المحرر الوجيز سورة غافر

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة غافر

تفسيرُ سورةِ غافر كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 111 دقيقة قراءة

تفسير سورة غافر كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

حمٓ ١ تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ٢ غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ٣ مَا يُجَـٰدِلُ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ ٤ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍۢ وَٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۖ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍۭ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ۖ وَجَـٰدَلُوا۟ بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُوا۟ بِهِ ٱلْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ٥

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ غافِرٍ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وقَدْ رُوِيَ في بَعْضِ آياتِها أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وهَذا ضَعِيفٌ، والأوَّلُ أصَحُّ، وهَذِهِ الحَوامِيمُ الَّتِي رَوى أُنْسٌ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ  «أنَّها دِيباجُ القُرْآنِ،» ووَقَفَهُ الزَجّاجُ عَلى ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومَعْنى هَذِهِ العِبارَةِ أنَّها خَلَتْ مِنَ الأحْكامِ، وقُصِرَتْ عَلى المَواعِظِ والزَجْرِ وطُرُقِ الآخِرَةِ مَحْضًا، وأيْضًا فَهي قِصارٌ لا يَلْحَقُ لِقارِئٍ فِيها سَآمَةٌ.

ورُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَوى أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ: « "مَن أرادَ أنْ يَرْتَعَ في رِياضٍ مُونِقَةٍ مِنَ الجَنَّةِ فَلْيَقْرَء الحَوامِيمَ"،» وهَذا نَحْوُ الكَلامِ الأوَّلِ في المَعْنى.

وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَثَلُ الحَوامِيمِ في القُرْآنِ مَثَلُ الحِبَراتِ في الثِيابِ".» قوله عزّ وجلّ: ﴿ حم ﴾ ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ العَلِيمِ ﴾ ﴿ غافِرِ الذَنْبِ وقابِلِ التَوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَوْلِ لا إلَهَ إلا هو إلَيْهِ المَصِيرُ ﴾ ﴿ ما يُجادِلُ في آياتِ اللهِ إلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ ﴾ ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُوَرِ، وتِلْكَ الأقْوالُ كُلُّها تَتَرَتَّبُ في قَوْلِهِ: [حَمْ]، ويَخْتَصُّ هَذا المَوْضِعُ بِقَوْلٍ آخَرَ قالَهُ الضَحّاكُ، والكِسائِيُّ: إنَّ [حَمَ] هِجاءُ (حُمَّ) بِضَمِّ الحاءِ وشَدِّ المِيمِ المَفْتُوحَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: "حُمَّ الأمْرُ ووَقَعَ تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "آلَرَ، حَمْ، ون هي حُرُوفُ "الرَحْمَنِ" مُقَطَّعَةٌ في سُوَرٍ"، وقالَ القُرَظِيُّ: أقْسَمَ اللهُ بِحِلْمِهِ ومُلْكِهِ، «وَسَألَ أعْرابِيٌّ النَبِيَّ  عن [حَمْ] ما هُوَ؟

فَقالَ: "بَدْءُ أسْماءٍ وفَواتِحُ سُوَرٍ".» وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِفَتْحِ الحاءِ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو كَسْرُها عَلى الإمالَةِ، ورُوِيَ عن نافِعٍ الفَتْحُ، ورُوِيَ عنهُ الوَسَطُ بَيْنَهُما، وكَذَلِكَ اخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، ورُوِيَ عن عِيسى كَسَرُ الحاءِ عَلى الإمالَةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ المِيمِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ أيْضًا حَمَ بِفَتْحِ الحاءِ وفَتْحِ المِيمِ الأخِيرَةِ في النُطْقِ، ولِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما التَحْرِيكُ لِلِالتِقاءِ مَعَ الياءِ الساكِنَةِ، والآخِرُ: حَرَكَةُ إعْرابٍ، وذَلِكَ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: اقْرَأْ حَمَ، وهَذا عَلى أنْ تُجْرى مَجْرى الأسْماءِ، والحُجَّةُ مِنهُ قَوْلُ شُرَيْحِ بْنِ أوفى العَبْسِيِّ: يُذَكِّرُنِي حامِيمَ والرُمْحُ شاجِرٌ ∗∗∗ فَهَلّا تَلا حامِيمَ قَبْلَ التَقَدُّمِ؟

وقَوْلُ الكُمَيْتِ: وجَدْنا لَكم في آلِ حامِيمَ آيَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ تَأوَّلَها مِنّا تَقِيٌّ ومُعْرِبُ وقَرَأ أبُو السَمّالِ: بِكَسْرِ المِيمِ الأخِيرَةِ، وذَلِكَ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، و[حَمْ] آيَةٌ.

و[تَنْزِيلُ] رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِنَ اللهِ ﴾ وعَلى القَوْلِ بِأنَّ [حَمْ] إشارَةٌ إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ [تَنْزِيلُ]﴾ خَبَرَ ابْتِداءٍ، و[الكِتابِ]: القُرْآنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "غافِرِ" ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَكْتُوبَةِ، وإنْ أرَدْتُّ بِـ"غافِرِ" المُضِيَّ - أيْ غُفْرانَهُ في الدُنْيا وقَضاؤَهُ بِالغُفْرانِ وسَتْرَهُ عَلى المُذْنِبِينَ - فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ "غافِرِ" صِفَةً؛ لِأنَّ إضافَتَهُ إلى المَعْرِفَةِ تَكُونُ مَحْضَةً، وهَذا مُتَرَجِّحٌ جِدًّا، وإذا أرَدْتَ بِـ"غافِرِ" الِاسْتِقْبالَ أيْ غُفْرانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ - فالإضافَةُ غَيْرُ مَحْضَةٍ، و"غافِرِ" نَكِرَةٌ، فَلا يَكُونُ نَعْتًا؛ لِأنَّ المَعْرِفَةَ لا تُنْعَتُ بِالنَكِرَةِ، وفي هَذا نَظَرٌ.

وقالَ الزَجّاجُ: "غافِرِ" و"قابِلِ" صِفَتانِ، و ﴿ شَدِيدِ العِقابِ ﴾ بَدَلٌ، و"الذَنْبِ" اسْمُ الجِنْسِ، وأمّا ﴿ "التَوْبِ" ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعَوْمِ والنَوْمِ فَيَكُونُ اسْمَ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ تَوْبَةٍ، كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ، وساعَةٍ وساعٍ.

وقَبُولُ التَوْبَةِ مِنَ الكافِرِ مَقْطُوعٌ بِهِ؛ لِإخْبارِ اللهِ تَعالى، وقَبُولِ التَوْبَةِ مِنَ العاصِي في وُجُوبِها قَوْلانِ لِأهْلِ السُنَّةِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَقالَ: إنِّي قَتَلْتُ، فَهَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ؟

فَقالَ: نَعَمِ، اعْمَلْ ولا تَيْأسْ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: " قابِلِ التَوْبِ ".

[وَ ﴿ شَدِيدِ العِقابِ ﴾ صِفَةٌ، وقِيلَ: بَدَلٌ].

ثُمَّ عَقَّبَ تَعالى هَذا الوَعِيدَ بِوَعْدٍ ثانٍ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ذِي الطَوْلِ ﴾ ، أيْ: ذِي التَطَوُّلِ والمَنِّ بِكُلِّ نِعْمَةٍ، فَلا خَيْرَ إلّا مِنهُ، فَتَرَتَّبَ في الآيَةِ وعِيدٌ بَيْنَ وعْدَيْنِ، وهَكَذا رَحْمَةُ اللهِ تَغْلِبُ غَضَبَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: سَمِعْتُ هَذِهِ النَزْعَةُ مِن أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ، وهي نَحْوٌ مَن قَوْلِ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ"، يُرِيدُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا  ﴾ ﴿ إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا  ﴾ .

وَ"الطَوْلُ": الإنْعامُ، ومِنهُ "ما حَلِيتُ بِطائِلٍ"، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن أهْلِ الإشارَةِ أنَّهُ تَعالى غافِرِ الذَنْبِ فَضْلًا، وقابِلِ التَوْبِ وعْدًا، وشَدِيدِ العِقابِ عَدْلًا.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الطَوْلُ: السَعَةُ والغِنى.

ثُمَّ صَدَعَ تَعالى بِالتَوْحِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ ، وبِالبَعْثِ والحَشْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ إلَيْهِ المَصِيرُ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يُجادِلُ في آياتِ اللهِ ﴾ يُرِيدُ: جِدالًا باطِلًا، لِأنَّ الجِدالَ فِيها يَقَعُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكِنْ في إثْباتِها وشَرْحِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يَغْرُرْكَ ﴾ أنْزَلَهُ مَنزِلَةَ: "فَلا يَحْزُنْكَ ولا يَهُمَّنَّكَ" لِتَدُلَّ الآيَةُ عَلى أنَّهم يَنْبَغِي ألّا يَغْتَرُّوا بِإمْلاءِ اللهِ تَعالى لَهُمْ، فالخِطابُ لَهُ والإشارَةُ إلى مَن يَقَعُ مِنهُ الِاغْتِرارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ [يَغْرُرْكَ] بِمَعْنى: تَظُنُّ أنَّ وراءَ تَقَلُّبِهِمْ وإمْهالِهِمْ خَيْرًا لَهُمْ، فَتَقُولُ: عَسى أنْ لا يُعَذَّبُوا.

وحُلَّ الفِعْلُ مِنَ الإدْغامِ لِسُكُونِ الحَرْفِ الثانِي، وحَيْثُ هُما مُتَحَرِّكانِ لا يَجُوزُ الحَلُّ، لا تَقُولُ: زِيدٌ يَغْرُرُكَ.

وتَقَلُّبُهم في البِلادِ عِبارَةٌ عن تَمَتُّعِهِمْ بِالمَساكِنِ والمَزارِعِ والأسْفارِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

ثُمَّ مَثَّلَ لَهم بِمَن تَقَدَّمُهم مِنَ الأُمَمِ، أيْ: كَما حَلَّ بِأُولَئِكَ كَذَلِكَ يَنْزِلُ بِهَؤُلاءِ.

و[الأحْزابُ]: يُرِيدُ بِهِمْ عادًا وثَمُودَ أو أهْلَ مَدْيَنَ وغَيْرَهُمْ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "بِرَسُولِها"، رَدًّا عَلى "الأُمَّةِ"، وضَمِيرُ الجَماعَةِ هو عَلى مَعْنى الأُمَّةِ لا عَلى لَفْظِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَأْخُذُوهُ ﴾ مَعْناهُ: لِيُهْلِكُوهُ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأخَذْتُهُمْ ﴾ ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْقَتِيلِ: أخِيذٌ، ولِلْأسِيرِ: أخِيذٌ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "أكْذَبُ مِنَ الأخِيذِ الصَبْحانِ"، وقالَ قَتادَةُ: "لِيَأْخُذُوهُ" مَعْناهُ: لِيَقْتُلُوهُ.

و[لِيُدْحِضُوا] مَعْناهُ: لِيُزْلِقُوا ولِيُذْهِبُوا، والمَدْحَضَةُ: المَزَلَّةُ والمَزْلَقَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ﴾ تَعْجِيبٌ وتَعْظِيمٌ، ولَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ عن كَيْفِيَّةِ وُقُوعِ الأمْرِ.

<div class="verse-tafsir"

وَكَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ٦ ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍۢ رَّحْمَةًۭ وَعِلْمًۭا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ ٧ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٨ وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ يَوْمَئِذٍۢ فَقَدْ رَحِمْتَهُۥ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النارِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ ﴾ ﴿ رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ وَقِهِمُ السَيِّئاتِ ومَن تَقِ السَيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: [كَذَلِكَ سَبَقَتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ]، والمَعْنى: كَما أخَذْتُ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ فَأهْلَكْتُهم فَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِماتِي عَلى جَمِيعِ الكُفّارِ، مَن تَقَدَّمَ مِنهم ومَن تَأخَّرَ، أنَّهم أهْلُ النارِ وسُكّانُها.وَقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "كَلِماتُ" عَلى الجَمْعِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وابْنِ نِصاحٍ.

وقَرَأ الباقُونَ عَلى الإفْرادِ، وهي لِلْجِنْسِ، وهي قِراءَةُ أبِي رَجاءٍ، وقَتادَةَ، وهَذِهِ كُلُّها عِبارَةٌ عن خَتْمِ القَضاءِ عَلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "أنَّهُمْ" ﴾ بَدَلٌ مِن "كَلِمَةُ".

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِخَبَرٍ يَتَضَمَّنُ تَشْرِيفَ المُؤْمِنِينَ ويَعَظِّمُ الرَجاءَ لَهُمْ، وهو أنَّ المَلائِكَةَ الحامِلِينَ لِلْعَرْشِ والَّذِينَ حَوْلَ العَرْشِ - وهم أفْضَلُ المَلائِكَةِ - يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَسْألُونَ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى لَهُمُ الجَنَّةَ والرَحْمَةَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْؤُولا  ﴾ ، أيْ: سَألَتْهُ المَلائِكَةُ، وفَسَّرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ المُجْمَلَ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ  ﴾ ، لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ المَلائِكَةَ لا تَسْتَغْفِرُ لِكافِرٍ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: مَعْنى ذَلِكَ أنَّهم يَسْتَغْفِرُونَ لِلْكَفّارِ، بِمَعْنى طَلَبِ هِدايَتِهِمْ والمَغْفِرَةِ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ، وعَلى هَذا النَحْوِ هو اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِأبِيهِ، واسْتِغْفارُ رَسُولِ اللهِ  لِلْمُنافِقِينَ، وبَلَغَنِي أنَّ رَجُلًا قالَ لِبَعْضِ الصالِحِينَ: ادْعُ لِي واسْتَغْفِرْ لِي، فَقالَ لَهُ: تُبْ واتَّبِعْ سَبِيلَ اللهِ يَسْتَغْفِرْ لَكَ مَن هو خَيْرٌ مِنِّي، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.

وقالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِخِّيرِ: وجَدْنا أنْصَحَ العِبادِ لِلْعِبادِ المَلائِكَةَ، وأغَشَّ العِبادِ لِلْعِبادِ الشَياطِينَ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، ورَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "أُذِنَ لِي أنْ أُحَدِّثَ عن مَلَكٍ مِن حَمَلَةِ العَرْشِ بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ وعاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ".» وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "العُرْشَ" بِضَمِّ العَيْنِ، والجُمْهُورُ عَلى فَتْحِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا ﴾ .

نُصِبَ "رَحْمَةً" عَلى التَمْيِيزِ، وفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُونَ، ومَعْناهُ: وسِعَتْ رَحْمَتُكُ وعِلْمُكُ كُلَّ شَيْءٍ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِمْ: "تَفَقَّأتَ شَحْمًا، وتَصَبَّبَتَ عَرَقًا، وطِبْتَ نَفْسًا".

و"سَبِيلُ اللهِ المُتَّبَعَةِ" هي الشَرائِعُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "جَنّاتِ عَدْنٍ" عَلى جَمْعِ الجَنّاتِ، وقَرَأ الأعْمَشُ - في رِوايَةِ المُفَضَّلِ -: "جَنَّةَ عَدْنٍ" عَلى الإفْرادِ، وكَذَلِكَ هو في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، و"العَدْنُ": الإقامَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ ﴾ .

رُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ: أنَّ الرَجُلَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَبْلَ قَرابَتِهِ، فَيَقُولُ: أيْنَ أبِي؟

أيْنَ أُمِّي؟

أيْنَ زَوْجَتِي؟

فَيُلْحَقُونَ بِهِ لِصَلاحِهِمْ، ولِتَنْبِيهِهِ عَلَيْهِمْ وطَلَبِهِ إيّاهُمْ، وهَذِهِ دَعْوَةُ المَلائِكَةِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "وَذَرِّيَّتَهُمْ" بِالإفْرادِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَقِهِمْ" ﴾ أصْلُهُ: أوقِهِمْ، حُذِفَتِ الواوَ إتْباعًا لِحَذْفِها في المُسْتَقْبَلِ، واسْتُغْنِيَ عن ألْفِ الوَصْلِ لِتَحَرُّكِ القافِ، ومَعْناهُ: اجْعَلْ لَهم وِقايَةً تَقِيهِمُ السَيِّئاتِ، واللَفْظُ يَحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الدُعاءُ في أنْ يَدْفَعَ اللهُ عنهُمُ العَذابَ اللاحِقَ مِنَ السَيِّئاتِ، فَيَكُونُ في اللَفْظِ - عَلى هَذا - حَذْفُ مُضافٍ، كَأنَّهُ قالَ: وقَهِمَ جَزاءَ السَيِّئاتِ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلْإِيمَـٰنِ فَتَكْفُرُونَ ١٠ قَالُوا۟ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍۢ مِّن سَبِيلٍۢ ١١ ذَٰلِكُم بِأَنَّهُۥٓ إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ وَحْدَهُۥ كَفَرْتُمْ ۖ وَإِن يُشْرَكْ بِهِۦ تُؤْمِنُوا۟ ۚ فَٱلْحُكْمُ لِلَّهِ ٱلْعَلِىِّ ٱلْكَبِيرِ ١٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ ﴾ ﴿ قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ ﴾ ﴿ ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ ﴾ أخْبَرَ اللهُ تَعالى بِحالِ الكَفَرَةِ، وجَعَلَ ذَلِكَ عَقِبَ حالِ المُؤْمِنِينَ لِيَبِينَ الفَرْقُ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الحالَ تَكُونُ لِلْكُفّارِ عِنْدَ دُخُولِهِمُ النارَ؛ فَإنَّهم إذا أُدْخِلُوا فِيها مَقَتُوا أنْفُسَهُمْ، أيْ: مَقَتَ بَعْضُهم بَعْضًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَمْقُتَ كُلُّ واحِدٍ نَفْسَهُ، فَإنَّ العِبارَةَ تَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ، و"المَقْتُ" هو احْتِقارٌ وبُغْضٌ عن ذَنْبٍ ورِيبَةٍ، هَذا حَدُّهُ، وإذا مَقَتَ الكُفّارُ أنْفُسَهم نادَتْهم مَلائِكَةُ العَذابِ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ - فَيَقُولُونَ لَهُمْ: مَقَتُ اللهِ إيّاكم في الدُنْيا - إذْ كُنْتُمْ تَدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ - أكْثَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ، هَذا هو مَعْنى الآيَةِ، وبِهِ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

وأضافَ تَعالى المَصْدَرَ إلى الفاعِلِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَمَقْتُ اللهِ ﴾ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ لِأنَّ القَوْلَ يَقْتَضِيهِ.

واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ [لَمَقْتُ]﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الِابْتِداءِ أو لامَ القَسَمِ، وهو أصْوَبُ.

و[أكْبَرُ] خَبَرُ الِابْتِداءِ.

والعامِلُ في [إذْ] فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "مَقَتَكم إذْ"، وقَدَّرَهُ قَوْمٌ: "اذْكُرُوا إذْ"، وذَلِكَ ضَعِيفٌ يَحُلُّ رَبْطَ الكَلامِ، اللهُمَّ إلّا أنْ يُقَدَّرَ أنَّ مَقْتَ اللهِ لَهم هو في الآخِرَةِ، وأنَّهُ أكْبَرُ مِن مَقْتِهِمْ أنْفُسَهُمْ، فَيَصِحُّ أنْ يُقَدَّرَ المُضْمَرُ: "اذْكُرُوا"، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: "لَمَقْتُ" لِأنَّ خَبَرَ الِابْتِداءِ قَدْ حالَ بَيْنَ "المَقْتِ" و"إذْ"، إذْ هي في صِلَتِهِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿ رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ ﴾ ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ، وأبُو مالِكٍ: أرادُوا بِمَوْتِهِمْ كَوْنَهم ماءً في الأصْلابِ، ثُمَّ أحْياءَهم في الدُنْيا، ثُمَّ إماتَتَهُمُ المَوْتَ المَعْرُوفَ، ثُمَّ إحْياءَهم يَوْمَ القِيامَةِ، قالُوا وهي كالَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ  ﴾ ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أرادُوا أنَّهُ أحْياهم نَسَمًا عِنْدَ أخْذِ العَهْدِ عَلَيْهِمْ وقْتَ أخْذِهِمْ مِن صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ أماتَهم بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ أحْياهم في الدُنْيا، ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ أحْياهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، لِأنَّ الإحْياءَ فِيهِ ثَلاثُ مَرّاتٍ.

وقالَ السُدِّيُّ: أرادُوا أنَّهُ أحْياهم في الدُنْيا ثُمَّ أماتَهُمْ، تَمَّ أحْياهم في القُبُورِ وقْتَ سُؤالِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ ثُمَّ أماتَهم فِيهِ، ثُمَّ أحْياهم في الحَشْرِ.

وهَذا أيْضًا يَدْخُلُهُ الِاعْتِراضُ الَّذِي في القَوْلِ قَبْلَهُ، والأوَّلُ أثْبَتُ الأقْوالِ.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: أرادُوا أنَّ الكافِرَ في الدُنْيا هو حَيُّ الجَسَدِ مَيِّتُ القَلْبِ، فَكَأنَّ حالَهم في الدُنْيا جَمَعَتْ إحْياءً وإماتَةً، ثُمَّ أماتَهم حَقِيقَةً، ثُمَّ أحْياهم بِالبَعْثِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والخِلافُ في هَذِهِ الآيَةِ مَقُولٌ كُلُّهُ في آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ يَظْهَرُ مِنها أنَّ مَعْناها مُنْقَطِعٌ مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ ﴾ ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلِ الآيَتانِ مُتَّصِلَتا المَعْنى، وذَلِكَ أنَّ كُفْرَهم في الدُنْيا كانَ أيْضًا بِإنْكارِهِمُ البَعْثَ، واعْتِقادِهِمْ أنَّهُ لا حَشْرَ ولا عَذابَ، ومَقْتَهم أنْفُسَهم إنَّما عَظَّمَهُ، لِأنَّ هَذا المُعْتَقَدَ كَذِبُهُمْ، فَلَمّا تَقَرَّرَ مَقَتَهم لِأنْفُسِهِمْ ورَأوا خِزْيًا طَوِيلًا عَرِيضًا، رَجَعُوا إلى المَعْنى الَّذِي كانَ كُفْرُهم بِهِ وهو البَعْثُ، وخَرَجَ الوُجُودُ مُقْتَرِنًا بِعَذابِهِمْ، فَأقَرُّوا بِهِ عَلى أتَمِّ وُجُوهِهِ، أيْ: كُنّا قَدْ كَفْرَنا بِإنْكارِنا البَعْثَ، ونَحْنُ اليَوْمُ نُقِرُّ أنَّكَ أحْيَيْتِنا اثْنَتَيْنِ وأمَتَّنا اثْنَتَيْنِ، كَأنَّهم قَصَدُوا تَعْظِيمَ قُدْرَتَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، واسْتِرْضاءَهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ قالُوا عَقِبَ هَذا الإقْرارِ طَمَعًا مِنهُمْ، فَها نَحْنُ مُعْتَرِفُونَ بِذُنُوبِنا، فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ؟

وهَذا كَما تُكَلِّفُ إنْسانًا أنْ يُقِرَّ لَكَ بِحَقٍّ وهو يُنْكِرُ، فَإذا رَأى الغَلَبَةَ وصُرِعَ، أقَرَّ بِذَلِكَ الأمْرَ مُتَمَّمًا أوفى مِمّا كُنْتَ تَطْلُبُهُ بِهِ أوَّلًا، وفِيما بَعْدَ قَوْلِهِمْ: ﴿ "فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ" ﴾ مَحْذُوفٌ مِنَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: لا إسْعافَ لِطَلَبَتِكُمْ، أو نَحْوَ هَذا مِنَ الرَدِّ والزَجْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكم بِأنَّهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى مَقْتِهِمْ أنْفُسَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى العَذابِ الَّذِي هم فِيهِ، أو إلى المَنعِ والزَجْرِ والإهانَةِ الَّتِي قُلْنا إنَّها مَقَدَّرَةٌ مَحْذُوفَةُ الذِكْرِ لِدَلالَةِ ظاهِرِ القَوْلِ عَلَيْها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى مَقْتِ اللهِ تَعالى إيّاهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُخاطَبَةُ بِـ"ذَلِكُمْ" لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ  فى الدُنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ عامَّةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا دُعِيَ اللهُ وحْدَهُ ﴾ مَعْناهُ: بِحالَةِ تَوْحِيدٍ ونَفْيٍ لِما سِواهُ مِنَ الآلِهَةِ والأنْدادِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ﴾ أيْ: إذا ذُكِرَتِ اللاتُ والعُزّى وغَيْرُهُما صَدَّقْتُمْ واسْتَقَرَّتْ نُفُوسُكُمْ، فالحُكْمُ اليَوْمَ بِعَذابِكم وتَخْلِيدِكم في النارِ لِلَّهِ لا لِتِلْكَ الَّتِي كُنْتُمْ تُشْرِكُونَها مَعَهُ في الأُلُوهِيَّةِ، و"العَلِيِّ الكَبِيرِ" صِفَتا مَدْحٍ لا في المَكانِ ومُضادَّةِ السُفْلِ والصِغَرِ.

<div class="verse-tafsir"

هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقًۭا ۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ١٣ فَٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ ١٤ رَفِيعُ ٱلدَّرَجَـٰتِ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلَاقِ ١٥ يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌۭ ۚ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ ١٦ ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ١٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلا مِنَ يُنِيبُ ﴾ ﴿ فادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ﴾ ﴿ رَفِيعُ الدَرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مِن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَلاقِ ﴾ ﴿ يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ ﴿ اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ هَذا ابْتِداءُ مُخاطَبَةٍ في مَعْنى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى وتَبْيِينِ عَلاماتِ ذَلِكَ.

وآياتُ اللهِ: تَعُمُّ آياتِ قُدْرَتِهِ وآياتِ قُرْآنِهِ والمُعْجِزاتِ الظاهِرَةِ عَلى أيْدِي رُسُلِهِ، وتَنْزِيلُ الرِزْقِ: هو في تَنْزِيلِ المَطَرُ وفي تَنْزِيلِ القَضاءِ والحُكْمِ، بِنَيْلِ ما يَنالُهُ المَرْءُ في تِجارَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "[وَيُنْزِلُ]" بِالتَخْفِيفِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وعِيسى وجَماعَةٌ بِالتَشْدِيدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَتَذَكَّرُ إلا مَن يُنِيبُ ﴾ مَعْناهُ: وما يَتَذَكَّرُ تَذَكُّرًا يُعْتَدُّ بِهِ ويَنْفَعُ صاحِبَهُ؛ لِأنّا نَجِدُ مَن لا يُنِيبُ يَتَذَكَّرُ، لَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ غَيْرُ نافِعٍ عُدَّ كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أصْحابِ مُحَمَّدٍ  ، و"ادْعُوا": مَعْناهُ: اعْبُدُوا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَفِيعُ الدَرَجاتِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالدَرَجاتِ صِفاتَهُ العُلى، وعَبَّرَ تَعالى بِما يَقْرُبُ لِأفْهامِ السامِعِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: رَفِيعُ الدَرَجاتِ الَّتِي يُعْطِيها لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَتَفَضَّلُ بِها عَلى عِبادِهِ المُخْلِصِينَ في جَنَّتِهِ.

و"العَرْشُ" هو الجِسْمُ المَخْلُوقُ الأعْظَمُ، الَّذِي السَماواتُ السَبْعُ والأرَضُونَ فِيهِ كالدَنانِيرِ في الفَلاةِ مِنَ الأرْضِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُلْقِي الرُوحَ ﴾ .

قالَ الضَحّاكُ: الرُوحُ هُنا هو الوَحْيُ والقُرْآنُ وغَيْرُهُ مِمّا لَمْ يُتْلَ، وقالَ قَتادَةُ والسُدِّيُّ: الرُوحُ النُبُوَّةُ ومَكانَتُها، كَما قالَ: ﴿ رُوحًا مِن أمْرِنا  ﴾ ، وسَمّى هَذا رُوحًا لِأنَّهُ يُحْيِي بِهِ الأُمَمَ والأزْمانَ كَما يُحْيِي الجَسَدَ بِرُوحِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إلْقاءُ الرَوْحِ عامًّا لِكُلِّ ما يُنْعِمُ اللهُ بِهِ عَلى عِبادِهِ المُهْتَدِينَ في تَفْهِيمِهِ الإيمانَ والمَعْقُولاتِ الشَرْعِيَّةِ.

والمُقَدَّرُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - هو اللهُ تَعالى.

قالَ الزَجّاجُ: الرُوحُ: كُلُّ ما بِهِ حَياةُ الناسِ، وكُلُّ مُهْتَدٍ حَيٌّ، وكُلُّ ضالٍّ كالمَيِّتِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن أمْرِهِ ﴾ إنْ جَعَلْتَهُ جِنْسًا لِلْأُمُورِ فَـ"مِن" لِلتَّبْعِيضِ، أو لِابْتِداءِ الغايَةِ، وإنْ جَعْلَنا الأمْرَ مِن مَعْنى الكَلامِ، فَـ"مِن" إمّا لِابْتِداءِ الغايَةِ، وإمّا بِمَعْنى الباءِ، ولا تَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ بَتَّةً.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وجَماعَةٌ: "لِيُنْذِرَ" بِالياءِ وكَسْرِ الذالِ، وفي الفِعْلِ ضَمِيرٌ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، أو عَلى الرُوحِ، أو عَلى "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ ﴾ ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ: "لِيُنْذَرَ" بِالياءِ وفَتْحِ الذالِ، وضَمِّ المِيمِ مِن "يَوْمُ"، وجَعَلَ اليَوْمَ مُنْذِرًا عَلى الِاتِّساعِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِتُنْذِرَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ لِمُحَمَّدٍ  ، و"يَوْمَ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وجَماعَةٌ: "التَلاقِ" بِدُونِ ياءٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو أيْضًا، وعِيسى، ويَعْقُوبُ: "التَلاقِي" بِالياءِ، والخِلافُ فِيها كالخِلافِ الَّذِي مَرَّ في "يَوْمِ التَنادِ"، ومَعْناهُ: تَلاقِي جَمِيعِ العالِمِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وذَلِكَ أمْرٌ لَمْ يَتَّفِقْ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ.

وقالَ السُدِّيُّ: مَعْناهُ: تَلاقِي أهْلِ السَماءِ وأهْلِ الأرْضِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: تَلاقِي الناسِ مَعَ بارِئِهِمْ، وهَذا المَعْنى الأخِيرُ هو أشَدُّها تَخْوِيفًا، وقِيلَ: يَلْتَقِي المَرْءُ وعَمَلَهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ هم بارِزُونَ ﴾ مَعْناهُ: في بِرازٍ مِنَ الأرْضِ يَنْفُذُهُمُ البَصَرُ ويَسْمَعُهُمُ الداعِي، ونُصِبَ "يَوْمَ" عَلى البَدَلِ مِنَ الأوَّلِ، فَهو نَصْبُ المَفْعُولِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُنْصَبَ عَلى الظَرْفِ ويَكُونُ العامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَخْفى ﴾ ، وهي حَرَكَةُ إعْرابٍ لا حَرَكَةَ بَنِاءٍ؛ لِأنَّ الظَرْفَ لا يُبْنى إلّا إذا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ كَيَوْمِئِذٍ، وكَقَوْلِ الشاعِرِ: عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصْحُ والشَيْبُ وازِعُ؟

وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصادِقِينَ صِدْقُهُمْ  ﴾ ، وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فالجُمْلَةُ أمْرٌ مُتَمَكِّنٌ، كَما تَقُولُ: "جِئْتُ يَوْمَ زَيْدٌ أمِيرٌ" فَلا يَجُوزُ البِناءُ،فَتَأمَّلْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَخْفى عَلى اللهِ مِنهم شَيْءٌ ﴾ أيْ: مِن بَواطِنِهِمْ وسَرائِرِهِمْ ودَعَواتَ صُدُورِهِمْ، وفي مُصْحَفِ أبِيِّ بْنِ كَعْبٍ: [لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهم شَيْءٌ] بِضَمِيرِ بَدَلِ المَكْتُوبَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ ﴾ .

رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى يُقَرِّرُ هَذا التَقْرِيرَ ويَسْكُتُ العالَمُ هَيْبَةً وجَزَعًا، فَيُجِيبُ هو نَفْسَهُ: ﴿ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ ، قالَ الحَسَنُ: هو تَعالى السائِلُ وهو المُجِيبُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّهُ تَعالى يُقَرِّرُ فَيُجِيبُ العالَمُ بِذَلِكَ، وقِيلَ: يُنادِي بِالتَقْرِيرِ مَلَكٌ فَيُجِيبُ الناسُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإذا تَأمَّلَ المُؤْمِنُ أنَّهُ لا حَوْلَ لِمَخْلُوقٍ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ، فالزَمانُ كُلُّهُ وأيّامُ الدَهْرِ أجْمَعُ إنَّما المُلْكُ فِيها لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ، لَكِنَّ ظُهُورَ ذَلِكَ لِلْكَفَرَةِ والجَهَلَةِ يَتَّضِحُ يَوْمَ القِيامَةِ.

وإذا تَأمَّلَ تَسْخِيرَ أهْلِ السَمَواتِ وعِبادَتِهِمْ ونُفُوذِ القَضاءِ في الأرْضِ فَأيُّ مُلْكٍ لِغَيْرِ اللهِ؟

ثُمَّ يُعْلِمُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أهْلَ المَوْقِفِ بِأنَّهُ يَوْمُ المُجازاةِ بِالأعْمالِ صالِحِها وسَيِّئِها، وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في أنَّ الثَوابَ والعِقابَ مُعَلَّقٌ بِاكْتِسابِ العَبْدِ، وأنَّهُ يَوْمٌ لا يُوضَعُ فِيهِ أمْرٌ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا ظُلْمَ اليَوْمَ ﴾ .

ثُمَّ أخْبَرَهم عن نَفْسِهِ بِسُرْعَةِ الحِسابِ، وتِلْكَ عِبارَةٌ عن إحاطَتِهِ بِالأشْياءِ عِلْمًا، فَهو يُحاسَبُ الخَلائِقَ في ساعَةٍ واحِدَةٍ كَما يَرْزُقُهُمْ؛ لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى عَدٍّ وفِكْرٍ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.

ورُوِيَ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَنْتَصِفُ حَتّى يُقْبَلَ المُؤْمِنُونَ في الجَنَّةِ والكافِرُونَ في النارِ.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْـَٔازِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَـٰظِمِينَ ۚ مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍۢ وَلَا شَفِيعٍۢ يُطَاعُ ١٨ يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ ١٩ وَٱللَّهُ يَقْضِى بِٱلْحَقِّ ۖ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَقْضُونَ بِشَىْءٍ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ٢٠ ۞ أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا۟ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةًۭ وَءَاثَارًۭا فِى ٱلْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍۢ ٢١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ ﴾ ﴿ يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُدُورُ ﴾ ﴿ واللهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللهَ هو السَمِيعُ البَصِيرُ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِن اللهُ مِن واقٍ ﴾ أمْرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  بِالإنْذارِ لِلْعالَمِ والتَحْذِيرِ مِن يَوْمِ القِيامَةِ وأهْوالِهِ، وهو الَّذِي أرادَ بِـ[يَوْمَ الآزِفَةِ]، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ، ومَعْنى ﴿ [الآزِفَةِ]:﴾ القَرِيبَةُ، مَن أزِفَ الشَيْءُ إذا قَرُبَ، والآزِفَةُ في الآيَةِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ قَدْ عُلِمَ واسْتَقَرَّ في النُفُوسِ هَوْلُهُ، فَعَبَّرَ عنهُ بِالقُرْبِ تَخْوِيفًا، والتَقْدِيرُ: يَوْمَ الساعَةِ الآزِفَةِ، أوِ الطامَّةِ الآزِفَةِ، ونَحْوَ هَذا، فَكَما لَوْ قالَ: "وَأُنْذِرْهُمُ الساعَةَ لَعُلِمَ هَوْلُها بِما اسْتَقَرَّ في النُفُوسِ مِن أمْرِها، فَكَذَلِكَ عُلِمَ هُنا إذا جاءَ بِصِفَتِها الَّتِي تَقْتَضِي حُلُولَها واقْتِرابَها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ ﴾ مَعْناهُ: عِنْدَ الحَناجِرِ، قَدْ صَعِدَتْ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ والجَزَعِ، وهَذا أمْرٌ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ انْتِقالِ قُلُوبِ البَشَرِ إلى حَناجِرِهِمْ وتَبْقى حَياتُهُمْ، بِخِلافِ الدُنْيا الَّتِي لا تَبْقى فِيها لِأحَدٍ مَعَ تَنَقُّلِ قَلْبِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَجُوُّزًا عَبَّرَ عَمّا يَجِدُهُ الإنْسانُ مِنَ الجَزَعِ وصُعُودِ نَفْسِهِ وتُضايُقِ حَنْجَرَتِهِ بِصُعُودِ القَلْبِ، وهَذا كَما تَقُولُ العَرَبُ: كادَتْ نَفْسِي أنَّ تَخْرُجَ، وهَذا المَعْنى يَجِدُهُ المُفَرِّطُ الجَزِعُ كالَّذِي يُقَرَّبُ لِلْقَتْلِ ونَحْوِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ [كاظِمِينَ]﴾ حالٌ مِمّا أُبْدِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ ﴾ ، أو مِمّا تَنْضافُ إلَيْهِ [القُلُوبُ] إذِ المُرادُ: إذْ قُلُوبُ الناسِ لَدى حَناجِرِهِمْ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ  ﴾ ﴿ مُهْطِعِينَ  ﴾ ، أرادَ تَعالى: تَشْخَصُ فِيهِ أبْصارُهم.

و"الكاظِمُ": الَّذِي يَرُدُّ غَيْظَهُ وجَزَعُهُ في صَدْرِهِ.

فَمَعْنى الآيَةِ أنَّهم يَطْمَعُونَ بِرَدِّ ما يَجِدُونَهُ في الحَناجِرِ والحالُ تُغالِبُهُمْ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الظالِمِينَ ظُلْمَ الكَفْرِ هم في تِلْكَ الحالِ لَيْسَ لَهم حَمِيمٌ، أيْ قَرِيبٌ يَهْتَمُّ لَهم ويَتَعَصَّبُ، ولا لَهم شَفِيعٌ يُطاعُ فِيهِمْ، وإنْ هَمَّ بَعْضُهم بِالشَفاعَةِ لِبَعْضٍ فَهي شَفاعَةٌ لا تُقْبَلُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الكَفَرَةِ يَقُولُونَ لِإبْلِيسَ يَوْمَ القِيامَةِ: اشْفَعْ لَنا، فَيَقُومُ لِيَشْفَعَ، فَتَبْدُو مِنهُ أنْتُنُ رِيحٍ يُؤْذِي بِها أهْلَ المَحْشَرِ، ثُمَّ يَنْحَصِرُ ويَكِعُّ ويَخْزى.

و"يُطاعُ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ[شَفِيعٍ]؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: ولا شَفِيعَ يُطاعُ، ومَوْضِعُ [يُطاعُ] يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَفْضًا حَمْلًا عَلى اللَفْظِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَطْفًا عَلى المَوْضِعِ قَبْلَ دُخُولِ [مِن].

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآيَةُ كُلُّها عِنْدِي اعْتِراضٌ في الكَلامِ بَلِيغٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ سَرِيعُ الحِسابِ  ﴾ ؛ لِأنَّ سُرْعَةَ حِسابِهِ تَعالى لِلْخَلْقِ إنَّما هي بِعِلْمِهِ الَّذِي لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى رَوِيَّةٍ وفِكْرَةٍ، ولا لِشَيْءِ مِمّا يَحْتاجُهُ الحاسِبُونَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: [يَعْلَمُ] مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَخْفى عَلى اللهِ مِنهم شَيْءٌ  ﴾ ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، يُقَوِّيهِ تَناسُبُ المَعْنَيَيْنِ، ويُضْعِفُهُ بُعْدُ الآيَةِ مِنَ الآيَةِ وكَثْرَةُ الحائِلِ.

والخائِنَةُ مَصْدَرٌ كالخِيانَةِ، ويَحْتَمِلُ في الآيَةِ أنْ يَكُونَ [خائِنَةَ] اسْمَ فاعِلٍ، كَما تَقُولُ: ناظِرَةُ الأعْيُنِ، أيْ: يَعْلَمُ الأعْيُنَ إذا خانَتْ في نَظَرِها، وهَذِهِ الآيَةُ عِبارَةٌ عن عِلْمِ اللهِ تَعالى بِجَمِيعِ الخَفِيّاتِ، فَمِن ذَلِكَ كَسْرُ الجُفُونِ، والغَمْزُ بِالعَيْنِ، والنَظْرَةُ الَّتِي تُفْهِمُ مَعْنىً، أو يُرِيدُ بِها صاحِبُها مَعْنىً، ومِن هَذا «قَوْلُ النَبِيِّ  حِينَ جاءَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي سَرَحٍ لِيُسْلِمَ بَعْدَ رِدَّتِهِ بِشَفاعَةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَتَلَكَّأ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ  ثُمَّ بايَعَهُ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللهِ  لِأصْحابِهِ: "هَلّا قامَ إلَيْهِ رَجُلٌ حِينَ تَلَكَّأتُ عَلَيْهِ فَضَرَبَ عُنُقَهُ؟" فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، ألا أومَأتْ إلَيْنا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "ما يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ تَكُونَ لَهُ خائِنَةُ الأعْيُنِ"،» وفي بَعْضِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ مِن قَوْلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: "أنا مِرْصادُ الهِمَمِ، أنا العالِمُ بِمَجالِ الفِكْرِ وكَسَرِ الجُفُونِ"، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ خائِنَةَ الأعْيُنِ: ﴾ مُسارَقَةَ النَظَرِ إلى ما لا يَجُوزُ.

ثُمَّ قَوّى اللهُ تَعالى هَذِهِ الأخْبارُ بِأنَّهُ يَعْلَمُ ما تُخْفِي الصُدُورَ، مِمّا لَمَّ يَظْهَرْ عَلى عَيْنٍ ولا غَيْرِها، ومَثَّلَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ بِنَظَرِ رَجُلٍ إلى امْرَأةٍ هي حُرْمَةٌ لِغَيْرِهِ فَقالُوا: خائِنَةُ الأعْيُنِ هي النَظْرَةُ الثانِيَةُ، وما تُخْفِي الصُدُورُ، أيْ عِنْدِ النَظْرَةِ الأُولى الَّتِي لا يُمْكِنُ المَرْءُ دَفْعَها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ وهَذا المِثالُ جُزْءٌ مِن خائِنَةَ الأعْيُنِ.

ثُمَّ قَدَحَ في جِهَةِ الأصْنامِ، فَأعْلَمَ أنَّهُ لا رَبَّ غَيْرُهِ، يَقْضِي بِالحَقِّ، أيْ يُجازِي الحَسَنَةَ بِعَشْرٍ والسَيِّئَةَ بِمِثْلِها، ويُنْصِفُ المَظْلُومَ مِنَ الظالِمِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أقْضِيَةِ الحَقِّ والعَدْلِ، والأصْنامُ لا تَقْضِي بِشَيْءٍ ولا تُنْفِذُ أمْرًا.

و"يَدْعُونَ" مَعْناهُ: يَعْبُدُونَ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَدْعُونَ" بِالياءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، وقَرَأ نافِعٌ - بِخِلافٍ عنهُ - وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "تَدْعُونَ" بِالتاءِ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: والَّذِينَ تَدْعُونَ أنْتُمْ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى لِنَفْسِهِ صِفَتَيْنِ بَيَّنٌ عُرُوُّ الأوثانِ عنهُما، وهي في جِهَةِ اللهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنِ الإدْراكِ عَلى إطْلاقِهِ.

ثُمَّ أحالَ كُفّارَ قُرَيْشٍ - وهم أصْحابُ الضَمِيرِ في "يَسِيرُوا" - عَلى الِاعْتِبارِ بِالأُمَمِ القَدِيمَةِ الَّتِي كَذَّبَتْ أنْبِياءَها فَأهْلَكَها اللهُ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَنْظُرُوا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ جَوابَ الِاسْتِفْهامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى ﴿ يَسِيرُوا ﴾ ، و"كَيْفَ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ ﴾ خَبَرُ "كانَ" مُقَدَّمٌ، وفي "كَيْفَ" ضَمِيرٌ، وهَذا عَلى أنْ تَكُونَ "كانَ" الناقِصَةَ، وأمّا إنْ جُعِلَتْ تامَّةً بِمَعْنى حَدَثَ ووَقَعَ فَـ"كَيْفَ" ظَرْفٌ مُلْغى لا ضَمِيرَ فِيهِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "أشَدَّ مِنكُمْ" بِالكافِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشامِ، وذَلِكَ عَلى الخُرُوجِ مِن غَيْبَةٍ إلى الخِطابِ، وقَرَأ الباقُونَ: "أشَدَّ مِنهُمْ"، وكَذَلِكَ هي في سائِرِ المَصاحِفِ، وذَلِكَ أوفَقُ لِتُناسِبَ ذِكْرَ الغائِبِ، و"الآثارُ في الأرْضِ" هي المَبانِي والمَآثِرُ والصِيتُ الدُنْيَوِيُّ.

و"ذُنُوُبُهُمْ" كانَتْ تَكْذِيبَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ، و"الواقِي": الساتِرُ المانِعُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوِقايَةِ.

<div class="verse-tafsir"

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَكَفَرُوا۟ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّهُۥ قَوِىٌّۭ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ٢٢ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَا وَسُلْطَـٰنٍۢ مُّبِينٍ ٢٣ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَقَـٰرُونَ فَقَالُوا۟ سَـٰحِرٌۭ كَذَّابٌۭ ٢٤ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا۟ ٱقْتُلُوٓا۟ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ وَٱسْتَحْيُوا۟ نِسَآءَهُمْ ۚ وَمَا كَيْدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ ٢٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ ﴾ ﴿ فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "ذَلِكَ" ﴾ إشارَةٌ إلى أخْذِهِ إيّاهم بِذُنُوبِهِمْ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهم مِنهُ واقٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ السَبَبَ في إهْلاكِهِمْ هو ما قُرَيْشٌ عَلَيْهِ مِن أنْ جاءَهم رَسُولٌ مِنَ اللهِ بِبَيِّناتٍ مِنَ المُعْجِزاتِ والبَراهِينِ فَكَفَرُوا بِهِ، وذَكَرَ أنَّ اللهَ تَعالى أخْذَهُمْ، ووَصَفَ نَفْسَهُ بِالقُوَّةِ وشِدَّةِ العِقابِ، وهَذا كُلُّهُ بَيانٌ في وعِيدِ قُرَيْشٍ.

ثُمَّ ابْتَدَأ تَبارَكَ وتَعالى قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مَعَ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، وهي قِصَّةٌ فِيها لِلنَّبِيِّ  تَسْلِيَةٌ وأُسْوَةٌ، وفِيها لِقُرَيْشٍ والكَفّارُ بِهِ وعِيدٌ ومَثّالٌ يَخافُونَ مِنهُ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ مِنَ النِقْمَةِ، وفِيها لِلْمُؤْمِنِينَ وعْدٌ ورَجاءٌ في النَصْرِ والظَفَرِ وحَمْدُ عاقِبَةِ الصَبْرِ.

وآياتُ مُوسى كَثِيرَةٌ، عُظْمُها والَّذِي عَرَضَهُ عَلى جِهَةِ التَحَدِّي: العَصا واليَدُ، فَوَقَعَتِ المُعارَضَةُ في العَصا وحْدَها، ثُمَّ انْفَصَلَتِ القَضِيَّةُ عن إيمانِ السَحَرَةِ وغَلَبَةِ الكافِرِينَ.

و"السُلْطانُ": البُرْهانُ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "سُلُطانٍ" بِضَمِ اللامِ، والناسُ عَلى سُكُونِها.

وخَصَّ تَعالى هامانَ وقارُونَ بِالذِكْرِ تَنْبِيهًا عَلى مَكانِهِما مِنَ الكُفْرِ، ولِكَوْنِهِما أشْهَرَ رِجالِ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: إنَّ قارُونَ هَذا لَيْسَ بِقارُونَ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: هو ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ كانَ مُنْقَطِعًا إلى فِرْعَوْنَ خادِمًا مُسْتَعِينًا مَعَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "ساحِرٌ" ﴾ أيْ في أمْرِ العَصا، و"كَذّابٌ" في قَوْلِهِ: إنِّي رَسُولٌ مِنَ اللهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهم لَمّا جاءَهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِالنُبُوَّةِ والحَقِّ مِن عِنْدِ اللهِ، قالَ هَؤُلاءِ الثَلاثَةُ وأجْمَعَ رَأْيُهم عَلى أنْ يُقْتَلَ أبْناءُ بَنِي إسْرائِيلَ أتْباعُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وشُبّانُهم وأهْلُ القُوَّةِ مِنهُمْ، وأنْ تُسْتَحْيى النِساءُ لِلْخِدْمَةِ والِاسْتِرْقاقِ، وهَذا رُجُوعٌ مِنهم إلى نَحْوِ القَتْلِ الأوَّلِ الَّذِي كانَ قَبْلَ مِيلادِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ولَكِنَّ هَذا الأخِيرَ لَمْ يَتِمَّ لَهم عَزْمُهم فِيهِ، ولا أعانَهُمُ اللهُ تَعالى عَلى شَيْءٍ مِنهُ، قالَ قَتادَةُ: هَذا قَتْلٌ غَيْرُ الأوَّلِ الَّذِي كانَ حَذَرَ المَوْلُودِ، وسَمَّوْا مَن ذَكَرْنا مِن بَنِي إسْرائِيلَ أبْناءَ كَما تَقُولُ لِأفْخاذِ القَبِيلَةِ أوِ المَدِينَةِ وأهْلِ الظُهُورِ فِيها: هَؤُلاءِ أبْناءُ فُلانَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ ﴾ عِبارَةٌ وجِيزَةٌ تُعْطِي قُوَّتَها أنَّ هَؤُلاءِ الثَلاثَةَ لَمْ يُقْدِرْهُمُ اللهُ تَعالى عَلى قَتْلِ أحَدٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ولا نَجَحَتْ لَهم سِعايَةٌ فِيهِمْ، بَلْ أضَلَّ اللهُ سَعْيَهم وكَيْدَهم.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِىٓ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُۥٓ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلْأَرْضِ ٱلْفَسَادَ ٢٦ وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍۢ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ ٢٧ وَقَالَ رَجُلٌۭ مُّؤْمِنٌۭ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًۭا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًۭا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌۭ كَذَّابٌۭ ٢٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أو أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ ﴾ ﴿ وَقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ ﴾ ﴿ وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم إنَّ اللهُ لا يَهْدِي مِن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ ﴾ الظاهِرُ مِن أمْرِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ لَمّا بَهَرَتْ آياتُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ انْهَدَّ رُكْنُهُ، واضْطَّرَبَتْ مُعْتَقَداتُ أصْحابِهِ، ولَمْ يَفْقِدْ مِنهم مَن يُجاذِبُهُ الخِلافَ في أمْرِهِ، وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن غَيْرِ ما مَوْضِعٍ مَن قِصَّتِهِما، وفي هَذِهِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ دَلِيلانِ: أحَدُهُما قَوْلُهُ: ﴿ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ﴾ ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ مِن ألْفاظِ الجَبابِرَةِ المُتَمَكِّنِينَ مِن إنْفاذِ أوامِرِهِمْ، والدَلِيلُ الثانِي: مَقالَةُ المُؤْمِنِ وما صَدَعَ بِهِ، وأنَّ مُكاشَفَتَهُ لِفِرْعَوْنَ أكْبَرُ مِن مُسايَرَتِهِ، وحُكْمَهُ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أظْهَرُ مِن تَوْرِيَتِهِ في أمْرِهِ، وأمّا فِرْعَوْنُ فَإنَّما لَجَأ إلى المُخْرِقَةِ والِاضْطِرابِ والتَعاطِي، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ ﴾ ، أيْ: إنِّي لا أُبالِي عن رَبِّ مُوسى، ثُمَّ رَجَعَ إلى قَوْمِهِ يُرِيهِمُ النَصِيحَةَ والحِمايَةَ لَهم فَقالَ: ﴿ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ﴾ ، والدِينُ: السُلْطانُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: لَئِنْ حَلَلْتْ بِجَوٍّ مِن بَنِيَ أسَدٍ ∗∗∗ في دِينِ عَمْرٍو وحالَتْ بَيْنَنا فَدَكُ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "وَأنْ"، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أو أنْ"، ورَجَّحَها أبُو عَبِيدٍ بِزِيادَةِ الحَرْفِ، فَعَلى الأُولى خافَ أمْرَيْنِ، وعَلى الثانِيَةِ خافَ أحَدَ أمْرَيْنِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ: "يُظْهِرَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ "الفَسادَ" نَصْبًا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "يَظْهَرَ" بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ [الفَسادُ] بِالرَفْعِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ، وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وأبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ، والأعْرَجِ، وعِيسى، والأعْمَشِ، وابْنِ وثّابٍ، ورُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأ: "وَيَظْهَرُ" بِرَفْعِ الراءِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَيَظْهَرَ" بِفَتْحِ الياءِ.

ولَمّا سَمِعَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مَقالَةَ فِرْعَوْنَ- لِأنَّهُ كانَ مَعَهُ في مَجْلِسٍ واحِدٍ- دَعا رَبَّهُ تَعالى وقالَ: ﴿ إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ ﴾ الآيَةُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "عَذَتُ" بِبَيانِ الذالِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عُذْتُ" بِالإدْغامِ، واخْتُلِفَ عن نافِعٍ، وفي مُصْحَفِ أبِيِّ بْنِ كَعْبٍ: "عُتُّ" عَلى الإدْغامِ في الخَطِّ.

ثُمَّ حَكى اللهُ تَعالى مَقالَةَ رَجُلٍ مُؤْمِنٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وشَرَّفَهُ بِالذِكْرِ، وخَلَّدَ ثَناءَهُ في الأُمَمِ، سَمِعَتُ أبِي رَحِمَهُ اللهُ تَعالى يَقُولُ: سَمِعَتُ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيِّ عَلى المِنبَرِ يَقُولُ - وقَدْ سُئِلَ أنْ يَتَكَلَّمَ في شَيْءٍ مِن فَضائِلِ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهم - فَأطْرَقَ قَلِيلًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وقالَ: عَنِ المَرْءِ لا تَسْألْ وسَلْ عن قَرِينِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقارَنِ يَقْتَدِي ماذا تُرِيدُونَ مِن قَوْمٍ قَرْنَهُمُ اللهُ تَعالى بِنَبِيِّهِ  ، وخَصَّهم بِمُشاهَدَتِهِ وتَلَقِّي الوَحْيِ مِنهُ؟

وقَدْ أثْنى اللهُ عَلى رَجُلٍ مُؤْمِنٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ، فَجَعَلَهُ اللهُ تَعالى في كِتابِهِ وأثْبَتَ ذِكْرَهُ في المَصاحِفِ لِكَلامٍ قالَهُ في مَجْلِسٍ مِن مَجالِسِ الكُفْرِ، وأيْنَ هو مِن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ جَرَّدَ سَيْفَهُ بِمَكَّةَ وقالَ: واللهُ لا أعْبُدُ اللهَ سِرًّا بَعْدَ اليَوْمِ؟

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "رَجْلٌ" بِسُكُونِ الجِيمِ، كَعَضُدِ وعَضْدُ، وسَبُعُ وسَبْعُ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: "رَجُلٌ" بِضَمِّ الجِيمِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الرَجُلِ، فَقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: كانَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وكانَ يَكْتُمُ إيمانَهُ، فَـ"يَكْتُمُ" - عَلى هَذا - في مَوْضِعِ الصِفَةِ دُونَ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ فِرْعَوْنَ بَلْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وإنَّما المَعْنى: وقالَ رَجُلٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.

والأوَّلُ أصَحُّ، ولَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَتَكَلَّمَ بِمِثْلِ هَذا عِنْدَ فِرْعَوْنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن غَيْرِ القِبْطِ ويُقالُ فِيهِ: مِن آلِ فِرْعَوْنَ إذْ كانَ في الظاهِرِ عَلى دِينِ فِرْعَوْنَ ومِن أتْباعِهِ، وهَذا كَما قالَ أراكَةُ الثَقَفِيُّ يَرْثِي أخاهُ ويَتَعَزّى بِرَسُولِ اللهِ  : فَلا تَبْكِ مَيْتًا بَعْدَ مَيْتٍ أجَنَّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ عَلِيٌّ وعَبّاسٌ وآلُ أبِي بَكْرِ يَعْنِي المُسْلِمِينَ إذْ كانُوا في طاعَةِ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أنْ يَقُولَ" ﴾ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ لِأجْلِ أنْ يَقُولَ، وجَلَّحَ مَعَهم هَذا المُؤْمِنُ في هَذِهِ المَقالاتِ، ثُمَّ غالَطَهم بَعْدُ في أنْ جَعَلَهُ في احْتِمالِ الصِدْقِ والكَذِبِ، وأراهم أنَّها نَصِيحَةٌ.

وحُذِفَتِ النُونُ مِن "يَكُ" تَخْفِيفًا عَلى ما قالَ سِيبَوَيْهِ، وتَشْبِيهًا بِالنُونِ في "يَفْعَلُونَ ويَفْعَلانِ" عَلى مَذْهَبِ المُبَرِّدِ، وتَشْبِيهًا بِحَرْفِ العِلَّةِ - الياءِ والواوِ - عَلى مَذْهَبِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وقالَ: كَأنَّ الجازِمَ دَخَلَ عَلى "يَكُنْ" وهي مَجْزُومَةٌ بَعْدُ فَأشْبَهَتِ النُونُ الياءَ مَن "يَقْضِي" والواوَ مَن "يَدْعُو" لِأنَّ خِفَّتَها عَلى اللِسانِ سَواءٌ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: ﴿ يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: "بَعْضُ" بِمَعْنى "كَلِّ"، وأنْشَدُوا قَوْلَ القَطامِيِّ عُمَيْرِ بْنِ شُيَيْمٍ: قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجَلِ الزَلَلُ وَقالَ الزَجّاجُ: هو إلْزامُ الحُجَّةِ بِأيْسَرَ ما في الأمْرِ، ولَيْسَ فِيهِ نَفْيُ إصابَةِ الكُلِّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ، أرادَ: يُصِبْكم بَعْضُ العَذابِ الَّذِي يَذْكُرُ، وذَلِكَ كافٍ في هَلاكِكُمْ، ويُظْهِرُ لِي أنَّ المَعْنى: يُصِبْكُمُ القِسْمُ الواحِدُ مِمّا يَعِدُ بِهِ، وذَلِكَ هو بَعْضُ ما يَعِدُ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ وعَدَهم إنْ آمَنُوا بِالنَعِيمِ، وإنْ كَفَرُوا بِالعَذابِ، فَإنْ كانَ صادِقًا فالعَذابُ بَعْضُ ما وعَدَ بِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِبَعْضِ ما يَعِدُكُمْ: عَذابَ الدُنْيا، لِأنَّهُ بَعْضُ عَذابِ الآخِرَةِ، أيْ: وتَصِيرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى الباقِي، وفي البَعْضِ كِفايَةٌ في الإهْلاكِ.

ثُمَّ وعَظَهم هَذا المُؤْمِنُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ ﴾ ، قالَ السُدِّيُّ: مُسْرِفٌ بِالقَتْلِ، وقالَ قَتادَةُ: مُسْرِفٌ بِالكُفْرِ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰقَوْمِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَـٰهِرِينَ فِى ٱلْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ٢٩ وَقَالَ ٱلَّذِىٓ ءَامَنَ يَـٰقَوْمِ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ ٱلْأَحْزَابِ ٣٠ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍۢ وَعَادٍۢ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۚ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًۭا لِّلْعِبَادِ ٣١ وَيَـٰقَوْمِ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ ٣٢ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍۢ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍۢ ٣٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللهِ إنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلا ما أرى وما أهْدِيكم إلا سَبِيلَ الرَشادِ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ ﴾ ﴿ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وما اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ ﴾ ﴿ وَيا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَنادِ ﴾ ﴿ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللهِ مِنَ عاصِمٍ ومَن يُضْلِلِ اللهِ فَما لَهُ مِنَ هادٍ ﴾ قَوْلُ هَذا المُؤْمِنِ: ﴿ يا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ ﴾ اسْتِنْزالٌ لَهم ووَعْظٌ لَهم مِن جِهَةِ شَهَواتِهِمْ، وتَحْذِيرٌ مِن زَوالِ تَرَفِهِمْ، ونَصِيحَةٌ لَهم في أمْرِ دُنْياهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ فِي الأرْضِ ﴾ يُرِيدُ في أرْضِ مِصْرَ وما والاها مِن مَمْلَكَتِهِمْ.

ثُمَّ قَرَّرَهم عَلى مَن هو الناصِرُ لَهم مِن بَأْسِ اللهِ تَعالى، وهَذِهِ الأقْوالُ تَقْتَضِي زَوالَ هَيْبَةِ فِرْعَوْنَ، ولِذَلِكَ اسْتَكانَ هو ورَجَعَ يَقُولُ: ﴿ ما أُرِيكم إلا ما أرى ﴾ كَما يَقُولُ مَن لا تَحَكُّمَ لَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أُرِيكُمْ ﴾ مِن رَأى، قَدْ عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ، فَلِلْفِعْلِ مَفْعُولانِ: أحَدُهُما الضَمِيرُ في ﴿ أُرِيكُمْ ﴾ ، والآخَرُ ما في قَوْلِهِ: ﴿ إلا ما أرى ﴾ ، وكَأنَّ الكَلامَ: "أُرِيكم ما أرى"، ثُمَّ أدْخَلَ في صَدْرِ الكَلامِ "ما" النافِيَةَ وقَلَبَ مَعْناها بِـ"إلّا" المُوجِبَةِ تَخْصِيصًا وتَأْكِيدًا لِلْأمْرِ، كَما تَقُولُ: "قامَ زَيْدٌ"، فَإذا قُلْتَ: "ما قامَ إلّا زَيْدٌ" أفَدْتَ تَخْصِيصَهُ وتَأْكِيدَ أمْرِهِ، و"أرى" مُتَعَدِّيَةٌ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وهو الضَمِيرُ الَّذِي فِيهِ، العائِدُ عَلى "ما"، تَقْدِيرُهُ: إلّا ما أراهُ، وحَذْفُ هَذا المَفْعُولِ مِنَ الصِفَةِ حَسَنٌ لِطُولِ الصِلَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الرَشادِ" مَصْدَرَ "رَشَدَ"، وفي قِراءَةِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: [سَبِيلَ الرَشّادِ] بِشَدِّ الشِينِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وهو اسْمُ فاعِلٍ في بِنْيَتِهِ مُبالَغَةٌ، وهو مِنَ الفِعْلِ الثُلاثِيِّ "رَشَدَ"، فَهو كَعَبّادٍ مِن عَبَدَ، وقالَ النُحاسُ: هو وهْمٌ، وتَوَهَّمَهُ مِنَ الفِعْلِ الرُباعِيِّ.

وقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللهُ مَرْدُودٌ، قالَ أبُو حاتِمٍ: كانَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ يُفَسِّرُها: سَبِيلَ اللهِ، ويَبْعُدُ عِنْدِي هَذا عَلى مُعاذٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وهَلْ كانَ فِرْعَوْنُ يَدَّعِي إلّا أنَّهُ إلَهٌ؟

ويُقْلِقُ بِناءُ اللَفْظَةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِي آمَنَ ﴾ ، فَقالَ الجُمْهُورُ: هو المُؤْمِنُ المَذْكُورُ أوَّلًا، قَصَّ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أقاوِيلَهُ إلى آخَرِ الآياتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كَلامُ ذَلِكَ المُؤْمِنِ قَدِيمٌ، وإنَّما أرادَ تَعالى بِالَّذِي آمَنَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، واحْتَجَّتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ بِقُوَّةِ كَلامِهِ، وأنَّهُ جَلَّحَ مَعَهم بِالإيمانِ، وذِكْرِ عَذابِ الآخِرَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ كَلامُ الأوَّلِ إلّا بِمُلايَنَةٍ لَهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ ﴾ أيْ: مِثْلَ يَوْمٍ مِن أيّامِهِمْ؛ لِأنَّ عَذابَهم لَمْ يَكُنْ في يَوْمٍ واحِدٍ ولا عَصْرٍ واحِدٍ، و"الأحْزابِ": المُتَحَزِّبُونَ عَلى أنْبِياءِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ، و"مِثْلَ" الثانِي بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، و"الدَأْبُ": العادَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَما اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ ﴾ أيْ: مِن نَفْسِهِ، أيْ: يَظْلِمُهم هُوَ، فالإرادَةُ هُنا عَلى بابِها لِأنَّ الظُلْمَ مِنهُ لا يَقَعُ البَتَّةَ، ولَيْسَ مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللهَ لا يُرِيدُ ظُلْمَ بَعْضِ العِبادِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والبُرْهانُ وُقُوعُهُ، ومُحالٌ أنْ يَقَعَ ما لا يُرِيدُهُ اللهُ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿ يَوْمَ التَنادِ ﴾ مَعْناهُ: يُنادِي قَوْمٌ قَوْمًا ويُنادِيهِمُ الآخَرُونَ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في التَنادِي المُشارِ إلَيْهِ، فَقالَ قَتادَةُ: هو نِداءُ أهْلِ الجَنَّةِ أهْلَ النارِ: ﴿ فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا  ﴾ الآيَةُ.

ونِداءُ أهْلِ النارِ لَهُمْ: ﴿ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ  ﴾ الآيَةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هو النِداءُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ  ﴾ ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: هو التَنادِي الَّذِي يَكُونُ بِالناسِ عِنْدَ النَفْخِ في الصُوَرِ نَفْخَةَ الفَزَعِ في الدُنْيا، وأنَّهم يَفِرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ لِلْفَزَعِ الَّذِي يَنالُهُمْ، ويُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا، ورُوِيَ هَذا التَأْوِيلُ عن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ  ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ التَذْكِيرَ بِكُلِّ نِداءٍ في القِيامَةِ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلى الكُفّارِ والعُصاةِ، ولَها أجْوِبَةٌ بِنِداءٍ، وهي كَثِيرَةٌ، مِنها ما ذَكَرْناهُ، ومِنها: يا أهْلَ النارِ خُلُودٌ لا مَوْتٌ، يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ لا مَوْتٌ، ومِنها نِداءُ أهْلِ الغَدَراتِ، والنِداءُ ﴿ لَمَقْتُ اللهِ  ﴾ ، والنِداءُ ﴿ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ  ﴾ ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "التَنادْ" بِسُكُونِ الدالِ في الوَصْلِ، وهَذا عَلى إجْرائِهِمُ الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ: "التَنادِي" بِالياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وهَذا عَلى الأصْلِ، وقَرَأ الباقُونَ "التَنادِ" بِغَيْرِ ياءٍ فِيهِما، ورُوِيَ ذَلِكَ عن نافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ، وحُذِفَتِ الياءُ مَعَ الألِفِ واللامِ حَمْلًا عَلى حَذْفِها مَعَ مُعاقِبِها وهو التَنْوِينُ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: حُذِفَتِ الياءُ تَخْفِيفًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والضَحّاكُ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ: "التَنادِّ" بِشَدِّ الدالِّ، وهَذا مَعْنى آخَرُ لَيْسَ مِنَ النِداءِ، بَلْ هو مِن نَدَّ البَعِيرُ إذا هَرَبَ، وبِهَذا المَعْنى فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُدِّيُّ هَذِهِ الآيَةَ، ورَوَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في هَذا المَعْنى حَدِيثًا «أنَّ اللهَ تَعالى إذا طَوى السَماواتِ نَزَلَتْ مَلائِكَةُ كُلِّ سَماءٍ فَكانَتْ صَفًّا بَعْدَ صَفٍّ مُسْتَدِيرَةً بِالأرْضِ الَّتِي عَلَيْها الناسُ لِلْحِسابِ، فَإذا رَأى العالَمُ هَوْلَ القِيامَةِ وأخْرَجَتْ جَهَنَّمُ عُنُقَها إلى أصْحابِها فَرَّ الكُفّارُ ونَدُّوا مُدْبِرِينَ إلى كُلِّ جِهَةٍ، فَتَرُدُّهُمُ المَلائِكَةُ إلى المَحْشَرِ خاسِئِينَ لا عاصِمَ لَهُمْ،» قالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: ومِصْداقُ هَذا الحَدِيثِ في كِتابِ اللهِ تَعالى قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ والمَلَكُ عَلى أرْجائِها  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا  ﴾ ، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا، لا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطانٍ  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ﴾ مَعْناهُ عَلى بَعْضِ الأقاوِيلِ في التَنادِي: تَفِرُّونَ هُرُوبًا مِنَ المُفْزِعِ، وعَلى بَعْضِها: تَفِرُّونَ مُدَبِّرِينَ إلى النارِ.

والعاصِمُ: المُنَجِّي.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّۢ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِهِۦ رَسُولًۭا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌۭ مُّرْتَابٌ ٣٤ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍۢ جَبَّارٍۢ ٣٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ حَتّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مِن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهِ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ ﴾ قَدْ قَدَّمْنا ذِكْرَ الخِلافِ في هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها، هَلْ هي مِن قَوْلِ مُؤْمِنِي آلِ فِرْعَوْنَ أو مِن قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ؟

وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ مِنهُمُ الطَبَرِيُّ: يُوسُفُ المَذْكُورُ هو يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هو حَفِيدُهُ يُوسُفُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنُ يُوسُفَ بْنُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ.

و"البَيِّناتُ" الَّتِي جاءَ بِها يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ تُعَيَّنْ لَنا حَتّى نَقِفَ عَلى مُعْجِزاتِهِ، ورُوِيَ عن وهَبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ فِرْعَوْنَ مُوسى لَحِقَ يُوسُفَ، وأنَّ هَذا التَقْرِيعَ لَهُ.

ورَوى أشْهَبُ عن مالِكٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ فِرْعَوْنَ عَمَّرَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وأرْبَعِينَ سَنَةً، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هو فِرْعَوْنُ آخَرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا ﴾ حِكايَةٌ لِرُتْبَةِ قَوْلِهِمْ لِأنَّهم إنَّما أرادُوا: أنْ يَجِيءَ بَعْدَ هَذا مِن يَدَّعِي مِثْلَ ما ادَّعى، ولَمْ يُقِرَّ أُولَئِكَ قَطُّ بِرِسالَةِ الأوَّلِ ولا الآخَرِ ولا بِأنَّ اللهَ يَبْعَثُ الرُسُلَ، فَحَكى رُتْبَةَ قَوْلِهِمْ، وجاءَتْ عِبارَتُهم مُشَنِّعَةً عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ بِإثْرٍ هَذا: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ ﴾ ، أيْ: كَما صَيَّرَكم مِنَ الكُفْرِ والضَلالَةِ في هَذا الحَدِّ فَنَحْوُ ذَلِكَ هو إضْلالُهُ لِصِنْفِكم أهِلِ السَرَفِ في الأُمُورِ وتَعِدِي الطَوْرِ والِارْتِيابِ بِالحَقائِقِ.

وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ: "قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ".

ثُمَّ أنْحى لَهم عَلى قَوْمٍ صِفَتُهم مَوْجُودَةٌ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ، فَكَأنَّهُ أرادَهم فَزالَ عن مُخاطَبَتِهِمْ حُسْنَ أدَبٍ واسْتِخْلابًا، فَقالَ: ﴿ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللهِ ﴾ ، أيْ بِالإبْطالِ لَها والرَدِّ بِغَيْرِ بُرْهانٍ ولا حُجَّةٍ أتَتْهم مِن عِنْدِ اللهِ.

﴿ كَبُرَ مَقْتًا ﴾ جِدالُهم ﴿ عِنْدَ اللهِ ﴾ ، فاخْتَصَرَ ذِكْرَ الجِدالِ لِدَلالَةِ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ عَلَيْهِ، ورَدَّ الفاعِلَ بِـ"كَبُرَ" نَصْبًا عَلى التَمْيِيزِ، كَقَوْلِكَ: تَفَقَّأتُ شَحْمًا وتَصَبَّبَتُ عَرَقًا، و"يَطْبَعُ" مَعْناهُ: يَخْتِمُ بِالضَلالِ ويَحْجُبُ عَنِ الهُدى.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ - بِخِلافٍ عنهُ -: "عَلى كُلِّ قَلْبٍ" بِالتَنْوِينِ "مُتَكَبِّرٍ" عَلى الصِفَةِ، وقَرَأ الباقُونَ: بِالإضافَةِ إلى "مُتَكَبِّرٍ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: يَطْبَعُ اللهُ عَلى القُلُوبِ إذْ كانَتْ قَلْبًا قَلْبًا مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "عَلى قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ المُرادُ عُمُومَ قَلْبِ المُتَكَبِّرِ الجَبّارِ بِالطَبْعِ، أيْ لا ذَرَّةَ فِيهِ مِن إيمانٍ ولا مُقارَبَةٍ، فَهي عِبارَةٌ عن شِدَّةِ إطْلاقِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَـٰهَـٰمَـٰنُ ٱبْنِ لِى صَرْحًۭا لَّعَلِّىٓ أَبْلُغُ ٱلْأَسْبَـٰبَ ٣٦ أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ كَـٰذِبًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍۢ ٣٧ وَقَالَ ٱلَّذِىٓ ءَامَنَ يَـٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ٣٨ يَـٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا مَتَـٰعٌۭ وَإِنَّ ٱلْـَٔاخِرَةَ هِىَ دَارُ ٱلْقَرَارِ ٣٩ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةًۭ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍۢ ٤٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ ﴾ ﴿ أسْبابَ السَماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلا في تَبابٍ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَشادِ ﴾ ﴿ يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ ﴾ ﴿ مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مَن ذَكَرٍ أو أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ مَقالَةَ فِرْعَوْنَ حِينَ أعْيَتْهُ الحِيَلُ في مُقاوَمَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِحُجَّةٍ، وظَهَرَ لِجَمِيعِ المُشاهِدِينَ أنَّ ما يَدْعُو إلَيْهِ مُوسى هو عِبادَةُ إلَهِ السَماءِ، فَنادى فِرْعَوْنُ هامانَ - وهو وزِيرُهُ والناظِرُ في أُمُورِهِ - فَأمَرَهُ أنْ يَبْنِيَ لَهُ بِناءً عالِيًا نَحْوَ السَماءِ، و"الصَرْحُ" كُلُّ بِناءٍ عَظِيمٍ شَنِيعِ القَدْرِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الظُهُورِ والصَراحَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "صَرِيحُ النَسَبِ، وصَرَّحَ بِقَوْلِهِ"، فَيُرْوى أنَّ هامّانَ طَبْخَ الآجُرَّ - ولَمْ يُطْبَخْ قَبْلَهُ - وبَناهُ ارْتِفاعَ مِائَةَ ذِراعٍ، فَبَعَثَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ فَمَسْحَهُ بِجَناحِهِ فَكَسَرَهُ ثَلاثَ كِسَرٍ، تَفَرَّقَتِ اثْنَتانِ ووَقَعَتْ ثالِثَةٌ في البَحْرِ، ورُوِيَ أنَّ هامّانَ لَمْ يَكُنْ مِنَ القِبْطِ، وقِيلَ: كانَ مِنهُمْ، و"الأسْبابَ": الطُرُقُ، قالَهُ السُدِّيُّ، وقالَ قَتادَةُ: الأبْوابُ، وقِيلَ: عَنى: لَعَلَّهُ يَجِدُ مَعَ قُرْبِهِ مِنَ السَماءِ سَبَبًا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "فَأطَّلِعَ" ﴾ بِالرَفْعِ عَطَفا عَلى "أبْلَغُ"، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْرَجُ: "فَأطَّلِعَ" بِالنَصْبِ بِالفاءِ في جَوابِ التَمَنِّي.

ولَمّا قالَ فِرْعَوْنُ بِمَحْضَرٍ مِن مَلَئِهِ: ﴿ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى ﴾ اقْتَضى كَلامُهُ الإقْرارَ بِإلَهِ مُوسى، فاسْتَدْرَكَ ذَلِكَ اسْتِدْراكًا قَلِقًا بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنِّي لأظُنُّهُ كاذِبًا ﴾ .

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ زُيِّنَ ﴾ أيْ أنَّهُ كَما تَخَرَّقَ فِرْعَوْنُ في بِناءِ الصَرْحِ والأخْذِ في هَذِهِ الفُنُونِ المُقْصِرَةِ، كَذَلِكَ جَرى جَمِيعُ أمْرِهِ، وزُيِّنَ لَهُ، أيْ زَيَّنَ الشَيْطانُ سُوءَ عَمِلَهُ في كُلِّ أفْعالِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "وَصُدَّ عَنِ السَبِيلِ" ﴾ بِفَتْحِ الصادِ، بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى فِرْعَوْنَ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ، وجَماعَةٌ بِضَمِّ الصادِ وفَتْحِ الدالِّ المُشَدَّدَةِ: "وَصُدَّ" عَطَفًا عَلى "زُيِّنَ" وحَمَلًا عَلَيْهِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "وَصِدَّ" بِكَسْرِ الصادِ عَلى مَعْنى صَدَّ أصْلُهُ صَدَدَ، فَنُقِلَتِ الحَرَكَةُ ثُمَّ أُدْغِمَتِ الدالُ في الدالِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي بَكَرَةَ: "وَصَدٌّ" بِفَتْحِ الصادِ ودالٍ مُهْمِلَةٍ مُشَدَّدَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُنَوَّنَةً عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ .

وِ"السَبِيلُ": سَبِيلُ الشَرْعِ والإيمانِ، و"التِبابُ": الخُسْرانُ، ومِنهُ: ﴿ تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ  ﴾ ، وبِهِ فَسَّرَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، وتَبُّ فِرْعَوْنَ ظاهِرٌ لِأنَّهُ خَسِرَ مالَهُ في الصَرْحِ وغَيْرِهُ، وخَسِرَ مُلْكَهُ، وخَسِرَ نَفْسَهُ، وخَلَدَ في جَهَنَّمَ.

ثُمَّ وعَظَ الَّذِي آمَنَ فَدَعا إلى اتِّباعِ أمْرِ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿ اتَّبِعُونِ أهْدِكُمْ ﴾ يُقَوِّي أنَّ المُتَكَلِّمَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وإنْ كانَ الآخَرُ يُحْتَمَلُ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ، أيِ: اتَّبَعُونِي في اتِّباعِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.

ثُمَّ زَهَّدَ في الدُنْيا وأخْبَرَ أنَّهُ شَيْءٌ يُتَمَتَّعُ بِهِ قَلِيلًا، ورَغَّبَ في الآخِرَةِ، إذْ هي دارُ الِاسْتِقْرارِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ، وأبُو رَجاءٍ وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ: "يَدْخُلُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الخاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى: "يُدْخَلُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَيَـٰقَوْمِ مَا لِىٓ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدْعُونَنِىٓ إِلَى ٱلنَّارِ ٤١ تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِۦ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌۭ وَأَنَا۠ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّـٰرِ ٤٢ لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُۥ دَعْوَةٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا وَلَا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ٤٣ فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ ٤٤ فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُوا۟ ۖ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرْعَوْنَ سُوٓءُ ٱلْعَذَابِ ٤٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النارِ ﴾ ﴿ تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللهِ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ ﴾ ﴿ لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُنْيا ولا في الآخِرَةِ وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللهِ وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النارِ ﴾ ﴿ فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكم وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللهِ إنَّ اللهِ بَصِيرٌ بِالعِبادِ ﴾ ﴿ فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ، هَلْ هَذِهِ المَقالَةُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أو لِمُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ.

والدُعاءُ إلى طاعَةِ اللهِ وعِبادَتِهِ وتَوْحِيدِهِ هو الدُعاءُ إلى سَبَبِ النَجاةِ، فَجَعَلَهُ دُعاءً إلى النَجاةِ اخْتِصارًا واقْتِضابًا، وكَذَلِكَ دُعاؤُهم إيّاهُ إلى الكُفْرِ واتِّباعِ دِينِهِمْ هو دُعاءٌ إلى سَبَبِ دُخُولِ النارِ، فَجَعَلَهُ دُعاءً إلى النارِ اخْتِصارًا، ثُمَّ بَيَّنَ عَلَيْهِمْ ما بَيْنَ الدَعْوَتَيْنِ مِنَ البَوْنِ في أنَّ الواحِدَةَ كُفْرٌ وشِرْكٌ، والأُخْرى دَعْوَةٌ إلى الإسْنادِ إلى عِزَّةِ اللهِ وغُفْرانِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ﴾ لَيْسَ مَعْناهُ أنِّي جاهِلٌ بِهِ، بَلْ مَعْناهُ العِلْمُ بِأنَّ الأوثانَ وفِرْعَوْنَ وغَيْرَهُ لَيْسَ لَهم مُدْخَلٌ في الأُلُوهِيَّةِ، ولَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ البَشَرِ عِلْمٌ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَظَرِ بِأنَّ لَهم في الأُلُوهِيَّةِ مَدْخَلًا، بَلِ العِلْمُ اليَقِينُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن حُدُوثِهِمْ مُتَحَصِّلٌ.

و"لا جَرَمَ" مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ أنَّها "لا" النافِيَةُ دَخَلَتْ عَلى "جَرَمَ"، ومَعْناها: ثَبَتَ ووَجَبَ، ومِن ذَلِكَ جَرَمَ بِمَعْنى كَسَبَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولِقَدْ طَعَنَتَ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ∗∗∗ جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا أيْ أوجَبَتْ لَهم ذَلِكَ وثَبَّتَتْهُ لَهُمْ، فَكَأنَّ الكَلامَ نَفْيٌ لِلْكَلامِ المَرْدُودِ عَلَيْهِ بِـ"لا"، وإثْباتٌ لِلْمُسْتَأْنَفِ بِـ"جَرَمَ"، و[أنَّ] - عَلى هَذا النَظَرِ - في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ[جَرَمَ]، وَكَذَلِكَ [أنَّ] الثانِيَةُ والثالِثَةُ، ومَذْهَبُ جَماعَةٍ مِن أهْلِ اللِسانِ أنَّ "لا جَرَمَ" بِمَعْنى "لابُدَّ" و"لا مَحالَةَ" فَـ"أنَّ" - عَلى هَذا النَظَرِ - في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: لا مَحالَةَ بِأنَّ ما، و[ما] بِمَعْنى "الَّذِي" واقِعَةٌ عَلى الأصْنامِ وما عَبَدُوهُ مِن دُونِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

وقَوْلُهُ: ﴿ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُنْيا ﴾ أيْ قَدْرٌ وحَقٌّ يَجِبُ أنْ يُدْعى أحَدٌ إلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: تَدْعُونَنِي إلى ما لا غِناءَ لَهُ وبَيْنَ أيْدِينا خَطْبٌ جَلِيلٌ مِنَ الرَدِّ إلى اللهِ تَعالى.

وأهَّلُ الإسْرافِ والشِرْكِ: هم أصْحابُ النارِ بِالخُلُودِ فِيها والمُلازَمَةِ، أيْ: وكَيْفَ أُطِيعُكم مَعَ هَذِهِ الأُمُورِ الحَقائِقِ، وفي طاعَتِكم رَفَضُ العَمَلِ بِحَسَبِها والخَوْفُ مِنها؟

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ: المُسْرِفُونَ سَفّاكُو الدِماءِ بِغَيْرِ حَلِّها، وقالَ قَتادَةُ: هُمُ المُشْرِكُونَ.

ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِأنَّهم سَيَذْكُرُونَ قَوْلَهُ هَذا عِنْدَ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ، وسَوْفَ بِالسِينِ إذِ الأمْرُ مُحْتَمَلٌ أنْ يَخْرُجَ الوَعِيدُ في الدُنْيا أو في الآخِرَةِ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ، ورَوى اليَزِيدِيُّ وغَيْرُهُ عن أبِي عَمْرٍو فَتْحَ الياءِ مِن [أمْرِي]، والضَمِيرُ فِي: [فَوَقاهُ] يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أو عَلى مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، وقالَ قائِلُوا ذَلِكَ: إنَّ ذَلِكَ المُؤْمِنَ نَجا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وفَرَّ في جُمْلَةِ مَن فَرَّ مَعَهُ، مِنَ المُتَّبَعِينَ.

وقَرَأ عاصِمٌ: "فَوَقاهُ" بِالإمالَةِ.

و"حاقَ" مَعْناهُ: نَزَلَ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في المَكْرُوهِ، وسُوءُ العَذابِ: الغَرَقُ وما بَعْدَهُ مِنَ النارِ وعَذابِها.

<div class="verse-tafsir"

ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّۭا وَعَشِيًّۭا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ ٤٦ وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِى ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَـٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًۭا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلنَّارِ ٤٧ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُلٌّۭ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ ٤٨ وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِى ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًۭا مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٤٩ قَالُوٓا۟ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۚ قَالُوا۟ فَٱدْعُوا۟ ۗ وَمَا دُعَـٰٓؤُا۟ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍ ٥٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ النارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ ﴾ ﴿ وَإذْ يَتَحاجُّونَ في النارِ فَيَقُولُ الضُعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النارِ ﴾ ﴿ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِينَ في النارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ ﴾ ﴿ قالُوا أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ النارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها ﴾ \[النارُ\] رُفِعَ عَلى البَدَلِ مِن [سُوءُ]، وقالَتْ فِرْقَةٌ: [النارُ] رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ [يُعْرَضُونَ].

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا الغُدُوُّ والعَشِيُّ هو في الدُنْيا، أيْ: في كُلِّ غُدُوٍّ وعَشِيٍّ مِن أيّامِ الدُنْيا يُعْرَضُ آلُ فِرْعَوْنَ عَلى النارِ، ورُوِيَ في ذَلِكَ عَنِ الهَزِيلِ بْنِ شُرَحْبِيلٍ، والسُدِّيِّ: أنَّ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ سُودٍ تَرُوحُ بِهِمْ وتَغْدُو إلى النارِ، وقالَهُ الأوزاعِيُّ حِينَ قالَ لَهُ رَجُلٌ: إنِّي رَأيْتُ طُيُورًا بِيضًا تَغْدُو مِنَ البَحْرِ ثُمَّ تَرْجِعُ بِالعَشِيِّ سُودًا مِثْلَها، فَقالَ الأوزاعِيُّ: تِلْكَ هي الَّتِي في حَواصِلِها أرْواحُ آلِ فِرْعَوْنَ، يَحْتَرِقُ رِيشُها ويَسُودَّ بِالعَرْضِ عَلى النارِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ وغَيْرُهُ: أرادَ أنَّهم يُعْرَضُونَ في الآخِرَةِ عَلى النارِ عَلى تَقْدِيرِ ما بَيْنَ الغُدُوِّ والعَشِيِّ؛ إذْ لا غُدُوَّ ولا عَشِيَّ في الآخِرَةِ، وإنَّما ذَلِكَ.

عَلى التَقْدِيرِ بِأيّامِ الدُنْيا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "يَوْمَ" عَطْفًا عَلى "عَشِيًّا" والعامِلُ فِيهِ [يُعْرَضُونَ]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مَقْطُوعًا والعامِلُ فِي: [يَوْمَ] [أدْخِلُوا]، والتَقْدِيرُ: عَلى كُلِّ قَوْلٍ: "يُقالُ ادْخُلُوا".

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ، وطِلْحَةُ: [أدْخَلُوا] بِقَطْعِ الألْفِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: [ادْخُلُوا] بِصِلَةِ الألْفِ عَلى الأمْرِ لِآلِ فِرْعَوْنَ، و[آلَ] - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - مُنادى مُضافٌ، و[أشَدَّ] نُصِبَ عَلى الظَرْفِيَّةِ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: [يَتَحاجُّونَ] لِجَمِيعِ كَفّارِ الأُمَمِ، وهَذا ابْتِداءُ قَصَصٍ لا يَخْتَصُّ بِآلِ فِرْعَوْنَ، والعامِلُ في [إذْ] فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ، قالَ الطَبَرِيُّ: و[إذْ] هَذِهِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بَعِيدٌ، و"المُحاجَّةُ": التَحاوُرُ بِالحَجَّةِ والخُصُومَةِ.

و"الضُعَفاءُ" يُرِيدُ في القَدْرِ والمَنزِلَةِ في الدُنْيا، و ﴿ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ﴾ هم أشْرافُ الكُفّارِ وكُبَراؤُهُمْ، ولَمْ يَصِفُهم بِالكِبْرِ إلّا مِن حَيْثُ اسْتَكْبَرُوا، لا أنَّهم في أنْفُسِهِمْ كُبَراءُ، ولَوْ كانُوا كَذَلِكَ في أنْفُسِهِمْ لَكانَتْ صِفَتُهُمُ الكُبَراءَ أو نَحْوَهُ مِمّا يُوجِبُ الصِفَةَ لَهُمْ، و"التَبَعُ" قِيلَ: هو جَمْعٌ واحِدُهُ تابِعٌ كَغائِبٌ وغَيْبٌ، وقِيلَ: هو مُفْرَدٌ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ، كَعَدْلٍ وزُورٍ وغَيْرِهِ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ مُغْنُونَ عَنّا ﴾ أيْ يَحْمِلُونَ عَنّا كَلَّهُ ومَشَقَّتَهُ، فَأخْبَرَهُمُ المُسْتَكْبِرُونَ أنَّ الأمْرَ قَدِ انْجَزَمَ بِحُصُولِ الكُلِّ مِنهم فِيها، وأنَّ حُكْمَ اللهِ تَعالى قَدِ اسْتَمَرَّ بِذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ كُلٌّ فِيها ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (إنَّ)، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ: "إنّا كُلًّا فِيها" بِالنَصْبِ عَلى التَأْكِيدِ، ثُمَّ قالَ جَمِيعُ مَن في النارِ لِخَزَنَتِها وزَبانِيَتِها: ادْعُوا رَبَّكم عَسى أنْ يُخَفِّفَ عَنّا مِقْدارَ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُنْيا مِنَ العَذابِ، فَراجَعَتْهُمُ الخَزَنَةُ - عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ والتَقْرِيرِ - ﴿ أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكُمْ ﴾ الآيَةُ، فَأقَرَّ الكُفّارُ عِنْدَ ذَلِكَ وقالُوا: "بَلى"، أيْ قَدْ كانَ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُمُ الخَزَنَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: فادْعُوا أنْتُمْ إذًا، وعَلى هَذا مَعْنى الهُزْءِ بِهِمْ، أيْ: فادْعُوا أيُّها الكافِرُونَ الَّذِينَ لا مَعْنى لِدُعائِكُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ وَما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ ﴾ هو مِن قَوْلِ الخَزَنَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى إخْبارًا مِنهُ لِمُحَمَّدٍ  ، وجاءَتْ هَذِهِ الأفْعالُ عَلى صِيغَةِ المُضِيِّ، ﴿ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ﴾ - ﴿ وَقالَ الَّذِينَ في النارِ ﴾ - لِأنَّها وصْفُ حالٍ مُتَيَقَّنَةِ الوُقُوعِ فَحَسُنَ ذَلِكَ فِيها.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَـٰدُ ٥١ يَوْمَ لَا يَنفَعُ ٱلظَّـٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ٥٢ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٥٣ هُدًۭى وَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ٥٤ فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ ٥٥ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۙ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌۭ مَّا هُم بِبَـٰلِغِيهِ ۚ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ٥٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ ﴾ ﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَعْنَةُ ولَهُمُ سُوءُ الدارِ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى وأورَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ ﴾ ﴿ هُدًى وذِكْرى لأُولِي الألْبابِ ﴾ ﴿ فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنَّ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ فاسْتَعِذْ بِاللهِ إنَّهُ هو السَمِيعُ البَصِيرُ ﴾ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ يَنْصُرُ رُسُلَهُ والمُؤْمِنِينَ في الحَياةِ الدُنْيا وفي الآخِرَةِ، قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: وهَذا خاصٌّ فِيمَن أظْهَرَهُ اللهُ عَلى أُمَّتِهِ كَنُوحٍ وَمُوسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ، ولَيْسَ بِعامٍّ، لِأنّا نَجَدُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مَن قَتَلَهُ قَوْمُهُ كَيَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ ولَمْ يُنْصَرْ عَلَيْهِمْ.

وقالَ السُدِّيُّ: الخَبَرُ عامٌّ عَلى وجْهِهِ، وذَلِكَ أنَّ نُصْرَةَ الرُسُلِ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ واقِعَةٌ ولا بُدَّ، إمّا في حَياةِ الرَسُولِ المَنصُورِ كَنُوحٍ ومُوسى عَلَيْهِما السَلامُ، وإمّا فِيما يَأْتِي مِنَ الزَمانِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، ألّا تَرى إلى ما صَنَعَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِبَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ قَتْلِهِمْ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ مِن تَسْلِيطِ بُخْتَنَصَّرَ عَلَيْهِمْ حَتّى انْتَصَرَ لِيَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ؟

ونَصْرُ المُؤْمِنِينَ داخِلٌ في نَصْرِ الرُسُلِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وأيْضًا فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لِلْمُؤْمِنِينَ الفُضَلاءِ وُدًّا، ووَهَبَهم نَصْرًا إذا ظُلِمُوا، وحَضَّتِ الشَرِيعَةُ عَلى نَصْرِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ  : « "مَن رَدَّ عن أخِيهِ المُسْلِمِ في عَرْضِهِ، كانَ حَقًّا عَلى اللهِ أنْ يَرُدَّ عنهُ نارَ جَهَنَّمَ"،» وقَوْلُهُ  : « "مَن حَمى مُؤْمِنًا مِن مُنافِقٍ يَغْتابُهُ، بَعَثَ اللهُ مَلَكًا يَحْمِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ ﴾ ، يُرِيدُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو - بِخِلافٍ -: [تَقُومُ] بِالتاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: [يَقُومُ] بِالياءِ، و[الأشْهادُ]: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الشَهادَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُشاهَدَةِ بِمَعْنى المَصْدَرِ، قالَ الزَجّاجُ: أشْهادٌ جَمْعُ شاهِدٍ كَصاحِبٍ وأصْحابُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أشْهادٌ جُمَعُ شَهْدٍ، وشَهْدٌ جَمْعُ شاهِدٍ كَصاحِبٍ وصَحِبٍ وتاجَرٍ وتَجْرٍ، وقالَ الطَبَرِيُّ: أشْهادٌ جَمْعُ شَهِيدٍ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ.

و ﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وقَتادَةُ، وعِيسى، وأهْلُ مَكَّةَ: "لا تَنْفَعُ" بِالتاءِ مِن فَوْقُ، وقَرَأ الباقُونَ: "لا يَنْفَعُ" بِالياءِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وطَلْحَةَ، وعاصِمٍ، وأبِي رَجاءٍ، وهَذا لِأنَّ تَأْنِيثَ المَعْذِرَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولِأنَّ الحائِلَ قَدْ وقَعَ، و"المَعْذِرَةُ" مَصْدَرٌ كالعُذْرِ.

و[اللَعْنَةُ]: الإبْعادُ، و ﴿ سُوءُ الدارِ ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: سُوءُ عاقِبَةِ الدارِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِقِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وما آتاهُ اللهُ تَعالى مِنَ النُبُوَّةِ تَأْنِيسًا لِمُحَمَّدٍ  ، وضَرَبَ أُسْوَةً، وتَذْكِيرًا لِما كانَتِ العَرَبُ تُعْرِفُهُ مِن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَيُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّ مُحَمَّدًا  لَيْسَ بِبِدَعٍ مِنَ الرُسُلِ.

و"الهُدى": النُبُوَّةُ والحِكْمَةُ، والتَوْراةُ تَعُمُّ جَمِيعَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَأورَثْنا" ﴾ عِبارَةٌ عن أنَّ طَوائِفَ بَنِي إسْرائِيلَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ تَصِيرُ فِيهِمُ التَوْراةُ إمامًا، فَكانَ بَعْضُهم يَرِثُها عن بَعْضٍ، وتَجِيءُ التَوْراةُ في حَقِّ الصَدْرِ الأوَّلِ مِنهم عَلى تَجَوُّزٍ.

و"الكِتابَ": التَوْراةُ.

ثُمَّ أمْرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  بِالصَبْرِ وانْتِظارِ إنْجازِ الوَعْدِ، أيْ: فَسَتَكُونُ عاقِبَةُ أمْرِكَ كَعاقِبَةِ أمْرِهِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: نَسَخَتْ آيَةُ القِتالِ الصَبْرَ حَيْثُ وقَعَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ إعْلامِ اللهِ إيّاهُ أنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ؛ لِأنَّ آيَةَ هَذِهِ السُورَةِ مَكِّيَّةٌ وآيَةَ سُورَةِ الفَتْحِ مَدَنِيَّةٌ مُتَأخِّرَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخُطّابُ في هَذِهِ الآيَةِ لَهُ والمُرادُ أمَّتُهُ، أيْ أنَّهُ إذا أُمِرَ هو بِهَذا فَغَيْرُهُ أحْرى بِامْتِثالِهِ.

و"الإبْكارُ" والبُكُورُ بِمَعْنىً واحِدٍ، وقالَ الطَبَرِيُّ: الإبْكارِ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ الثانِي إلى طُلُوعِ الشَمْسِ، وحُكِيَ عن قَوْمٍ أنَّهُ مِن طُلُوعِ الشَمْسِ إلى ارْتِفاعِ الضُحى، وقالَ الحَسَنُ: "بِالعَشِيِّ" يُرِيدُ صَلاةَ العَصْرِ، [والإبْكارِ] يُرِيدُ بِهِ صَلاةَ الصُبْحِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن أُولَئِكَ الكُفّارِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ ولا بُرْهانٍ، وهم يُرِيدُونَ بِذَلِكَ طَمْسَها والرَدِّ في وجْهِها، أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ، بَلْ في صُدُورِهِمْ وضَمائِرِهِمْ كِبْرٌ وأنَفَةٌ عَلَيْكَ حَسَدًا مِنهم عَلى الفَضْلِ الَّذِي آتاكَ اللهُ تَعالى، ثُمَّ نَفى أنْ يَكُونُوا يَبْلُغُونَ آمالَهم بِحَسْبِ ذَلِكَ الكِبَرِ فَقالَ: ﴿ ما هم بِبالِغِيهِ ﴾ ، وهُنا حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: بِبالِغَيْ إرادَتِهِمْ فِيهِ، وهَذا النَفْيُ الَّذِي تَضْمَّنَ أنَّهم لا يَبْلُغُونَ أمَلًا تَأْنِيسٌ لِمُحَمَّدٍ  .

ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالِاسْتِعاذَةِ بِاللهِ في كُلِّ أمْرِهِ مِن كُلِّ مُسْتَعاذٍ مِنهُ لِأنَّ اللهَ يَسْمَعُ أقْوالَهُ وأقْوالَ مُخالِفِيهِ، وهو بَصِيرٌ بِمَقاصِدِهِمْ ونِيّاتِهِمْ ويُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَوْجِبُهُ، والمَقْصِدُ بِأنْ يُسْتَعاذَ مِنهُ عِنْدَ قَوْمِ الكِبَرِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قالَ: هَؤُلاءِ لَهم كِبَرٌ لا يَبْلُغُونَ مِنهُ أمَلًا، فاسْتَعِذْ بِاللهِ مِن حالِهِمْ في ذَلِكَ.

وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ: أنَّ هَذِهِ الِاسْتِعاذَةَ هي مِنَ الدَجّالِ وفِتْنَتِهِ، والأظْهَرُ ما قَدَّمْناهُ مِنَ العُمُومِ في كُلِّ مُسْتَعاذٍ مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٥٧ وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَلَا ٱلْمُسِىٓءُ ۚ قَلِيلًۭا مَّا تَتَذَكَّرُونَ ٥٨ إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَـَٔاتِيَةٌۭ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ٥٩ وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ٦٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَخَلْقُ السَماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ الناسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ولا المُسِيءُ قَلِيلا ما تَتَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ إنَّ الساعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عن عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَخَلْقُ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ الآيَةُ تَوْبِيخٌ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُتَكَبِّرِينَ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: مَخْلُوقاتُ اللهِ تَعالى أكْبَرُ وأجَلُّ قَدْرًا مِن خَلْقِ البَشَرِ، فَما لِأحَدٍ مِنهم يَتَكَبَّرُ عَلى خالِقِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ في مَعْنى البَعْثِ والإعادَةِ، فَأعْلَمَ تَعالى أنَّ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضِ قَوِيٌّ قادِرٌ عَلى خَلْقِ الناسِ تارَةً أُخْرى، و"الخَلْقُ" - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ.

وقالَ النَقّاشُ: المَعْنى: مِمّا يَخْلُقُ الناسُ؛ إذْ هم في الحَقِيقَةِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا، فالخَلْقُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن خَلْقِ الناسِ ﴾ مُضافٌ إلى الفاعِلِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ الأقَلَّ مِنهم يَعْلَمُ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ مَثَّلَ الأكْثَرَ الجاهِلَ بِالأعْمى، والأقَلَّ العالِمَ بِالبَصِيرِ، وجَعَلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ يُعادِلُهم قَوْلُهُ: ﴿ المُسِيءُ ﴾ ، وهو اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ المُسِيئِينَ.

وأخْبَرَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ لا يَسْتَوُونَ، فَكَذَلِكَ الأكْثَرُ الجُهَلاءُ مِنَ الناسِ لا يَسْتَوُونَ مَعَ الأقَلِّ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ.

وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ والحَسَنُ: [يَتَذَكَّرُونَ] بِالياءِ عَلى الكِنايَةِ عَنِ الغائِبِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وقَتادَةُ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "تَتَذَكَّرُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ عَلى المُخاطَبَةِ، والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ.

ثُمَّ جَزَمَ تَعالى الإخْبارَ بِأنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ، وهي القِيامَةُ المُتَضَمِّنَةُ لِلْبَعْثِ مِنَ القُبُورِ، والحِسابِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تَعالى، واقْتِرانِ الجَمْعِ إلى الجَنَّةِ وإلى النارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا رَيْبَ فِيها ﴾ أيْ في ذاتِها ونَفْسِها، وإنْ وُجِدَ مِنَ العالَمِ مَن يَرْتابُ فِيها فَلَيْسَتْ فِيها في نَفْسِها رِيبَةٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ آيَةُ تَفَضُّلٍ ونِعْمَةٍ ووَعْدٍ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  بِالإجابَةِ عِنْدَ الدُعاءِ، وهَذا الوَعْدُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ المَشِيئَةِ لِمَن شاءَ تَعالى، لا أنَّ الِاسْتِجابَةَ عَلَيْهِ حَتْمٌ لِكُلِّ داعٍ، لا سِيَّما لِمَن تَعَدّى في دُعائِهِ، فَقَدْ «عابَ رَسُولُ اللهِ  دُعاءَ الَّذِي قالَ: اللهُمَّ أعْطِنِي القَصْرَ الأبْيَضَ الَّذِي عن يَمِينِ الجَنَّةِ.» وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى [ادْعُونِي]: اعْبُدُونِي، و[أسْتَجِبْ] مَعْناهُ: بِالثَوابِ والنَصْرِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عن عِبادَتِي ﴾ ، ويُحْتَجُّ لَهُ لِحَدِيثِ النُعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "الدُعاءُ هو العِبادَةُ"،» وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: وحِّدُونِي أغْفِرْ لَكُمْ، وقِيلَ لِلثَّوْرِيِّ: ادْعُ اللهَ تَعالى فَقالَ: إنَّ تَرْكَ الذُنُوبِ هو الدُعاءُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، "سَيَدْخُلُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، وشَيْبَةُ: [سَيَدْخُلُونَ] بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الخاءِ، واخْتَلَفَ عن أبِي عَمْرُو، وعن عاصِمٍ، و"الداخِرُ": هو الصاغِرُ الذَلِيلُ.

<div class="verse-tafsir"

ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ٦١ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ٦٢ كَذَٰلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ٦٣ ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ قَرَارًۭا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءًۭ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٦٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَهارَ مُبْصِرًا إنَّ اللهُ لَذُو فَضْلٍ عَلى الناسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ ﴿ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ ﴾ ﴿ اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا والسَماءَ بِناءً وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم ورَزَقَكم مِنَ الطَيِّباتِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكم فَتَبارَكَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى آياتِ اللهِ تَعالى، وعِبَرٌ مَتى تَأمَّلَها العاقِلُ أدَّتْهُ إلى تَوْحِيدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى والإقْرارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنَهارَ مُبْصِرًا ﴾ مَجازُهُ: يُبْصِرُ فِيهِ، كَما تَقُولُ: نَهارٌ صائِمٌ ولَيْلٌ قائِمٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مَخْلُوقٍ، وما يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا كالقُرْآنِ والصِفاتِ فَلَيْسَ يَدْخُلُ في هَذا العُمُومِ، وهَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ  ﴾ مَعْناهُ: كُلُّ شَيْءٍ مَبْعُوثٌ لِتَدْمِيرِهِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تُؤْفَكُونَ" بِالتاءِ، وفِرْقَةٌ: "يُؤْفِكُونَ" بِالياءِ، والمَعْنى في القِراءَةِ الأُولى: قُلْ لَهُمْ، و"تُؤْفَكُونَ" مَعْناهُ: تُصْرَفُونَ عَلى طَرِيقِ النَظَرِ والهُدى، وهَذا تَقْرِيرٌ بِمَعْنى التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ.

ثُمَّ قالَ لِنَبِيِّهِ  : ﴿ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ ﴾ أيْ: عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ وبِهَذِهِ الصِفَةِ صَرَفَ اللهُ تَعالى الكُفّارَ الجاحِدِينَ بِآياتِ اللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى طَرِيقِ الهُدى، ثُمَّ بَيَّنَ نِعْمَتَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في أنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا ومِهادًا لِلْعِبادِ، والسَماءَ بِناءً وسَقْفًا.

وقَرَأ الناسُ: "صُوَرَكُمْ" بِضَمِّ الصادِ، وقَرَأ أبُو رَزِينٍ بِكَسْرِها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "صُورَكُمْ" بِسِكُونِ الواوِ عَلى نَحْوِ بُسْرَةٍ وبُسْرٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الطَيِّباتِ ﴾ يُرِيدُ: مِنَ المُسْتَلَذّاتِ طَعْمًا ولِبْسًا ومَكاسِبَ وغَيْرَ ذَلِكَ، ومَتى جاءَ ذِكْرُ الطَيِّباتِ بِقَرِينَةِ "رَزَقَكُمْ" ونَحْوَ فَهو المُسْتَلَذُّ، ومَتى جاءَ بِقَرِينَةِ تَحْلِيلٍ أو تَحْرِيمٍ - كَما قالَ تَعالى: ﴿ قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَيِّباتِ مَن الرِزْقِ  ﴾ ، وكَما قالَ: ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَيِّباتِ  ﴾ - فالطَيِّباتُ في مِثْلِ هَذا: الحَلالُ، وعَلى هَذا النَظَرِ يَخْرُجُ مَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى في الطَيِّباتِ والخَبائِثِ، وقَوْلُ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى: إنَّ الطَيِّباتِ هي المُسْتَلَذّاتُ والخَبائِثَ هي المُسْتَقْذَراتُ ضَعِيفٌ يَنْكَسِرُ بِمُسْتَلِذّاتٍ مُحَرَّمَةٍ ومُسْتَقْذَراتٍ مُحَلَّلَةٍ لا رَدَّ لَهُ في صَدْرِها، وأمّا حَيْثُ وقَعَتِ الطَيِّباتُ مَعَ الرِزْقِ فَإنَّما هي تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ فِيما يَسْتَحْسِنُهُ البَشَرُ لا سِيَّما هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي هي مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ، فَإنَّما عُدِّدَتْ عَلَيْهِمُ النِعْمَةُ الَّتِي يَعْتَقِدُونَها نِعْمَةً.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

هُوَ ٱلْحَىُّ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ۗ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٦٥ ۞ قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِىَ ٱلْبَيِّنَـٰتُ مِن رَّبِّى وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٦٦ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍۢ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍۢ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍۢ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًۭا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا۟ شُيُوخًۭا ۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوٓا۟ أَجَلًۭا مُّسَمًّۭى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ٦٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ مِن رَبِّي وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ومِنكم مِن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ ولِتَبْلُغُوا أجَلا مُسَمًّى ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ لَمّا سَرَدَتِ الآياتُ صِفاتِ اللهِ تَعالى الَّتِي تُبَيِّنُ فَسادَ حالِ الأصْنامِ كانَ مِن أبْيَنِها أنَّ الأصْنامَ مَواتٌ جَمادٌ، وأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ الحَيُّ القَيُّومُ، وصُدُورُ الأمْرِ مِن لَدُنْهُ، وإيجادُ الأشْياءِ وتَدْبِيرُ الأمْرِ كُلِّهِ وعِلْمُهُ بِالكُلِّ، دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّهُ حَيٌّ لا إلَهَ إلّا هو.

وقَوْلُهُ: ﴿ فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ، الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ كَلامٌ مُتَّصِلٌ مُقْتَضاهُ: ادْعُوهُ مُخْلِصِينَ بِالحَمْدِ، وبِهَذِهِ الألْفاظِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَن قالَ: "لا إلَهَ إلّا اللهَ" فَلْيَقُلْ أثَرَها: "الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ"، وقالَ نَحْوَ هَذا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.

ثُمَّ أمَرَ اللهِ تَعالى نَبِيَّهُ  أنْ يَصْدَعَ بِأنَّهُ نُهِيَ عن عِبادَةِ الأصْنامِ الَّتِي عَبَدَها الكُفّارُ مِن دُونَ اللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ووَقَعَ النَهْيُ لَمّا جاءَهُ الوَحْيُ والهُدى مِن رَبِّهِ، وأُمِرَ بِالإسْلامِ الَّذِي هو الإيمانُ والأعْمالُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ أيْ أنْ أسْتَسْلَمَ لِرَبِّ العالَمِينَ وأخْضَعَ لَهُ بِالطاعَةِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أمْرَ الوَحْدانِيَّةِ والأُلُوهِيَّةِ بِالعِبْرَةِ في ابْنِ آدَمَ وتَدْرِيجِ خَلْقِهِ، فَأوَّلَهُ خَلْقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ مِن تُرابٍ مِن طِينٍ لازِبٍ، فَجَعَلَ البَشَرَ مِنَ التُرابِ كَما كانَ مُنْسَلًّا مِنَ المَخْلُوقِ مِنَ التُرابِ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن نُطْفَةٍ ﴾ إشارَةٌ إلى التَناسُلِ مِن آدَمَ فَمَن بَعْدِهِ و"النُطْفَةُ" [هِيَ] الماءُ الَّذِي خُلِقَ المَرْءُ مِنهُ، و"العَلَقَةُ": الدَمُ الَّذِي يَصِيرُ مِنَ النُطْفَةِ، و"الطِفْلُ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ، و"بُلُوغُ الأشُدِّ" اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: ثَلاثُونَ، وقِيلَ: سِتَّةٌ وثَلاثُونَ، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، وقِيلَ: سِتَّةٌ وأرْبَعُونَ، وقِيلَ: عِشْرُونَ، وقِيلَ: ثَمانِيَةَ عَشْرَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشْرَ، وهَذِهِ الأقْوالُ الأخِيرَةُ ضَعِيفَةٌ في الأشُدِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنكم مَن يُتَوَفّى مَن قَبْلُ ﴾ عِبارَةٌ تَتَرَدَّدُ في الأدْراجِ المَذْكُورَةِ كُلِّها، فَمِنَ الناسِ مَن يَمُوتُ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ طِفْلًا، وآخَرُونَ قَبْلَ الأشُدِّ، وآخَرُونَ قَبْلَ الشَيْخُوخَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِتَبْلُغُوا أجَلا مُسَمًّى ﴾ أيْ: هَذِهِ الأصْنافُ كُلُّها مَخْلُوقَةٌ مُيَسَّرَةٌ لِيَبْلُغَ كُلُّ واحِدٍ مِنها أجَلًا مُسَمًّى لا يَتَعَدّاهُ ولا يَتَخَطّاهُ، ولْتَكُونَ مُعْتَبِرًا، ولَعَلَّكم أيُّها البَشَرُ تَعْقِلُونَ الحَقائِقَ إذا نَظَرْتُمْ في هَذا وتَدَبَّرْتُمْ حِكْمَةَ اللهِ.

<div class="verse-tafsir"

هُوَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ فَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٦٨ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ ٦٩ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِٱلْكِتَـٰبِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِۦ رُسُلَنَا ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ٧٠ إِذِ ٱلْأَغْلَـٰلُ فِىٓ أَعْنَـٰقِهِمْ وَٱلسَّلَـٰسِلُ يُسْحَبُونَ ٧١ فِى ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِى ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ ٧٢ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ ٧٣ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالُوا۟ ضَلُّوا۟ عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُوا۟ مِن قَبْلُ شَيْـًۭٔا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٧٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ هُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ فَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللهِ أنّى يُصْرَفُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَلاسِلُ يُسْحَبُونَ ﴾ ﴿ فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النارِ يُسْجَرُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ مِن دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهِ الكافِرِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا قَضى أمْرًا ﴾ عِبارَةٌ عن إنْقاذِ الإيجادِ، وإخْراجِ المَخْلُوقِ مِنَ العَدَمِ، وإيجادُ المَوْجُوداتِ هو بِالقُدْرَةِ، واقْتِرانُ الأمْرِ بِذَلِكَ هو عَظَمَةٌ في المُلْكِ وتَخْضِيعٌ لِلْمَخْلُوقاتِ وإظْهارٌ لِلْقُدْرَةِ، والأمْرُ لِلْمُوجَدِ إنَّما يَكُونُ في حِينِ تَلَبُّسِ القُدْرَةِ بِإيجادِهِ، لا قَبْلَ ذَلِكَ، لِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا يُخاطَبُ في مَعْنى الوُجُودِ والكَوْنِ، ولا بَعْدَ ذَلِكَ، لِأنَّ ما هو كائِنٌ لا يُقالُ لَهُ: كُنْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ ﴾ الآيَةُ.

ظاهِرُها أنَّها في الكُفّارِ المُجادِلِينَ في رِسالَةِ مُحَمَّدٍ  والكِتابِ الَّذِي جاءَ بِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ ﴾ الآيَةُ، وهَذا قَوْلُ ابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَيْرَيْنِ وغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ ﴾ الآيَةُ إشارَةٌ إلى أهْلِ الأهْواءِ مِنَ الأُمَّةِ، ورَوَتْ هَذِهِ الفِرْقَةٌ في نَحْوِ هَذا حَدِيثًا، وقالُوا: هي في أهْلِ القَدَرِ ومَن جَرى مَجْراهُمْ، ويُلْزِمُ قائِلِي هَذِهِ المَقالَةِ أنْ يَجْعَلُوا قَوْلَهُ: ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا ﴾ الآيَةُ..

كَلامًا مَقْطُوعًا مُسْتَأْنَفًا في الكُفّارِ، "الَّذِينَ" ابْتِداءٌ، وخَبُرُهُ ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ الِابْتِداءِ مَحْذُوفًا، والفاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذِ الأغْلالُ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، والعامِلُ في الظَرْفِ ﴿ "يَعْلَمُونَ"، ﴾ وعَبَّرَ عن ظَرْفِ الِاسْتِقْبالِ بِظَرْفٍ لا يُقالُ إلّا في الماضِي، وذَلِكَ لَمّا تَيَقَّنَ وُقُوعَ الأمْرِ حَسُنَ تَأْكِيدِهِ بِالإخْراجِ في صِيغَةِ الماضِي، وهَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ اللهُ يا عِيسى  ﴾ ، قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: لَمْ تُجْعَلِ السَلاسِلُ في أعْناقِ أهْلِ النارِ، لِأنَّهم أعْجَزُوا الرَبَّ تَعالى ولَكِنْ لِتَرَسُّبِهِمِ إذا أطْفاهُمُ اللهَبُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ [والسَلاسِلُ]﴾ رَفَعا عَطْفًا عَلى [الأغْلالُ]، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنُ مَسْعُودٍ: رَضِيَ اللهُ عنهُ [والسَلاسِلَ] بِالنَصْبِ [يَسْحَبُونَ] بِفَتْحِ الحاءِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ وإيقاعِ الفِعْلِ عَلى السَلاسِلِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: [والسَلاسِلِ] بِالخَفْضِ عَلى تَقْدِيرِ: إذْ أعْناقُهم في الأغْلالِ والسَلاسِلِ، فَعَطَفَ عَلى المُرادِ مِنَ الكَلامِ لا عَلى تَرْتِيبِ اللَفْظِ؛ إذْ تَرْتِيبُهُ فِيهِ قَلْبٌ، وهو عَلى حَدِّ قَوْلِ العَرَبِ: "أدْخَلْتَ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي"، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: [وَفِي السَلاسِلِ يُسْحَبُونَ]، و[يُسْحَبُونَ] مَعْناهُ: يُجَرُّونَ، والسَحْبُ: الجَرُّ.

و"الحَمِيمُ": الذائِبُ الشَدِيدُ الحُرِّ مِنَ النارِ، ومِنهُ يُقالُ لِلْماءِ السُخْنِ: حَمِيمٌ.

و ﴿ يُسْجَرُونَ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: تُوقَدُ النارُ بِهِمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: "سَجَرْتُ التَنُّورَ" إذا مَلَأتُها نارًا، وقالَ السَدِّيُّ: "يُسْجَرُونَ": يُحْرَقُونَ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهم يُوقَفُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ، فَيُقالُ لَهُمْ: أيْنَ الأصْنامُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ في الدُنْيا؟

فَيَقُولُونَ: ضَلُّوا عَنّا، أيْ تَلَقُوا النارَ وغابُوا واضْمَحَلُّوا، ثُمَّ تَضْطَرِبُ أقْوالُهم ويَفْزَعُونَ إلى الكَذِبِ، فَيَقُولُونَ: بَلْ لَمْ نَكُنْ نَعْبُدُ شَيْئًا، ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ الكافِرِينَ ﴾ ، أيْ كَهَذِهِ الصِفَةِ المَذْكُورَةِ وبِهَذا التَرْتِيبِ.

<div class="verse-tafsir"

ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ ٧٥ ٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ ٧٦ فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ ۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ٧٧ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًۭا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِىَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ ٧٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ﴾ ﴿ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ ﴾ ﴿ فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ فَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أو نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ مِنهم مِن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مِن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللهِ فَإذا جاءَ أمْرُ اللهِ قُضِيَ بِالحَقِّ وخَسِرَ هُنالِكَ المُبْطِلُونَ ﴾ المَعْنى: يُقالُ لِلْكُفّارِ المُعَذَّبِينَ: ذَلِكُمُ العَذابُ، الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الدُنْيا بِالمَعاصِي والكُفْرِ وتَمْرَحُونَ، قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: الأشَرُ والبَطَرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الفَخْرُ والخُيَلاءُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ [ادْخُلُوا]،﴾ مَعْناهُ: يُقالُ لَهم قَبْلَ هَذِهِ المُحاوَرَةِ في أوَّلِ الأمْرِ: ادْخُلُوا، لِأنَّ هَذِهِ المُخاطَبَةَ إنَّما هي بَعْدَ دُخُولِهِمْ وفي الوَقْتِ الَّذِي فِيهِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ، وأبْوابُ جَهَنَّمَ هي السَبْعَةُ المُؤَدِّيَةُ إلى طَبَقاتِها وأدْراكِها السَبْعَةِ.

و"المَثْوى": مَوْضِعُ الإقامَةِ.

ثُمَّ آنَسَ تَعالى نَبِيَّهُ  ووَعَدَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ ﴾ في نَصْرِكَ وإظْهارِ أمْرِكَ، فَإنَّ ذَلِكَ أمْرٌ إمّا أنْ تَرى بَعْضَهُ في حَياتِكَ فَتَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، وإمّا أنْ تَمُوتَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإلى أمْرِنا وتَعْذِيبِنا يَصِيرُونَ ويَرْجِعُونَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "[يَرْجِعُونَ]" بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، ويَعْقُوبُ: [يَرْجِعُونَ] بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ، ويَعْقُوبُ - في رِوايَةِ الوَلِيدِ بْنِ حَسّانٍ -: [تَرْجِعُونَ] بِفَتْحِ التاءِ مَنقُوطَةً مِن فَوْقٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ ﴾ الآيَةُ رَدٌّ عَلى العَرَبِ، الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اللهَ لا يَبْعَثُ بِشْرًا رَسُولًا، واسْتَبْعَدُوا ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ﴾ ، قالَ النَقّاشُ: هم أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ﴾ رُوِيَ مِن طَرِيقِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ  : « "إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ بَعَثَ ثَمانِيَةَ آلافِ رَسُولٍ"،» ورُوِيَ عن سَلْمانَ، عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "بَعَثَ اللهُ أرْبَعَةَ آلافِ نَبِيٍّ"،» ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: "بَعَثَ اللهُ رَسُولًا مِنَ الحَبَشَةِ أسْوَدَ" وهو الَّذِي لَمْ يُقَصُّ عَلى مُحَمَّدٍ  .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ساقَهُ عَلى أنَّ هَذا الحَبَشِيَّ مَثّالٌ لِمَن لَمْ يَقُصَّ، لا أنَّهُ هو المَقْصُودُ وحْدَهُ، فَإنَّ هَذا بَعِيدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِرَسُولٍ ﴾ رَدٌّ عَلى قُرَيْشٍ في إنْكارِهِمْ أمْرَ مُحَمَّدٍ  ، وقَوْلُهُمْ: إنَّهُ كاذِبٌ عَلى اللهِ تَعالى، والإذْنُ يَتَضَمَّنُ عِلْمًا وتَمْكِينًا، فَإذا اقْتَرَنَ بِهِ أمْرٌ، قَوِيَ كَما هو في إرْسالِ النَبِيِّ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَإذا جاءَ أمْرُ اللهِ ﴾ أيْ إذا أرادَ اللهُ إرْسالَ رَسُولٍ وبَعْثَةَ نَبِيٍّ، قَضى ذَلِكَ وأنْفَذَهُ بِالحَقِّ، وخَسِرَ كُلُّ مُبْطِلٍ، وحَصَلَ عَلى فَسادِ آخِرَتِهِ، وتَحْتَمِلُ الآيَةُ مَعْنًى آخَرَ، وهو أنْ يُرِيدَ بِـ"أمْرِ اللهِ" القِيامَةَ، فَتَكُونُ الآيَةُ تَوَعُّدا لَهم.

<div class="verse-tafsir"

ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَنْعَـٰمَ لِتَرْكَبُوا۟ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ٧٩ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ وَلِتَبْلُغُوا۟ عَلَيْهَا حَاجَةًۭ فِى صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ٨٠ وَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ فَأَىَّ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ ٨١ أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةًۭ وَءَاثَارًۭا فِى ٱلْأَرْضِ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ٨٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ ﴾ ﴿ وَلَكم فِيها مَنافِعُ ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكم وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَيُرِيكم آياتِهِ فَأيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ ﴾ ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَما أغْنى عنهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ هَذِهِ آياتُ عِبَرٍ وتَعْدِيدِ نِعَمٍ، و"الأنْعامُ": الأزْواجُ الثَمانِيَةُ، و"مِنها" الأُولى لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ المَذْكُورَ لَيْسَ كُلَّ الأنْعامِ، بَلِ الإبِلِ خاصَّةً، و"مِنها" الثانِيَةُ لِبَيانِ الجِنْسِ؛ لِأنَّ الجَمِيعَ مِنها يُؤْكَلُ، وقالَ الطَبَرِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ الأنْعامَ تَعُمُّ الإبِلَ والبَقَرَ والغَنَمَ والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ في البَهائِمِ، فَـ"مِنها" في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّبْعِيضِ - عَلى هَذا - لَكِنَّهُ قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وإنَّما الأنْعامُ: الأزْواجُ الثَمانِيَةُ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ فَقَطْ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى المَنافِعَ ذِكْرًا مُجْمَلًا، لِأنَّها أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ ﴾ يُرِيدُ قَطْعَ المَهامِهِ الطَوِيلَةِ والمَشاقِّ البَعِيدَةِ، و"الفُلْكُ": السُفُنُ، وهو هُنا جَمْعٌ، و"تُحْمَلُونَ" يُرِيدُ: بَرًّا وبَحْرًا، وذَكَرَ تَعالى الحَمْلَ عَلَيْها، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ رُكُوبِها لِأنَّ المَعْنى مُخْتَلِفٌ في الأمْرَيْنِ وبَيْنَهُما تَغايُرٌ؛ لِأنَّ الرُكُوبَ هو المُتَعارَفُ فِيما قَرُبَ، واسْتُعْمِلَ في القُرى والمُواطِنِ، فَهو نَظِيرُ الأكْلِ مِنها وسائِرِ المَنافِعِ، ثُمَّ خَصَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ السَفَرَ الأطْوَلَ وحَوائِجَ الصُدُورِ مَعَ البُعْدِ، وهَذا هو الحَمْلُ الَّذِي قَرَنَهُ بِشَبِيهِهِ مِن أمْرِ السُفُنِ.

ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى آياتِهِ عامَّةً جامِعَةً لِكُلِّ عِبْرَةٍ ومَوْضِعِ نَظَرٍ، وهَذا غَيْرُ مُنْحَصِرٍ لِاتِّساعِهِ، ولِأنَّ في كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةً تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، ثُمَّ قَرَّرَهم - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ - بِقَوْلِهِ: ﴿ فَأيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ ﴾ ؟

ثُمَّ احْتَجَّ تَعالى عَلى قُرَيْشٍ بِما يَظْهَرُ في الأُمَمِ السالِفَةِ مِن نَقَماتِ اللهِ في الكَفَرَةِ، الَّذِينَ كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا، وأشَدَّ قُوَّةَ أبْدانٍ ومَمالِكٍ، وأعْظَمُ آثارًا في المَبانِي والأفْعالِ مِن قُرَيْشٍ والعَرَبِ، فَلَمْ يُغْنِ عنهم كَسْبُهم ولا حالُهم شَيْئًا، حِينَ جاءَهم عَذابُ اللهِ وأخْذُهُ.

و"ما" في قَوْلِهِ: ﴿ فَما أغْنى ﴾ نافِيَةٌ، قالَ الطَبَرِيُّ: وقِيلَ: هي تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ.

<div class="verse-tafsir"

فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَرِحُوا۟ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ٨٣ فَلَمَّا رَأَوْا۟ بَأْسَنَا قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُۥ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِۦ مُشْرِكِينَ ٨٤ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْا۟ بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِۦ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَـٰفِرُونَ ٨٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا رَأوا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ ﴾ الضَمِيرُ في ﴿ [جاءَتْهُمْ]﴾ عائِدٌ عَلى الأُمَمِ المَذْكُورِينَ، الَّذِينَ جُعِلُوا مَثَلًا وعِبْرَةً، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الضَمِيرِ في ﴿ "فَرِحُوا" ﴾ عَلى مَن يَعُودُ؟

فَقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هو عائِدٌ عَلى الأُمَمِ المَذْكُورِينَ، أيْ: بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ في ظَنِّهِمْ ومُعْتَقَدِهِمْ مِن أنَّهم لا يُبْعَثُونَ، ولا يُحاسَبُونَ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: اغْتَرُّوا بِعِلْمِهِمْ في الدُنْيا والمَعايِشِ، وظَنُّوا أنَّهُ لا آخِرَةَ فَفَرِحُوا، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُنْيا  ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في فَرِحُوا عائِدٌ عَلى الرُسُلِ، وفي هَذا التَأْوِيلِ حَذْفٌ وتَقْدِيرُهُ: كَذَّبُوهُمْ، فَفَرِحُوا - أيِ: الرُسُلَ - بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِاللهِ والثِقَةِ بِهِ وبِأنَّهُ سَيَنْصُرُهم.

و"حاقَ" مَعْناهُ: نَزَلَ وثَبَتَ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في الشَرِّ، و"ما" في قَوْلِهِ تَعالى: و"ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانُوا بِهِ ﴾ هو العَذابُ، الَّذِي كانُوا يُكَذَّبُونَ بِهِ ويَسْتَهْزِئُونَ بِأمْرِهِ، والضَمِيرُ في "بِهِمْ" عائِدٌ عَلى الكُفّارِ بِلا خِلافٍ.

ثُمَّ حَكى حالَةَ بَعْضِهِمْ مِمَّنْ آمَنَ بَعْدَ تَلَبُّسِ العَذابِ بِهِمْ، فَلَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ، وفي ذِكْرِ هَذا حَضٌّ لِلْعَرَبِ عَلى المُبادَرَةِ، وتَخْوِيفٌ مِنَ التَأنِّي، لِئَلّا يُدْرِكُهم عَذابٌ لا تَنْفَعُهم تَوْبَةٌ بَعْدَ تَلَبُّسِهِ بِهِمْ، وأمّا قِصَّةُ قَوْمِيُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ، فَقَدْ رَأوُا العَذابَ ولَمْ يَكُنْ تَلَبَّسَ بِهِمْ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُها مُسْتَقْصى في سُورَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ.

و"سُنَّةَ" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، و"خَلَتْ" مَعْناهُ: مَضَتْ واسْتَمَرَّتْ وصارَتْ عادَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "هُنالِكَ" ﴾ إشارَةٌ إلى أوقاتِ العَذابِ، أيْ ظَهَرَ خُسْرانُهم وحَضَرَ جَزاءُ كُفْرِهِمْ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ (غافِرٍ) والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله