المحرر الوجيز سورة الصافات

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الصافات

تفسيرُ سورةِ الصافات كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 109 دقيقة قراءة

تفسير سورة الصافات كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

وَٱلصَّـٰٓفَّـٰتِ صَفًّۭا ١ فَٱلزَّٰجِرَٰتِ زَجْرًۭا ٢ فَٱلتَّـٰلِيَـٰتِ ذِكْرًا ٣ إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَٰحِدٌۭ ٤ رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَـٰرِقِ ٥ إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ ٦ وَحِفْظًۭا مِّن كُلِّ شَيْطَـٰنٍۢ مَّارِدٍۢ ٧

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الصافّاتِ هِيَ مَكِّيَّةٌ، وعَدُّها في المَدَنِيِّ والشامِيِّ والكُوفِيِّ مِائَةُ آيَةٍ وآيَتانِ وثَمانُونَ آيَةً.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والصافّاتِ صَفًّا ﴾ ﴿ فالزاجِراتِ زَجْرًا ﴾ ﴿ فالتالِياتِ ذِكْرًا ﴾ ﴿ إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ ﴾ ﴿ رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ ﴾ ﴿ إنّا زَيَّنّا السَماءَ الدُنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ ﴾ ﴿ وَحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ ﴾ أقْسَمَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ بِأشْياءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْناها، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقُ، وقَتادَةُ: هي المَلائِكَةُ الَّتِي تُصَفُّ في السَماءِ في عِبادَةِ اللهِ تَعالى وذِكْرِهِ صُفُوفًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ كُلَّ مَن يُصَفُّ مِن بَنِيآدَمَ في قِتالٍ في سَبِيلِ اللهِ، أو في صَلاةِ وطاعَةِ، والتَقْدِيرُ: والجَماعاتِ الصافّاتِ، واللَفْظُ يَحْتَمِلُ أنْ يَعُمَّ هَذِهِ المَذْكُوراتِ.

"الزاجِراتُ زَجْرًا"، قالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: المَلائِكَةُ الَّتِي تَزْجُرُ السَحابَ وغَيْرَهُ مِن مَخْلُوقاتِ اللهِ، وقالَ قَتادَةُ: هي آياتُ القُرْآنِ المُتَضَمِّنَةُ النَواهِيَ الشَرْعِيَّةَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فالتالِياتِ ذِكْرًا ﴾ مَعْناهُ: القارِئاتُ، وقالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: أرادَ المَلائِكَةَ الَّتِي تَتْلُو ذِكْرَهُ، وقالَ قَتادَةُ: أرادَ بَنِي آدَمَ الَّذِينَ يَتْلُونَ كُتُبَهُ المُنَزَّلَةَ، وتَسْبِيحَهُ وتَكْبِيرَهُ، ونَحْوَ ذَلِكَ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: [والصافّاتِ صَفًّا] بِالإدْغامِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمَسْرُوقٍ، والأعْمَشِ.

وقَرَأ الباقُونَ وجُمْهُورُ الناسِ بِالإظْهارِ، وكَذَلِكَ في كُلِّها، قالَ أبُو حاتِمٍ: "والإظْهارُ اخْتِيارُنا"، وأمّا "الحامِلاتِ وِقْرًا" و"الجارِياتِ يُسْرًا" فَلا يَجُوزُ فِيهِما الإدْغامُ لِبُعْدِ التاءِ مِنَ الحَرْفَيْنِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى المُقْسَمَ عَلَيْهِ أنَّهُ تَوْحِيدُهُ، وأنَّهُ واحِدٌ، أيْ: مُتَّحِدٌ في جَمِيعِ الجِهاتِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها المُفَكِّرُ.

ثُمَّ وصَفَ تَعالى نَفْسَهُ بِرُبُوبِيَّتِهِ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ، وذَكَرَ ﴿ "المَشارِقِ" ﴾ لِأنَّها مَطالِعُ الأنْوارِ، والعُيُونِ بِها أكْلَفُ، وفي ذِكْرِها غُنْيَةٌ عن ذِكْرِ المَغارِبِ؛ إذْ مُعادَلَتُها لَها مَفْهُومَةٌ عِنْدَ كُلِّ ذِي لُبٍّ، وأرادَ تَبارَكَ وتَعالى مَشارِقَ الشَمْسِ وهي مِائَةٌ وثَمانُونَ في السَنَةِ فِيما يَزْعُمُونَ، مِن أطْوَلِ أيّامِ السَنَةِ إلى أقْصَرِها، ثُمَّ أخْبَرَ عن قُدْرَتِهِ بِتَزْيِينِ السَماءِ بِالكَواكِبِ، وانْتَظَمَ في ذَلِكَ التَزْيِينِ أنْ جَعَلَها حِفْظًا وحِرْزًا مِنَ الشَياطِينِ المَرَدَةِ، وهم مُسْتَرَقُو السَمْعِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ "الزِينَةِ" إلى "الكَواكِبِ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ بِتَنْوِينِ (زِينَةٍ) وخَفْضِ (الكَواكِبِ) عَلى البَدَلِ مِنها، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقٍ - بِخِلافٍ عنهُ - وأبِي زُرْعَةَ بْنِ عُمَرَ بْنِ جَرِيرٍ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "بِزِينَةٍ" بِالتَنْوِينِ [الكَواكِبَ] بِالنَصْبِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وأبِي عَمْرٍو، والأعْمَشِ، ومَسْرُوقٍ، وهَذا في الإعْرابِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أو إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ  ﴾ ﴿ يَتِيمًا ذا  ﴾ وحَكى الزَهْراوِيُّ قِراءَةً بِتَنْوِينِ: "زِينَةٍ" ورَفْعِ "الكَواكِبُ".

و"المارِدُ": المُتَجَرِّدُ لِلشَّرِّ، ومِنهُ: شَجَرَةٌ مَرْداءُ، أيْ: لا ورَقَ عَلَيْها، ومِنهُ: الأمْرَدُ.

وخَصَّ تَعالى السَماءَ الدُنْيا بِالذِكْرِ لِأنَّها الَّتِي تُباشَرُ بِأبْصارِنا، وأيْضًا فالحِفْظُ مِنَ الشَيْطانِ إنَّما هو فِيها وحْدَها.

و"حِفْظًا" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، والواوُ زائِدَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى ٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍۢ ٨ دُحُورًۭا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ وَاصِبٌ ٩ إِلَّا مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌۭ ثَاقِبٌۭ ١٠

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ ﴾ ﴿ دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ ﴾ ﴿ إلا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ ﴾ "المَلَأُ الأعْلى": أهْلُ السَماءِ الدُنْيا فَما فَوْقَها، ويُسَمّى الكُلُّ مِنهم "أعْلى" بِالإضافَةِ إلى مَلَإ الأرْضِ الَّذِي هو أسْفَلَ، والضَمِيرُ في ﴿ "يَسَّمَّعُونَ" ﴾ لِلشَّياطِينِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسُ: [يَسْمَعُونَ] بِسُكُونِ السِينِ وتَخْفِيفِ المِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ - وابْنُ عَبّاسٍ - بِخِلافٍ عنهُ - وابْنُ وثّابٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "لا يَسَّمَّعُونَ" بِشَدِّ السِينِ والمِيمِ، بِمَعْنى: لا يَتَسَمَّعُونَ، فَيَنْتَفِي عَلى القِراءَةِ الأُولى سَماعُهم وإنْ كانُوا يَسْتَمِعُونَ، وهو المَعْنى الصَحِيحُ، ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهم عَنِ السَمْعِ لَمَعْزُولُونَ  ﴾ ، ويَنْتَفِي عَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ أنْ يَقَعَ مِنهُمُ اسْتِماعٌ أو سَماعٌ، وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّهم يَسْتَمِعُونَ حَتّى الآنَ لَكِنَّهم لا يَسْمَعُونَ، وإنْ سَمِعَ أحَدٌ مِنهم شَيْئًا لَمْ يُفْلِتْ قَبْلَ أنْ يُلْقِيَ ذَلِكَ السَمْعَ إلى الَّذِي يَجِيؤُهُ؛ لِأنَّ مِن وقْتِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مُلِئَتِ السَماءُ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا، وكانَ الرَجْمُ في الجاهِلِيَّةِ أخَفَّ، ورُوِيَ في هَذا المَعْنى أحادِيثُ صِحاحٌ مُضَمَّنُها «أنَّ الشَياطِينَ كانَتْ تَصْعَدُ إلى السَماءِ فَتَقْعُدُ لِلسَّمْعِ واحِدًا فَوْقَ آخَرَ، يَتَقَدَّمُ الأجْسَرُ نَحْوَ السَماءِ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، فَيَقْضِي اللهُ تَعالى الأمْرَ في الأُمُورِ في الأرْضِ فَيَتَحَدَّثُ بِهِ أهْلُ السَماءِ، فَيَسْمَعُهُ مِنهم ذَلِكَ الشَيْطانُ الأدْنى، فَيُلْقِيهِ إلى الَّذِي تَحْتَهُ، فَرُبَّما أحْرَقَهُ شِهابٌ وقَدْ ألْقى الكَلامَ، ورُبَّما لَمْ تَحْرِقْهُ جُمْلَةٌ، فَيُنْزِلُ تِلْكَ الكَلِمَةَ إلى الكُهّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَها مِائَةَ كِذْبَةٍ، فَتَصْدُقُ تِلْكَ الكَلِمَةُ، فَيُصَدِّقُ الجاهِلُونَ الجَمِيعَ،» فَلَمّا جاءَ اللهُ تَعالى بِالإسْلامِ حُرِسَتِ السَماءَ بِشِدَّةٍ فَلَمْ يُفْلِتْ شَيْطانٌ سَمِعَ بَتَّةً، ويُرْوى أنَّها لا تَسْمَعُ الآنَ شَيْئًا.

والكَواكِبُ الراجِمَةُ هي الَّتِي يَراها الناسُ تَنْقَضُّ، قالَ النَقّاشُ، ومَكِّيٌّ: ولَيْسَتْ بِالكَواكِبِ الجارِيَةِ في السَماءِ، لِأنَّ تِلْكَ لا تُرى حَرَكَتُها، وهَذِهِ الراجِمَةُ تُرى حَرَكَتُها لِأنَّها قَرِيبَةٌ مِنّا، وفي هَذا نَظَرٌ.

و"يُقْذَفُونَ" مَعْناهُ: ويُرْجَمُونَ.

و"الدُحُورُ": الإصْغارُ والإهانَةُ؛ لِأنَّ الزَجْرَ الدَفْعُ بِعُنْفٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَطْرُودِينَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الدالِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: [دَحُورًا] بِفَتْحِ الدالِ، و"الواصِبُ": الدائِمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ.

وقالَ السُدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ: الواصِبُ: المُوجِعُ، ومِنهُ: الوَصْبُ، والمَعْنى: هَذِهِ الحالُ الغالِبَةُ عَلى جَمِيعِ الشَياطِينِ، إلّا مَن شَذَّ فَخَطَفَ خَبَرًا أو نَبَأً فَأتْبَعَهُ شِهابٌ فَأحْرَقَهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "خَطِفَ" ﴾ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطاءِ خَفِيفَةً، وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: [خِطِّفَ] بِكَسْرِ الخاءِ والطاءِ وتَشْدِيدِ الطاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: يُقالُ: هي لُغَةُ بَكْرِ بْنِ وائِلٍ، وتَمِيمِ بْنِ مُرَّةٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِكَسْرِ الخاءِ والطاءِ مُخَفَّفَةً.

و"الثاقِبُ": النافِذُ بِضَوْئِهِ وشُعاعِهِ المُنِيرِ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، و"حَسَبٌ ثاقِبٌ" إذا كانَ سَنِيًّا مُنِيرًا.

<div class="verse-tafsir"

فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَآ ۚ إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مِّن طِينٍۢ لَّازِبٍۭ ١١ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ١٢ وَإِذَا ذُكِّرُوا۟ لَا يَذْكُرُونَ ١٣ وَإِذَا رَأَوْا۟ ءَايَةًۭ يَسْتَسْخِرُونَ ١٤ وَقَالُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌ ١٥ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ١٦ أَوَءَابَآؤُنَا ٱلْأَوَّلُونَ ١٧ قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَٰخِرُونَ ١٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مَن طِينٍ لازِبٍ ﴾ ﴿ بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ ﴾ ﴿ وَإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَإذا رَأوا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ ﴾ ﴿ أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ ﴾ ﴿ قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ ﴾ الِاسْتِفْتاءُ نَوْعٌ مِن أنْواعِ السُؤالِ، وكَأنَّهُ سُؤالُ مَن يُهْتَبَلُ بِقَوْلِهِ ويَجْعَلُ حُجَّةً، وكَذَلِكَ هي أقْوالُهم في هَذا الفاصِلِ، لا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا إلّا أنَّ خَلْقَ مَن سِواهم مِنَ الأُمَمِ والمَلائِكَةِ والإنْسِ والجِنِّ والسَمَواتِ والأرْضِ والمَشارِقِ وغَيْرِ ذَلِكَ، هو أشَدُّ مِن هَؤُلاءِ المُخاطَبِينَ، وبِأنَّ الضَمِيرَ في "[خَلَقْنا]" يُرادُ بِهِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: [أمْ مِن عَدَدْنا] يُرِيدُ مِنَ الصافّاتِ وغَيْرِها، والسَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما، وكَذَلِكَ قَرَأ الأعْمَشُ، "أمَن" مُخَفَّفَةَ المِيمِ دُونَ "أمْ".

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى إخْبارًا جَزْمًا عن خَلْقِهِ لِآدَمَ الَّذِي هو أبُو البَشَرِ، وأضافَ الخَلْقَ مِنَ الطِينِ إلى جَمِيعِ الناسِ مِن حَيْثُ الأبُ مَخْلُوقٌ مِنهُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: خَلَقَ آدَمَ مِن تُرابٍ وماءٍ ونارٍ وهَواءٍ، وهَذا كُلُّهُ إذا خُلِطَ صارَ طِينًا لازِبًا، وهو اللازِمُ، أيْ: يُلازِمُ ما جاوَرَهُ ويَلْصِقُ بِهِ، وهو الصَلْصالُ كالفَخّارِ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ عَنِ اللازِبِ بِالحُرِّ، أيِ الكَرِيمِ الجَيِّدِ، وحَقِيقَةُ المَعْنى ما ذَكَرْناهُ، يُقالُ: ضَرْبَةَ لازِبٍ ولازِمِ" بِمَعْنًى واحِدٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "عَجِبْتَ" ﴾ بِفَتْحِ التاءِ، أيْ يا مُحَمَّدُ مِن إعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ وعَماهم عَنِ الهُدى، وأنْ يَكُونُوا كافِرِينَ مَعَ ما جِئْتَهم بِهِ مِن عِنْدِ اللهِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ التاءِ، ورُوِيَتْ عن عَلَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ وثّابٍ، والنَخَعِيِّ، وطَلْحَةَ، وسُفْيانَ، والأعْمَشِ، وذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ تَعالى هو المُتَعَجِّبُ، ومَعْنى ذَلِكَ مِنَ اللهِ سُبْحانَهُ أنَّهُ صِفَةُ فِعْلٍ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "تَعَجَّبَ اللهُ تَعالى إلى قَوْمٍ يُساقُونَ إلى الجَنَّةِ في السَلاسِلِ"،» وَقَوْلُهُ: « " تَعَجَّبَ اللهُ مِنَ الشابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ"،» فَإنَّما هي عِبارَةٌ عَمّا يُظْهِرُهُ في جانِبٍ مِنهُ، فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: بَلْ عَجِبَتُ مِن ضَلالِهِمْ وسُوءِ نِحْلَتِهِمْ، وجَعَلْتُها لِلنّاظِرِينَ فِيها وفِيما اقْتَرَنَ مَعَها مِن شَرْعِي وهُدايَ مُتَعَجِّبًا، ورُوِيَ عن شُرَيْحٍ إنْكارَ هَذِهِ القِراءَةِ، وقالَ: إنَّ اللهَ تَعالى لا يَعْجَبُ، وقالَ الأعْمَشُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإبْراهِيمَ فَقالَ: إنَّ شُرَيْحًا كانَ مُعْجَبًا بِعِلْمِهِ، وإنَّ عَبْدَ اللهِ أعْلَمُ مِنهُ.

وقالَ مَكِّيُّ، وعَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ في كِتابِ الزَهْراوِيِّ: هو إخْبارٌ عَنِ النَبِيِّ  عن نَفْسِهِ، كَأنَّهُ قالَ: "قُلْ لَهُمْ: عَجِبْتُ"، وقَوْلُهُ: ﴿ "وَيَسْخَرُونَ" ﴾ أيْ: وهم يَسْخَرُونَ مِن نُبُوَّتِكَ والحَقِّ الَّذِي عِنْدَكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَسْتَسْخِرُونَ" ﴾ يُرِيدُ: بِالآيَةِ، وهي العَلامَةُ والدَلالَةُ، ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في رُكانَةَ، وهو رَجُلٌ مَكِّيٌّ مُشْرِكٌ، لَقِيَ النَبِيَّ  في جَبَلٍ خالٍ وهو يَرْعى غَنَمًا لَهُ، وهو أقْوى أهْلِ زَمانِهِ، فَقالَ لَهُ: يا رُكانَةُ، إنْ أنا صَرَعْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي؟

قالَ: نَعِمَ، فَصَرَعَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ آياتٍ مِن دُعاءِ شَجَرَةٍ وإقْبالِها، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا اخْتَلَفَ فِيهِ ألْفاظُ الحَدِيثِ، فَلَمّا فَرَغَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ يُؤْمِن، وجاءَ إلى مَكَّةَ فَقالَ: يا بَنِي هاشِمٍ، ساحِرُوا بِصاحِبِكم هَذا أهْلَ الأرْضِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِ وفي نُظَرائِهِ.

و"يَسْتَسْخِرُونَ" مَعْناهُ: يَطْلُبُونَ أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَسْخَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: يَسْخَرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ "واسْتَغْنى اللهُ"،  ﴾ فَيَكُونُ فَعِلَ واسْتَفْعَلَ بِمَعْنى، وبِهَذا فَسَّرَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، وفي بَعْضِ القِراءاتِ القَدِيمَةِ: "يَسْتَسْحِرُونَ" بِالحاءِ غَيْرِ مَنقُوطَةٍ، وهَذِهِ عِبارَةٌ عَمّا قالَ رُكانَةُ؛ لِأنَّهُ اسْتَسْحَرَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإذا مِتْنا ﴾ .

وقَرَأ بِضَمِّ المِيمِ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ أبِي إسْحَقَ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، والعامَّةُ، وكَسَرَها الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ ونافِعٌ: "أو آباؤُنا" بِسُكُونِ الواوِ، وهي الَّتِي لِلْقِسْمَةِ أوِ التَخْيِيرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِها، وهي واوُ العَطْفِ دَخَلَتْ عَلَيْها ألْفُ الِاسْتِفْهامِ.

ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُجِيبَ تَقْرِيرَهم بِـ"نَعَمْ" ويَزِيدَهم في الجَوابِ أنَّهم في البَعْثِ - في صَغارٍ وذِلَّةٍ، و"الداخِرُ": الصاغِرُ الذَلِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ ذِكْرُ القِراءاتِ في الِاسْتِفْهامَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌۭ وَٰحِدَةٌۭ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ ١٩ وَقَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ ٢٠ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢١ ۞ ٱحْشُرُوا۟ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَأَزْوَٰجَهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ ٢٢ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْجَحِيمِ ٢٣ وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ ٢٤ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ ٢٥ بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ٢٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا يا ويْلَنا هَذا يَوْمُ الدِينِ ﴾ ﴿ هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ ﴿ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ مِن دُونِ اللهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ ﴾ ﴿ وَقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ ﴾ ﴿ ما لَكم لا تَناصَرُونَ ﴾ ﴿ بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ﴾ هَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ جَرَّهُ ما قَبْلَهُ، فَأخْبَرَ تَعالى أنْ بَعَثَهم مِن قُبُورِهِمْ إنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ، وهي نَفْخَةُ البَعْثِ في الصُورِ، وقَوْلُهُ: ﴿ "يَنْظُرُونَ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِالأبْصارِ، أيْ: يَنْظُرُونَ ما هم فِيهِ، وصَدْقَ ما كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ ويُؤْمَرُونَ بِهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ عنهم أنَّهم في تِلْكَ الحالِ يَقُولُونَ: ﴿ "يا ويْلَنا"، ﴾ يُنادُونَ الوَيْلَ، بِمَعْنى: هَذا وقْتُ حُضُورِكَ وأوانُ حُلُولِكَ.

ورَوى أبُو حاتِمٍ الوَقْفَ هاهُنا، وجَعِلَ قَوْلَهُ: ﴿ هَذا يَوْمُ الدِينِ ﴾ مِن قَوْلِ اللهِ أوِ المَلائِكَةِ لَهُمْ، ورَأى غَيْرُهُ أنَّ باقِيَ الآيَةِ مِن قَوْلِ الكَفَرَةِ.

و"الدِينُ" الجَزاءُ والمُقارَضَةُ، كَقَوْلِهِمْ: "كَما تَدِينُ تُدانُ"، وأجْمَعُوا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ هَذا يَوْمُ الفَصْلِ ﴾ لَيْسَ مِن قَوْلِ الكَفَرَةِ، وإنَّما المَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: هَذا يَوْمُ الفَصْلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَأزْواجَهُمْ" ﴾ يَعْنِي: وأنْواعَهم وضُرَباءَهُمْ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَإذا النُفُوسُ زُوِّجَتْ  ﴾ أيْ: نُوِّعَتْ، ورُوِيَ أنَّهُ يُضَمُّ عِنْدَ هَذا الأمْرِ كُلُّ شَكْلٍ إلى شَكْلِهِ، وكُلُّ صاحِبٍ مِنَ الكَفَرَةِ إلى صاحِبِهِ، ومَعَهم ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ، مِن آدَمِيٍّ رَضِيَ بِذَلِكَ ومِن صَنَمٍ أو وثَنٍ تَوْبِيخًا لَهم وإظْهارًا لِسُوءِ حالِهِمْ.

وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: وأزْواجَهُمُ المُشْرِكاتِ مِنَ النِساءِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورَجَّحَهُ الرُمّانِيُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فاهْدُوهُمْ" ﴾ مَعْناهُ: قَوِّمُوهم واحْمِلُوهم عَلى طَرِيقِ الجَحِيمِ، و"الجَحِيمُ" طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ يُقالُ إنَّها الرابِعَةُ، ثُمَّ يَأْمُرُ تَعالى بِوَقْفِهِمْ، ووَقَفَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، تَقُولُ: "وَقَفْتُ زَيْدًا"، وأمْرُهُ بِذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهم والسُؤالِ، واخْتَلَفَ الناسُ في الشَيْءِ الَّذِي يُسْألُونَ عنهُ، فَرُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: يُسْألُونَ: هَلْ يُحِبُّونَ شُرْبَ الماءِ البارِدِ؟

وهَذا عَلى طَرِيقِ الهَزْءِ بِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَسْألُونَ عن لا إلَهَ إلّا اللهُ، وقالَ الجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: عن أعْمالِهِمْ، ويُوقَفُونَ عَلى قُبْحِها، وهَذا قَوْلٌ مُتَّجَهٌ عامٌّ في الهَزْءِ وغَيْرِهِ، ورَوى أنَسُ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "أيُّما رَجُلٍ دَعا رَجُلًا إلى شَيْءٍ كانَ لازِمًا لَهُ"، وقَرَأ: ﴿ وَقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ ﴾ »، ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ مِن بَيْنِ يَدَيِ اللهِ تَعالى حَتّى يَسْألَهُ عن خَمْسٍ: عن شَبابِهِ فِيما أبْلاهُ، وعن عُمْرِهِ فِيما أفْناهُ، وعن مالِهِ كَيْفَ اكْتَسَبَهُ وفِيمَ أنْفَقَهُ، وعَمّا عَمِلَ فِيما عَلِمَ"،» ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى ما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ ما لَكم لا تَناصَرُونَ ﴾ ، أيْ: تُسْألُونَ عَنِ امْتِناعِ التَناصُرِ.

وقَرَأ بِتاءٍ واحِدَةٍ شَيْبَةُ، ونافِعٌ، وقَرَأ خالِدٌ بِتاءَيْنِ، وكَذَلِكَ في حَرْفِ عَبْدِ اللهِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ بِإدْغامِ التاءِ في التاءِ مِن قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقالَ الثَعْلَبِيُّ: هَذا جَوابُ أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ في بَدْرٍ: ﴿ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ  ﴾ .

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِجَوابِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ في حالَةِ الِاسْتِسْلامِ والإلْقاءِ بِاليَدِ.

<div class="verse-tafsir"

وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ يَتَسَآءَلُونَ ٢٧ قَالُوٓا۟ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ ٢٨ قَالُوا۟ بَل لَّمْ تَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ ٢٩ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـٰنٍۭ ۖ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًۭا طَـٰغِينَ ٣٠ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ ۖ إِنَّا لَذَآئِقُونَ ٣١ فَأَغْوَيْنَـٰكُمْ إِنَّا كُنَّا غَـٰوِينَ ٣٢ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍۢ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ٣٣ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ ٣٤

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ ﴾ ﴿ قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ ﴾ ﴿ فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ ﴾ ﴿ فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ ﴾ ﴿ فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ ﴾ ﴿ إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ ﴾ هَذِهِ الجَماعَةُ الَّتِي يُقْبِلُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ هي جِنٌّ وإنْسٌ، قالَهُ قَتادَةُ: وتَساؤُلُهم هو عَلى مَعْنى التَقْرِيعِ واللَوْمِ والسُخْطِ، والقائِلُونَ: ﴿ إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ الإنْسُ لِلشَّياطِينِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وابْنُ زَيْدٍ، أو ضَعَفَةُ الإنْسِ لِلْكُبَراءِ والقادَةِ.

واضْطَرَبَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿ "عَنِ اليَمِينِ"، ﴾ وعَبَّرَ ابْنُ زَيْدٍ عنهُ بِطَرِيقِ الجَنَّةِ والخَيْرِ، ونَحْوِ هَذا مِنَ العِباراتِ الَّتِي تُفَسَّرُ بِالمَعْنى لا تُخْتَصُّ بِنَفْسِ اللَفْظَةِ، وبَعْضُهم نَحا في تَفْسِيرِ الآيَةِ إلى ما يَخْتَصُّها، والَّذِي يَتَحَصَّلُ مِن ذَلِكَ مَعانٍ: مِنها أنْ يُرِيدَ بِاليَمِينِ: القُوَّةَ والشِدَّةَ، فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّكم كُنْتُمْ تُغْوُونَنا بِقُوَّةٍ مِنكُمْ، وتَحْمِلُونَنا عَلى طَرِيقِ الضَلالَةِ بِمُتابَعَةٍ مِنكم في شِدَّةٍ، فَعَبَّرَ عن هَذَهِ المَعانِي بِاليَمِينِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: "بِيَدَيْنِ ما أورَدَ"، وكَما قالُوا: "اليَدُ" - في غَيْرِ مَوْضِعٍ - عَنِ القُوَّةِ، وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ بِبَيْتِ الشَمّاخِ هَذا المَذْهَبَ، وهو قَوْلُهُ: إذا ما رايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ∗∗∗ تَلَقّاها عُرابَةُ بِاليَمِينِ فَقالُوا: مَعْناهُ: بِقُوَّةٍ وعَزِيمَةٍ، وإلّا فَكَلُّ أحَدٍ كانَ يَتَلَقّاها بِيَمِينِهِ لَوْ كانَتِ الجارِحَةَ، وأيْضًا فَإنَّما اسْتَعارَ الرايَةَ لِلْمَجْدِ فَكَذَلِكَ لَمْ يُرِدْ بِاليَمِينِ الجارِحَةَ.

ومِنَ المَعانِي الَّتِي تَحْتَمِلُها الآيَةُ أنْ يُرِيدُوا: إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا مِنَ الجِهَةِ الَّتِي يُحْسِنُها تَمْوِيهُكم وإغْواؤُكُمْ، ويَظْهَرُ فِيها أنَّها جِهَةُ الرُشْدِ والصَوابِ، فَتَصِيرُ عِنْدَنا كاليَمِينِ الَّتِي نَتَيَمَّنُ بِالسانِحِ الَّذِي يَجِيؤُنا مِن قِبَلِها، فَكَأنَّهم شَبَّهُوا أقْوالَ هَؤُلاءِ المُغْوِينَ بِالسَوانِحِ الَّتِي هي عِنْدَهم مَحْمُودَةٌ، كَأنَّ التَمْوِيهَ في هَذِهِ الغِواياتِ قَدْ أظْهَرَ فِيها ما يُوشِكُ أنْ يُحْمَدَ بِهِ.

ومِنَ المَعانِي الَّتِي تَحْتَمِلُها الآيَةُ أنْ يُرِيدُوا: إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا، أيْ: تَقْطَعُونَ بِنا عن أخْبارِ الخَيْرِ واليَمِينِ، فَعَبَّرَ عنها بِاليَمِينِ؛ إذِ اليَمِينُ هي الجِهَةُ الَّتِي يُتَيَمَّنُ بِها وبِكُلِّ ما فِيها ومِنها.

ومِنَ المَعانِي الَّتِي تَحْتَمِلُها الآيَةُ أنْ يُرِيدُوا: إنَّكم كُنْتُمْ تَجِيئُونَنا مِن جِهَةِ الشَهَواتِ وعَدَمِ النَظَرِ؛ والجِهَةُ الثَقِيلَةُ مِنَ الإنْسانِ هي اليُمْنى مِنهُ لِأنَّ كَبِدَهُ فِيها، وجِهَةُ شِمالِهِ فِيها قَلْبُهُ، وهي أخَفُّ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الشاعِرِ: تَرَكْنا لَهم شِقَّ الشِمالِ أيْ: نَزَلْنا لَهم عن طَرِيقِ الهُرُوبِ؛ لِأنَّ المُنْهَزِمَ إنَّما يَرْجِعُ عَلى شِقِّهِ الأيْسَرِ، إذْ هو أخَفُّ شِقَّيْهِ، وإذْ قَلْبُ الإنْسانِ في شِمالِهِ وثَمَّ نَظَرُهُ، فَكَأنَّ هَؤُلاءِ كانُوا يَأْتُونَ مِن جِهَةِ الشَهَواتِ والثِقَلِ، وأكْثَرُ ما يَتَمَكَّنُ هَذا التَأْوِيلِ مَعَ إغْواءِ الشَياطِينِ، وهو قَلِقٌ مَعَ إغْواءِ بَنِي آدَمَ.

وَقِيلَ: المَعْنى: يَحْلِفُونَ لَنا ويَأْتُونَنا إتْيانَ مَن إذا حَلَفَ لَنا صَدَّقْناهُ، فاليَمِينُ - عَلى هَذا -: القَسَمُ.

وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ في ذِكْرِ إبْلِيسَ جِهاتِ بَنِي آدَمَ في قَوْلِهِ: ﴿ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعن أيْمانِهِمْ وعن شَمائِلِهِمْ  ﴾ إلى ما ذَكَرْناهُ مِن جِهَةِ الشَهَواتِ، فَقالَ: ما بَيْنَ يَدَيْهِ هي مُغالَطَتُهُ فِيما يَراهُ، وما خَلْفَهُ هي مُسارَقَتُهُ في الخَفاءِ، وعن يَمِينِهِ هو جانِبُ شَهَواتِهِ، وعن شِمالِهِ هو نَظَرُهُ بِقَلْبِهِ وتَحْذِيرُهُ فَقَدْ يَغْلِبُهُ الشَيْطانُ فِيهِ، وهَذا فِيمَن جَعَلَهُ في جِهاتِ ابْنِ آدَمَ الخاصَّةِ لَدَيْهِ، ومِنهم مَن جَعَلَها في جِهاتِ أُمُورِهِ وشُؤُونِهِ فَيَتَّسِعُ التَأْوِيلُ عَلى هَذا.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن قَوْلِ الجِنِّ المُجِيبِينَ لِهَؤُلاءِ: ﴿ بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ كَما ذَكَرْتُمْ، بَلْ كانَ لَكُمُ اكْتِسابُ الكُفْرِ والبَصِيرَةُ فِيهِ، وإنَّما حَمَلْناكم عَلى ما حَمَلْنا عَلَيْهِ أنْفُسَنا، وما كانَ لَنا عَلَيْكم حُجَّةً ولا قُوَّةً إلّا طُغْيانُكم وإرادَتُكُمُ الكُفْرَ، فَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى جَمِيعِنا، وتَعَيَّنَ العَذابُ لَنا، وإنّا جَمِيعًا لَذائِقُونَ.

والذَوْقُ هُنا مُسْتَعارٌ، وبِنَحْوِ هَذا فَسَّرَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ أنَّهُ قَوْلُ الجِنِّ إلى ﴿ "غاوِينَ".

﴾ ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُمُ اشْتَرَكُوا جَمِيعًا في العَذابِ وحُصِّلُوا فِيهِ، وأنَّ هَذا فِعْلُهُ بِأهْلِ الجُرْمِ واحْتِقابِ الإثْمِ والكُفْرِ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّهُمْ كَانُوٓا۟ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ٣٥ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوٓا۟ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٍۢ مَّجْنُونٍۭ ٣٦ بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ ٣٧ إِنَّكُمْ لَذَآئِقُوا۟ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَلِيمِ ٣٨ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٣٩ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ٤٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلا اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ ﴿ وَيَقُولُونَ أإنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ ﴾ ﴿ بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ ﴾ ﴿ وَما تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ ﴾ هَؤُلاءِ أهْلُ الجُرْمِ الَّذِينَ جَهِلُوا اللهَ سُبْحانَهُ، وعَظَّمُوا أصْنامًا وأوثانًا، فَإذا قِيلَ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ" - وهي كَلِمَةُ الحَقِّ والعُرْوَةِ الوُثْقى - أصابَهم كِبْرٌ، وعَظُمَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتْرُكُوا أصْنامَهم وأصْنامَ آبائِهِمْ، ونَحْوُ هَذا كانَ قِيلَ «عن أبِي طالِبٍ إذْ قالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ  : "أيْ عَمِّ، قُلْ لا إلَهَ إلّا اللهُ كَلِمَةً أشْهَدُ لَكَ بِها عِنْدَ اللهِ"، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أتَرْغَبُ عن مِلَّةِ عَبْدِ المَطَّلِبِ؟

فَقالَ آخِرَ ما قالَ: أنا عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المَطَّلِبِ.» وبِعَرْضِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قَوْلَ لا إلَهَ إلّا اللهُ جَرَتِ السُنَّةُ في تَلْقِينِ المَوْتى المُحْتَضَرِينَ لِيُخالِفُوا الكَفَرَةَ ويَخْضَعُوا لَها.

وأمّا الطائِفَةُ الَّتِي قالَتْ: ﴿ أإنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ ﴾ فَهي مِن قُرَيْشٍ، وإشارَتُهم بِالشاعِرِ المَجْنُونِ هي إلى مُحَمَّدٍ  ، فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما قالُوا مِن أنَّهُ شاعِرٌ، بَلْ جاءَ بِالحَقِّ مِن عِنْدِ اللهِ، وصَدَّقَ الرُسُلَ المُتَقَدِّمَةَ لَهُ كَمُوسى وعِيسى وإبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى مُخاطِبًا لَهم - ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَأْوِيلُ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ -: ﴿ إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ ﴾ ، وقَرَأ قَوْمٌ (العَذابَ)، نَصْبًا ووَجْهُها أنَّهُ أرادَ: "لَذائِقُونَ"، فَحَذَفَ النُونَ تَخْفِيفًا، وهي قِراءَةٌ قَدْ لُحِنَتْ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: [لَذائِقٌ] بِالتَنْوِينِ، [العَذابَ] بِالنَصْبِ.

و"الألِيمُ": المُؤْلِمُ.

ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ ذَلِكَ جَزاءً لَهم بِأعْمالِهِمْ واكْتِسابِهِمْ، ثُمَّ اسْتَثْنى عِبادَ اللهِ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، وهُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللهُ تَعالى لِنَفْسِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللامِ مِنَ "المُخْلَصِينَ"، وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ، وأبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ اللامِ، وقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الَّتِي في الصافّاتِ عَنِ الحَسَنِ بِفَتْحِ اللامِ.

<div class="verse-tafsir"

أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ رِزْقٌۭ مَّعْلُومٌۭ ٤١ فَوَٰكِهُ ۖ وَهُم مُّكْرَمُونَ ٤٢ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٤٣ عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَـٰبِلِينَ ٤٤ يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍۢ مِّن مَّعِينٍۭ ٤٥ بَيْضَآءَ لَذَّةٍۢ لِّلشَّـٰرِبِينَ ٤٦ لَا فِيهَا غَوْلٌۭ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ٤٧ وَعِندَهُمْ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ عِينٌۭ ٤٨ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌۭ مَّكْنُونٌۭ ٤٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ ﴾ ﴿ فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ ﴾ ﴿ فِي جَنّاتِ النَعِيمِ ﴾ ﴿ عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ﴾ ﴿ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ ﴾ ﴿ بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ ﴾ ﴿ لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عنها يُنْزَفُونَ ﴾ ﴿ وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَرْفِ عِينٌ ﴾ ﴿ كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ﴾ ﴿ "أُولَئِكَ" ﴾ إشارَةٌ إلى العِبادِ المُخْلَصِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿ "مَعْلُومٌ"، ﴾ مَعْناهُ: عِنْدَهُمْ، فَقَدْ قَرَّتْ عُيُونُهم بِعِلْمِ ما يَسْتَدِرُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِزْقِ، وبِأنَّ شَهَواتِهِمْ تَأْتِيهِمْ لِحِينِها، وإلّا فَلَوْ كانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا عِنْدَ اللهِ تَعالى فَقَطْ لَما تَخَصَّصَ أهْلُ الجَنَّةِ بِشَيْءٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَهم مُكْرَمُونَ ﴾ تَتْمِيمٌ بَلِيغٌ لِلنَّعِيمِ؛ لِأنَّهُ رُبَّ مَرْزُوقٍ غَيْرُ مُكْرَمٍ، وذَلِكَ أعْظَمُ التَنْكِيلِ.

و"السُرُرُ": جَمْعُ سَرِيرٍ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ بِفَتْحِ الراءِ الأُولى، وفي هَذا التَقابُلِ حَدِيثٌ مَرْوِيٌّ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهم في الجِنانِ وتُرْفَعُ عنهم سُتُورٌ فَيَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، ولا مَحالَةَ أنَّ بَعْضَ أحْيانِهِمْ فِيها مُتَخَيِّرُونَ في قُصُورِهِمْ.

و"يُطافُ" مَعْناهُ: يَطُوفُ الوِلْدانِ، حَسْبَما فَسَّرَتْهُ آيَةٌ أُخْرى، و"الكَأْسُ" قالَ الزَجّاجُ، والطَبَرِيُّ، وغَيْرُهُما: هو الإناءُ الَّذِي فِيهِ خَمْرٌ أو ما يَجْرِي مَجْراهُ مِنَ الأنْبِذَةِ ونَحْوِها، ولا تُسَمّى كَأْسًا إلّا وفِيها هَذا المَشْرُوبُ المَذْكُورُ، وقالَ الضَحّاكُ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهو خَمْرٌ، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ الكَأْسَ آنِيَةٌ مَخْصُوصَةٌ في الأوانِي، وهو كُلُّ ما اتَّسَعَ فَمُهُ ولَمْ يَكُنْ لَهُ مِقْبَضٌ، ولا يُراعى في ذَلِكَ كَوْنُهُ بِخَمْرٍ أمْ لا.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن مَعِينٍ ﴾ يُرِيدُ: مِن جارٍ مُطَّرِدٍ، فالمِيمُ في مَعِينٍ أصْلِيَّةٌ؛ لِأنَّهُ مِنَ الماءِ المَعِينِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ العَيْنِ فَتَكُونُ المِيمُ زائِدَةً، أيْ: مِمّا يُعَيَّنُ بِالعَيْنِ غَيْرَ مَسْتُورٍ ولا في حِرْزٍ، وخَمْرُ الدُنْيا إنَّما هي مَعْصُورَةٌ مُخْتَزَنَةٌ، وخَمْرُ الآخِرَةِ جارِيَةٌ أنْهارًا.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا فِيها ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الكَأْسِ أو عَلى الخَمْرِ، وهو الأظْهَرُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: خَمْرُ الجَنَّةِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَبَنِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: [صَفْراءَ]، فَهَذا مَوْصُوفٌ بِهِ الخَمْرُ وحْدَها، و ﴿ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ ﴾ أيْ: ذاتُ لَذَّةٍ، فَوَصَفَها بِالمَصْدَرِ اتِّساعًا، وقَدِ اسْتُعْمِلَ هَذا حَتّى قِيلَ: لَذَّ بِمَعْنى: لَذِيذٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: بِحَدِيثِكَ اللَذِّ الَّذِي لَوْ كُلِّمَتْ ∗∗∗ أسْدُ الفَلاةِ بِهِ أتَيْنَ سِراعًا وقَوْلُهُ: ﴿ لا فِيها غَوْلٌ ﴾ لَمْ تَعْمَلْ "لا"؛ لِأنَّ الظَرْفَ حالَ بَيْنَها وبَيْنَ ما شَأْنُها أنْ تَعْمَلَ فِيهِ.

و"الغَوْلُ": اسْمٌ عامٌّ في الأذى، تَقُولُ: غالَهُ كَذا إذا أضَرَّهُ في خَفاءٍ، ومِنهُ الغِيلَةُ في القَتْلِ، «وَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الرَضاعِ: "لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أنْهى عَنِ الغِيلَةِ"،» ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: مَضى أوَّلُونا ناعِمِينِ بِعَيْشِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ جَمِيعًا وغالَتْنِي بِمَكَّةَ غُولُ أيْ: عاقَتْنِي عَوائِقٌ، فَهَذا مَعْنًى مِن مَعانِي "الغَوْلِ"، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ في مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ: "ما لَهُ عَمَلٌ ما أغالَهُ"، يُضْرَبُ لِلرَّجُلِ الحَدِيدِ الَّذِي لا يَقُومُ لِأمْرٍ إلّا أغْنى فِيهِ، أوِ الرَجُلِ يُدْعى لَهُ بِأنْ يُؤَدِّيَ ما أدّاهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسِ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: الغَوْلُ وجَعٌ في البَطْنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسِ أيْضًا، وقَتادَةُ: هو صُداعٌ في الرَأْسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والِاسْمُ أعَمُّ مِن هَذا كُلِّهِ، فَنَفى عن خَمْرِ الجَنَّةِ جَمِيعَ أنْواعِ الأذى، إذْ هي مَوْجُودَةٌ في خَمْرِ الدُنْيا، وقَدْ نَحا إلى هَذا العُمُومِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وما زالَتِ الخَمْرُ تَغْتالُنا ∗∗∗ ∗∗∗ وتَذْهَبُ بِالأوَّلِ الأوَّلِ أيْ: تُؤْذِينا بِذَهابِ العَقْلِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "يُنْزَفُونَ" بِفَتْحِ الزايِ، وكَذَلِكَ في الواقِعَةِ، مِن قَوْلِكَ: نَزَفَ الرَجُلُ إذا سَكِرَ، ونَزَفَتْهُ الخَمْرُ، والنَزِيفُ: السَكْرانُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلَثَمْتُ فاها آخِذًا بِقُرُونِها ∗∗∗ ∗∗∗ شُرْبَ النَزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ وبِإذْهابِ العَقْلِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ "يُنْزِفُونَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الزايِ، وكَذَلِكَ في الواقِعَةِ، مِن: أنْزَفَ بِمَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما سَكِرَ، ومِنهُ قَوْلُ الأُبَيْرِدِ الرِياحَيِّ: لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أو صَحَوْتُمْ ∗∗∗ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَدامى كُنْتُمُ آلَ أبْجَرا والثانِي: بَعُدَ شَرابُهُ، يُقالُ: أنْزَفَ الرَجُلُ إذا تَمَّ شَرابُهُ، فَهَذا كُلُّهُ مَنفِيٌّ عن أهْلِ الجَنَّةِ، وقَرَأ عاصِمٌ هُنا بِفَتْحِ الزايِ، وفي الواقِعَةِ بِكَسْرِ الزايِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحَقَ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزايِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قاصِراتُ الطَرْفِ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: عَلى أزْواجِهِنَّ، أيْ لا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِهِمْ، ولا يَمْتَدُّ طَرْفُ إحْداهُنَّ إلى أجْنَبِيٍّ، فَهَذا هو قَصْرُ الطَرْفِ.

و"عِينٌ": جُمَعُ عَيْناءَ، وهي الكَبِيرَةُ العَيْنَيْنِ في جَمالٍ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ﴾ فاخْتَلَفَ الناسُ، ما هُوَ؟

فَقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ: شِبَّهَ ألْوانَهُنَّ بِلَوْنِ قِشْرِ البَيْضَةِ الداخِلِيِّ، وهو الغِرْقِئُ، وهو المَكْنُونُ، أيِ: المَصُونُ في كِنٍّ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، قالَ: وأمّا خارِجُ قِشْرِ البَيْضَةِ فَلَيْسَ بِمَكْنُونٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: شَبَّهَ ألْوانَهُنَّ بِلَوْنِ قِشْرِ بَيْضِ النَعامِ، وهو بَياضٌ قَدْ خالَطَ صُفْرَةً حَسَنَةً، قالُوا: والبَيْضُ نَفْسُهُ في الأغْلَبِ هو المَكْنُونُ بِالرِيشِ، ومَتى شَذَّتْ بِهِ حالٌ فَلَمْ يَكُنْ مَكْنُونًا خَرَجَ عن أنْ يُشَبَّهَ بِهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: كَبَكْرِ المُقاناةِ البَياضِ بِصُفْرَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ غَذاها نَمِيرُ الماءِ غَيْرُ المُحَلَّلِ وَهَذِهِ المَعْنى كَثِيرٌ في أشْعارِ العَرَبِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما - فِيما حَكى الطَبَرِيُّ -: البِيضُ المَكْنُونُ أرادَ بِهِ الجَوْهَرَ المَصُونَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لا يَصِحُّ عِنْدِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما؛ لِأنَّهُ تَرُدُّهُ اللَفْظَةُ مِنَ الآيَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما شَبَّهَهُنَّ تَعالى بِالبَيْضِ المَكْنُونِ تَشْبِيهًا عامًّا، جُمْلَةِ المَرْأةِ بِجُمْلَةِ البَيْضَةِ، وأرادَ بِذَلِكَ: تَناسُبَ أجْزاءِ المَرْأةِ، وأنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنها نِسْبَتُهُ في الجَوْدَةِ إلى نَوْعِهِ نِسْبَةُ الآخَرِ مِن أجْزائِهِ إلى نَوْعِهِ، فَنِسْبَةُ شَعْرِها إلى عَيْنِها مُسْتَوِيَةٌ إذْ هُما غايَةٌ في نَوْعِهِما، والبَيْضَةُ أشَدُّ الأشْياءِ تَناسُبَ أجْزاءٍ؛ لِأنَّكَ مِن حَيْثُ جِئْتَها فالنَظَرُ فِيها واحِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ يَتَسَآءَلُونَ ٥٠ قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌۭ ٥١ يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ ٥٢ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ٥٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ ﴾ ﴿ يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ ﴾ ﴿ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَدِينُونَ ﴾ هَذا التَساؤُلُ الَّذِي بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ هو تَساؤُلُ راحَةٍ وتَنَعُّمٍ، يَتَذَكَّرُونَ أُمُورَهم في الجَنَّةِ وأمْرَ الدُنْيا وحالَ الطاعَةِ والإيمانِ فِيها، ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن قَوْلِ قائِلٍ مِنهم في قِصَّتِهِ، فَهو مِثالٌ لِكُلِّ مَن لَهُ قَرِينُ سُوءٍ، يُعْطِي هَذا المِثالُ التَحَفُّظَ مِن قُرَناءِ السُوءِ، واسْتِشْعارَ مَعْصِيَتِهِمْ، وعَبَّرَ عن قَوْلِ هَذا الرَجُلِ بِالمُضِيِّ مِن حَيْثُ كانَ أمْرًا مُتَيَقَّنًا حاصِلًا لا مَحالَةَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: كانَ هَذانَ مِنَ البَشَرِ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما اللَذانِ ذَكَرَ اللهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا  ﴾ ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ إنْسِيًّا وجِنِّيًّا مِنَ الشَياطِينِ الكَفَرَةِ، والأوَّلُ أصْوَبُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِنَ المُصَدِّقِينَ" بِتَخْفِيفِ الصادِ، مِنَ التَصْدِيقِ، وقَرَأتْ فَرْقَةٌ بِالتَشْدِيدِ لِلصّادِ، مِنَ التَصَدُّقِ.

وقالَ فُراتُ بْنُ ثَعْلَبَةَ البَهْرانِيُّ في قَصَصِ هَذَيْنِ: إنَّهُما كانا شَرِيكَيْنِ بِثَمانِيَةِ آلافِ دِينارٍ، فَكانَ أحَدُهُما يَعْبُدُ اللهَ ويَقْصِدُ مِنَ التِجارَةِ والنَظَرِ، وكانَ الآخَرُ كافِرًا مُقْبِلًا عَلى مالِهِ، فَحَلَّ الشَرِكَةَ مَعَ المُؤْمِنِ وبَقِيَ وحْدَهُ لِتَقْصِيرِ المُؤْمِنِ، ثُمَّ إنَّهُ جَعَلَ كُلَّما اشْتَرى - شَيْئًا مِن دارٍ وجارِيَةٍ وبُسْتانٍ ونَحْوِهِ - عَرَضَهُ عَلى ذَلِكَ المُؤْمِنِ وفَخَرَ عَلَيْهِ، فَيَمْضِي المُؤْمِنُ عِنْدَ ذَلِكَ ويَتَصَدَّقُ بِنَحْوِ ذَلِكَ الثَمَنِ لِيَشْتَرِيَ بِهِ مِنَ اللهِ في الجَنَّةِ، فَكانَ مِن أمْرِهِما في الآخِرَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ.

قالَ الطَبَرِيُّ: وهَذا الحَدِيثُ يُؤَيِّدُ قِراءَةَ التَشْدِيدِ.

و"مَدِينُونَ" مَعْناهُ: مُجازَوْنَ مُحاسَبُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والسُدِّيُّ.

والدِينُ: الجَزاءُ، وقَدْ تَقَدَّمَ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ ٥٤ فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِى سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ٥٥ قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ ٥٦ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ ٥٧ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ٥٨ إِلَّا مَوْتَتَنَا ٱلْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ٥٩ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ٦٠ لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَـٰمِلُونَ ٦١

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ﴾ ﴿ فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ ﴾ ﴿ قالَ تاللهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ﴾ ﴿ وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ ﴾ ﴿ أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ﴾ ﴿ إلا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ ﴿ إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ ﴿ لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ ﴾ فِي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَقالَ لِهَذا الرَجُلِ حاضِرُونَ مِنَ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ هَذا في جَهَنَّمَ يُعَذِّبُ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ﴾ .

ويُحْتَمَلُ أنْ يُخاطِبَ بِـ"أنْتُمْ" المَلائِكَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُخاطِبَ رُفَقاءَهُ في الجَنَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُخاطِبَ خَدَمَتَهُ، وكُلُّ هَذا حَكى المَهْدَوِيُّ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "مُطَّلِعُونَ" ﴾ بِفَتْحِ الطاءِ مُشَدَّدَةً، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو - في رِوايَةِ حُسَيْنٍ - بِسُكُونِها مَعَ فَتْحِ النُونِ، وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ بِسُكُونِها وكَسْرِ النُونِ عَلى أنَّها ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ، ورَدَّ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ ولَحَّنُوها؛ وذَلِكَ أنَّها جَمَعَتْ بَيْنَ ياءِ الإضافَةِ ونُونِ المُتَكَلِّمِ، والوَجْهُ أنْ تَقُولَ: "مَطْلِعِيَّ"، ووَجَّهَ القِراءَةَ أبُو الفَتْحِ بْنُ جِنِّيٍّ وقالَ: أنْزَلَ الفاعِلَ مُنْزِلَ الفِعْلِ المُضارِعِ، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ عَلى هَذا: وما أدْرِي وظَنِّي كُلُّ ظَنٍّ ∗∗∗ أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي وَقالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ شَراحِيلَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "فاطَّلَعَ" ﴾ بِصِلَةِ الألِفِ وشَدِّ الطاءِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الحُسَيْنِ: بِضَمِّ الألْفِ وسُكُونِ الطاءِ وكَسْرِ اللامَ، وهي قِراءَةُ أبِي البَرَهْسَمِ.

قالَ الزَجّاجُ: هي قِراءَةُ مَن قَرَأ: "مُطْلِعُونِ" بِكَسْرِ النُونِ، ورُوِيَ أنْ لِأهْلِ الجَنَّةِ كُوىً وطاقاتٍ يُشْرِفُونَ مِنها عَلى أهْلِ النارِ إذا شاؤُوا عَلى جِهَةِ النِقْمَةِ والعِبْرَةِ؛ لِأنَّهم لَهم في عَذابِ أهْلِ النارِ وتَوْبِيخِهِمْ سُرُورٌ وراحَةٌ، حَكاهُ الرُمّانِيُّ عن أبِي عَلِيٍّ.

و"سَواءُ الجَحِيمِ" وسَطُهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والناسُ، وسُمِّيَ سَواءً لِاسْتِواءِ المَسافَةِ مِنهُ إلى الجَوانِبِ، والجَحِيمُ مُتَراكَمُ جَمْرِ النارِ، ورُوِيَ عن مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وخُلَيْدٍ العَصَرِيِّ أنَّهُ رَآهُ قَدْ تَغَيَّرَ حِبَرَهُ وسِبْرَهُ، أيْ: تَبَدَّلَتْ حالُهُ، ولَوْلا ما عَرَّفَهُ اللهُ إيّاهُ لَمْ يُمَيِّزْهُ، فَقالَ لَهُ المُؤْمِنُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ تاللهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ﴾ ، أيْ: تُهْلِكَنِي بِإغْوائِكَ، والرَدى: الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: أفِي الطَوْفِ خِفْتِ عَلَيَّ الرَدى ∗∗∗ ∗∗∗ وكَمْ مِن رَدٍ أهْلَهُ لَمْ يَرِمْ وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: [إنْ كِدْتَّ لَتُغْوِينِ] بِالواوِ، مِنَ الغَيِّ، وذَكَرَها أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ بِالراءِ، مِنَ الإغْراءِ، والتاءُ في هَذا كُلِّهِ مَضْمُومَةٌ.

ورَفَعَ ﴿ نِعْمَةُ رَبِّي ﴾ بِالِابْتِداءِ، وهو إعْرابُ ما كانَ بَعْدَ "لَوْلا" عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تَدارَكَتْهُ ونَحْوَهُ، و ﴿ المُحْضَرِينَ ﴾ مَعْناهُ: في العَذابِ.

وقَوْلُ المُؤْمِنِ: ﴿ أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةً لِرُفَقائِهِ، في الجَنَّةِ لَمّا رَأى ما نَزَلَ بِقَرِينِهِ، ونَظَرَ إلى حالِهِ في الجَنَّةِ وحالِ رُفَقائِهِ قَدَّرَ النِعْمَةَ قَدْرَها، فَقالَ لَهم - عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ ما قالَ ويَجِيءُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ وما بَعْدَهُ مُتَّصِلًا بِكَلامِهِ، خِطابًا لِرُفَقائِهِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ﴿ أفَما نَحْنُ ﴾ إلى قَوْلِهِ [بِمُعَذَّبِينَ] مُخاطَبَةً لِقَرِينِهِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أيْنَ الَّذِي كُنْتَ تَقُولُ مِن أنّا نَمَوْتُ ولَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ عِقابٌ ولا عَذابٌ؟

ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن خِطابِ المُؤْمِنِ لِقَرِينِهِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ قَتادَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن خِطابِ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ  وأُمَّتِهِ، ويَقْوى هَذا لِأنَّ قَوْلَ المُؤْمِنِ ﴿ لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ ﴾ والآخِرَةُ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ، يَقْلَقُ إلّا عَلى تَجَوُّزٍ، كَأنَّهُ يَقُولُ: لِمِثْلِ هَذا كانَ يَنْبَغِي أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ.

<div class="verse-tafsir"

أَذَٰلِكَ خَيْرٌۭ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ ٦٢ إِنَّا جَعَلْنَـٰهَا فِتْنَةًۭ لِّلظَّـٰلِمِينَ ٦٣ إِنَّهَا شَجَرَةٌۭ تَخْرُجُ فِىٓ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ ٦٤ طَلْعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَـٰطِينِ ٦٥ فَإِنَّهُمْ لَـَٔاكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِـُٔونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ ٦٦ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًۭا مِّنْ حَمِيمٍۢ ٦٧ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى ٱلْجَحِيمِ ٦٨ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا۟ ءَابَآءَهُمْ ضَآلِّينَ ٦٩ فَهُمْ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ يُهْرَعُونَ ٧٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلا أمْ شَجَرَةُ الزَقُّومِ ﴾ ﴿ إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ ﴾ ﴿ إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ ﴾ ﴿ طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَياطِينِ ﴾ ﴿ فَإنَّهم لآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ ﴾ ﴿ ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لإلى الجَحِيمِ ﴾ ﴿ إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ ﴾ ﴿ فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ ﴾ الألِفُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "أذَلِكَ" ﴾ لِلتَّقْرِيرِ، والمُرادُ تَقْرِيرُ قُرَيْشٍ والكُفّارِ، وجاءَ ﴿ خَيْرٌ نُزُلا ﴾ بِلَفْظَةِ التَفْضِيلِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ لا اشْتِراكَ بَيْنَهُما مِن حَيْثُ كانَ الكَلامُ تَقْرِيرًا، والِاحْتِجاجُ يَقْتَضِي أنْ يُوقِفَ المُتَكَلِّمُ خَصْمَهُ عَلى قِسْمَيْنِ أحَدُهُما فاسِدٌ، ويَحْمِلَهُ بِالتَقْرِيرِ عَلى اخْتِيارِ أحَدِهِما، ولَوْ كانَ الكَلامُ خَبَرًا لَمْ يَجُزْ ولا أفادَ أنْ يَقُولَ: الجَنَّةُ خَيْرٌ مِن شَجَرَةِ الزَقُّومِ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا  ﴾ فَهَذا عَلى اعْتِقادِهِمْ في أنَّ لَهم مُسْتَقَرًّا خَيْرًا، وقَدْ تَقَدَّمَ إيعابُ هَذا المَعْنى.

وفي بَعْضِ البِلادِ الجَدْبَةِ المُجاوِرَةِ لِلصَّحارى شَجَرَةٌ مُرَّةٌ مَسْمُومَةٌ لَها لَبَنٌ إنْ مَسَّ جِسْمَ أحَدٍ تَوَرَّمَ وماتَ مِنهُ في أغْلَبَ الأمْرُ، تُسَمّى شَجَرَةَ الزَقُّومِ، والتَزَقُّمُ في كَلامِ العَرَبِ: البَلْعُ عَلى شِدَّةٍ وجَهْدٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ ﴾ ، قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: يُرِيدُ أبا جَهْلٍ ونُظَراءَهُ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ قالَ الكُفّارُ: وكَيْفَ يُخْبِرُ مُحَمَّدٌ عَنِ النارِ أنَّها تُنْبِتُ الأشْجارَ وهي تَأْكُلُها وتُذْهِبُها؟

فَفَتَنُوا بِذَلِكَ أنْفُسَهم وجَهَلَةً مِن أتْباعِهِمْ، وقالَ أبُو جَهْلٍ: إنَّما الزَقُّومُ التَمْرُ بِالزُبْدِ، ونَحْنُ نَتَزَقَّمُهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فِي أصْلِ الجَحِيمِ ﴾ مَعْناهُ مُلاصِقٌ نِهاياتِها الَّتِي لَها كالجُدْرانِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: [إنَّها شَجَرَةٌ ثابِتَةٌ في أصْلِ الجَحِيمِ].

وقَوْلُهُ: ﴿ كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَياطِينِ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْناهُ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: شُبِّهَ بِثَمَرِ شَجَرَةٍ مَعْرُوفَةٍ يُقالُ لَها: رُؤُوسُ الشَياطِينِ، وهي بِناحِيَةِ اليَمَنِ، يُقالُ لَها: أسْتَنٌ، وهي الَّتِي ذَكَرَ النابِغَةُ في قَوْلِهِ: مِن أسْتَنٍ سُودٍ أسافِلُهُ ويُقالُ: إنَّهُ الشَجَرُ الَّذِي يُقالُ لَهُ: الصَوْمُ، وهو الَّذِي يَعْنِي ساعِدَةُ بْنُ جُؤَيَّةَ في قَوْلِهِ: مُوَكَّلٌ بِشُدُوفِ الصَوْمِ يَرْقُبُها ∗∗∗ ∗∗∗ مِنَ المَعازِبِ مَخْطُوفُ الحَشا زَرِمُ وقالَتْ فِرْقَةٌ: شُبِّهَ بِرُؤُوسِ صِنْفٍ مِنَ الحَيّاتِ يُقالُ لَهُ: الشَياطِينُ، وهي ذَواتُ أعْرافٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: عنجَرِدٌ تَحْلِفُ حِينَ أحْلِفُ ∗∗∗ ∗∗∗ كَمِثْلِ شَيْطانِ الحَماطِ أعْرَفُ وقالَتْ فِرْقَةٌ: شُبِّهَ بِما اسْتَقَرَّ في النُفُوسِ مِن كَراهَةِ رُؤُسِ الشَياطِينِ وقُبْحِها وإنْ كانَتْ لَمْ تُرَ، وهَذا كَما تَقُولُ لِلْأشْعَثِ المُنْتَفِشِ الشَعْرِ الكَرِيهِ المَنظَرِ: هَذا وجْهُ شَيْطانٍ، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ الكَنَدِيِّ: أيَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعِي ∗∗∗ ∗∗∗ ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ فَإنَّما شَبَّهَ بِما اسْتَقَرَّ في النُفُوسِ مِن هَيْئَتِها.

و"الشَوْبُ": المِزاجُ والخَلْطُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.

وقَرَأ شَيْبانُ النَحْوِيُّ بِضَمِّ الشِينِ، قالَ الزَجّاجُ: فَتْحُ الشِينِ المَصْدَرُ وضَمُّها الِاسْمُ.

و"الحَمِيمُ": السُخْنُ جِدًّا مِنَ الماءِ ونَحْوِهُ، فَيُرِيدُ بِهِ هاهُنا شَرابَهُمُ الَّذِي هو طِينَةُ الخَبالِ صَدِيدُهم وما يَنْماعُ مِنهُمْ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَهُمُ انْتِقالُ أجْسادٍ في وقْتِ الأكْلِ والشُرْبِ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى مُعْظَمِ الجَحِيمِ، ذَكَرَهُ الرُمّانِيُّ، وشُبِّهَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ  ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الرُجُوعُ إنَّما هو مِن حالِ ذَلِكَ الأكْلِ المُعَذِّبِ إلى حالِ الِاحْتِراقِ دُونَ أكْلٍ، وبِكُلِّ احْتِمالٍ قِيلَ.

وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: [وَأنَّ مُنْقَلَبَهم لَإلى الجَحِيمِ]، وفي كِتابِ أبِي حاتِمٍ عنهُ: "مَقِيلَهُمْ"، مِنَ القائِلَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهم ألْفَوْا ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ تَمْثِيلٌ لِقُرَيْشٍ، و"يُهْرَعُونَ"، قالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: يُسْرِعُونَ كَأنَّهم يُساقُونَ بِعَجَلَةٍ، وهَذا تَكَسُّبُهم لِلْكُفْرِ وحِرْصُهم عَلَيْهِ، والإهْراعُ: سَيْرٌ شَدِيدٌ، قالَ مُجاهِدٌ، كَهَيْئَةِ الهَرْوَلَةِ فِيهِ شِبْهُ رَعْدَةٍ، وكَأنَّهُ أيْضًا شِبْهُ سَيْرِ الفازِعِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٧١ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ ٧٢ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ ٧٣ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ٧٤ وَلَقَدْ نَادَىٰنَا نُوحٌۭ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ ٧٥ وَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُۥ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ ٧٦ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلْبَاقِينَ ٧٧ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ٧٨ سَلَـٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍۢ فِى ٱلْعَـٰلَمِينَ ٧٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ ﴾ ﴿ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ ﴾ ﴿ إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ ﴾ ﴿ وَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ ﴾ ﴿ وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ ﴾ ﴿ سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ ﴾ مَثَّلَ تَعالى لِقُرَيْشٍ في هَذِهِ الآيَةِ بِالأُمَمِ الَّتِي ضَلَّتْ قَدِيمًا، وجاءَها الإنْذارُ، وأهْلَكَها اللهُ بِعَدْلِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ ﴾ يَقْتَضِي الإخْبارُ بِأنَّهُ عَذَّبَهُمْ، ولِذَلِكَ حَسُنَ الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿ إلا عِبادَ اللهِ ﴾ .

ونِداءُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ تَضَمَّنَ أشْياءَ: مِنها الدُعاءُ عَلى قَوْمِهِ، ومِنها سُؤالُ النَجاةِ، ومِنها طَلَبُ النُصْرَةِ، وفي جَمِيعِ ذَلِكَ وقَعَتِ الإجابَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ ﴾ يَقْتَضِي الخَبَرَ بِأنَّ الإجابَةَ كانَتْ عَلى أكْمَلِ ما أرادَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ.

و ﴿ الكَرْبِ العَظِيمِ ﴾ ، قالَ السُدِّيُّ: هو الغَرَقُ، ومِنَ الكَرْبِ تَكْذِيبُ الكَفَرَةِ، ورُكُوبُ الماءِ وهَوْلِهِ، قالَ الرُمّانِيُّ: الكَرْبُ: الخَبَرُ الثَقِيلُ عَلى القَلْبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَتادَةُ: أهْلُ الأرْضِ كُلُّهم مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، قالَ الطَبَرِيُّ: والعَرَبُ مِن أولادِ سامٍ، والسُودانُ مِن أولادِ حامٍ، والتُرْكُ والصَقْلَبُ وغَيْرُهم مِن أولادِ يافِثٍ.

ورُوِيَ عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ «أنَّ النَبِيَّ  قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: "سامٌ وحامٌ ويافِثٌ"،» وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ اللهَ تَعالى أبْقى ذُرِّيَّةَ نُوحٍ، ومَدَّ نَسْلَهُ، وبارَكَ في ضِئْضِئِهِ، ولَيْسَ الأمْرُ بِأنَّ أهْلَ الأرْضِ انْحَصَرُوا إلى نَسْلِهِ، بَلْ في الأُمَمِ مَن لا يَرْجِعُ إلَيْهِ، والأوَّلُ أشْهَرَ عِنْدَ عُلَماءِ الأُمَّةِ، وقالُوا: نُوحٌ هو آدَمُ الأصْغَرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ ﴾ مَعْناهُ: ثَناءً حَسَنًا جَمِيلًا باقِيًا آخِرَ الدَهْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والسٌدِّيُّ، وقَوْلُهُ: ﴿ "سَلامٌ" ﴾ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ مُسْتَأْنَفٌ، سَلَّمَ اللهُ بِهِ عَلَيْهِ لِيَقْتَدِيَ بِذَلِكَ البَشَرُ، قالَ الطَبَرِيُّ: هَذِهِ أمَنَةٌ مِنهُ لِنُوحٍ في العالَمِينَ أنْ يَذْكُرَهُ أحَدٌ بِسُوءٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا جَزاءُ ما صَبَرَ طَوِيلًا عَلى أقْوالِ الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ.

وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ مِنَ الكُوفِيِّينَ: قَوْلُهُ: ﴿ "سَلامٌ" ﴾ الآيَةُ، جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بـِ"تَرَكْنا"، وهَذا هو المَتْرُوكُ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: وتَرَكْنا عَلى نُوحٍ تَسْلِيمًا، يُسَلَّمُ بِهِ عَلَيْهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وفي قِراءَةِ عَبْدُ اللهِ: [سَلامًا] نَصْبًا بـِ"تَرَكْنا".

صَلّى اللهُ عَلى نُوحٍ وعَلى أهْلِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا، وشَرَّفَ وكَرَّمَ، وعَلى جَمِيعِ أنْبِيائِهِ.

و ﴿ فِي الآخِرِينَ ﴾ مَعْناهُ: في الباقِينَ غابِرَ الدَهْرِ، والقِراءَةُ بِكَسْرِ الخاءِ: وما كانَ مِن إهْلاكٍ فَهو بِفَتْحِها.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ٨٠ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ٨١ ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلْـَٔاخَرِينَ ٨٢ ۞ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِۦ لَإِبْرَٰهِيمَ ٨٣ إِذْ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلْبٍۢ سَلِيمٍ ٨٤ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦ مَاذَا تَعْبُدُونَ ٨٥ أَئِفْكًا ءَالِهَةًۭ دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ ٨٦ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٨٧ فَنَظَرَ نَظْرَةًۭ فِى ٱلنُّجُومِ ٨٨ فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌۭ ٨٩ فَتَوَلَّوْا۟ عَنْهُ مُدْبِرِينَ ٩٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْراهِيمَ ﴾ ﴿ إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ ﴿ إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ ﴾ ﴿ فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُجُومِ ﴾ ﴿ فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ ﴾ ﴿ فَتَوَلَّوْا عنهُ مُدْبِرِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كَذَلِكَ" ﴾ إشارَةٌ إلى إنْعامِهِ عَلى نُوحٍ بِالإجابَةِ كَما اقْتَرَحَ، وأثْنى تَعالى عَلى نُوحٍ بِالإحْسانِ لِصَبْرِهِ عَلى أذى قَوْمِهِ ومُطاوَلَتِهِ لَهُمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن عِبادَتِهِ وأفْعالِهِ  .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ أغْرَقَ قَوْمَ نُوحٍ وأُمَّتَهُ ومُكَذِّبِيهِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ نَصٌّ عَلى أنَّ الغَرَقَ عَمَّ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ، ولَكِنْ قَدْ قالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وأسْنَدَتْ أحادِيثَ بِأنَّ الغَرَقَ عَمَّ جَمِيعَ الناسِ إلّا مَن كانَ مَعَهُ في السَفِينَةِ، وعَلى هَذا تَرَتَّبَ القَوْلُ بِأنَّ الناسَ اليَوْمَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقالُوا: لَمْ يَكُنِ الناسُ حِينَئِذٍ بِهَذِهِ الكَثْرَةِ؛ لِأنَّ عَهْدَ آدَمَ كانَ قَرِيبًا، وكانَتْ دَعْوَةُ نُوحٍ ونُبُوَّتُهُ قَدْ بَلَغَتْ جَمِيعَهم لِطُولِ المُدَّةِ واللُبْثِ فِيهِمْ، فَكانَ الجَمِيعُ كَفَرَةً عَبَدَةَ أوثانٍ لَمْ يَنْسُبْهُمُ الحَقُّ إلى نَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ أغْرَقَ جَمِيعَهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن شِيعَتِهِ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُدِّيُّ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والمَعْنى: في الدِينِ والتَوْحِيدِ، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ الفَرّاءِ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ  ، والإشارَةُ إلَيْهِ.

وذَلِكَ كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ؛ لِأنَّ "الشِيعَةَ" مَعْناها: الصِنْفُ الشائِعُ الَّذِي يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، والشِيَعُ: الفِرَقُ، وإنْ كانَ الأعْرَفُ أنَّ المُتَأخِّرَ في الزَمَنِ هو شِيعَةٌ لِلْمُتَقَدِّمِ، ولَكِنْ قَدْ يَجِيءُ مِنَ الكَلامِ عَكْسُ ذَلِكَ، قالَ الشاعِرُ: وما لِيَ إلّا آلُ أحْمَدَ شِيعَةً ∗∗∗ وما لِيَ إلّا مَشْعَبُ الحَقِّ مَشْعَبُ فَجَعَلَهم شِيعَةً لِنَفْسِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ ، قالَ المُفَسِّرُونَ: يُرِيدُ: مِنَ الشَكِّ والشِرْكِ وجَمِيعِ النَقائِصِ الَّتِي تَلْحَقُ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كالغِلِّ والحَسَدِ والكِبْرِ ونَحْوِهُ، قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: لَمْ يَلْعن شَيْئًا قَطُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ ﴾ ، "أئِفْكًا" اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: أكَذِبًا ومُحالًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ؟

ونَصْبُ "آلِهَةً" عَلى البَدَلِ مِن إفْكًا، وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ الأصْلِيَّةُ مِنَ الإفْكِ.

﴿ فَما ظَنُّكُمْ ﴾ تَوْبِيخٌ وتَحْذِيرٌ وتَوَعُّدٌ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن نَظْرَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُجُومِ، ورُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ كانَ لَهم عِيدٌ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ، فَدَعَوْا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لِلْخُرُوجِ مَعَهُمْ، فَنَظَرَ حِينَئِذٍ واعْتَذَرَ بِالسَقَمِ، وأرادَ البَقاءَ خِلافِهِمْ إلى الأصْنامِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، عن أبِيهِ: أرْسَلَ إلَيْهِ مَلِكُهم أنَّ غَدًا عِيدٌ فاحْضُرْ مَعَنا، فَنَظَرَ إلى نَجْمٍ طالِعٍ فَقالَ: إنَّ هَذا يَطْلُعُ مَعَ سَقَمِي، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُجُومِ ﴾ أيْ: فِيما نَجَمَ إلَيْهِ مِن أُمُورِ قَوْمِهِ وحالِهِ مَعَهُمْ، وقالَ الجُمْهُورُ: نَظَرَ نُجُومَ السَماءِ، ورُوِيَ أنَّ عِلْمَ النُجُومِ كانَ عِنْدَهم مَنظُورًا فِيهِ مُسْتَعْمَلًا، فَأوهَمَهم هو مِن تِلْكَ الجِهَةِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا أهْلَ رِعايَةٍ وفِلاحَةٍ، وهاتانِ المَعِيشَتانِ يُحْتاجُ فِيهِما إلى نَظَرٍ في النُجُومِ.

واخْتُلِفَ في قَوْلِهِ: ﴿ إنِّي سَقِيمٌ ﴾ ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي كِذْبَةٌ في ذاتِ اللهِ، أخْبَرَهم عن نَفْسِهِ أنَّهُ مَرِيضٌ، وأنَّ الكَوْكَبَ أعْطاهُ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: أشارَ لَهم إلى مَرَضٍ وسَقَمٍ يُعْدِي كالطاعُونِ، ولِذَلِكَ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، أيْ: فارِّينَ مِنهُ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ لِكُفْرِهِمْ واحْتِقارِهِمْ لِأمْرِهِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ - في أنَّها كِذْبَةٌ - يَجِيءُ الحَدِيثُ: « "لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كِذْباتٍ: قَوْلُهُ: إنِّي سَقِيمٌ، وقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا، وقَوْلُهُ في سارَّةَ: هي أُخْتِي".» وَقالَتْ فِرْقَةٌ: لَيْسَتْ بِكِذْبَةٍ، ولا يَجُوزُ الكَذِبُ عَلَيْهِ، ولَكِنَّها مِنَ المَعارِيضِ، أخْبَرَهم بِأنَّهُ سَقِيمٌ في المالِ، وعَلى عُرْفِ ابْنِ آدَمَ؛ لِأنَّ ابْنَ آدَمَ لابُدَّ أنْ يَسْقَمَ ضَرُورَةً.

وقِيلَ عَلى هَذا -: أرادَ: إنِّي سَقِيمُ النَفْسِ مِن أُمُورِكم وكُفْرِكُمْ، فَظَهَرَ لَهم مِن كَلامِهِ أنَّهُ أرادَ سَقَمًا بِالجَسَدِ حاضِرًا، وهَكَذا هي المَعارِيضُ.

وهَذا التَأْوِيلُ لا يَرُدُّهُ الحَدِيثُ وذِكْرُ الكِذْباتِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُقالُ لَها كَذِبٌ عَلى الِاتِّساعِ بِحَسْبِ اعْتِقادِ المُخْبِرِ، والكَذِبُ الَّذِي هو قَصْدُ قَوْلِ الباطِلِ والإخْبارُ بِضِدِّ ما في النَفْسِ بِغَيْرِ مَنفَعَةٍ شَرْعِيَّةٍ هو الَّذِي لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ.

<div class="verse-tafsir"

فَرَاغَ إِلَىٰٓ ءَالِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ٩١ مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ ٩٢ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًۢا بِٱلْيَمِينِ ٩٣ فَأَقْبَلُوٓا۟ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ٩٤ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ٩٥ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ٩٦ قَالُوا۟ ٱبْنُوا۟ لَهُۥ بُنْيَـٰنًۭا فَأَلْقُوهُ فِى ٱلْجَحِيمِ ٩٧ فَأَرَادُوا۟ بِهِۦ كَيْدًۭا فَجَعَلْنَـٰهُمُ ٱلْأَسْفَلِينَ ٩٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ ﴾ ﴿ ما لَكم لا تَنْطِقُونَ ﴾ ﴿ فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ ﴾ ﴿ فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ ﴾ ﴿ قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ ﴾ ﴿ واللهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ ﴾ ﴿ فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ ﴾ "راغَ" مَعْناهُ: مالَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: حَيْثُ لا يَنْفَعُ الرِياغُ ولا يَنَ...

فَعُ إلّا المُصادِقُ النِحْرِيرُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا تَأْكُلُونَ ﴾ هو عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ بِعَبَدَةِ تِلْكَ الأصْنامِ، ورُوِيَ أنَّ عادَةَ أُولَئِكَ كانَتْ أنَّهم يَتْرُكُونَ الطَعامَ في بُيُوتِ الأصْنامَ، ويَعْتَقِدُونَ أنَّها تُصِيبُ مِنهُ شَمِيمًا، ونَحْوَ هَذا مِنَ المُعْتَقَداتِ الباطِلَةِ، ثُمَّ كانَ خَدَمُ البَيْتِ يَأْكُلُونَهُ.

فَلَمّا دَخَلَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ وقَفَ عَلى الأكْلِ، والنُطْقِ والمُخاطَبَةِ لِلْأصْنامِ والقَصْدُ الِاسْتِهْزاءُ بِعابِدِيها، ثُمَّ مالَ عِنْدَ ذَلِكَ إلى ضَرْبِ تِلْكَ الأصْنامِ بِفَأْسٍ حَتّى جَعَلَها جِذاذًا.

واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ "بِاليَمِينِ"، ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يُمْنى يَدَيْهِ، وقِيلَ: أرادَ: بِقُوَّتِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ يَجْمَعُ يَدَيْهِ بِالفَأْسِ، وقِيلَ: أرادَ يَمِينَ القَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَتاللهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ  ﴾ ، و"ضَرْبًا" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِن لَفْظِهِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: [صَفْقًا بِاليَمِينِ].

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: (أقْبَلُوا) لِكُفّارِ قَوْمِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "يَزِفُّونَ" ﴾ بِفَتْحِ الياءِ، مِن: زَفَّ إذا أسْرَعَ، وزَفَّتِ الإبِلُ إذا أسْرَعَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ: فَجاءَ قَرِيعُ الشَوْلِ قَبْلَ إفالِها ∗∗∗ ∗∗∗ يَزِّفُّ وجاءَتْ خَلْفَهُ وهي زُفَّفُ ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيُّ: وزَفَّتِ الشَوْلُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ كَما ∗∗∗ ∗∗∗ زَفَّ النَعامُ إلى حَفانِهِ الرُوحُ وَقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "يُزِفُّونَ" بِضَمِّ الياءِ، مِن: أزَفَّ إذا دَخَلَ في الزَفِيفِ، ولَيْسَتْ بِهَمْزَةِ تَعْدِيَةٍ، هَذا قَوْلٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْناها: يَحْمِلُونَ غَيْرَهم عَلى الزَفِيفِ، وحَكاهُ عَنِ الأصْمَعِيِّ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ، "يَزِفُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الفاءِ مِن: وزَفَ يَزِفُ، وهي لُغَةٌ مُنْكَرَةٌ، قالَ الكِسائِيُّ: والفَرّاءُ لا نُعْرِفُها بِمَعْنى: زَفَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: الوَزِيفُ: السَيَلانُ.

وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ "يَزِفُّونَ" مَعْناهُ: يَتَمَهَّلُونَ في مَشْيِهِمْ كَزِفافِ العَرُوسِ، والمَعْنى أنَّهم كانُوا عَلى طُمَأْنِينَةٍ مِن أنْ يَنالَ أحَدٌ آلِهَتَهم بِسُوءٍ لِعِزَّتِهِمْ، فَكانُوا لِذَلِكَ مُتَمَهِّلِينَ.

وزَفَّ بِمَعْنى أسْرَعَ هو المَعْرُوفُ.

ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهم في جُمْلَةِ مُحاوَرَةٍ طَوِيلَةٍ قَدْ تَضَمَّنَتْها الآيَةُ: ﴿ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ ﴾ ، أيْ: تَجْعَلُونَ إلَهًا مُعَظَّمًا شَيْئًا صَنَعْتُمُوهُ مِن عُودٍ أو حَجَرٍ، وعَمِلْتُمُوهُ بِأيْدِيكُمْ؟

أخْبَرَهم بِخَبَرٍ لا يُمْكِنُهم إنْكارُهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿ واللهُ خَلَقَكُمْ ﴾ ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَما تَعْمَلُونَ ﴾ ، فَمَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: وأعْمالَكُمْ، وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَهم قاعِدَةٌ في خَلْقِ أفْعالِ العِبادِ، وذَلِكَ مُوافِقٌ لِمَذْهَبِ أهْلِ السُنَّةِ في ذَلِكَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي بِمَعْنى الَّذِي، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" اسْتِفْهامٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي نَفْيٌ، بِمَعْنى: وأنْتُمْ لا تَعْمَلُونَ شَيْئًا في وقْتِ خَلْقِكم ولا قَبْلَهُ، ولا تَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ، والمُعْتَزِلَةُ مُضْطَرَّةٌ إلى الزَوالِ عن أنْ تَجْعَلَ "ما" مَصْدَرِيَّةً.

و"البُنْيانُ" قِيلَ: كانَ في مَوْضِعِ إيقادِ النارِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ لِلْمَنجَنِيقِ الَّذِي رُمِيَ عنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ نارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وجَعَلَهُمُ اللهُ الأسْفَلِينَ بِأنْ غُلِبُوا وذَلُّوا ونالَتْهُمُ العُقُوباتُ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ ٩٩ رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ١٠٠ فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍۢ ١٠١ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ ١٠٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصالِحِينَ ﴾ ﴿ فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ﴾ ﴿ فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصابِرِينَ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ قَوْلَ إبْراهِيمَ ﴿ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي ﴾ كانَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النارِ، وأنَّهُ أشارَ بِذَهابِهِ إلى هِجْرَتِهِ مِن أرْضِ بابِلَ حَيْثُ كانَتْ مَمْلَكَةُ نَمْرُوذَ، فَخَرَجَ إلى الشامِ، ويُرْوى: إلى بِلادِ مِصْرَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ إنِّي ذاهِبٌ ﴾ لَيْسَ مُرادُهُ بِهِ الهِجْرَةَ كَما في آيَةٍ أُخْرى، وإنَّما مُرادُهُ لِقاءَ اللهِ بَعْدَ الِاحْتِراقِ؛ لَكِنَّهُ ظَنَّ أنَّ النارَ سَيَمُوتُ فِيها، فَقالَ هَذِهِ المَقالَةَ قَبْلَ أنْ يُطْرَحَ في النارِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنِّي سائِرٌ بِهَذا العَمَلِ إلى رَبِّي، وهو سَيَهْدِينِي إلى الجَنَّةِ، نَحا إلى هَذا المَعْنى قَتادَةُ، ولِلْعارِفِينَ بِهَذا الذَهابِ تَمَسُّكٌ واحْتِجاجٌ في الصَفاءِ، وهو مَحْمَلٌ حَسَنٌ في ﴿ إنِّي ذاهِبٌ ﴾ وحْدَهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ مِن نَمَطِ الآيَةِ بِما بَعْدَهُ؛ لِأنَّ الهِدايَةَ مَعَهُ تَتَرَتَّبُ، والدُعاءَ في الوَلَدِ كَذَلِكَ، ولا يَصِحُّ مَعَ ذَهابِ الفَناءِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ الصالِحِينَ ﴾ ، "مِنَ" لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: ولَدًا يَكُونُ في عِدادِ الصالِحِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَبَشَّرْناهُ ﴾ ، قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، مِنهُمُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ - وقَدْ رَفَعَهُ - وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وكَعْبٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرَةَ: هي البِشارَةُ المَعْرُوفَةُ بِإسْحَقَ، وهو الذَبِيحُ، وكانَ أمْرُ ذَبْحِهِ بِالشامِ، وقالَ عَطاءُ، ومُقاتِلٌ: كانَ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ بِالحِجازِ، جاءَ مَعَ أبِيهِ عَلى البُراقِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما والبِشارَةُ الَّتِي بَعُدَ هَذِهِ في هَذِهِ الآيَةِ هي بِشارَةٌ بِنُبُوَّتِهِ، كَما قالَ تَعالى في مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ وَوَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا  ﴾ ، وهو قَدْ كانَ وهَبَهُ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وإنَّما أرادَ النُبُوَّةَ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ.

وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في قَوْلِ الأعْرابِيِّ: "يا بْنَ الذَبِيحَيْنِ": أرادَ إسْحَقَ، والعَمُّ أبٌ، وقِيلَ: إنَّهُ أُمِرَ بِذَبْحِهِ بَعْدَ ما وُلِدَ لَهُ يَعْقُوبُ، فَلَمْ يَتَعارَضِ الأمْرُ بِالذَبْحِ مَعَ البِشارَةِ بِوَلَدِهِ ووَلَدِ ولَدِهِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ البِشارَةُ هي بِإسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ وهو الذَبِيحُ، وأمْرُ ذَبْحِهِ كانَ مُحَمَّدٌ بِالحِجازِ وبِمِنى، ثُمَّ رَمى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ الشَيْطانَ بِالجَمَراتِ، وقَبَضَ الكَبْشَ وسَنَّ السُنَنِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَ عَنِ الشَعْبِيِّ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، ومُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ - ورَفَعَهُ مُعاوِيَةُ إلى النَبِيِّ  - ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وبِهِ كانَ أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ، ويَسْتَدِلُّ بِقَوْلِ الأعْرابِيِّ لِلنَّبِيِّ  : « "يا ابْنَ الذَبِيحَيْنِ"» وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أنا ابْنُ الذَبِيحَيْنِ"،» يَعْنِي إسْماعِيلَ وعَبْدَ اللهِ أباهُ، ويَسْتَدِلُّ بِأنَّ البِشارَةَ اقْتَرَنَتْ بِأنَّ مِن ورائِهِ يَعْقُوبَ، فَلَوْ قِيلَ لَهُ في صِباهُ: اذْبَحْهُ، لَناقَضَ ذَلِكَ البِشارَةَ بِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ، ويَسْتَدِلُّ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ بُشِّرَ بِإسْماعِيلَ، وانْقَضى أمْرُ ذَبْحِهِ، ثُمَّ بُشِّرَ بِإسْحاقَ بَعْدَ ذَلِكَ، وسَمِعْتُهُ يَقُولُ: كانَ إبْراهِيمُ يَجِيءُ مِنَ الشامِ إلى مَكَّةَ عَلى البُراقِ زائِرًا ويَعُودُ مِن يَوْمِهِ.

وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الثَعْلَبِيُّ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّ ذَلِكَ عَلى البُراقِ، وذَكَرَ القِصَّةَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وفِيها ذِكْرُ البُراقِ كَما سَمِعْتُ أبِي يَحْكِي.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: الذَبِيحُ إسْماعِيلُ، وتَزْعُمُ اليَهُودُ أنَّهُ إسْحَقُ، وكَذَبَتِ اليَهُودُ، وذَكَرَ أيْضًا أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ سَألَ رَجُلًا يَهُودِيًّا كانَ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ فَقالَ: الذَبِيحُ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وإنَّ اليَهُودَ تَعْلَمُ ذَلِكَ، ولَكِنَّهم يَحْسُدُونَكم مَعْشَرَ العَرَبِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ والفَضْلُ واللهِ في أبِيكم.

و"السَعْيُ" في هَذِهِ الآيَةِ العَمَلُ والعِبادَةُ والمَعُونَةُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ.

وقالَ قَتادَةُ: السَعْيُ عَلى القَدَمِ، يُرِيدُ سَعْيًا مُتَمَكِّنًا، وهَذا في المَعْنى نَحْوُ الأوَّلِ.

وقَرَأ الضَحّاكُ: "مَعَهُ السَعْيَ وأسَرَّ في نَفْسِهِ حُزْنًا"، قالَ: وهَكَذا في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، قَوْلُهُ: ﴿ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ رَأى ذَلِكَ بِعَيْنَيْهِ، ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ، وعُيِّنَ لَهُ وقْتُ الِامْتِثالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ أُمِرَ في نَوْمِهِ بِذَبْحِهِ فَعَبَّرَ هو عن ذَلِكَ، أيْ: إنِّي رَأيْتُ في النَوْمِ ما يُوجِبُ أنْ أذْبَحَكَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "ماذا تَرى" ﴾ بِفَتْحِ التاءِ والراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "ماذا تُرِي" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الراءِ، عَلى مَعْنى: ما يَظْهَرُ مِنكَ مِن جَلَدٍ أو جَزَعٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، والأسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، ومُجاهِدٍ.

وقَرَأ الأعْمَشُ، والضَحّاكُ بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الراءِ، عَلى الفِعْلِ المَجْهُولِ.

فَأمّا الأُولى فَهي مِن رُؤْيَةِ الرَأْيِ، وهي رُؤْيَةٌ تَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وهو - في هَذِهِ الآيَةِ - إمّا "ماذا" تَحْمِلُهُما عَلى أنْ تَجْعَلَهُما بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ، وإمّا "ذا" عَلى أنْ تَجْعَلَها بِمَعْنى الَّذِي، وتَكُونُ "ما" اسْتِفْهامًا، وتَكُونُ الهاءُ مَحْذُوفَةً مِنَ الصِلَةِ.

وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَيَكُونُ تَقْدِيرُ مَفْعُولِها كَما مَرَّ في هَذِهِ، غَيْرَ أنَّ الفِعْلَ فِيها مَنقُولٌ مِن: رَأى زَيْدٌ الشَيْءَ، وأرَيْتُهُ إيّاهُ، إلّا أنَّهُ مِن بابِ أعْطَيْتُ، فَيَجُوزُ أنْ يُقْتَصَرَ عَلى أحَدِ المَفْعُولَيْنِ.

وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَقَدْ ضَعَّفَها أبُو عَلِيٍّ، وتَتَّجِهُ عَلى تَحامُلٍ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: [افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ].

<div class="verse-tafsir"

فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ ١٠٣ وَنَـٰدَيْنَـٰهُ أَن يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ ١٠٤ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّءْيَآ ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ١٠٥ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلَـٰٓؤُا۟ ٱلْمُبِينُ ١٠٦ وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍۢ ١٠٧ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ١٠٨ سَلَـٰمٌ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ ١٠٩ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ١١٠ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ١١١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ ﴿ وَنادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ ﴾ ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ ﴾ ﴿ وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ ﴾ ﴿ سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ ﴾ ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "أسْلَما" ﴾ أيْ: أنْفُسَهُما، واسْتَسْلَما لِلَّهِ.

وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ اللهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والثَوْرِيُّ: "سَلَّما"، والمَعْنى: فَوَّضا إلَيْهِ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ، وانْحَمَلا عَلى أمْرِهِ، فَأسْلَمَ إبْراهِيمُ ابْنَهُ، وأسْلَمَ الِابْنُ نَفْسَهُ.

واخْتَلَفَ النُحاةُ في جَوابِ (لَمّا)، فَقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ "نادَيْناهُ"، والواوُ زائِدَةٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجَوابُ: "تَلَّهُ" والواوُ زائِدَةٌ.

كَزِيادَتِها فِي: ﴿ وَفُتِحَتِ السَماءُ  ﴾ ، وقالَ البَصْرِيُّونَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أسْلَما سَلَّما وتَلَّهُ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ، وهو عِنْدَهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى ∗∗∗ بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي حِقافٍ عَقَنْقَلِ والتَقْدِيرُ: فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ أجَزْنا وانْتَحى.

وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ أُجْزِلَ أجْرُهُما، أو نَحْوُ هَذا مِمّا يَقْتَضِيهِ المَعْنى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَتَلَّهُ" ﴾ مَعْناهُ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « " فَتَلَّهُ رَسُولُ اللهِ  في يَدِهِ"،» أيْ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ، والتَلُّ مِنَ الأرْضِ مَأْخُوذٌ مِن هَذا، كَأنَّهُ تُلَّ في ذَلِكَ المَوْضِعِ، و"لِلْجَبِينِ" مَعْناهُ: لِتِلْكَ الجِهَةِ وعَلَيْها، كَما يَقُولُونَ في المَثَلِ: لِلْيَدَيْنِ والفَمِ، وكَما تَقُولُ: سَقَطَ لِشِقِّهِ الأيْسَرِ، وقالَ ساعِدَةُ بْنُ جُؤَيَّةَ: فَظَلَّ تَلِيلًا لِلْجَبِينَيْنِ وهُما ما اكْتَنَفَ الجَبْهَةَ مِن هُنا وهُنا.

ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الذَبِيحَ قالَ لِأبِيهِ: اشْدُدْ رِباطِي بِالحَبْلِ لِئَلّا أضْطَرِبَ، واصْرِفْ بَصَرَكَ عَنِّي، لِئَلّا تَرْحَمَنِي، ورُدَّ وجْهِي نَحْوَ الأرْضِ، قالَ قَتادَةُ: كَبَّهُ لَفِيهِ وأخَذَ الشَفْرَةَ، والتَلُّ لِلْجَبِينِ لَيْسَ يَقْتَضِي أنَّ الوَجْهَ نَحْوُ الأرْضِ، بَلْ هي هَيْئَةُ مَن ذُبِحَ لِلْقِبْلَةِ عَلى جَنْبِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ يا إبْراهِيمُ ﴾ مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِقَلْبِكَ، عَلى مَعْنى: كانَتْ عِنْدَكَ رُؤْياكَ صادِقَةً وحَقًّا مِنَ اللهِ، فَعَمِلَتْ بِحَسْبِها حِينَ آمَنتَ بِها واعْتَقَدَتْ صِدْقَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: صَدَّقْتَ بِعَمَلِكَ ما حَصَلَ عَنِ الرُؤْيا في نَفْسِكَ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ وفَّيْتَها حَقَّها مِنَ العَمَلِ.

والرُؤْيا اسْمٌ لِما يُرى مِن قِبَلِ اللهِ في المَنامِ، والحُلْمُ اسْمٌ لِما يُرى مِن قِبَلِ الشَيْطانِ، ومِنهُ الحَدِيثُ الصَحِيحُ « "الرُؤْيا مِنَ اللهِ والحُلْمُ مِنَ الشَيْطانِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا كَذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما عَمِلَ إبْراهِيمُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: إنّا بِهَذا النَوْعِ مِنَ الإخْلاصِ والطاعَةِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ هَذا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى ما في القِصَّةِ مِنَ امْتِحانٍ واخْتِبارٍ بِالشِدَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى ما في القِصَّةِ مِن سُرُورٍ بِالفِدْيَةِ وإنْقاذٍ مِن تِلْكَ الشِدَّةِ في إنْفاذِ الذَبْحِ، فَيَكُونُ البَلاءُ بِمَعْنى النِعْمَةِ، وإلى كُلِّ احْتِمالٍ قَدْ أشارَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى إسْحَقَ أنِّي قَدْ أعْطَيْتُكَ بِصَبْرِكَ لِأمْرِي دَعْوَةً أُعْطِيكَ فِيها ما سَألْتَ، فَسَلْنِي، فَقالَ: يا رَبِّ أيُّما عَبْدٍ لَقِيَكَ مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ لا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئًا فَأدْخِلْهُ الجَنَّةَ.» والضَمِيرُ في "فَدَيْناهُ" عائِدٌ عَلى الذَبْحِ، و"الذَبْحُ" اسْمٌ لِما يُذْبَحُ، ووَصَفَهُ بِالعِظَمِ لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ: الذِبْحُ الكَبْشُ، والعَظِيمُ لِجَرْيِ السُنَةِ بِهِ وكَوْنِهِ دِينًا باقِيًا آخِرَ الدَهْرِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: عَظُمَ لِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ كانَ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عن نَسْلٍ بَلْ عَنِ التَكْوِينِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ كَوْنَهُ عَظِيمًا هو أنَّهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ رَعى فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَ ولَدُ آدَمَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: كانَ وعْلًا أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن ثَبِيرٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّهُ كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أعْيَنُ، وجَدَهُ وراءَهُ مَرْبُوطًا بِسَمُرَةٍ، ورُوِيَ أنَّهُ انْفَلَتَ فاتَّبَعَهُ ورَماهُ بِحَصَياتٍ في مَواضِعِ الجَمَراتِ، فَبِذَلِكَ مَضَتِ السُنَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: رَجَمَ الشَيْطانَ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ وغَيْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا، وأهْلُ السُنَّةِ عَلى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ نُسِخَ فِيها العَزْمُ عَلى الفِعْلِ، والمُعْتَزِلَةُ تَقُولُ: إنَّهُ لا يَصِحُّ نَسْخٌ إلّا بَعْدَ وُقُوعِ الفِعْلِ، افْتَرَقَتْ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى فِرْقَتَيْنِ: فَقالَتْ فِرْقَةٌ: وقَعَ الذَبْحُ والتَأمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا كَذِبٌ صُراحٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمْ: بَلْ كانَ إبْراهِيمُ لَمْ يَرَ في مَنامِهِ إلّا إمْرارَ الشَفْرَةِ فَقَطْ، فَظَنَّ أنَّهُ ذَبْحٌ فَجَهَّزَ، فَنَفَّذَ لِذَلِكَ، فَلِما وقَعَ الَّذِي رَآهُ وقَعَ النَسْخُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإذًا لا اخْتِلافَ أنَّ إبْراهِيمَ أمَرَّ الشَفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ.

ورُوِيَ أنَّ صَفِيحَةَ نُحاسٍ اعْتَرَضَتْهُ بِحَرْفِها، واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَ، فَقَدْ كَثَّرَ الناسُ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ بِما صِحَّتُهُ مَعْدُومَةٌ فاخْتَصَرْتُهُ.

وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿ وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ ﴾ ﴿ سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ مَعْناهُ: بِمِثْلِ هَذا الفِعْلِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

ومِمّا يُسْتَغْرَبُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ قالَ: ذُبِحَ في المَقامِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن جَماعَةٍ لَمْ يُسَمِّها أنَّها قالَتْ: كانَ الأمْرُ وإراعَةُ الذَبْحِ والقِصَّةُ كُلُّها بِالشامِ، وقالَ الجُمْهُورُ: ذُبِحَ بِمِنى، وقالَ الشَعْبِيُّ: رَأيْتُ قَرْنَيْ كَبْشِ إبْراهِيمَ مُعَلَّقَةً في الكَعْبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيًّۭا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ١١٢ وَبَـٰرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰٓ إِسْحَـٰقَ ۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌۭ وَظَالِمٌۭ لِّنَفْسِهِۦ مُبِينٌۭ ١١٣ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ١١٤ وَنَجَّيْنَـٰهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ ١١٥ وَنَصَرْنَـٰهُمْ فَكَانُوا۟ هُمُ ٱلْغَـٰلِبِينَ ١١٦ وَءَاتَيْنَـٰهُمَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلْمُسْتَبِينَ ١١٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصالِحِينَ ﴾ ﴿ وَبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ ﴾ ﴿ وَنَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ ﴾ ﴿ وَنَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ ﴾ ﴿ وَآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ ﴾ مَن قالَ أنَّ الذَبِيحَ هو إسْماعِيلُ جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ بِوِلادَةِ إسْحَقَ، وهي البِشارَةُ المُتَرَدِّدَةُ في غَيْرِ ما سُورَةٍ، ومَن جَعَلَ الذَبِيحَ إسْحاقَ جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ لِنَفْسِ النُبُوَّةِ فَقَطْ.

والمِنَّةُ عَلى مُوسى وهارُونَ هي في النُبُوَّةِ وسائِرِ ما جَرى مَعَها مِن مَكانَتِها عِنْدَ اللهِ، و"الكَرْبُ العَظِيمُ" هو تَعَبُّدُ القِبْطِ لَهُمْ، ثُمَّ جَيْشُ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: "إنّا لَمُدْرَكُونَ"، ثُمَّ البَحْرُ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَمِيرُ في "نَصَرْناهُمْ" عائِدٌ عَلى الجَماعَةِ المُتَقَدِّمِ ذَكْرُها، وهم مُوسى وهارُونُ وقَوْمُهُما.

وقالَ قَوْمٌ: أرادَ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ ولَكِنْ أخْرَجَ ضَمِيرَهُما مَخْرَجَ الجَمْعِ تَفْخِيمًا، وهَذا مِمّا تَفْعَلُهُ العَرَبُ، تُكَنِّي عَمَّنْ تُعَظِّمُ بِكِنايَةِ الجَماعَةِ.

و"الكِتابُ المُسْتَبِينُ": التَوْراةُ.

<div class="verse-tafsir"

وَهَدَيْنَـٰهُمَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ١١٨ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ١١٩ سَلَـٰمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ١٢٠ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ١٢١ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٢٢ وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ١٢٣ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَلَا تَتَّقُونَ ١٢٤ أَتَدْعُونَ بَعْلًۭا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَـٰلِقِينَ ١٢٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَهَدَيْناهُما الصِراطَ المُسْتَقِيمَ ﴾ ﴿ وَتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ ﴾ ﴿ سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ ﴾ ﴿ إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ أتَدْعُونَ بَعْلا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ ﴾ ﴿ الصِراطَ المُسْتَقِيمَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقَ الشَرْعِ والنُبُوءَةِ المُؤَدِّي إلى اللهِ تَعالى، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿ وَتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ ﴾ ﴿ سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ ﴾ .

وإلْياسَ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ اللهِ تَعالى، قالَ قَتادَةُ، وابْنُ مَسْعُودٍ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، بْنِ فِنْحاصَ، بْنِ العَيْزارَ، بْنِ هارُونَ، بْنِ عِمْرانَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِن ولَدِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "وَإنَّ إلْياسَ" ﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، وهو اسْمٌ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ.

وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "وَإنَّ الياسَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ وبِصِلَةِ الألِفِ، وذَلِكَ يَتَّجِهُ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ حَذَفَ الهَمْزَةَ، كَما حَذَفَها ابْنُ كَثِيرٍ مِن قَوْلِهِ: [إنَّها لَحْدى الكُبَرِ]، أرادَ: لَإحْدى، فَنَزَّلَ المُنْفَصِلَ مَنزِلَةَ المُتَّصِلِ، كَما قَدْ يُنَزَّلُ في كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ، وإمّا أنْ يَجْعَلَها الألِفَ الَّتِي تَصْحَبُ اللامَ لِلتَّعْرِيفِ، كاليَسَعَ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَإنَّ إيلِيسَ" بِألْفٍ مَكْسُورَةِ الهَمْزَةِ وياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها وسِينٍ مَفْتُوحَةٍ، وكَذَلِكَ فِيهِ: [سَلامٌ عَلى إيلِيسَ]، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، "سَلامٌ عَلى آل ياسِينَ"، وقَرَأ الباقُونَ: "سَلامٌ عَلى إلْياسِينَ" بِألْفٍ مَكْسُورَةٍ ولامٍ ساكِنَةٍ، وجَعَلَها الحَسَنُ، وأبُو رَجاءَ مَوْصُولَةٌ، فَوَجْهُ الأُولى أنَّها - فِيما يَزْعُمُونَ - مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها بِمَعْنى "أهْلِ" و"ياسِينَ" اسْمٌ أيْضًا لِإلْياسَ، وقِيلَ: هو اسْمٌ لِمُحَمَّدٍ  ، ووَجْهُ الثانِيَةِ أنَّهُ جَمْعُ إلْياسِي، كَما قالُوا: أعْجَمِيٌّ أعْجَمِيُّونَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: والتَقْدِيرُ: إلْياسِيِّينَ، فَحُذِفَ كَما حُذِفَ مِن أعْجَمِيَّيْنِ، ونَحْوِهُ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ والنُمَيْرِيِّينَ والمُهَلَّبِيِّينَ، ونَحْوِهُ.

وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ، ويُرْوى قَوْلُ الشاعِرِ: قَدْنِيَ مِن نَصْرِ الخُبَيْبِينَ قَدِي بِكَسْرِ الباءِ الثانِيَةِ، نِسْبَةً إلى أبِي خُبَيْبٍ.

ويُقالُ: سُمِّيَ كُلُّ واحِدٍ مِن آلِ ياسِينَ إلْياسَ، كَما قالُوا: شابَتْ مَفارِقُهُ، فَسُمِّيَ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ المَفْرِقِ مَفْرَقًا، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "جَمَلٌ ذُو عَثانِينَ"، وعَلى هَذا أنْشَدَ ابْنٌ جِنِّيٍّ: مَرَّتْ بِنا أوَّلَ مِن أُمُوسِ ∗∗∗ ∗∗∗ تَمِيسُ فِينا مِشْيَةَ العَرُوسِ فَسُمِّيَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أمْسٍ أمْسًا، ثُمَّ جُمِعَ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ يُسَلِّمْ عَلى آلِ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ قَبْلُ، فَلِذَلِكَ تَرْجُحُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "إلْياسِينَ" إذْ هو اسْمٌ واحِدٌ لَهُ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والأعْمَشُ: "وَإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ" و"سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ"، وهي لُغَةٌ في "إدْرِيسَ" كَإبْراهِيمَ وإبْراهامَ.

وقَوْلُهُ" ﴿ "أتَدْعُونَ" ﴾ مَعْناهُ: أتَعْبُدُونَ؟

و"البَعْلُ": الرَبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.

وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةٍ، فَقالَ لَهُ آخَرُ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللهُ أكْبَرُ ﴿ أتَدْعُونَ بَعْلا ﴾ .

وقالَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ: البَعْلُ اسْمُ صَنَمٍ كانَ لَهُمْ، ولَهُ يُقالُ: بَعْلُ بَكْ، وإلَيْهِ نَسَبَ الناسُ، وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ عن فِرْقَةٍ أنَّ "بَعْلًا" اسْمُ امْرَأةٍ كانَتْ أتَتْهم بِضَلالَةٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أحْسَنَ الخالِقِينَ ﴾ مِن حَيْثُ قِيلَ لِلْإنْسانِ عَلى التَجَوُّزِ: إنَّهُ يَخْلُقُ، وجَبَ أنْ يَكُونَ تَعالى أحْسَنَ الخالِقِينَ؛ إذْ خَلْقُهُ اخْتِراعٌ وإيجادٌ مِن عَدَمٍ، وخَلْقُ الإنْسانِ مَجازٌ، كَما قالَ الشاعِرُ: ؎ ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْ...

∗∗∗ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي <div class="verse-tafsir"

ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ ١٢٦ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ١٢٧ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ١٢٨ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ١٢٩ سَلَـٰمٌ عَلَىٰٓ إِلْ يَاسِينَ ١٣٠ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ١٣١ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٣٢ وَإِنَّ لُوطًۭا لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ١٣٣ إِذْ نَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ أَجْمَعِينَ ١٣٤ إِلَّا عَجُوزًۭا فِى ٱلْغَـٰبِرِينَ ١٣٥ ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلْـَٔاخَرِينَ ١٣٦ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ ١٣٧ وَبِٱلَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ١٣٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ ﴾ ﴿ إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ ﴾ ﴿ وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ ﴾ ﴿ سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ ﴾ ﴿ إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ﴾ ﴿ وَبِاللَيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ بِنَصْبِ الجَمِيعِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "أحْسَنَ"، وقَرَأ الباقُونَ وعاصِمٌ أيْضًا بِرَفْعِهِمْ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ.

والضَمِيرُ في "كَذَّبُوهُ" عائِدٌ عَلى قَوْمِ إلْياسَ.

و"مُحْضَرُونَ" مَعْناهُ: مُجْمَعُونَ لِعَذابِ اللهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ ما بَقِيَ مِنَ الآيَةِ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ ﴾ .

ولُوطٌ، قِيلَ: هو ابْنُ أُخْتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ بِكامِلِها، وامْرَأتُهُ هي العَجُوزُ المُهْلَكَةُ، وكانَتْ كافِرَةً، فَإمّا كانَتْ مُتَسَتِّرَةً مِنهُ وإمّا كانَتْ مُعْلِنَةً، وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ والإقامَةُ عَلَيْهِنَّ جائِزًا.

و"الغابِرُونَ": الباقُونَ، غَبَرَ بِمَعْنى: بَقِيَ، ومَعْناهُ ها هُنا: بَقِيَتْ في الهَلاكِ.

ثُمَّ خاطَبَ تَعالى قُرَيْشًا، أو هو عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ في الصَباحِ وبِاللَيْلِ، فَواجِبٌ أنْ يَقَعَ اعْتِبارُكم ونَظَرُكُمْ، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ١٣٩ إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ ١٤٠ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ ١٤١ فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌۭ ١٤٢ فَلَوْلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ ١٤٣ لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ١٤٤ ۞ فَنَبَذْنَـٰهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌۭ ١٤٥ وَأَنۢبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةًۭ مِّن يَقْطِينٍۢ ١٤٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ ﴾ ﴿ فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ ﴾ ﴿ فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ ﴾ ﴿ فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ ﴾ ﴿ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ ﴿ فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ ﴾ ﴿ وَأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ ﴾ هُوَ يُونُسُ بْنُ مَتّى عَلَيْهِ السَلامُ، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ورُوِيَ أنَّهُ تَنَبَّأ ابْنُ ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً فَتَفَسَّخَ تَحْتَ أعْباءِ النُبُوَّةِ كَما يَتَفَسَّخُ الرِبْعُ تَحْتَ الحِمْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، ولَكِنْ نَذْكُرُ مِنها ما تُفْهَمُ بِهِ هَذِهِ الألْفاظُ.

فَرُوِيَ أنَّ اللهَ بَعَثَهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم مَرَّةً فَخالَفُوهُ فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، وأعْلَمَهُ اللهُ تَعالى بِيَوْمِهِ فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهُمْ، ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا فَتابَ اللهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عنهُمْ، وكانَ في هَذا تَجْرِبَةً لِيُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَحِقَتْ يُونُسَ غَضْبَةٌ، ويُرْوى أنَّهُ كانَ في سِيرَتِهِمْ أنْ يَقْتُلُوا الكَذّابَ إذا لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَخافَهم يُونُسُ وغَضِبَ مَعَ ذَلِكَ، فَأبَقَ إلى الفُلْكِ، أيْ أرادَ الهُرُوبَ ودَخْلَ في البَحْرِ، وعَبَّرَ عن هُرُوبِهِ بِالإباقِ، مِن حَيْثُ هو عَبْدُ اللهِ فَرَّ عن غَيْرِ إذْنِ مَوْلاهُ، فَهَذِهِ حَقِيقَةُ الإباقِ، و"الفُلْكُ" في هَذا المَوْضِعِ واحِدٌ، و"المَشْحُونُ": المُوقَرُ، وَهُنا قَصَصٌ مَحْذُوفٌ إيجازًا واخْتِصارًا.

ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا حَصَلَ في السَفِينَةِ وأبْعَدَتْ وكَدَتْ ولَمْ تَجْرِ والسُفُنُ تَجْرِي يَمِينًا وشِمالًا، فَقالَ أهْلُ السَفِينَةِ: إنَّ فِينا لَصاحِبَ ذَنْبٍ وبِهِ يَحْبِسُنا اللهُ، فَقالُوا: لِنَقْتَرِعْ، فَأخَذُوا لِكُلِّ أحَدٍ سَهْمًا، وقالُوا: اللهُمَّ لْيَطْفُ سَهْمُ المُذْنِبِ ولْيَغْرَقْ سِهامُ الغَيْرِ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ، فَفَعَلُوا نَحْوَ هَذا ثَلاثَ مَرّاتٍ في كُلِّ مَرَّةٍ تَقَعُ القُرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأزْمَعُوا مَعَهُ عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ، فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِن أرْكانِ السَفِينَةِ لِيَقَعَ مِنهُ فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُهُ، فَدَفَعَ إلى الرُكْنِ الآخَرِ فَوَجَدَها كَذَلِكَ، حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكِبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ، ورُوِيَ أنَّما التَقَمَتْهُ بَعْدَ أنْ وقَعَ في الماءِ، ورُوِيَ أنَّ اللهَ أوحى إلى الحُوتِ أنِّي لَمْ أجْعَلْ يُونُسَ لَكَ رِزْقًا، وإنَّما جَعَلْتُ بَطْنَكَ لَهُ حِرْزًا وسِجْنًا، فَهَذا مَعْنى ﴿ "فَساهَمَ"، ﴾ أيْ: قارَعَ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ.

و"المُدْحَضُ": الزاهِقُ المَغْلُوبُ في مُحاجَّةٍ أو مُساهَمَةٍ أو مُسابَقَةٍ.

ومِنهُ: الحُجَّةُ الداحِضَةُ، و"المُلِيمُ": الَّذِي أتى ما يُلامُ عَلَيْهِ، يُقالُ: ألامَ الرَجُلُ دَخَلَ في اللَوْمِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: سَفَهًا عَذَلْتِ ولُمْتِ غَيْرَ مُلِيمِ ∗∗∗ وهَداكِ قَبْلَ اليَوْمِ غَيْرُ حَكِيمِ ثُمَّ اسْتَنْقَذَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مِن بَطْنِ الحُوتِ بَعْدَ مُدَّةٍ واخْتَلَفَ الناسُ فِيها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْدَ سَبْعِ ساعاتٍ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: بَعْدَ سَبْعَةِ أيّامٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْدَ أرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وقالَ أبُو مالِكٍ، والسُدِّيُّ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ بَلَغَهُ.

وجَعَلَ تَعالى عِلَّةَ اسْتِنْقاذِهِ مَعَ القُدْرَةِ السابِقَةِ تَسْبِيحَهُ، واخْتَلَفَ الناسُ في ذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ في بَطْنِ الحُوتِ: سُبْحانَ اللهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ التَسْبِيحُ وصَلاةُ التَطَوُّعِ، واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ، فَقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ: صِلاتُهُ في وقْتِ الرَخاءِ نَفَعَتْهُ في وقْتِ الشِدَّةِ، وقالَ هَذا جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وقالَ الضَحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللهَ في الرَخاءِ يَذْكُرْكم في الشِدَّةِ إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا لِلَّهِ ذاكِرًا فَلَمّا أصابَتْهُ الشِدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، وإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ طاغِيًا باغِيًا، فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ: آمَنتُ فَلَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ، فاذْكُرُوا اللهَ في الرَخاءِ يَذْكُرْكم في الشِدَّةِ.

وقالَ قَتادَةُ في الحِكْمَةِ: إنَّ العَمَلَ يَرْفَعُ صاحِبَهُ إذا عَثَرَ، فَإذا صُرِعَ وجَدَ مُتَّكَأً، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: كانَتْ سُبْحَتُهُ صَلاةً في بَطْنِ الحُوتِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ ويَقُولُ: يا رَبِّ لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنِهِ أحَدٌ قَبْلِي، ويُصَلِّي، ورَوى أنَسٌ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "إنَّ يُونُسَ حِينَ نادى في الظُلُماتِ ارْتَفَعَ نِداؤُهُ إلى العَرْشِ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: هَذا صَوْتٌ ضَعِيفٌ مِن مَوْضِعِ غُرْبَةٍ، فَقالَ: هَذا عَبْدِييُونُسُ، فَأجابَ اللهُ دَعْوَتَهُ".» وذَكَرَ الحَدِيثَ.

وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِنَ المُسَبِّحِينَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظالِمِينَ  ﴾ .

وكَتَبَ الناسُ في هَذا القَصَصِ بِما اخْتَصَرْناهُ لِعَدَمِ الصِحَّةِ، ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ مَشى بِهِ في البِحارِ كُلِّها حَتّى قَذَفَهُ في نَصِيبَيْنِ مِن ناحِيَةِ المُوصِلِ، فَنَبَذَهُ اللهُ في عَراءٍ مِنَ الأرْضِ، وهو الأرْضُ الفَيْحاءُ الَّتِي لا شَجَرَ فِيها ولا مَعْلَمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: رَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي وقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهُوَ سَقِيمٌ ﴾ : إنَّهُ كانَ كالطِفْلِ المَنفُوسِ، بِضْعَةُ لَحْمٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ كاللَحْمِ النَيِّءِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِن خَلْقِهُ شَيْءٌ، فَأنْعَشَهُ اللهُ في ظِلِّ اليَقْطِينَةِ بِلَبَنِ أُرْوِيَةٍ كانَتْ تُغادِيهِ وتُراوِحُهُ، وقِيلَ: بَلْ كانَ يَتَغَذّى مِنَ اليِقْطِينَةِ، ويَجِدُ مِنها ألْوانَ الطَعامِ وأنْواعَ شَهَواتِهِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في اليَقْطِينِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي شَجَرَةٌ لا نَعْرِفُها، سَمّاها اللهُ بِاليَقْطِينِ، وهي لَفْظَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِن: قَطَنَ إذا أقامَ بِالمَكانِ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُقاتِلٌ: اليَقْطِينُ: كُلُّ ما لا يَقُومُ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ كالبُقُولِ والقَرْعِ والحَنْظَلِ والبِطِّيخِ ونَحْوِهُ مِمّا يَمُوتُ مِن عامِهِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عن مُجاهِدٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، وعَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ فَإمّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "شَجَرَةً" تَجَوُّزًا، وإمّا أنْ يَكُونَ أنْبَتَها عَلَيْهِ ذاتَ ساقٍ خَرْقًا لِلْعادَةِ؛ لِأنَّ الشَجَرَةَ في كَلامِ العَرَبِ إنَّما يُقالُ لِما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، وحَكى بَعْضُ الناسِ أنَّها كانَتْ قَرْعَةٌ وهي تُجْمَعُ خِصالًا: بَرَدَ الظِلِّ والمَلْمَسِ وعِظَمَ الوَرَقِ وأنَّ الذُبابَ لا يُقْرَبُها، وحَكى النَقّاشِ أنَّ ماءَ ورَقِ القَرْعَةِ إذا رُشَّ بِمَكانٍ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، ومَشْهُورُ اللُغَةِ أنَّ اليَقْطِينَ: القَرْعُ، وقَدْ قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ في قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ: فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ...

مِنَ اللهِ، لَوْلا اللهُ أُلْفِيَ ضاحِيًا فَنَبَتَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَلامُ وصَحَّ وحَسُنَ جِسْمُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن تَسَلَّخَ جِلْدُهُ كَيُونُسَ.

ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَوْمًا نائِمًا فَأيْبَسَ اللهُ تِلْكَ اليَقْطِينَةَ، وقِيلَ: بَعَثَ عَلَيْها الأرَضَةَ فَقَطَعَتْ عُرُوقَها، فانْتَبَهَ يُونُسُ لِحَرِّ الشَمْسِ، فَعَزَّ عَلَيْهِ شَأْنُها وجَزَعَ لَهُ، فَأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ: يا يُونُسُ، أجَزِعْتَ لِيُبْسِ اليَقْطِينَةِ ولَمْ تَجْزَعْ لِإهْلاكِ مِائَةِ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ تابُوا فَتِيبَ عَلَيْهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِا۟ئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ١٤٧ فَـَٔامَنُوا۟ فَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍۢ ١٤٨ فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ ١٤٩ أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ إِنَـٰثًۭا وَهُمْ شَـٰهِدُونَ ١٥٠ أَلَآ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ١٥١ وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ ١٥٢ أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَى ٱلْبَنِينَ ١٥٣ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ١٥٤ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ١٥٥ أَمْ لَكُمْ سُلْطَـٰنٌۭ مُّبِينٌۭ ١٥٦ فَأْتُوا۟ بِكِتَـٰبِكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ١٥٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ ﴾ ﴿ فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ ﴾ ﴿ فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ ﴾ ﴿ أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ ﴾ ﴿ ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ﴾ ﴿ وَلَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ ﴿ أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ ﴾ ﴿ ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ ﴿ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: إنَّ هَذِهِ الرِسالَةَ إلى مِائَةِ ألْفٍ في رِسالَتِهِ الأُولى الَّتِي أبَقَ بَعْدَها، ذَكَرَها اللهُ تَعالى في آخِرِ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ ﴾ ، وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ حَتّى أبَقَ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هَذِهِ الرِسالَةُ أُخْرى بَعْدَ أنْ نُبِذَ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المُوصِلِ.

وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَيَزِيدُونَ" بِالواوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "أو يَزِيدُونَ"، ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "أو" بِمَعْنى (بَلْ)، وكانُوا مِائَةَ ألْفٍ وثَلاثِينَ ألْفًا، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَبِيِّ  : « "كانُوا مِائَةً وعِشْرِينَ ألْفًا"،» وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا مِائَةً وسَبْعِينَ ألْفًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "بَلْ يَزِيدُونَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ "أو" هُنا بِمَعْنى الواوِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ، كَما تَقُولُ: "ما عَلَيْكَ أنْتَ، أنا أُعْطِي فُلانًا دِينارًا أو ألْفَ دِينارٍ"، ونَحْوُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أو يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ  ﴾ ، وهَذا المَعْنى قَلِيلُ التَمَكُّنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أو يَزِيدُونَ ﴾ .

وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ وحَذَرِهِمْ، أيْ: مَن رَآهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ.

ورُوِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ ﴾ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ وأولادِ البَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللهُ عنهُمْ، والتَمْتِيعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ: آجالُهُمُ السابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: [حَتّى حِينٍ]، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ ﴾ مِثالٌ لِقُرَيْشٍ: أيْ: إنْ آمَنُوا أمِنُوا كَما جَرى لِهَؤُلاءِ، ومِن هَنا حَسُنَ انْتِقالُ القَوْلِ والمُحاوَرَةِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاسْتَفْتِهِمْ ﴾ ، فَإنَّما يَعُودُ ضَمِيرُهم عَلى ما في المَعْنى مِن ذِكْرِهِمْ.

و"الِاسْتِفْتاءُ": السُؤالُ، وهو هُنا بِمَعْنى التَقْرِيعِ والتَوْبِيخِ، عَلى قَوْلِهِمْ عَلى اللهِ، البُهْتانَ وجَعْلِهِمُ البَناتِ لِلَّهِ تَعالى عن ذَلِكَ.

وأمَرَهُ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ أيْضًا، هَلْ شاهَدُوا أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ فَيَصِحُّ لَهُمُ القَوْلُ بِهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن فِرْقَةٍ مِنهم بَلَغَ بِها الإفْكُ والكَذِبُ إلى أنْ قالَتْ: ولَدَ اللهُ المَلائِكَةَ لِأنَّهُ نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وهَذِهِ فِرْقَةٌ مِن بَنِي مُدْلَجٍ فِيما رُوِيَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ أصْطَفى ﴾ ألِفَ قَطْعٍ هي لِلِاسْتِفْهامِ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَوْبِيخِ عَلى نِسْبَتِهِمْ إلَيْهِ اخْتِيارَ الأدْنى عِنْدَهُمْ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ: [اصْطَفى] بِصِلَةِ الألِفِ عَلى الخَبَرِ، كَأنَّهُ يَحْكِي شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، ورَواها إسْماعِيلُ عن أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ.

ثُمَّ قَرَّرَ ووَبَّخَ وعَرَضَ لِلتَّذَكُّرِ والنَظَرِ، واسْتَفْهَمَ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ وضَمِّهِمُ الِاسْتِظْهارِ بِكِتابٍ أو أمْرٍ يُظْهِرُ صِدْقَهم.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: " تَذَّكَّرُونَ " مُشَدَّدَةَ الذالِ والكافِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافَ خَفِيفَةً.

<div class="verse-tafsir"

وَجَعَلُوا۟ بَيْنَهُۥ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَبًۭا ۚ وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ١٥٨ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ١٥٩ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ١٦٠ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ١٦١ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَـٰتِنِينَ ١٦٢ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ ١٦٣ وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُۥ مَقَامٌۭ مَّعْلُومٌۭ ١٦٤ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ ١٦٥ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ ١٦٦ وَإِن كَانُوا۟ لَيَقُولُونَ ١٦٧ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًۭا مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ ١٦٨ لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ١٦٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ ﴾ ﴿ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ ﴾ ﴿ إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ ﴾ ﴿ فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ ﴾ ﴿ إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ ﴾ ﴿ وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ﴾ ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ ﴾ ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ ﴾ ﴿ لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَجَعَلُوا" ﴾ لِفِرْقَةٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الطَبَرِيِّ: إنَّ بَعْضَهم قالَ: إنَّ اللهَ وإبْلِيسَ أخَوانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: قالَ قَوْمٌ لِأبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ: إنَّ اللهَ تَعالى نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُهُ، فـَ "الجِنَّةُ" عَلى هَذا القَوْلِ الأخِيرِ يَقَعُ عَلى المَلائِكَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُسْتَجِنَّةً، أيْ: مُسْتَتِرَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ ﴾ .

مَن جَعَلَ "الجِنَّةَ" الشَياطِينَ جَعَلَ العَلامَةَ في ﴿ "عَلِمَتِ"، ﴾ والضَمِيرَ في ﴿ "إنَّهُمْ" ﴾ عائِدًا عَلَيْهِمْ.

أيْ: جَعَلُوا الشَياطِينَ لَيْسَتْ مِنَ اللهِ، والشَياطِينُ تَعْلَمُ ضِدَّ ذَلِكَ مِن أنَّها سَتَحْضُرُ أمْرَ اللهِ وثَوابَهُ وعِقابَهُ.

ومِن جَعَلَ "الجِنَّةَ" المَلائِكَةَ جَعَلَ الضَمِيرَ في "إنَّهُمْ" لِلْقائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: عَلِمَتِ المَلائِكَةُ أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ سَيَحْضُرُونَ ثَوابَ اللهِ وعِقابَهُ، وقَدْ يَتَداخَلُ هَذانَ القَوْلانِ.

ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا يَصِفُهُ الناسُ ولا يَلِيقُ بِهِ، ومِن هَذا اسْتَثْنى العِبادَ المُخْلَصِينَ؛ لِأنَّهم يَصِفُونَهُ بِصِفاتِهِ العُلى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اسْتَثْناهم مِن قَوْلِهِ: ﴿ "لَمُحْضَرُونَ"، ﴾ وهَذا يَصِحُّ عَلى قَوْلِ مَن رَأى ﴿ "الجِنَّةِ" ﴾ المَلائِكَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ﴾ بِمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدٌ: إنَّكم وأصْنامَكم ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِسَبَبِها، إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ وضَمَّهُ القَدَرُ، بِأنَّهُ يَصْلى الجَحِيمَ في الآخِرَةِ، ولَيْسَ عَلَيْكم إضْلالُ مِن هَدى اللهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "عَلَيْهِ" بِمَعْنى "فِيهِ"، و"الفاتِنُ": المُضِلُّ في هَذا المَوْضِعِ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ عَلى المِنبَرِ: "إنَّ اللهَ هو الهادِي والفاتِنُ"، و"مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ"فاتِنِينَ".

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "صالِ الجَحِيمِ" ﴾ بِكَسْرِ اللامِ مِن "صالِ"، حُذِفَتِ الياءُ لِلْإضافَةِ.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "صالُ الجَحِيمِ" بِضَمِّ اللامِ، ولِلنُّحاةِ في مَعْناهُ اضْطِرابُ أقْوالٍ، وأقْواها أنَّهُ "صالُونَ" حُذِفَتِ النُونُ لِلْإضافَةِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الواوُ لِلِالتِقاءِ، وخَرَجَ لَفْظُ الجَمِيعِ بَعْدَ لَفْظِ الإفْرادِ، فَهو كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ  ﴾ ، إذْ لَمّا كانَتْ (مَن) وهي مِنَ الأسْماءِ الَّتِي فِيها إبْهامٌ ويُكَنّى بِها عن أفْرادٍ وجَمْعٍ.

ثُمَّ حَكى قَوْلَ المَلائِكَةِ: ﴿ وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ﴾ ، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ "الجِنَّةَ" أرادَ بِها المَلائِكَةَ، كَأنَّهُ قالَ ولَقَدْ عَلِمَتْ كَذا، وإنَّ قَوْلَنا لِكَذا، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما مِنّا مَلَكٌ، ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عَنِ النَبِيِّ  : « "إنَّ السَماءَ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أو قَدَماهُ"،» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَإنَّ كُلُّنا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ".

و"الصافُّونَ" مَعْناهُ: الواقِفُونَ صُفُوفًا، و"المُسَبِّحُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصَلاةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ قَوْلَ: "سُبْحانَ اللهِ"، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ صَرَفَ وجْهَهَ إلى الناسِ فَيَقُولُ لَهُمْ: عَدِّلُوا صُفُوفَكم وأقِيمُوها، فَإنَّ اللهَ إنَّما يُرِيدُ بِكم هَدْيَ المَلائِكَةِ، فَإنَّها تَقُولُ: ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ ﴾ ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ ﴾ ، ثُمَّ يَرى تَقْوِيمَ الصُفُوفِ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَنْصَرِفُ ويُكَبِّرُ، قالَ الزَهْراوِيُّ: قِيلَ: إنَّ المُسْلِمِينَ إنَّما اصْطَفُّوا مُنْذُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولا يَصْطَفُّ أحَدٌ مِن أهْلِ المِلَلِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ.

ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ: مَقالَةَ بَعْضِ الكُفّارِ، وقالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: فَإنَّهم قَبْلَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  قالُوا: لَوْ كانَ لَنا كِتابٌ أو جاءَنا رَسُولٌ لَكُنّا مِن أتْقى عِبادِ اللهِ وأشَدِّهِمْ إخْلاصًا، فَلَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ كَفَرُوا فاسْتَوْجَبُوا ألِيمَ العِقابِ.

<div class="verse-tafsir"

فَكَفَرُوا۟ بِهِۦ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ١٧٠ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ ١٧١ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ ١٧٢ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ ١٧٣ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍۢ ١٧٤ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ١٧٥ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ١٧٦ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنذَرِينَ ١٧٧ وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍۢ ١٧٨ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ١٧٩ سُبْحَـٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ١٨٠ وَسَلَـٰمٌ عَلَى ٱلْمُرْسَلِينَ ١٨١ وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٨٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ ﴾ ﴿ وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ ﴾ ﴿ فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ ﴾ ﴿ وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ﴾ ﴿ فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ ﴾ ﴿ وَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ ﴾ ﴿ وَأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ ﴾ ﴿ وَسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ لِأنَّهم تَمَنَّوْا أمْرًا فَلَمّا جاءَهُمُ اللهُ بِهِ كَفَرُوا واسْتَهْواهُمُ الحَسَدُ، ثُمَّ آنَسَ نَبِيَّهُ  وأولِياءَهُ بِأنَّ القَضاءَ قَدْ سَبَقَ، والكَلِمَةَ قَدْ حَقَّتْ في الأزَلِ، بِأنَّ رُسُلَ اللهِ تَعالى إلى أرْضِهِ هُمُ المَنصُورُونَ عَلى مَن ناوَأهُمُ، المُظَفَّرُونَ بِإرادَتِهِمُ، المُسْتَوْجَبُونَ الفَلّاحَ في الدارَيْنِ.

وقَرَأ الضَحّاكُ: "كَلِماتُنا" بِألِفٍ عَلى الجَمْعِ.

و"جُنْدُ اللهِ" هُمُ الغُزاةُ لِتَكُونَ كَلِماتُ اللهِ هي العُلْيا.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: جُنْدُ اللهِ في السَماءِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ الغُزاةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ  ، وأمْرٌ بِالمُوادَعَةِ، وهَذا مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ السَيْفِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالحِينِ هُنا، فَقالَ السُدِّيُّ: الحِينُ مَوْتُهُمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الحِينُ المَقْصُودُ يَوْمُ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ  ووَعِيدٌ لَهُمْ، أيْ: سَوْفَ يَرَوْنَ عُقْبى طَرِيقَتِهِمْ.

ثُمَّ قَرَّرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهم - عَلى اسْتِعْجالِهِمْ عَذابَ اللهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "نَزَلَ بِساحَتِهِمْ" ﴾ أيِ العَذابُ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَزَلَ" عَلى الفِعْلِ المَجْهُولِ، و"الساحَةُ": الفِناءُ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذِهِ اللَفْظَةَ فِيما يَرِدُ عَلى الإنْسانِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ.

و"سُوءُ الصَباحِ" أيْضًا مُسْتَعْمَلٌ في وُرُودِ الغاراتِ والرَزايا ونَحْوِ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الصارِخِ: "يا صَباحاهُ"، كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ سَألَنِي الصَباحُ فَأعِينُونِي، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَبِئْسَ صَباحُ".

ثُمَّ أعادَ اللهُ تَعالى أمْرَ نَبِيِّهِ  بِالتَوَلِّي تَحْقِيقًا لِتَأْنِيسِهِ وتَهَمُّمًا بِهِ، وأعادَ سُبْحانَهُ تَوَعُّدَهم أيْضًا لِذَلِكَ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ تَنْزِيهًا مُطْلَقًا عن جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَصِفَهُ بِهِ أهْلُ الضَلالاتِ.

و"العِزَّةُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَبِّ العِزَّةِ ﴾ هي العِزَّةُ المَخْلُوقَةُ الكائِنَةُ، لِلْأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ قالَ الفُقَهاءُ: مِن أجْلِ أنَّها مَرْبُوبَةٌ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُحْنُونٍ: "مَن حَلَفَ بِعِزَّةِ اللهِ فَإنْ كانَ أرادَ صِفَتَهُ الذاتِيَّةَ فَهي يَمِينٌ، وإنْ كانَ أرادَ عِزَّتَهُ الَّتِي خَلَقَها بَيْنَ عِبادِهِ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿ رَبِّ العِزَّةِ ﴾ فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ.

ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "إذا سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلى المُرْسَلِينَ، فَإنَّما أنا أحَدُهُمْ".» وباقِي السُورَةِ بَيِّنٌ.

وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ عن صالِحِ بْنِ مِينا قالَ: قَرَأْتُ عَلى عاصِمِ بْنِ أبِي النُجُودِ، فَلَمّا خَتَمْتُ هَذِهِ السُورَةَ سَكَتَ، فَقالَ: إيهٍ، اقْرَأْ، قُلْتُ: قَدْ خَتَمْتُ، فَقالَ: كَذَلِكَ فَعَلْتُ عَلى أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ وقالَ لِي كَما قُلْتُ لَكَ، وقالَ لِي كَذَلِكَ قالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وقالَ: "وَقُلْ آذَنْتُكم بِإذانَةِ المُرْسَلِينَ، لَتُسْألُنَّ عَنِ النَبَإ العَظِيمِ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "عن هَذا النَبَإ العَظِيمِ".

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ (الصافّاتِ) والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد