تفسير سورة الزمر الآيات ٦١-٦٥ عند المحرر الوجيز

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 39 الزمر > الآيات ٦١-٦٥

وَيُنَجِّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٦١ ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌۭ ٦٢ لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ٦٣ قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُوٓنِّىٓ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَـٰهِلُونَ ٦٤ وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٦٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 5 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ ﴾ ﴿ لَهُ مَقالِيدُ السَماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِن الخاسِرِينَ ﴾ ذَكَرَ اللهُ تَعالى حالَةَ المُتَّقِينَ ونَجاتَهم لِيُعادِلَ بِذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الكَفَرَةِ، وفي ذَلِكَ تَرْغِيبٌ في حالَةِ المُتَّقِينَ؛ لِأنَّ الأشْياءَ تَتَبَيَّنُ بِأضْدادِها.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ [بِمَفازَتِهِمْ]﴾ وذَلِكَ عَلى اسْمِ الجِنْسِ، وهو مَصْدَرٌ مِنَ الفَوْزِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: [بِمَفازاتِهِمْ] عَلى الجَمْعِ، مِن حَيْثُ النَجاةُ لِأنْواعٍ، ولِأسْبابٍ مُخْتَلِفَةٍ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والأعْرَجِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشِ.

وفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ويُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِأسْبابٍ أو بِدَواعِي مَفازَتِهِمْ.

قالَ السُدِّيُّ: "بِمَفازَتِهِمْ" بِفَضائِلِهِمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: بِأعْمالِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ دالٌّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، وهو عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ، و"الوَكِيلُ": القائِمُ عَلى الأمْرِ، الزَعِيمُ بِإكْمالِهِ وتَتْمِيمِهِ.

و"المَقالِيدُ": المَفاتِيحُ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، واحِدُها: مِقْلادٌ، مِثْلَ مِفْتاحٍ، وفي كِتابِ الزَهْراوِيِّ: واحِدُ المَقالِيدِ: إقْلِيدٌ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ، كَما تَقُولُ: بِيَدِكَ يا فُلانُ مِفْتاحُ هَذا الأمْرِ؛ إذا كانَ قَدِيرًا عَلى السَعْيِ فِيهِ، وقالَ السُدِّيُّ: المَقالِيدُ: الخَزائِنُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ عِبارَةٌ غَيْرُ جَيِّدَةٍ، ويُشْبِهُ أنْ يَقُولَ قائِلٌ: المَقالِيدُ إشارَةٌ إلى الخَزائِنِ أو دالَّةٌ عَلَيْها فَيُسَوِّغُ هَذا القَوْلَ، كَما أنَّ الخَزائِنَ أيْضًا في جِهَةِ اللهِ إنَّما تَجِيءُ اسْتِعارَةً، بِمَعْنى: اتِّساعِ قُدْرَتِهِ، وأنَّهُ يَبْتَدِعُ ويَخْتَرِعُ، ويُشْبِهُ أنْ يُقالَ فِيما قَدْ أوجَدَ مِنَ المَخْلُوقاتِ كالماءِ والنارِ وغَيْرِ ذَلِكَ: إنَّها في خَزائِنِهِ سُبْحانَهُ، وهَذا كُلُّهُ تَجَوُّزٌ عَلى جِهَةِ التَقْرِيبِ والتَفْهِيمِ لِلسّامِعِينَ، وقَدْ ورَدَ القُرْآنُ بِذِكْرِ الخَزائِنِ، ووَقَعَتْ في الحَدِيثِ الصَحِيحِ في قَوْلِهِ  : « "وَما فَتَحَ اللَيْلَةَ مِنَ الخَزائِنِ"،» والحَقِيقَةُ في هَذا غَيْرُ بَعِيدَةٍ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِاخْتِزانِ حاجَةٍ ولا قِلَّةَ قُدْرَةٍ كَما هو اخْتِزانُ البَشَرِ.

«وَقالَ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: سَألَتُ رَسُولَ اللهِ  عن مَقالِيدِ السَماواتِ والأرْضِ فَقالَ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ، وسُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ، هو الأوَّلُ والآخِرُ، والظاهِرُ والباطِنُ، يُحْيِي ويُمِيتُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".» وَقَوْلُهُ: ﴿ "أفَغَيْرَ" ﴾ مَنصُوبٌ بِـ"أعْبُدُ"، كَأنَّهُ قالَ: أفَغَيَّرَ اللهِ أعْبُدُ فِيما تَأْمُرُونِي؟

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ بِـ"تَأْمُرُونِّي" عَلى إسْقاطِ "أنْ"، تَقْدِيرُهُ أفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أنْ أعْبُدَ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: [تَأْمُرُونَنِي] بِنُونَيْنِ، وهَذا هو الأصْلُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ وياءٍ مَفْتُوحَةٍ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِنُونٍ خَفِيفَةٍ مَكْسُورَةٍ وياءٍ ساكِنَةٍ، وهَذا عَلى حَذْفِ النُونِ الواحِدَةِ، وهي المُوطِئَةُ لِياءِ المُتَكَلِّمِ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ النُونِ الأُولى، وهو لَحْنٌ لِأنَّها عَلامَةُ رَفْعِ الفِعْلِ، وفَتْحَ نافِعٌ الياءَ عَلى الحَذْفِ فَقَرَأ: "تَأْمُرُونِيَ"، وقَرَأ الباقُونَ بِشَدِّ النُونِ وبِسُكُونِ الياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ ﴾ الآيَةُ، قالَتْ فِرْقَةٌ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، كَأنَّهُ قالَ: "وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ لَئِنْ أشْرَكَتْ لِيُحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ عَلى وجْهِها، المَعْنى: ولَقَدْ أُوحِيَ إلى كُلِّ نَبِيٍّ لَئِنْ أشْرَكَتْ لِيُحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، و"حَبِطَ": مَعْناهُ: بَطَلَ وسَقَطَ.

وبِهَذِهِ الآيَةِ بَطَلَتْ أعْمالُ المُرْتَدِّ مِن صَلاتِهِ وحَجِّهِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل