الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الزخرف
تفسيرُ سورةِ الزخرف كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 93 دقيقة قراءةبِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ الزُخْرُفِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ العِلْمِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ حم ﴾ ﴿ والكِتابِ المُبِينِ ﴾ ﴿ إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ وَإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ أفَنَضْرِبُ عنكُمُ الذِكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ﴾ ﴿ وَكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ﴿ فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ في أوائِلِ السُورِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "والكِتابِ" ﴾ خَفْضٌ بِواوِ القَسَمِ.
و ﴿ "المُبِينِ": ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن "أبانَ" الَّذِي هو بِمَعْنى "بانَ"، أيْ: ظَهَرَ، فَلا يُحْتاجُ إلى مَفْعُولٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُعَدّى مَن "بانَ"، فَهَذا لابُدَ مِن مَفْعُولٍ تَقْدِيرُهُ: المُبِينُ الهُدى أوِ الشَرْعُ ونَحْوَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا جَعَلْناهُ ﴾ مَعْناهُ: سَمَّيْناهُ وصَيَّرْناهُ، وهو إخْبارٌ عَلَيْهِ وقَعَ القَسَمُ، والضَمِيرُ فِي: ﴿ "جَعَلْناهُ" ﴾ عائِدٌ عَلى: "الكِتابِ"، و ﴿ "عَرَبِيًّا": ﴾ مَعْناهُ: بِلِسانِكم لِئَلّا يَبْقى لَكم عُذْرٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ ﴾ : تَرَجٍّ بِحَسَبِ مُعْتَقَدِ البَشَرِ، أيْ: إذا أبْصَرَ المُبْصِرُ مِنَ البَشَرِ هَذا الفِعْلِ مِنّا تَرَجّى مِنهُ أنْ يَعْقِلَ الكَلامَ ويَفْهَمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَإنَّهُ" ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا جَعَلْناهُ ﴾ ، وهَذا الإخْبارُ الثانِي واقِعٌ أيْضًا تَحْتَ القَسَمِ، و ﴿ "أُمِّ الكِتابِ": ﴾ اللَوْحُ المَحْفُوظُ، وهَذا فِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْقُرْآنِ وَتَرْفِيعٌ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ، كَيْفَ هو في "أُمِّ الكِتابِ"؟
فَقالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والسَدِّيَّ وعَطِيَّةُ بْنُ سَعِيدٍ: القُرْآنُ بِأجْمَعِهِ فِيهِ مَنسُوخٌ، ومِنهُ كانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ، وهُنالِكَ هو عَلِيٌّ حَكِيمٌ.
وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: إنَّما في اللَوْحِ المَحْفُوظِ ذِكْرُهُ ودَرَجَتُهُ ومَكانَتُهُ مِنَ العُلُوِّ والحِكْمَةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "فِي أُمِّ الكِتابِ" ﴾ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وقَرَأها بِكَسْرِ الهَمْزَةِ يُوسُفُ والِي العِراقِ وعِيسى بْنُ عُمَرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أفَنَضْرِبُ"، ﴾ بِمَعْنى: أفَنَتْرُكُ، تَقُولُ العَرَبُ: أضْرَبَتْ عن كَذا وضَرَبَتْ إذا أعْرَضَتْ وتَرَكَتْهُ، و ﴿ "الذِكْرَ" ﴾ هو الدُعاءُ إلى اللهِ تَعالى والتَذْكِيرُ بِعَذابِهِ والتَخْوِيفُ مِن عِقابِهِ، وقالَ أبُو صالِحٍ: "الذِكْرُ" هُنا هو العَذابُ نَفْسُهُ، وقالَ مُجاهِدٌ والضَحّاكُ: "الذِكْرُ": القُرْآنُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "صَفْحًا" ﴾ انْتِصابُهُ كانْتِصابِ ﴿ صُنْعَ اللهِ ﴾ ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى العَفْوِ والغَفْرِ لِلذَّنْبِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أفَنَتْرُكُ تَذْكِيرَكم وتَخْوِيفَكم عَفْوًا عنكم وغَفْرًا لِإجْرامِكم أنْ كُنْتُمْ، أو مِن أجْلِ أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ؟
هَذا لا يَصْلُحُ، وهَذا قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: "صَفْحًا" أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: مَغْفُولًا عنهُ، أيْ نَتْرُكُهُ يَمُرُّ لا تَؤْخُذُونَ بِقَبُولِهِ ولا بِتَدَبُّرِهِ، ولا تُنَبَّهُونَ عَلَيْهِ، وهَذا المَعْنى نَظِيرُ قَوْلِ الشاعِرِ: تَمُرَّ الصَبا صَفْحًا بِساكِنِ ذِي الغَضى ∗∗∗ ويَصْدَعُ قَلْبِي أنْ يَهُبَّ هُبُوبُها أيْ: تَمُرُّ مَغْفُولًا عنها، فَكَأنَّ هَذا المَعْنى: أفَنَتْرُكُكم سُدًى؟
وهَذا هو مَنحى قَتادَةَ وغَيْرِهِ، ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ كُثَيِّرٍ: صَفُوحًا فَما تَلْقاكَ إلّا بَخِيلَةً ∗∗∗ ∗∗∗ فَمَن مَلَّ مِنها ذَلِكَ الوَصْلَ مَلَّتِ وقَرَأ السَمِيطُ بْنُ عَمْرُو، والسُدُوسِيُّ: "صُفْحًا" بِضَمِّ الصادِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إنْ كُنْتُمْ" بِكَسْرِ الألِفِ، وهو جَزاءٌ دَلَّ ما تَقَدَّمَ عَلى جَوابِهِ، وقَرَأ الباقُونَ، والأعْرَجُ، وقَتادَةُ: "أنْ كُنْتُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ، بِمَعْنى: مِن أجْلِ أنْ كُنْتُمْ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إذْ كُنْتُمْ"، و"الإسْرافُ" في الآيَةِ: هو الكُفْرُ والضَلالُ البَعِيدُ في عِبادَةِ غَيْرِ اللهِ تَعالى والتَشْرِيكِ بِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ ﴾ الآياتُ تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ ، وذِكْرُهُ أُسْوَةٌ لَهُ ووَعِيدٌ لَهم وتَهْدِيدٌ بِأنْ يُصِيبَهم ما أصابَ مَن هو أشَدُّ بَطْشًا مِنهُمْ، و"الأوَّلُونَ": هُمُ الأُمَمُ الماضِيَةُ، كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودٍ وغَيْرِهِمْ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ، والمُرادُ بِهِ: الخُصُوصُ فِيمَنِ اسْتَهْزَءُوا، وإلّا فَقَدَ كانَ في الأوَّلِينَ مَن لَمْ يَسْتَهْزِئْ، والضَمِيرُ فِي: "مِنهُمْ" عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ: سَلَفَ أمْرَهم وسَنَتَّهُمْ، وصارُوا عِبْرَةً غابِرَ الدَهْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ ﴾ الآيَةُ...
ابْتِداءُ احْتِجاجٍ عَلى قُرَيْشٍ يُوجِبُ عَلَيْهِمِ التَناقُضُ في أمْرِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم يُقِرُّونَ أنَّ الخالِقَ المُوجِدَ لَهم ولِلسَّماواتِ والأرْضِ هو اللهُ تَعالى، وهم مَعَ ذَلِكَ يَعْبُدُونَ أصْنامًا ويَدْعُونَها آلِهَتَهُمْ، ومُقْتَضى جَوابِ قُرَيْشٍ أنْ يَقُولُوا: "خَلَقَهُنَّ اللهُ"، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى المَعْنى، جاءَتِ العِبارَةُ عَنِ اللهِ بِـ"العَزِيزِ العَلِيمِ" لِيَكُونَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِما عَدَّدَ بَعْدُ مِن أوصافِهِ الَّتِي ابْتَدَأ الإخْبارَ بِها وقَطَعَها مِنَ الكَلامِ الَّذِي حَكى مَعْناهُ عن قُرَيْشٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكُمُ فِيها سُبُلا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ ﴿ والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ ﴾ ﴿ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾ ﴿ وَإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ ﴾ هَذِهِ أوصافُ فِعْلٍ، وهي نِعَمٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى البَشَرِ، تَقُومُ بِها الحُجَّةُ عَلى كُلِّ كافِرٍ مُشْرِكٍ بِاللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ﴾ لَيْسَ مِن قَوْلِ المَسْؤُولِينَ، بَلْ هو ابْتِداءُ إخْبارٍ مِنَ اللهِ تَعالى، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مِهادًا"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "مَهْدًا"، والمَعْنى واحِدٌ، أيْ: يَتَمَهَّدُ ويَتَصَرَّفُ فِيها، والسُبُلُ: الطُرُقُ، وتَهْتَدُونَ: مَعْناهُ: في المَقاصِدِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ ومِن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: تَهْتَدُونَ بِالنَظَرِ والِاعْتِبارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَزَّلَ مِنَ السَماءِ ماءً ﴾ : هو المَطَرُ بِإجْماعٍ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "بِقَدَرٍ"، ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: بِقَضاءٍ وحَتْمٍ في الأزَلِ.
وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى: بِقَدَرٍ في الكِفايَةِ لِلصَّلاحِ، لا إكْثارَ فَيُفْسَدُ، ولا قِلَّةَ فَيَقْصُرُ، بَلْ غَيْثًا مُغِيثًا سَيْلًا نافِعًا.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: بِتَقْدِيرٍ وتَحْرِيرٍ، أيْ: قَدَرًا ما مَعْلُومًا، ثُمَّ اخْتَلَفَ قائِلُو هَذِهِ المَقالَةِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: يَنْزِلُ كُلَّ عامٍ ماءً قَدَرًا واحِدًا لا يَفْضُلُ عامٌ عامًا، لَكِنْ يَكْثُرُ مَرَّةً هُنا ومَرَّةً هُنا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ يُنْزِلُ اللهُ تَعالى تَقْدِيرًا ما في عامٍ، ويُنْزِلُ في آخَرَ تَقْدِيرًا آخَرَ بِحَسَبِ ما سَبَقَ بِهِ قَضاؤُهُ، لا إلَهَ غَيْرُهُ.
و"أنَشَرْنا": مَعْناهُ: أحْيَيْنا، يُقالُ: نَشَرَ المَيِّتَ، وأنْشَرَهُ غَيْرُهُ، و ﴿ "بَلْدَةً": ﴾ اسْمُ جِنْسٍ، ووَصَفَها بِـ "مَيْتًا" دُونَ ضَمِيرٍ مِن حَيْثُ هي واقِعَةُ مُوقِعَ "قَطَرَ" ونَحْوَهُ، إذِ التَأْنِيثُ فِيها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَيِّتًا" بِسُكُونِ الياءِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ: "مَيِّتًا" بِياءٍ مَكْسُورَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وهي قِراءَةُ عِيسى بْنُ عُمَرَ، والأُولى أرْجَحُ لِشَبَهِ لَفْظِها بِـ"زَوَّرَ، وعَدَلَ"، فَحَسُنَ وصْفُ المُؤَنَّثِ بِها، وقَرَأ أكْثَرُ السَبْعَةِ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: ﴿ "كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ" ﴾ بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الراءِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِيسى: "وَكَذَلِكَ تَخْرُجُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ الراءِ.
وَ"الأزْواجُ": الأنْواعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، و"مِنَ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ﴾ : لِلتَّبْعِيضِ، وذَلِكَ أنَّهُ لا يَرْكَبُ مِنَ الأنْعامِ غَيْرَ الإبِلِ، وتَدْخُلُ البِغالُ والخَيْلُ والحَمِيرُ فِيما يُرْكَبُ بِالمَعْنى.
واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ﴾ : لامُ الأمْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ "كَيْ"، و"ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما تَرْكَبُونَ ﴾ واقِعَةٌ عَلى النَوْعِ المَرْكُوبِ، والضَمِيرُ فِي: "ظُهُورِهِ" عائِدٌ عَلى النَوْعِ الَّذِي وقَعَتْ عَلَيْهِ "ما"، وقَدْ بَيَّنَتْ آيَةٌ أُخْرى ما يُقالُ عِنْدَ رُكُوبِ الفَلَكِ، وهُوَ: ﴿ بِسْمِ اللهِ مَجْراها ومُرْساها، إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ، وإنَّما هَذِهِ خاصَّةً فِيما يُرْكَبُ مِنَ الحَيَوانِ، ويُقالُ عِنْدَ النُزُولِ مِنها: اللهُمَّ، أنْزَلْنا مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ.
والسَنَّةُ لِلرّاكِبِ إذا رَكِبَ أنْ يَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى نِعْمَةِ الإسْلامِ، أو عَلى النِعْمَةِ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، أو عَلى النِعْمَةِ في كُلِّ حالٍ، وقَدْ رَوى هَذا اللَفْظَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ «عَنِ النَبِيِّ يَقُولُ: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا ﴾ الآيَةُ،» ورَكِبَ أبُو مِجْلَزٍ لاحِقِ بْنِ حَمِيدٍ وقالَ: "سُبْحانَ الله" الآيَةُ، ولَمْ يَذْكُرْ نِعْمَةً، وسَمِعَهُ الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَقالَ: ما هَكَذا أُمِرْتُمْ، فَقالَ أبُو مِجْلَزٍ، فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ أقُولُ؟
قالَ: قُلِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِلْإسْلامِ، أو نَحْوَ هَذا، ثُمَّ تَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي ﴾ الآيَةُ، وكانَ طاوُسُ إذا رَكِبَ قالَ: اللهُمَّ، هَذا مِن مَنِّكَ وفَضْلِكَ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي ﴾ الآيَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنْ قَدَّرْنا أنَّ ذِكْرَ النِعْمَةِ بِالقَلْبِ والتَذَكُّرِ بَدَأ الراكِبُ: بِـ ﴿ سُبْحانَ الَّذِي ﴾ ، وهو يَرى نِعْمَةَ اللهِ في ذَلِكَ وفي سِواهُ، و"المُقْرِنُ": الغالِبُ الضابِطُ المُسْتَوْلِي عَلى الأمْرِ المُطِيقِ لَهُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الأعْرابِ رَكِبَ جَمَلًا، فَقِيلَ لَهُ قُلْ: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾ ، فَقالَ: أما واللهِ إنِّي لَمُقْرِنٌ تَيّاهٌ، فَضَرَبَ بِهِ الجَمَلَ، فَوَقَصَهُ فَقَتَلَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ ﴾ : أمْرٌ بِالإقْرارِ بِالبَعْثِ وتَرْدادِ القَوْلِ بِهِ، وذَلِكَ داعِيَةٌ إلى اسْتِشْعارِ النَظَرِ فِيهِ، ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ أنَّ الإنْسانَ إذا رَكِبَ ولَمْ يَقِلْ ما في هَذِهِ الآيَةِ جاءَ الشَيْطانُ، فَقالَ: "تَغَنَّهُ، فَإنْ كانَ يُحْسِنُ غَنّى، وإلّا قالَ لَهُ: تَمَنَّهُ، فَيَتَمَنّى الأباطِيلَ ويَقْطَعُ زَمَنَهُ بِذَلِكَ".» <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ ﴾ ﴿ وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ ﴾ ﴿ أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ ﴿ وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ ﴾ الضَمِيرُ فِي: "جَعَلُوا" لِكُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، والضَمِيرُ فِي: "لَهُ": لِلَّهِ تَعالى.
و"الجُزْءُ": القِطَعُ مِنَ الشَيْءِ، وهو بَعْضُ الكُلِّ، فَكَأنَّهم جَعَلُوا جُزْءًا مِن عِبادِهِ نَصِيبًا لَهُ وحَظًّا، وذَلِكَ في قَوْلِ مُجاهِدٍ، وكَثِيرٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ قَوْلُ العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُغَةِ: الجُزْءُ: الإناثُ، يُقالُ: أجْزَأتِ المَرْأةُ إذا ولَدَتْ أُنْثى، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إنْ أجَزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبَ ∗∗∗ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارُ أحْيانًا وَقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا البَيْتَ مَوْضُوعٌ.
وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالجُزْءِ: الأصْنامُ وفِرْعَوْنُ وغَيْرُهُ مِمَّنْ عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ، أيْ: جُزْءًا نِدًّا، فَعَلى هَذا فَتَعْنِيفُ الكَفَرَةِ في فَصْلَيْنِ: في أمْرِ الأصْنامِ، وفي أمْرِ المَلائِكَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ ﴾ : أتى بِلَفْظِ الجِنْسِ العامِّ، والمُرادِ: بَعْضُ الإنْسانِ، وهو هَؤُلاءِ الجاعِلُونَ ومَن أشْبَهُهم.
و ﴿ "مُبِينٌ" ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ مُتَعَدٍّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمِ اتَّخَذَ ﴾ إضْرابٌ وتَقْرِيرٌ، وهَذِهِ حُجَّةٌ بالِغَةٌ عَلَيْهِمْ؛ إذِ المَحْمُودُ مِنَ الأولادِ والمَحْبُوبُ قَدْ خَوَّلَهُ اللهُ تَعالى بَنِي آدَمَ، فَكَيْفَ يَتَّخِذُ هو لِنَفْسِهِ النَصِيبَ الأدْنى؟
و"أصْفاكُمْ" مَعْناهُ: خَصَّكم وجَعَلَ ذَلِكَ صَفْوَةً لَكم.
ثُمَّ قامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ في هَذا المَعْنى وكانَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذا بُشِّرَ ﴾ الآيَةُ، و"مُسْوَدٌّ": خَبَرُ ﴿ "ظَلَّ"، ﴾ و"الكَظِيمُ": المُمْتَلِئُ غَيْظًا الَّذِي قَدْ رَدَّ غَيْظَهُ إلى جَوْفِهِ، فَهو يَتَجَرَّعُهُ ويَرُومُ رَدَّهُ، وهَذا مَحْسُوسٌ عِنْدَ الغَيْظِ، ثُمَّ زادَ تَوْبِيخَهم وإفْسادَ رَأْيِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوَمَن يُنَشَّأُ ﴾ ، و"مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "جَعَلُوا"، كَأنَّهُ قالَ: أوَ مَن يُنَشَّأُ في الحِيلَةِ وهو الَّذِي خَصَصْتُمْ بِهِ اللهَ تَعالى؟
ونَحْوَ هَذا، والمُرادُ بِـ"مَنِ": النِساءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسَدِّيُّ، و"يَنَشَأُ": مَعْناهُ: يَنْبُتُ ويَكْبُرُ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَنْشَأُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ النُونِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: "يَنْشَأُ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ النُونِ عَلى تَعْدِيَةِ الفِعْلِ بِالهَمْزَةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ -: "يَنْشَأُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُونِ وشَدِّ الشِينِ عَلى التَعْدِيَةِ بِالتَضْعِيفِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "أو مَن لا يَنْشَأُ إلّا في الحِلْيَةِ"، و"الحِلْيَةُ": الحُلِيُّ مِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ والأحْجارِ، و ﴿ "الخِصامِ": ﴾ المُحاجَّةُ ومُجاذَبَةُ المُحاوَرَةِ، وقَلَّما تَجِدُ امْرَأةً إلّا تُفْسِدُ الكَلامَ وتَخْلِطُ المَعانِي، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَهُوَ في الكَلامِ غَيْرُ مُبِيَّنٍ"، و ﴿ "مُبِينٍ" ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَعَدٍّ، والتَقْدِيرُ: غَيْرُ مُبِيِّنٍ غَرَضًا أو مَنزَعًا ونَحْوَ هَذا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِـ " مَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ " الآيَةُ: الأصْنامُ والأوثانُ، لِأنَّهم كانُوا يَتَّخِذُونَ كَثِيرًا مِنها مِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ، وكانُوا يَجْعَلُونَ الحُلِيَّ عَلى كَثِيرٍ مِنها.
ولَمّا فَرَغَ تَعْنِيفُهم عَلى ما أتَوْهُ في جِهَةِ اللهِ تَعالى بِقَوْلِهِمِ: "المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ سُبْحانَهُ"، بَيَّنَ اللهُ تَعالى فَسادَ مَقالَتِهِمْ، فَعَيَّنَها بِجِهَةٍ أُخْرى مِنَ الفَسادِ، وذَلِكَ شَنِيعُ قَوْلِهِمْ في عِبادِ اللهِ تَعالى مُخْتَصِّينَ مُقَرَّبِينَ: "أنَّهم إناثٌ"، وقَرَأ أكْثَرُ السَبْعَةِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَلْقَمَةُ: "عِبادُ الرَحْمَنِ إناثًا"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وقَتادَةُ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "عِنْدَ الرَحْمَنِ إناثًا"، وهَذِهِ القِراءَةُ أدَلُّ عَلى رَفْعِ المَنزِلَةِ وقُرْبِها في التَكْرِمَةِ، كَما قِيلَ: مَلِكٌ مُقَرَّبٌ، وقَدْ تَصَرَّفَ المَعْنَيانِ في كِتابِ اللهِ تَعالى في وصْفِ المَلائِكَةِ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ﴾ ، وقالَ سُبْحانَهُ في أُخْرى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَجُعِلُوا المَلائِكَةَ عِبادَ الرَحْمَنِ إناثًا".
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "أأشْهِدُوا" بِهَمْزَتَيْنِ وبِلا مَدٍّ بَيْنِهِما، وبِفَتْحِ الأُولى وضَمِّ الثانِيَةِ وتَسْهِيلِها بَيْنَ الهَمْزَةِ والواوِ، ورَواها المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ المُسَيِّبِيُّ عن نافِعٍ بِمَدٍّ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ،.
وقَرَأ أبُو عَمْرُو، ونافِعٌ أيْضًا، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رِضى اللهُ عنهُ، وابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما، ومُجاهِدٌ: "أوُشْهِدُوا" بِتَسْهِيلِ الثانِيَةِ بِلا مَدٍّ، وقَرَأ جَماعَةٌ مِنَ القُرّاءِ بِالتَسْهِيلِ في الثانِيَةِ ومُدَّةً بَيْنِهِما، وقَرَأ آخَرُونَ: "أُشْهِدُوا" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وهي قِراءَةُ الزَهْرِيِّ، وهي صِفَةُ الإناثِ، أيْ: أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ؟، ومَعْنى الآيَةِ: التَوْبِيخُ وإظْهارُ فَسادِ عُقُولِهِمْ، وادِّعائِهِمْ وأنَّها مُجَرَّدَةٌ مِنَ الحُجَّةِ، وهَذا نَظِيرُ الآيَةِ الرادَّةِ عَلى المُنَجِّمِينَ وأهْلِ الطَبائِعِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ .
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ" ﴾ بِرَفْعِ "شَهادَةٍ" وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "سَنَكْتُبُ شَهادَتَهُمْ" بِنُونِ الجَمْعِ، و"شَهادَتَهُمْ" بِالنَصْبِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَيَكْتُبُ" بِالياءِ عَلى مَعْنى: سَيَكْتُبُ اللهُ شَهادَتَهم بِالنَصْبِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "سَتُكْتَبُ شَهاداتُهُمْ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ وجَمْعِ الشَهاداتِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَيُسْألُونَ": ﴾ وعِيدٌ مُفْصِحٌ، و"أشَهِدُوا" في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: أحَضَرُوا؟
ولَيْسَ ذَلِكَ مِن شَهادَةٍ تَحْمِلُ المَعانِي الَّتِي تُطْلَبُ أنْ تُؤَدّى.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَخْرُصُونَ ﴾ ﴿ أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ﴾ ﴿ بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴾ ﴿ قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ﴾ ﴿ فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ﴾ ذَكَرَ اللهُ تَعالى احْتِجاجِ الكَفّارِ بِمَذاهِبِهِمْ لِيُبَيِّنَ فَسادَ مَنزَعِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم جَعَلُوا إمْهالَ اللهِ تَعالى لَهم وإنْعامَهُ عَلَيْهِمْ -وَهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ- دَلِيلًا عَلى أنَّهُ يَرْضى عِبادَةَ الأصْنامِ دِينًا، وذَلِكَ كالأمْرِ بِهِ، فَنَفى اللهُ تَعالى عَنِ الكَفَرَةِ أنْ يَكُونَ لَهم عِلْمٌ بِهَذا، ولَيْسَ عِنْدَهم كِتابٌ مُنَزَّلٌ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وإنَّما هم يَظُنُّونَ ويُحْدِسُونَ ويُخَمِّنُونَ، وهَذا هو الخَرْصُ والتَخَرُّصُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عَلى أُمَّةٍ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وهِيَ: المِلَّةُ والدِيانَةُ، والآيَةُ -عَلى هَذا- تَعِيبُ عَلَيْهِمِ التَقْلِيدَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "عَلى إمَّةٍ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وهي بِمَعْنى النِعْمَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ولا المَلِكُ النُعْمانُ يَوْمَ لَقِيتُهُ ∗∗∗ بِإمَّتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويَأْفَقُ وَمِنهُ قَوْلُ عُدَيِّ بْنِ زَيْدٍ: ثُمَّ بَعْدَ الفَلاحِ والمُلْكِ والإ ∗∗∗ ∗∗∗ مَّةِ وارَتْهُمُ القُبُورُ فالآيَةُ -عَلى هَذا المَعْنى- اسْتِمْرارٌ في احْتِجاجِهِمْ، لِأنَّهم يَقُولُونَ: وجَدْنا آباءَنا في نِعْمَةٍ مِنَ اللهِ تَعالى وهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، فَذَلِكَ دَلِيلُ رِضاهُ عنهُمْ، وكَذَلِكَ اهْتَدَيْنا نَحْنُ بِذَلِكَ عَلى آثارِهِمْ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن قَوْمٍ أنَّ "الإمَّةَ": الطَرِيقَةُ، مِن قَوْلِكَ: أمَمْتُ كَذا إمَّةٍ.
ثُمَّ ضَرَبَ تَعالى المَثَلَ لِنَبِيِّهِ ، وجَعَلَ لَهُ الأُسْوَةَ فِيمَن مَضى مِنَ النُذُرِ والرُسُلِ عَلَيْهُمُ السَلامُ، وذَلِكَ أنَّ المُتْرَفِينَ مَن قَوْمِهم -وَهم أهْلُ النِعَمِ والمالِ- قَدْ قابَلُوهم بِمِثْلِ هَذِهِ المُقابَلَةِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "قُلْ أو لَوْ"، والمَعْنى: فَقُلْنا لِلنَّذِيرِ: "قُلْ أو لَوْ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفَصُ عن عاصِمٍ: "قالَ أوَلَوْ"، فَفي "قالَ" ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى النَذِيرِ، وباقِي الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ: "قُلْ" في قِراءَةِ مَن قَرَأها لَيْسَتْ بِأمْرٍ لِمُحَمَّدٍ ، وإنَّما هي حِكايَةٌ لِما قِيلَ لِلنَّذِيرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَوْ ﴾ هي ألِفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى واوٍ عَطَفَتْ جُمْلَةَ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، و"لَوْ" في هَذا المَوْضِعِ، كَأنَّها شَرْطِيَّةٌ بِمَعْنى "إنَّ"، كَأنَّ مَعْنى الآيَةِ: وإنْ جِئْتُكم بِأبْيَنِ وأوضَحِ مِمّا كانَ آباؤُكم يَصْحَبُكم لُجاجُكم وَتَقْلِيدُكُمْ؟
فَأجابَ الكُفّارُ حِينَئِذٍ لِنُذُرِهِمْ: ﴿ إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْتَقَمْنا مِنهُمْ ﴾ الآيَةُ.....
وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ، وضَرْبُ مَثَلٍ بِمَن سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ المُكَذِّبَةِ بِأنْبِيائِها، كَما كَذَّبَتْ هي بِمُحَمَّدٍ ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أو لَوْ جِئْتُكُمْ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو شَيْخٍ [الهَنائِيُّ]، وخالِدٌ: "أو لَوْ جِئْناكُمْ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "قُلْ أو لَوْ أتَيْتُمْ".
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ إلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴾ ﴿ وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ ﴿ بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ وَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ إذْ قالَ إبْراهِيمُ، ولَمّا ضَرَبَ تَعالى المَثَلُ لِمُحَمَّدٍ بِالنُذُرِ وجَعَلَهم أُسْوَةً لَهُ، خَصَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ بِالذِكْرِ لِعَظْمِ مَنزِلَتِهِ، وذَكَّرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِمُنابَذَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لِقَوْمِهِ، أيْ: فافْعَلْ أنْتَ فِعْلَهُ، وتَجَلَّدَ جَلَدَهُ، و"بَراءٌ": صِفَةٌ تَجْرِي عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، كَعَدْلٍ وزُورٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "بَراءٌ" ﴾ بِفَتْحِ الباءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بُراءٌ" بِضَمِّ الباءِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ وقِراءَةِ الأعْمَشِ: "إنِّي" بِنُونٍ واحِدَةٍ "بَرِيءٌ"، قالَ الفَرّاءُ: "وَمِنَ الناسِ مَن يَكْتُبْ شَكْلَ الهَمْزَةِ المُخَفَّفَةِ ألْفًا في كُلِّ مَوْضِعٍ، ولا يُراعِي حَرَكَةَ ما قَبْلَها"، قالَ: "فَرُبَّما كانَ خَطُّ مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بِألْفٍ كَما في مُصْحَفِ الجَماعَةِ، لَكِنْ كانَ يَلْفِظُ بِها بِكَسْرِ الراءِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِي فَطَرَنِي ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وكانُوا يَعْرِفُونَ اللهَ ويُعَظِّمُونَهُ، إلّا أنَّهم كانُوا يُشْرِكُونَ مَعَهُ أصْنامَهُمْ، فَكَأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهُمْ: أنا لا أُوافِقَكم إلّا عَلى عِبادَةِ اللهِ الفاطِرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: لَكِنَّ الَّذِي فَطَرَنِي مَعْبُودِي، وعَلى هَذا فَلِمَ يَكُونُوا يَعْبُدُونَ اللهَ تَعالى لا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، وعَلَّلَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ لِقَوْمِهِ عِبادَتَهُ لِلَّهِ تَعالى، بِأنَّهُ الهادِي المُنَجِّي مِنَ العَذابِ، وفي هَذا اسْتِدْعاءٌ لَهم وتَرْغِيبٌ لَهم في اللهِ تَعالى وتَطْمِيعٌ بِرَحْمَتِهِ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَجَعَلَها" ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ عائِدٌ عَلى كَلِمَتِهِ بِالتَوْحِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿ "إنَّنِي بَراءٌ"، ﴾ وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسَدِّيُّ: ذَلِكَ مُرادٌ بِهِ: "لا إلَهَ إلّا اللهَ"، وعادَ الضَمِيرُ عَلَيْها وإنْ كانَتْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِأنَّ اللَفْظَ يَتَضَمَّنُها، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِذَلِكَ: الإسْلامُ ولَفْظَتُهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ، قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ ﴾ ، والعَقِبُ: الذَرِّيَّةُ ووَلَدُ الوَلَدِ ما امْتَدَّ فَرْعُهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ مَتَّعْتُ ﴾ الآيَةُ، كَلامٌ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، لِأنَّهُ لَمّا قالَ تَعالى: ﴿ فِي عَقِبِهِ ﴾ وكانَتْ قُرَيْشٌ مِن عَقِبِهِ اقْتَضى الكَلامُ أنْ يُقَدَّرَ فِيهِ: لَكِنَّ هَؤُلاءِ لَيْسُوا مِمَّنْ بَقِيَتِ الكَلِمَةُ فِيهِمْ بَلْ مَتَّعَتْهُمْ، والمَعْنى في الآيَةِ: بَلْ أمْهَلَتْ هَؤُلاءِ ومَتَّعَتْهم بِالنِعْمَةِ مَعَ كَفْرِهِمْ حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ، وذَلِكَ هو شَرْعُ الإسْلامِ، والرَسُولُ مُحَمَّدٌ ، و ﴿ "مَتَّعْتُ" ﴾ بِضَمِّ التاءِ هي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "مَتَّعَتَ" بِفَتْحِ التاءِ الأخِيرَةِ عَلى مَعْنى: قُلْ يا رَبِّ بَلْ مَتَّعْتَ، ورَواها يَعْقُوبُ عن نافِعٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "بَلْ مَتَّعْنا"، وهي تُعَضِّدُ قِراءَةَ الجُمْهُورِ، و"مُبِينٌ" في هَذِهِ الآيَةِ يَحْتَمِلُ التَعَدِّي وتَرْكَ التَعَدِّي.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ بِأنَّهم قالُوا لِلْقُرْآنِ: هَذا سِحْرٌ، وأنَّهم كَفَرُوا بِهِ، وإنَّما جَعَلُوهُ بِزَعْمِهِمْ سِحْرًا مِن حَيْثُ كانَ عِنْدَهم يُفَرِّقُ بَيْنَ المَرْءِ ووَلَدِهِ وزَوْجِهِ، فَجَعَلُوهُ لِذَلِكَ كالسِحْرِ، ولَمْ يَنْظُرُوا إلى الفَرْقِ في أنَّ المُفارِقَ بِالقُرْآنِ يُفارِقُ عن بَصِيرَةٍ في الدِينِ، والمَفارِقُ بِالسِحْرِ يُفارِقُ عن خَلَلٍ في دِينِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضَهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْلا أنْ يَكُونَ الناسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ﴾ ﴿ وَلِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ ﴾ ﴿ وَزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ الضَمِيرُ في "قالُوا" لِقُرَيْشٍ، وذَلِكَ أنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا أوَّلًا أنْ يُرْسِلَ اللهُ تَعالى بَشَرًا، فَلَمّا تَقَرَّرَ أمْرُ مُوسى، وعِيسى، وإبْراهِيمَ عَلَيْهُمُ السَلامُ، ولَمْ يَكُنْ لَهم في ذَلِكَ مِدْفَعٌ رَجَعُوا يُناقِضُونَ فِيما يَخُضُّ مُحَمَّدًا بِعَيْنِهِ، فَقالُوا: لِمَ كانَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- ولَمْ يَكُنْ نُزُولُ الشَرْعِ عَلى رَجُلٍ مِن إحْدى الفِرْقَتَيْنِ عَظِيمٍ؟، وقَدَّرَ المِبْرَدُ قَوْلَهُمْ: عَلى رَجُلٍ مِن رَجُلَيْنِ مِنَ القَرْيَتَيْنِ، والقَرْيَتانِ: مَكَّةُ والطائِفُ، ورَجُلُ مَكَّةَ الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ المَخْزُومِيِّ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو عَتَبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وقالَ قَتادَةُ: بَلَغَنا أنَّهُ لَمْ يَبْقَ فَخْذٌ مِن قُرَيْشٍ إلّا ادَّعاهُ، ورَجُلُ الطائِفِ، قالَ قَتادَةُ: هو عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: حَبِيبُ بْنُ عَبْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: كِنانَةُ بْنُ عَبْدِ يالِيلٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما قَصَدُوا إلى مَن عَظُمَ ذِكْرَهُ بِالسِنِّ والقِدَمِ، وإلّا فَرَسُولُ اللهِ كانَ حِينَئِذٍ أعْظَمُ مِن هَؤُلاءِ لَكِنْ لَمّا عَظُمَ أُولَئِكَ قَبْلَ مُدَّةِ النَبِيِّ وفي صِباهُ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ لَهم.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهُمْ- بِقَوْلِهِ: ﴿ أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ﴾ ، المَعْنى: عَلى اخْتِيارِهِمْ وإرادَتِهِمْ تَنْقَسِمُ الفَضائِلُ والمَكانَةُ عِنْدَ اللهِ تَعالى؟
و"الرَحْمَةُ": اسْمٌ يَعُمُّ جَمِيعَ هَذا، ثُمَّ أُخْبِرَ تَعالى خَبَرًا جازِمًا بِأنَّهُ قاسِمُ المَعايِشِ والدَرَجاتِ في الدُنْيا لِيَسْخَرَ بَعْضُ الناسِ بَعْضًا، المَعْنى: فَإذا كانَ اهْتِمامُنا بِهِمْ أنْ نُقَسِّمَ هَذا الحَقِيرَ الفانِيَ، فالأحْرى أنْ نُقَسِّمَ الأهَمَّ الخَطِيرَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهُمْ ﴾ تَزْهِيدٌ في السِعاياتِ، وعَوْنٌ عَلى التَوَكُّلِ عَلى اللهِ تَعالى، ولِلَّهِ دَرُّ القائِلِ: لَمّا أتى "نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ" زالَ المِرا وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَعِيشَتُهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ: "مَعايِشُهُمْ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سُخْرِيًّا" بِضَمِّ السِينِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "سِخْرِيًّا" بِكَسْرِ السِينِ، وهُما لُغَتانِ في مَعْنى التَسْخِيرِ، ولا مَدْخَلَ لِمَعْنى الهَزْءِ في هَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ قالَ قَتادَةُ، والسَدِّيُّ: يَعْنِي الجَنَّةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لا شَكَّ أنَّ الجَنَّةَ هي الغايَةُ، ورَحْمَةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في الدُنْيا بِالهِدايَةِ والإيمانِ خَيْرٌ مِن كُلِّ مالٍ، وهَذا اللَفْظُ تَحْقِيرٌ لِلدُّنْيا، ثُمَّ اسْتَمَرَّ القَوْلُ في تَحْقِيرِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا أنْ يَكُونَ الناسُ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ مَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللهَ تَعالى أبْقى عَلى عَبِيدِهِ وأنْعَمَ بِمُراعاةِ بَقاءِ الخَيْرِ والإيمانِ وشاءَ حِفْظَهُ عَلى طائِفَةٍ مِنهم بَقِيَّةَ الدَهْرِ، ولَوْلا كَراهِيَةٌ أنْ يَكُونَ الناسُ كُفّارًا كُلَّهم وأهْلَ حُبٍّ في الدُنْيا وتَجَرُّدٍ لَها لَوَسَّعَ اللهُ تَعالى عَلى الكُفّارِ غايَةَ التَوْسِعَةِ ومَكَّنَهم مِنَ الدُنْيا، إذْ حَقارَتُها عِنْدَهُ تَقْتَضِي ذَلِكَ، لِأنَّها لا قَدْرَ لَها ولا وزْنَ لِفَنائِها وذِهابَ رُسُومِها، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ مَعْناهُ: في الكُفْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسَدِّيُّ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَوْ كانَتِ الدُنْيا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سَقى كافِرًا مِنها شَرْبَةَ ماءٍ"،» ثُمَّ يَتَرَكَّبُ مَعْنى الآيَةِ عَلى مَعْنى هَذا الحَدِيثِ، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِمَن يَكْفُرُ ﴾ لامُ المُلْكِ، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "لِبُيُوتِهِمْ" ﴾ لامُ تَخْصِيصٍ، كَما تَقُولُ: هَذا الكِساءُ لِزَيْدٍ لِدابَّتِهِ، أيْ: هو لِدابَّتِهِ حِلْسٌ ولِزَيْدٍ مِلْكٌ.
قالَ المَهْدَوِيُّ: ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ السَقْفَ لِرَبِّ البَيْتِ الأسْفَلِ؛ إذْ هو مَنسُوبٌ إلى البُيُوتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفَقُّهُ واهِنٌ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "سُقُفًا" بِضَمِّ السِينِ والقافِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "سُقْفًا" بِضَمِّ السِينِ وسُكُونِ القافِ، وهَذانَ جَمْعانِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: "سَقْفًا" بِفَتْحِ السِينِ وسُكُونِ القافِ عَلى الإفْرادِ، و"المَعارِجُ": الأدْراجُ الَّتِي يَطَّلِعُ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والناسُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "وَمَعارِيجَ" بِزِيادَةِ ياءٍ، و"يَظْهَرُونَ": مَعْناهُ: يَعْلُونَ، ومِنهُ حَدِيثُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها: « "والشَمْسُ في حُجْرَتِها قَبْلَ أنْ تَظْهَرَ"،» وَ"السُرُرُ": جَمْعُ سَرِيرٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في "الزُخْرُفِ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسَدِّيُّ: الزُخْرُفُ: الذَهَبُ نَفْسُهُ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "إيّاكم والحُمْرَةَ فَإنَّها مِن أحَبِّ الزِينَةِ إلى الشَيْطانِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الحُسْنُ أحْمَرُ، والشَهَواتُ تَتْبَعُهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الزُخْرُفُ: أثاثُ البَيْتِ وما يَتَّخِذُ لَهُ مِنَ السُتُورِ والنَمارِقِ ونَحْوَهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الزُخْرُفُ: التَزاوِيقُ والنَقْشُ ونَحْوَهُ مِنَ التَزْيِينِ، وشاهِدُ هَذا القَوْلَ: ﴿ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ ﴾ .
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَما" بِتَخْفِيفِ المِيمِ مِن "لَمّا" فَـ "إنَّ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ في "لَمّا" داخِلَةٌ لِتَفْصِلَ بَيْنَ النَفْيِ والإيجابِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وهِشامٌ -بِخِلافٍ عنهُ- والحَسَنُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى: "لَمّا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ مِن "لَمّا"، فَإنَّ "إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما"، و"لَمّا": بِمَعْنى: إلّا، وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ: "نَشَدْتُكَ اللهَ لَمّا فَعَلْتَ"، وحَمَلَهُ عَلى "إلّا".
وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَما ذَلِكَ إلّا مَتاعَ الحَياةِ الدُنْيا"، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "لِما" بِكَسْرِ اللامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ، فَـ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، والعائِدُ عَلَيْها مَحْذُوفٌ، والتَقْدِيرُ: وإنْ كُلَّ ذَلِكَ لِلَّذِي هو مَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ وعْدٌ كَرِيمٌ وتَحْرِيضٌ عَلى التَقْوى، إذْ في الآخِرَةِ هو التَبايُنُ في المَنازِلِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَن يَعْشُ عن ذِكْرِ الرَحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ ﴾ ﴿ وَإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ ﴾ ﴿ حَتّى إذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ ﴾ ﴿ وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ ﴾ "مَن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن يَعْشُ ﴾ شَرْطِيَّةٌ، و"عَشا يَعْشُو" مَعْناهُ: قَلَّ الإبْصارُ، كالَّذِي يَعْتَرِي في اللَيْلِ، وكَذَلِكَ هو الأعْشى مِنَ الرِجالِ، ويُقالُ: عَشا الرَجُلُ يَعْشُو عَشْوًا، إذا فَسَدَ بَصَرُهُ فَلَمْ يَرَ، أو لَمْ يَرَ إلّا قَلِيلًا، وقَرَأ قَتادَةُ، ويَحْيى بْنُ سَلّامٍ البَصْرِيُّ: "وَمَن يَعِشْ" بِفَتْحِ الشِينِ، وهي مِن قَوْلِهِمْ: عَشِيَ يَعْشى، والأكْثَرُ عَشا يَعْشُو، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: مَتى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ ∗∗∗ تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدَها خَيْرُ مَوْقِدِ وفِي شِعْرٍ آخَرَ: ..........................
∗∗∗ ∗∗∗ تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا وجَمْرًا تَأجَّجا وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَمَن يَعْشُ عَنِ الرَحْمَنِ"، وسَقَطَ "ذِكْرُ"، فالمَعْنى في الآيَةِ: ومَن يَقِلُّ نَظَرُهُ في شَرْعِ اللهِ تَعالى ويُغْمِضُ جُفُونَهُ عَنِ النَظَرِ في ذِكْرِ الرَحْمَنِ، أيْ: فِيما ذَكَّرَ بِهِ عِبادَهُ، فالمَصْدَرُ إلى الفاعِلِ، ﴿ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا ﴾ ، أيْ: نُيَسِّرُ لَهُ، وهَذا هو العِقابُ عَلى الكُفْرِ بِالحَتْمِ وعَدَمِ الفَلاحِ، وهَذا كَما يُقالُ: إنَّ اللهَ تَعالى يُعاقِبُ عَلى المَعْصِيَةِ بِالتَزَيُّدِ في المَعاصِي، ويُجازِي عَلى الحَسَناتِ بِالتَزَيُّدِ في الحَسَناتِ، وقَدْ رُوِيَ هَذا المَعْنى مَرْفُوعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "نُقَيِّضْ" ﴾ بِالنُونِ، وقَرَأ عاصِمٌ، الأعْمَشُ وأبُو عَمْرُو بِخِلافٍ عنهُ-: "يُقَيِّضُ" بِالياءِ ﴿ "شَيْطانًا"، ﴾ أيْ: يُقَيِّضُ اللهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: "يُقَيَّضُ لَهُ شَيْطانٌ" بِفَتْحِ الياءِ الثانِيَةِ وشَدِّها ورَفْعِ النُونِ مِن "شَيْطانٍ".
والضَمِيرُ في ﴿ "وَإنَّهُمْ" ﴾ عائِدٌ عَلى الشَياطِينِ، وفِي: "يَصُدُّونَهُمْ" عَلى الكُفّارِ، و"السَبِيلُ" هي سَبِيلُ الهُدى والفَوْزِ، والضَمِيرُ فِي: "يَحْسَبُونَ" لِلْكُفّارِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - وابْنِ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وقَتادَةَ، والزَهْرِيِّ، والجَحْدَرِيِّ: "حَتّى إذا جاءانا" عَلى التَثْنِيَةِ، يُرِيدُ العاشِي والقَرِينِ، قالَهُ سَعِيدٌ الحَرِيرِيُّ، وقَتادَةُ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْرَجُ، وعِيسى، والأعْمَشُ، وعاصِمٌ: "جاءَنا"، يُرِيدُ العاشِيَ وحْدَهُ، وفاعِلُ: "قالَ": هو العاشِي.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ مَعانٍ، أحَدُها: أنْ يُرِيدَ: بُعْدَ المَشْرِقِ مِنَ المَغْرِبِ، فَسَمّاهُما مَشْرِقَيْنِ، كَما يُقالُ: القَمَرانِ، والعُمْرانُ، قالَ الفَرَزْدَقُ: ........................
∗∗∗ ∗∗∗ لَنا قَمَراها والنُجُومُ الطَوالِعُ والثانِي: أنْ يُرِيدَ مَشْرِقَ الشَمْسِ في أطْوَلِ يَوْمٍ، ومَشْرِقَها في أقْصَرِ يَوْمٍ، فَكَأنَّهُ أخَذَ نِهايَتِي المَشارِقِ، والثالِثُ: أنْ يُرِيدَ: بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ مِنَ المَغْرِبَيْنِ، فاكْتَفى بِذِكْرِ المَشْرِقَيْنِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ ﴾ الآيَةُ حِكايَةٌ عن مَقالَةٍ تُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، وهي مُقالَةٌ مُوحِشَةٌ حَرَمَتْهم رُوحَ التَأسِّي، لِأنَّهُ يُوقِفُهم بِها عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُهُمُ التَأسِّي، وذَلِكَ لِعِظَمِ المُصِيبَةِ وطُولِ العَذابِ واسْتِمْرارِ مُدَّتِهِ، إذِ التَأسِّي راحَةٌ لِكُلِّ مُصابٍ في الدُنْيا في الأغْلَبِ، ألّا تَرى إلى قَوْلِ الخَنْساءِ: ولَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلَتْ نَفْسِي وما يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ ∗∗∗ أُعَزِّي النَفْسَ عنهُ بِالتَأسِّي فَهَذا التَأسِّي قَدْ كَفاها مُؤَوْنَةَ قَتْلِ النَفْسِ، فَنَفى اللهُ تَعالى عنهُمُ الِانْتِفاعَ بِالتَأسِّي، وفي ذَلِكَ تَعْذِيبٌ لَهم ويَأْسٌ مِن كُلِّ خَيْرٍ، وفاعِلُ ﴿ "يَنْفَعَكُمُ": ﴾ الِاشْتِراكُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "أنَّكُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "إنَّكُمْ" بِكَسْرِ الألِفِ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُ "يَنْفَعَكُمُ" التَبَرُّؤُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ ﴾ ، وعَلى هَذا يَكُونُ "أنَّكُمْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، وتَخْرُجُ الآيَةُ عَلى مَعْنى نَفْيِ الأُسْوَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُمَّ أو تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ ﴾ ﴿ أو نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ﴾ ﴿ فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ ﴾ ﴿ واسْألْ مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا أجَعَلْنا مَن دُونِ الرَحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾ لَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى حالَ الكُفّارِ في الآخِرَةِ وما يُقالُ لَهم وهم في العَذابِ، اقْتَضى ذَلِكَ أنْ تُشْفِقَ النُفُوسُ، وأنَّ يَنْظُرَ كُلُّ سامِعٍ لِنَفْسِهِ ويَسْعى في خَلاصِها، فَلَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ مَعَ هَذا الَّذِي سَمِعَتْ لَمْ تَزَلْ عن عُتُوِّها وإعْراضِها عن أمْرِ اللهِ تَعالى رَجَعَتِ المُخاطَبَةُ إلى مُحَمَّدٍ عَلى جِهَةِ التَسْلِيَةِ لَهُ عنهُمْ، وشَبَّهَهم بَـالصُمِّ والعُمْيِ إذْ كانَتْ حَواسُّهم لا تُفِيدُ شَيْئًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ يُرِيدُ بِذَلِكَ قُرَيْشًا بِأنْفُسِهِمْ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: "أو مَن كانَ"، بَلْ جاءَ بِالواوِ العاطِفَةِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: "وَهَؤُلاءِ"، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا عَوْدَ الضَمِيرِ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنّا مِنهُمْ ﴾ ، ولَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ إلّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن كانَ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإمّا نَذْهَبَنَّ ﴾ الآيَةُ....آيَةٌ تَتَضَمَّنُ وعِيدًا واقِعًا، وذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّ المُتَوَعِّدِينَ هُمُ الكُفّارُ، وأنَّ اللهَ تَعالى أرى نَبِيَّهُ الَّذِي وعَدَهم في بَدْرٍ والفَتْحٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وذَهَبَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ إلى أنَّ المُتَوَعِّدِينَ هم في هَذِهِ الأُمَّةِ، وأنَّ اللهَ تَعالى أكْرَمَ نَبِيَّهُ عَلى أنْ يَنْتَقِمَ مِنهم بِحَضْرَتِهِ وفي حَياتِهِ، فَوَقَعَتِ النِقْمَةُ مِنهم بَعْدَ أنْ ذَهَبَ بِهِ، وذَلِكَ في الفِتَنِ الحادِثَةِ في صَدْرِ الإسْلامِ مَعَ الخَوارِجِ وغَيْرِهِمْ، قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: أكْرَمَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ عَلى أنْ يَرى في أُمَّتِهِ ما يَكْرَهُ كَما رَأى الأنْبِياءُ صَلَواتِ اللهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ، فَكانَتِ النِقْمَةُ بَعْدَ ذَهابِهِ ، وقَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رِضى اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ قَرَأ: ﴿ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ ﴾ فَقالَ: " بِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ "،» والقَوْلُ الأوَّلُ مِن تَوَعُّدِ الكُفّارِ أكْثَرُ.
ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِالتَمَسُّكِ بِما جاءَهُ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى مِنَ الوَحْيِ المَتْلُوِّ وغَيْرِهِ، والصِراطُ: الطَرِيقُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أُوحِيَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الضَحّاكُ: "أُوحِيَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أيْ: أوحى اللهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَبارَكَ وتَعالى: وإنَّهُ لَشَرَفٌ وحَمْدٌ في الدُنْيا -والقَوْمُ عَلى هَذا- قُرَيْشٌ ثُمَّ العَرَبُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، والسَدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: «كانَ رَسُولُ اللهِ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلى القَبائِلِ، فَإذا قالُوا لَهُ: فَلِمَن يَكُونُ الأمْرُ بِعْدَكَ؟
سَكَتَ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَكانَ إذا سُئِلَ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ: لِقُرَيْشٍ، فَكانَتِ العَرَبُ لا تَقْبَلُ عَلى ذَلِكَ حَتّى قَبِلَتْهُ الأنْصارُ رِضى اللهِ عنهُمْ،» ورَوى ابْنُ عُمَرَ رِضى اللهُ عنهُما أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "لا يَزالُ هَذا الأمْرُ في قُرَيْشٍ ما بَقِيَ مِنهُمُ اثْنانِ"،» ورَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ عنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ: « "لا يَزالُ الأمْرُ في قُرَيْشٍ ما دامُوا، إذا حَكَوْا عَدَلُوا، وإذا اسْتَرْحَمُوا رَحِمُوا، وإذا عاهَدُوا وفَوْا، فَمَن لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكَةِ والناسِ أجْمَعِينَ"،» ورَوى مُعاوِيَةُ أنَّهُ قالَ: « "لا يَزالُ هَذا الأمْرُ في قُرَيْشٍ ما أقامُوا الدِينَ"،» ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَعالى: وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ ومَوْعِظَةٌ، و"القَوْمُ" -عَلى هَذا- أُمَّتُهُ بِأجْمَعِها، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَوْفَ تُسْألُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: عن أوامِرِ القُرْآنِ ونَواهِيهِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْناهُ: عن شُكْرِ النِعْمَةِ فِيهِ، واللَفْظُ يَحْتَمِلُ هَذا كُلَّهُ ويَعُمُّهُ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِالسُؤالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واسْألْ مَن أرْسَلْنا ﴾ ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ، أرادَ تَعالى أنِ اسْألْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، ذَكَرَ ذَلِكَ النَقّاشُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِيهِ بُعْدٌ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والزَهْرِيُّ، أرادَ تَعالى: واسْألِ الرُسُلَ إذا لَقَيْتُهم لَيْلَةَ الإسْراءِ، أمّا إنَّ النَبِيَّ لَمْ يَسْألِ الرُسُلَ عَلَيْهِمِ السَلامُ لَيْلَةَ الإسْراءِ عن هَذا، لِأنَّهُ كانَ أثْبَتُ يَقِينًا مِن ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ في شَكٍّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ، أرادَ تَعالى: واسْألْنِي، أو واسْألْنا عَمَّنْ أرْسَلْنا، والأُولى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- أنْ يَكُونَ: ﴿ مَن أرْسَلْنا ﴾ اسْتِفْهامًا أمْرَهُ أنْ يَسْألَ بِهِ، كَأنَّ سُؤالَهُ: يا رَبِّ، مَن أرْسَلَتْ قَبَلِيِّ مِن رُسِلِكَ؟
أجَعَلْتَ في رِسالَتِهِ الأمْرَ بِآلِهَةٍ يُعْبَدُونَ؟
ثُمَّ ساقَ السُؤالَ مَحْكِيُّ المَعْنى، فَرَدَّ المُخاطَبَةِ إلى مُحَمَّدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلِكَ ﴾ ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسَدِّي، وعَطاءُ، أرادَ تَعالى: واسْألْ تُبّاعَ مَن أرْسَلْنا وحَمْلَةَ شَرائِعِهِمْ، لِأنَّ المَفْهُومَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى سُؤالِهِ الرُسُلَ إلّا بِالنَظَرِ في آثارِهِمْ وكُتُبِهِمْ وسُؤالِ مَن حَفِظَها، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "واسْئَلِ الَّذِينَ أرْسَلَنا إلَيْهِمْ قَبِلَكَ رُسُلُنا"، فَهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيَّدُ هَذا المَعْنى، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ ﴾ مَفْهُومٌ أنَّهُ لا يَسْألُ إلّا أهْلَها، ومِمّا يَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهِ والرَسُولِ ﴾ ، فَمَفْهُومٌ أنَّ الرَدَّ إنَّما هو إلى كِتابِ اللهِ تَعالى وسَنَةِ رَسُولِهِ ، وأنَّ المُحاوَرَةَ في ذَلِكَ إنَّما هم لِتُبّاعِهِمْ وحَفَظَةِ الشَرْعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يُعْبَدُونَ" ﴾ أُخْرِجُ الضَمِيرُ عَلى حَدِّ مَن يَعْقِلُ مُراعاةً لِلَفْظِ الآلِهَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ ﴾ ﴿ وَما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا يا أيُّهَ الساحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا كَشَفْنا عنهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ ﴾ هَذِهِ آيَةُ ضَرْبِ مَثَلٍ وأُسْوَةٍ لِمُحَمَّدٍ بِمُوسى صَلّى اللهُ عَلَيْهِما، ولِكَفّارِ قُرَيْشٍ بِقَوْمِ فِرْعَوْنَ ومَلائِهِ، والآياتُ الَّتِي أُرْسِلَ بِها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هي التِسْعُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا جاءَتْ بِهِ الرِواياتُ، وخَصَّ اللهُ تَعالى المَلَأِ بِالذِكْرِ لِأنَّهم يَسُدُّونَ مَسَدَّ جَمِيعِ الناسِ، ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِالضَحِكِ مِن آياتِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، كَما كانَتْ قُرَيْشٌ تَضْحَكُ وتَسْخَرُ مِن أخْبارِ مُحَمَّدٍ .
ثُمَّ وصَفَ تَعالى صُورَةَ عَرْضِ الآياتِ عَلَيْهِمْ وأنَّها كانَتْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها ﴾ عِبارَةٌ عن شِدَّةِ مَوْقِعِها في نُفُوسِهِمْ بِجِدَّةِ أمْرِها وحُدُوثِهِ، وذَلِكَ أنَّ أوَّلَ آيَةٍ عَرَضَها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هِيَ: العَصا واليَدُ، وكانَتْ أكْبَرَ آياتِهِ، ثُمَّ كَلُّ آيَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ تَقَعُ فَتُعَظَّمُ عِنْدَهم لِحِينِها وتَكْبُرُ، لِأنَّهم قَدْ كانُوا أنْسَوُا الَّتِي قَبِلَها، كَما قالَ الشاعِرُ: عَلى أنَّها تَعْفُو الكُلُومُ وإنَّما ∗∗∗ تُوكَّلُ بِالأدْنى وإنْ جَلَّ ما يُقْضى وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ الآياتِ هُنا هي الحُجَجُ والبَيِّناتُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أخْذَهم بِالعَذابِ في القَمْلِ والضَفادِعِ والدَمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهَذا كَما أخَذَ قُرَيْشًا بِالسِنِينَ والدُخانِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لَعَلَّهُمْ" ﴾ تَرَجٍّ بِحَسَبِ مُعْتَقَدِ البَشَرِ وظَنِّهِمْ، و ﴿ "يَرْجِعُونَ": ﴾ مَعْناهُ: يَتُوبُونَ ويُقْلِعُونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا يا أيُّهَ الساحِرُ ﴾ جائِزٌ أنْ يَكُونَ قائِلُ ذَلِكَ مَن أعْلَمَهم بِكُفْرِ السِحْرِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ اسْتِهْزاءٍ وهو يَعْلَمُ قَدْرَ السِحْرِ وانْحِطاطَ مَنزِلَتِهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ "عِنْدَكَ" ﴾ بِمَعْنى: في زَعْمِكَ وعَلى قَوْلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القائِلُ لَيْسَ مِنَ المُتَمَرِّدِينَ الحُذّاقِ مِنهُمْ، ويُطْلَقُ لَفْظَةُ الساحِرِ لِأحَدِ وجْهَيْنِ، إمّا لِأنَّ السِحْرَ كانَ عِنْدَ عامَّتِهِمْ عِلْمُ الوَقْتِ، فَكَأنَّهُ قالَ: يا أيُّها العالَمُ، وإمّا لِأنَّ هَذِهِ الِاسْمِيَّةَ قَدْ كانَتِ انْطَلَقَتْ عِنْدَهم عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِأوَّلِ ظُهُورِهِ فاسْتَصْحَبَها هَذا القائِلُ في مُخاطَبَتِهِ قِلَّةَ تَحْرِيرٍ وغَباوَةً، ويَكُونُ القَوْلُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- جِدًّا مِنَ القائِلِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ ﴾ بِمَعْنى: إنَّ نَفَعَتْنا دَعْوَتُكَ، وهَذا التَأْوِيلُ أرْجَحُ، أعْنِي أنَّ كَلامَ هَذا القائِلِ مُقْتَرِنٌ بِالجَدِّ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "يَأيُّهُ" بِهاءٍ مَضْمُومَةٍ فَقَطْ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كَشَفَ عنهُمُ العَذابَ نَكَثُوا، ولَوْ كانَ الكَلامُ هَزْلًا مِن أوَّلِهِ لَما وقَعَ نَكَثٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَنادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ ﴾ ﴿ فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أو جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ﴾ ﴿ فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ ﴾ ﴿ فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلا لِلآخِرِينَ ﴾ نِداءُ فِرْعَوْنَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِلِسانِهِ في نادِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِأنْ أمَرَ مَن يُنادِي في الناسِ، ومَعْنى هَذِهِ الحُجَّةِ الَّتِي نادى بِها أنَّهُ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ فَضْلَهُ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، إذْ هو مَلِكُ مِصْرَ، وصاحِبُ الأنْهارِ والنِعَمِ، ومُوسى -عَلَيْهِ السَلامُ- خامِلٌ مُتَعَلِّلٌ لا دُنْيا لَهُ، قالَ: فَلَوْ أنَّ إلَهَ مُوسى يَكُونُ حَقًّا كَما يَزْعُمُ، لِما تَرَكَ الأمْرَ هَكَذا، ومِصْرُ مِن بَحْرِ الإسْكَنْدَرِيَّةِ إلى أسْوانَ بِطُولِ النِيلِ، والأنْهارُ الَّتِي أشارَ إلَيْها هي الخِلْجانُ الكِبارُ الخارِجَةُ مِنَ النِيلِ وأعْظَمُها نَهْرُ الإسْكَنْدَرِيَّةِ وتُنِيسِ ودِمْياطَ ونَهْرُ طُولُونِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ أمْ أنا خَيْرٌ ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: "أمْ" هَذِهِ المُعادَلَةُ، والمَعْنى: "أفَأنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ أمْ تُبْصِرُونَ"، فَوَضَعَ مَوْضِعَ قَوْلِهِ: "أمْ تُبْصِرُونَ" الأمْرُ الَّذِي هو حَقِيقٌ أنْ يُبْصَرَ عِنْدَهُ، وهو أنَّهُ خَيْرٌ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، و"لا" -عَلى هَذا النَظَرِ- نافِيَةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: أفَلا تُبْصِرُونَ أمْ لا تُبْصِرُونَ؟، ثُمَّ اقْتَصَرَ عَلى "أمْ" لِدَلالَةِ ظاهِرِ الكَلامِ عَلى المَحْذُوفِ مِنهُ، وابْتَدَأ قَوْلَهُ: "أنا خَيْرٌ مِنهُ" إخْبارًا مِنهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ -عَلى هَذا النَظَرِ- بِمَنزِلَةِ: "هَلّا" و"لَوْلا" عَلى مَعْنى التَخْضِيضِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أمْ" بِمَعْنى بَلْ.
وَقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "أمّا أنا خَيْرٌ"، حَكّاهُ الفَرّاءُ، وكانَ مُجاهِدٌ يَقِفُ عَلى "أمْ"، ثُمَّ يَبْتَدِئُ: "أنا خَيْرٌ مِنهُ"، قالَ قَتادَةُ: وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رِضى اللهِ تَعالى عنهُ: "أمْ أنا خَيْرٌ أمْ هَذا".
و"مَهِينٌ": مَعْناهُ: ضَعِيفٌ وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا يَكادُ يُبِينُ ﴾ إشارَةٌ إلى ما بَقِيَ في لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن أثَرِ الجَمْرَةِ، وذَلِكَ أنَّها كانَتْ أحْدَثَتْ في لِسانِهِ عُقْدَةً، فَلَمّا دَعا في أنْ تُحَلَّ لِيُفْقَهَ قَوْلُهُ أُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ، لَكِنَّهُ بَقِيَ أثَرٌ كانَ البَيانُ يَقَعُ مِنهُ، لَكِنَّ فِرْعَوْنَ عَيَّرَ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ "وَلا يَكادُ" ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ يُبَيِّنُ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ: "يُبَيِّنُ" بِفَتْحِ الياءِ الأُولى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَوْلا أُلْقِيَ ﴾ : يُرِيدُ: مِنَ السَماءِ تَكْرِمَةً لَهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أُلْقِيَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الضَحّاكُ: "ألْقى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والقافِ عَلى بِنائِهِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ "أساوِرَةً" نَصْبًا، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "أساوِرَةٌ"، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ: "أسْوِرَةً"، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وأبِي رَجاءٍ، ومُجاهِدٍ، وقَرَأ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "أساوِرُ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رِضى اللهُ عنهُ: "أساوِيرُ"، ويُقالُ: سُوارٌ وإسْوارٌ لِما يُجْعَلُ في الذِراعِ مِنَ الحُلِيِّ، حَكى أبُو زَيْدٍ اللُغَتَيْنِ، وأبُو عَمْرُو بْنُ العَلاءِ، وهو كالقَلْبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما والناسُ، وكانَتْ عادَةُ الرِجالِ يَوْمَئِذٍ حَبْسَ ذَلِكَ والتَزَيُّنَ بِهِ، و"أساوِرَةٌ" جَمْعُ إسْوارٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ "أسْوِرَةٍ"، كَأسْقِيَةٍ وأساقِي، وكَذَلِكَ: "أساوِرَةٌ" جَمْعُ إسْوارٍ، والهاءُ فِي: "أساوِرَةٍ" عِوَضٌ عَنِ الياءِ المَحْذُوفَةِ، لِأنَّ الجَمْعَ إنَّما هو "أساوِيرُ" كَما في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَحَذَفُوا الياءَ وجَعَلُوا الهاءَ عِوَضًا مِنها، كَما قالُوا ذَلِكَ في زَنادِقَةٍ وبِطارِقَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، و"أسْوِرَةٌ": جَمْعُ سَوارٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ "مُقْتَرِنِينَ" ﴾ أيْ: يَحْمُونَهُ ويَشْهَدُونَ لَهُ ويُقِيمُونَ حُجَّتَهُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن فِرْعَوْنَ أنَّهُ اسْتَخَفَّ قَوْمَهُ بِهَذِهِ المَقالَةِ، أيْ طَلَبَ خِفَّتَهم وإجابَتَهم إلى غَرَضِهِ، فَأجابُوهُ إلى ذَلِكَ وأطاعُوهُ في الكُفْرِ لِفِسْقِهِمْ ولِما كانُوا بِسَبِيلِهِ مِنَ الفَسادِ.
و ﴿ "آسَفُونا": ﴾ مَعْناهُ: أغْضَبُونا، بِلا خِلافٍ، وإغْضابُ اللهِ تَعالى هو أنْ تَعْمَلَ الأعْمالَ الخَبِيثَةَ الَّتِي تَظْهَرُ مِن أجْلِها أفْعالُهُ الدالَّةُ عَلى إرادَةِ السُوءِ بِمَن شاءَ، والغَضَبُ -عَلى هَذا- صِفَةُ فِعْلٍ، وهو مِمّا يَتَرَدَّدُ، فَإذا كانَ بِمَعْنى مِمّا يَظْهَرُ مِنَ الأفْعالِ فَهو صِفَةُ فِعْلٍ، وإذا رُدَّ إلى الإرادَةِ فَهو صِفَةُ ذاتٍ، وفي هَذا نَظَرٌ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "سَلَفًا" بِفَتْحِ السِينِ واللامِ، جَمْعُ سالِفٍ، كَحارِسٍ وحَرَسٍ، والسُلَفُ: هو الفارِطُ مِنَ الأُمَمِ المُتَقَدِّمُ، أيْ: جَعَلْناهم مُتَقَدِّمِينَ لِلْأُمَمِ الكافِرَةِ عِظَةً ومَثَلًا لَهم يَعْتَبِرُونَ بِهِمْ، أو يَقَعُونَ فِيما وقَعُوا فِيهِ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ النَبِيِّ : « "يَذْهَبُ الصالِحُونَ أسْلافًا"»، وقَوْلُهُ في ولَدِهِ إبْراهِيمَ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَلَيْهِما السَلامُ: « "نَدْفِنُهُ عِنْدَ سَلَفِنا الصالِحِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ "،» وقَرَأ حَمِيدُ الأعْرَجِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "سُلُفًا" بِضَمِّ السِينِ واللامِ، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللهِ وأصْحابِهِ، وسَعْدِ بْنِ عِياضٍ، وابْنِ كَثِيرٍ، وهو جَمْعُ: سَلِيفٍ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنَ القاسِمِ بْنِ مَعْنٍ أنَّهُ سَمِعَ العَرَبَ تَقُولُ: مَضى سَلِيفٌ مِنَ الناسِ، بِمَعْنى السَلَفِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رِضى اللهُ عنهُ، وحَمِيدُ الأعْرَجُ أيْضًا: "سُلَفًا" بِضَمِّ السِينِ وفَتْحِ اللامِ، كَأنَّهُ جَمْعُ سُلْفَةٍ، بِمَعْنى الأُمَّةِ والقَطَّةٍ، والآخَرُونَ: هم مَن يَأْتِي مِنَ البَشَرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ ﴿ إنْ هو إلا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلا لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ﴿ وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ ﴾ ﴿ وَإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ ﴿ وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما، وغَيْرِهِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ ﴾ الآيَةُ، ونَزَلَ مَعَ ذَلِكَ ذِكْرُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وحالِهِ وكَيْفَ خُلِقَ مِن غَيْرِ فَحْلٍ، قالَتْ فِرْقَةٌ: ما يُرِيدُ مُحَمَّدٌ -عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- مِن ذِكْرِ عِيسى إلّا أنْ نَعْبُدَهُ نَحْنُ كَما عَبَدَتِ النَصارى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَهَذا كانَ صُدُودَهم مَن ضَرَبَهُ مَثَلًا، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والنَخْعِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ وثّابٍ: "يَصُدُّونَ" بِضَمِّ الصادِ، بِمَعْنى: يَعْرِضُونَ، وقَرَأ الباقُونَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ: "يَصِدُّونَ" بِكَسْرِ الصادِ، بِمَعْنى يَضْحَكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وأنْكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهَ عنهُما ضَمَّ الصادِّ، ورُوِيَتْ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رِضى اللهُ عنهُ، وقالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، مِثْلُ "يَعْرِشُونَ، و"يَعْرُشُونَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ ﴾ ابْتِداءُ مَعْنًى ثانٍ، وذَلِكَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ جاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزِبْعَرِيِّ ونُظَراؤُهُ، فَقالُوا: نَحْنُ نَخْصِمُ مُحَمَّدًا، أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ عِيسى؟
وعَلِمُوا أنَّ الجَوابَ أنْ يُقالَ عِيسى، قالُوا: وهَذِهِ آيَةُ الحَصَبِ لَنا أو لِكُلِّ الأُمَمِ مِنَ الكُفّارِ؟
فَقالَ النَبِيُّ : "بَلْ لِكُلٍّ مِن تَقَدُّمٍ أو تَأخُّرٍ مِنَ الكُفّارِ"، فَقالُوا: نَحْنُ نَرْضى أنْ تَكُونَ آلِهَتُنا مَعَ عِيسى، إذْ هو خَيَّرَ مِنها، وإذْ قَدْ عَبَدَ فَهو مِنَ الحَصَبِ إذَنْ، فَقالَ اللهُ تَعالى: ﴿ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا ﴾ » أيْ: ما مَثَّلُوا هَذا التَمْثِيلَ إلّا جَدَلًا مِنهم ومُغالَطَةً، ونَسُوا أنَّ عِيسى لَمْ يَعْبُدْ بِرِضى مِنهُ ولا عن إرادَةٍ، ولا لَهُ في ذَلِكَ ذَنْبٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو: "أآلِهَتُنا" بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ وهَمْزَةٍ بَعْدَها بَيْنَ بَيْنَ وألِفٍ بَعْدَها، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ بَعْدَ الثانِيَةِ ألْفٌ، وقَرَأ ورْشٌ عن نافِعٍ بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ: "آلِهَتُنا" عَلى مِثالِ الخَبَرِ، وقَرَأ قالُونَ عن نافِعٍ: "آلِهَتُنا" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ بَعْدَها مُدَّةٌ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبِ: "خَيْرٌ أمْ هَذا"، فالإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ ، وخَرَجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ الَّذِي فَسَّرْناهُ، وكَذَلِكَ قالَتْ فِرْقَةٌ مِمَّنْ قَرَأ: "ألْهَتْنا خَيْرٌ أمْ هُوَ": إنَّ الإرادَةَ مُحَمَّدٌ ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والسَدِّيُّ: المُرادُ بِـ "هُوَ": عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذا هو المُتَرَجِّحُ.
و"الجِدالُ" عِنْدَ العَرَبِ: المُحاوَرَةُ بِمُغالَطَةٍ أو تَحْقِيقٍ أو ما اتُّفِقَ مِنَ القَوْلِ، إنَّما المَقْصَدُ بِهِ أنْ يَغْلِبَ صاحِبَهُ في الظاهِرِ لا أنْ يَتَطَلَّبَ الحَقُّ في نَفْسِهِ، ورَوى أبُو أُمامَةَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "ما ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كانُوا عَلَيْهِ إلّا أُوتُوا الجَدَلَ"»، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا ﴾ قالَ أبُو أُمامَةَ: «وَرَأى النَبِيُّ قَوْمًا يَتَنازَعُونَ في القُرْآنِ فَغَضِبَ حَتّى كَأنَّما صُبَّ في وجْهِهِ الخَلُّ، وقالَ: "لا تَضْرِبُوا كِتابَ اللهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَما ضَلَّ قَوْمٌ إلّا أُوتُوا الجَدَلَ"،» ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم أهَّلَ خِصامٍ ولَدَدٍ.
وأخْبَرَ تَعالى عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ عَبْدٌ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ بِالنُبُوَّةِ والمَنزِلَةِ العالِيَةِ، وجَعَلَهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ، [وَقَوْلُهُ: "وَلَوْ نَشاءُ" الآيَةُ، أيْ: لا تَسْتَغْرِبُوا أنْ يَخْلُقَ عِيسى مِن غَيْرِ فَحْلٍ، فَإنَّ القُدْرَةَ تَقْضِي ذَلِكَ وأكْثَرُ مِنهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَجَعَلْنا مِنكُمْ ﴾ مَعْناهُ: لَجَعَلْنا بَدَلًا مِنكُمْ، أيْ: لَوْ شاءَ اللهُ تَعالى لِجَعْلٍ بَدَلًا مِن بَنِي آدَمَ مَلائِكَةً يَسْكُنُونَ الأرْضَ ويَخْلُفُونَ بَنِي آدَمَ فِيها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: يَخْلِفُ بَعْضُهم بَعْضًا.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسَدِّيُّ، والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: الإشارَةُ بِهِ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إلى مُحَمَّدٍ ، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا، وقَتادَةُ: إلى القُرْآنِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِعِلْمٌ" بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ اللامِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وقَتادَةُ، وأبُو مالِكِ الغِفارِيُّ، ومُجاهِدٌ، وأبُو نَضْرَةَ المُنْذِرِ بْنِ كَعْبٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: "وَإنَّهُ العَلَمُ" بِفَتْحِ العَيْنِ واللامِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: "وَإنَّهُ لَلْعِلْمُ" بِلامَيْنِ، وقَرَأ أُبَيِّ بْنِ كَعْبِ: "وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لِلسّاعَةِ"، فَمَن قالَ إنَّ الإشارَةَ إلى لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ حَسُنَ مَعَ تَأْوِيلِهِ "عِلْمٌ" و"عَلَمٌ"، أيْ: هو إشْعارٌ بِالساعَةِ وشَرْطٌ مِن أشْراطِها، يَعْنِي خُرُوجَهُ في آخِرِ الزَمانِ، وكَذَلِكَ مَن قالَ: الإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ إذْ هو آخِرُ الأنْبِياءِ عَلَيْهُمُ السَلامُ، فَقَدْ تَمَيَّزَتِ الساعَةُ بِهِ نَوْعًا وقَدْرًا مِنَ التَمْيِيزِ، وبَقِيَ التَحْدِيدُ التامُّ الَّذِي انْفَرَدَ اللهُ تَعالى بِعِلْمِهِ، ومَن قالَ: الإشارَةُ إلى القُرْآنِ، حَسُنَ قَوْلُهُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "لِعِلْمٌ" بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ اللامِ، أيْ: يُعْلِمُكم بِها وبِأهْوالِها وصِفاتِها، وفي قِراءَةِ مَن قَرَأ: "لَذِكْرٌ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَمْتَرُنَّ ﴾ أيْ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: لا تَشُكُّنَّ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ إشارَةٌ إلى الشَرْعِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِتَحْذِيرِ العِبادِ مِنَ الشَيْطانِ وإغْوائِهِ، ونَبِّهْهم عَلى عَداوَتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ولأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ ﴿ فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ ﴾ ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا الساعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ ﴾ ﴿ يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ "البَيِّناتُ" الَّتِي جاءَ بِها عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ هِيَ: إحْياءُ المَوْتى وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ قَتادَةُ: الإنْجِيلُ.
والحِكْمَةُ: النُبُوَّةُ، قالَهُ السَدِّيُّ وغَيْرُهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "بَعْضَ" بِمَعْنى "كُلَّ"، وهَذا ضَعِيفٌ تَرُدُّهُ اللُغَةُ، ولا حُجَّةَ لَهُ مِن قَوْلِ لَبِيدٍ: .......................
∗∗∗ أو يَعْتَلِقُ بَعْضَ النُفُوسِ حَمامُها لِأنَّهُ أرادَ نَفْسَهُ ونَفْسَ مِن مَعَهُ، وذَلِكَ بَعْضُ النُفُوسِ، وإنَّما المَعْنى الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّ الِاخْتِلافَ بَيْنَ الناسِ هو في أُمُورٍ كَثِيرَةٍ لا تُحْصى عَدَدًا، مِنها أُمُورٌ أُخْرَوِيَّةٌ ودِينِيَّةٌ، ومِنها ما لا مَدْخَلَ لَهُ في الدِينِ، فَكُلُّ نَبِيٍّ إنَّما يُبْعَثُ لِيَبِينَ أمْرَ الأدْيانِ والآخِرَةِ، فَذَلِكَ بَعْضُ ما يُخْتَلِفُ فِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ حِكايَةٌ عن عِيسى إذْ أشارَ إلى شَرْعِهِ.
و"الأحْزابُ" المَذْكُورُونَ: قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: أرادَ تَعالى: اخْتَلَفَ بَنُو إسْرائِيلَ وتَحَزَّبُوا، فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ، وهو قَلِيلٌ، وكَفَرَ الغَيْرُ، وهَذا إذا كانَ مَعَهم حاضَرا، وقالَ قَتادَةُ: الأحْزابُ هُمُ الأرْبَعَةُ الَّذِينَ كانَ لَهُمُ الرَأْيُ والمُناظَرَةُ صُرِفَتْ إلَيْهِمْ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ.
وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ وغَيْرُهُ: الأحْزابُ: النَصارى، افْتَرَقَتْ مَذاهِبُهم فِيهِ بَعْدَ رَفْعِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو اللهُ، وهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عنهُمْ: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ .
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْنُ اللهِ، وهُمُ النَسْطُورِيَّةُ، قالَ اللهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿ وَقالَتِ النَصارى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وهُمٌ المَلْكانِيَّةُ، قالَ اللهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ بِمَعْنى: مَن تَلْقائِهِمْ ومِن أنْفُسِهِمْ ثارَ شَرُّهُمْ، ولَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهُمُ الِاخْتِلافُ مِن غَيْرِهِمْ.
والضَمِيرُ فِي: ﴿ "يَنْظُرُونَ" ﴾ لِقُرَيْشٍ، والمَعْنى: يَنْتَظِرُونَ، و ﴿ "بَغْتَةً": ﴾ مَعْناهُ: فَجْأةً دُونَ مُقَدِّمَةٍ ولا إنْذارٍ بِها، ثُمَّ وصَفَ تَعالى بَعْضَ حالِ القِيامَةِ، وإنَّها -لِهَوْلِ مَطْلَعِها والخَوْفِ المُطِيفِ بِالناسِ فِيها- يَتَعادى ويَتَباغَضُ كُلُّ خَلِيلٍ كانَ في الدُنْيا عَلى غَيْرِ تُقى، لِأنَّهُ يَرى أنَّ الضَرَرَ دَخَلَ عَلَيْهِ مِن قِبَلَ خَلِيلِهِ، وأمّا المُتَّقُونَ فَيَرَوْنَ أنَّ النَفْعَ دَخَلَ بِهِمْ مِن بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، هَذا مَعْنى كَلامِ عَلَيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يا عِبادِ" ﴾ المَعْنى: يُقالُ لَهُمْ، أيْ: لِلْمُتَّقِينَ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "يا عِبادِيَ" بِفَتْحِ الياءِ، وهَذا هو الأصْلُ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "يا عِبادِي" بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ "يا عِبادِ" بِحَذْفِ الياءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحَذْفُها أحْسَنُ، لِأنَّها في مَوْضِعِ تَنْوِينٍ وهي قَدْ عاقَبَتْهُ، فَكَما يُحْذَفُ التَنْوِينُ في الِاسْمِ المُنادى المُفْرَدِ، كَذَلِكَ تُحْذَفُ الياءُ هُنا لِسُكُونِها عَلى حَرْفٍ كَما أنَّ التَنْوِينَ كَذَلِكَ، ولِأنَّها لا تَنْفَصِلُ عَنِ المُضافِ كَما لا يَنْفَصِلُ التَنْوِينُ مِنَ المُنَوَّنِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ المُعْتَمِرِ، عن أبِيهِ أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ أنَّ الناسَ حِينَ يُبْعَثُونَ لَيْسَ مِنهم أحَدٌ إلّا فُزِعَ، فَيُنادِي مُنادٍ: ﴿ يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ ، فَيَرْجُوها الناسُ كُلُّهُمْ، قالَ: ويَتْبَعُها: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ ، قالَ: فَيَيْأسُ مِنها جَمِيعُ الكُفّارِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، والزَهْرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقٍ، وعِيسى بْنِ عُمَرَ، ويَعْقُوبَ: "لا خَوْفَ" بِنَصْبِ الفاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "لا خَوْفَ" بِرَفْعِ الفاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ ﴾ ﴿ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ ﴾ ﴿ وَتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ ﴾ ﴿ "الَّذِينَ" ﴾ نَعْتٌ لِلْعِبادِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "يا عِبادِ"، ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أمْرَهُ إيّاهم بِدُخُولِ الجَنَّةِ هم وأزْواجُهُمْ، و ﴿ "تُحْبَرُونَ": ﴾ مَعْناهُ: تَنْعَمُونَ وتَسُرُّونَ، والحَبْرَةُ والحُبُورُ: السُرُورُ، و"الأكْوابُ": ضَرْبٌ مِنَ الأوانِي كالأبارِيقِ إلّا أنَّها لا آذانَ لَها ولا مَقابِضَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: ﴿ "ما تَشْتَهِيهِ" ﴾ بِإثْباتِ الهاءِ الأخِيرَةِ، وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ المَدِينَةِ ومَصاحِفِ الشامِ، وقَرَأ الباقُونَ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، والجُمْهُورُ: "ما تَشْتَهِي" بِحَذْفِ الهاءِ، وكَذَلِكَ وقَعَ في أكْثَرِ المَصاحِفِ، وحَذْفُها مِنَ الصِلَةِ لِطُولِ القَوْلِ حَسَنٌ، وذَلِكَ كَثُرَ في التَنْزِيلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولا ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى ﴾ ، وغَيْرُ ذَلِكَ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رِضى اللهُ عنهُ: "ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّهُ الأعْيُنُ" بِالهاءِ فِيهِما.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ لَيْسَ المَعْنى أنَّ الأعْمالَ أوجَبَتْ عَلى اللهِ إدْخالَهُمُ الجَنَّةَ، وإنَّما المَعْنى: أنَّ حُظُوظَهم مِنها عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ، وأمّا نَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ وأنْ يَكُونَ المَرْءُ مَن أهْلِها فَبِفَضْلِ اللهِ تَعالى وهُداهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ ﴾ ﴿ لا يُفَتَّرُ عنهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ ﴿ وَما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ ﴾ ﴿ لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ ﴾ ﴿ أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ ﴾ ﴿ أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ﴾ ﴿ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ﴾ لِما ذَكَرَ اللهُ تَعالى حالَ أهْلِ الجَنَّةِ وما يُقالُ لَهُمْ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالِ الكَفَرَةِ مِنَ الخُلُودِ في النارِ والإبْلاسِ، لِيُبَيِّنَ الفَرْقُ ولِتَتَّضِحَ الأُمُورُ الَّتِي مِنها النِذارَةُ، و"المُجْرِمُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ: الكُفّارُ، بِدَلِيلِ الخُلُودِ وما تَتَضَمَّنُهُ ألْفاظُ الآيَةِ مِن مُخاطَبَةِ مالِكٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، و"المُبْلِسُ": المُبْعِدُ اليائِسُ مِنَ الخَيْرِ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَهم فِيها مُبْلِسُونَ" أيْ في جَهَنَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما ظَلَمْناهُمْ ﴾ أيْ: ما وضَعْنا العَذابَ فِيمَن لا يَسْتَحِقُّهُ، ولَكِنْ هم ظَلَمُوا في أنْ وضَعُوا العِبادَةَ فِيمَن لا يَسْتَوْجِبُها، ووَضَعُوا الكُفْرَ والتَفْرِيطَ في جَنْبِ اللهِ تَعالى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "كانُوا هُمُ الظالِمِينَ" ﴾ عَلى الفَصْلِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "كانُوا هُمُ الظالِمُونَ" عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وأنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ خَبَرَ "كانَ"، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عن أهْلِ النارِ أنَّهم يُنادُونَ مالِكَ خازِنَ النارِ، فَيَقُولُونَ -عَلى مَعْنى الرَغْبَةِ الَّتِي هي في صِيغَةِ الأمْرِ-: ﴿ "لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ" ﴾ أيْ: لِيُمِتْنا مُدَّةً حَتّى لا يَتَكَرَّرَ عَذابُنا، «وَقَرَأ النَبِيُّ عَلى المِنبَرِ: "يا مالِكُ " بِالكافِ،» وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ويَحْيى، والأعْمَشُ: "يا مالُ" بِالتَرْخِيمِ، ورُوِيَتْ عن عَلِيِّ رِضى اللهُ عنهُ، ورَواها أبُو الدَرْداءِ رِضى اللهِ عنهُ عَنِ النَبِيِّ .
و"القَضاءُ" -فِي هَذِهِ الآيَةِ- بِمَعْنى المَوْتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ ﴾ ، ورُوِيَ في تَفْسِيرِها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما أنَّ مالِكًا يُقِيمُ بَعْدَ سُؤالِهِمْ ألْفَ سَنَةٍ، وقِيلَ: ثَمانِينَ سَنَةً، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رِضى اللهِ عنهُما: أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يَقُولُ لَهُمْ: ﴿ إنَّكم ماكِثُونَ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ جِئْناكُمْ ﴾ الآيَةُ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ مالِكٍ لِأهْلِ النارِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ "جِئْناكُمْ" ﴾ عَلى حَدِّ ما يُدْخِلُ أحَدٌ -حَمَّلَهُ الرَئِيسُ كِتابَهُ- نَفْسَهُ في فِعْلِ الرَئِيسِ، فَيَقُولُ: غَلَبْناكم وفَعَلْنا بِكم ونَحْوَ هَذا، ثُمَّ يَنْقَطِعُ كَلامُ مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿ "كارِهُونَ"، ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "لَقَدْ جِئْناكُمْ" مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لِقُرَيْشٍ بِعَقِبِ حِكايَةِ أمْرِ الكُفّارِ مَعَ مالِكٍ، وفي هَذا تَوَعُّدٌ وتَخْوِيفٌ فَصِيحٌ، بِمَعْنى: انْظُرُوا كَيْفَ يَكُونُ حالُكُمْ، ثُمَّ تَتَّصِلُ الآيَةُ -عَلى هَذا- بِما بَعْدَها مِن أمْرِ قُرَيْشٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ أبْرَمُوا أمْرًا ﴾ يُرِيدُ: هَلْ أحْكَمُوا أمْرًا مِن أُمُورِ مَكْرِهِمْ وتَدْبِيرِهِمْ عَلى مُحَمَّدٍ كَما فَعَلُوا في اجْتِماعِهِمْ عَلى مَثْلِهِ في دارِ النَدْوَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، و"أمْ" في هَذِهِ الآيَةِ: المُنْقَطِعَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَإنّا مُبْرِمُونَ"، ﴾ أيْ: فَإنّا مُحْكِمُو نَصْرَهُ وحِمايَتَهُ، والإبْرامُ: أنَّ تَجْمَعَ خَيْطَيْنِ ثُمَّ تَفْتِلُهُما فَتْلًا مُتْقَنًا، والبَرِيمُ: خَيْطٌ فِيهِ لَوْنانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ يَحْسَبُونَ ﴾ الآيَةُ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: نَزَلَتْ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ العَرَبِ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللهَ تَعالى لا يَسْمَعُ السَرارَ، ومِنهُ حَدِيثُ الثَقَفِيُّ والقُرَشِيِّينَ الَّذِينَ سَمِعَهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ رِضى اللهُ عنهُ يَقُولُونَ عِنْدَ الكَعْبَةِ: أتُرى اللهُ يَسْمَعُنا؟
فَقالَ أحَدُهُمْ: يَسْمَعُ إذا جَهَرْنا ولا يَسْمَعُ إذا أخْفَيْنا...
الحَدِيثُ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَسْمَعُ -أيْ يُدْرِكُ- السِرَّ والنَجْوى، وأنَّ رُسُلَهُ الحَفَظَةَ مِنَ المَلائِكَةِ يَكْتُبُونَ أعْمالَ البَشَرِ مَعَ ذَلِكَ، وتُعِدُّ لِلْجَزاءِ يَوْمَ القِيامَةِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: العابِدُونَ: هو مِنَ العِبادَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في مَعْنى الآيَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقالَ قَتادَةُ والسَدِّيُّ والطَبَرِيُّ: المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ -كَما تَقُولُونَ- فَأنا أوَّلُ مَن يُعْبَدُ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ تَعالى وجَلَّ.
قالَ الطَبَرِيُّ: فَهَذا إلْطافٌ في الخِطابِ، ونَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنّا أو إيّاكم لَعَلى هُدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ تَعالى في مُخاطَبَةِ الكُفّارِ: "أيْنَ شُرَكائِيَ".
وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: إنْ كانَ لِلَّهِ تَعالى ولَدٌ في قَوْلِكم فَأنا أوَّلُ مَن عَبْدَ اللهِ وحْدَهُ وكَذَّبَكُمْ، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا، وزُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وابْنُ زَيْدٍ: "إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى: "ما"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: قُلْ ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، وهُنا هو الوَقْفُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ: ﴿ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ﴾ ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: العابِدُونَ: مَن عَبَدَ الرَجُلَ إذا أنِفَ وأنْكَرَ الشَيْءَ، وقالَ الشاعِرُ: مَتى يَشَأْ ذُو الوِدِّ يَصْرِمُ خَلِيلَهُ ∗∗∗ ويَعْبُدُ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ ظالِمًا ومِنهُ حَدِيثُ عُثْمانَ وعَلِيِّ رِضى اللهُ عنهُما في المَرْجُومَةِ حِينَ قالَ عَلَيُّ: وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا، قالَ: فَما عَبَدَ عُثْمانُ أنَّ بَعْثَ إلَيْها لِتَرَدٍّ، والمَعْنى: إنْ جَعَلْتُمْ لِلرَّحْمَنِ ولَدًا وكانَ ذَلِكَ في قَوْلِكم فَأنا أوَّلُ الآنِفَيْنِ المُنْكِرَيْنِ لِذَلِكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلَدٌ" بِفَتْحِ الواوِ واللامِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ وثّابٍ، وطِلْحَةُ، والأعْمَشُ: "وُلْدٌ" بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللامِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "أوَّلُ العَبِدَيْنِ"، وهي عَلى هَذا المَعْنى، قالَ أبُو حاتِمٍ: العَبِدُ -بِكَسْرِ الباءِ-: الشَدِيدُ الغَضَبُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: أوَّلُ الجاحِدِينَ، والعَرَبُ تَقُولُ: "عَبَدَنِي حَقِّي"، أيْ جَحَدَنِي.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ سُبْحانَ رَبِّ السَماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ ﴾ ﴿ فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي في السَماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ الساعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ لَمّا قالَ: ﴿ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ﴾ نَزَّهَ الرَبُّ تَعالى عن هَذِهِ المَقالَةِ الَّتِي قالُوها، وَ ﴿ "سُبْحانَ" ﴾ تَنْزِيهٌ، وخَصَّ السَماواتِ والأرْضِ والعَرْشِ لِأنَّها أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَرْهم يَخُوضُوا ﴾ مُهادَنَةٌ ما وتُرِكَ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ " حَتّى يُلاقُوا"، ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مُحَيْصَنٍ: "حَتّى يُلْقُوا".
وقالَ الجُمْهُورُ: اليَوْمُ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هو يَوْمُ بَدْرٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي في السَماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ ﴾ آيَةُ حُكْمٍ بِعَظَمَتِهِ وإخْبارُ بِأُلُوهِيَّتِهِ، أيْ: هو النافِذُ أمْرُهُ في كُلِّ شَيْءٍ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَكَمُ بْنُ أبِي العاصِ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو الشَيْخِ، وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "وَهُوَ الَّذِي في السَماءِ اللهُ وفي الأرْضِ اللهُ"، و ﴿ "الحَكِيمُ": ﴾ المُحْكَمُ.
و"تَبارَكَ": تَفاعَلَ، مِنَ البَرَكَةِ، أيْ: تَزَيَّدَتْ بَرَكاتُهُ و ﴿ لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ﴾ حَصْرٌ لِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ المَحْسُوساتِ.
و ﴿ عِلْمُ الساعَةِ ﴾ مَعْناهُ: عِلْمُ تَحْدِيدِ قِيامِها والوَقْفِ عَلى تَعْيِينِهِ وحَصْرِهِ، وهَذا هو الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللهُ بِعِلْمِهِ، وإلّا فَنَحْنُ عِنْدَنا عِلْمُ الساعَةِ، أنَّها واقِعَةُ ذاتِ أهْوالٍ وصِفاتٍ ما، والمَصْدَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عِلْمُ الساعَةِ ﴾ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: "وَإلَيْهِ يَرْجِعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمُ، وأبُو عَمْرُو "وَإلَيْهِ تَرْجِعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ مَضْمُومَةً، وقَرَأ الأسْوَدُ، والأعْمَشُ: "يُحْشَرُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَفاعَةَ إلا مِن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ ﴿ وَقِيلِهِ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ فاصْفَحْ عنهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ ﴾ الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِمُحَمَّدٍ ، و"الَّذِينَ": هُمُ المَعْبُودُونَ، والضَمِيرُ فِي: ﴿ "يَدْعُونَ" ﴾ هو لِلْكُفّارِ الَّذِينَ عَبَدُوا غَيْرَ اللهِ تَعالى، فَأعْلَمَ تَعالى أنَّ كُلَّ مَن عَبَدَ مَن دُونِ اللهِ فَإنَّهُ لا يَمْلِكُ شَفاعَةً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَدْعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى مِن هَذِهِ الأخْبارِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُسْتَثْنى، فَقالَ قَتادَةُ: اسْتَثْنى مِمَّنْ عُبِدَ مِن دُونَ اللهِ: عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَلامُ، والمَعْنى: فَإنَّهم يَمْلِكُونَ شَفاعَةً بِأنْ يُمَكِّنَهُمُ اللهُ تَعالى إيّاهُمْ، إذْ هم مِمَّنْ شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ في كُلِّ أحْوالِهِمْ، فالِاسْتِثْناءُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مُتَّصِلٌ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: اسْتَثْنى مَن في المَشْفُوعِ فِيهِمْ، كَأنَّهُ قالَ: لا يَشْفَعُ هَؤُلاءِ المَلائِكَةُ وعُزَيْرٌ وعِيسى إلّا فِيمَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ بِالتَوْحِيدِ، فالِاسْتِثْناءُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مُنْفَصِلٌ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَكِنَّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ يَشْفَعُ فِيهِمْ هَؤُلاءِ، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أصْوَبُ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
ثُمَّ أظْهَرَ تَعالى عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ مِن أقْوالِهِمْ وإقْرارِهِمْ بِأنَّ اللهَ تَعالى هو خالِقُهم ومُوجِدُهم بَعْدَ العَدَمِ، ثُمَّ وقَّفَهم -عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَوْبِيخِ- بِقَوْلِهِ: ﴿ فَأنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ ،:أيْ فَلِأيِّ جِهَةٍ يُصْرَفُونَ؟
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "وَقِيلِهِ يا رَبِّ" ﴾ بِالنَصْبِ، وهو مَصْدَرٌ كالقَوْلِ، والضَمِيرُ فِيهِ لِمُحَمَّدٍ ، وحَكى مَكِّيٌّ قَوْلًا أنَّهُ لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وهو ضَعِيفٌ، واخْتَلَفَ الناسُ في الناصِبِ لَهُ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سِرَّهم ونَجْواهُمْ ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: العامِلُ فِيهِ "يَكْتُبُونَ"، أيْ: أقْوالُهم وأفْعالُهم وقِيلِهِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الناصِبُ لَهُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَعِنْدَهُ عِلْمُ الساعَةِ ﴾ مِن قُوَّةِ الفِعْلِ، أيْ: ويَعْلَمُ قِيلِهِ، ونَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقِيلِهِ يا رَبِّ ﴾ بِمَنزِلَةٍ: وشَكْوى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ واسْتِغاثَتُهُ مِن كُفْرِهِمْ وعُتُوِّهِمْ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: و"قِيلِهِ يا رَبِّ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "الساعَةِ".
وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو قُلابَةَ، ومُجاهِدٌ: "وَقِيلِهِ يا رَبِّ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ: قِيلِهِ هَذا القَوْلَ، أو يَكُونُ التَقْدِيرُ: وقِيلُهُ يا رَبِّ مَسْمُوعٌ ومُتَقَبَّلٌ، فَـ "يا رَبِّ" -عَلى هَذا- مَنصُوبُ المَوْضِعِ بِـ "قِيلِهِ"، وقَرَأ أبُو قُلابَةَ: "يا رَبَّ" بِفَتْحِ الباءِ المُشَدَّدَةِ، وأرادَ: يا رَبا، عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: يا غُلامًا، ثُمَّ حَذَفَ الألِفَ تَخْفِيفًا واتِّباعًا لِخَطِّ المُصْحَفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاصْفَحْ عنهُمْ ﴾ مُوادَعَةً مَنسُوخَةً بِآياتِ السَيْفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "سَلامٌ" ﴾ تَقْدِيرُهُ: وقُلْ أمْرِي سَلامٌ، أيْ: مُسالَمَةً، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: وقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ، عَلى جِهَةِ المُوادَعَةِ والمُلايَنَةِ، والنَسْخُ قَدْ أتى عَلى هَذا السَلامِ، سَواءٌ كانَ تَحِيَّةً أو عِبارَةً عَنِ المُوادَعَةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَعْلَمُونَ" بِالياءِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، -فِي رِوايَةِ هُشامٍ عنهُ- والحَسِنِ، والأعْرَجِ، وأبُو جَعْفَرٍ: "تَعْلَمُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الزُخْرُفِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ