الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة فصلت
تفسيرُ سورةِ فصلت كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 88 دقيقة قراءةبِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ فُصِّلَتْ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ويُرْوى «أنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ذَهَبَ إلى رَسُولِ اللهِ لِيُبَيِّنَ عَلَيْهِ أمْرَ مُخالَفَتِهِ لِقَوْمِهِ، ولْيَحْتَجَّ عَلَيْهِ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، ولْيُبْعِدْ ما جاءَ بِهِ، فَلَمّا تَكَلَّمَ عُتْبَةُ قَرَأ رَسُولُ اللهِ : "حم" ومَرَّ في صَدْرِ هَذِهِ السُورَةِ، حَتّى انْتَهى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةً عادٍ وثَمُودَ ﴾ ، فَأُرْعِدَ الشَيْخُ وقَفَّ شَعْرُهُ، وأمْسَكَ عَلى فَمِ رَسُولِ اللهِ بِيَدِهِ وناشَدَهُ بِالرَحِمِ أنْ يُمْسِكَ، وقالَ حِينَ فارَقَهُ: "واللهِ لَقَدْ سَمِعْتُ شَيْئًا ما هو بِالشِعْرِ ولا بِالسِحْرِ ولا بِالكِهانَةِ، ولَقَدْ ظَنَنْتُ أنَّ صاعِقَةَ العَذابِ عَلى رَأْسِي".» قوله عزّ وجلّ: ﴿ حم ﴾ ﴿ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴾ ﴿ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ ﴾ ﴿ قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلِ في أوائِلِ السُورِ مِمّا يَخْتَصُّ بِهِ الحَوامِيمُ، وأمالَ الأعْمَشُ "حم" في كُلِّها، و"تَنْزِيلٌ" خَبَرُ الِابْتِداءِ، إمّا عَلى أنْ يُقَدِّرَ الِابْتِداءِ في "حم" عَلى ما تَقْتَضِيهِ بَعْضُ الأقاوِيلِ فِيها، إذا جُعِلَتِ اسْمًا لِلسُّورَةِ أو لِلْقُرْآنِ أو إشارَةً إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، وإمّا عَلى أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: هَذا تَنْزِيلٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "تَنْزِيلٌ" ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كِتابٌ فُصِّلَتْ ﴾ ، عَلى مَعْنى: ذُو تَنْزِيلٍ.
و ﴿ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴾ صِفَتا رَجاءٍ ورَحْمَةٍ لِلَّهِ تَعالى، و"فُصِّلَتْ" قالَ السَدِّيُّ: مَعْناهُ: بُيِّنَتْ آياتُهُ، أيْ فُسِّرَتْ مَعانِيهِ، فَفَصَلَ بَيْنَ حَلالِهِ وحَرامِهِ، وزَجْرِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ، ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، وقِيلَ: فُصِّلَتْ في التَنْزِيلِ، أيْ نَزَلَ نُجُومًا، ولَمْ يَنْزِلْ مَرَّةً واحِدَةً، وقِيلَ: فُصِّلَتْ بِالمَواقِفِ وأنْواعِ أواخِرِ الآيِ، ولَمْ يَكُنْ يَرْجِعُ إلى قافِيَةٍ ونَحْوَها كالشِعْرِ والسَجْعِ، و"قُرْآنًا" نَصْبٌ عَلى الحالِ عِنْدَ قَوْمٍ، وهي مُؤَكَّدَةٌ لِأنَّ هَذِهِ الحالَ لَيْسَتْ مِمّا تَنْتَقِلُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "قُرْآنًا" تَوْطِئَةٌ لِلْحالِ و"عَرَبِيًّا" حالٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "قُرْآنًا" نَصْبٌ عَلى المَدْحِ، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: يَعْلَمُونَ الأشْياءَ ويَعْقِلُونَ الدَلائِلَ ويَنْظُرُونَ عَلى طَرِيقِ النَظَرِ، فَكَأنَّ القُرْآنَ فُصِّلَتْ آياتُهُ لِهَؤُلاءِ إذْ هم أهْلُ الِانْتِفاعِ بِها، فَخُصُّوا بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا، ومَن لَمْ يَنْتَفِعْ بِالتَفْصِيلِ، فَكَأنَّهُ لَمْ يُفَصَّلْ لَهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ "يَعْلَمُونَ" ﴾ مُتَعَلِّقٌ في المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "عَرَبِيًّا"، ﴾ أيْ: جَعَلْناهُ بِكَلامِ العَرَبِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ألْفاظَهُ، ويَتَحَقَّقُونَ أنَّها لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ مِنها عن كَلامِ العَرَبِ، وكَأنَّ الآيَةَ رادَّةٌ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ في كِتابِ اللهِ تَعالى ما لَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ، فالعِلْمُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - أخَصُّ مِنَ العِلْمِ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ، والأوَّلُ أشْرَفُ مَعْنى، وبَيِّنٌ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ إلّا ما هو مِن كَلامِ العَرَبِ، إمّا عَلى أصْلِ لُغَتِها، وإمّا عَرَّبَتْهُ مِن لُغَةِ غَيْرِها، ثُمَّ ذُكِرَ في القُرْآنِ وهو مُعَرَّبٌ مُسْتَعْمَلٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَشِيرًا ونَذِيرًا ﴾ نَعْتٌ لِلْقُرْآنِ، أيْ يُبَشِّرُ مَن آمَنَ بِالجَنَّةِ ويُنْذِرُ مَن كَفَرَ بِالنارِ، والضَمِيرُ في ﴿ "أكْثَرُهُمْ" ﴾ عائِدٌ عَلى القَوْمِ المَذْكُورِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم لا يَسْمَعُونَ ﴾ نَفْيٌ لِسَمْعِهِمُ النافِعَ، الَّذِي يُعْتَدُّ بِهِ سَمْعًا.
ثُمَّ حُكِيَ عنهم مَقالَتُهُمُ الَّتِي باعَدُوا فِيها كُلَّ المُباعَدَةِ، وأرادُوا أنْ يُؤْيِسُوهُ مِن قُبُولِهِمْ دِينَهُ، وهِيَ: ﴿ قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ ﴾ ، و"أكِنَّةٌ": جَمْعُ كِنانٍ، وهو بابُ فِعالِ وأفْعِلَةٍ، والكِنانُ: ما يَجْمَعُ الشَيْءَ ويَضُمُّهُ ويَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، ومِنهُ الكِنُّ، ومِنهُ كِنانَةُ النُبْلِ، وبِها فَسَّرَ مُجاهِدٌ هَذِهِ الآيَةَ، و"مِن" في قَوْلِهِمْ: ﴿ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ، وكَذَلِكَ هي في قَوْلِهِمْ: ﴿ وَمِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ ﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِابْتِداءِ الغايَةِ، و"الوَقْرُ" الثِقَلٍ في الأُذُنِ الَّذِي يَمْنَعُ السَمْعَ، وقَرَأ ابْنُ مَصْرِفٍ: "وِقَرٌ" بِكَسْرِ الواوِ، و"الحِجابُ" الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ هو مُخالَفَتُهُ إيّاهُمْ، ودَعْوَتُهُ إلى اللهِ تَعالى دُونَ أصْنامِهِمْ، أيْ: هَذا أمْرٌ يَحْجُبُنا عنكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ مَقالَةٌ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَعَها قَرِينَةُ الجَدِّ في المُحاوَرَةِ وتَتَضَمَّنُ المُباعَدَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَعَها قَرِينَةُ الهَزْلِ والِاسْتِخْفافِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ تَهْدِيدًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتارَكَةً مَحْضَةً.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "قُلْ إنَّما" عَلى الأمْرِ لِمُحَمَّدٍ ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: "قُلْ إنَّما" عَلى المُضِيِّ والخَبَرِ عنهُ، وهَذا هو الصَدْعُ بِالتَوْحِيدِ والرِسالَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ ، قالَ الحَسَنُ: عَلَّمَهُ اللهُ تَعالى التَواضُعَ، و"إنَّ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما إلَهُكُمُ ﴾ رَفْعٌ عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ "فاسْتَقِيمُوا" ﴾ أيْ عَلى مَحَجَّةِ الهُدى وطَرِيقِ الشَرْعِ والتَوْحِيدِ، وهَذا المَعْنى مُضَمِّنٌ قَوْلُهُ: "إلَيْهِ"، و"الوَيْلُ": الحُزْنُ والثُبُورُ، وفَسَّرَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِقُبْحِ أهْلِ النارِ وما يَسِيلُ مِنهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَكاةَ ﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما: هي زَكاةُ المالِ، ورُوِيَ أنَّ الزَكاةَ قَنْطَرَةُ الإسْلامِ، مَن قَطَعَها نَجا، ومَن جانَبَها هَلَكَ، واحْتُجَّ لِهَذا التَأْوِيلِ بِقَوْلِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في الزَكاةِ وقْتَ الرِدَّةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والجُمْهُورُ: الزَكاةُ في هَذِهِ الآيَةِ: "لا إلَهَ إلّا اللهَ" التَوْحِيدُ، كَما قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِفِرْعَوْنَ: ﴿ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى ﴾ ، ويُرَجِّحُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّ الآيَةَ مِن أوَّلِ المَكِّيِّ، وزَكاةَ المالِ إنَّما نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وإنَّما هَذِهِ زَكاةُ القَلْبِ والبَدَنِ، أيْ تَطْهِيرِهِما مِنَ الشِرْكِ والمَعاصِي، وقالَهُ مُجاهِدٌ والرَبِيعُ، وقالَ الضَحّاكُ ومُقاتِلٌ: مَعْنى الزَكاةِ هُنا: النَفَقَةُ في الطاعاتِ، وأعادَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هم كافِرُونَ ﴾ تَوْكِيدًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ ﴿ قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ ﴾ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ حالَةَ الَّذِينَ آمَنُوا مُعادِلًا بِذَلِكَ حالَةَ الكافِرِينَ المَذْكُورِينَ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: غَيْرُ مَنقُوصٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مَعْناهُ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ، يُقالُ: مَنَنْتُ الحَبْلَ، إذا قَطَعْتُهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: غَيْرُ مَحْسُوبٍ؛ مَحْصُورٌ، فَهو مُعَدٌّ لِأنْ يُمَنَّ بِهِ، ويَظْهَرُ في الآيَةِ أنَّهُ وصَفَهُ بِعَدَمِ المَنِّ والأذى، مِن حَيْثُ هو مِن جِهَةِ اللهِ تَعالى، فَهو شَرِيفٌ لا مَنَّ فِيهِ، وأُعْطِيّاتُ البَشَرِ هي الَّتِي يَدْخُلُها المَنُّ، وقالَ السَدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المَرْضى والزَمْنى، إذا عَجَزُوا عن إكْمالِ الطاعاتِ كُتِبَ لَهم مِنَ الأجْرِ، كَأصَحِّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يُوقِفَهم مُوَبَّخًا عَلى كَفْرِهِمْ بِخالِقِ الأرْضِ والسَماواتِ ومُخْتَرِعِها، ووَصَفَ صُورَةَ الخَلْقِ ومَدَّهُ، والحِكْمَةُ في خَلْقِهِ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ في مُدَّةٍ مُمْتَدَّةٍ مَعَ قُدْرَةِ اللهِ عَلى إيجادِها في حِينٍ واحِدٍ، هي إظْهارُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ حَسَبَ شَرَفِ الإيجادِ أوَّلًا أوَّلًا، قالَ قَوْمٌ: لِيُعَلِّمَ عِبادَهُ التَأنِّي في الأُمُورِ والمَهَلُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ غَيْرَ مَرَّةٍ في نَظِيرِ قَوْلِهِ: [أإنَّكُمْ]، واخْتَلَفَ رُواةُ الحَدِيثِ في اليَوْمِ الَّذِي ابْتَدَأ اللهُ تَعالى فِيهِ خَلْقَ الأرْضِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرِهِ «أنَّ أوَّلَ يَوْمٍ هو الأحَدُ، وأنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ فِيهِ وفي الِاثْنَيْنِ الأرْضَ، ثُمَّ خَلَقَ الجِبالَ ونَحْوَها يَوْمَ الثُلاثاءِ،» قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فَمِن هُنا قِيلَ: هو يَوْمٌ ثَقِيلٌ، ثُمَّ خَلَقَ الشَجَرَ والثِمارَ والأنْهارَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، ومِن هُنا قِيلَ: هو يَوْمُ راحَةٍ وتَفَكُّرٍ في هَذِهِ الَّتِي خُلِقَتْ فِيهِ، ثُمَّ خَلَقَ السَماواتِ وما فِيها يَوْمَ الخَمِيسِ ويَوْمَ الجُمْعَةِ، وفي آخِرِ ساعَةٍ مِن يَوْمِ الجُمْعَةِ: خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ السَدِّيُّ: وسُمِّيَ يَوْمُ الجُمْعَةِ لِاجْتِماعِ المَخْلُوقاتِ فِيهِ وتَكامُلِها.
فَهَذِهِ رِوايَةٌ فِيها أحادِيثٌ مَشْهُورَةٌ، ولَمّا لَمْ يَخْلُقْ تَعالى في يَوْمِ السَبْتِ شَيْئًا امْتَنَعَ فِيهِ بَنُو إسْرائِيلَ عَنِ الشُغْلِ فِيهِ، ووَقَعَ في كِتابٍ مُسْلِمٍ «أنَّ أوَّلَ يَوْمٍ خَلَقَ اللهُ فِيهِ التُرْبَةَ يَوْمَ السَبْتِ، ثُمَّ رَتَّبَ المَخْلُوقاتِ عَلى سِتَّةِ أيّامٍ، وجَعَلَ الجُمْعَةَ عارِيًا مِنَ المَخْلُوقاتِ، إلّا مِن آدَمَ وحْدَهُ.» والظاهِرُ مِنَ القِصَصِ في طِينَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ الجُمْعَةَ الَّتِي خُلِقَ فِيها آدَمُ قَدْ تَقَدَّمَتْها أيّامٌ وجُمَعٌ كَثِيرَةٌ، وأنَّ هَذِهِ الأيّامَ الَّتِي خَلَقَ اللهُ فِيها هَذِهِ المَخْلُوقاتِ هي أوَّلُ الأيّامِ، لِأنَّ بِإيجادِ الأرْضِ والسَماءِ والشَمْسِ وُجِدَ اليَوْمُ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَ تَعالى قَوْلَهُ ﴿ "يَوْمَيْنِ" ﴾ عَلى التَقْدِيرِ، وإنْ لَمْ تَكُنِ الشَمْسُ خُلِقَتْ بَعْدُ، وكَأنَّ تَفْصِيلَ الوَقْتِ يُعْطِي أنَّها الأحَدُ ويَوْمُ الِاثْنَيْنِ كَما ذُكِرَ.
و"الأنْدادُ": الأشْباهُ والأمْثالُ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى كُلِّ ما عُبِدَ مِنَ المَلائِكَةِ والأصْنامِ وغَيْرِ ذَلِكَ، قالَ السَدِّيُّ: أكْفاءٌ مِنَ الرِجالِ يُطِيعُونَهم.
و"الرَواسِي": هي الجِبالُ الثَوابِتُ، رَسا الجَبَلُ إذا ثَبَتَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبارَكَ فِيها ﴾ أيْ جَعَلَها مُنْبِتَةً لِلطَّيِّباتِ والأطْعِمَةِ، وجَعَلَها طَهُورًا، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ البَرَكَةِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: [وَقَسَّمَ فِيها أقْواتَها]، وفي مُصْحَفِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَقَدَّرَ".
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: [أقْواتَها]، فَقالَ السَدِّيُّ: هي أقْواتُ البَشَرِ وأرْزاقُهُمْ، وأضافَها إلى الأرْضِ مِن حَيْثُ هي فِيها وعنها، وقالَ قَتادَةُ: هي أقْواتُ الأرْضِ مِنَ الجِبالِ والأنْهارِ والأشْجارِ والصُخُورِ والمَعادِنِ والأشْياءِ، الَّتِي بِها قِوامُ الأرْضِ ومَصالِحُها، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في هَذا حَدِيثًا مَرْفُوعًا، فَشَبَّهَها بِالقُوتِ الَّذِي بِهِ قِوامُ الحَيَوانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ أقْواتَها مِنَ المَطَرِ والمِياهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ أيْضًا: أرادَ تَبارَكَ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ "أقْواتَها": ﴾ خَصائِصَها الَّتِي قَسَّمَها في البِلادِ، فَجَعَلَ في اليَمَنِ أشْياءَ لَيْسَتْ في غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ في العِراقِ والشامِ والأنْدَلُسِ وغَيْرِها مِنَ الأقْطارِ، لِيَحْتاجَ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، ويَتَقَوَّتُ مِن هَذِهِ في هَذِهِ المَلابِسِ والمَطْعُومِ، وهَذا نَحْوَ القَوْلِ الأوَّلِ، إلّا أنَّهُ بِوَجْهٍ أعْمٍّ مِنهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ ﴾ يُرِيدُ تَعالى: بِاليَوْمَيْنِ الأوَّلِينَ، وهَذا كَما تَقُولُ: بَنَيْتُ جِدارَ دارِي في يَوْمٍ، وأكْمَلْتُ جَمِيعَها في يَوْمَيْنِ، أيْ بِالأوَّلِ.
وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وجُمْهُورُ الناسِ: "[سَواءً]" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، أيْ: سَواءٌ هي وما انْقَضى فِيها، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ: "سَواءٌ" بِالرَفْعِ، أيْ هي سَواءٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقٍ، وعِيسى، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "سَواءٍ" بِالخَفْضِ عَلى نَعْتِ "الأيّامِ".
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى ﴿ "لِلسّائِلِينَ" ﴾ فَقالَ قَتادَةُ، والسَدِّيُّ: مَعْناهُ: سَواءٌ لِمَن سَألَ عَنِ الأمْرِ واسْتَفْهَمَ عن حَقِيقَةِ وُقُوعِهِ وأرادَ العِبْرَةَ فِيهِ، فَإنَّهُ يَجِدُهُ كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: مُسْتَوٍ مُهَيَّأٌ أمْرَ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ ونَفْعِها لِلْمُحْتاجِينَ إلَيْها مِنَ البَشَرِ، فَعَبَّرَ عنهم بِالسائِلِينَ، بِمَعْنى الطالِبِينَ؛ لِأنَّهم مِن شَأْنِهِمْ ولا بُدَّ طَلَبُ ما يَنْتَفِعُونَ بِهِ، فَهم في حُكْمِ مَن سَألَ هَذِهِ الأشْياءَ؛ إذْ هم أهْلَ حاجَةٍ إلَيْها.
ولَفْظَةُ "سَواءٍ" تَجْرِي مَجْرى "عَدْلٍ" و"زَوْرٍ" في أنْ تَرِدْ عَلى المُفْرَدِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أو كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ ﴾ ﴿ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ وأوحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها وزَيَّنّا السَماءَ الدُنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ ﴾ ﴿ اسْتَوى إلى السَماءِ ﴾ مَعْناهُ: بِقُدْرَتِهِ واخْتِراعِهِ، أيْ: إلى خَلْقِ السَماءِ وإيجادِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهِيَ دُخانٌ ﴾ رُوِيَ أنَّها كانَتْ جِسْمًا رَخْوًا كالدُخانِ أوِ البُخارِ، ورُوِيَ أنَّهُ مِمّا أمَرَهُ اللهُ أنْ يَصْعَدَ مِنَ الماءِ، وهُنا لَفْظٌ مَتْرُوكٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، وتَقْدِيرُهُ: فَأوجَدَها وأتْقَنَها وأكْمَلَ أمْرَها، وحِينَئِذٍ قِيلَ لَها ولِلْأرْضِ: ﴿ ائْتِيا طَوْعًا أو كَرْهًا ﴾ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "ائْتِيا"، ﴾ مَن أتى يَأْتِي، ﴿ قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ ﴾ عَلى وزْنِ فَعَلْنا، وذَلِكَ بِمَعْنى: ائْتِيا أوامِرِي وإرادَتِي فِيكُما، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ: "آتِيا"، مِن آتى يُؤْتى، ﴿ قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ ﴾ عَلى وزْنِ أفْعَلْنا، وذَلِكَ بِمَعْنى أعْطِيا مِن أنْفُسِكُما مِنَ الطاعَةِ ما أرَدْتُهُ مِنكُما، والإشارَةُ بِهَذا كُلِّهِ إلى تَسْخِيرِهِما وما قَدَّرَهُ اللهُ مِن أعْمالِها.
وقَوْلُهُ تَعالِي: ﴿ أو كَرْهًا ﴾ فِيهِ مَحْذُوفٌ ومُقْتَضَبٌ، والتَقْدِيرُ: ائْتِيا طَوْعًا وإلّا أتَيْتُما كَرْهًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "قالَتا" ﴾ أرادَ الفِرْقَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وجَعَلَ تَعالى السَماواتِ سَماءً والأرْضِينَ أرْضًا، ونَحْوَ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: ألَمْ يَحْزُنُكِ أنَّ حِبالَ قَوْمِي ∗∗∗ وقَوْمِكَ قَدْ تَبايَنَتا انْقِطاعا؟
جَعَلَها فِرْقَتَيْنِ وعَبَّرَ عنهُما بِتَبايَنَتا.
وقَوْلُهُ: ﴿ "طائِعِينَ"، ﴾ لِما كانَ مِمَّنْ يَقُولُ - وهي حالُ يَعْقِلُ - جَرى الضَمِيرُ في "طائِعِينَ" ذَلِكَ المَجْرى، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ ﴾ .
واخْتَلَفَ الناسُ في هَذِهِ المَقالَةِ مِنَ السَماءِ والأرْضِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: نَطَقَتا حَقِيقَةً، وجَعَلَ اللهُ تَعالى لَها حَياةً وإدْراكًا يَقْتَضِي نُطْقَها، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا مَجازٌ، وإنَّما المَعْنى أنَّهُما ظَهَرَ مِنها مِنَ اخْتِيارِ الطاعَةِ والخُضُوعِ والتَذَلُّلِ ما هو بِمَنزِلَةِ قَوْلِ: ﴿ أتَيْنا طائِعِينَ ﴾ .
والقَوْلُ الأوَّلُ أحْسَنُ؛ لِأنَّهُ لا شَيْءَ يَدْفَعُهُ، ولِأنَّ العِبْرَةَ بِهِ أتَمُّ، والقُدْرَةُ فِيهِ أظْهَرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَضاهُنَّ ﴾ مَعْناهُ: فَأوجَدَهُنَّ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ ∗∗∗ داوُدُ أو صَنَعُ السَوابِغِ تُبَّعُ وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها ﴾ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: أوحى إلى سُكّانِها وعَمَرَتِها مِنَ المَلائِكَةِ، وإلَيْها هي في نَفْسِها ما شاءَ اللهُ تَعالى مِنَ الأُمُورِ الَّتِي بِها قِوامُها وصَلاحُها، قالَ السَدِّيُّ، وقَتادَةُ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي هي لِغَيْرِها مِثْلُ ما فِيها مِن جِبالِ البَرَدِ ونَحْوَها، وأضافَ اللهُ تَعالى الأمْرَ إلَيْها مِن حَيْثُ هو فِيها.
ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ الكَواكِبَ زَيَّنَ بِها السَماءَ الدُنْيا، وذَلِكَ ظاهِرُ اللَفْظِ وهو بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ حَسُّ البَصَرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَحِفْظًا" ﴾ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: وحَفَظْناها حِفْظًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "ذَلِكَ" ﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ، أيْ: أوجَدَهُ بِقُدْرَتِهِ وعِزَّتِهِ، وأحْكَمَهُ بِعِلْمِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةً عادٍ وثَمُودَ ﴾ ﴿ إذْ جاءَتْهُمُ الرُسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لأنْزَلَ مَلائِكَةً فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ﴾ ﴿ فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ﴾ المَعْنى: فَإنَّ أعْرَضَتْ قُرَيْشٌ والعَرَبُ الَّذِينَ دَعَوْتُهم إلى اللهِ تَعالى عن هَذِهِ الآياتِ البَيِّناتِ، فَأعْلِمْهم بِأنَّكَ تُحَذِّرْهم أنْ يُصِيبَهم مِنَ العَذابِ الَّذِي أصابَ الأُمَمَ الَّتِي كَذَّبَتْ كَما تُكَذِّبُ هي الآنَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةً"، ﴾ وقَرَأ النَخْعِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنُ مُحَيْصِنٌ: "صَعْقَةٌ مِثْلَ صَعْقَةِ"، فَأمّا هَذِهِ القِراءَةُ الأخِيرَةُ، فَفِيها المَعْنى بَيِّنٌ؛ لِأنَّ الصَعْقَةَ: الهَلاكُ لِلْإنْسانِ، وأمّا الأُولى، فالمَعْرُوفُ في الصاعِقَةِ أنَّها الوَقْعَةُ الشَدِيدَةُ مِن صَوْتِ الرَعْدِ، وهي تَكُونُ مَعَها في الأحْيانِ قِطْعَةُ نارٍ، فَشُبِّهَتْ هُنا وقْعَةُ العَذابِ بِها؛ لِأنَّ عادًا لَمْ تُعَذَّبْ إلّا بِرِيحٍ، وإنَّما هَذا تَشْبِيهٌ واسْتِعارَةٌ، وبِالوَقْعَةِ فَسَرَّ هُنا الصاعِقَةَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ.
وخَصَّ عادًا وثَمُودًا بِالذِكْرِ لِوُقُوفِ قُرَيْشٍ عَلى بِلادِها في اليَمَنِ وفي الحَجَرِ في طَرِيقِ الشامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ﴾ ، أيْ: قَدْ تَقَدَّمُوا في الزَمَنِ واتَّصَلَتْ نِذارَتُهم إلى أعْمارِ عادٍ وثَمُودٍ، وبِهَذا الِاتِّصالِ قامَتِ الحُجَّةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن خَلْفِهِمْ ﴾ ، أيْ: جاءَهم رَسُولٌ بَعْدَ اكْتِمالِ أعْمارِهِمْ وبَعْدَ تَقَدُّمِ وجُودِهِمْ في الزَمَنِ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ وَمِن خَلْفِهِمْ ﴾ ، وجاءَ مِن مَجْمُوعِ العِبارَةِ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ في أنَّ الرِسالَةَ والنِذارَةَ عَمَّتْهم خَبَرًا ومُباشَرَةً، ولا يَتَوَجَّهُ أنْ يَجْعَلَ ﴿ وَمِن خَلْفِهِمْ ﴾ عِبارَةً عَمّا أتى بَعْدَهم في الزَمانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَلْحَقُهم مِنهُ تَقْصِيرٌ، وأمّا الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، فَقالَ: إنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمِن خَلْفِهِمْ ﴾ عائِدٌ عَلى الرُسُلِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ﴾ عَلى الأُمَمِ، وتابَعَهُ الثَعْلَبِيُّ، وهَذا غَيْرُ قَوِيٍّ؛ لِأنَّهُ يُفَرِّقُ الضَمائِرَ ويُشَعِّبُ المَعْنى.
و"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ ﴾ نَصْبٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، التَقْدِيرُ: "بِأنْ"، و"تَعْبُدُوا" مَجْزُومٌ عَلى النَهْيِ، ويَتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنْ تَكُونَ "لا" نافِيَةٌ، وفِيهِ بُعْدٌ، وكانَ مِن تِلْكَ الأُمَمِ إنْكارُ بِعْثَةِ البَشَرِ واسْتِدْعاءُ المَلائِكَةِ، وهَذِهِ أيْضًا كانَتْ مِن مَقالاتِقُرَيْشٍ، وقَوْلُهُمْ: ﴿ فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ﴾ لَيْسَ عَلى جِهَةِ الإقْرارِ بِأنَّهم أُرْسِلُوا بِشَيْءٍ، وإنَّما مَعْناهُ: عَلى زَعْمِكم ودَعْواكم.
ثُمَّ وصَفَ حالَةَ القَوْمِ، وأنَّ عادًا طَلَبُوا التَكَبُّرَ ووَضَعُوا أنْفُسَهم فِيهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، بَلْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي، وغَوَتْهم قُوَّتُهم وعِظَمُ أبْدانِهِمْ والنِعَمُ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا - عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ -: ﴿ مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً ﴾ ؟
أيْ: لا أحَدَ أشَدَّ مِنّا قُوَّةً، فَعَرَضَ اللهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً ﴾ ، وهَذا بَيِّنٌ في العَقْلِ، فَإنَّ المُوجِدَ لِلشَّيْءِ المُخْتَرِعَ لَهُ المُذْهِبَ مَتى شاءَ هو أقْوى مِنهُ، وأخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى عنهم بِجُحُودِهِمْ لِآياتِهِ المَنصُوبَةِ لِلنَّظَرِ والمُنَزَّلَةِ مِن عِنْدِهِ؛ إذْ لَفْظُ الآيَةِ يَعُمُّ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى وهم لا يُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ وَنَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ ﴾ رُوِيَ في الحَدِيثِ «أنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ خَزَنَةِ الرِيحِ، فَفَتَحُوا عَلى عادٍ مِنها مِقْدارَ حَلْقَةِ الخاتَمِ، ولَوْ فَتَحُوا مِقْدارَ مُنْخَرِ الثَوْرِ، لَهَلَكَتِ الدُنْيا،» ورُوِيَ «أنَّ الرِيحَ كانَتْ تَرْفَعُ العِيرَ بِأوقارِها فَتُطَيِّرُها، حَتّى تَطْرَحَها في البَحْرِ،» وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، والتَيْمِيُّ: حُبِسَ عنهُمُ المَطَرُ ثَلاثَةَ أعْوامٍ، وإذا أرادَ اللهُ بِقَوْمٍ شَرًّا، حَبَسَ عنهُمُ المَطَرَ، وأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الرِيحِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في الصَرْصَرِ، فَقالَ قَتادَةُ، والسَدِّيُّ، والضَحّاكُ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الصِرِّ وهو البَرْدُ، والمَعْنى: رِيحًا بارِدَةً لَها صَوْتٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: صَرْصَرٌ: شَدِيدَةُ السُمُومِ عَلَيْهِمْ، وقالَ الطَبَرِيُّ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو مِن صَرْصَرَ إذا صَوَّتَ صَوْتًا يُشْبِهُ الصادَ والراءَ، وكَذَلِكَ يَجِيءُ صَوْتُ الرِيحِ في كَثِيرٍ مِنَ الأوقاتِ بِحَسَبِ ما تَلْقى.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، والأعْرَجُ، والنَخْعِيُّ وعِيسى: "نَحْساتٍ" بِسُكُونِ الحاءِ، وهو جَمْعٌ نَحْسٍ، يُقالُ: يَوْمٌ نَحْسٌ وقَوْمٌ نَحْسٌ، فَهو مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ أحْيانًا ويُضافُ إلَيْهِ "اليَوْمَ" أحْيانًا، وعَلى الصِفَةِ بِهِ جَمَعَ في هَذِهِ الآيَةِ، واحْتَجَّ أبُو عَمْرُو لِهَذِهِ القِراءَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ﴾ ، وقالَ النَخْعِيُّ: نَحَساتٍ ولَيْسَتْ بِنَحِساتٍ بِكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ الباقُونَ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ: "نَحِساتٍ" بِكَسْرِ الحاءِ، وهي جَمْعٌ لِنَحِسٍ عَلى وزْنِ حَذِرٍ، فَهو صِفَةٌ لِلْيَوْمِ مَأْخُوذٌ مِنَ النَحْسِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: نَحِسٌ ونَحْسٌ لُغَتانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ اللُغَةُ الواحِدَةُ تَجْمَعُهُما، أحَدُهُما مَصْدَرٌ والآخِرٌ مِن أمْثِلَةِ اسْمِ الفاعِلِ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ: أبْلِغْ جُذامًا ولَخْمًا أنَّ إخْوَتَهم ∗∗∗ طَيًّا وبَهْراءَ قَوْمٌ نَصَرُهم نَحِسُ وَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ "نَحْساتٌ" بِالسُكُونِ مُخَفَّفَةٌ مِن "نَحِساتٍ" بِالكَسْرِ، والمَعْنى في هَذِهِ اللَفْظَةِ: مَشائِيمُ، مِنَ النَحْسِ المَعْرُوفِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسَدِّيُّ.
وقالَ الضَحّاكُ: مَعْناهُ: شَدِيدَةٌ، أيْ شَدِيدَةُ البَرْدِ حَتّى كانَ البَرْدُ عَذابًا لَهُمْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ في النَحْسِ بِمَعْنى البَرْدِ: كَأنَّ سُلافَةً عُرِضَتْ لِنَحْسٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يُحِيلُ شَفِيفُها الماءَ الزُلالا وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "نَحِساتٍ" مَعْناهُ: مُتَتابِعاتٌ، وكانَتْ آخِرُ شَوّالَ مِنَ الأرْبِعاءِ إلى الأرْبِعاءِ.
و"عَذابُ الخِزْيِ في الدُنْيا": الهَلاكُ بِسَبَبِ الكُفْرِ ومُخالَفَةِ أمْرِ اللهِ تَعالى، ولا خِزْيٌ أعْظَمُ مِن هَذا، إلّا ما في الآخِرَةِ مِنَ الخُلُودِ في النارِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَأمّا ثَمُودُ" ﴾ بِغَيْرِ صَرْفٍ، وهَذا عَلى إرادَةِ القَبِيلَةِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وبَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ: "وَأمّا ثَمُودٌ" بِالتَنْوِينِ والإجْراءِ، وهَذا عَلى إرادَةِ الحَيِّ، وبِالصَرْفِ كانَ الأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ يَقْرَءانِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، إلّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَآتَيْنا ثَمُودَ الناقَةَ ﴾ لِأنَّهُ في المُصْحَفِ بِغَيْرِ ألْفٍ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقٍ، والأعْرَجُ - بِخِلافٍ - والأعْمَشُ، وعاصِمٌ: "ثَمُودَ" بِالنَصْبِ، وهَذا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَدَيْناهُمْ ﴾ ، وتَقْدِيرُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَهَدَيْنا ثَمُودَ هَدَيْناهُمْ، والرَفْعُ عِنْدَهُ أوجُهٌ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقٍ، والأعْمَشِ: (ثَمُودًا) مُنَوَّنَةً مَنصُوبَةً، ورَوى الفَضْلُ عن عاصِمٍ الوَجْهَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ [فَهَدَيْناهُمْ]﴾ مَعْناهُ: بَيَّنّا لَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والسَدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَيْسَ الهُدى هُنا بِمَعْنى الإرْشادِ، وهَذا كَما هي الآنَ شَرِيعَةُ الإسْلامِ مُبَيَّنَةٌ لِلْيَهُودِ والنَصارى المُخْتَلِطِينَ بِنا، ولَكِنَّهم يَعْرِضُونَ ويَشْتَغِلُونَ بِالضِدِّ، فَذَلِكَ اسْتِحْبابُ العَمى عَلى الهُدى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى ﴾ عِبارَةٌ عن تَكَسُّبِهِمْ في العَمى، وإلّا فَهو بِالِاخْتِراعِ لِلَّهِ تَعالى، ويَدُلُّكَ عَلى أنَّها إشارَةٌ إلى تَكَسُّبِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ العَذابِ الهُونِ ﴾ وصْفٌ بِالمَصْدَرِ، والمَعْنى: الَّذِي مَعَهُ هَوانٌ وإذْلالٌ، ثُمَّ قَرَنَ تَعالى بِذِكْرِهِمْ ذِكْرَ مَن آمَنَ واتَّقى ونَجا بِهِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللهِ إلى النارِ فَهم يُوزَعُونَ ﴾ ﴿ حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ﴿ وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنْ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ ﴾ [وَيَوْمَ] نَصْبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ يَوْمَ.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ، والأعْرَجُ، وأهْلُ المَدِينَةِ: "نَحْشُرُ" بِالنُونِ [أعْداءَ] بِالنَصْبِ، إلّا أنَّ الأعْرَجَ كَسَرَ الشِينَ.
وقَرَأ الباقُونَ: "يُحْشَرُ" بِالياءِ المَرْفُوعَةِ "أعْداءُ" رَفْعًا، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، وقَتادَةَ، وعِيسى، وطَلْحَةَ، ونافِعٍ - فِيما رُوِيَ عنهُ -، وحُجَّتُها [يُوزَعُونَ].
و ﴿ أعْداءُ اللهِ ﴾ هُمُ الكُفّارُ المُخالِفُونَ لِأمْرِهِ، و[يُوزَعُونَ] قالَ قَتادَةُ وأهْلُ اللُغَةِ: يُكَفُّ أوَّلُهم حَبْسًا عَلى آخِرِهِمْ، وفي حَدِيثِ أبِي قُحافَةَ يَوْمَ الفَتْحِ: "ذَلِكَ الوازِعُ"، وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: لا بُدَّ لِلْقاضِي مِن وزَعَةٍ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنِّي لا أُقَيِّدُ مِن وزَعَةِ اللهِ تَعالى.
و[حَتّى] غايَةٌ لِهَذا الحَشْرِ المَذْكُورِ، وهَذا وصْفُ حالٍ مِن أحْوالِهِمْ في بَعْضِ أوقاتِ القِيامَةِ، وذَلِكَ عِنْدَ وُصُولِهِمْ إلى جَهَنَّمَ، فَإنَّ اللهَ تَعالى سَيُقَرِّرَهم عِنْدَ ذَلِكَ عَلى أنْفُسِهِمْ، ويَسْألُونَ سُؤالَ تَوْبِيخٍ عن كُفْرِهِمْ، فَيُنْكِرُونَ ذَلِكَ ويَحْسَبُونَ أنَّ لا شاهِدَ، ويَظُنُّونَ السُؤالَ سُؤالَ اسْتِفْهامٍ واسْتِخْبارٍ، فَيُنْطِقُ اللهُ تَعالى جَوارِحَهم بِالشَهادَةِ عَلَيْهِمْ، فَرُوِيَ عَنِ النَبِيِّ : « "إنْ أوَّلَ ما يَنْطِقُ مِنَ الإنْسانِ فَخْذُهُ الأيْسَرُ، ثُمَّ تَنْطِقُ الجَوارِحُ، فَيَقُولُ الكافِرُ: تَبًّا لَكِ أيُّها الأعْضاءُ، فَعنكِ كُنْتُ أُدافِعُ"،» وفي حَدِيثٍ آخَرَ « "يَجِيئُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى أفْواهِهِمُ الفِدامُ فَيَتَكَلَّمُ الفَخْذُ والكَفُّ".» ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى مُحاوَرَتَهم لِجُلُودِهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا ﴾ ، أيْ: وعَذابُنا عَذابٌ لَكُمْ، واخْتَلَفَ الناسُ، ما المُرادُ بِالجُلُودِ؟
فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: هي الجُلُودُ المَعْرُوفَةُ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ أبِي جَعْفَرٍ: كَنّى بِالجُلُودِ عَنِ الفُرُوجِ، وإيّاها أرادَ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّ الجُلُودَ تَرُدُّ جَوابَهم بِأنَّ اللهَ تَعالى الخالِقَ المُبْدِئَ المُعِيدَ هو الَّذِي أنْطَقَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ يُرِيدُ: كُلُّ شَيْءٍ ناطِقٍ، مِمّا هي فِيهِ عادَةٌ أو خَرْقُ عادَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الجُلُودِ ومُحاوَرَتِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لَهُمْ، أو مِن كَلامِ مَلِكٍ يَأْمُرُهُ، وأمّا المَعْنى فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُرِيدَ: وما كُنْتُمْ تَتَصاوَنُونَ وتَحْجِزُونَ أنْفُسَكم عَنِ المَعاصِي والكُفْرِ، خَوْفَ أنْ يُشْهَدَ، أو لِأجْلِ أنْ يُشْهَدَ، ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللهَ سُبْحانَهُ لا يَعْلَمُ فانْهَمَكْتُمْ وجاهَرْتُمْ، وهَذا هو مَنحى مُجاهِدٍ، والسَتْرُ قَدْ يَتَصَرَّفُ عَلى هَذا المَعْنى ونَحْوَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: والسَتْرُ دُونَ الفاحِشاتِ وما ∗∗∗ يَلْقاكَ دُونَ الخَيْرِ مِن سِتْرِ والمَعْنى الثانِي أنْ يُرِيدَ: وما كُنْتُمْ تَمْتَنِعُونَ ولا يُمْكِنُكم ولا يَسَعُكُمُ الِاخْتِفاءُ عن أعْضائِكم والِاسْتِتارُ عنها بِكُفْرِكم ومَعاصِيكُمْ، ولا تَظُنُّونَ أنَّها تَصِلُ بِكم إلى هَذا الحَدِّ، وهَذا هو مَنحى السَدِّيِّ، كَأنَّ المَعْنى: وما كُنْتُمْ تَدْفَعُونَ بِالِاخْتِفاءِ والسَتْرِ أنْ تَشْهَدَ؛ لِأنَّ الجَوارِحَ لَزِيمَةٌ لَكُمْ، وفي إلْزامِهِ إيّاهُمُ الظَنَّ بِأنَّ اللهَ تَعالى لا يَعْلَمُ إلْزامَهُمُ الكُفْرَ والجَهْلَ بِاللهِ تَعالى، وهَذا المُعْتَقَدُ يُؤَدِّي بِصاحِبِهِ إلى تَكْذِيبِ أمْرِ الرُسُلِ، واحْتِقارِ قُدْرَةِ اللهِ تَعالى لا رَبَّ غَيْرُهُ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: [وَلَكِنْ زَعَمْتُمْ أنَّ اللهَ]، وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ أنَّهُ عَبَّرَ بِـ"تَسْتَتِرُونَ" عن "تَظُنُّونَ"، وذَلِكَ تَفْسِيرٌ لَمْ يُنْظَرْ فِيهِ إلى اللَفْظِ ولا ارْتِباطَ فِيهِ مَعَهُ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ حَدِيثًا «عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: إنِّي لَمُسْتَتِرٌ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، إذْ دَخَلَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، قُرَشِيّانِ وثَقِّفِي، أو ثُقَفِيّانِ وقُرَشِيُّ، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، فَتَحَدَّثُوا بِحَدِيثٍ، فَقالَ أحَدُهُمْ: أتَرى اللهَ يَسْمَعُ ما قُلْنا؟
قالَ الآخَرُ: إنَّهُ يَسْمَعُ إذا رَفَعْنا، ولا يَسْمَعُ إذا أخْفَيْنا، وقالَ الآخَرُ: إنْ كانَ يَسْمَعُ شَيْئًا مِنهُ، فَإنَّهُ يَسْمَعُهُ كُلَّهُ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ فَأخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿ وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ ﴾ الآيَةُ، فَقَرَأ حَتّى بَلَغَ ﴿ وَإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ ﴾ »، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ أنَّ الثَقَفِيَّ عَبْدُ يالِيلٍ، والقُرَشِيّانِ خَتَناهُ: رَبِيعَةُ وصَفْوانُ ابْنا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، فالآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، ويُشْبِهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ قَرَأ الآيَةَ مُتَمَثِّلًا بِها عِنْدَ إخْبارِ عَبْدِ اللهِ إيّاهُ، واللهُ أعْلَمُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ ﴿ فَإنْ يَصْبِرُوا فالنارُ مَثْوًى لَهم وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ ﴾ ﴿ وَقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ ﴾ [ذَلِكُمْ] رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والإشارَةُ بِهِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ ﴾ ، قالَ قَتادَةُ: الظَنُّ ظَنّانِ، ظَنُّ مُنْجٍ، وظَنُّ مَهْلِكٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالمُنْجِي هو أنْ يَظُنَّ المُوَحِّدَ العارِفَ بِرَبِّهِ أنَّ اللهَ تَعالى يَرْحَمُهُ، والمُهْلِكُ: ظُنُونُ الكَفَرَةِ الجاهِلِينَ عَلى اخْتِلافِها، وفي هَذا المَعْنى لِيَحْيى بْنِ أكْثَمِ رُؤْيا حَسَنَةٍ مُؤْنِسَةٍ، و[ظَنُّكُمُ] خَبَرُ ابْتِداءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ [أرْداكُمْ]﴾ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وجَوَّزَ الكُوفِيُّونَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ وُقُوعَ الماضِي حالًا إذا اقْتَرَنَ بِقَدِّ، تَقُولُ: رَأيْتُ زَيْدًا قَدْ قامَ، وقَدْ يَجُوزُ تَقْدِيرُها عِنْدَهم وإنْ لَمْ تَظْهَرْ، ومَعْنى: ﴿ [أرْداكُمْ]:﴾ أُهْلَكَكُمْ، والرَدى: الهَلاكُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ يَصْبِرُوا ﴾ مُخاطَبَةٌ لِمُحَمَّدٍ ، والمَعْنى: فَإنْ يَصْبِرُوا أو لا يَصْبِرُوا، واقْتَصَرَ لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلى ما تَرَكَ، و"المَثْوى": مَوْضِعُ الإقامَةِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَإنْ يَسْتَعْتِبُوا" ﴾ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ التاءِ الأخِيرَةِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ، ﴿ "فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ" ﴾ بِفَتْحِ التاءِ، عَلى: وإنْ طَلَبُوا العُتْبى - وهي الرِضى - فَما هم مِمَّنْ يُعْطاها ويَسْتَوْجِبُها، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، ومُوسى الأسْوارِي: "يَسْتَعْتِبُوا" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ التاءِ الثانِيَةِ، "فَما هم مِنَ المُعْتِبِينِ" بِكَسْرِ التاءِ، عَلى مَعْنى: وإنَّ طُلِبَ مِنهم خَيْرٌ أو إصْلاحٌ، فَما هم مِمَّنْ يُوجَدُ عِنْدَهُمْ؛ لِأنَّهم قَدْ فارَقُوا الدُنْيا دارَ الأعْمالِ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ:« "لَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ"،» ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِراءَةُ بِمَعْنى: ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عنهُ.
ثُمَّ وصَفَ عَزَّ وجَلَّ حالَهم في الدُنْيا وما أصابَهم بِهِ حِينَ أعْرَضُوا، فَحَتَّمَ عَلَيْهِمْ.
وَ[قَيَّضْنا] أيْ يَسَّرْنا لَهم قُرَناءَ سُوءٍ مِنَ الشَياطِينِ وغُواةِ الإنْسِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ ﴾ ، أيْ: عَلَّمُوهم وقَرَّرُوا في نُفُوسِهِمْ مُعْتَقَداتِ سُوءٍ في الأُمُورِ الَّتِي تَقَدَّمَتْهُمْ: مِن أمْرِ الرُسُلِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، والنُبُوّاتِ، ومَدْحِ عِبادَةِ الأصْنامِ، واتِّباعِ فِعْلِ الآباءِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُقالُ فِيهِ: "إنَّهُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ"، وذَلِكَ كُلُّ ما تَقَدَّمَهم في الزَمانِ واتَّصَلَ إلَيْهِمْ أثَرُهُ أو خَبَرُهُ، وكَذَلِكَ أعْطَوْهم مُعْتَقَداتِ سُوءٍ فِيما خَلْفَهُمْ، وهو كُلُّ ما يَأْتِي بَعْدَهم مِنَ القِيامَةِ والبَعْثِ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يُقالُ فِيهِ: "إنَّهُ خَلْفُ الإنْسانَ"، فَزَيَّنُوا لَهم في هَذَيْنَ كُلَّ ما يُرْدِيهِمْ ويُفْضِي بِهِمْ إلى عَذابِ جَهَنَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ ﴾ أيْ: سَبْقُ القَضاءِ الحَتْمِ وأمْرِ اللهِ بِتَعْذِيبِهِمْ في جُمْلَةِ أُمَمٍ مُعَذَّبِينَ كُفّارٍ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: [فِي] بِمَعْنى: "مَعَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى يَتَأدّى بِالحَرْفَيْنِ، ولا نَحْتاجُ أنْ نَجْعَلَ حَرْفًا بِمَعْنى حَرْفٍ، إذْ قَدْ أبى ذَلِكَ رُؤَساءَ البَصْرِيِّينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ ﴾ حِكايَةٌ لِما فَعَلَهُ بَعْضُ قُرَيْشٍ؛ كَأبِي جَهْلٍ وغَيْرِهِ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ كانَ يَقْرَأُ القُرْآنَ في المَسْجِدِ الحَرامِ، ويُصْغِي إلَيْهِ الناسُ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، فَخَشِيَ الكَفّارُ اسْتِمالَةَ القُلُوبِ بِذَلِكَ، فَقالُوا: مَتى قَرَأ مُحَمَّدٌ فَلْنُغَطِّ نَحْنُ بِالمُكاءِ والصَفِيرِ والصِياحِ وإنْشادِ الشِعْرِ والإرْجازِ، حَتّى يُخْفى صَوْتُهُ ولا يَقَعَ الِاسْتِماعُ مِنهُ، وهَذا الفِعْلُ مِنهم هو اللَغْوُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: أرادُوا: قَعُوا فِيهِ وعِيبُوهُ، و"اللَغْوُ" في اللُغَةِ: سَقْطُ القَوْلِ الَّذِي لا مَعْنى لَهُ، وهو مِنَ الحاسَّةِ والتَطَوُّلِ في حُكْمٍ لا مَعْنى لَهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ [والغَوْا]﴾ بِفَتْحِ الغَيْنِ وجَزْمِ الواوِ، وقَرَأ بَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ السَهْمِيُّ: "والغُوا" بِضَمِّ الغَيْنِ وسُكُونِ الواوِ، ورُوِيَتْ عن عِيسى، وابْنِ أبِي إسْحاقٍ - بِخِلافٍ عنهُما -، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: لَغا يَلْغُو، ويُقالُ: لَغِيَ يَلْغى، ويُقالُ أيْضًا: لَغا يَلْغى، أصْلُهُ يَفْعِلُ - بِكَسْرِ العَيْنِ - فَرَدَّهُ حَرْفُ الحَلْقِ إلى الفَتْحِ، فالقِراءَةُ الأُولى مِن يَلْغى، والقِراءَةُ الثانِيَةُ مِن يَلْغُو، قالَهُ الأخْفَشُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ ﴾ أيْ تَطْمِسُونَ أمْرَ مُحَمَّدٍ وتُمِيتُونَ ذِكْرَهُ وتَصْرِفُونَ القُلُوبَ عنهُ، فَهَذِهِ الغايَةُ الَّتِي تَمَنَّوْها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللهِ النارُ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ جَزاءُ بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أرِنا اللَذَيْنِ أضَلانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الفاءُ دَخَلَتْ عَلى لامِ القَسَمِ، وهي آيَةُ وعِيدٍ لِقُرَيْشٍ، و"العَذابُ الشَدِيدُ" هو عَذابُ الدُنْيا في بَدْرٍ وغَيْرِها، و"الجَزاءُ بِأسْوَإ أعْمالِهِمْ" هو عَذابُ الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "ذَلِكَ" ﴾ إشارَةٌ إلى الجَزاءِ المُتَقَدِّمِ، و"جَزاءُ" خَبَرُ الِابْتِداءِ، و"النارُ" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "جَزاءُ"، ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "ذَلِكَ" خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: "جَزاءُ" ابْتِداءٌ، و"النارُ" خَبَرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ ﴾ أيْ مَوْضِعُ البَقاءِ ومَسْكَنُ العَذابِ الدائِمِ، فالظَرْفِيَّةُ فِيهِ مُتَمَكِّنَةٌ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: هي لَهم دارُ الخُلْدِ، فَفي قَوْلِهِ: "فِيها" مَعْنى التَحْدِيدِ، كَما قالَ الشاعِرُ: وفي اللهِ إنْ لَمْ يُنْصِفُوا حَكَمٌ عَدْلُ وَفِي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: [ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللهِ النارُ دارُ الخُلْدِ]، وسَقَطَ: "لَهم فِيها"، وجُحُودُهم بِآياتِ اللهِ مُطْرَدٌ في عَلاماتِهِ المَنصُوبَةِ لِخَلْقِهِ، وفي آياتِ كِتابِهِ المُنَزَّلَةِ عَلى نَبِيِّهِ .
ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ مَقالَةَ كُفّارِ يَوْمِ القِيامَةِ، إذا دَخَلُوا النارَ، فَإنَّهم يَرَوْنَ عَظِيمَ ما حَلَّ بِهِمْ وسُوءَ مُنْقَلَبِهِمْ، فَتَجُولُ أفْكارُهم فِيمَن كانَ سَبَبَ غَوايَتِهِمْ وبادِي ضَلالَتِهِمْ، فَيَعْظُمُ غَيْظُهم وحَنَقُهم عَلَيْهِ، ويَوَدُّونَ أنْ يَحْصُلَ في أشَدِّ العَذابِ، فَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ: ﴿ رَبَّنا أرِنا اللَذَيْنِ أضَلانا ﴾ ، وظاهِرُ اللَفْظِ يَقْتَضِي أنَّ "الَّذِي" في قَوْلِهِمِ: [الَّذِينَ] إنَّما هو لِلْجِنْسِ، أيْ: أرِنا كُلَّ مُغْوٍ ومُضِلٍّ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقَتادَةُ: وطَلَبُوا ولَدَ آدَمَ الَّذِي سَنَّ القَتْلَ والمَعْصِيَةَ مِنَ البَشَرِ، وإبْلِيسَ الأبالِسَةِ مِنَ الجِنِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَأمُّلْ هَذا، هَلْ يَصِحُّ هَذا عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ؟
لِأنَّ ولَدَ آدَمَ مُؤْمِنٌ عاصٍ، وهَؤُلاءِ إنَّما طَلَبُوا المُضِلِّينَ بِالكُفْرِ المُؤَدِّي إلى الخُلُودِ، وإنَّما القَوِيُّ أنَّهم طَلَبُوا النَوْعَيْنِ، وقَدْ أصْلَحَ بَعْضُهم هَذا القَوْلَ بِأنْ قالَ: يَطْلُبُ ولَدَ آدَمَ كُلُّ عاصٍ دَخَلَ النارَ مِن أهْلِ الكَبائِرَ، ويَطْلُبُ إبْلِيسَ كُلُّ كافِرٍ، ولَفْظُ الآيَةِ يَزْحَمُ هَذا التَأْوِيلَ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الكَفَرَةَ إنَّما طَلَبُوا اللَذَيْنِ أضَلّا.
وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أرِنا" بِكَسْرِ الراءِ، وهي رُؤْيَةُ عَيْنٍ، ولِذَلِكَ فَهو فِعْلٌ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عَمْرُو، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "أرِنا" بِسُكُونِ الراءِ، فَقالَ هِشامُ بْنُ عامِرٍ: هو خَطَأٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هي مُخَفَّفَةٌ مِن "أرِنا" كَما قالُوا: ضَحْكٌ وفَخْذٌ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو بِإشْمامِ الراءِ الكَسْرَ، ورُوِيَتْ عن أهْلِ مَكَّةَ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا ﴾ يُرِيدُونَ: في أسْفَلِ طَبَقَةٍ مِنَ النارِ، وهي أشَدُّ عَذابًا، وهي دَرْكُ المُنافِقِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ﴾ الآيَةُ.
آيَةُ وعْدٍ لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَ سُفْيانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الثَقَفِيُّ: « "قُلْتُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: أخْبَرَنِي بِأمْرٍ أعْتَصِمُ بِهِ، فَقالَ: قُلْ رَبِّيَ اللهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ، قُلْتُ: فَما أخْوَفُ ما تَخافُ عَلَيَّ؟
فَأخَذَ رَسُولُ اللهِ بِلِسانِ نَفْسِهِ فَقالَ: هَذا".» واخْتَلَفَ الناسُ في مُقْتَضى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَقامُوا ﴾ فَذَهَبَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وجَماعَةٌ إلى أنَّ مَعْناهُ: اسْتَقامُوا بِالطاعاتِ واجْتِنابِ المَعاصِي.
وتَلا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ هَذِهِ الآيَةَ عَلى المِنبَرِ، ثُمَّ قالَ: اسْتَقامُوا - واللهِ - لِلَّهِ بِطاعَتِهِ، ولَمْ يَرُوغُوا رَوَغانَ الثَعالِبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ذَهَبَ رَضِيَ اللهُ عنهُ إلى حَمْلِ الناسِ عَلى الأتَمِّ الأفْضَلِ، وإلّا فَيَلْزَمُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - مِن دَلِيلِ خِطابِهِ ألّا تَتَنَزَّلَ المَلائِكَةُ عِنْدَ المَوْتِ عَلى غَيْرِ مُسْتَقِيمٍ عَلى الطاعَةِ، وذَهَبَ أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٌ مَعَهُ إلى أنَّ المَعْنى: ثُمَّ اسْتَقامُوا عَلى قَوْلِهِمْ: "رَبُّنا اللهُ"، فَلَمْ يَخْتَلْ تَوْحِيدُهم ولا اضْطَرَبَ إيمانُهُمْ، ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ «أنَّ رَسُولَ اللهِ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: "قَدْ قالَها الناسُ، ثُمَّ كَفَرَ أكْثَرُهُمْ، فَمَن ماتَ عَلَيْها، فَهو مِمَّنِ اسْتَقامَ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: المَعْنى: فَهو في أوَّلِ دَرَجاتِ الِاسْتِقامَةِ، أمْنِ الخُلُودِ، فَهَذا كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَن كانَ آخِرُ كَلامِهِ لا إلَهَ إلّا اللهَ دَخَلَ الجَنَّةَ"،» وهَذا هو المُعْتَقِدُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، وذَلِكَ أنَّ العُصاةَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ وغَيْرِها فِرْقَتانِ: فَأمّا مَن قَضى اللهُ تَعالى بِالمَغْفِرَةِ لَهُ وتَرْكِ تَعْذِيبِهِ، فَلا مَحالَةَ مِمَّنْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ بِالبِشارَةِ، وهو إنَّما اسْتَقامَ عَلى تَوْحِيدِهِ فَقَطْ، وأمّا مَن قَضى اللهُ بِتَعْذِيبِهِ مُدَّةً، ثُمَّ بِإدْخالِهِ الجَنَّةَ، فَلا مَحالَةَ أنَّهُ يَلْقى جَمِيعَ ذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِ ويَعْلَمُهُ، ولَيْسَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ حالُهُ كَحالَةِ الكافِرِ اليائِسِ مِن رَحْمَةِ اللهِ تَعالى، وإذْ قَدْ كانَ هَذا، فَقَدْ حَصَلَتْ لَهُ البِشارَةُ بِألّا يَخافَ الخُلُودَ ولا يَحْزَنَ مِنهُ، وبِأنَّهُ يَصِيرُ آخِرًا إلى الخُلُودِ في الجَنَّةِ، وهَلِ العُصاةُ المُؤْمِنُونَ، إلّا تَحْتَ الوَعْدِ بِالجَنَّةِ؟
فَهم داخِلُونَ فِيمَن يُقالُ لَهُمْ: ﴿ وَأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ ، ومَعَ هَذا كُلِّهِ، فَلا يُخْتَلَفُ أنَّ المُوَحِّدَ المُسْتَقِيمَ عَلى الطاعَةِ، أتَمُّ حالًا وأكْمَلُ بِشارَةً، وهو مَقْصِدُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعَلى نَحْوِ ذَلِكَ قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: ﴿ "اسْتَقامُوا": ﴾ عَمِلُوا بِنَحْوِ ما قالُوا، وقالَ الرَبِيعُ: أعْرِضُوا عَمّا سِوى اللهِ تَعالى، وقالَ الفَضْلَ: زَهِدُوا في الفانِيَةِ ورَغِبُوا في الباقِيَةِ، وبِالجُمْلَةِ فَكُلَّما كانَ المَرْءُ أشَدَّ اسْتِعْدادًا، كانَ أسْرَعَ فَوْزًا بِفَضْلِ اللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا ﴾ أمَنَةٌ عامَّةٌ في كُلِّ هَمٍّ مُسْتَأْنَفٍ، وتَسْلِيَةٍ تامَّةٍ عن كُلِّ فائِتٍ ماضٍ، وقَدْ قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: لا تَخافُونَ ما تُقْدِمُونَ عَلَيْهِ، ولا تَحْزَنُوا عَلى ما خَلَّفْتُمْ مِن دُنْياكُمْ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: [تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ لا تَخافُوا] بِإسْقاطِ الألِفِ، بِمَعْنى: يَقُولُونَ لا تَخافُوا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ نَحْنُ أولِياؤُكم في الحَياةِ الدُنْيا وفي الآخِرَةِ ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ ﴾ ﴿ نُزُلا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾ ﴿ وَمَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ ﴿ وَما يُلَقّاها إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ المُتَكَلِّمُ بِـ"نَحْنُ أولِياؤُكُمْ" هُمُ المَلائِكَةُ القائِلُونَ: "لا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا"، أيْ: يَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ المَوْتِ وعِنْدَ مُشاهَدَةِ الحَقِّ: نَحْنُ كُنّا أولِياءَكم في الدُنْيا ونَحْنُ هم في الآخِرَةِ، قالَ السَدِّيُّ: المَعْنى: نَحْنُ حَفَظَتُكم في الدُنْيا وأولِياؤُكم في الآخِرَةِ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِمْ: ﴿ "فِيها" ﴾ عائِدٌ عَلى الآخِرَةِ، و"تَدَّعُونَ" مَعْناهُ: تَطْلُبُونَ.
و"نُزُلًا" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِضَمِّ الزايِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: بِإسْكانِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أحْسَنُ قَوْلا ﴾ الآيَةُ.
ابْتِداءُ تَوْصِيَةٍ لِمُحَمَّدٍ ، وهو لَفْظٌ يَعُمُّ كُلَّ مَن دَعا قَدِيمًا وحَدِيثًا إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وإلى طاعَتِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ ومِنَ المُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: لا أحَدَ أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ هَذِهِ حالُهُ، وإلى العُمُومِ ذَهَبَ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ، وجَماعَةٌ، وبَيَّنَ أنَّ حالَةَ مُحَمَّدٍ كانَتْ كَذَلِكَ مُبْرِزَةً، إلى تَخْصِيصِهِ بِالآيَةِ ذَهَبَ السَدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ سَيْرَيْنِ، وقالَ قَيْسُ بْنُ أبِي حازِمٍ، وعائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنها، وعِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُؤَذِّنِينَ، قالَ قَيْسُ: "وَعَمِلَ صالِحًا" هو الصَلاةُ بَيْنَ الآذانِ والإقامَةِ، وذَكَرَ النِقاشُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى القَوْلِ بِأنَّها في المُؤَذِّنِينَ أنَّهم داخِلُونَ فِيها، وأمّا نُزُولُها فَبِمَكَّةَ بِلا خِلافٍ، ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ آذانٌ، وإنَّما تَرَتَّبَ بِالمَدِينَةِ، وإنَّ الأذانَ لَمِنَ الدُعاءِ إلى اللهِ تَعالى، ولَكِنَّهُ جُزْءٌ مِنهُ، والدُعاءُ إلى اللهِ بِقُوَّةٍ، كَجِهادِ الكُفّارِ ورَدْعِ الطُغاةِ وكَفِّ الظَلَمَةِ وغَيْرُهُ أعْظَمُ غِناءٍ مِن تَوَلِّي الأذانِ؛ إذْ لا مَشَقَّةَ فِيهِ، والأصْوَبُ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ عامَّةً، قالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: المَعْنى: مِمَّنْ دَعا إلى اللهِ تَعالى بِالسَيْفِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ" ﴾ بِنُونَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: [إنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ] بِنُونٍ واحِدَةٍ، وقالَ الفُضَيْلُ بْنُ رُفَيْدَةَ: كُنْتُ مُؤَذِّنًا في أصْحابِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقالَ لِي عاصِمُ بْنُ هُبَيْرَةَ: إذا أكْمَلْتَ الآذانَ فَقُلْ: إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.
ثُمَّ وعَظَ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، ونَبَّهَهُ عَلى أحْسَنِ مُخاطَبَةٍ، فَقَرَّرَ أنَّ الحَسَنَةَ والسَيِّئَةَ لا تَسْتَوِي، أيْ: فالحَسَنَةُ أفْضَلُ، وكَرَّرَ "لا" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا السَيِّئَةُ ﴾ تَأْكِيدًا لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المُرادَ: "وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ والسَيِّئَةُ ولا السَيِّئَةُ والحَسَنَةُ"، فَحَذَفَ اخْتِصارًا ودَلَّتْ [لا] عَلى هَذا الحَذْفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ آيَةٌ جَمَعَتْ مَكارِمَ الأخْلاقِ وأنْواعَ الحِلْمِ، والمَعْنى: ادْفَعْ أُمُورَكَ وما يُعَرَضُ لَكَ مَعَ الناسِ ومُخالَطَتَكَ لَهم بِالفِعْلَةِ أو بِالسِيرَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ الفِعْلاتِ والسِيرِ، فَمِن ذَلِكَ بَذْلُ السَلامِ، وحُسْنُ الأدَبِ، وكَظْمُ الغَيْظِ، والسَماحَةُ في القَضاءِ والِاقْتِضاءِ، وغَيْرُ ذَلِكَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إذا فَعَلَ المُؤْمِنُ هَذِهِ الفَضائِلَ، عَصَمَهُ اللهُ تَعالى مِنَ الشَيْطانِ، وخَضَعَ لَهُ عَدُّوهُ، وفَسَّرَ مُجاهِدٌ وعَطاءُ هَذِهِ الآيَةَ بِالسَلامِ عِنْدَ اللِقاءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا شَكَّ أنَّ السَلامَ هو مَبْدَأُ الدَفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، وهو جُزْءٌ مِنهُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ ، فَدَخَّلَ كافَ التَشْبِيهِ؛ لِأنَّ الَّذِي عِنْدَهُ عَداوَةٌ لا يَعُودُ ولِيًّا حَمِيمًا، وإنَّما يَحْسُنُ ظاهِرُهُ، فَيُشَبِّهُ بِذَلِكَ الوَلِيَّ الحَمِيمَ، و"الحَمِيمُ" هو القَرِيبُ الَّذِي يَحْتَمُّ لِلْإنْسانِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "يُلَقّاها" ﴾ عائِدٌ عَلى هَذِهِ الخُلُقِ، الَّتِي يَتَضَمَّنُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ: وما يُلَقّى لا إلَهَ إلّا اللهَ، وهَذا تَفْسِيرٌ لا يَقْتَضِيهِ اللَفْظُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ مَدْحٌ بَلِيغٌ لِلصَّبْرِ، وذَلِكَ بَيِّنٌ لِلْمُتَأمِّلِ؛ لِأنَّ الصَبْرَ لِلطّاعاتِ وعَنِ الشَهَواتِ، جامِعٌ لِخِصالِ الخَيْرِ كُلِّها.
والحَظُّ العَظِيمُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مِنَ العَقْلِ والفَضْلِ، فَتَكُونُ الآيَةُ مَدْحًا، ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا شَتَمَ أبا بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِحَضْرَةِ النَبِيِّ ، فَسَكَتَ أبُو بَكْرٍ ساعَةً، ثُمَّ جاشَ بِهِ الغَضَبُ، فَرَدَّ عَلى الرَجُلِ، فَقامَ النَبِيُّ ، فاتَّبَعَهُ أبُو بَكْرٍ وقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، قُمْتَ حِينَ انْتَصَرْتُ؟
فَقالَ: إنَّهُ كانَ يَرُدُّ عنكَ مَلَكٌ، فَلَمّا قَرُبْتَ تَنْتَصِرُ، ذَهَبَ المَلَكُ وجاءَ الشَيْطانُ، فَما كُنْتُ لِأُجالِسُهُ،» ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ مِنَ الجَنَّةِ وثَوابِ الآخِرَةِ، فَتَكُونُ الآيَةُ وعْدًا، وبِالجَنَّةِ فَسَّرَ قتادَةُ "الحَظَّ" هُنا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللهِ إنَّهُ هو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ وَمِن آياتِهِ اللَيْلُ والنَهارُ والشَمْسُ والقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَيْلِ والنَهارِ وهم لا يَسْأمُونَ ﴾ ﴿ وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [إمّا] شَرْطٌ، وجَوابُ الشَرْطِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ [فاسْتَعِذْ]،﴾ و"النَزْغُ": فِعْلُ الشَيْطانِ في قَلْبٍ أو يَدٍ، مِن إلْقاءِ غَضَبٍ وحِقْدٍ أو بَطْشٍ في اليَدِ، فَمِنَ الغَضَبِ هَذِهِ الآيَةُ، ومِنَ الحِقْدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَزَغَ الشَيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي ﴾ ، ومِنَ البَطْشِ قَوْلُ النَبِيِّ : « "لا يُشِرْ أحَدُكم عَلى أخِيهِ بِالسِلاحِ لا يَنْزَغُ الشَيْطانُ في يَدِهِ، فَيُلْقِيهِ في حُفْرَةٍ مِن حُفَرِ النارِ"،» ونَدَبَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ إلى مَكارِمِ الخُلُقِ في الدَفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، ثُمَّ أثْنى تَعالى عَلى مَن لَقِيَها ووَعَدَهُ، وعَلِمَ أنَّ خِلْقَةَ البَشَرِ تَغْلِبُ أحْيانًا وتَثُورُ بِهِمْ ثَوْرَةَ الغَضَبِ ونَزْغِ الشَيْطانِ، فَدَلَّهم عَلى مُذْهِبِ ذَلِكَ وهي الِاسْتِعاذَةُ بِهِ عَزَّ وجَلَّ.
ثُمَّ عَدَّدَ آياتِهِ لِيَعْتَبِرَ فِيها مِن صَدَفَ عَنِ التَوْحِيدِ، بِذِكْرِ اللَيْلِ والنَهارِ، وذِكْرُهِما يَتَضَمَّنُ ما فِيهِما مِنَ القِصَرِ والطُولِ والتَداخُلِ والِاسْتِواءِ في مَواضِعَ وسائِرَ عِبَرِهِما، وكَذَلِكَ الشَمْسُ والقَمَرُ مُتَضَمِّنٌ عَجائِبَهُما وحِكْمَةَ اللهِ تَعالى فِيهِما ونَفَعَهُ عِبادَهُ بِهِما، ثُمَّ قالَ تَعالى: لا تَسْجُدُوا لِهَذِهِ المَخْلُوقاتِ وإنْ كانَتْ تَنْفَعُكُمْ؛ لِأنَّ النَفْعَ مِنهُما إنَّما هو بِتَسْخِيرِ اللهِ إيّاهُما، فَهو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُسْجَدَ لَهُ، والضَمِيرُ في ﴿ "خَلَقَهُنَّ" ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى الأيّامِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرِها، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الشَمْسِ والقَمَرِ، والِاثْنانِ جَمْعٌ، وجَمْعُ ما لا يَعْقِلُ يُؤَنَّثُ، فَلِذَلِكَ قالَ: "خَلَقَهُنَّ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِن حَيْثُ يُقالُ: شُمُوسٌ وأقْمارٌ لِاخْتِلافِهِما بِالأيّامِ، ساغَ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ مَجْمُوعًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، وشَأْنُ ضَمِيرِ ما لا يُعْقَلُ، إذا كانَ العَدَدُ أقَلَّ مِنَ العَشْرَةِ أنْ يَجِيءَ هَكَذا، فَإذا زادَ أُفْرِدَ مُؤَنَّثًا، فَتَقُولُ: الأجْذاعُ انْكَسَرْنَ، والجُذُوعُ انْكَسَرَتْ، ومِنهُ: ﴿ إنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ ﴾ الآيَةُ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ: وأسْيافُنا يَقْطُرْنَ مِن نَجْدَةِ دَمًا وقالَ السَمَوْألُ: ولا عَيْبَ فِينا غَيْرَ أنَّ سُيُوفَنا ∗∗∗ ∗∗∗ بِها مِن قِراعِ الدارِعِينَ فُلُولُ وَهَذا كَثِيرٌ مَهْيَعٌ وإنْ كانَ الأمْرُ قَدْ يُوجَدُ مُتَداخِلًا بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
ثُمَّ خاطَبَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِما يَتَضَمَّنُ وعِيدَهم وحَقارَةَ أمْرِهِمْ، وأنَّ اللهَ تَعالى غَيَّرَ مُحْتاجٍ إلى عِبادَتِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنِ اسْتَكْبَرُوا ﴾ الآيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي بِهِمُ المَلائِكَةَ وهم صافُّونَ يُسَبِّحُونَ، و"عِنْدَ" في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَتْ بِظَرْفِ مَكانٍ، وإنَّما هي بِمَعْنى المَنزِلَةِ والقُرْبَةُ، كَما تَقُولُ: زِيدٌ عِنْدَ المَلِكِ جَلِيلٌ، وفي نَفْسِهِ رَفِيعٌ، ويُرْوى أنَّ تَسْبِيحَ المَلائِكَةِ قَدْ صارَ لَهم كالنَفْسِ لِابْنِ آدَمَ، و"يَسْأمُونَ" مَعْناهُ: يَمَلُّونَ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى آيَةً مَنصُوبَةً لِيُعْتَبَرَ بِها في أمْرِ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، ويُسْتَدَلُّ بِما شُوهِدَ مِن هَذِهِ عَلى ما لَمْ يُشاهَدْ بَعْدُ مِن تِلْكَ، وهي آيَةٌ يَراها عِيانًا كُلَّ مَفْطُورٍ عَلى عَقْلٍ.
و"خُشُوعُ الأرْضِ" هو ما يَظْهَرُ عَلَيْها مِنَ اسْتِكانَةٍ وشَعَثٍ بِالجَدْبِ وصَلِيمِ السُمُومِ، فَهي عابِسَةٌ كَما الخاشِعُ عابِسٌ يَكادُ يَبْكِي، و"الماءُ المُنَزَّلُ" هو المَطَرُ، و"اهْتِزازُ الأرْضِ" هو تَخَلْخُلُ أجْزائِها بِالماءِ وتَشَقُّقُها لِلنَّباتِ، و"رَبُّوُها" هو انْتِفاخُها بِالماءِ وعُلُوُّ سَطْحِها بِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَرَبَتْ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ: "وَرَبَأتْ" بِألْفِ مَهْمُوزَةٍ، ورَواها الرَواسِيُّ عن أبِي عَمْرُو، وهو أيْضًا بِمَعْنى: عَلَتْ وارْتَفَعَتْ، ومِنهُ الرَبِيئَةُ وهو الَّذِي يَرْتَفِعُ حَتّى يُرْصَدَ لِلْقَوْمِ، ثُمَّ ذَكَّرَ تَعالى بِالأمْرِ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُقاسَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ والعِبْرَةِ، وذَلِكَ إحْياءُ المَوْتى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: ﴾ عُمُومٌ، و"الشَيْءُ" في اللُغَةِ: المَوْجُودُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أفَمَن يُلْقى في النارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِكْرِ لَمّا جاءَهم وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ﴾ ﴿ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ ﴿ ما يُقالُ لَكَ إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ ﴾ هَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ، و"الإلْحادُ": المَيْلُ، وهو هاهُنا عَنِ الحَقِّ، ومِنَ "الإلْحادِ" لِحَدِّ المَيِّتِ؛ لِأنَّهُ في جانِبٍ، يُقالُ: لَحَدَ الرَجُلُ وألْحَدَ بِمَعْنى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "يُلْحِدُونَ" ﴾ بِضَمِّ الياءِ مَن ألْحَدَ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "يَلْحَدُونَ" بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ مِن لَحَدَ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الإلْحادِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ، ما هُوَ؟
فَقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الإلْحادُ بِالتَكْذِيبِ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: الإلْحادُ بِالمُكاءِ والصَفِيرِ واللَغْوِ الَّذِي ذَهَبُوا إلَيْهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إلْحادُهم هو أنْ يُوضَعَ الكَلامُ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، ولَفْظَةُ الإلْحادِ تَعُمُّ هَذا كُلَّهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا ﴾ أيْ: فَنَحْنُ بِالمِرْصادِ لَهم وسَنُعَذِّبُهُمْ، ثُمَّ قَرَّرَهم تَعالى عَلى هَذَيْنَ القِسْمَيْنِ أنَّهُما خَيْرٌ؟
وهَذا التَقْرِيرُ هُمُ المُرادُ بِهِ، أيْ: فَقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: [أفَمَن]، قالَ مُقاتِلُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي جَهْلٍ، وفي عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقِيلَ: في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وحَسُنَ التَفْضِيلُ هُنا بَيْنَ الإلْقاءِ في النارِ والأمْنِ يَوْمَ القِيامَةِ - وإنْ كانا لا يَشْتَرِكانِ في صِفَةِ الخَيْرِ - مِن حَيْثُ كانَ الكَلامُ تَقْرِيرًا لا مُجَرَّدَ خَبَرٍ؛ لِأنَّ المُقَرِّرَ قَدْ يُقَرِّرُ خَصْمَهُ عَلى قِسْمَيْنِ أحَدُهُما بَيِّنُ الفَسادِ، حَتّى يَرى جَوابَهُ، فَعَساهُ يَقَعُ في الفاسِدِ المَعْنى، فَيُبَيِّنُ جَهْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ واسْتِيعابُ القَوْلِ في هَذا المَعْنى، ولا يَتَّجِهُ هُنا أنْ يُقالَ: خاطَبَ عَلى مُعْتَقَدِهِمْ كَما يَتَّجِهُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا ﴾ فَتَأمَّلْهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ﴾ وعِيدٌ في صِيغَةِ الأمْرِ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، ودَلِيلُ الوَعِيدِ ومُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ .
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِكْرِ لَمّا جاءَهُمْ ﴾ ، يُرِيدُ تَعالى قُرَيْشًا، و"الذِكْرُ": القُرْآنُ بِإجْماعٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في الخَبَرِ عنهُمْ، أيْنَ هُوَ؟
فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ ، ذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ بِلالَ بْنَ أبِي بُرْدَةَ سَألَ عن هَذا في مَجْلِسِهِ وقالَ: لَمْ أجِدْ لَها نَفاذًا، فَقالَ لَهُ أبُو عَمْرُو بْنُ العَلاءِ: إنَّهُ مِنكَ لِقَرِيبٌ، ﴿ أُولَئِكَ يُنادَوْنَ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَرُدُّ هَذا النَظَرُ كَثْرَةَ الحائِلِ، وأنَّ هُنالِكَ قَوْمًا قَدْ ذَكَرُوا بِحُسْنِ رَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ يُنادَوْنَ ﴾ عَلَيْهِمْ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الخَبَرُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِكْرِ لَمّا جاءَهم هَلَكُوا أو ضَلُّوا، وقالَ بَعْضُ نُحاةِ الكُوفَةِ: الجَوابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ﴾ ، حَكى ذَلِكَ الطَبَرِيُّ، وهو ضَعِيفٌ لا يَتَّجِهُ، وسَألَ عِيسى بْنُ عُمَرَ عَمْرُو بْنَ عُبَيْدٍ عن هَذا، فَقالَ عَمْرُو: مَعْناهُ في التَفْسِيرِ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِكْرِ لَمّا جاءَهُمْ، كَفَرُوا بِهِ وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ، فَقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: أجَدْتُ يا أبا عُثْمانَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يُحْسِنُ في هَذا هو إضْمارُ الخَبَرِ، ولَكِنَّهُ عِنْدَ قَوْمٍ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ الَّذِي قَدَّرَهُ هَؤُلاءِ فِيهِ، وإنَّما هو بَعْدُ ﴿ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ ، وهو أشَدُّ إظْهارًا لِمَذَمَّةِ الكَفّارِ بِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَكِتابٌ ﴾ داخِلٌ في صِفَةِ الذِكْرِ المُكَذَّبِ بِهِ، فَلَمْ يَتِمُّ ذِكْرُ المُخْبَرِ عنهُ، إلّا بَعْدَ اسْتِيفاءِ وصْفِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: أتُخالِفُ زَيْدًا وهو العالِمُ الوَدُودُ، الَّذِي مِن شَأْنِهِ ومِن أمْرِهِ، فَهَذِهِ كُلُّها أوصافٌ.
ووَصَفَ تَعالى الكِتابَ بِالعِزَّةِ، لِأنَّهُ بِصِحَّةِ مَعانِيهِ مُمْتَنِعُ الطَعْنِ فِيهِ والإزْراءِ عَلَيْهِ، وهو مَحْفُوظٌ مِنَ اللهِ تَعالى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: كَرِيمٌ عَلى اللهِ تَعالى، قالَ مُقاتِلٌ: مَنِيعٌ مِنَ الشَيْطانِ، قالَ السَدِّيُّ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ ، قالَ قَتادَةُ، والسَدَّيُّ: يُرِيدُ الشَيْطانَ، وظاهِرُ اللَفْظِ يَعُمُّ الشَيْطانُ وأنْ يَجِيءَ أمْرٌ يُبْطِلُ مِنهُ شَيْئًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ مَعْناهُ: لَيْسَ فِيما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ ما يُبْطِلُ شَيْئًا مِنهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا مِن خَلْفِهِ ﴾ أيْ: لَيْسَ يَأْتِي بَعْدَهُ مِن نَظَرِ ناظِرٍ وفِكْرَةِ عاقِلٍ ما يُبْطِلُ أشْياءَ مِنهُ، والمُرادُ بِاللَفْظِ عَلى الجُمْلَةِ: لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "تَنْزِيلٌ" ﴾ خَبَرُ ابْتِداءٍ، أيْ: هو تَنْزِيلٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يُقالُ لَكَ إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ عن مَقالاتِ قَوْمِهِ، أيْ: ما تَلْقى يا مُحَمَّدُ مِنَ المَكْرُوهِ مِنهُمْ، ولا يَقُولُونَ لَكَ مِنَ الأقْوالِ المُؤْلِمَةِ، إلّا ما قَدْ قِيلَ ولَقِيَ بِهِ مِن تَقَدُّمِكَ مِنَ الرُسُلِ، فَلْتَتَأسَّ بِهِمْ، ولْتَمْضِ لِأمْرِ اللهِ ولا يُهِمُّكَ شَأْنُهُمْ، والمَعْنى الثانِي: أنْ تَكُونَ الآيَةُ تَخْلِيصًا لِمَعانِي الشَرْعِ، أيْ: ما يُقالُ لَكَ مِنَ الوَحْيِ وتُخاطَبُ بِهِ مِن جِهَةِ اللهِ تَعالى، إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ، ثُمَّ فَسَّرَ اللهُ تَعالى ذَلِكَ الَّذِي قِيلَ لِجَمِيعِهِمْ وهُوَ: ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ ﴾ لِلطّائِعِينَ، ﴿ وَذُو عِقابٍ ألِيمٍ ﴾ لِلْكافِرِينَ، وفي هَذِهِ الكَلِماتِ جِماعُ النَهْيِ والزَجْرِ والمَوْعِظَةِ، وإلَيْها يَرْجِعُ كُلُّ نَظَرٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ ﴾ ﴿ مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ الأعْجَمِيُّ هو الَّذِي لا يُفْصِحُ عَرَبِيًّا كانَ أو غَيْرَ عَرَبِيٍّ، والعَجَمِيُّ: الَّذِي لَيْسَ مِنَ العَرَبِ فَصِيحًا كانَ أو غَيْرَ فَصِيحٍ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ تَخْلِيطٍ كانَ مِن قُرَيْشٍ في أقْوالِهِمْ، مِن أجْلِ الحُرُوفِ الَّتِي وقَعَتْ في القُرْآنِ وهي مِمّا عُرِّبَ مِن كَلامِ العَجَمِ كالسِجِّينِ والإسْتَبْرَقِ ونَحْوَهُ، فَقالَ عَزَّ وجَلَّ: ولَوْ جَعَلْنا هَذا القُرْآنَ أعْجَمِيًّا لا يُبَيِّنَ لَقالُوا واعْتَرَضُوا: لَوْلا بَيَّنْتَ آياتِهِ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ ﴾ ، فَقِراءَةُ الجُمْهُورِ عَلى الِاسْتِفْهامِ وهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ قَبْلَ الألْفِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وَحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْمَشُ: [أأعْجَمِيٌّ] بِهَمْزَتَيْنِ، وكَأنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ: لَوْلا بُيِّنَ، أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ مُخْتَلِطٌ؟
هَذا لا يَحْسُنُ، وتَأوَّلَ ابْنُ جُبَيْرٍ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِمْ: أتَجِيئُنا عُجْمَةٌ ونَحْنُ- عَرَبٌ؟
ما لَنا ولِلْعُجْمَةِ؟
وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، وأبُو الأُسُودِ، والجَحْدَرِيُّ، وسَلامٌ، والضَحّاكُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عامِرٍ - بِخِلافٍ عنهُما -: [أعْجَمِيٌّ] دُونَ اسْتِفْهامٍ وبِسُكُونِ العَيْنِ، كَأنَّهم قالُوا: أعُجْمَةٌ وإعْرابٌ.؟
إنَّ هَذا لِشاذٌّ، أوكَأنَّهم قالُوا: لَوْلا فُصِلَ فَصْلَيْنِ، فَكانَ بَعْضُهُ أعْجَمِيًّا يَفْهَمُهُ العَجَمُ، وبَعْضُهُ عَرَبِيًّا يَفْهَمُهُ العَرَبُ؟
وهَذا تَأْوِيلٌ لِابْنِ جُبَيْرٍ أيْضًا، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: [أعَجَمِيٌّ] بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ دُونَ مَدٍّ وبِفَتْحِ العَيْنِ، فَأخْبَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عنهم أنَّهُ لَوْ كانَ عَلى أيِّ وجْهٍ تُخُيِّلَ، لَكانَ لَهم قَوْلٌ واعْتِراضٌ فاسِدٌ، هَذا مَقْصَدُ الكَلامٍ.
وأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ لَهُمْ: إنَّ القُرْآنَ هُدًى وشِفاءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ المُبْصِرِينَ لِلْحَقائِقِ، وأنَّهُ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ولا يُصَرِّفُونَ نَظَرَهم وحَواسَّهم في المَصْنُوعاتِ عَمًى؛ لِأنَّهم في آذانِهِمْ وقْرٌ، وعَلى قُلُوبِهِمْ أقْفالٌ، وعَلى أعْيُنِهِمْ غِشاوَةٌ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ بِـ"هُوَ" القُرْآنُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: [وَهُوَ] يُرِيدُ بِهِ الوَقْرُ، والوَقْرُ: الثِقْلُ في الأُذُنِ المانِعُ مِنَ السَمْعِ، وهَذِهِ كُلُّها اسْتِعاراتٌ، أيْ: هم لَمّا لَمْ يَفْهَمُوا ولا حَصَّلُوا؛ كالأعْمى وصاحِبِ الوَقْرِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُعاوِيَةُ، وعَمْرُو بْنُ العاصِي: [وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمٍ] بِكَسْرِ المِيمِ مُنَوَّنَةً، وقالَ يَعْقُوبُ: لا أدْرِي أنَوَّنُوا أمْ فَتَحُوا الياءَ عَلى الفِعْلِ الماضِي، وبِغَيْرِ ياءٍ رَواها عَمْرُو بْنُ دِينارٍ، وسُلَيْمانُ بْنُ قَتَّةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذِهِ القِراءَةُ أيْضًا فِيها اسْتِعارَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ يُنادَوْنَ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، وكَلاهُما مَقُولٌ لِلْمُفَسِّرِينَ: أحَدُهُما أنَّها اسْتِعارَةٌ لِقِلَّةٍ فَهِمَهُمْ، شَبَّهَهم بِالرَجُلِ يُنادى عَلى بُعْدٍ يَسْمَعُ مِنهُ الصَوْتَ ولا تَفْهَمُ تَفاصِيلَهُ ولا مَعانِيهِ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، والآخِرُ أنَّ الكَلامَ عَلى الحَقِيقَةِ، وأنَّ المَعْنى: أنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ يُنادُونَ بِكُفْرِهِمْ وقَبِيحِ أعْمالِهِمْ مِن بُعْدٍ، حَتّى يَسْمَعَ ذَلِكَ أهْلُ المُوَقِّفِ، فَتَعْظُمُ السُمْعَةُ عَلَيْهِمْ ويَحُلُّ المُصابُ، وهَذا تَأْوِيلُ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ.
ثُمَّ ضَرَبَ تَعالى أمْرَ مُوسى مَثَلًا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ ولِقُرَيْشٍ، أيْ: فِعْلُ أُولَئِكَ كَأفْعالٍ هَؤُلاءِ، حِينَ جاءَهم مِثْلُ ما جاءَ هَؤُلاءِ، و"الكَلِمَةُ السابِقَةُ" هي حَتْمُ اللهِ تَعالى بِتَأْخِيرِ عَذابِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَفِي شَكٍّ مِنهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أو عَلى كِتابِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ﴾ الآيَةُ.
نَصِيحَةٌ بَيِّنَةٌ لِلْعالَمِ وتَحْذِيرٌ وتَرْجِيَةٌ وصَدْعٌ بَيْنَ اللهِ تَعالى لا يَجْعَلُ شَيْئًا مِن عُقُوباتِ عَبِيدِهِ في غَيْرِ مَوْضِعِها، بَلْ هو العادِلُ المُتَفَضِّلُ الَّذِي يُجازِي كُلَّ عَبْدٍ بِتَكَسُّبِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الساعَةِ وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ ﴾ ﴿ وَضَلَّ عنهم ما كانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ ﴾ ﴿ لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ﴾ ﴿ وَلَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي وما أظُنُّ الساعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ ﴾ المَعْنى: أنَّ وقْتَ عِلْمِ الساعَةِ ومَجِيئِها يَرُدُّهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ مُتَكَلِّمٍ فِيهِ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وذَكَرَ تَعالى الثِمارَ وخُرُوجَها مِنَ الأكْمامِ وحَمْلَ الإناثِ مِثالًا لِجَمِيعِ الأشْياءِ؛ إذْ كَلُّ شَيْءٍ خَفِيٌّ، فَهو في حُكْمِ هَذَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: [مِن ثَمَرَةِ] بِالإفْرادِ عَلى أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: [مِن ثَمَراتِ] بِالجَمْعِ، واخْتَلَفَ عن عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والأعْرَجِ، والحَسَنِ - بِخِلافٍ - وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "فِي ثَمَرَةٍ".
و"الأكْمامُ" جَمْعُ كُمٍّ، وهو غِلافُ التَمْرِ قَبْلَ ظُهُورِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ ﴾ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ يَوْمَ يُنادِيهِمْ، والضَمِيرُ في ﴿ "يُنادِيهِمْ" ﴾ ظاهِرُهُ والأسْبَقُ فِيهِ أنَّهُ يُرِيدُ بِهِ الكُفّارَ عَبَدَةَ الأوثانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ كُلَّ مَن عُبِدَ مَن دُونِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى مِن إنْسانٍ وغَيْرِهِ، وفي هَذا ضَعْفٌ.
وأمّا الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَضَلَّ عنهُمْ ﴾ فَلا احْتِمالٌ لِعَوْدَتِهِ، إلّا عَلى الكُفّارِ.
و[آذَنّاكَ] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: أعْلَمْناكَ ما مِنّا مِن يَشْهَدُ ولا مَن شَهِدَ بِأنَّ لَكَ شَرِيكًا.
و" ضَلَّ عنهم " أيْ نَسُوا ما كانُوا يَقُولُونَ في الدُنْيا ويَدْعُونَ مِنَ الآلِهَةِ والأصْنامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وضَلَّ عنهُمُ الأصْنامَ، أيْ تَلْفِتُ عنهُمْ، فَلَمْ يَجِدُوا مِنها نَصْرًا وتَلاشى لَهم أمْرَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ [وَظَنُّوا]﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِما قَبِلَهُ ويَكُونُ الوَقْفُ عَلَيْهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ما لَهم مِن مَحِيصٍ ﴾ اسْتِئْنافٌ، نَفى أنْ يَكُونَ لَهم مَنجى أو مَوْضِعُ رَوَغانِ، تَقُولُ: حاصَ الرَجُلُ، إذا راغَ يَطْلُبُ النَجاةَ مِن شَيْءٍ، ومِنهُ في الحَدِيثِ: « "فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إلى الأبْوابِ"،» ويَكُونُ الظَنُّ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - عَلى بابِهِ، أيْ: ظَنُّوا أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ ﴿ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ ﴾ مَنجاةٌ لَهم أو أمْرٌ يُمَوِّهُونَ بِهِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الوَقْفُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ ، ويَكُونُ [وَظَنُّوا] مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما لَهم مِن مَحِيصٍ ﴾ ، أيْ: ظَنُّوا ذَلِكَ، ويَكُونُ الظَنُّ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - بِمَعْنى اليَقِينِ، وبِهِ فَسَّرَ السَدِّيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ عِبارَةٌ يُطْلِقُها أهْلُ اللِسانِ عَلى الظَنِّ، ولَسْتَ تَجِدُ ذَلِكَ، إلّا فِيما عَلِمَ عِلْمًا قَوِيًّا وتَقَرَّرَ في النَفْسِ ولَمْ يَتَلَبَّسْ بِهِ بَعْدُ، وإلّا فَمَتى تَلْبَسُ بِالشَيْءِ وحَصَلَ تَحْتَ إدْراكِ الحَواسِّ، فَلَسْتُ تَجِدُهم يُوقِعُونَ عَلَيْهِ لَفْظَةَ الظَنِّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْأمُ الإنْسانُ ﴾ آياتٌ نَزَلَتْ في كُفّارٍ، قِيلَ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وَقِيلَ: في عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وجُلُّ الآيَةِ يُعْطِي أنَّها نَزَلَتْ في كُفّارٍ وإنْ كانَ أوَّلُها يَتَضَمَّنُ خُلُقًا رُبَّما شارَكَ فِيها بَعْضُ المُؤْمِنِينَ، و"دُعاءُ الخَيْرِ" إضافَتُهُ إضافَةُ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مِن دُعاءِ الخَيْرِ هُوَ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مِن دُعاءٍ بِالخَيْرِ" والخَيْرُ في هَذِهِ الآيَةِ: المالُ والصِحَّةُ، وبِذَلِكَ تَلِيقُ الآيَةُ بِالكافِرِينَ، وإنْ قَدَّرْناهُ خَيْرَ الآخِرَةِ فَهي لِلْمُؤْمِنِينَ، وأمّا اليَأْسُ والقَنَطُ عَلى الإطْلاقِ، فَمِن صِفَةِ الكافِرِ وحْدَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي ﴾ أيْ بِفِعْلِي وبِما سَعَيْتُ، ولا يَرى أنَّ النِعَمَ إنَّما هي بِتَفَضُّلٍ مِنَ اللهِ تَعالى، ﴿ وَما أظُنُّ الساعَةَ قائِمَةً ﴾ قَوْلٌ بَيِّنٌ فِيهِ الجُحْدُ والكُفْرُ، ثُمَّ يَقُولُ هَذا الكافِرُ: ولَئِنْ كانَ ثَمَّ رُجُوعٍ كَما تَقُولُونَ، لَتَكُونَنَّ لِي حالٌ تُرْضِينِي مِن غِنًى ومالٍ وبَنِينٍ، فَتَوَعَّدَهُمُ اللهُ تَعالى بِأنَّهُ سَيُعَرِّفُهم بِأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ مَعَ إذاقَتِهِمِ العَذابُ عَلَيْها، فَهَذا عَذابٌ وخِزْيٌ، وغَلْظَةُ العَذابِ: شِدَّتُهُ وصُعُوبَتُهُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لِلْكافِرِ أُمْنِيَّتانِ، أمّا في دُنْياهُ فَهَذِهِ: ﴿ إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى ﴾ ، وأمّا في الآخِرَةِ فَـ"لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأمانِي عَلى اللهِ تَعالى وتَرْكُ الجَدِّ في الطاعَةِ مَذْمُومٌ لِكُلِّ أحَدٍ، فَقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "الكَيِّسُ مَن دانَ نَفْسَهُ، وعَمِلَ لِما بَعْدَ المَوْتِ، والعاجِزُ مَنِ اتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها، وتَمَنّى عَلى اللهِ الأمانِيَ".» <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ ﴾ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مِن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ ﴾ ﴿ سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ ﴿ ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ﴾ ذَكَرَ اللهُ تَعالى الخُلُقَ الذَمِيمَةَ مِنَ الإنْسانِ جُمْلَةً، وهي في الكُفّارِ بَيِّنَةٌ مُتَمَكِّنَةٌ، وأمّا المُؤْمِنُ في الأغْلَبِ، فَيَشْكُرُ عِنْدَ النِعْمَةِ، وكَثِيرًا ما يَصْبِرُ عِنْدَ الشِدَّةِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسُ: ﴿ "وَنَأى"، ﴾ الهَمْزَةُ عَيْنُ الفِعْلِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَناءٍ"، الهَمْزَةُ لامُ الفِعْلِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، والمَعْنى فِيهِما واحِدٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ناءَ قَلْبُ نَأى، "رَجَعَ فَعَلَ فَلَعَ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وكُلُّ خَلِيلٍ راءَنِي فَهو قائِلٌ ∗∗∗ مِن أجْلِكِ هَذا هامَةُ اليَوْمِ أو غَدِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: وقَدْ شاءَنِي أهْلُ السِباقِ وأمْعَنُوا وَ"ناءَ" مَعْناهُ: بَعُدَ ولَمْ يَمِلْ إلى شُكْرٍ ولا طاعَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ ﴾ ، أيْ طَوِيلٍ أيْضًا، فاسْتَغْنى بِالصِفَةِ الواحِدَةِ عن لَزِيمَتِها، إذِ العَرْضُ يَقْتَضِي الطُولَ ويَتَضَمَّنُهُ، ولَمْ يَقُلْ: "طَوِيلٌ" لِأنَّ الطَوِيلَ قَدْ لا يَكُونُ عَرِيضًا، فَعَرِيضٌ أدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنْ يَقِفَ قُرَيْشًا عَلى هَذا الِاحْتِجاجِ ومَوْضِعِ تَغْرِيرِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ، فَقالَ تَعالى: قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ هَذا الشَرْعُ مِن عِنْدِ اللهِ وبِأمْرِهِ وخالَفْتُمُوهُ أنْتُمْ، ألَسْتُمْ عَلى هَلَكَةٍ مِن قِبَلِ اللهِ تَعالى؟
فَمَن أضَلُّ مِمَّنْ يَبْقى عَلى مِثْلِ هَذا الغُرُرِ مَعَ اللهِ تَعالى؟
وهَذا هو الشِقاقُ.
ثُمَّ وعَدَ تَعالى نَبِيَّهُ بِأنَّهُ سَيُرِي الكُفّارَ آياتِهِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ ﴾ فَقالَ المِنهالُ، والسَدِّيُّ، وجَماعَةٌ: هو وعْدٌ بِما يَفْتَحُهُ اللهُ تَعالى عَلى رَسُولِهِ مِنَ الأقْطارِ حَوْلَ مَكَّةَ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأرْضِ كَخَيْبَرَ ونَحْوَها، و"فِي أنْفُسِهِمْ" أرادَ بِهِ فَتْحَ مَكَّةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ يَنْتَظِمُ الإعْلامُ بِغَيْبِ ظَهْرٍ وجَوَّدَهُ بَعْدُ، كَذَلِكَ ويَجْرِي مَعَهُ لَفْظُ الِاسْتِئْنافِ الَّذِي في الفِعْلِ، وقالَ الضَحّاكُ، وقَتادَةٌ: ﴿ سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ ﴾ هو ما أصابَ الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ في أقْطارِ الأرْضِ قَدِيمًا، ﴿ وَفِي أنْفُسِهِمْ ﴾ يَوْمَ بَدْرٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وعَطاءٌ: ﴿ "الآفاقِ" ﴾ آفاقُ السَماءِ، وأرادَ بِهِ الآياتِ في الشَمْسِ والقَمَرِ والرِياحِ وغَيْرِ ذَلِكَ، و"فِي أنْفُسِهِمْ" عِبْرَةُ الإنْسانِ بِجِسْمِهِ وحَواسِّهِ وغَرِيبِ خِلْقَتِهِ وتَدْرِيجِهِ في البَطْنِ ونَحْوَ ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ آياتٌ قَدْ كانَتْ مَرْتَبَةً، فَلَيْسَ هَذا المَعْنى يَجْرِي مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "سَنُرِيهِمْ"، ﴾ والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أرْجَحُها، واللهُ أعْلَمُ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنَّهُ الحَقُّ ﴾ عائِدٌ عَلى الشَرْعِ والقُرْآنِ، فَبِإظْهارِ اللهِ تَعالى إيّاهُ وفَتْحِ البِلادِ عَلَيْهِ تَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ، ثُمَّ قالَ تَعالى وعْدًا لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: ﴿ أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ ﴾ ، والتَقْدِيرُ: أوَلَمْ يَكْفِ رَبُّكَ؟
والباءُ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، و"أنْ" يُحْتَمَلَ أنَّهُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى البَدَلِ مِنَ المَوْضِعِ؛ إذِ التَقْدِيرُ: أو لَمْ يَكْفِ رَبُّكَ؟
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى البَدَلِ مِنَ اللَفْظِ، وهَذا كُلُّهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: لِأنَّهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "[أنَّهُ]" بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: [إنَّهُ] بِكَسْرِها عَلى الِاعْتِراضِ أثْناءَ القَوْلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ [ألا]﴾ اسْتِفْتاحٌ يَقْتَضِي إقْبالَ السامِعِ عَلى ما يُقالُ لَهُ، فاسْتَفْتَحَ الإخْبارَ عَلى أنَّهم في شَكٍّ ورَيْبٍ وضَلالٍ أدّاهُمُ إلى الشَكِّ في البَعْثِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فِي مِرْيَةٍ" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنُ: [فِي مُرْيَةٍ] بِضَمِّ المِيمِ، والمَعْنى واحِدٌ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ الإخْبارَ بِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلى مَعْنى الوَعِيدِ لَهُمْ، وإحاطَتُهُ تَعالى هي بِالقُدْرَةِ والسُلْطانِ، لا إلَهَ إلّا هُوَ، العَزِيزُ الحَكِيمُ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ (حم السَجْدَةُ) والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ