تُوَفّى بِغَيْرِ حَصْرٍ ولا عَدٍّ بَلْ جُزافًا، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ لِلْكَثْرَةِ الَّتِي لا تُحْصى، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ما تَمْنَعِي يَقْظى فَقَدْ تُعْطِينَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ في النَوْمِ غَيْرَ مُصَّرَدٍ مَحْسُوبِ وَإلى هَذا التَأْوِيلِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، حَتّى قالَ قَتادَةُ: ما ثَمَّ واللهِ مِكْيالٌ ولا مِيزانٌ، وفي بَعْضِ الحَدِيثِ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ ﴾ ، قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "اللهُمَّ زِدْ أُمَّتِي"، فَنَزَلَتْ: ﴿ فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً ﴾ ، فَقالَ: "اللهُمَّ زِدْ أُمَّتِي" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ: "رَضِيتُ يا رَبِّ".» <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِينَ ﴾ ﴿ وَأُمِرْتُ لأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ قُلِ اللهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي ﴾ ﴿ فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ ﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنْ يَصْدَعَ لِلْكَفّارِ فِيما أُمِرَ بِهِ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَأُمِرْتُ لأنْ أكُونَ ﴾ ، أيْ: وأُمِرْتُ بِهَذا الَّذِي ذَكَرَتُ لِكَيْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ مِن أهْلِ عَصْرِي وزَمَنِي، فَهَذِهِ نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلَيْهِ، وتَنْبِيهٌ مِنهُ لَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ ﴾ فِعْلٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ وهو العِصْيانُ، وقَدْ عُلِمَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مَعْصُومٌ مِنهُ، ولَكِنَّهُ خِطابٌ لِأُمَّتِهِ، يَعُمُّهم حُكْمُهُ ويُخِيفُهم وعِيدُهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ قُلِ اللهَ أعْبُدُ ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْمَعْنى الأوَّلِ، وإعْلامٌ بِامْتِثالِهِ كُلِّهِ لِلْأمْرِ، وهَذا كُلُّهُ نَزَلَ قَبْلَ القِتالِ؛ لِأنَّها مُوادَعاتٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ ﴾ صِيغَةُ أمْرٍ عَلى جِهَةِ التَهْدِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ ﴾ ، وهَذا كَثِيرٌ.
﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرٍ لِـ"إنَّ"، قَوْلُهُ ﴿ "وَأهْلِيهِمْ" ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ أنَّهم خَسِرُوا الأهْلَ الَّذِي كانَ يَكُونُ لَهم لَوْ كانُوا مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَهَذا كَما لَوْ قالَ: خَسِرُوا أنْفُسَهم ونَعِيمَهُمْ، أيِ الَّذِي كانَ يَكُونُ لَهم.
وقِيلَ: أرادَ الأنْفُسَ والأهْلِينَ الَّذِينَ كانُوا في الدُنْيا؛ لِأنَّهم صارُوا في عَذابِ النارِ، لَيْسَ لَهم نُفُوسٌ مُسْتَقِرَّةٌ، ولا بَدَلٌ مَن أهْلِ الدُنْيا، ومَن في الجَنَّةِ قَدْ صارَ لَهُ إمّا أهْلُهُ وإمّا غَيْرُهُمْ، عَلى الِاخْتِلافِ فِيما يُؤَثِّرُ في ذَلِكَ، فَهو عَلى كُلِّ حالٍ لا خُسْرانَ مَعَهُ البَتَّةَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِن النارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ ﴾ ﴿ والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ ﴾ هَذِهِ صِفَةُ حالِ أهْلِ جَهَنَّمَ، و"الظُلَّةُ": ما غَشِيَ وغَمَّ كالسَحابَةِ وسَقْفِ البَيْتِ ونَحْوِهِ، فَأمّا ما فَوْقَهم فَكَوْنُهُ ظُلَّةً بَيِّنٌ، وأمّا ما تَحْتَهُمْ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: سُمِّيَ ظُلَّةً لِأنَّهُ يَتَلَهَّبُ، ويَصْعَدُ مِمّا تَحْتَهم شَيْءٌ كَثِيرٌ ولَهَبٌ حَتّى يَكُونَ ظُلَّةً، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فَوْقَهم شَيْءٌ لَكَفى فَرْعُ الَّذِي تَحْتَهم في أنْ يَكُونَ ظُلَّةً، وقالَتْ فِرْقَةٌ: جَعَلَ ما تَحْتَهم ظُلَّةً، لِأنَّهُ فَوْقَ آخَرِينَ، وهَكَذا هي حالُهم إلّا الطَبَقَةَ الأخِيرَةَ الَّتِي في القَعْرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "عِبادَهُ" ﴾ يُرِيدُ جَمِيعَ العالَمِ، خَوَّفَهُمُ اللهُ النارَ وحَذَّرَهم مِنها، فَمَن هُدِيَ وآمَنَ نَجا، ومَن كَفَرَ حَصَلَ فِيما خَوَّفَ مِنهُ.
واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ يا عِبادِ ﴾ ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطاغُوتَ ﴾ الآيَةَ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ سَبَبَ نُزُولِها زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو بْنِ نُفَيْلٍ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ، وأبُو ذَرٍّ الغِفارِيُّ، والإشارَةُ إلَيْهِمْ.
وقالَ ابْنُ إسْحَقَ: الإشارَةُ بِها إلى عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وسَعْدِ بْنِ أبِي وقاصٍّ، وسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، والزُبَيْرِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُمْ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ سَمِعُوا ذَلِكَ فَجاؤُوهُ فَقالُوا: أسْلَمْتَ؟
قالَ: نَعَمْ، وذَكَّرَهم بِاللهِ فَآمَنُوا بِأجْمَعِهِمْ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، وهي عَلى كُلِّ حالٍ عامَّةٌ في الناسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، يَتَناوَلُهم حُكْمُها.
و"الطاغُوتُ" كُلُّ ما يُعْبَدُ مِن دُونِ اللهِ تَعالى، و"الطاغُوتُ" أيْضًا الشَيْطانُ، وبِهِ فَسَّرَ هَنا مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.
وأوقَعَهُ هُنا عَلى جَماعَةِ الشَياطِينِ، ولِذَلِكَ أنَّثَ الضَمِيرَ في ﴿ "يَعْبُدُوها".
﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ ﴾ كَلامٌ عامٌّ في جَمِيعِ الأقْوالِ، وإنَّما القَصْدُ الثَناءُ عَلى هَؤُلاءِ بِبَصائِرَ هي لَهم وقِوامٍ في نَظَرِهِمْ، حَتّى أنَّهم إذا سَمِعُوا قَوْلًا مَيَّزُوهُ واتَّبَعُوا أحْسَنَهُ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في العِبارَةِ عن هَذا، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أحْسَنُ القَوْلِ كِتابُ اللهِ تَعالى، أيْ إذا سَمِعُوا الأقاوِيلَ وسَمِعُوا القُرْآنَ اتَّبَعُوا القُرْآنَ،وَقالَتْ فِرْقَةٌ: "القَوْلُ" هو القُرْآنُ، وأحْسَنُهُ ما فِيهِ مِن عَفْوٍ وصَفْحٍ واحْتِمالٍ عَلى صَبْرٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ قَتادَةُ: أحْسَنُ القَوْلِ طاعَةُ اللهِ تَعالى، وهَذِهِ أمْثِلَةٌ وما قُلْناهُ أوَّلًا يَعُمُّها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النارِ ﴾ ﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهِ المِيعادَ ﴾ ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لأُولِي الألْبابِ ﴾ أسْقَطَ العَلامَةَ الَّتِي في الفِعْلِ المُسْنَدِ إلى الكَلِمَةِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما الحائِلُ الَّذِي بَيْنَ الفِعْلِ والفاعِلِ، ولَوْ كانَ مُتَّصِلًا بِهِ لَمْ يَحْسُنْ ذَلِكَ، والثانِي أنَّ "الكَلِمَةَ" غَيْرُ مُؤَنَّثٍ حَقِيقِيٍّ، وهَذا أخَفُّ وأجْوَدُ مِن قَوْلِهِمْ: "حَضَرَ القاضِيَ اليَوْمَ امْرَأةٌ"؛ لِأنَّ التَأْنِيثَ هُنا حَقِيقِيٌّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: في هَذا الكَلامِ مَحْذُوفٌ اخْتَصَرَهُ لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ تَتَأسَّفُ أنْتَ عَلَيْهِ؟
أو نَحْوَ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ لِلنَّبِيِّ عَلى أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يُنْقِذَ مَن في النارِ، أيْ: لَيْسَ هَذا إلَيْكَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الألِفُ في قَوْلِهِ: ﴿ "أفَأنْتَ" ﴾ إنَّما هي مُؤَكِّدَةٌ زادَها لِطُولِ الكَلامِ، وإنَّما مَعْنى الآيَةِ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ؟
لَكِنَّهُ زادَ الألِفَ الثانِيَةَ تَوْكِيدًا لِلْأمْرِ، وأظْهَرَ الضَمِيرَ العائِدَ تَشْهِيرًا لِهَؤُلاءِ القَوْمِ، وإظْهارًا لِخِسَّةِ مَنازِلِهِمْ كَقَوْلِ الشاعِرِ: لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ وإنَّما أظْهَرَ الضَمِيرَ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ المَوْتِ، وهَذا كَثِيرٌ.
ثُمَّ اسْتَفْتَحَ إخْبارًا آخَرَ بِـ"لَكِنِ"، وهَذِهِ مُعادِلَةٌ وتَحْضِيضٌ عَلى التَقْوى لِمَن فَكَّرَ وازْدَجَرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن تَحْتِها ﴾ أيْ: مِن تَحْتِ الغُرَفِ، وعادَلَتْ: ﴿ غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ ﴾ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِن النارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ ، و"الغُرَفُ": ما كانَ مِنَ المَساكِنِ مُرْتَفِعًا عَنِ الأرْضِ، في الحَدِيثِ: « "إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَراءَوْنَ الغُرَفَ مِن فَوْقِهِمْ كَما تَراءَوْنَ الكَوْكَبَ الَّذِي في الأُفُقِ"،» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعْدَ اللهِ ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، ونَصْبُهُ إمّا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِن لَفْظِهِ، وإمّا بِما تَضَمَّنَ الكَلامُ قَبْلُ مِن مَعْنى الوَعْدِ عَلى الِاخْتِلافِ الَّذِي لِلنُّحاةِ في ذَلِكَ.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى نَبِيَّهُ عَلى مُعْتَبَرٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ وكُلُّ بَشَرٍ داخِلٌ مَعَهُ في مَعْناهُ، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: أشارَ إلى ماءِ المَطَرِ، وقالُوا: العُيُونُ مِنهُ، وذَلِكَ أنَّها تَنْماعُ عِنْدَ وُجُودِهِ وتَيْبَسُ عِنْدَ فَقْدِهِ،.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَنّاقٍ: والإشارَةُ إلى العُيُونِ، ولَيْسَتِ العُيُونُ مِنَ المَطَرِ، ولَكِنْ ماؤُها نازِلٌ مِنَ السَماءِ، قالَ الشَعْبِيُّ: وكُلُّ ماءٍ عَذْبٍ في الأرْضِ فَمِنَ السَماءِ نَزَلَ، والقَوْلانِ مُتَقارِبانِ، و"سَلَكَهُ" مَعْناهُ: أجْراهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مَسَكٍ ∗∗∗ ∗∗∗ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجُ وَمِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: نَطْعَنُهم سُلْكى ومَخْلُوجَةً....
∗∗∗ كَرَّكَ لَأْمَيْنِ عَلى نابِلِ وواحِدُ اليَنابِيعِ: يَنْبُوعٌ، وهو العَيْنُ بُنِيَ لَها بِناءٌ، مُبالَغَةٌ مِنَ النَبْعِ.
و"الزَرْعُ" هُنا واقِعٌ عَلى كُلِّ ما يُزْرَعُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ألْوانُهُ": أعْراضُهُ مِنَ الحُمْرَةِ والصُفْرَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، و"يَهِيجُ": يَيْبَسُ، هاجَ النَباتُ والزَرْعُ إذا يَبِسَ، ومِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ في الحَدِيثِ الَّذِي في غَرِيبِ ابْنِ قُتَيْبَةَ: "ذِمَّتِي رَهِينَةٌ، وأنا بِهِ زَعِيمٌ ألّا يَهِيجَ عَلى التَقْوى زَرْعُ قَوْمٍ ولا يَيْبَسَ عَلى التَقْوى....
أصْلَ الحَدِيثِ".
و"الحُطامُ": اليابِسُ المُتَفَتِّتُ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ [لَذِكْرى]﴾ [ق: ٣٧] أيْ: لِلْبَعْثِ مِنَ القُبُورِ وإحْياءِ المَوْتى عَلى ما يُوحِيهِ هَذا المِثالُ المَذْكُورُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللهُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ اللهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللهُ ذَلِكَ هُدى اللهُ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مَن هادٍ ﴾ رُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ أفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ﴾ الآيَةَ، نَزَلَتْ في عَلِيٍّ وحَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما وأبِي لَهَبٍ وابْنِهِ، هُما اللَذانِ كانا مِنَ القاسِيَةِ قُلُوبُهم.
وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: كالقاسِي القَلْبِ المُعْرِضِ عن أمْرِ اللهِ، و"شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ" اسْتِعارَةٌ لِتَحْصِيلِهِ لِلنَّظَرِ الجَيِّدِ والإيمانِ بِاللهِ، و"النُورُ" هِدايَةُ اللهِ، وهي أشْبَهُ شَيْءٍ بِالضَوْءِ، «قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: قُلْنا: يا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ انْشِراحُ الصَدْرِ؟
قالَ: "إذا دَخَلَ النُورُ القَلْبَ انْشَرَحَ وانْفَسَحَ"، قُلْنا: وما عَلامَةُ ذَلِكَ؟
قالَ: "الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَجافِي عن دارِ الغُرُورِ، والتَأهُّبُ لِلْمَوْتِ"،» و"القَسْوَةُ": شِدَّةُ القَلْبِ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِن قَسْوَةِ الحَجَرِ، شَبَّهَ قَلْبَ الكافِرِ بِهِ في صَلابَتِهِ، وقِلَّةِ انْفِعالِهِ لِلْوَعْظِ.
وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: "ما ضُرِبَ العَبْدُ بِعُقُوبَةٍ أعْظَمَ مِن قَسْوَةِ قَلْبٍ"، ويَدُلُّ قَوْلُهُ: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ عَلى المَحْذُوفِ المُقَدَّرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا ﴾ يُرِيدُ بِهِ القُرْآنَ، ورُوِيَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ قَوْمًا مِنَ الصَحابَةِ قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، حَدِّثْنا بِأحادِيثَ حِسانٍ، وأخْبِرْنا بِأخْبارِ الدَهْرِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ،» وقَوْلُهُ: ﴿ "مُتَشابِهًا" ﴾ مَعْناهُ: مُسْتَوِيًا لا تَناقُضَ فِيهِ ولا تَدافُعَ، بَلْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في رَصانَةِ اللَفْظِ، ووَثاقَةِ البَراهِينِ، وشَرَفِ المَعانِي؛ إذْ هي اليَقِينُ في العَقائِدِ في اللهِ تَعالى وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وشَرْعِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "مَثانِيَ" ﴾ مَعْناهُ: مَوْضِعُ تَثْنِيَةٍ لِلْقَصَصِ والأقْضِيَةِ والمَواعِظِ، تُثَنّى فِيهِ ولا يُمَلُّ مَعَ ذَلِكَ، ولا يَعْرِضُها ما يَعْرِضُ لِلْحَدِيثِ المُعادِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يُثَنّى فِيهِ الأمْرُ مِرارًا.
ولا يَنْصَرِفُ "مَثانِيَ" لِأنَّهُ جَمْعٌ لا نَظِيرَ لَهُ في الواحِدِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ عِبارَةٌ عن وقْفِ شَعْرِ الإنْسانِ عِنْدَ ما يُداخِلُهُ خَوْفٌ، ولِينُ قَلْبٍ عِنْدَ سَماعِ مَوْعِظَةٍ أو زَجْرِ قُرْآنٍ ونَحْوِهُ، وهَذِهِ عَلامَةُ وُقُوعِ المَعْنى المُخْشِعِ في قَلْبِ السامِعِ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قَرَأ عِنْدَ النَبِيِّ فَرَقَّتِ القُلُوبُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "اغْتَنِمُوا الدُعاءَ عِنْدَ الرِقَّةِ فَإنَّها رَحْمَةٌ"،» وقالَ العَبّاسُ: قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَنِ اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِن خَشْيَةِ اللهِ تَحاتَّتْ عنهُ ذُنُوبُهُ كَما يَتَحاتُّ عَنِ الشَجَرَةِ اليابِسَةِ ورَقُها"،» وقالَتْ أسْماءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ الصَحابَةُ تَدْمَعُ أعْيُنُهم وتَقْشَعِرُّ جُلُودُهم عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، قِيلَ لَها: إنَّ أقْوامًا اليَوْمَ إذا سَمِعَ أحَدُهُمُ القُرْآنَ خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَقالَتْ: أُعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَيْطانِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وقَدْ رَأى ساقِطًا عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ: إنّا لَنَخْشى اللهَ وما نَسْقُطُ، هَؤُلاءِ يَدْخُلُ الشَيْطانُ في جَوْفِ أحَدِهِمْ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ بَيْنَنا وبَيْنَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُصْرَعُونَ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ أنْ يُجْعَلَ أحَدُهم عَلى حائِطٍ باسِطًا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُقْرَأُ عَلَيْهِ القُرْآنُ كُلُّهُ، فَإنْ رَمى بِنَفْسِهِ فَهو صادِقٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكَ هُدى اللهِ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُشِيرَ إلى القُرْآنِ، أيْ: ذَلِكَ الَّذِي هَذِهِ صِفَتُهُ هُدى اللهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُشِيرَ إلى الخَشْيَةِ واقْشِعْرارِ الجِلْدِ، أيْ: ذَلِكَ أمارَةُ هُدى اللهِ، ومَن جَعَلَ ﴿ [تَقْشَعِرُّ]﴾ في مَوْضِعِ الصِفَةِ لَمْ يَقِفْ عَلى ﴿ "مَثانِيَ"، ﴾ ومَن جَعَلَهُ مُسْتَأْنَفًا وإخْبارًا مُنْقَطِعًا وقَفَ عَلى "مَثانِيَ".
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ فَأذاقَهُمُ اللهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ هَذا تَقْرِيرٌ بِمَعْنى التَعَجُبِ، والمَعْنى: أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ كالمُنَعَّمِينَ في الجَنَّةِ؟
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ ﴾ ، فَقالَ مُجاهِدٌ: يَجْثُو عَلى وجْهِهِ في النارِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: لِما رُوِيَ أنَّ الكافِرَ يُلْقى في النارِ مَكْتُوفًا مَرْبُوطَةً يَداهُ إلى رِجْلَيْهِ مَعَ عُنُقِهِ، ويُكَبُّ عَلى وجْهِهِ، فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يَتَّقِي بِهِ إلّا وجْهَهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى صِفَةُ كَثْرَةِ ما يَنالُهم مِنَ العَذابِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَتَّقِيهِ بِجَمِيعِ جَوارِحِهِ وفِيهِ حَواسُّهُ، فَإذا بَلَغَ بِهِ العَذابُ إلى هَذِهِ الغايَةِ ظَهَرَ أنَّهُ لا مُتَجاوَزَ بَعْدَها.
وهَذا المَعْنى عِنْدِي أقْيَسُ بَلاغَةً، وفي هَذا المِضْمارِ يَجْرِي قَوْلُ الشاعِرِ: يَلْقى السُيُوفَ بِوَجْهِهِ وبِنَحْرِهِ ∗∗∗ ويُقِيمُ هامَتَهُ مَقامَ المِغْفَرِ لِأنَّهُ إنَّما أرادَ عَظِيمَ جُرْأتِهِ عَلَيْها، فَهو يَلْقاها بِكُلِّ مِجَنٍّ، وبِكُلِّ شَيْءٍ مِنهُ حَتّى بِوَجْهِهِ وبِنَحْرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ مَعْناهُ: باشِرُوا، وهُنا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ.
ثُمَّ مَثَّلَ لِقُرَيْشٍ بِالأُمَمِ السالِفَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِما نالَ تِلْكَ الأُمَمَ مِن كَوْنِها في الدُنْيا أحادِيثَ مُلَعَّنَةً، وأُخْرى أعْظَمَ مِن هَذا، مَعَ ما نالَ نُفُوسَهم مِنَ الألَمِ والذُلِّ والكَرْبِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ ما أُعِدَّ لَهم مِن عَذابِ الآخِرَةِ أكْبَرُ مِن هَذا كُلِّهِ الَّذِي كانَ في الدُنْيا.
وقَوْلُهُ: ﴿ "قُرْآنًا"، ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو نَصْبٌ عَلى الحالِ و"عَرَبِيًّا" حالٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نُصِبَ عَلى التَوْطِئَةِ لِلْحالِ، والحالُ قَوْلُهُ: ﴿ "عَرَبِيًّا"، ﴾ ونَفى عنهُ العِوَجَ لِأنَّهُ لا اخْتِلافَ فِيهِ ولا تَناقُضَ ولا مَغْمَزَ بِوَجْهٍ.
واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المَعْنى: غَيْرُ مُتَضادٍّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: غَيْرُ مُخْتَلِفٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: غَيْرُ ذِي لَبْسٍ، وقالَ السُدِّيُّ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وقالَ بَكْرٌ المُزَنِيُّ: غَيْرُ ذِي لَحْنٍ.
و"العِوَجُ" بِكَسْرِ العَيْنِ في الأمْرُ، وبِفَتْحِها في الأشْخاصِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ضَرَبَ اللهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ ﴾ ﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللهِ وكَذَّبَ بِالصِدْقِ إذْ جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ ﴾ لَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ ضَرَبَ لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ مُجْمَلًا، جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَثَلٍ في أهَمِّ الأُمُورِ وأعْظَمِها خَطَرًا وهو التَوْحِيدُ، فَمَثَّلَ تَعالى الكافِرَ والعابِدَ لِلْأوثانِ والشَياطِينِ بِعَبْدٍ لِرِجالٍ عِدَّةٍ، في أخْلاقِهِمْ شَكاسَةٌ ونَقْصٌ وعَدَمُ مُسامَحَةٍ، فَهم لِذَلِكَ يُعَذِّبُونَ ذَلِكَ العَبْدَ بِأنَّهم يَتَضايَقُونَ في أوقاتِهِمْ، ويُضايِقُونَ العَبْدَ في كَثْرَةِ العَمَلِ، فَهو أبَدًا ناصِبٌ، فَكَذَلِكَ عابِدُ الأوثانِ، الَّذِي يَعْتَقِدُ أنَّ ضُرَّهُ ونَفْعَهُ عِنْدَها هو مُعَذَّبُ الفِكْرِ بِها، وبِحِراسَةِ حالِهِ مِنها، ومَتى أرْضى صَنَمًا مِنها بِالذَبْحِ لَهُ في زَعْمِهِ تَفَكَّرَ فِيما يَصْنَعُ مَعَ الآخَرِ، فَهو أبَدًا في نَصَبٍ وضَلالٍ، وكَذَلِكَ هو المَصانِعُ لِلنّاسِ، المُمْتَحَنُ بِخِدْمَةِ المُلُوكِ.
وَمَثَّلَ تَعالى المُؤْمِنَ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى وحْدَهُ بِعَبْدٍ لِرَجُلٍ واحِدٍ يُكَلِّفُهُ شُغْلَهُ، فَهو يَعْمَلُهُ عَلى تَؤُدَةٍ، وقَدْ ساسَ مَوْلاهُ، فالمَوْلى يَغْفِرُ زَلَّتَهُ، ويَشْكُرُهُ عَلى إجادَةِ عَمَلِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "ضَرَبَ" ﴾ مَأْخُوذٌ مِنَ الضَرِيبِ الَّذِي هو الشَبِيهُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "هَذا ضَرْبُ هَذا"، أيْ: شَبَهُهُ، و"مَثَلًا" مَفْعُولٌ بِـ"ضَرَبَ"، و"رَجُلًا" بَدَلٌ، قالَ الكِسائِيُّ: وإنْ شِئْتَ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ: "مَثَلًا لِرَجُلٍ"، أو"فِي رَجُلٍ"، وفي هَذا نَظَرٌ.
و"مُتَشاكِسُونَ" مَعْناهُ: لا سَمْحَ في أخْلاقِهِمْ، بَلْ فِيها لَجاجٌ ومُتابَعَةٌ ومُحاذَقَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: خُلِقْتُ شَكْسًا لِلْأعادِي مِشْكَسًا وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: [ سالِمًا ] عَلى اسْمِ الفاعِلِ، بِمَعْنى: سَلِمَ مِنَ الشَرِكَةِ فِيهِ، قالَ أبُو عَمْرٍو: مَعْناهُ: خالِصًا، وهَذِهِ بِالألِفِ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، والجَحْدَرِيِّ، والزُهْرِيِّ، والحَسَنِ - بِخِلافٍ عنهُ - وقَرَأ الباقُونَ: "سَلَمًا" بِفَتْحِ السِينِ واللامِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي رَجاءٍ، وطَلْحَةَ، والحَسَنِ بِخِلافٍ -.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: [سِلْمًا] بِكَسْرِ السِينِ وسُكُونِ اللامِ، وهُما مَصْدَرانِ وُصِفَ بِهِما الرَجُلُ، بِمَعْنى: خالِصًا وأمْرًا قَدْ سَلِمَ لَهُ.
ثُمَّ وقَّفَ الكَفّارَ بِقَوْلِهِ: ﴿ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا ﴾ ، ونُصِبَ "مَثَلًا" عَلى التَمْيِيزِ، وهَذا تَوْقِيفٌ لا يُجِيبُ عنهُ أحَدٌ إلّا بِأنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ، فَلِذَلِكَ عامَلَتْهُمُ العِبارَةُ الوَجِيزَةُ عَلى أنَّهم قَدْ جاوَبُوا، فَقالَ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ عَلى ظُهُورِ الحُجَّةِ عَلَيْكم مِن أقْوالِكُمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ فَأضْرَبَ عن مُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ يَقْتَضِيهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ظُهُورِ الحُجَّةِ، وأنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما يَقُولُونَ، بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ.
و"أكْثَرُ" في هَذِهِ الآيَةِ عَلى بابِها، لِأنّا وجَدْنا الأقَلَّ عَلِمَ أمْرَ التَوْحِيدِ وتَكَلَّمَ بِهِ، ورَفَضَ أمْرَ الأصْنامِ، كَوَرَقَةَ وزَيْدٍ، وقُسٍّ.
ثُمَّ ابْتَدَأ القَوْلَ مَعَهم في غَرَضٍ آخَرَ مِنَ الوَعِيدِ يَوْمَ القِيامَةِ والخُصُومَةِ فِيهِ، ومِنَ التَحْذِيرِ مِن حالِ الكَذَبَةِ عَلى اللهِ، المُكَذِّبِينَ بِالصِدْقِ، فَقَدَّمَ تَعالى لِذَلِكَ تَوْطِئَةً مُضَمَّنُها وعْظُ النُفُوسِ وتَهْيِئَتُها لِقَبُولِ الكَلامِ وحَذْفُ التَوَعُدِ، وهَذا كَما تُرِيدُ أنْ تَنْهى إنْسانًا عن مَعاصِيهِ، أو تَأْمُرَهُ بِخَيْرٍ، فَتَفْتَتِحَ كَلامَكَ بِأنْ تَقُولَ: كُلُّنا يَفْنى، أو: لابُدَّ لِلْجَمِيعِ مِنَ المَوْتِ، أو: كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ، ونَحْوَ هَذا مِمّا تُرَقِّقُ بِهِ نَفْسَ الَّذِي تُحادِثُهُ، ثُمَّ بَعْدَ هَذا تُورِدُ قَوْلَكَ.
فَأخْبَرَ تَعالى أنَّ الجَمِيعَ مَيِّتٌ، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأها [مائِتٌ] و[مائِتُونَ] بِألِفٍ ابْنُ الزُبَيْرِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، واليَمانِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي عَقْرَبٍ، والضَمِيرُ في "إنَّهُمْ" لِجَمِيعِ العالَمِ.
دَخَلَ رَجُلٌ عَلى صِلَةَ بْنِ أشْيَمَ فَنَعى إلَيْهِ أخاهُ، وبَيْنَ يَدَيْ صِلَةَ طَعامٌ، فَقالَ صِلَةُ لِلرَّجُلِ: ادْنُ فَكُلْ، فَإنَّ أخِي قَدْ نُعِيَ إلَيَّ مُنْذُ زَمانٍ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ ﴾ .
والضَمِيرُ في ﴿ ثُمَّ إنَّكُمْ ﴾ قِيلَ: هو عامٌّ أيْضًا، فَيَخْتَصِمُ يَوْمَ القِيامَةِ المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ فِيما كانَ مِن ظُلْمِ الكافِرِينَ لَهم في كُلِّ مَوْطِنٍ ظُلِمُوا فِيهِ، ومِن هَذا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنا أوَّلُ مَن يَجْثُو يَوْمَ القِيامَةِ لِلْخُصُومَةِ بَيْنَ يَدَيِ الرَحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ، فَيَخْتَصِمُ عَلَيٌّ، وحَمْزَةُ، وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ رَضِيَ اللهُ عنهم مَعَ عُتْبَةَ، وشَيْبَةَ، والوَلِيدِ، ويَخْتَصِمُ أيْضًا المُؤْمِنُونَ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ في ظُلاماتِهِمْ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ وغَيْرُهُ، «وَقالَ الزُبَيْرُ بْنُ العَوّامِ لِلنَّبِيِّ : أيُكْتَبُ عَلَيْنا ما كانَ بَيْنَنا في الدُنْيا مَعَ خَواصِّ الذُنُوبِ؟
قالَ: "نَعَمْ، حَتّى يُؤَدّى إلى كُلِّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ"،» وقَدْ قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قُلْنا: كَيْفَ نَخْتَصِمُ ونَحْنُ إخْوانٌ؟
فَلَمّا قُتِلَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وضَرَبَ بَعْضُنا وُجُوهَ بَعْضٍ بِالسُيُوفِ قُلْنا: هَذا الخِصامُ الَّذِي وعَدَنا رَبُّنا تَعالى، ويَخْتَصِمُ أيْضًا - عَلى ما رُوِيَ - الرُوحُ مَعَ الجَسَدِ في أنْ يُذَنِّبَ كُلٌّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ، ويَجْعَلَ المَعْصِيَةَ في حَيِّزِهِ، فَيَحْكُمُ اللهُ تَعالى بِشَرِكَتِهِما في ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى الآيَةِ عِنْدِي أنَّ اللهَ تَعالى تَوَعَّدَهم بِأنَّهم سَيُخاصَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ في مَعْنى رَدِّهِمْ في وجْهِ الشَرِيعَةِ، وتَكْذِيبِهِمْ لِرَسُولِ اللهِ .
ثُمَّ وقَّفَهُمُ اللهُ تَعالى تَوْقِيفًا مَعْناهُ نَفْيُ المُوقَفِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن أظْلَمُ ﴾ ، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللهِ، والإشارَةُ بِهَذا الكَذِبِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّ لِلَّهِ صاحِبَةً ووَلَدًا، وقَوْلُهُمْ: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ افْتِراءً عَلى اللهِ تَعالى، وكَذَّبُوا أيْضًا بِالصِدْقِ، وذَلِكَ تَكْذِيبُهم أقْوالَ مُحَمَّدٍ عَنِ اللهِ تَعالى، ما كانَ مِن ذَلِكَ مُعْجِزًا أو غَيْرَ مُعْجِزٍ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَبارَكَ وتَعالى تَوَعُّدًا فِيهِ احْتِقارُهم بِقَوْلِهِ عَلى وجْهِ التَوْقِيفِ: ﴿ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ ﴾ ، والمَثْوى: مَوْضِعُ الإقامَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِي جاءَ بِالصِدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ ﴾ ﴿ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ لِيُكَفِّرَ اللهُ عنهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ ألَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِن هادٍ ﴾ ﴿ وَمَن يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِي جاءَ بِالصِدْقِ ﴾ مُعادِلٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللهِ وكَذَّبَ بِالصِدْقِ ﴾ فَـ"مَن" هُنالِكَ لِلْجَمِيعِ والعُمُومِ، و[الَّذِي] هُنا لِلْجِنْسِ أيْضًا، كَأنَّهُ قالَ: والفَرِيقُ الَّذِي جاءَ بَعْضُهُ بِالصِدْقِ، وصَدَّقَ بِهِ بَعْضُهُ، ويَسْتَقِيمُ اللَفْظُ والمَعْنى عَلى هَذا التَرْتِيبِ.
وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: [والَّذِينَ جاءُوا بِالصِدْقِ وصَدَّقُوا بِهِ]، وهو هُنا القُرْآنُ وأنْباؤُهُ، والشَرْعُ بِجُمْلَتِهِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الَّذِي" يُرادُ بِهِ: الَّذِينَ، وحُذِفَتِ النُونُ لِطُولِ الكَلامِ، وهَذا غَيْرُ جَيِّدٍ، وتَرْكِيبُ "جاءَ" عَلَيْهِ يَرُدُّ ذَلِكَ، ولَيْسَ كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: إنَّ عَمَّيَّ اللَذّا ∗∗∗ قَتَلا المُلُوكَ....
وَنَظِيرُ الآيَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: وإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهم ∗∗∗ ∗∗∗ هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أمَّ خالِدِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: والَّذِي جاءَ بِالصِدْقِ هو مُحَمَّدٌ ، وهو الَّذِي صَدَّقَ بِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الَّذِي جاءَ بِالصِدْقِ هو جِبْرِيلُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ، هو مُحَمَّدٌ ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو العالِيَةِ، والكَلْبِيُّ، وجَماعَةٌ: الَّذِي جاءَ بِالصِدْقِ هو مُحَمَّدٌ ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ هو أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: الَّذِي جاءَ بِالصِدْقِ هو مُحَمَّدٌ ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، قالَ مُجاهِدٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ، وقالَ أبُو الأسْوَدِ ومُجاهِدٌ وجَماعَةٌ: الَّذِي صَدَّقَ هو عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ بِالعُمُومِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أوَّلًا، وهو أصْوَبُ الأقْوالِ.
وقَرَأ أبُو صالِحٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ جُحادَةَ، وعِكْرِمَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: [وَصَدَقَ بِهِ] بِالتَخْفِيفِ في الدالِ، بِمَعْنى: اسْتَحَقَّ بِهِ اسْمَ الصِدْقَ، فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ إسْنادُ الأفْعالِ كُلِّها إلى مُحَمَّدٍ ، وكَأنَّ أُمَّتَهُ في ضِمْنِ القَوْلِ، وهو الَّذِي يُحَسِّنُ: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: اتَّقَوُا الشِرْكَ.
واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيُكَفِّرَ اللهُ عنهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ المُحْسِنِينَ ﴾ ، أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا لِكَيْ يُكَفِّرَ، وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَقْطُوعٍ مِمّا قَبْلَهُ، كَأنَّكَ قُلْتَ: "بَشَّرَهُمُ اللهُ تَعالى بِذَلِكَ لِيَكَفِّرَ" لِأنَّ التَكْفِيرَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ التَيْسِيرِ لِلْخَيْرِ، و ﴿ أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ﴾ هو كُفْرُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ ومَعاصِي أهْلِ الإسْلامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ﴾ تَقْوِيَةٌ لِنَفْسِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ كانَتْ خَوَّفَتْهُ مِنَ الأصْنامِ، وقالُوا: أنْتَ تَسُبُّها ونَخافُ أنْ تُصِيبَكَ بِجُنُونٍ أو عِلَّةٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: [عِبادَهُ] يُرِيدُ الأنْبِياءَ المُخْتَصِّينَ بِهِ، وأنْتَ أحَدُهُمْ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ المُطِيعُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُتَوَكِّلُونَ عَلى اللهِ تَعالى، وهَذِهِ قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ.
وقَرَأ الباقُونَ: "عَبْدَهُ" وهو اسْمُ جِنْسٍ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وشَيْبَةَ، وأهْلِ المَدِينَةِ، ويُقَوِّي أنَّ الإشارَةَ إلى مُحَمَّدٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُخَوِّفُونَكَ ﴾ ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ يُرِيدُ: بِالَّذِينِ يُعْبَدُونَ مِن دُونِهِ، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ بَعَثَ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إلى كَسْرِ العُزّى، فَقالَ سادِنُها: يا خالِدُ، إنِّي أخافُ عَلَيْكَ مِنها، فَلَها قُوَّةٌ لا يَقُومُ لَها شَيْءٌ، فَأخَذَ خالِدُ الفَأْسَ فَهَشَّمَ بِهِ وجْهَها وانْصَرَفَ.» ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى أنَّ الهِدايَةَ والإضْلالَ مِن عِنْدِهِ بِالخَلْقِ والِاخْتِراعِ، وأنَّ ما أرادَ مِن ذَلِكَ لا رادَّ لَهُ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِعِزَّتِهِ وانْتِقامِهِ، فَكانَ ذَلِكَ، وانْتَقَمَ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ وما بَعْدَهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ إنْ أرادَنِيَ اللهِ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أو أرادَنِيَ بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهِ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ ﴾ ﴿ قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ ﴾ هَذا ابْتِداءُ احْتِجاجٍ عَلَيْهِمْ بِحُجَّةٍ أُخْرى، وجُمْلَتُها أنْ وُقِفُوا عَلى الخالِقِ المُخْتَرِعِ، فَإذا قالُوا إنَّهُ اللهُ؛ لَمْ يَبْقَ لَهم في الأصْنامِ غَرَضٌ إلّا أنْ يَقُولُوا: إنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ، فَلَمّا تَقَعَّدَ مِن قَوْلِهِمْ إنَّ اللهَ هو الخالِقُ قِيلَ لَهُمْ: أفَرَأيْتُمْ هَؤُلاءِ إذا أرادَ اللهُ أمْرًا، أبِهِمْ قُدْرَةٌ عَلى نَقْضِهِ؟
وحَذَفَ الجَوابَ عن هَذا، لِأنَّهُ مِنَ البَيِّنِ أنَّهُ لا يُجِيبُ أحَدٌ؛ إلّا أنَّهُ لا قُدْرَةَ لِلْأصْنامِ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
وقَرَأ: ﴿ "إنْ أرادَنِيَ" ﴾ بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسُ، وقَرَأ الأعْمَشُ: [إنْ أرادَنِ اللهُ] بِحَذْفِ الياءِ في الوَصْلِ، ورَوى خارِجَةُ بِغَيْرِ ياءٍ أصْلًا.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ، وعِيسى، وابْنُ وثّابٍ: ﴿ "كاشِفاتُ ضُرِّهِ" ﴾ بِالإضافَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: [كاشِفاتٌ ضُرَّهُ] بِالتَنْوِينِ ونَصْبِ [ضُرَّهُ]، وهي قِراءَةُ شَيْبَةَ، والحَسَنِ، وعِيسى - بِخِلافٍ عنهُ - وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وهَذا هو الوَجْهُ فِيما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، وكَذَلِكَ الخِلافُ في ﴿ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ ﴾ .
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَصْدَعَ بِالِاتِّكالِ عَلى اللهِ تَعالى، وأنَّهُ حَسْبُهُ مَن كُلِّ شَيْءٍ ومِن كُلِّ ناصِرٍ.
ثُمَّ أمَرَهُ بِتَوَعُّدِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ ﴾ ، أيْ: عَلى ما رَأيْتُمُوهُ مُتَمَكِّنًا لَكُمْ، وعَلى حالَتِكُمُ الَّتِي اسْتَقَرَّ رَأْيُكم عَلَيْها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَكانَتِكُمْ" بِالإفْرادِ، وقَرَأها بِالجَمْعِ: الحَسَنُ وعاصِمٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "اعْمَلُوا" ﴾ لَفَظٌ بِمَعْنى الوَعِيدِ، و"العَذابُ المُخْزِي": هو عَذابُ الدُنْيا يَوْمَ بَدْرٍ وغَيْرُهُ، "والعَذابُ المُقِيمُ" هو عَذابُ الآخِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ بِالحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ ﴿ اللهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ هَذا إعْلامٌ بِعُلُوِّ مَكانَةِ مُحَمَّدٍ واصْطِفاءِ رَبِّهِ لَهُ.
و"الكِتابَ": القُرْآنُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "بِالحَقِّ" ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُرِيدَ: مُضَمَّنًا الحَقَّ في أخْبارِهِ وأحْكامِهِ، والآخَرُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ أنْزَلَهُ بِالواجِبِ مِن إنْزالِهِ، وبِالِاسْتِحْقاقِ لِذَلِكَ، لِما فِيهِ مِن مَصْلَحَةِ العالَمِ وهِدايَةِ الناسِ، وكَأنَّ هَذا الَّذِي فَعَلَ اللهُ تَعالى مِن إنْزالِ كِتابٍ إلى عَبْدِهِ هو إقامَةُ حُجَّةٍ عَلَيْهِمْ، وبَقِيَ تَكَسُّبُهم بَعْدُ إلَيْهِمْ، فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ عَمِلَ وسَعى، ومَن ضَلَّ فَعَلَيْها جَنى.
والهُدى والضَلالُ إنَّما لِلَّهِ تَعالى فِيهِما خَلْقٌ واخْتِراعٌ، ولِلْعَبْدِ تَكَسُّبٌ، عَلَيْهِ يَقَعُ الثَوابُ أوِ العِقابُ.
وأخْبَرَ نَبِيَّهُ أنَّهُ لَيْسَ بِوَكِيلٍ عَلَيْهِمْ ولا مُسَيْطِرٍ، و"الوَكِيلُ": القائِمُ عَلى الأمْرِ حَتّى يُكْمِلَهُ.
ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى عَلى آيَةٍ مِن آياتِهِ الكُبْرى تَدُلُّ الناظِرَ عَلى الوِحْدانِيَّةِ، وأنَّ ذَلِكَ لا شِرْكَ فِيهِ لِصَنَمٍ، وهي حالَةُ التَوَفِّي، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى ما تَوَفّاهُ عَلى الكَمالِ فَهو الَّذِي يَمُوتُ، وما تَوَفّاهُ تَوَفِّيًا غَيْرَ مُكْمَلٍ فَهو الَّذِي يَكُونُ في النَوْمِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: النَوْمُ وفاةٌ، والمَوْتُ وفاةٌ، وكَثَّرَتْ فِرْقَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ وهَذا المَعْنى، فَفَرَّقَتْ بَيْنَ النَفْسِ والرُوحِ، وفَرَّقَ قَوْمٌ أيْضًا بَيْنَ نَفْسِ التَمْيِيزِ ونَفْسِ التَخَيُّلِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي هي غَلَبَةُ ظَنٍّ، وحَقِيقَةُ الأمْرِ في هَذا هي مِمّا اسْتَأْثَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِ وغَيَّبَهُ عن عِبادِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلِ الرُوحُ مِن أمْرِ رَبِّي ﴾ ، ويَكْفِيكَ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿ "يَتَوَفّى الأنْفُسَ"، ﴾ وفي الحَدِيثِ الصَحِيحِ «إنَّ اللهَ قَبَضَ أرْواحَنا حِينَ شاءَ، ورَدَّها عَلَيْنا حِينَ شاءَ،» في حَدِيثِ بِلالٍ في الوادِي، فَقَدْ نَطَقَتِ الشَرِيعَةُ بِقَبْضِ الرُوحِ والنَفْسِ في النَوْمِ، وقَدْ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ قُلِ الرُوحُ مِن أمْرِ رَبِّي ﴾ ، فَظاهِرٌ أنَّ التَفْصِيلَ والخَوْضَ في هَذا كُلِّهُ عَناءٌ، وإنْ كانَ قَدْ تَعَرَّضَ لِلْقَوْلِ في هَذا ونَحْوِهِ الأئِمَّةُ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: في ابْنِ آدَمَ نَفْسٌ بِها العَقْلُ والتَمْيِيزُ، وفِيهِ رُوحٌ بِها التَنَفُّسُ والتَحَرُّكُ، فَإذا نامَ العَبْدُ قَبَضَ اللهُ نَفْسَهُ ولَمْ يَقْبِضْ رُوحَهُ.
و"الأجَلُ المُسَمّى" في هَذِهِ الآيَةِ: هو عُمْرُ كُلِّ إنْسانٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ قَضى عَلَيْها ﴾ بِفَتْحِ القافِ والضادِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: [قُضِيَ عَلَيْها] بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الضادِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، وعِيسى.
ثُمَّ أحالَ أهْلَ الفِكْرَةَ عَلى النَظَرِ في هَذا ونَحْوِهِ، فَإنَّهُ مِنَ البَيِّنِ أنَّ هَذِهِ القُدْرَةَ لا يَمْلِكُها إلّا الواحِدُ الصَمَدُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ قُلْ لِلَّهِ الشَفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ﴿ وَإذا ذُكِرَ اللهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ [أمْ] هُنا مَقْطُوعَةٌ مِمّا قَبْلَها، وهي مُقَدَّرَةٌ بِالألِفِ وبَلْ، وهَذا تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنْ يُوقِفَهم عَلى الأمْرِ، وعَلى أنَّهم يَرْضَوْنَ بِهَذا مَعَ كَوْنِ الأصْنامِ بِصُورَةِ كَذا وكَذا مِن عَدَمِ المِلْكِ والعَقْلِ.
والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "أوَلَوْ" ﴾ واوُ عَطْفٍ دَخَلَتْ عَلَيْها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، ومَتى دَخَلَتْ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى واوِ العَطْفِ أو فائِهِ أحْدَثَتْ مَعْنى التَقْرِيرِ.
ثُمَّ أمَرَهُ بِأنْ يُخْبِرَ بِأنَّ جَمِيعَ الشَفاعَةِ إنَّما هي لِلَّهِ تَعالى، و"جَمِيعًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، والمَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى يَشْفَعُ ثُمَّ لا يَشْفَعُ أحَدٌ قَبْلَ شَفاعَتِهِ إلّا بِإذْنِهِ، فَمِن حَيْثُ شَفاعَةُ غَيْرِهِ مَوْقُوفَةٌ عَلى إذْنِهِ فالشَفاعَةُ كُلُّها لَهُ ومِن عِنْدِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا ذُكِرَ اللهُ وحْدَهُ ﴾ الآيَةَ، قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: «نَزَلَتْ في قِراءَةِ النَبِيِّ سُورَةَ النَجْمِ عِنْدَ الكَعْبَةِ بِمَحْضَرٍ مِنَ الكُفّارِ، وعِنْدَ ذَلِكَ ألْقى الشَيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ، فَقالَ: "إنَّهُنَّ الغَرانِيقُ العُلى، وإنَّ شَفاعَتَهم لِتُرْتَجى"،» فاسْتَبْشَرَ الكَفّارُ بِذَلِكَ وسُرُّوا، فَلَمّا أذْهَبَ اللهُ ما ألْقى الشَيْطانُ أنِفُوا واسْتَكْبَرُوا واشْمَأزَّتْ نُفُوسُهُمْ، ومَعْناهُ: تَقَبَّضَتْ كِبْرًا وأنَفَةً وكَراهِيَةً ونُفُورًا، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومَ: إذا عَضَّ الثِقافُ بِها اشْمَأزَّتْ ∗∗∗ ووَلَّتْهم عَشَوْزَنَةً زَبُونا و ﴿ الَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ يُرِيدُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مَن دُونِهِ، وجاءَتِ العِبارَةُ في هَذِهِ الآياتِ عَنِ الأصْنامِ كَما تَجِيءُ عَمَّنْ يَفْعَلُ، مِن حَيْثُ صارَتْ في حَيِّزٍ مَن يَعْقِلُ، ونُسِبَ إلَيْها الضُرُّ والنَفْعُ والأُلُوهِيَّةُ، ونُفِيَ ذَلِكَ عنها، فَعُومِلَتْ مُعامَلَةَ مَن يَعْقِلُ.
و"وَحْدَهُ" مَنصُوبٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ عَلى المَصْدَرِ، وعِنْدَ الفَرّاءِ عَلى الحالِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وبَدا لَهم مِن اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ﴾ ﴿ وَبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِالدُعاءِ إلَيْهِ، ورَدِّ الحُكْمِ إلى عَدْلِهِ، ومَعْنى هَذا الأمْرِ تَضَمُّنُ إجابَةٍ، و"اللهُمَّ" عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مُنادى، وكَذَلِكَ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، إلّا أنَّهُ خالَفَهم في هَذِهِ المِيمِ المُشَدَّدَةِ، فَقالَ سِيبَوَيْهِ: هي عِوَضٌ مِن حَرْفِ النِداءِ المَحْذُوفِ إيجازًا، وهي دِلالَةٌ عَلى أنَّ ثَمَّ ما حَذْفٌ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: بَلْ هو فِعْلٌ اتَّصَلَ بِالمَكْتُوبَةِ، وهو "أمَّ" ثُمَّ حُذِفَتِ الهَمْزَةُ تَخْفِيفًا، فَكَأنَّ مَعْنى اللهُمَّ: يا اللهُ أُمَّ بِرَحْمَتِكَ وفَضْلِكَ و"فاطِرَ" مُنادى مُضافٌ، أيْ: يا فاطِرَ السَماواتِ، و"الغَيْبِ": ما غابَ عَنِ البَشَرِ، و"الشَهادَةِ"؛ ما شاهَدُوهُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، وأنَّ ما يَنْزِلُ بِهِمْ لَوْ قَدَرُوا عَلى الِافْتِداءِ مِنهُ بِضَعْفِ الدُنْيا بِأسْرِها لَفَعَلُوا، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَبَدا لَهم مِنَ اللهِ ﴾ الآيَةُ.
أيْ: كانَتْ ظُنُونُهم في الدُنْيا مُتَفَرِّقَةً مُتَنَوِّعَةً حَسْبَ ضَلالَتِهِمْ وتَخَيُّلاتِهِمْ فِيما يَعْتَقِدُونَهُ، فَإذا عايَنُوا العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ وقَصُرَتْ بِهِ حالاتُهم ظَهَرَ لِكُلِّ واحِدٍ خِلافُ ما كانَ يَظُنُّ.
وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ ؛ ويْلٌ لِأهْلِ الرِياءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ، وقالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمّارٍ: جَزِعَ ابْنُ المُنْكَدِرِ عِنْدَ المَوْتِ، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا؟
فَقالَ: أخافُ هَذِهِ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "وَحاقَ" ﴾ مَعْناهُ: نَزَلَ وثَبَتَ ولَزِمَ، وقَوْلُهُ: ﴿ ما كانُوا ﴾ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: وحاقَ بِهِمْ جَزاءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هي فِتْنَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عنهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ هَذِهِ حُجَّةٌ تُلْزِمُ عُبّادَ الأوثانِ التَناقُضَ في أعْمالِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأوثانَ ويَعْتَقِدُونَ تَعْظِيمَها، فَإذا أزِفَتْ آزِفَةٌ أو نالَتْ شِدَّةٌ نَبَذُوها ونَسَوْها ودَعَوُا الخالِقَ المُخْتَرِعَ رَبَّ السَماواتِ والأرْضِ، و"الإنْسانَ" في هَذِهِ الآيَةِ لِلْجِنْسِ، و"خَوَّلْناهُ" مَعْناهُ: مَلَّكْناهُ، قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: التَخْوِيلُ: العَطاءُ عن غَيْرِ مُجازاةٍ، و"النِعْمَةُ" هُنا عامٌّ في جَمِيعِ ما يُسْدِيهِ اللهُ إلى العَبْدِ، فَمِن ذَلِكَ إزالَةُ الضُرِّ المَذْكُورِ، ومِن ذَلِكَ الصِحَّةُ والأمْنُ والمالُ، وتَقْوى الإشارَةُ إلَيْهِ في الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ ﴾ ، وبُقُولِهِ تَعالى أخِيرًا: ﴿ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ﴾ وبِذِكْرِ الكَسْبِ.
وذَّكَّرَ تَعالى الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ "أُوتِيتُهُ"، ﴾ وذَلِكَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: مِنها أنْ يُرِيدَ بِالنِعْمَةِ المالَ كَما قَدَّمْناهُ، ومِنها أنْ يُعِيدَ الضَمِيرَ عَلى المَذْكُورِ، إذِ اسْمُ النِعْمَةِ يَعُمُّ ما هو مُذَكَّرٌ ويَعُمُّ ماهُّو مُؤَنَّثٌ، ومِنها أنْ يَكُونَ (ما) في قَوْلِهِ: ﴿ "إنَّما" ﴾ بِمَعْنى "الَّذِي"، وعَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنَ [ما] كافَّةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى عِلْمٍ ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، مَعَ أنْ تَكُونُ "ما" كافَّةٌ، وأمّا إذا كانَتْ بِمَعْنى الَّذِي، فَإنَّ "عَلى عِلْمٍ "فِي مَوْضِعِ خَبَرِ [إنَّ]، ودالٌ عَلى الخَبَرِ المَحْذُوفِ، كَأنَّهُ قالَ: هو عَلى عِلْمٍ،وَقَوْلُهُ ﴿ "عَلى عِلْمٍ " ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلى عِلْمٍ مِنِّي بِوَجْهِ المَكاسِبَ والتِجاراتِ وغَيْرِ ذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ، فَفي هَذا التَأْوِيلِ إعْجابٌ بِالنَفْسِ وتَعاطٍ مُفْرِطٍ، ونَحْوِ هَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللهِ فِيَّ، وشَيْءٍ سَبَقَ لِي، واسْتِحْقاقٍ حُزْتُهُ عِنْدَ اللهِ تَعالى، لا يَضُرُّنِي مَعَهُ شَيْءٌ، وفي هَذا التَأْوِيلِ اغْتِرارٌ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى وعَجْزٌ وتَمَنٍّ عَلى اللهِ تَعالى.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ بَلْ هي فِتْنَةٌ ﴾ ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما قالَ، بَلْ هَذِهِ الغَفْلَةُ بِهِ فِتْنَةٌ لَهُ وابْتِلاءٌ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَمَّنْ سَلَفَ مِنَ الكَفَرَةِ أنَّهم قَدْ قالُوا نَحْوَ هَذِهِ المَقالَةَ، كَقارُونَ وغَيْرِهِ، وأنَّهم ما أغْنى عنهم كَسْبُهم واحْتِجابُهم لِلْأمْوالِ، فَكَذَلِكَ لا يُغْنِي عن هَؤُلاءِ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى - عَلى جِهَةِ التَوَعُّدِ لِهَؤُلاءِ في نَفْسِ المِثالِ - أنَّ أُولَئِكَ أصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا، وأنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِالكُفْرِ مِن هَؤُلاءِ المُعاصِرِينَ لَكَ سَيُصِيبُهم ما أصابَ المُتَقَدِّمِينَ، وهَذا خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى أبْرَزَهُ الوُجُودَ في يَوْمِ بَدْرٍ وغَيْرِهِ، و"مُعْجِزِينَ" مَعْناهُ: مُفْلِتِينَ وناجِينَ بِأنْفُسِهِمْ.
ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى عَلى الحَقِيقَةِ في أمْرِ الكَسْبِ وسَعَةِ النِعَمِ فَقالَ: أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللهَ هو الَّذِي يَبْسُطُ الرِزْقَ لِقَوْمٍ ويُضَيِّقُهُ عَلى قَوْمٍ بِمَشِيئَتِهِ وسابِقِ عِلْمِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِكَيْسِ أحَدٍ ولا لِعَجْزِهِ، ﴿ "وَيَقْدِرُ" ﴾ مَعْناهُ: يَضِيقُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللهِ إنَّ اللهِ يَغْفِرُ الذُنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ وَأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ الناسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، في كافِرٍ ومُؤْمِنٍ، أيْ أنَّ تَوْبَةَ الكافِرِ تَمْحُو كُفْرَهُ، وتَوْبَةَ العاصِي تَمْحُو ذَنْبَهُ، واخْتُلِفَ - هَلْ يَكُونُ في المَشِيئَةِ أو هو مَغْفُورٌ لَهُ ولابُدَّ؟
- فَقالَتْ فِرْقَةٌ مِن أهْلِ السُنَّةِ: هو مَغْفُورٌ لَهُ ولابُدَّ، وهَذا مُقْتَضى ظَواهِرِ القُرْآنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: التائِبُ في المَشِيئَةِ، لَكِنْ يَغْلِبُ الرَجاءُ في ناحِيَتِهِ، والعاصِي في المَشِيئَةِ، لَكِنْ يَغْلِبُ الخَوْفُ في ناحِيَتِهِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: نَزَلَتْ في وحْشَيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ، وقالَ السُدِّيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحَقَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ بِمَكَّةَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا، وفَتَنَتْهم قُرَيْشٌ فافْتَتَنُوا، ثُمَّ نَدِمُوا وظَنُّوا أنَّهم لا تَوْبَةَ لَهُمْ، فَنَزَلَتْ، مِنهُمُ الوَلِيدُ، وهُشامُ بْنُ العاصِي، وهَذا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأنَّهُ كَتَبَها بِيَدِهِ إلى هِشامِ بْنِ العاصِي، الحَدِيثُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ كُفّارٍ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، قالُوا: وما يَنْفَعُنا الإسْلامُ ونَحْنُ قَدْ زَنَيْنا وقَتَلْنا الناسَ وأتَيْنا كُلَّ كَبِيرَةٍ، فَنَزَلَتْ، وقالَ عَلَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في القُرْآنِ، ورَوى ثَوْبانِ أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "ما أحَبَّ أنَّ لِي الدُنْيا بِما فِيها بِهَذِهِ الآيَةِ: يا عِبادِيَ".» و"أسْرَفُوا" مَعْناهُ: أفْرَطُوا وتَعَدُّوا الطَوْرَ، و"القُنُوطُ": أعْظَمُ اليَأْسِ.
وقَرَأ نافِعٌ وَجُمْهُورُ الناسِ: ﴿ (تَقْنَطُوا) ﴾ بِفَتْحِ النُونِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: "يَلْزَمُهم أنْ يَقْرَؤُوا: "مِن بَعْدِ ما قَنِطُوا" بِالكَسْرِ، ولَمْ يَقْرَأْ بِهِ أحَدٌ"، وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِضَمِّ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ بِكَسْرِها، وهي لُغاتٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُنُوبَ جَمِيعًا ﴾ عُمُومٌ بِمَعْنى الخُصُوصِ؛ لِأنَّ الشِرْكَ لَيْسَ بِداخِلٍ في الآيَةِ إجْماعًا، وهي أيْضًا في المَعاصِي مُقَيَّدَةٌ بِالمَشِيئَةِ، و"جَمِيعًا" نُصِبَ عَلى الحالِ.
ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ قَرَأ: [إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُنُوبَ جَمِيعًا ولا يُبالِي]» وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُنُوبَ جَمِيعًا لِمَن يَشاءُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَأنِيبُوا" ﴾ مَعْناهُ: ارْجِعُوا ومِيلُوا بِنُفُوسِكُمْ، و"الإنابَةُ": الرُجُوعُ بِالنَفْسِ إلى الشَيْءِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ﴾ تَوَعُّدٌ بِعَذابِ الدُنْيا والآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ ﴾ مَعْناهُ أنَّ القُرْآنَ العَزِيزَ تَضَمَّنَ عَقائِدَ نَيِّرَةٍ، وأوامِرَ ونَواهِيَ مُنْجِيَةٍ، وعِدِاتٍ عَلى الطاعاتِ والبِرِّ، وحُدُودًا عَلى المَعاصِي ووَعِيدًا عَلى بَعْضِها، فالأحْسَنُ أنْ يَسْلُكَ الإنْسانُ طَرِيقَ التَفَهُّمِ والتَحْصِيلِ والطاعَةِ والِانْتِهاءِ والعَفْوِ في الأُمُورِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَهو أحْسَنُ مِن أنْ يَسْلُكَ طَرِيقَ الغَفْلَةِ والمَعْصِيَةِ فَيُجْزى أو يَقَعُ تَحْتَ الوَعِيدِ، فَهَذا المَعْنى هو المَقْصُودُ بـِ[أحْسَنَ]، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ بَعْضَ القُرْآنِ أحْسَنُ مِن بَعْضٍ مِن حَيْثُ هو قُرْآنٌ، وإنَّما هو أحْسَنُ كُلُّهُ بِالإضافَةِ إلى أفْعالِ الإنْسانِ وما يَلْقى مِن عَواقِبِها، قالَ السُدِّيُّ: الأحْسَنُ هو ما أمَرَ اللهُ تَعالى بِهِ في كِتابِهِ.
و[بَغْتَةً] مَعْناهُ: فَجْأةً وعَلى غَيْرِ مَوْعِدٍ، و"تَشْعُرُونَ" مُشْتَقٌّ مِنَ الشِعارِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ الساخِرِينَ ﴾ ﴿ أو تَقُولَ لَوْ أنَّ اللهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ ﴾ ﴿ أو تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ ﴿ وَيَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾ "أنْ" في هَذِهِ الآيَةِ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ: أنِيبُوا وأسْلَمُوا مِن أجْلِ أنْ تَقُولَ نَفْسٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يا حَسْرَتا"، والأصْلُ: "يا حَسْرَتِي"، ومِنَ العَرَبِ مَن يَرُدُّ ياءَ الإضافَةِ ألِفًا، فَيَقُولُ: يا غُلامًا، ويا جارًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: [يا حَسْرَتايَ] بِفَتْحِ الياءِ، ورُوِيَتْ عنهُ بِسُكُونِها، قالَ أبُو الفَتْحِ؛ جَمَعَ بَيْنَ العِوَضِ والمُعَوِّضِ مِنهُ، ورَوى ابْنُ جَمّازٍ عن أبِي جَعْفَرٍ: "يا حَسْرَتِي" بِكَسْرِ التاءِ وبُعْدِها ياءٌ ساكِنَةٌ، قالَ سِيبَوَيْهِ: "وَمَعْنى نِداءِ الحَسْرَةِ والوَيْلِ: أيْ: هَذا وقْتُكِ وزَمانُكِ فاحْضُرِي".
و"فَرَّطْتُ" مَعْناهُ: قَصَّرْتُ في اللازِمِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فِي جَنْبِ اللهِ ﴾ مَعْناهُ: في مَقاصِدِي إلى اللهِ، وفي جِهَةِ طاعَتِهِ، أيْ: في تَضْيِيعِ شَرِيعَتِهِ والإيمانِ بِهِ، و"الجَنْبُ" يُعَبَّرُ بِهِ عن هَذا ونَحْوِهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أفِي جَنْبِ بَكْرٍ قَطَّعَتْنِي مَلامَةً ∗∗∗ لَعَمْرِي لَقَدْ طالَتْ مَلامَتُها بَيا وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: الناسُ جَنْبٌ والأمِيرُ جَنْبُ وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ فِي جَنْبِ اللهِ ﴾ أيْ: في أمْرِ اللهِ.
وقَوْلُ الكافِرِ: ﴿ وَإنْ كُنْتُ لَمِنَ الساخِرِينَ ﴾ نَدامَةٌ عَلى اسْتِهْزائِهِ بِأمْرِ اللهِ، والسُخْرُ: الِاسْتِهْزاءُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو تَقُولَ ﴾ في المَوْضِعَيْنِ عُطِفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ أنْ تَقُولَ ﴾ الأوَّلِ، و"كَرَّةً" مَصْدَرٌ، مِن: كَرَّ يَكُرُّ، وقَوْلُهُ: "فَأكُونَ" نُصِبَ بِـ"أنْ" مُضْمَرَةٍ مَقْدَّرَةٍ، وهو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "كَرَّةً"، والمُرادُ: لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَكَوْنًا، فَلِذَلِكَ احْتِيجَ إلى "أنْ" لَتَكُونَ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الشاعِرِ - أنْشَدَهُ الفَرّاءُ -: فَمًا لَكَ مِنها غَيْرُ ذِكْرى وخَشْيَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وتَسْألَ عن رُكْبانِها أيْنَ يَمَّمُوا وَقَدْ قَرَّرَ بَعْضُ الناسِ الكَلامَ بِأنَّهُ: "لَوْ أنَّ لِي أنْ أكُرَّ"، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ، وهَذا "الكَوْنُ" في هَذِهِ الآيَةِ داخِلٌ في التَمَنِّي.
وقَوْلُهُ: ﴿ "بَلى" ﴾ جَوابٌ لِنَفْيٍ مُقَدَّرٍ في قَوْلِ هَذِهِ النَفْسِ، كَأنَّها قالَتْ: "فَعُمْرِي في الدُنْيا لَمْ يَتَّسِعْ لِلنَّظَرِ"، أو قالَتْ: "فَإنِّي لَمْ يَتَبَيَّنْ لِيَ الأمْرُ في الدُنْيا"، ونَحْوَ هَذا، وحَقُّ "بَلى" أنْ يَجِيءَ بَعْدَ نَفْيٍ عَلَيْهِ تَقْرِيرٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "قَدْ جاءَتْكَ" ﴾ بِفَتْحِ الكافِ وبِفَتْحِ التاءِ مِن قَوْلِهِ: "فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرَتْ وكُنْتَ"، عَلى مُخاطَبَةِ الكافِرِ ذِي النَفْسِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، والجَحْدَرِيُّ بِكَسْرِ الكافِ والتاءِ في الثَلاثَةِ عَلى خِطابِ النَفْسِ المَذْكُورَةِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: رَوَتْها أمُّ سَلَمَةَ عَنِ النَبِيِّ ، وقَرَأ الأعْمَشُ: [بَلى قَدْ جاءَتْهُ] بِالهاءِ.
ثُمَّ خاطَبَ تَعالى نَبِيَّهُ بِخَبَرٍ يَراهُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن حالَةِ الكُفّارِ، في ضِمْنِ هَذا الخَبَرِ وعِيدٌ لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: [تَرى] هو مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، وكَذِبُهم عَلى اللهِ: هو في أنْ جَعَلُوا لِلَّهِ البَناتَ والصاحِبَ، وشَرَعُوا ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وَظاهِرُ الآيَةِ أنَّ لَوْنَ وُجُوهِهِمْ يَتَغَيَّرُ، وتَسْوَدُّ حَقِيقَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في العِبارَةِ تَجَوُّزٌ، وعَبَّرَ بِالسَوادِ عَنِ ارْبِدادِ وُجُوهُهم وغالِبِ هَمِّهِمْ وظاهِرِ كَآبَتِهِمْ، و"مَثْوى": مَوْضِعُ الثَواءِ والإقامَةِ، و"المُتَكَبِّرُ": رافِعُ نَفْسِهِ إلى فَوْقِ حَقِّهِ، وقالَ النَبِيُّ : « "الكِبَرُ سَفَهُ الحَقِّ وغَمْطُ الناسِ"» أيِ احْتِقارِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ ﴾ ﴿ لَهُ مَقالِيدُ السَماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِن الخاسِرِينَ ﴾ ذَكَرَ اللهُ تَعالى حالَةَ المُتَّقِينَ ونَجاتَهم لِيُعادِلَ بِذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الكَفَرَةِ، وفي ذَلِكَ تَرْغِيبٌ في حالَةِ المُتَّقِينَ؛ لِأنَّ الأشْياءَ تَتَبَيَّنُ بِأضْدادِها.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ [بِمَفازَتِهِمْ]﴾ وذَلِكَ عَلى اسْمِ الجِنْسِ، وهو مَصْدَرٌ مِنَ الفَوْزِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: [بِمَفازاتِهِمْ] عَلى الجَمْعِ، مِن حَيْثُ النَجاةُ لِأنْواعٍ، ولِأسْبابٍ مُخْتَلِفَةٍ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والأعْرَجِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشِ.
وفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ويُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِأسْبابٍ أو بِدَواعِي مَفازَتِهِمْ.
قالَ السُدِّيُّ: "بِمَفازَتِهِمْ" بِفَضائِلِهِمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: بِأعْمالِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ دالٌّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، وهو عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ، و"الوَكِيلُ": القائِمُ عَلى الأمْرِ، الزَعِيمُ بِإكْمالِهِ وتَتْمِيمِهِ.
و"المَقالِيدُ": المَفاتِيحُ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، واحِدُها: مِقْلادٌ، مِثْلَ مِفْتاحٍ، وفي كِتابِ الزَهْراوِيِّ: واحِدُ المَقالِيدِ: إقْلِيدٌ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ، كَما تَقُولُ: بِيَدِكَ يا فُلانُ مِفْتاحُ هَذا الأمْرِ؛ إذا كانَ قَدِيرًا عَلى السَعْيِ فِيهِ، وقالَ السُدِّيُّ: المَقالِيدُ: الخَزائِنُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ عِبارَةٌ غَيْرُ جَيِّدَةٍ، ويُشْبِهُ أنْ يَقُولَ قائِلٌ: المَقالِيدُ إشارَةٌ إلى الخَزائِنِ أو دالَّةٌ عَلَيْها فَيُسَوِّغُ هَذا القَوْلَ، كَما أنَّ الخَزائِنَ أيْضًا في جِهَةِ اللهِ إنَّما تَجِيءُ اسْتِعارَةً، بِمَعْنى: اتِّساعِ قُدْرَتِهِ، وأنَّهُ يَبْتَدِعُ ويَخْتَرِعُ، ويُشْبِهُ أنْ يُقالَ فِيما قَدْ أوجَدَ مِنَ المَخْلُوقاتِ كالماءِ والنارِ وغَيْرِ ذَلِكَ: إنَّها في خَزائِنِهِ سُبْحانَهُ، وهَذا كُلُّهُ تَجَوُّزٌ عَلى جِهَةِ التَقْرِيبِ والتَفْهِيمِ لِلسّامِعِينَ، وقَدْ ورَدَ القُرْآنُ بِذِكْرِ الخَزائِنِ، ووَقَعَتْ في الحَدِيثِ الصَحِيحِ في قَوْلِهِ : « "وَما فَتَحَ اللَيْلَةَ مِنَ الخَزائِنِ"،» والحَقِيقَةُ في هَذا غَيْرُ بَعِيدَةٍ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِاخْتِزانِ حاجَةٍ ولا قِلَّةَ قُدْرَةٍ كَما هو اخْتِزانُ البَشَرِ.
«وَقالَ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: سَألَتُ رَسُولَ اللهِ عن مَقالِيدِ السَماواتِ والأرْضِ فَقالَ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ، وسُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ، هو الأوَّلُ والآخِرُ، والظاهِرُ والباطِنُ، يُحْيِي ويُمِيتُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".» وَقَوْلُهُ: ﴿ "أفَغَيْرَ" ﴾ مَنصُوبٌ بِـ"أعْبُدُ"، كَأنَّهُ قالَ: أفَغَيَّرَ اللهِ أعْبُدُ فِيما تَأْمُرُونِي؟
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ بِـ"تَأْمُرُونِّي" عَلى إسْقاطِ "أنْ"، تَقْدِيرُهُ أفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أنْ أعْبُدَ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: [تَأْمُرُونَنِي] بِنُونَيْنِ، وهَذا هو الأصْلُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ وياءٍ مَفْتُوحَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِنُونٍ خَفِيفَةٍ مَكْسُورَةٍ وياءٍ ساكِنَةٍ، وهَذا عَلى حَذْفِ النُونِ الواحِدَةِ، وهي المُوطِئَةُ لِياءِ المُتَكَلِّمِ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ النُونِ الأُولى، وهو لَحْنٌ لِأنَّها عَلامَةُ رَفْعِ الفِعْلِ، وفَتْحَ نافِعٌ الياءَ عَلى الحَذْفِ فَقَرَأ: "تَأْمُرُونِيَ"، وقَرَأ الباقُونَ بِشَدِّ النُونِ وبِسُكُونِ الياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ ﴾ الآيَةُ، قالَتْ فِرْقَةٌ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، كَأنَّهُ قالَ: "وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ لَئِنْ أشْرَكَتْ لِيُحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ عَلى وجْهِها، المَعْنى: ولَقَدْ أُوحِيَ إلى كُلِّ نَبِيٍّ لَئِنْ أشْرَكَتْ لِيُحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، و"حَبِطَ": مَعْناهُ: بَطَلَ وسَقَطَ.
وبِهَذِهِ الآيَةِ بَطَلَتْ أعْمالُ المُرْتَدِّ مِن صَلاتِهِ وحَجِّهِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ بَلِ اللهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشاكِرِينَ ﴾ ﴿ وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ وَنُفِخَ في الصُورِ فَصَعِقَ مَن في السَماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ ﴾ المَكْتُوبَةُ: مَنصُوبَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "فاعْبُدْ"، ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ مَعْناهُ: وما عَظَّمُوا اللهَ حَقَّ عَظَمَتِهِ، ولا وصَفُوهُ بِصِفاتِهِ، ولا نَفَوْا عنهُ ما لا يَلِيقُ بِهِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في المُعْنى بِالضَمِيرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ "قَدَرُوا"، ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَ ذَلِكَ في كُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ كانَتْ هَذِهِ الآياتُ كُلُّها مُحاوَرَةً لَهم ورَدًّا عَلَيْهِمْ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ، تَكَلَّمُوا في صِفاتِ اللهِ تَعالى وَجَلالِهِ فَألْحَدُوا وجَسَّمُوا وأتَوْا كُلَّ تَخْلِيطٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ.
وفي الحَدِيثِ «أنَّهُ جاءَ حَبْرٌ إلى رَسُولِ اللهِ فَجَلَسَ إلَيْهِ، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ: حَدِّثْنا، قالَ: إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ جَعْلَ السَماواتِ عَلى أُصْبُعٍ، والأرَضِينَ عَلى أُصْبُعٍ، والجِبالَ عَلى أُصْبُعٍ، والماءَ والشَجَرَ عَلى أُصْبُعٍ، وجَمِيعَ الخَلائِقِ عَلى أُصْبُعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أنا المَلِكُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ تَصْدِيقًا لَهُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَرَسُولُ اللهِ تَمَثَّلَ بِالآيَةِ وقَدْ كانَتْ نَزَلَتْ، وقَوْلُهُ في الحَدِيثِ: "تَصْدِيقًا لَهُ"، أيْ في أنَّهُ لَمْ يَقُلْ إلّا ما رَأى في كُتُبِ اليَهُودِ، ولَكِنَّ النَبِيَّ أنْكَرَ المَعْنى لِأنَّ التَجْسِيمَ فِيهِ ظاهِرٌ، [واليَهُودُ مَعْرُوفُونَ بِاعْتِقادِهِ، ولا يُحْسِنُونَ حَمْلَهُ عَلى تَأْوِيلِهِ مِن أنَّ الأُصْبُعَ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، أو مِن أنَّها أُصْبُعُ خَلْقٍ يَخْلُقُهُ لِذَلِكَ، ويُعَضِّدُها تَنْكِيرُ الأُصْبُعِ].
ورَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ «أنَّ طائِفَةً مِنَ اليَهُودِ جاءَتْ إلى رَسُولِ اللهِ ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، هَذا اللهُ خَلَقَ الأشْياءَ، فَمَن خَلَقَ اللهَ؟
فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ وساوَرَهم فَنَزَلَتِ الآيَةُ،» وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "قَدْرِهِ" بِسُكُونِ الدالِ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِفَتْحِها، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ، وأبُو نَوْفَلٍ: "وَما قَدَّرُوا" بِشَدِّ الدالِّ "حَقَّ قَدَرِهِ" بِفَتْحِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ ﴾ مَعْناهُ: في قَبْضَتِهِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ ما مَعْناهُ: «إنَّ الأرْضَ في قَبْضَةِ اليَدِ الواحِدَةِ، والسَماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِاليَمِينِ الأُخْرى؛ لِأنَّهُ كِلْتا يَدَيْهِ يَمِينٌ،» ورَواهُ عَنِ النَبِيِّ .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ والسَماواتُ وكُلُّ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: [مَطْوِيّاتٍ] بِكَسْرِ التاءِ المُنَوَّنَةِ، والناسُ عَلى رَفْعِها.
وعَلى كُلِّ وجْهٍ، فاليَمِينُ هُنا والقَبْضَةُ وكُلُّ ما ورَدَ.
عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وما اخْتَلَجَ في الصُدُورِ مِن غَيْرِ ذَلِكَ باطِلٌ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ القاضِي مِن أنَّها صِفاتٌ زائِدَةٌ عَلى صِفاتِ الذاتِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
وبِحَسْبِ ما يَخْتَلِجُ في النُفُوسِ الَّتِي لَمَّ يَصُنْها العِلْمُ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ، أيْ: هو مُنَزَّهٌ عن جَمِيعِ الشُبَهِ الَّتِي لا تَلِيقُ بِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى النَفْخَ في الصُوَرِ لِيُصْعَقَ الأحْياءُ مِن أهْلِ الدُنْيا والسَماءِ، وفي بَعْضِ الأحادِيثِ مِن طَرِيقِ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنِ النَبِيِّ أنَّ قَبْلَ هَذِهِ الصَعْقَةِ صَعْقَةُ الفَزَعِ،» ولَمْ تَتَضَمَّنْها هَذِهِ الآيَةُ.
و[صَعِقَ] في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: خَرَّ مَيِّتًا، و"الصُوَرُ": القَرْنُ، ولا يُتَصَوَّرُ هُنا غَيْرُ هَذا، ومَن يَقُولُ: الصُوَرُ جَمْعُ صُورَةٍ فَإنَّما يَتَوَجَّهُ قَوْلُهُ في نَفْخَةِ البَعْثِ.
وقَرَأ قَتادَةُ: [وَنُفِخَ في الصُوَرِ] بِفَتْحِ الواوِ، وهي جُمَعُ صُورَةٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إلا مَن شاءَ اللهُ ﴾ ، قالَ السُدِّيُّ ؛ «اسْتَثْنى جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ ومَلَكَ المَوْتِ، ثُمَّ أماتَهم بَعْدَ هَذِهِ الحالِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن أنَسٍ، عَنِ النَبِيِّ ،» وقِيلَ: اسْتَثْنى الأنْبِياءَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: اسْتَثْنى الشُهَداءَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى ﴾ هي نَفْخَةُ البَعْثِ، ورُوِيَ «أنَّ بَيْنَ النَفْخَتَيْنِ أرْبَعِينَ، لا يَدْرِي أبُو هُرَيْرَةَ: سَنَةً أو يَوْمًا أو شَهْرًا أو ساعَةً.» وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الكِتابُ وجِيءَ بِالنَبِيِّينَ والشُهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهو أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ ﴾ ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ ﴾ ﴿ قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ ﴾ "أشْرَقَتْ مَعْناهُ: أضاءَتْ وعَظُمَ نُورُها، يُقالُ: شَرَقَتِ الشَمْسُ إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ إذا أضاءَتْ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: "وَأُشْرِقَتِ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الراءِ، وهَذا إنَّما يَتَرَتَّبُ مِن فِعْلٍ يَتَعَدّى، فَهَذا عَلى أنْ يُقالَ: أشْرَقَ البَيْتُ، وأشْرَقَهُ السِراجُ، فَيَكُونُ الفِعْلُ مُتَجاوِزًا أو غَيْرَ مُتَجاوِزٍ بِلَفْظٍ واحِدٍ، كَرَجَعَ ورَجَعْتُهُ، ووَقَفَ ووَقَفْتُهُ، ومِنَ المُتَعَدِّي مِن ذَلِكَ يُقالُ: أُشْرِقَتِ الأرْضُ، و"الأرْضُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الأرْضُ المُبْدَلَةُ مِنَ الأرْضِ المَعْرُوفَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ بِنُورِ رَبِّها ﴾ إضافَةُ خُلُقٍ إلى خالِقٍ، أيْ: بِنُورِ اللهِ تَعالى.
و"الكِتابُ": كِتابُ حِسابِ الخَلائِقِ، ووَحَّدَهُ عَلى اسْمِ الجِنْسِ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ لَهُ كِتابٌ عَلى حِدَةٍ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: وُضِعَ اللَوْحُ المَحْفُوظُ.
وهَذا شاذٌّ، ولَيْسَ فِيهِ مَعْنى التَوَعُّدِ وهو مَقْصِدُ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَجِيءَ بِالنَبِيِّينَ ﴾ أيِ: اسْتُشْهِدُوا عَلى أُمَمِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "والشُهَداءِ" ﴾ قِيلَ: هو جَمْعُ شاهِدٍ، والمُرادُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ جَعَلَهُمُ اللهُ شُهَداءَ عَلى الناسِ، وقالَ السُدِّيُّ: الشُهَداءُ: جَمْعُ شَهِيدٍ في سَبِيلِ اللهِ، وهَذا أيْضًا يَزُولُ عنهُ مَعْنى التَوَعُّدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: والشُهَداءِ الأنْبِياءَ أنْفُسَهُمْ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الصِفَةِ عَلى الصِفَةِ بِالواوِ، كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ الكَرِيمُ والعاقِلُ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الشُهَداءُ: الحَفَظَةُ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "بَيْنَهُمْ" ﴾ عائِدٌ عَلى العالَمِ بِأجْمَعِهِ إذْ الآيَةُ تَدُلُّ عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ مَعْناهُ: لا يُوضَعُ شَيْءٌ مِن أُمُورِهِمْ غَيْرَ مَوْضِعِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ ﴾ مَعْناهُ: جُوزِيَتْهُ مُكَمَّلًا، وفي هَذا وعِيدٌ صَرَّحَ عنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَهُوَ أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ ﴾ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَسِيقَ"، "وَجِيءَ" بِكَسْرِ أوَّلِهِ، وقَرَأها ونَظائِرِها بِإشْمامِ الضَمِّ الحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ.
و"زُمَرًا" مَعْناهُ: جَماعاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ، واحِدَتُها زُمْرَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فُتِحَتْ" جَوابُ "إذا"، والكَلامُ هُنا يَقْضِي أنَّ فَتْحَها إنَّما يَكُونُ بَعْدَ مَجِيئِهِمْ، وفي وُقُوفِهِمْ قَبْلَ فَتْحِها مَذَلَّةٌ لَهُمْ، وهَكَذا هي حالُ السُجُونِ ومَواضِعِ الثِقافِ.
والعَذابِ، بِخِلافِ قَوْلِهِ: في أهْلِ الجَنَّةِ: "وَفُتِحَتْ"، بِالواوِ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّهم يَجِدُونَها مَفْتُوحَةً كَمَنازِلِ الأفْراحِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "[فُتِّحَتْ]" بِشَدِّ التاءِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِتَخْفِيفِها، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، والأعْمَشِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى تَوْقِيفَ الخَزَنَةِ لَهم عَلى مَجِيءِ الرُسُلِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ [يَأْتِكُمْ]﴾ بِالياءِ مِن تَحْتُ، وقَرَأ الأعْرَجُ: [تَأْتِكُمْ] بِتاءٍ مِن فَوْقُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "مِنكُمْ" ﴾ أعْظَمُ في الحُجَّةِ، أيْ: رُسُلٌ مِن جِنْسِكم لا يَصْعُبُ عَلَيْكم مَرامِيهِمْ ولا فَهْمُ أقْوالِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى:: ﴿ قالُوا بَلى ﴾ جَوابٌ عَلى التَقْرِيرِ عَلى نَفْيِ الأمْرِ، ولا يَجُوزُ هُنا الجَوابُ بِـ"نَعَمْ" لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: نَعَمْ لَمْ يَأْتِنا، وهَكَذا كانَ يَتَرَتَّبُ المَعْنى: ثُمَّ لا يَجِدُوا حُجَّةً، إلّا أنَّ كَلِمَةَ العَذابِ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ، أيِ الكَلِمَةُ المُقْتَضِيَةُ مِنَ اللهِ تَعالى تَخْلِيدَهَمْ في النارِ، وهي عِبارَةٌ عن قَضائِهِ السابِقِ لَهم بِذَلِكَ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى لِإبْلِيسَ: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ ﴾ .
و"المَثْوى": مَوْضِعُ الإقامَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ ﴾ ﴿ وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأورَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ ﴾ ﴿ وَتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ كُلَّ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِرْكَ، لِأنَّ الَّذِينَ لَمَّ يَتَّقُوا المَعاصِي قَدْ يُساقُ مِنهُمْ، وهُمُ الَّذِينَ سَبَقَ لَهم أنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهم مِن أهْلِ المَشِيئَةِ، وأيْضًا فالَّذِينَ يَدْخُلُونَ النارَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنها قَدْ يُساقُونَ زُمَرًا إلى الجَنَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَصِيرُونَ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ، والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَفُتِحَتْ" ﴾ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّها قَدْ فَتَحَتْ قَبْلَ وُصُولِهِمْ إلَيْها، وقَدْ قالَتْ فِرْقَةٌ: هي زائِدَةٌ، وجَوابُ "إذا" هو "فُتِحَتْ"، وقالَ الزَجّاجُ عَنِ المُبَرِّدِ: جَوابُ "إذا" مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "خالِدِينَ" ﴾ سَعِدُوا.
وقالَ الخَلِيلُ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: حَتّى إذا جاؤُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها، وهَذا كَما قَدَّرَ الخَلِيلُ قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ .
وكَمّا قُدِّرَ أيْضًا قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى أيْ: أجَزْنا وانْتَحى.
وقالَ قَوْمٌ - أشارَ إلَيْهِمُ ابْنُ الأنْبارِيِّ وضَعَّفَ قَوْلَهم -: هَذِهِ واوُ الثَمانِيَةِ، وسَقَطَتْ هَذِهِ الواوُ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَهي كالأُولى.
وقَوْلُهُ: ﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ تَحِيَّةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهم قالُوا لَهُمْ: سَلامٌ عَلَيْكم وأمَنَةٌ لَكُمْ، و"طِبْتُمْ" مَعْناهُ: أعْمالًا ومُعْتَقَدًا ومُسْتَقَرًّا وجَزاءً.
وقَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عنهُمْ: ﴿ وَأورَثَنا الأرْضَ ﴾ يُرِيدُ أرْضَ الجَنَّةِ قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والسُدِّيُّ، والوِراثَةُ هُنا مُسْتَعارَةٌ، لِأنَّ حَقِيقَةَ المِيراثِ أنْ يَكُونَ تَصْيِيرَ شَيْءٍ إلى إنْسانٍ بَعْدَ مَوْتِ إنْسانٍ، وهَؤُلاءِ إنَّما ورِثُوا مَواضِعَ أهْلِ النارِ أنْ لَوْ كانُوا مُؤْمِنِينَ، و"نَتَبَوَّأُ" مَعْناهُ: نَتَّخِذُ أمْكِنَةً ومَساكِنَ.
ثُمَّ وصَفَ حالَةَ المَلائِكَةِ مِنَ العَرْشِ وحُفُوفَهم بِهِ.
وقالَ قَوْمٌ: واحِدُ "حافِّينَ": حافٌّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: لا واحِدَ لِقَوْلِهِ: حافِّينَ لِأنَّ الواحِدَ لا يَكُونُ حافًّا، إذِ الحُفُوفُ الإحْداقُ بِالشَيْءِ، وهَذِهِ اللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحِفافِ وهو الجانِبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لَهُ لَحَظاتٌ عن حِفافَيْ سَرِيِرِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا كَرَّها فِيها عِقابٌ ونائِلُ أيْ: عن جانِبَيْهِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: [مِن] في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن حَوْلِ العَرْشِ ﴾ زائِدَةٌ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَوابُ أنَّها لِابْتِداءِ الغايَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: أنَّ تَسْبِيحَهم يَتَأتّى بِحَمْدِ اللهِ وفَضْلِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَسْبِيحُهم هو بِتَرْدِيدِ حَمْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وتَكْرارِهِ.
قالَ الثَعْلَبِيُّ: مُتَلَذِّذِينَ لا مُتَعَبِّدِينَ ولا مُكَلَّفِينَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ خَتْمٌ لِلْأمْرِ، وقَوْلٌ جَزْمٌ عِنْدَ فَصْلِ القَضاءِ، أيْ أنَّ هَذا الحاكِمَ العَدْلَ يَنْبَغِي أنْ يُحْمَدَ عِنْدَ نُفُوذِ حُكْمِهِ وإكْمالِ قَضائِهِ، ومِن هَذِهِ الآيَةِ جُعِلْتِ ﴿ "الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ" ﴾ خاتِمَةُ المَجالِسِ والمُجْتَمَعاتِ في العِلْمِ، وقالَ قَتادَةُ: فَتَحَ اللهُ أوَّلَ الخَلْقِ بِالحَمْدِ فَقالَ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ ﴾ ، وخَتَمَ القِيامَةَ بِالحَمْدِ في هَذِهِ الآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وجَعَلَ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ فاتِحَةَ كِتابِهِ، فَبِهِ يُبْدَأُ كُلُّ أمْرٍ، وبِهِ يُخْتَمُ، وحَمْدُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وتَقْدِيسُهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِ، كَما قالَ الشاعِرُ: وآخِرُ شَيْءٍ أنْتَ في كُلِّ ضَجْعَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وأوَّلُ شَيْءٍ أنْتَ عِنْدَ هُبُوبِي وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ عن وهَبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: "مَن أرادَ أنْ يَعْرِفَ قَضاءَ اللهِ في خَلْقِهِ فَلْيَقْرَأْ سُورَةَ الزُمَرِ".
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الزُمَرِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ