المحرر الوجيز سورة الشورى

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الشورى

تفسيرُ سورةِ الشورى كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 82 دقيقة قراءة

تفسير سورة الشورى كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

حمٓ ١ عٓسٓقٓ ٢ كَذَٰلِكَ يُوحِىٓ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٣ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ ٤ تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ ۚ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى ٱلْأَرْضِ ۗ أَلَآ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٥

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ الشُورى هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مَدَنِيٌّ: [قَوْلُهُ تَعالى] ﴿ ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ  ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ بِذاتِ الصُدُورِ  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ  ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن سَبِيلٍ  ﴾ ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: إنَّ ﴿ حم  ﴾ ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ العَلِيمِ  ﴾ هَذِهِ الحُرُوفُ بِأعْيانِها نَزَلَتْ في كُلِّ كُتُبِ اللهِ تَعالى المُنَزَّلَةِ عَلى كُلِّ نَبِيٍّ أنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللهُ ﴾ .

قوله عزّ وجلّ: ﴿ حم ﴾ ﴿ عسق ﴾ ﴿ كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ ﴾ ﴿ تَكادُ السَماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللهَ هو الغَفُورُ الرَحِيمُ ﴾ فُصِلَتْ: [حم] مِن [عسق] ولَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِـ[كهيعص] لِتُجْرِيَ هَذِهِ مَجْرى الحَوامِيمِ أخَواتِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "حم عسق"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: [حم سق] بِسُقُوطِ "عَيْنٍ"، والأقْوالُ في هَذِهِ كالأقْوالِ في أوائِلِ السُورِ، ورَوى حُذَيْفَةُ حَدِيثًا في هَذا مُضَمِّنُهُ «أنَّهُ سَيَكُونُ في هَذِهِ الأُمَّةِ مَدِينَتانِ يَشُقُّهُما نَهْرٌ بِالمَشْرِقِ، تَهْلَكُ إحْداهُما لَيْلًا ثُمَّ تُصْبِحُ الأُخْرى سالِمَةً، فَيَجْتَمِعُ فِيها جَبابِرَةُ المَدِينَتَيْنِ مُتَعَجِّبِينَ مِن سَلامَتِها، فَتَهْلَكُ مِنَ اللَيْلَةِ القابِلَةِ،» وأنَّ "حم" مَعْناهُ: حُمَّ هَذِهِ الأمْرُ، و"عَيْنٌ" مَعْناهُ: عَدْلًا مِنَ اللهِ، و"سِينُ": سَيَكُونُ ذَلِكَ، و"قافٌ": مَعْناهُ: يَقَعُ ذَلِكَ بِهِمْ.

ورُوِيَ أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ يَسْتَفِيدُ عِلْمَ الفِتَنِ والحُرُوبِ مِن هَذِهِ الأحْرُفِ الَّتِي في أوائِلِ السُورِ.

والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "كَذَلِكَ" ﴾ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والإشارَةُ بِـ"ذَلِكَ" تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الأقْوالِ في الحُرُوفِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يُوحِي" بِالياءِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللهِ تَعالى، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، والجَحْدَرِيِّ، وعِيسى، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، والأعْشى عن أبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "نُوحِي" بِنُونِ العَظَمَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "اللهُ" ﴾ ابْتِداءً وخَبَرُهُ ﴿ "العَزِيزُ"، ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرَهُ: ﴿ لَهُ ما في السَماواتِ ﴾ ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "يُوحى" بِالياءِ وفَتْحِ الحاءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، والتَقْدِيرُ: يُوحى إلَيْكَ القُرْآنُ، يُوحِيهِ اللهُ تَعالى، وكَما قالَ الشاعِرُ: لِيُبْكَ يَزِيدُ ضارَعٌ لِخُصُومَةٍ ومَنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ  ﴾ ﴿ رِجالٌ  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ﴾ يُرِيدُ: مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ الكُتُبُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُ ما في السَماواتِ ﴾ أيِ المُلْكِ والخَلْقِ والِاخْتِراعِ، و"العَلِيُّ" مِن عُلُوِّ القَدْرِ والسُلْطانِ، و"العَظِيمُ" كَذَلِكَ، ولَيْسَ بِعُلُوِّ مَسافَةً ولا عِظَمَ جِرْمٍ، تَعالى اللهُ عن ذَلِكَ.

وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "يَكادُ" بِالياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ: "تَكادُ" بِالتاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ونافِعٌ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وقَتادَةُ: "يَتَفَطَّرْنَ" مِن "التَفَطُّرِ"، وهو مُطاوِعُ "فَطَّرَ"، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، والجَحْدَرِيُّ: [يَنْفَطِرْنَ] مِن "الانْفِطارِ"، وهو مُطاوِعُ "فَطَّرَ"، والمَعْنى فِيهِما: يَتَصَدَّعْنَ ويَتَشَقَّقْنَ مِن سُرْعَةِ جَرْيِهِنَّ خُضُوعًا وخَشْيَةً مِن سُلْطانِ اللهِ تَعالى، وتَعْظِيمًا لَهُ وطاعَةً، وما وقَعَ لِلْمُفَسِّرِينَ هُنا مِن ذِكْرِ الثُقْلِ ونَحْوَهُ مَرْدُودٌ، وذَلِكَ لِأنَّ اللهَ تَعالى لا يُوصَفُ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن فَوْقِهِنَّ ﴾ أيْ: مِن أعْلاهُنَّ، وقالَ الأخْفَشُ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: الضَمِيرُ لِلْكُفّارِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى: مِن فَوْقِ الفِرَقِ والجَماعاتِ المُلْحِدَةِ الَّتِي مِن أجْلِ أقْوالِها تَكادُ السَماواتُ يَتَفَطَّرْنَ، فَهَذِهِ الآيَةُ - عَلى هَذا - كالآيَةِ الَّتِي في ﴿ "كهيعص"،  ﴾ وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِن فَوْقِ الأرْضِينَ، إذْ قَدْ جَرى ذِكْرُ الأرْضِ، وذَكَرَ الزَجّاجُ أنَّهُ قُرِئَ: "يَتَفَطَّرُنَّ مِمَّنْ فَوْقَهُنَّ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: يَقُولُونَ سُبْحانَ اللهِ، وقِيلَ مَعْناهُ: يُصَلُّونَ لِرَبِّهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ النَسْخَ لا يَتَصَوَّرُ في الأخْبارِ.

وقالَ السُدِّيُّ ما مَعْناهُ: إنَّ ظاهَرَ الآيَةِ العُمُومُ، ومَعْناها الخُصُوصُ في المُؤْمِنِينَ، فَكَأنَّهُ قالَ: ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، إذِ الكُفّارُ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكَةُ والناسُ أجْمَعِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هي عَلى عُمُومِها، لَكِنَّ اسْتِغْفارَ المَلائِكَةِ لَيْسَ بِطَلَبِ غُفْرانِ اللهِ تَعالى لِلْكَفَرَةِ عَلى أنْ يَبْقَوْا كَفَرَةً، وإنَّما اسْتِغْفارُهم لَهم بِمَعْنى طَلَبِ الهِدايَةِ الَّتِي تُؤَدِّي إلى الغُفْرانِ لَهُمْ، وكَأنَّ المَلائِكَةَ تَقُولُ: اللهُمَّ، اهْدِ أهْلَ الأرْضِ واغْفِرْ لَهُمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلُ تَأْكِيدَهُ صِفَةَ الغُفْرانِ والرَحْمَةَ لِنَفْسِهِ بِالِاسْتِفْتاحِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا إنَّ اللهَ هو الغَفُورُ الرَحِيمُ ﴾ ، أيْ لَمّا كانَ الِاسْتِغْفارُ لِجَمِيعِ مَن في الأرْضِ يَبْعُدُ أنْ يُجابَ رَجّى عَزَّ وجَلَّ بِأنِ اسْتَفْتَحَ الكَلامَ تَهْيِئَةً لِنَفْسِ السامِعِ، فَقالَ تَعالى: ألا إنَّ اللهَ هو الَّذِي يَطْلُبُ هَذا مِنهُ إذْ هَذِهِ أوصافُهُ، وهو سُبْحانَهُ أهْلُ المَغْفِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍۢ ٦ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّۭا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ فَرِيقٌۭ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌۭ فِى ٱلسَّعِيرِ ٧ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِۦ ۚ وَٱلظَّـٰلِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍ ٨ أَمِ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ۖ فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِىُّ وَهُوَ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ أوحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَعِيرِ ﴾ ﴿ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظالِمُونَ ما لَهم مَن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ ﴿ أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ فاللهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ هَذِهِ آيَةُ تَسْلِيَةٍ لِلنَّبِيِّ  ، ووَعِيدٍ لِلْكُفّارِ، وإزالَةٍ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ جَمِيعَ الكَلَفِ سِوى التَبْلِيغِ فَقَطْ، لِئَلّا يَهْتَمُّ بِعَدَمِ إيمانِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، فَقالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الأصْنامَ والأوثانَ أولِياءَ مَن دُونِ اللهِ، اللهُ هو الحَفِيظُ عَلَيْهِمْ كَفَّرَهُمُ، المُحْصِي لِأعْمالِهِمِ، المُجازِي لَهم عَلَيْها بِعَذابِ الآخِرَةِ، وأنْتَ فَلَسْتَ بِوَكِيلٍ عَلَيْهِمْ ولا مُلازِمٍ لِأمْرِهِمْ حَتّى يُؤْمِنُوا، و"الوَكِيلُ": المُقِيمُ عَلى الأمْرِ، وما في هَذا اللَفْظِ مِن مُوادَعَةٍ فَهو مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أوحَيْنا إلَيْكَ ﴾ ، أيْ: وكَما قَضَيْنا أمْرَكَ هَكَذا وأمْضَيْناهُ في هَذِهِ الصُورَةِ، كَذَلِكَ أوحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا مُبَيِّنًا لَهُمْ، لا يَحْتاجُونَ مَعَهُ إلى آخَرَ سِواهُ؛ إذْ فَهْمُهُ مُتَأتٍّ لَهُمْ، ولَمْ يُكَلِّفْكَ إلّا إنْذارَ مَن ذُكِرَ، و"أُمُّ القُرى" هي مَكَّةُ، والمُرادُ أهْلُ مَكَّةَ، ولِذَلِكَ عَطَفَ "مَن" عَلَيْها، وهي في الأغْلَبِ لِمَن يَعْقِلُ، و"يَوْمَ الجَمْعِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ، واقْتَصَرَ في "تُنْذِرَ" عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ لِأنَّ المَعْنى: وتُنْذَرُ أُمُّ القُرى العَذابَ وتُنْذِرُ الناسَ يَوْمَ الجَمْعِ، لِاجْتِماعِ أهْلِ الأرْضِ بِأهْلِ السَماءِ، أو لِاجْتِماعِ بَنِي آدَمَ لِلْعَرْضِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ أيْ في نَفْسِهِ وذاتِهِ، وارْتِيابُ الكُفّارِ بِهِ لا يُقَيِّدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَرِيقٌ" مُرْتَفِعٌ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ المُضْمَرِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: هم فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَعِيرِ.

ثُمَّ قَوّى تَبارَكَ وتَعالى تَسْلِيَةَ نَبِيِّهِ  بِأنْ عَرَّفَهُ أنَّ الأمْرَ مَوْقُوفٌ عَلى مَشِيئَةِ اللهِ مِن إيمانِهِمْ أو كُفْرِهِمْ، وأنَّهُ لَوْ أرادَ كَوْنَهم أُمَّةً واحِدَةً لَجَمَعَهم عَلَيْهِ، ولَكِنَّهُ يُدْخِلُ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَعادَةُ عِنْدَهُ في رَحْمَتِهِ، ويُيَسِّرُهُ في الدُنْيا لِعَمَلِ أهْلِ السَعادَةِ، وإنَّ الظالِمِينَ بِالكُفْرِ المُيَسَّرِينَ لِعَمَلِ الشِقْوَةِ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أمِ اتَّخَذُوا" ﴾ كَلامٌ مُنْقَطِعٌ مِمّا قَبْلَهُ، ولَيْسَتْ مُعادَلَةً، ولَكِنَّ الكَلامَ كَأنَّهُ أضْرَبَ عن حُجَّةٍ لَهم أو مُقالَةٍ مُقَرَّرَةٍ، فَقالَ: بَلِ اتَّخَذُوا، هَذا مَشْهُورُ قَوْلِ النَحْوِيِّينَ في مِثْلِ هَذا، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ "أمْ" هَذِهِ هي بِمَنزِلَةِ ألْفِ الِاسْتِفْهامِ دُونَ تَقْدِيرِ إضْرابٍ، ثُمَّ أثْبَتَ تَعالى الحُكْمَ بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ هو الوَلِيُّ الَّذِي تَنْفَعُ وِلايَتَهُ، وأنَّهُ هو الَّذِي يُحْيِي المَوْتى ويَحْشُرُهم إلى الآخِرَةِ ويَبْعَثُهم مِن قُبُورِهِمْ، وأنَّ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تُعْطِي هَذا وتَقْتَضِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍۢ فَحُكْمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ١٠ فَاطِرُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًۭا وَمِنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ أَزْوَٰجًۭا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌۭ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ١١ لَهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ ١٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللهِ ذَلِكُمُ اللهِ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ ﴿ فاطِرُ السَماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَمِيعُ البَصِيرُ ﴾ ﴿ لَهُ مَقالِيدُ السَماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ: وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ أيُّها الناسُ مِن تَكْذِيبٍ وتَصْدِيقٍ وإيمانٍ وَكُفْرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فالحُكْمُ فِيهِ والمُجازاةُ عَلَيْهِ لَيْسَتْ إلَيَّ ولا بِيَدِي، وإنَّما ذَلِكَ إلى اللهِ الَّذِي صِفاتُهُ ما ذَكَرَ مِن إحْياءِ المَوْتى والقُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ قالَ: ذَلِكُمُ اللهُ رَبِّي، وعَلَيْهِ تَوَكُّلِي، وإلَيْهِ إنابَتِي ورُجُوعِي، وهو فاطِرُ السَماواتِ والأرْضِ، أيْ مُخْتَرِعُها وخالِقُها، شَقَّ بَعْضُها مِن بَعْضٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ﴾ يُرِيدُ: زَوَجَ الإنْسانِ الأُنْثى، وبِهَذِهِ النِعْمَةِ اتَّفَقَ الذَرْءُ، ولَيْسَتِ الأزْواجُ هاهُنا الأنْواعَ، وأمّا الأزْواجُ المَذْكُورَةُ مَعَ الأنْعامِ فالظاهِرُ أيْضًا والمُتَّسِقُ: أنَّهُ يُرِيدُ إناثَ الذُكْرانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الأنْواعَ، والأوَّلُ أظْهَرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَذْرَؤُكم فِيهِ ﴾ أيْ يَخْلُقُكم نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ، وقَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ والناسُ، فَلَفْظَةُ "ذَرَأ" تَزِيدُ عَلى لَفْظَةِ "خَلَقَ" مَعْنًى آخَرَ لَيْسَ في "خَلَقَ"، وهو تَوالِي الطَبَقاتِ عَلى مَرِّ الزَمانِ، وقَوْلُهُ: "فِيهِ" الضَمِيرُ عَلى "الجَعْلِ" الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ ﴾ ، وهَذا كَما تَقُولُ: كَلَّمْتُ زَيْدًا كَلامًا أكْرَمْتُهُ فِيهِ، وقالَ العُتْبِيُّ: الضَمِيرُ لِلتَّزْوِيجِ، ولَفْظَةُ "فِي" مُشْتَرَكَةٌ عَلى مَعانٍ وإنْ كانَ أصْلُها الوِعاءُ، وإلَيْهِ يَرُدُّها النَظَرُ في كُلِّ وجْهٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ، الكافُ مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّشْبِيهِ، فَنَفْيُ التَشْبِيهِ أوكَدُ ما يَكُونُ، وذَلِكَ أنَّكَ تَقُولُ: زَيْدٌ كَعَمْرُو، وزَيْدٌ مِثْلُ عَمْرُو، فَإذا أرَدْتَ المُبالَغَةَ التامَّةَ قُلْتُ: زَيْدٌ كَمِثْلِ عَمْرُو، ومِن هَذا قَوْلُ أوسِ بْنِ حَجَرٍ: وقَتْلى كَمِثْلِ جُذُوعِ النَخِيلِ ∗∗∗ تَغَشّاهُمُ مُسْبِلٌ مُنْهَمِرُ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذا أبْصَرْتَ فَضْلَهم ∗∗∗ ∗∗∗ ما إنْ كَمِثْلِهِمْ في الناسِ مِن أحَدٍ فَجَرَتِ الآيَةُ في هَذا المَوْضِعِ عَلى عُرْفِ كَلامِ العَرَبِ، وتَفْتَرِقُ الآيَةُ مَعَ هَذِهِ الشَواهِدِ في أنَّ الشَواهِدَ مَتى أرَدْتَ أنْ تَتَّبِعَ بِذِهْنِكَ هَذا اللَفْظَ فَتُقَدِّرُ لِلْجُذُوعِ مِثْلًا مَوْجُودًا وتَشْبِهِ القَتْلى بِذَلِكَ المِثْلِ أمْكَنَكَ، أو لا يُمْكِنُكَ هَذا في جِهَةِ اللهِ تَعالى إلّا أنْ تَجْعَلَ المِثْلَ ما يَتَحَصَّلُ في الذِهْنِ مِنَ العِلْمِ بِاللهِ تَعالى، إذِ المَثَلُ والمِثالُ واحِدٌ.

وذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّ المَعْنى: "لَيْسَ كَهَوٍ شَيْءٌ"، وقالُوا: لَفْظَةُ "مِثْلُ" في الآيَةِ تَوْكِيدٌ أو واقِعَةٌ مَوْقِعَ هو.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِمّا يُؤَيِّدُ دُخُولَ الكافِ تَأْكِيدًا أنَّها قَدْ تَدْخُلُ عَلى الكافِ نَفْسِها، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: وصالِياتٍ كَكَما يُؤْثَفَيَنْ ، وَ"المَقالِيدُ": المَفاتِيحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: أصْلُها بِالفارِسِيَّةِ، وهي هاهُنا اسْتِعارَةٌ لَوُقُوعِ كُلِّ أمْرٍ تَحْتَ قُدْرَتِهِ، وقالَ السَدِّيُّ: المَقالِيدُ: الخَزائِنُ، وفي العِبارَةِ -عَلى هَذا- حَذْفُ مُضافٍ، قالَ قَتادَةُ: مَن مَلَكَ مَقالِدَ خَزائِنٍ، فالخَزائِنُ في مُلْكِهِ، وبَسْطُ الرِزْقِ وقَدْرُهُ بَيِّنٌ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.

<div class="verse-tafsir"

۞ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحًۭا وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِۦٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓ ۖ أَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا۟ فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ ٱللَّهُ يَجْتَبِىٓ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ١٣ وَمَا تَفَرَّقُوٓا۟ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى لَّقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِنۢ بَعْدِهِمْ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ مُرِيبٍۢ ١٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ شَرَعَ لَكم مِنَ الدِينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِينِ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مِنَ يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مِنَ يُنِيبُ ﴾ ﴿ وَما تَفَرَّقُوا إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ ﴾ المَعْنى: شَرَعَ اللهُ تَعالى لَكم وبَيَّنَ مَنِ المُعْتَقَداتِ والتَوْحِيدِ ما وصّى بِهِ نُوحًا قَبْلُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "والَّذِي" ﴾ عَطْفٌ عَلى "ما"، وكَذَلِكَ ما ذُكِرَ بَعْدَ مِن إقامَةُ الدِينِ مَشْرُوعٌ اتَّفَقَتِ النُبُوّاتُ فِيهِ، وذَلِكَ في المُعْتَقَداتِ أو في جُمْلَةِ أمْرِها مِن أنَّ كُلَّ نُبُوَّةٍ فَإنَّما مُضَمَّنُها مُعْتَقَداتٌ وأحْكامٌ، فَيَجِيءُ المَعْنى عَلى هَذا: شَرَعَ لَكم شِرْعَةً هي كَشِرْعَةِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى عَلَيْهِمُ السَلامُ في أنَّها ذاتِ المُعْتَقَداتِ المَشْهُورَةِ الَّتِي هي في كُلِّ نُبُوءَةٍ، وذاتُ أحْكامٍ كَما كانَتْ تِلْكَ كُلُّها، وعَلى هَذا يَتَخَرَّجُ ما حَكاهُ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ، فَقالَ: ﴿ ما وصّى بِهِ نُوحًا ﴾ يُرِيدُ: الحَلالُ والحَرامُ، وعَلَيْهِ رَوِيٌّ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ أوَّلُ مَن أتى بِتَحْرِيمِ البَناتِ والأُمَّهاتِ، وأمّا الأحْكامُ بِانْفِرادِها فَهي في الشَرائِعِ مُخْتَلِفَةٌ، وهي المُرادُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا  ﴾ ، و"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ أقِيمُوا الدِينَ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعٍ نَصُبُّ بَدَلًا مِن "ما"، ويَجُوزُ في مَوْضِعٍ خَفَّضَ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في "بِهِ"، أو في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ أنْ، و[يَجُوزُ] أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى: "أيْ" لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، و"إقامَةُ الدِينِ" هو تَوْحِيدُ اللهِ تَعالى ورَفَضَ ما سِواهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَتَفَرَّقُوا ﴾ نَهْيٌ عَنِ المُهْلِكِ مِن تَفَرُّقِ الأنْحاءِ والمَذاهِبِ، والخَيْرُ كُلُّهُ في الأُلْفَةِ واجْتِماعِ الكَلِمَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِصُعُوبَةِ مَوْقِعِ هَذِهِ الدَعْوَةِ إلى إقامَةِ الدِينِ عَلى المُشْرِكِينَ بِاللهِ تَعالى العابِدِينَ الأصْنامَ.

قالَ قَتادَةُ: كُبُرَتْ عَلَيْهِمْ: "لا إلَهَ إلّا اللهَ"، وأبى اللهُ تَعالى إلّا نَصْرَها وإظْهارَها، ثُمَّ سَلّاهُ تَعالى عنهم بِقَوْلِهِ: ﴿ اللهُ يَجْتَبِي ﴾ أيْ: يَخْتارُ ويَصْطَفِي، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: و"يُنِيبُ" مَعْناهُ: يَرْجِعُ عَنِ الكُفْرِ ويَحْرِصُ عَلى الخَيْرِ ويَطْلُبُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَتَفَرَّقُوا ﴾ : عِبارَةٌ يَجْمَعُ خِطابُها كُفّارَ العَرَبِ واليَهُودِ والنَصارى وكُلِّ مَدْعُوٍّ إلى الإسْلامِ، فَلِذَلِكَ حَسُنَ أنْ يُقالَ: "ما تَفَرَّقُوا"، يَعْنِي بِذَلِكَ: أوائِلَ اليَهُودِ والنَصارى، والعِلْمَ الَّذِي جاءَهم هو ما كانَ حَصَلَ في نُفُوسِهِمْ مِن عِلْمِ كُتِبِ اللهِ تَعالى، فَبَغى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وأدّاهُمُ ذَلِكَ إلى الِاخْتِلافِ في الرَأْيِ، و"الكَلِمَةُ السابِقَةُ" قالَ المُفَسِّرُونَ: هي حَتْمُهُ تَعالى القَضاءَ بِأنَّ مُجازاتَهم إنَّما تَقَعُ في الآخِرَةِ، فَلَوْلا ذَلِكَ لَفَصَلَ بَيْنِهِمْ في الدُنْيا وغُلِّبَ المُحِقُّ عَلى المُبْطِلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ ﴾ إشارَةٌ إلى مُعاصِرِي مُحَمَّدٍ  مِنَ اليَهُودِ والنَصارى، وقِيلَ: هي إشارَةٌ إلى العَرَبِ، و"الكِتابُ": هو القُرْآنُ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَفِي شَكٍّ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُعَوِّدَ عَلى "الكِتابَ، أو عَلى مُحَمَّدٍ  ، أو عَلى "الأجَلِ المُسَمّى"، أيْ: في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ عَلى قَوْلِ مَن رَأى الإشارَةَ إلى العَرَبِ، ووَصْفُ الشَكِّ بِـ "مُرِيبٍ" مُبالَغَةٌ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

فَلِذَٰلِكَ فَٱدْعُ ۖ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ۖ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَـٰبٍۢ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ۖ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ لَنَآ أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ ۖ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ١٥ وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ٱسْتُجِيبَ لَهُۥ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌۭ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌ ١٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ ﴾ ﴿ والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "فَلِذَلِكَ" ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هي بِمَنزِلَةِ "إلى"، كَما قالَ تَعالى: ﴿ بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها  ﴾ أيْ: إلَيْها، كَأنَّهُ قالَ: فَإلى ما وصّى بِهِ الأنْبِياءَ مِنَ التَوْحِيدِ فادْعُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هي بِمَعْنى "مِن أجْلِ"، كَأنَّهُ قالَ: فَمِن أجْلِ أنَّ الأمْرَ كَذا ولِكَوْنِهِ كَذا، فادْعُ أنْتِ إلى رَبِّكَ وبَلِّغْ ما أُرْسِلْتَ بِهِ.

وخُوطِبَ  بِأمْرِ الِاسْتِقامَةِ، وهو عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قَدْ كانَ مُسْتَقِيمًا، بِمَعْنى: دُمْ عَلى اسْتِقامَتِكَ، وهَكَذا الشَأْنُ في كُلِّ مَأْمُورٍ بِشَيْءٍ هو مُتَلَبِّسٌ بِهِ إنَّما مَعْناهُ الدَوامُ، وهَذِهِ الآيَةُ ونَحْوَها كانَتْ نَصْبُ عَيْنِ النَبِيِّ  ، وكانَتْ شَدِيدَةُ المَوْقِعِ مِن نَفْسِهِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ﴾ لِأنَّها جُمْلَةً تَحْتَها جَمِيعُ الطاعاتِ وتَكالِيفِ النُبُوَّةِ، وفي هَذا المَعْنى قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها"،» فَقِيلَ لَهُ: لِمَ ذَلِكَ؟

فَقالَ: لِأنَّ فِيها ﴿ فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ  ﴾ ، وهَذا الخِطابُ لَهُ  بِحَسَبِ قُوَّتِهِ في أمْرِ اللهِ تَعالى، وقالَ هو عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِأُمَّتِهِ بِحَسَبِ ضَعْفِهِمِ: « "اسْتَقِيمُوا ولَنْ تُحْصُوا".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ ﴾ يَعْنِي: قُرَيْشًا فِيما كانُوا يَهْوَوْنَهُ مِن أنْ يُعَظِّمَ مُحَمَّدٌ  آلِهَتَهم وغَيْرَ ذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يُؤْمِنَ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ قَبْلَهُ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، وهو أمْرٌ يَعُمُّ سائِرَ أُمَّتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ : قالَتْ فِرْقَةٌ: اللامُ" في ﴿ "لأعْدِلَ" ﴾ بَمَعْنى: أنْ، لَأنَّ التَقْدِيرَ: بِأنَّ أعْدِلَ بَيْنَكم.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: وأمَرْتُ بِما أُمِرْتُ بِهِ مِنَ التَبْلِيغِ والشَرْعِ لِكَيْ أعْدِلَ، فَحَذَفَ مِنَ الكَلامِ ما يَدُلُّ الظاهِرُ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ مَنسُوخٌ ما فِيهِ مِن مُوادَعَةٍ بِآيَةِ السَيْفِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ ﴾ أيْ: لا جِدالَ ولا مُناظَرَةَ، قَدْ وضَحَ الحَقُّ وأنْتُمْ تُعانِدُونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا ﴾ وعِيدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللهِ ﴾ : قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما، ومُجاهِدٌ: إنَّها نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ هَمَّتْ بِرَدِّ الناسِ عَنِ الإسْلامِ وإضْلالِهِمْ ومُجادَلَتِهِمْ بِأنْ قالُوا: كِتابُنا قَبْلَ كِتابِكُمْ، ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، فَدِينُنا أفْضَلُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقِيلَ: بَلْ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ، لِأنَّها كانَتْ أبَدًا تُحاوِلُ هَذا المَعْنى، وتَطْمَعُ في رَدِّ الجاهِلِيَّةِ، وُ ﴿ يُحاجُّونَ في اللهِ ﴾ مَعْناهُ: في تَوْحِيدِ اللهِ، أيْ: بِالإبْطالِ والإلْحادِ وما أشْبَهَ، والضَمِيرُ فِي: ﴿ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُوَدَ عَلى اللهِ تَعالى، أيْ: بَعْدَ ما دَخَلَ في دِينِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُوَدَ عَلى الدِينِ والشَرْعِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى مُحَمَّدٍ  ، و"داحِضَةٌ" مَعْناهُ: زاهِقَةٌ.

والدَحْضُ: الزَلَقُ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ ۗ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌۭ ١٧ يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا ۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ ۗ أَلَآ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فِى ٱلسَّاعَةِ لَفِى ضَلَـٰلٍۭ بَعِيدٍ ١٨ ٱللَّهُ لَطِيفٌۢ بِعِبَادِهِۦ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ ۖ وَهُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ ١٩ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلْـَٔاخِرَةِ نَزِدْ لَهُۥ فِى حَرْثِهِۦ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِۦ مِنْهَا وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ٢٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعَةَ قَرِيبٌ ﴾ ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في الساعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ ﴾ ﴿ اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ ﴾ ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مَن نَصِيبٍ ﴾ لَمّا أنْهى اللهُ تَعالى القَوْلَ عَلى الَّذِينَ يُحاجُّونَ في تَوْحِيدِ اللهِ ويَرُومُونَ إخْفاءَ نُورِهِ، صَدَعَ في هَذِهِ الآيَةِ بِصِفَتِهِ تَعالى مِن إنْزالِ الكِتابِ الهادِي لِلنّاسِ، و"الكِتابُ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "بِالحَقِّ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: بِأنْ كانَ ذَلِكَ حَقًّا واجِبًا لِلْمَصْلَحَةِ والهُدى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مُضَمَّنًا الحَقُّ، أيْ: بِالحَقِّ في أحْكامِهِ وأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، و"المِيزانُ" هُنا: العَدْلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والناسُ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: هو هُنا المِيزانُ الَّذِي بِأيْدِي الناسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا شَكَّ أنَّهُ داخِلٌ في العَدْلِ وجُزْءٍ مِنهُ، وكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ، فالعَدْلُ فِيهِ إنَّما هو بِتَقْدِيرٍ ووَزْنٍ مُسْتَقِيمٍ، فَيَحْتاجُ في الأجْرامِ إلى آلَةٍ، وهي العَمُودُ والكَفَّتانِ الَّتِي بِأيْدِي البَشَرِ، ويَحْتاجُ في المَعانِي إلى هَيْئاتٍ في النُفُوسِ وفُهُومٍ تُوازِنُ بَيْنَ الأشْياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعَةَ قَرِيبٌ ﴾ وعِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ، أيْ: فانْظُرْ في أيِّ غَرَرٍ هُمْ، وجاءَ لَفْظُ "قَرِيبٌ" مُذَكِّرًا مِن حَيْثُ تَأْنِيثُ الساعَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وإذْ هي بِمَعْنى الوَقْتِ، ثُمَّ وصَفَ تَعالى حالَةَ الجَهَلَةِ الكاذِبِينَ بِها، فَهم لِذَلِكَ يَسْتَعْجِلُونَ بِها، أيْ: يَطْلُبُونَ تَعْجِيلَها لِيُبَيِّنَ العَجْزَ مِمَّنْ يُحَقِّقُها، فالمُصَدِّقُ بِها مُشْفِقٌ خائِفٌ، والمُكَذِّبُ مُسْتَعْجِلٌ مُقِيمٌ لِحُجَّتِهِ عَلى تَكْذِيبِهِ بِذَلِكَ المُسْتَعْجَلِ بِهِ.

ثُمَّ اسْتَفْتَحَ تَعالى الإخْبارَ عَنِ المُمارِينَ في الساعَةِ في أنَّهم في ضَلالٍ قَدْ بَعُدَ بِهِمْ، فَرُجُوعُهم عنهُ صَعْبٌ مُتَعَذِّرٌ، وفي هَذا الِاسْتِفْتاحِ مُبالَغَةٌ وتَأْكِيدٌ وتَهْيِئَةٌ لِنَفْسِ السامِعِ.

ثُمَّ رَجّى تَبارَكَ وتَعالى عِبادَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ ﴾ ، و"لَطِيفٌ" هُنا بِمَعْنى: رَفِيقٌ مُتَحَفٍّ، والعِبادُ هُنا: المُؤْمِنُونَ ومَن سَبَقَ لَهُ الخُلُودُ في الجَنَّةِ، وذَلِكَ أنَّ الأعْمالَ بِخَواتِمِها، ولا لُطْفَ إلّا ما آلَ إلى الرَحْمَةِ، وأمّا الإنْعامُ عَلى الكافِرِينَ في الدُنْيا فَلَيْسَ بِلُطْفٍ بِهِمْ، بَلْ هو إمْلاءٌ واسْتِدْراجٌ، وقالَ الجُنَيْدُ: لَطَفَ بِأولِيائِهِ حَتّى عَرِفُوهُ، ولَوْ لَطَفَ بِالكُفّارِ لَما جَحَدُوهُ، وقِيلَ: لَطِيفٌ بِأنْ نَشَرَ عنهُمُ المَناقِبَ، وسَتَرَ عَلَيْهِمُ المَثالِبَ، وقِيلَ: هو الَّذِي لا يُخافُ إلّا عَدْلُهُ، ولا يُرْجى إلّا فَضْلُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ ﴾ مَعْناهُ: إرادَةُ مُسْتَعِدٍّ عامِلٍ عارِفٍ لا إرادَةَ مُتَمَنٍّ لَمْ يُدِنْ نَفْسَهُ، و"الحَرْثُ" هُنا عِبارَةٌ عَنِ السَعْيِ والتَكَسُّبِ والإعْدادِ، ولَمّا كانَ حَرْثُ الأرْضِ أصْلًا مِن أُصُولِ المَكاسِبِ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ تَكَسُّبٍ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ رِضى اللهُ عنهُما: "احْرُثْ لِدُنْياكَ كَأنَّكَ تَعِيشُ أبَدًا، واعْمَلْ لِآخِرَتِكَ كَأنَّكَ تَمُوتُ غَدًا".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ﴾ وعْدٌ مُنْتَجَزٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى في حَرْثِ الدُنْيا: ﴿ نُؤْتِهِ مِنها ﴾ مَعْناهُ: ما شِئْنا ولِمَن شِئْنا، فَرُبَّ مُمْتَحِنٍ مُضَيِّقٌ عَلَيْهِ حَرِيصٌ عَلى حَرْثِ الدُنْيا مُرِيدٌ لَهُ لا يُحِسُّ بِغَيْرِهِ، نَعُوذُ بِاللهِ مِن ذَلِكَ، وهَذا الَّذِي لا يَعْقِلُ غَيْرَ الدُنْيا هو الَّذِي نَفى أنْ يَكُونَ لَهُ نَصِيبٌ في الآخِرَةِ.

وقَرَأ سَلامٌ: "نُؤْتِهِ" بِرَفْعِ الهاءِ، وهي لُغَةٌ لِأهْلِ الحِجازِ، ومَثْلُهُ قِراءَةُ أهْلِ الحِجازِ: "فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ" بِرَفْعِ الهاءِ فِيهِما.

<div class="verse-tafsir"

أَمْ لَهُمْ شُرَكَـٰٓؤُا۟ شَرَعُوا۟ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنۢ بِهِ ٱللَّهُ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۗ وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ٢١ تَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا۟ وَهُوَ وَاقِعٌۢ بِهِمْ ۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِى رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ ۖ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ ٢٢ ذَٰلِكَ ٱلَّذِى يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ۗ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ ۗ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةًۭ نَّزِدْ لَهُۥ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ شَكُورٌ ٢٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ تَرى الظالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ ﴾ ﴿ ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ "أمْ" هَذِهِ هي مُنْقَطِعَةٌ لا مُعادِلَةٌ، وهي بِتَقْدِيرِ "بَلْ وألْفِ الِاسْتِفْهامِ"، و"الشُرَكاءُ في هَذِهِ الآيَةِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمِ: الشَياطِينُ والمُغْوِينَ مِن أسْلافِهِمْ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "لَهُمْ" لِلْكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ  ، أيْ: شَرَعَ الشُرَكاءُ لَهم ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ، فالِاشْتِراكُ هُنا هو في الكُفْرِ والغَوايَةِ، ولَيْسَ بِشَرِكَةِ الإشْراكِ بِاللهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ"الشُرَكاءِ": الأصْنامَ والأوثانَ عَلى مَعْنى: أمْ لَهم أصْنامٌ جَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ في أُلُوهِيَّتِهِ؟

ويَكُونُ الضَمِيرُ في شَرَعُوا" لِهَؤُلاءِ المُعاصِرِينَ مِنَ الكُفّارِ ولِآبائِهِمْ، والضَمِيرُ في "لَهُمْ" لِلْأصْنامِ الشُرَكاءِ، أيْ: شَرَعَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لِأصْنامِهِمْ وأوثانِهِمْ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ تَعالى، و"شَرَعُوا" مَعْناهُ: أثْبَتُوا ونَهَجُوا ورَسَمُوا، و"الدِينُ" هُنا: العَوائِدُ والأحْكامُ والسِيرَةُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ أيْضًا المُعْتَقَداتُ، لِأنَّهم في جَمِيعِ ذَلِكَ وضَعُوا أوضاعًا، فَأمّا في المُعْتَقَداتِ فَقَوْلُهُمْ: إنَّ الأصْنامَ آلِهَةٌ، وقَوْلُهُمْ: إنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ زُلْفى، وغَيْرَ ذَلِكَ، وأمّا في الأحْكامِ فَكالبَحِيرَةِ والوَصِيلَةِ والحامِي، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ السَوائِبِ ونَحْوَها، و"الإذْنُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الأمْرُ.

و"كَلِمَةُ الفَصْلِ": هي ما سَبَقَ مِن قَضاءِ اللهِ تَعالى بِأنَّهُ يُؤَخِّرُ عِقابَهم إلى الآخِرَةِ، و"القَضاءُ بَيْنَهُمْ": هو عَذابُهم في الدُنْيا ومُجازاتُهم.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَإنَّ الظالِمِينَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ مُسْلِمُ بْنُ جَنْدَبِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى: "كَلِمَةُ"، المَعْنى: وأنَّ الظالِمِينَ لَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَرى الظالِمِينَ مُشْفِقِينَ ﴾ هي رُؤْيَةُ بَصَرٍ، و"الظالِمِينَ": مَفْعُولٌ، و"مُشْفِقِينَ" حالٌ، ولَيْسَ لَهم في هَذا الإشْفاقِ مَدْحٌ، لِأنَّهم إنَّما أشْفَقُوا حِينَ نَزَلَ بِهِمْ ووَقَعَ، ولَيْسُوا كالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هم في الدُنْيا مُشْفِقُونَ مِنَ الساعَةِ كَما تَقَدَّمَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، و"الرَوْضاتُ": المَواضِعُ المُؤَنَّقَةُ النَضِرَةُ، وهي مُرْتَفِعَةٌ في الأغْلَبِ مِنَ الِاسْتِعْمالِ، وهي المَمْدُوحَةُ عِنْدَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ  ﴾ ، ومِن ذَلِكَ تَفْضِيلُهم رَوْضاتُ الحُزْنِ لِجَوْدَةِ هَوائِها، قالَ الطَبَرِيُّ: ولا تَقُولُ العَرَبُ لِمَوْضِعِ الأشْجارِ: رِياضُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللهِ فَضْلا كَبِيرًا  ﴾ .

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "يُبَشِّرُ" ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الباءِ وشَدِّ الشِينِ المَكْسُورَةِ، وذَلِكَ عَلى التَعْدِيَةِ والتَضْعِيفِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ: "يُبْشِرُ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وكَسْرِ الشِينِ عَلى التَعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ، قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ يَعْمَرُ وابْنُ أبِي إسْحاقٍ والجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ: "يَبْشُرُ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الشِينِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وقالَ الجَحْدَرِيُّ في تَفْسِيرِها: تَرى النَضْرَةَ في الوُجُوهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى ﴾ ، اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْناهُ، فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: هي آيَةٌ مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ في صَدْرِ الإسْلامِ، ومَعْناها: اسْتِكْفافُ شَرِّ الكُفّارِ ودَفْعُ أذاهُمْ، أيْ: ما أسْألُكم عَلى القُرْآنِ والدِينِ والدُعاءِ إلى اللهِ تَعالى إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَةِ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ، فَتَكُفُّوا عَنِّي أذاكُمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ إسْحاقٍ، وقَتادَةُ: ولَمْ يَكُنْ في قُرَيْشٍ بَطْنٌ إلّا ولِرَسُولِ اللهِ  فِيهِ نَسَبٌ أو صِهْرٌ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- هي اسْتِعْطافٌ ما، ودَفْعُ أذى وطَلَبُ سَلامَةٍ مِنهُمْ، وذَلِكَ كُلُّهُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ، ويُحْتَمِلُ هَذا التَأْوِيلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الكَلامِ اسْتِدْعاءَ نَصْرِهِمْ، أيْ: لا أسْألُكم غَرامَةً ولا شَيْئًا إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكم وأنْ تَكُونُوا أولى بِي مِن غَيْرِكم.

وقالَ مُجاهِدٌ: إلّا أنْ تَصِلُوا رَحِمِي بِاتِّباعِيِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما أيْضًا ما يَقْتَضِي أنَّها مَدَنِيَّةُ، وسَبَبُها أنَّ قَوْمًا مِن شَبابِ الأنْصارِ فاخَرُوا المُهاجِرِينَ ومالُوا بِالقَوْلِ عَلى قُرَيْشٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ عَلى مَعْنى: إلّا أنْ تَوَدُّونِي فَتُراعُونِيِ في قَرابَتِي وتَحْفَظُونَنِي فِيهِمْ، وقالَ بِهَذا المَعْنى في الآيَةِ عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، واسْتَشْهَدَ بِالآيَةِ حِينَ سِيقَ إلى الشامِ أسِيرًا، وهو تَأْوِيلُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، مَن قَرابَتُكَ الَّذِينَ أُمِرْنا بِمَوَدَّتِهِمْ؟

فَقالَ: "عَلِيُّ وفاطِمَةُ وابْناهُما"،» وقِيلَ: هو ولَدُ عَبْدِ المُطَّلَبِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقُرَيْشُ كُلُّها عِنْدِي قُرْبى وإنْ كانَتْ تَتَفاضَلُ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "مَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ شَهِيدًا، ومَن ماتَ عَلى بُغْضِهِمْ لَمْ يَشُمَّ رائِحَةَ الجَنَّةِ"،» وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما أيْضًا في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: سَبَبٌ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ الأنْصارَ جَمَعَتْ لِرَسُولِ اللهِ  مالًا وساقَتْهُ إلَيْهِ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ ونَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما أيْضًا: مَعْنى الآيَةِ: مِن قُرْبى الطاعَةِ والتَزَلُّفِ إلى اللهِ تَعالى، كَأنَّهُ قالَ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي، لِأنِّي أقْرَبَكم مِنَ اللهِ تَعالى، وأُرِيدُ هِدايَتَكم وأدْعُوكم إلَيْها، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْناهُ: إلّا أنْ تَتَوَدَّدُوا إلى اللهِ تَعالى بِالتَقَرُّبِ إلَيْهِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ القاسِمِ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: مَعْنى الآيَةِ: إلّا أنَّ تَتَوَدَّدُوا بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وتَصِلُوا قُراباتِكُمْ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- أمْرٌ بِصِلَةِ الرَحِمِ.

وذَكَرَ النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ، والسَدِّيُّ، أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ سَبَأٍ: ﴿ قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكُمْ  ﴾ ، والصَوابُ أنَّها مُحْكَمَةٌ، وعَلى كُلِّ قَوْلٍ فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، و"إلّا" بِمَعْنى "لَكِنْ".

و"يَقْتَرِفْ" مَعْناهُ: يَكْتَسِبُ، ورَجُلٌ قِرْفَةٌ: إذا كانَ مُحْتالًا كَسُوبًا، وقَرَأتْ فَرْقَةٌ: "يَزِدْ" عَلى إسْنادِ الفِعْلِ لِلَّهِ تَعالى، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَزِدْ" عَلى نُونِ العَظَمَةِ، وزِيادَةُ الحُسْنِ هو التَضْعِيفُ الَّذِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ مُؤْمِنِي عِبادِهِ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، و"غَفُورٌ" مَعْناهُ: ساتِرُ عُيُوبِ عَبِيدِهِ.

و"شَكُورٌ" مَعْناهُ: مُجازٍ عَلى الدَقِيقَةِ مِنَ الخَيْرِ لا يَضِيعُ عِنْدَهُ عَمَلُ العامِلِ.

<div class="verse-tafsir"

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا ۖ فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ ۗ وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَـٰطِلَ وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٢٤ وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ وَيَعْفُوا۟ عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ٢٥ وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۚ وَٱلْكَـٰفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ ٢٦ ۞ وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍۢ مَّا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرٌۢ بَصِيرٌۭ ٢٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللهِ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللهِ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَوْبَةَ عن عِبادِهِ ويَعْفُو عن السَيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ﴾ ﴿ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ "أمْ" هَذِهِ أيْضًا مُنْقَطِعَةٌ مُضَمِّنَةٌ إضْرابًا عن كَلامٍ مُتَقَدِّمٍ، وتَقْرِيرًا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ مِنهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ يَشَأِ اللهُ يَخْتِمْ ﴾ مَعْناهُ: في قَوْلِ قَتادَةَ وفِرْقَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: يُنْسِيكَ القُرْآنُ، والمُرادُ الرَدُّ عَلى مَقالَةِ الكُفّارِ وبَيانِ إبْطالِها، وذَلِكَ كَأنَّهُ يَقُولُ: وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُفْتَرِيًا وأنْتَ بِمَرْأى مِنَ اللهِ تَعالى ومَسْمَعٍ، وهو قادِرٌ لَوْ شاءَ عَلى أنْ يَخْتِمَ عَلى قَلْبِكَ، فَلا تَعْقِلُ ولا تَنْطِقُ ولا يَسْتَمِرُّ افْتِراؤُكَ، فَمَقْصَدُ اللَفْظِ هَذا المَعْنى وحُذِفَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ اخْتِصارًا واقْتِصارًا.

وقالَ مُجاهِدٌ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ وغَيْرِهِ: المَعْنى: فَإنْ يَشَإ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ بِالصَبْرِ لِأذى الكُفّارِ ويَرْبُطُ عَلَيْهِ بِالجَلَدِ، فَهَذا تَأْوِيلٌ لا يَتَضَمَّنُ الرَدَّ عَلى مَقالَتِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَمْحُ اللهُ الباطِلَ ﴾ فِعْلُ مُسْتَقْبَلٍ، خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنْ يَمْحُوَ الباطِلَ ولا بُدَّ، إمّا في الدُنْيا وإمّا في الآخِرَةِ، وهَذا بِحَسَبِ نازِلَةٍ نازِلَةٍ.

وكُتِبَتْ "يَمْحُ في المُصْحَفِ بِحاءٍ مُرْسَلَةٍ كَما كَتَبُوا: "وَيَدْعُ الإنْسانُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذَهَبُوا فِيهِ إلى الحَذْفِ والِاخْتِصارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِكَلِماتِهِ ﴾ مَعْناهُ: بِما سَبَقَ في قَدِيمِ عِلْمِهِ وإرادَتِهِ مِن كَوْنِ الأشْياءِ، فالكَلِماتُ: المَعانِي القائِمَةُ القَدِيمَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ خَبَرٌ مُضَمَّنُهُ وعِيدٌ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى النِعْمَةَ في تَفَضُّلِهِ بِقَبُولِ التَوْبَةِ عن عِبادِهِ، وقَبُولِ التَوْبَةِ فِيما يَسْتَأْنِفُ العَبْدُ مِن زَمَنِهِ وأعْمالِهِ مَقْطُوعٌ بِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأمّا ما سَلَفَ مِن أعْمالِهِ فَيَنْقَسِمُ: فَأمّا التَوْبَةُ مِنَ الكُفْرِ فَماحِيَةٌ كُلَّ ما تَقَدَّمُها مِن مَظالِمِ العِبادِ الفانِيَةِ، وغَيْرَ ذَلِكَ، وأمّا التَوْبَةُ مِنَ المَعاصِي فَلِأهْلِ السُنَّةِ قَوْلانِ: هَلْ تَذْهَبُ المَعاصِي السالِفَةُ لِلْعَبْدِ بَيْنَهُ وبَيْنَ خالِقِهِ سُبْحانَهُ؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مُذْهَبَةٌ لَها، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو في مَشِيئَةِ اللهِ تَعالى، وأجْمَعُوا عَلى أنَّها لا تُذْهِبُ مَظالِمَ العِبادِ، وحَقِيقَةُ التَوْبَةِ: الإقْلاعُ عَنِ المَعاصِي والإقْبالُ والرُجُوعُ إلى الطاعاتِ، ويُلْزِمُها النَدَمَ عَلى ما فاتَ، والعَزْمَ عَلى مُلازَمَةِ الخَيِّراتِ.

وقالَ سِرِّي السَقْطِي: التَوْبَةُ: العَزْمُ عَلى تَرْكِ الذُنُوبِ، والإقْبالُ بِالقَلْبِ إلى عَلّامِ الغُيُوبِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: التائِبُ مِن كَسَرَ شَبابَهُ عَلى رَأْسِهِ، وكَسَرَ الدُنْيا عَلى رَأْسِ الشَيْطانِ، ولَزَمَ الفِطامُ حَتّى أتاهُ الحِمامُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عن عِبادِهِ ﴾ بِمَعْنى: مِن عِبادِهِ، وكَأنَّهُ تَعالى قالَ: التَوْبَةُ الصادِرَةُ عن عِبادِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والجَحْدَرِيِّ، وقَتادَةُ: "يَفْعَلُونَ" بِالياءِ عَلى الكِنايَةِ عن غائِبٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلْقَمَةُ: "تَفْعَلُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وفي الآيَةِ تَوَعُّدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَيَسْتَجِيبُ" ﴾ قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: يُجِيبُ، والعَرَبُ تَقُولُ: أجابَ واسْتَجابَ بِمَعْنى ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ النَدى ∗∗∗ فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ و"الَّذِينَ" -عَلى هَذا القَوْلِ- مَفْعُولٌ بِـ "يَسْتَجِيبُ"، ورُوِيَ هَذا المَعْنى عن مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رِضى اللهِ عنهُ، ونَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: ويَسْتَدْعِي الَّذِينَ آمَنُوا الإجابَةَ مِن رَبِّهِمْ بِالأعْمالِ الصالِحَةِ، ودَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ ﴾ عَلى أنَّ المَعْنى: "فَيُجِيبُهُمْ" وحَمَلَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ "اسْتَجابَ" عَلى المَعْهُودِ مِن بابِ "اسْتَفْعَلَ"، أيْ / طَلَبُ الشَيْءِ.

و"الَّذِينَ" -عَلى هَذا القَوْلِ- فاعِلٌ بِـ "يَسْتَجِيبُ".

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: ويُجِيبُ المُؤْمِنُونَ رَبَّهُمْ، فَــ "الَّذِينَ": فاعِلٌ بِمَعْنى: يُجِيبُونَ دَعْوَةَ شَرْعِهِ ورِسالَتِهِ، والزِيادَةَ مَن فَضْلِهِ هي تَضْعِيفُ الحَسَناتِ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "هِيَ قَبُولُ الشَفاعاتِ في المُذْنِبِينَ والرِضْوانِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ﴾ ، قالَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ وغَيْرُهُ: «إنَّها نَزَلَتْ لِأنَّ قَوْمًا مِن أهْلِ الصِفَةِ طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللهِ  أنْ يُغْنِيَهُمُ اللهُ تَعالى، ويَبْسُطَ لَهُمُ الأرْزاقَ والأمْوالَ،» فَأعْلَمَهم تَعالى أنَّهُ لَوْ جاءَ الرِزْقُ عَلى اخْتِيارِ البَشَرِ واقْتِراحِهِمْ لَكانَ سَبَبَ بَغْيِهِمْ وإفْسادِهِمْ، ولَكِنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْلَمُ بِالمَصْلَحَةِ في كُلِّ أحَدٍ، ولَهُ بِعَبِيدِهِ خِبْرَةٌ وبَصَرٌ بِأخْلاقِهِمْ ومَصالِحِهِمْ، فَهو يُنْزِلُ لَهم مِنَ الرِزْقِ القَدْرُ الَّذِي بِهِ صَلاحُهُمْ، فَرُبَّ إنْسانٍ لا يَصْلُحْ ولا تَكْتَفِ عادِيَتُهُ إلّا بِالفَقْرِ، وآخَرُ بِالغِنى.

ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ في هَذا المَعْنى والتَقَسُّمِ حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ  ، ثُمَّ قالَ أنَسُ رِضى اللهُ عنهُ: اللهُمَّ إنِّي مِن عِبادِكَ الَّذِينَ لا يُصْلِحُهم إلّا الغِنى، فَلا تُفْقِرُنِي.

وقالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: فِينا نَزَلَتْ لِأنّا نَظَرْنا إلى أحْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ وبَنِي النَضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعٍ فَتَمَنَّيْناها.

<div class="verse-tafsir"

وَهُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِنۢ بَعْدِ مَا قَنَطُوا۟ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُۥ ۚ وَهُوَ ٱلْوَلِىُّ ٱلْحَمِيدُ ٢٨ وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦ خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍۢ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌۭ ٢٩ وَمَآ أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍۢ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ ٣٠ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍۢ ٣١ وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ ٱلْجَوَارِ فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلْأَعْلَـٰمِ ٣٢ إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّكُلِّ صَبَّارٍۢ شَكُورٍ ٣٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ ﴾ ﴿ وَمِن آياتِهِ خَلْقُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عن كَثِيرٍ ﴾ ﴿ وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ ﴿ وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ ﴾ ﴿ إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنْ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ ﴾ هَذِهِ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ اللهِ تَعالى الدالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وأنَّهُ الإلَهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ دُونَ سِواهُ مِنَ الأنْدادِ، وقَرَأ "يُنَزِّلُ" بِالتَثْقِيلِ جُمْهُورُ القُرّاءِ، وقَرَأ "يُنْزِلُ" مُخَفَّفَةً ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرُو، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "قَنَطُوا" ﴾ بِفَتْحِ النُونِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ بِكَسْرِ النُونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها وهُما لُغَتانِ: قَنَطَ وقَنِطَ، ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قِيلَ لَهُ: أجْدَبَتِ الأرْضُ وقَنِطَ الناسُ، فَقالَ: مُطِرُوا إذًا، بِمَعْنى: أنَّ الفَرَجَ عِنْدَ الشِدَّةِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِالرَحْمَةِ: المَطَرُ، وعَدَّدَ النِعْمَةَ بِعَيْنِها بِلَفْظَيْنِ الثانِي مِنهُما يُؤَكِّدُ الأوَّلَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الرَحْمَةُ في هَذا المَوْضِعِ: الشَمْسُ، فَذَلِكَ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ غَيْرَ الأُولى، وذَلِكَ أنَّ المَطَرَ إذا ألَمَّ بَعْدَ القَنَطُ حَسُنَ مَوْقِعُهُ، فَإذا دامَ سَئِمَ، فَتَجِيءُ الشَمْسُ بَعْدَهُ عَظِيمَةَ المَوْقِعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ ﴾ أيْ: مِن هَذِهِ أفْعالُهُ، فَهو الَّذِي يَنْفَعُ إذا والى، وتُحْمَدُ أفْعالُهُ ونِعَمُهُ، لا كالَّذِي لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ مِن أوثانِكم.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الآيَةَ الكُبْرى، والصَنْعَةَ الدالَّةَ عَلى الصانِعِ، وذَلِكَ خَلْقُهُ السَماواتِ والأرْضِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ ﴾ : يَتَخَرَّجُ عَلى وُجُوهٍ: مِنها أنْ يُرِيدَ أحَدَهُما فَيَذْكُرُ الِاثْنَيْنِ، كَما قالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِنهُما اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ  ﴾ ، وذَلِكَ إنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ وحْدَهُ، ومِنها أنْ يَكُونَ تَعالى قَدْ خَلَقَ السَماواتِ وبَثَّ دَوابَّ لا نَعْلَمُها نَحْنُ، ومِنها أنْ يُرِيدَ الحَيَواناتِ الَّتِي تُوجَدُ في السَحابِ، وقَدْ يَقَعُ أحْيانًا كالضَفادِعِ ونَحْوَها، فَإنَّ السَحابَ داخِلٌ في اسْمِ السَماءِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِها: ﴿ وَما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ ﴾ هُمُ الناسُ والمَلائِكَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِعِيدٌ غَيْرُ جارٍ عَلى عُرْفِ اللُغَةِ أنْ تَقَعَ الدابَّةُ عَلى المَلائِكَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ ﴾ يُرِيدُ: يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ الحَشْرِ مِنَ القُبُورِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ ﴾ ، قَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فَبِما" بِفاءٍ، وكَذَلِكَ هي في جُلِّ المَصاحِفِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ: "بِما" دُوَنَ فاءٍ.

وحَكى الزَجّاجُ أنَّ أبا جَعْفَرٍ وغَيْرَهُ مِنَ المَدَنِيِّينَ أثْبَتَ الفاءَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: "أصابَ" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "ما أصابَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ جَزْمٍ، وتَكُونُ "ما" شَرْطِيَّةٌ، وعَلى هَذا لا يَجُوزُ حَذْفُ الفاءِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وجَوَّزَ حَذْفُها أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ وبَعْضُ البَغْدادِيِّينَ عَلى أنَّها مُرادَّةٌ في المَعْنى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "أصابَ" صِلَةٌ لِـ"ما"، وتَكُونُ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي"، وعَلى هَذا يَجُوزُ حَذْفُ الفاءِ وثُبُوتُها، لَكِنَّ مَعْنى الكَلامِ مَعَ ثُبُوتِها بِالتَلازُمِ، أيْ: لَوْلا كَسْبُكم ما أصابَتْكم مُصِيبَةُ، والمُصِيبَةُ إنَّما هي بِسَبَبِ كَسْبِ الأيْدِي، ومَعْنى الكَلامِ مَعَ حَذْفِها يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَلازُمُ، ويَجُوزُ أنْ يُعَرّى مِنهُ.

وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فالتَلازُمُ مُطْرَدٌ مَعَ الثُبُوتِ والحَذْفِ، وأمّا مَعْنى الآيَةِ فاخْتَلَفَ الناسُ فِيهِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى، بِأنَّ الرَزايا والمَصائِبِ في الدُنْيا إنَّما هي مُجازاةٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى ذُنُوبِ المَرْءِ، وتَمْحِيصِ لِخَطاياهُ، وإنَّ اللهَ تَعالى يَعْفُو عن كَثِيرٍ فَلا يُعاقَبُ عَلَيْهِ بِمُصِيبَةٍ، وقالَ النَبِيُّ  : « "لا يُصِيبُ ابْنُ آدَمَ خَدْشَ عَوْدٍ أو عَثْرَةَ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجَ عَرِقَ إلّا بِذَنْبٍ وما يَعْفُو عنهُ أكْثَرُ"»، وقالَ عُمْرانُ بْنُ حَصِينٍ وقَدْ سُئِلَ عن مَرَضِهِ: "إنْ أحَبَّهُ إلَيَّ أحَبَّهُ إلَيَّ اللهُ تَعالى، وهَذا بِما كَسَبَتْ يَدايَ، وعَفْوُ رَبِّي سُبْحانَهُ كَثِيرٌ".

وقالَ مُرَّةُ الهَمَذانِيُّ: رَأيْتُ عَلى ظَهْرٍ كَفَّ شَرِيحِ قُرْحَةٍ، فَقُلْتُ ما هَذا؟

فَقالَ: "هَذا بِما كَسَبَتْ يَدِي ويَعْفُوا عن كَثِيرٍ"، وقِيلَ لِأبِي سُلَيْمانَ الدارانِيِّ: ما بالُ الفُضَلاءِ لا يَلُومُونَ مَن أساءَ إلَيْهِمْ؟

فَقالَ: لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ اللهَ تَعالى هو الَّذِي ابْتَلاهم بِذُنُوبِهِمْ.

ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رِضى اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "إنَّ اللهَ أكْرَمُ مِن أنْ يُثْنِيَ عَلى عَبْدِهِ العُقُوبَةَ إذا أصابَتْهُ في الدُنْيا بِما كَسَبَتْ يَداهُ"».

وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْنى الآيَةِ في الحُدُودِ: أيْ: ما أصابَكم مِن حَدٍّ مِن حُدُودِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى -وَتِلْكَ مُصِيبَةٌ تَنْزِلُ بِشَخْصِ الإنْسانِ ونَفْسِهِ- فَإنَّما هي بِكَسْبِ أيْدِيكم ويَعْفُوا اللهُ سُبْحانَهُ عن كَثِيرٍ، فَيَسْتُرُهُ عَلى العَبْدِ حَتّى لا يَحِدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن قُصُورِ ابْنِ آدَمَ وضِعْفِهِ، وأنَّهُ في قَبْضَةِ القُدْرَةِ، لا يُعْجِزُ طَلَبُ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولا يُمَكِّنُهُ الفِرارُ مِنهُ.

و"الجَوارِي": جَمْعُ جارِيَةٍ، وهي السَفِينَةُ، وقَرَأ: "الجَوارِي" بِالياءِ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ومِنهم مَن أثْبَتَها في الوَصْلِ ووَقْفٍ عَلى الراءِ، وقَرَأ أيْضًا عاصِمٌ بِحَذْفِ الياءِ في وصْلٍ ووَقْفٍ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: نَحْنُ نُثْبِتُها في كُلِّ حالٍ، و"الأعْلامُ": الجِبالُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءَ: وإنَّ صَخْرًا لِتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ ∗∗∗ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ وَمِنهُ المَثَلُ: "إذا قَطَعْنَ عَلَمًا بَدا عَلَمٌ"، فَجَرْيُ السُفُنِ في الماءِ آيَةٌ عَظِيمَةٌ، وتَسْخِيرُ الرِيحِ لِذَلِكَ نِعْمَةٌ مِنهُ تَعالى، وهو لَوْ شاءَ أنْ يَسْكُنَ الرِيحُ عنها لَرَكَدَتْ، أيْ: أقامَتْ وقَّرَتْ ولَمْ يَتِمْ مِنها غَرَضٌ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ: "الرِيحُ" واحِدَةٌ، وقَرَأ: "الرِياحُ" نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والحَسَنُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "فَيَظْلَلْنَ" ﴾ بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "فَيُظْلِلْنَ" بِكَسْرِ اللامِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ، فِيهِ المَوْعِظَةُ، وتَشْرِيفُ الصَبّارِ الشَكُورِ بِالتَخْصِيصِ، والصَبْرُ والشُكْرُ فِيهِما الخَيْرُ كُلُّهُ، ولا يَكُونانِ إلّا في عالَمٍ.

<div class="verse-tafsir"

أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا۟ وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍۢ ٣٤ وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍۢ ٣٥ فَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَىْءٍۢ فَمَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ٣٦ وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰٓئِرَ ٱلْإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا۟ هُمْ يَغْفِرُونَ ٣٧ وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ ٣٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أو يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عن كَثِيرٍ ﴾ ﴿ وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ ﴾ ﴿ فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا وما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ أوبَقْتُ الرَجُلَ: إذا أنْشَبْتُهُ في أمْرٍ يَهْلَكُ فِيهِ، فالإيباقُ في السُفُنِ هو تَغْرِيقُها، والضَمِيرُ فِي: ﴿ "كَسَبُوا" ﴾ هو لِرُكّابِها مِنَ البَشَرِ، أيْ: بِذُنُوبِ البَشَرِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ثانِيَةً: ﴿ وَيَعْفُ عن كَثِيرٍ ﴾ مُبالِغَةً وإيضاحًا، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ: "وَيَعْلَمُ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، وحَسُنَ ذَلِكَ إذا جاءَ بَعْدَ الجَزاءِ.

وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: "وَيَعْلَمَ" بِالنَصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: "أنْ"، وهَذِهِ الواوُ ونَحْوَها هي الَّتِي يُسَمِّيها الكُوفِيُّونَ "واوَ الصَرْفِ"، لِأنَّ حَقِيقَةَ واوِ الصَرْفِ هي الَّتِي تُرِيدُ بِها عَطْفَ فِعْلٍ عَلى اسْمٍ، فَيُقَدَّرُ "أنْ" لِتَكُونَ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ فَيَجِيءُ عَطْفُهُ عَلى الِاسْمِ، وذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِ الشاعِرِ: ...........................

∗∗∗ تَقَضِّي لُباناتٍ ويَسْأمُ سائِمُ فَكَأنَّهُ أرادَ: وسَآمَةُ سائِمٌ، فَقَدَّرَ: "وَأنْ يَسْأمَ" لِيَكُونَ ذَلِكَ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ الَّذِي هو "سَآمَةُ"، قالَ أبُو عَلِيِّ: حَسُنَ النَصْبُ إذا كانَ قَبْلَهُ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ واجِبٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَهم مِن مَحِيصٍ ﴾ هو مَعْلُومُهُمُ الَّذِي أرادَ أنْ يَعْلَمَهُ المُجادِلُونَ في آياتِهِ عَزَّ وجَلَّ، و"المَحِيصُ": المَنجى ومَوْضِعُ الرَوَغانِ، يُقالُ: حاصَ إذا راغَ، وفي حَدِيثِ هِرَقْلٍ: « "فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمْرِ الوَحْشِ إلى الأبْوابِ"،» ثُمَّ وعَظَ تَعالى عِبادَهُ وحَقَّرَ عِنْدَهم أمْرَ الدُنْيا وشَأْنَها، ورَغَّبَهم فِيما عِنْدَهُ مِن نَعِيمِهِمْ والمَنزِلَةِ الرَفِيعَةِ لَدَيْهِ، وعَظَّمَ قَدْرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ ﴾ الآيَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِينَ آمَنُوا"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "كَبائِرَ" ﴾ عَلى الجَمْعِ، قالَ الحَسَنُ: هي كُلُّ ما تَوَعَّدَ فِيهِ بِالنارِ، وقالَ الضَحّاكُ: أو كانَ فِيهِ حَدٌّ مِنَ الحُدُودِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رِضى اللهُ عنهُ: الكَبائِرُ مِن أوَّلِ سُورَةِ النِساءِ إلى رَأْسِ ثَلاثِينَ آيَةٍ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُمْ: هي كُلُّ ما خَتَمَهُ اللهُ تَعالى بِنارٍ أو غَضَبٍ أو لَعْنَةٍ أو عَذابٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ: "كَبِيرَ" عَلى الإفْرادِ الَّذِي هو اسْمُ الجِنْسِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: كَبِيرُ الإثْمِ: هو الشِرْكُ والفَواحِشُ، قالَ السَدِّيُّ: الزِنى، وقالَ مُقاتِلٌ: مُوجِباتُ الحُدُودِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "كَبِيرَ" اسْمَ جِنْسٍ بِمَعْنى "كَبائِرَ"، فَتَدْخُلُ فِيهِ المُوبِقاتُ السَبْعُ عَلى ما قَدْ تَفَسَّرَ مِن أمْرِها في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ ﴾ حَضٌّ عَلى كَسْرِ الغَضَبِ والتَدَرُّبِ في إطْفائِهِ، إذْ هو جَمْهَرَةٌ مِن جَهَنَّمَ، وبابٌ مِن أبْوابِها، «وَقالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ  : أوصِنِي، قالَ: "لا تَغْضَبُ"، قالَ: زِدْنِي، قالَ: "لا تَغْضَبُ"، قالَ: زِدْنِي، قالَ: "لا تَغْضَبُ"،» ومَن جاهَدَ هَذا العارِضَ مِن نَفْسِهِ حَتّى غَلَبَهُ فَقَدْ كُفِيَ هَمًّا عَظِيمًا في دُنْياهُ وآخِرَتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ ﴾ : مَدْحٌ لِكُلٍّ مَن آمَنَ بِاللهِ تَعالى وقَبِلَ شَرْعُهُ، ومَدَحَ تَعالى القَوْمَ الَّذِينَ أمْرُهم شُورى بَيْنِهِمْ، لِأنَّ في ذَلِكَ اجْتِماعَ الكَلِمَةِ والتَحابَّ واتِّصالَ الأيْدِي والتَعاضُدَ عَلى الخَيْرِ، وفي الحَدِيثِ: « "ما تَشاوَرَ قَوْمٌ إلّا هُدُوا لِأحْسَنِ ما بِحَضْرَتِهِمْ"»، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ مَعْناهُ: في سَبِيلِ اللهِ وبِرَسْمِ الشَرْعِ وعَلى حُدُودِهِ في القَوامِ الَّذِي مَدَحَهُ اللهُ تَعالى في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ ﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في الأنْصارِ، والظاهِرُ أنَّ اللهَ تَعالى مَدَحَ كُلَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِفَةِ كائِنًا مَن كانَ، وهَلْ حَصَلَ الأنْصارُ في هَذِهِ الصِفَةِ إلّا بَعْدَ سَبْقِ المُهاجِرِينَ إلَيْها؟

رَضِيَ اللهُ تَعالى عن جَمِيعِهِمْ بِمَنِّهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْىُ هُمْ يَنتَصِرُونَ ٣٩ وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍۢ سَيِّئَةٌۭ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٤٠ وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ ٤١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ ﴾ ﴿ وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ ﴾ مَدَحَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ قَوْمًا بِالِانْتِصارِ مِنَ البَغْيِ، ورَجَّحَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ، وقالُوا: الِانْتِصارُ بِالواجِبِ تَغْيِيرُ مُنْكَرٍ، ومَن لَمْ يَنْتَصِرْ مَعَ إمْكانِ الِانْتِصارِ فَقَدْ تَرَكَ تَغْيِيرَ المُنْكِرِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالآيَةِ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ مِن بُغِيَ عَلَيْهِ وظُلِمَ، فَجائِزٌ لَهُ أنْ يَنْتَصِرَ بِيَدِ الحَقِّ وحاكَمِ المُسْلِمِينَ، فَقالَ مُقاتِلٌ: الآيَةُ في المَجْرُوحِ يَنْتَصِفُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّها نَزَلَتْ في بَغْيِ المُشْرِكِ عَلى المُؤْمِنِ، فَأباحَ اللهُ تَعالى لَهُ الِانْتِصارَ مِنهم دُونَ تَعَدٍّ، وجُعِلَ العَفْوُ والإصْلاحُ مَقْرُونًا بِأجْرٍ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِآيَةِ السَيْفِ، وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ -وَهِيَ الجُمْهُورُ-: إنَّ المُؤْمِنَ إذا بَغى عَلى مُؤْمِنٍ وظَلَمَهُ، فَلا يَجُوزُ لِلْآخَرِ أنْ يَنْتَصِفَ مِنهُ بِنَفْسِهِ ويُجازِيَهُ عَلى ظُلْمِهِ، مِثالُ ذَلِكَ: أنْ يَخُونَ الإنْسانُ آخَرَ، ثُمَّ يَتَمَكَّنُ الإنْسانُ مِن خِيانَةِ الأوَّلِ، فَمَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى ألّا يَفْعَلَ، وهو مَذْهَبُ جَماعَةٍ عَظِيمَةٍ مَعَهُ، ولَمْ يَرَوْا هَذِهِ الآيَةَ مِن هَذا المَعْنى، واحْتَجُّوا بِقَوْلِ النَبِيِّ  : « "أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ، ولا تَخُنْ مَن خانَكَ"،» وهَذا القَوْلُ أنْزَهُ وأقْرُبُ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

وَقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: هَذِهِ الآيَةُ عامَّةٌ في المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ، ومَن بُغِيَ عَلَيْهِ وظُلِمَ، فَجائِزٌ لَهُ أنْ يَنْتَصِفَ لِنَفْسِهِ، ويَخُونَ مَن خانَهُ في المالِ حَتّى يَنْتَصِرَ مِنهُ، وقالُوا إنَّ الحَدِيثَ: « "وَلا تَخُنْ مَن خانَكَ"» إنَّما هو في «رَجُلٍ سَألَ رَسُولَ اللهِ  : هَلْ يَزْنِي بِحُرْمَةِ مَن زَنا بِحُرْمَتِهِ؟

فَقالَ لَهُ النَبِيُّ  : ذَلِكَ يُرِيدُ بِهِ الزِنا.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَذَلِكَ ورَدَ الحَدِيثُ في مَعْنى الزِنا، ذَكَرَ ذَلِكَ الرُواةُ، أمّا إنَّ عُمُومَهُ يَنْسَحِبُ في كُلِّ شَيْءٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها ﴾ قالَ الزَجّاجُ: سَمّى العُقُوبَةَ بِاسْمِ الذَنْبِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا إذا أخَذْنا السَيِّئَةَ في حَقِّ اللهِ تَعالى بِمَعْنى المَعْصِيَةِ، وذَلِكَ أنَّ المُجازاةَ مِنَ اللهِ تَعالى لَيْسَتْ سَيِّئَةً إلّا إنْ سُمِّيَتْ بِاسْمِ مُوجِبَتِها، وأمّا إنْ أخَذْنا السَيِّئَةَ بِمَعْنى المُصِيبَةِ في حَقِّ البَشَرِ، أيْ: يَسُوءُ هَذا هَذا، ويَسُوؤُهُ الآخَرُ، فَلَسْنا نَحْتاجُ إلى أنْ نَقُولَ: "سَمّى العُقُوبَةَ بِاسْمِ الذَنَبِ"، بَلِ الفِعْلُ الأوَّلُ والآخِرُ سَيِّئَةٌ، وقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، والسَدِّيُّ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ الرَجُلَ إذا شُتِمَ بِشَتْمَةٍ، فَلَهُ أنْ يَرُدَّها بِعَيْنِها دُونَ أنْ يَتَعَدّى، قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ما لَمْ تَكُنْ حَدًّا أو عَوْراءَ جَدًّا، واللامُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَمَنِ انْتَصَرَ ﴾ لامُ التِقاءِ القَسَمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن سَبِيلٍ ﴾ : يُرِيدُ: مِن سَبِيلِ حَرْجٍ ولا سَبِيلَ حُكْمٍ، وهَذا بِلاغٌ في إباحَةِ الِانْتِصارِ والخِلافِ فِيهِ، هَلْ هو بَيْنَ المُؤْمِنِ والمُشْرِكِ، أو بَيْنَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما تَقَدَّمَ؟

<div class="verse-tafsir"

إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ٤٢ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ ٤٣ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن وَلِىٍّۢ مِّنۢ بَعْدِهِۦ ۗ وَتَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّۢ مِّن سَبِيلٍۢ ٤٤ وَتَرَىٰهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَـٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىٍّۢ ۗ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ أَلَآ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِى عَذَابٍۢ مُّقِيمٍۢ ٤٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما السَبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ الناسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ ﴿ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ وتَرى الظالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ ﴾ ﴿ وَتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُلِّ يَنْظُرُونَ مِنَ طَرْفٍ خَفِيٍّ وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ الظالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ ﴾ المَعْنى: إنَّما سَبِيلُ الحُكْمِ والإثْمِ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ الناسَ، أيِ: الَّذِينَ يَضَعُونَ الأشْياءَ غَيْرَ مَواضِعِها مِنَ القَتْلِ وأخْذِ المالِ والأذى بِاليَدِ وبِاللِسانِ، و"البَغْيُ بِغَيْرِ الحَقِّ" وهو نَوْعٌ مِن أنْواعِ الظُلْمِ خَصَّهُ بِالذِكْرِ تَنْبِيهًا عَلى شِدَّتِهِ وسُوءِ حالِ صاحِبِهِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَعالى بِالعَذابِ الألِيمِ في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما السَبِيلُ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، ثُمَّ عادَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَمَن صَبَرَ ﴾ إلى الكَلامِ الأوَّلِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: "وَلِمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ ولِمَن صَبَرَ وغَفَرَ"، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَمَن صَبَرَ ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ لامَ القَسَمِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لامَ الِابْتِداءِ.

و"مَنِ" ابْتِداءٌ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ ذَلِكَ ﴾ .

و"عَزْمُ الأُمُورِ": مُحْكِمُها ومُتْقِنُها والحَمِيدُ العاقِبَةُ مِنها.

ومَن رَأى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي فِيما بَيْنُ المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ وأنَّ الضَمِيرَ لِلْمُشْرِكِينَ كانَ أفْضَلُ، قالَ: إنَّ الآيَةَ نُسِخَتْ بِآيَةِ السَيْفِ، ومَن رَأى أنَّ الآيَةَ إنَّما هي بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، قالَ: هي مَحْكَمَةٌ، والصَبْرُ والغُفْرانُ أفْضَلُ إجْماعًا، وقالَ رَسُولُ اللهِ  : « "إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ نادى مُنادٍ، مَن كانَ لَهُ عَلى اللهِ أجْرٍ فَلْيَقُمْ، فَيَقُومُ عُنُقٌ مِنَ الناسِ كَثِيرٌ، فَيَقُولُ: ما أجْرُكُمْ؟

فَيَقُولُونَ: نَحْنُ الَّذِينَ عَفَوْنا ظُلِمْنا في الدُنْيا"».

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ ﴾ تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكَفَرَةِ فَلا يُبالِي بِهِمْ أحَدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَقَدْ أصارَهم كُفْرُهم وإضْلالُ اللهِ تَعالى إيّاهم إلى ما لا فَلاحَ لَهم مَعَهُ، ثُمَّ وصَفَ تَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ  حالَهم في القِيامَةِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِمُ العَذابُ، فاجْتَزَأ مِن صِفَتِهِمْ وصِفَةِ حالَتِهِمْ بِأنَّهم يَقُولُونَ: ﴿ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ ﴾ ، وهَذِهِ المَقالَةُ تَدُلُّ عَلى سُوءِ ما اطَّلَعُوا عَلَيْهِ، و"المَرَدُّ": مَوْضُوعُ الرَدِّ إلى الدُنْيا، والمَعْنى الَّذِي قَصَدُوهُ أنْ يَكُونَ رَدٌّ فَيَكُونُ مِنهُمُ اسْتِدْراكٌ لِلْعَمَلِ والإيمانِ.

والرُؤْيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ رُؤْيَةُ عَيْنٍ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "عَلَيْها" ﴾ عائِدٌ عَلى النارِ، وعادَ الضَمِيرُ مَعَ أنَّها لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ مِن حَيْثُ دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَأوُا العَذابَ ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الذُلِّ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ "خاشِعِينَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "يَنْظُرُونَ"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ: "مِنَ الذُلِّ" بِكَسْرِ الذالِ، و"الخُشُوعُ": الِاسْتِكانَةُ، وقَدْ يَكُونُ مَحْمُودًا، وما يُخْرِجُهُ إلى حالَةِ الذَمِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "مِنَ الذُلِّ"، ﴾ فَيَقْوى -عَلى هَذا- تَعَلُّقُ "مِنَ" بِـ "خاشِعِينَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ﴾ يَحْتَمَلُ ثَلاثَةَ مَعانٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: "خَفِيٍّ": ذَلِيلٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَمّا كانَ نَظَرُهم ضَعِيفًا ولَحْظُهم بِمَهانَةٍ وُصِفَ بِالخَفاءِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: فَغُضَّ الطَرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ ∗∗∗.........................

وَقالَ قَوْمٌ -فِيما حَكى الطَبَرِيُّ -: لَمّا كانُوا يُحْشَرُونَ عُمْيًا وكانَ نَظَرُهم بِعُيُونِ قُلُوبِهِمْ جَعَلَهُ طَرَفًا خَفِيًّا، أيْ: لا يَبْدُو نَظَرُهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا التَأْوِيلِ تَكَلُّفٌ.

وقالَ قَتادَةُ والسَدِّيُّ: المَعْنى: يُسارِقُونَ النَظَرَ لَمّا كانُوا مِنَ الهَمِّ وسُوءِ الحالِ لا يَسْتَطِيعُونَ النَظَرَ بِجَمِيعِ العَيْنِ، وإنَّما يَنْظُرُونَ مِن بَعْضِها، قالَ: ﴿ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ﴾ أيْ: قَلِيلٍ، فَـ"الطَرْفُ" هُنا -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ: يَطْرِفُ طَرَفًا خَفِيًّا.

و"قَوْلُ الَّذِينَ آمَنُوا" هو في يَوْمِ القِيامَةِ عِنْدَما عايَنُوا حالَ الكُفّارِ وسُوءَ مُنْقَلَبِهِمْ، و"خُسْرانُ الأهْلِينَ": يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ أهْلُوهُمُ الَّذِينَ كانُوا في الدُنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ أهَّلُوهُمُ الَّذِينَ يَكُونُوا يَكُونُونَ لَهم في الجَنَّةِ إنْ دَخَلُوها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا إنَّ الظالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ، حَكاهُ اللهُ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى وإخْبارِهِ لِمُحَمَّدٍ  .

<div class="verse-tafsir"

وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن سَبِيلٍ ٤٦ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۚ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَإٍۢ يَوْمَئِذٍۢ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍۢ ٤٧ فَإِنْ أَعْرَضُوا۟ فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ۗ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةًۭ فَرِحَ بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ كَفُورٌۭ ٤٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما كانَ لَهم مِن أولِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللهِ ومَن يُضْلِلِ اللهِ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ ﴾ ﴿ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِن اللهِ ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ ﴾ ﴿ فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلا البَلاغُ وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لَهم مِن أولِياءَ ﴾ إنْحاءٌ عَلى الأصْنامِ والأوثانِ الَّتِي أظْهَرَ الكُفّارُ وِلايَتَها، واعْتَقَدُوا ذَلِكَ دِينًا، المَعْنى: فَما بالُهم يُوالُونَ هَذِهِ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولَكِنَّ مَن يُضْلِلُ اللهَ فَما لَهُ مِن سَبِيلِ هُدًى ونَجاةٍ.

ثُمَّ أمْرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  أنْ يَأْمُرَهم بِالِاسْتِجابَةِ لِدَعْوَةِ اللهِ وشَرِيعَتِهِ، وحَذَّرَهم إتْيانَ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي لا يُرَدُّ أحَدٌ بَعْدَهُ إلى عَمَلٍ، والَّذِي لا مَلْجَأ ولا مَنجى لِأحَدٍ فِيهِ، إلّا إلى العِلْمِ بِاللهِ تَعالى والعَمَلِ الصالِحِ في الدُنْيا، فَأخْبَرَهم أنَّهُ لا مَلْجَأ لَهم ولا نَكِيرَ، وَ"النَكِيرُ" مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، وهو بِمَنزِلَةِ "عَذِيرِ الحَيِّ" ونَحْوَهُ مِنَ المَصادِرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أبْنِيَةِ اسْمِ الفاعِلِ مِن "نَكِرَ"، وإنْ كانَ المَعْنى يَبْعُدُ بِهِ، لِأنَّ "نَكِرَ" إنَّما مَعْناهُ: لَمْ يُمَيٍّزُ وظَنَّ الأمْرَ غَيْرَ ما عَهِدَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ تَأْنِيسٌ لِمُحَمَّدٍ  ، وإزالَةٌ لِهَمِّهِ بِهِمْ، وأعْلَمَهُ أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغَ إلَيْهِمْ وتَوْصِيلَ الحُجَّةِ، ثُمَّ جاءَتْ عِبارَةٌ في باقِي الآيَةِ هي بِمَنزِلَةِ ما تَقُولُ: والقَوْمُ قَوْمٌ عُتُوٍّ وتَناقُضِ أخْلاقٍ واضْطِرابٍ، إذا أُذِيقُوا رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وبَطَرُوا، وإنْ تُصِيبَهم سَيِّئَةٌ أيْ: مُصِيبَةٌ- تَسُوؤُهُمُ في أجْسادِهِمْ أو في نُفُوسِهِمْ -وَذَلِكَ بِذُنُوبِهِمْ وقَبِيحِ فِعْلِهِمْ- فَإنَّهم كُفُرٌ عِنْدَ ذَلِكَ غَيْرَ صُبُرٍ، وعَبَّرَ بِالإنْسانِ الَّذِي هو اسْمٌ عامٌّ لِيَدْخُلَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ جَمِيعُ الكَفَرَةِ مِنَ المُجاوِرِينَ يَوْمَئِذٍ ومِن غَيْرِهِمْ، وجَمْعُ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "تُصِبْهُمْ" ﴾ وهو عائِدٌ عَلى لَفْظِ "الإنْسانَ" مِن حَيْثُ هو اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ كَثِيرًا.

<div class="verse-tafsir"

لِّلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَـٰثًۭا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ ٤٩ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًۭا وَإِنَـٰثًۭا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۭ قَدِيرٌۭ ٥٠ ۞ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًۭا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِۦ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ عَلِىٌّ حَكِيمٌۭ ٥١ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًۭا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًۭا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ٥٢ صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلْأُمُورُ ٥٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُكُورَ ﴾ ﴿ أو يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إلا وحْيًا أو مِن وراءِ حِجابٍ أو يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ أوحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مِن نَشاءُ مِن عِبادِنا وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ألا إلى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ ﴾ الآيَةُ الأولى آيَةُ اعْتِبارٍ دالَّةٍ عَلى القُدْرَةِ والمُلْكِ المُحِيطِ بِالخَلْقِ، وأنَّ مَشِيئَتَهُ عَزَّ وجُلَّ نافِذَةٌ في جَمِيعِ خَلْقِهِ، وفي كُلِّ أمْرِهِمْ، وهَذا لا مَدْخَلَ لِصَنَمٍ فِيهِ، فَإنَّ الَّذِي يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتَرِعُ إنَّما هو اللهُ سُبْحانَهُ، وهو الَّذِي يُقَسَّمُ الخَلْقَ، فَيَهَبُ الإناثَ لِمَن شاءَ أنْ يَجْعَلَ نَسْلَهُ نِساءً، ويَهَبُ الذُكُورَ لِمَن شاءَ عَلى هَذا الحَدِّ، أو يُنَوِّعَهُمْ: مَرَّةً يَهَبُ ذَكَرًا، ومَرَّةً أُخْرى أُنْثى، وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أو يُزَوِّجُهُمْ ﴾ ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةَ: يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿ أو يُزَوِّجُهُمْ ﴾ : التَوْأمُ، أيْ: يَجْعَلُ في بَطْنٍ زَوْجًا مِنَ الذُرِّيَّةِ ذَكَرًا وأُنْثى.

و"العَقِيمُ": الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ، وهَذا كُلُّهُ مُدَبَّرٌ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْضِي بِفَسادِ وُجُودِ الخُنْثى المُشَكَّلِ.

وبَدَأ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِذِكْرِ الإناثِ تَأْنِيسًا بِهِنَّ وتَشْرِيفًا لَهُنَّ لِيُتَهَمَّمَ بِصَوْنِهِنَّ والإحْسانِ إلَيْهِنَّ، وقالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَنِ ابْتُلِيَ مِن هَذِهِ البَناتِ بِشَيْءٍ فَأحْسَنَ إلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ حِجابًا مِنَ النارِ"،» وقالَ وائِلُ بْنُ الأسْقَعِ: "مَن يُمْنِ المَرْأةِ تَبْكِيرُها بِالأُنْثى قَبْلَ الذَكَرِ، لِأنَّ اللهَ تَعالى بَدَأ بِالإناثِ"، حَكاهُ عنهُ الثَعْلَبِيُّ.

وقالَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ ثُمَّ عُمِّمَتْ، فَلُوطٌ عَلَيْهِ السَلامُ أبُو البَناتِ لَمْ يُولَدْ لَهُ ذَكَرٌ، وإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ ضِدَّهُ، ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وُلِدَ لَهُ الصِنْفانِ، ويَحْيى بْنُ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَلامُ عَقِيمٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِبَشَرٍ ﴾ الآيَةُ، نَزَلَتْ بِسَبَبِ خَوْضٍ كانَ لِلْكُفّارِ في مَعْنى تَكْلِيمِ اللهِ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ونَحْوَ ذَلِكَ، ذَهَبَتْ قُرَيْشٌ واليَهُودُ في ذَلِكَ إلى تَجْسِيمٍ ونَحْوَهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُبَيِّنَةً صُورَةَ تَكْلِيمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عِبادَهُ كَيْفَ هُوَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يَكُونُ لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ ولا يَنْبَغِي لَهُ ولا يُمْكِنُ فِيهِ أنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى إلّا بِأنْ يُوحِي إلَيْهِ أحَدَ وُجُوهِ الوَحْيِ مِنَ الإلْهامِ.

قالَ مُجاهِدٌ: والنَفْثُ في القَلْبِ، وقالَ النَقّاشُ: أو وحْيٌ في مَنامٍ؟

قالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: كانَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مَن يَخُطُّ لَهُ في الأرْضِ ونَحْوَ هَذا، أو بِأنْ يُسْمِعَهُ كَلامُهُ دُونَ أنْ يَعْرِفَ هو لِلْمُتَكَلِّمِ جِهَةً ولا خَبَرًا كَمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذا مَعْنى: ﴿ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ أيْ: مِن خَفاءٍ عَنِ المُتَكَلِّمِ لا يَحُدُّهُ ولا يَتَصَوَّرُ بِذِهْنِهِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ كالحِجابِ في الشاهِدِ، أو بِأنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ مَلِكًا يُشافِهُهُ بِوَحْيِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسِ: "أو يُرْسِلَ" بِالنَصْبِ، ﴿ "فَيُوحِيَ" ﴾ بِالنَصْبِ أيْضًا.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأهْلُ المَدِينَةِ: "أو يُرْسِلُ" بِالرَفْعِ "فَيُوحِي" بِسُكُونِ الياءِ ورَفْعِ الفِعْلِ، فَأمّا القِراءَةُ الأُولى فَقالَ سِيبَوَيْهِ: سَألَتُ الخَلِيلَ عنها فَقالَ: هي مَحْمُولَةٌ عَلى "أنْ" غَيْرَ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ ﴾ لِأنَّ المَعْنى كانَ يَفْسَدُ لَوْ عَطَفَ عَلى هَذِهِ، وإنَّما التَقْدِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَحْيًا": "إلّا أنْ يُوحِيَ وحْيًا"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ ، "مِن" مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ يَدُلُّ ظاهِرُ الكَلامِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أو يُكَلِّمُهُ مِن وراءِ حِجابٍ، ثُمَّ عَطَفَ تَعالى: "أو يُرْسِلَ" عَلى هَذا الفِعْلِ المُقَدَّرِ، وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَعَلى أنْ "يُرْسِلُ" في مَوْضِعِ الحالِ أو عَلى القَطْعِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: "أو هو يُرْسِلُ"، وكَذَلِكَ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "إلا وحْيًا" ﴾ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، كَما تَقُولُ: أتَيْتُكَ رَكْضًا وعَدْوًا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا، كَما هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُكَلِّمُ الناسَ في المَهْدِ وكَهْلا ومِنَ الصالِحِينَ  ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، فَكَذَلِكَ "مِنَ" وما عَمِلْتُ فِيهِ هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا، ثُمَّ عَطَفَ قَوْلَهُ تَعالى: "أو يُرْسِلُ" عَلى هَذِهِ الحالِ المُتَقَدِّمَةِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرِسالَةَ مِن أنْواعِ التَكْلِيمِ، وأنَّ الحالِفَ المُرْسِلَ حانِثٌ إذا حَلِفَ ألّا يُكَلِّمَ إنْسانًا فَأرْسَلَ وهو لا يَنْوِي المُشافَهَةَ وقْتَ يَمِينِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أوحَيْنا إلَيْكَ ﴾ المَعْنى: وبِهَذِهِ الطُرُقِ ومِن هَذا الجِنْسِ أوحَيْنا إلَيْكَ، أيْ: كالرُسُلِ.

و"الرُوحُ" في هَذِهِ الآيَةِ: القُرْآنُ وهُدى الشَرِيعَةِ، سَمّاهُ رُوحًا مِن حَيْثُ يُحْيِي بِهِ البَشَرَ والعالَمَ، كَما يُحْيِي الجَسَدَ بِالرُوحِ، فَهَذا عَلى جِهَةِ التَشْبِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن أمْرِنا ﴾ أيْ: واحِدٌ مِن أُمُورِنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الأمْرُ" بِمَعْنى الكَلامِ، و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: و ﴿ ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى مِقْدارِ النِعْمَةِ، والضَمِيرُ فِي: "جَعَلْناهُ" عائِدٌ عَلى "الكِتابِ"، و"نَهْدِي" مَعْناهُ: نُرْشِدْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَإنَّكَ لَتَهْدِي" ﴾ بِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ الدالِّ.

وقَرَأ حَوْشَبُ: "وَإنَّكَ لَتُهْدى" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الدالِّ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وفي حَرْفِ أُبَيِّ: "وَإنَّكَ لَتَدْعُوَ"، وهي تُعَضِّدُ قِراءَةَ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ السُمَيْفَعِ، وعاصِمُ الجَحْدَرِيُّ: "وَإنَّكَ لَتُهْدِيَ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الدالِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ صِراطِ اللهِ ﴾ يَعْنِي: صِراطُ شَرْعِ اللهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ، فَبِهَذا الوَجْهِ ونَحْوَهُ مِنَ التَقْدِيرِ أُضِيفَ الصِراطُ إلى اللهِ تَعالى، واسْتَفْتَحَ تَعالى القَوْلَ في الإخْبارِ بِصَيْرُورَةِ الأُمُورِ إلى اللهِ تَعالى مُبالِغَةً وتَحْقِيقًا وتَثْبِيتًا، والأُمُورُ صائِرَةُ عَلى الدَوامِ إلى اللهِ تَعالى، ولَكِنْ جاءَتْ هَذِهِ العِبارَةُ مُسْتَقْبِلَةً تَقْرِيعًا لِمَن في ذِهْنِهِ أنَّ شَيْئًا مِنَ الأُمُورِ إلى البَشَرِ، وقالَ سَهْلُ ابْنُ أبِي الجَعْدِ: احْتَرَقَ مُصْحَفٌ، فَلَمْ يَبْقَ مِنهُ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا إلى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ ﴾ .

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الشُورى والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله