الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 39 الزمر > الآيات ٥٦-٦٠
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةقوله عزّ وجلّ: ﴿ أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ الساخِرِينَ ﴾ ﴿ أو تَقُولَ لَوْ أنَّ اللهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ ﴾ ﴿ أو تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ ﴿ وَيَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾ "أنْ" في هَذِهِ الآيَةِ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ: أنِيبُوا وأسْلَمُوا مِن أجْلِ أنْ تَقُولَ نَفْسٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يا حَسْرَتا"، والأصْلُ: "يا حَسْرَتِي"، ومِنَ العَرَبِ مَن يَرُدُّ ياءَ الإضافَةِ ألِفًا، فَيَقُولُ: يا غُلامًا، ويا جارًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: [يا حَسْرَتايَ] بِفَتْحِ الياءِ، ورُوِيَتْ عنهُ بِسُكُونِها، قالَ أبُو الفَتْحِ؛ جَمَعَ بَيْنَ العِوَضِ والمُعَوِّضِ مِنهُ، ورَوى ابْنُ جَمّازٍ عن أبِي جَعْفَرٍ: "يا حَسْرَتِي" بِكَسْرِ التاءِ وبُعْدِها ياءٌ ساكِنَةٌ، قالَ سِيبَوَيْهِ: "وَمَعْنى نِداءِ الحَسْرَةِ والوَيْلِ: أيْ: هَذا وقْتُكِ وزَمانُكِ فاحْضُرِي".
و"فَرَّطْتُ" مَعْناهُ: قَصَّرْتُ في اللازِمِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فِي جَنْبِ اللهِ ﴾ مَعْناهُ: في مَقاصِدِي إلى اللهِ، وفي جِهَةِ طاعَتِهِ، أيْ: في تَضْيِيعِ شَرِيعَتِهِ والإيمانِ بِهِ، و"الجَنْبُ" يُعَبَّرُ بِهِ عن هَذا ونَحْوِهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أفِي جَنْبِ بَكْرٍ قَطَّعَتْنِي مَلامَةً ∗∗∗ لَعَمْرِي لَقَدْ طالَتْ مَلامَتُها بَيا وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: الناسُ جَنْبٌ والأمِيرُ جَنْبُ وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ فِي جَنْبِ اللهِ ﴾ أيْ: في أمْرِ اللهِ.
وقَوْلُ الكافِرِ: ﴿ وَإنْ كُنْتُ لَمِنَ الساخِرِينَ ﴾ نَدامَةٌ عَلى اسْتِهْزائِهِ بِأمْرِ اللهِ، والسُخْرُ: الِاسْتِهْزاءُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو تَقُولَ ﴾ في المَوْضِعَيْنِ عُطِفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ أنْ تَقُولَ ﴾ الأوَّلِ، و"كَرَّةً" مَصْدَرٌ، مِن: كَرَّ يَكُرُّ، وقَوْلُهُ: "فَأكُونَ" نُصِبَ بِـ"أنْ" مُضْمَرَةٍ مَقْدَّرَةٍ، وهو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "كَرَّةً"، والمُرادُ: لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَكَوْنًا، فَلِذَلِكَ احْتِيجَ إلى "أنْ" لَتَكُونَ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الشاعِرِ - أنْشَدَهُ الفَرّاءُ -: فَمًا لَكَ مِنها غَيْرُ ذِكْرى وخَشْيَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وتَسْألَ عن رُكْبانِها أيْنَ يَمَّمُوا وَقَدْ قَرَّرَ بَعْضُ الناسِ الكَلامَ بِأنَّهُ: "لَوْ أنَّ لِي أنْ أكُرَّ"، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ، وهَذا "الكَوْنُ" في هَذِهِ الآيَةِ داخِلٌ في التَمَنِّي.
وقَوْلُهُ: ﴿ "بَلى" ﴾ جَوابٌ لِنَفْيٍ مُقَدَّرٍ في قَوْلِ هَذِهِ النَفْسِ، كَأنَّها قالَتْ: "فَعُمْرِي في الدُنْيا لَمْ يَتَّسِعْ لِلنَّظَرِ"، أو قالَتْ: "فَإنِّي لَمْ يَتَبَيَّنْ لِيَ الأمْرُ في الدُنْيا"، ونَحْوَ هَذا، وحَقُّ "بَلى" أنْ يَجِيءَ بَعْدَ نَفْيٍ عَلَيْهِ تَقْرِيرٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "قَدْ جاءَتْكَ" ﴾ بِفَتْحِ الكافِ وبِفَتْحِ التاءِ مِن قَوْلِهِ: "فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرَتْ وكُنْتَ"، عَلى مُخاطَبَةِ الكافِرِ ذِي النَفْسِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، والجَحْدَرِيُّ بِكَسْرِ الكافِ والتاءِ في الثَلاثَةِ عَلى خِطابِ النَفْسِ المَذْكُورَةِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: رَوَتْها أمُّ سَلَمَةَ عَنِ النَبِيِّ ، وقَرَأ الأعْمَشُ: [بَلى قَدْ جاءَتْهُ] بِالهاءِ.
ثُمَّ خاطَبَ تَعالى نَبِيَّهُ بِخَبَرٍ يَراهُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن حالَةِ الكُفّارِ، في ضِمْنِ هَذا الخَبَرِ وعِيدٌ لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: [تَرى] هو مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، وكَذِبُهم عَلى اللهِ: هو في أنْ جَعَلُوا لِلَّهِ البَناتَ والصاحِبَ، وشَرَعُوا ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وَظاهِرُ الآيَةِ أنَّ لَوْنَ وُجُوهِهِمْ يَتَغَيَّرُ، وتَسْوَدُّ حَقِيقَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في العِبارَةِ تَجَوُّزٌ، وعَبَّرَ بِالسَوادِ عَنِ ارْبِدادِ وُجُوهُهم وغالِبِ هَمِّهِمْ وظاهِرِ كَآبَتِهِمْ، و"مَثْوى": مَوْضِعُ الثَواءِ والإقامَةِ، و"المُتَكَبِّرُ": رافِعُ نَفْسِهِ إلى فَوْقِ حَقِّهِ، وقالَ النَبِيُّ : « "الكِبَرُ سَفَهُ الحَقِّ وغَمْطُ الناسِ"» أيِ احْتِقارِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"