الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة يس
تفسيرُ سورةِ يس كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 86 دقيقة قراءةبِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ يَسَ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، إلّا أنَّ فِرْقَةً قالَتْ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ ﴾ «نَزَلَتْ في بَنِي سَلِمَةَ مِنَ الأنْصارِ حِينَ أرادُوا أنْ يَتْرُكُوا دِيارَهم ويَنْتَقِلُوا إلى جِوارِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ فَقالَ لَهُمْ: "دِيارَكم تَكْتُبْ آثارُكُمْ"،» وكَرِهَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنْ يُعَرُّوا المَدِينَةَ، فَعَلى هَذا فَهي مَدَنِيَّةٌ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وإنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ بِمَكَّةَ، ولَكِنَّهُ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ في المَدِينَةِ، ووافَقَها قَوْلُ رَسُولِ اللهِ في المَعْنى، فَمِن هُنا قِيلَ ذَلِكَ، ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: « "إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبًا، وإنَّ قَلْبَ القُرْآنِ يَسُ"،» ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "إنَّ في القُرْآنِ سُورَةً يُشْفَعُ لِقارِئِها، ويُغْفَرُ لِمُسْتَمِعِها، وهي يَسُ"،» وَقالَ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ: " بَلَغَنِي أنَّ مَن قَرَأ سُورَةَ يَسَ لَيْلًا لَمْ يَزَلْ في فَرَحٍ حَتّى يُصْبِحَ، وكَذا في النَهارِ"، ويُصَدِّقُ ذَلِكَ التَجْرِبَةُ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يس ﴾ ﴿ والقُرْآنِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ تَنْزِيلَ العَزِيزِ الرَحِيمِ ﴾ ﴿ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهم فَهم غافِلُونَ ﴾ ﴿ لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ أمالَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ الياءَ في [يَسَ] غَيْرَ مُفْرِطِينَ، والجُمْهُورُ يَفْتَحُونَها، ونافِعٌ يَتَوَسَّطُ في ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يس" ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ مِنَ الأقْوالِ ما تَقَدَّمَ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُورِ، ويَخْتَصُّ هَذا بِأقْوالٍ: مِنها أنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قالَ: إنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ مُحَمَّدٍ ، دَلِيلُهُ ﴿ إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ ، وقالَ السَيِّدُ الحِمْيَرِيُّ: يا نَفْسُ لا تُمْحِضِي بِالنُصْحِ مُجْتَهِدًا ∗∗∗ عَلى المَوَدَّةِ إلّا آلَ ياسِينا وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: "يا إنْسانُ" بِالحَبَشِيَّةِ، وقالَ أيْضًا في الثَعْلَبِيِّ: هو بِلُغَةِ طَيْءٍ، يَقُولُونَ: "إيسانُ" بِمَعْنى إنْسانٍ، ويَجْمَعُونَهُ عَلى "أياسِينَ"، فَهَذا مِنهُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الياءُ حَرْفُ نِداءٍ، والسِينُ مُقامَةٌ مَقامَ "إنْسانٍ" انْتُزِعَ مِنهُ حَرْفٌ فَأُقِيمُ مَقامَهُ.
ومَن قالَ "هُوَ اسْمٌ مِن أسْماءِ السُورَةِ أوِالقُرْآنِ" فَذَلِكَ مُشْتَرَكٌ في جَمِيعِ السُوَرِ.
وَقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "يس" ﴾ بِسُكُونِ النُونِ وإظْهارِها، وإنْ كانَتِ النُونُ ساكِنَةً تُخْفى مَعَ حُرُوفِ الفَمِ فَإنَّما هَذا مَعَ الِانْفِصالِ وأنَّ حَقَّ هَذِهِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في الأوائِلِ أنْ تُظْهَرَ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ - بِخِلافِ عنهُما - بِإدْغامِ النُونِ في الواوِ عَلى عُرْفِ الِاتِّصالِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ - بِخِلافٍ - بِنَصْبِ النُونِ، وهي قِراءَةُ عِيسى بْنِ عُمَرَ، ورَواها عَنِ الغَنَوِيِّ.
وقالَ قَتادَةُ: "يَسْ" قَسَمٌ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: قِياسُ هَذا القَوْلِ نَصْبُ النُونِ، كَما تَقُولُ: اللهَ لِأفْعَلَنَّ كَذا، وقَرَأ الكَلْبِيُّ بِضَمِّها وقالَ: هي بِلُغَةِ طَيْءٍ: يا إنْسانُ، وقَرَأ أبُو السَمّاكِ، وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ - بِخِلافٍ - بِكَسْرِها، وهَذِهِ الوُجُوهُ الثَلاثَةُ هي لِلِالتِقاءِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: ويَحْتَمِلُ الرَفْعُ أنْ يَكُونَ اجْتِزاءً بِالسِينِ مَن يا إنْسانُ، وقالَ الزَجّاجُ: النَصْبُ كَأنَّهُ قالَ: اتْلُ يَسَ، وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ.
و"يَسُ" مُشْبِهَةٌ الجُمْلَةَ مِنَ الكَلامِ فَلِذَلِكَ عُدَّتْ آيَةً، بِخِلافِ [طَسْ]، فَلَمْ تَنْصَرِفْ [يَسْ] لِلْعُجْمَةِ والتَعْرِيفِ.
و"الحَكِيمِ": المُحْكَمُ، فَيَكُونُ بِمَعْنى: مَفْعُولٍ، أيْ أُحْكِمَ في مَواعِظِهِ وأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الحَكِيمِ بِناءَ فاعِلٍ، أيْ ذُو الحِكْمَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّها في مَوْضِعِ حالٍ مِنَ "المُرْسَلِينَ"، و "الصِراطُ": الطَرِيقُ، والمَعْنى: عَلى طَرِيقٍ وهُدًى ومَهِيعِ رَشادٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "تَنْزِيلُ" بِالرَفْعِ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والحَسَنِ، والأعْرَجِ، والأعْمَشِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَنْزِيلَ" بِالنَصْبِ عَلى المَصْدَرِ، واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، والأشْهَبِ، وعِيسى بْنِ عُمَرَ، والأعْمَشِ، بِخِلافٍ عنهُما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ ﴾ ، اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في "ما"، فَقالَ عِكْرِمَةُ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، والتَقْدِيرُ: الشَيْءُ الَّذِي أُنْذِرَهُ الآباءُ مِنَ النارِ والعَذابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، أيْ ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ، والآباءُ عَلى هَذا هُمُ الأقْدَمُونَ عَلى مَرِّ الدَهْرِ، وقَوْلُهُ: "فَهُمْ" - مَعَ هَذا التَأْوِيلِ - بِمَعْنى: فَإنَّهُمْ، دَخَلَتِ الفاءُ لِقَطْعِ الجُمْلَةِ مِنَ الجُمْلَةِ.
وقالَ قَتادَةُ: "ما" نافِيَةٌ، أيْ إنَّ آباءَهم لَمْ يُنْذَرُوا، فالآباءُ - عَلى هَذا - هُمُ القَرِيبُونَ مِنهُمْ، وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ ﴾ ، وهَذِهِ النِذارَةُ المَنفِيَّةُ هي نِذارَةُ المُباشَرَةِ والأمْرِ والنَهْيِ، وإلّا فَدَعْوَةُ اللهِ تَعالى مِنَ الأرْضِ لَمْ تَنْقَطِعْ قَطُّ، وقَوْلُهُ: "فَهُمْ" - عَلى هَذا - الفاءُ واصِلَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ ورابِطَةٌ لِلثّانِيَةِ بِالأُولى.
و ﴿ حَقَّ القَوْلُ ﴾ مَعْناهُ: وجَبَ العَذابُ وسَبَقَ القَضاءُ بِهِ، هَذا فِيمَن لَمْ يُؤْمِن مِن قُرَيْشٍ، كَمَن قُتِلَ بِبَدْرٍ وغَيْرِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالا فَهي إلى الأذْقانِ فَهم مُقْمَحُونَ ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأغْشَيْناهم فَهم لا يُبْصِرُونَ ﴾ قالَ مَكِّيٌّ: هي حَقِيقَةٌ في أحْوالِ الآخِرَةِ إذا دَخَلُوا النارَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَأغْشَيْناهُمْ" ﴾ يُضْعِفُ هَذا القَوْلَ: لِأنَّ بَصَرَ الكافِرِ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّما هو حَدِيدٌ، يَرى قُبْحَ حالِهِ.
وقالَ الضِحاكُ: مَعْناهُ: مَنَعْناهم مِنَ النَفَقَةِ في سَبِيلِ اللهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ﴾ .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ إسْحَقَ: هي اسْتِعارَةٌ لِحالِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ أرادُوا مُحَمَّدًا بِسُوءٍ، فَجَعَلَ اللهُ تَعالى هَذا مِثالًا لَهم في كَفِّ أذاهم عنهُ حِينَ بَيَّتُوهُ.
قالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ حِينَ أرادَ أبُو جَهْلٍ ضَرْبَهُ بِالحَجَرِ العَظِيمِ فَمَنَعَهُ اللهُ مِنهُ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواطِنِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ مُسْتَعارَةُ المَعْنى مِن مَنعِ اللهِ تَعالى إيّاهم وحَوْلِهِ بَيْنَهم وبَيْنَهُ.
وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِما سَبَقَ لَهم في الأزَلِ.
عَقَّبَ ذَلِكَ بِأنْ جَعَلَ لَهم مِنَ المَنعِ وإحاطَةِ الشَقاوَةِ ما حالُهم مَعَهُ حالُ المَغْلُوبِينَ.
و"الغِلُّ" ما أحاطَ بِالعُنُقِ عَلى مَعْنى التَضْيِيقِ والتَثْبِيتِ والتَعْذِيبِ والأسْرِ، ومَعَ العُنُقِ اليَدانِ أوِ اليَدُ الواحِدَةُ، هَذا مَعْنى التَغْلِيلِ، وقَوْلُهُ: "فَهِيَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الأغْلالِ، أيْ: هي عَرِيضَةٌ تَبْلُغُ بِحَرْفِها الأذْقانَ، والذَقْنُ مُجْتَمَعُ اللِحْيَيْنِ، فَيُضْطَرُّ المَغْلُولُ إلى رَفْعِ وجْهِهِ نَحْوَ السَماءِ، وذَلِكَ هو الإقْماحُ، وهو نَحْوُ الإقْناعِ في الهَيْئَةِ، ونَحْوَهُ ما يَفْعَلُهُ الإنْسانُ والحَيَوانُ عِنْدَ شُرْبِ الماءِ البارِدِ وعِنْدَ المُلُوحاتِ والحُمُوضَةِ القَوِيَّةِ ونَحْوِهِ.
ويَحْتَمِلُ - وهو قَوْلُ الطَبَرِيِّ - أنْ تَعُودَ "هِيَ" عَلى الأيْدِي - وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ - لِوُضُوحِ مَكانِها مِنَ المَعْنى، وذَلِكَ أنَّ الغِلَّ إنَّما يَكُونُ في العُنُقِ مَعَ اليَدَيْنِ.
ورُوِيَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبِيٍّ: [إنّا جَعَلْنا في أيْمانِهِمْ]، وفي بَعْضِها [فِي أيْدِيهِمْ]، وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى الإقْماحِ.
وقالَ قَتادَةُ: المُقْمَحُ الرافِعُ رَأسَهُ، وقالَ أيْضًا: ﴿ "مُقْمَحُونَ"، ﴾ مُغَلَّلُونَ عن كُلِّ خَيْرٍ، وأرى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ الناسَ الإقْماحَ، فَجَعَلَ يَدَيْهِ تَحْتَ لِحْيَيْهِ وألْصَقَها ورَفَعَ رَأْسَهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سَدًّا" بِرَفْعِ السِينِ فِيهِما.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وعِكْرِمَةُ، والنَخْعِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ بِفَتْحِها فِيهِما.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: قالَ قَوْمٌ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، أيْ: حائِلًا يَسُدُّ طَرِيقَهُمْ، وقالَ عِكْرِمَةُ: ما كانَ مِمّا يَفْعَلُهُ البَشَرُ فَهو بِالضَمِّ، وما كانَ خِلْقَةً فَهو بِالفَتْحِ، و"السَدُّ" ما سَدَّ وحالَ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ في صِفَةِ سَحابٍ: "طَلَعَ سَدٌّ مَعَ انْتِشارِ الطِفْلِ"، أيْ: سَحابٌ سَدَّ الأُفُقَ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "جَرادٌ سَدٌّ"، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ طَرِيقَ الهُدى سُدَّ دُونَهم.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "فَأغْشَيْناهُمْ" ﴾ مَنقُوطَةً، أيْ: جَعَلْنا عَلى أعْيُنِهِمْ غِشاوَةً.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والنَخْعِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ بِالعَيْنِ مُهْمَلَةً، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ، وهي مِنَ العَشاءِ أيْ: أضْعَفْنا أبْصارَهُمْ والمَعْنى: فَهم لا يُبْصِرُونَ رُشْدًا ولا هُدًى.
وقَرَأ يَزِيدُ اليَزِيدِيُّ: "فَأغْشَيْتُهُمْ" بِياءٍ دُونَ ألْفٍ وبِالغَيْنِ مَنقُوطَةً.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِكْرَ وخَشِيَ الرَحْمَنَ بِالغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وأجْرٍ كَرِيمٍ ﴾ ﴿ إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهم وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، مُضَمِّنُها تَسْلِيَةٌ عنهُمْ، أيْ: أنَّهم قَدْ حُتِّمَ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، فَسَواءٌ إنْذارُكَ وتَرْكُهُ، والألِفُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "أأنْذَرْتَهُمْ" ﴾ ألِفُ التَسْوِيَةِ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِاسْتِفْهامٍ، بَلِ المُتَفَهِّمُ والمُسْتَفْهَمُ مُسْتَوِيانِ في عِلْمِ ذَلِكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آنْذَرْتَهُمْ" بِالمَدِّ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والزُهْرِيُّ: "أنْذَرْتَهُمْ" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى الخَبَرِ، و"سَواءٌ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا ﴾ جُمْلَةٌ مِن فِعْلَيْنِ مُتَعادِلَيْنِ يُقَدَّرانِ تَقْدِيرَ فِعْلٍ واحِدٍ هو خَبَرُ الِابْتِداءِ، كَأنَّهُ قالَ: وسَواءٌ عَلَيْهِمْ جَمِيعُ فِعْلِكَ، فَفَسَّرَ هَذا الجَمِيعَ بـِ"أنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ"، ومِثْلُهُ قَوْلُكَ: سَواءٌ عِنْدِي قُمْتَ أمْ قَعَدْتَ، هَكَذا ذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ في تَحْقِيقِ الخَبَرِ، والخَبَرُ هو الِابْتِداءُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّما تُنْذِرُ ﴾ لَيْسَ عَلى جِهَةِ الحَصْرِ بِإنَّما، بَلْ عَلى جِهَةِ تَخْصِيصِ مَن يَنْفَعُهُ الإنْذارُ.
و"اتِّباعُ الذِكْرِ" هو العَمَلُ بِما في كِتابِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى والِاقْتِداءُ بِهِ، قالَ قَتادَةُ: الذِكْرُ القُرْآنُ وقَوْلُهُ: ﴿ "بِالغَيْبِ" ﴾ أيْ: بِالخَلَواتِ عِنْدَ مَغِيبِ الإنْسانِ عن عُيُونِ البَشَرِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ "فَبَشِّرْهُ" ﴾ فَوَحَّدَ الضَمِيرَ مُراعاةً لِلَفْظِ "مِن".
و"الأجْرُ الكَرِيمُ" هو كُلُّ ما يَأْخُذُهُ الأجِيرُ مُقْتَرِنًا بِحَمَدٍ عَلى الإحْسانِ وتَكْرِمَةٍ، وكَذَلِكَ هي الجَنَّةُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِإحْيائِهِ المَوْتى رَدًّا عَلى الكَفَرَةِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِذِكْرِهِ كَتْبَ الآثارَ وإحْصاءَ كُلِّ شَيْءٍ.
وكُلُّ ما يَصْنَعُهُ الإنْسانُ، فَداخِلٌ فِيما قَدَّمَ ويَدْخُلُ في آثارِهِ، لَكِنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى ذَكَرَ الأمْرَ مِنَ الجِهَتَيْنِ، ولِيُنَبِّهَ عَلى الآثارِ الَّتِي تَبْقى وتُذْكَرُ بَعْدَ الإنْسانِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ، وإلّا فَذَلِكَ كُلُّهُ داخِلٌ فِيما قَدَّمَ ابْنُ آدَمَ.
وقالَ قَتادَةُ: "ما قَدَّمُوا" مَعْناهُ: مِن عَمَلٍ، وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومُجاهِدٌ.
وقَدْ يَبْقى لِلْمَرْءِ أنْ يُسْتَنَّ بِهِ بَعْدَهُ فَيُؤْجَرَ أو يَأْثَمَ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ ﴾ .، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَآثارَهُمْ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ مَسْرُوقٌ بِالرَفْعِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في بَنِي سَلِمَةَ حِينَ أرادُوا النَقْلَةَ إلى جانِبِ المَسْجِدِ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في أوَّلِ السُورَةِ.
«وَقالَ ثابِتٌ البُنانِيُّ: مَشَيْتُ مَعَ أنَسِ بْنِ مالِكٍ إلى الصَلاةِ فَأسْرَعْتُ فَحَبَسَنِي، فَلَمّا انْقَضَتِ الصَلاةُ قالَ لِي: مَشَيْتُ مَعَ النَبِيِّ إلى الصَلاةِ فَأسْرَعْتُ فَحَبَسَنِي، فَلَمّا انْقَضَتِ الصَلاةُ قالَ: "أما عَلِمْتَ أنَّ الآثارَ تُكْتَبُ؟"» فَهَذا احْتِجاجٌ بِالآيَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ: الآثارُ في هَذِهِ الآيَةِ الخُطا، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن أنَسٍ أنَّهُ قالَ: الخُطا إلى الجُمُعَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "وَكُلَّ" ﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ "أحْصَيْناهُ"، ﴾ كَأنَّهُ قالَ: وأحْصَيْنا كُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ، و"الإمامُ": الكِتابُ المُقْتَدى بِهِ الَّذِي هو حُجَّةٌ، قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: أرادَ اللَوْحَ المَحْفُوظَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ صُحُفَ الأعْمالِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واضْرِبْ لَهم مَثَلا أصْحابَ القَرْيَةِ إذْ جاءَها المُرْسَلُونَ ﴾ ﴿ إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ ﴾ ﴿ قالُوا ما أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا وما أنْزَلَ الرَحْمَنُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا تَكْذِبُونَ ﴾ ﴿ قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ ﴾ ﴿ وَما عَلَيْنا إلا البَلاغُ المُبِينُ ﴾ ضَرْبُ المَثَلِ مَأْخُوذٌ مِنَ الضَرْبِ أيِ المُشْبِهُ في النَوْعِ، كَما تَقُولُ: هَذا ضَرَبَ هَذا، واخْتُلِفَ، هَلْ يَتَعَدّى فِعْلُ ضَرْبِ المَثَلِ إلى مَفْعُولَيْنِ أو إلى واحِدٍ، فَمَن قالَ إنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ جَعَلَ هَذِهِ الآيَةَ "مَثَلًا" و"أصْحابَ" مَفْعُولَيْنِ لِقَوْلِهِ: "اضْرِبْ"، ومَن قالَ إنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ جَعَلَهُ "مَثَلًا"، وجَعَلَ "أصْحابَ" بَدَلًا مِنهُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ "أصْحابَ"، ويَكُونُ قَوْلُهُ "مَثَلًا" نَصْبٌ عَلى الحالِ، أيْ: في حالِ تَمْثِيلٍ مِنكَ.
و"القَرْيَةِ" - عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والزُهْرِيِّ أنْطاكِيَةُ.
واخْتُلِفَ في المُرْسَلِينَ، فَقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: كانُوا مِنَ الحَوارِيِّينَ الَّذِينَ بَعَثَهم عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ حِينَ رُفِعَ وصُلِبَ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُهُ، فافْتَرَقَ الحَوارِيُّونَ في الآفاقِ، فَقَصَّ اللهُ هُنا قِصَّةَ الَّذِينَ نَهَضُوا إلى أنْطاكِيَةَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَؤُلاءِ أنْبِياءُ مِن قِبَلِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
وهَذا يُرَجِّحُهُ قَوْلُ الكَفَرَةِ: ﴿ ما أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا ﴾ ، فَإنَّها مُحاوَرَةٌ إنَّما تُقالُ لِمَنِ أدّى الرِسالَةَ مِنَ اللهِ، والآخَرُ مُحْتَمَلٌ.
وذَكَرَ النِقّاشُ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ شَيْئًا يَطُولُ، وصِحَّتُهُ غَيْرُ مُتَيَقَّنَةٍ فاخْتَصَرَتْهُ.
واللازِمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ اللهَ بَعَثَ إلَيْها رَسُولَيْنِ فَدَعَوا أهْلَ القَرْيَةِ إلى عِبادَةِ اللهِ تَعالى وحْدَهُ وإلى الهُدى والإيمانِ فَكَذَّبُوهُما، فَشَدَّدَ اللهُ تَعالى أمْرَهُما بِثالِثٍ، وقامَتِ الحُجَّةُ عَلى أهْلِ القَرْيَةِ، وآمَنُ مِنهُمُ الرَجُلُ الَّذِي جاءَ يَسْعى، وقَتَلُوهُ في آخِرِ أمْرِهِ وكَفَرُوا، فَأصابَتْهم صَيْحَةٌ مِنَ السَماءِ فَخَمَدُوا.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "فَعَزَّزْنا" ﴾ بِشَدِّ الزايِ الأُولى، عَلى مَعْنى: قَوَّيْنا وشَدَّدْنا، وبِهَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ المُفَضَّلِ عن أبِي بَكْرٍ - بِالتَخْفِيفِ لِلزّايِ، عَلى مَعْنى: غَلَبْناهم أمْرَهم وفي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بِالثالِثِ" بِألِفٍ ولامٍ.
وَهَذِهِ الأُمَّةُ أنْكَرَتِ النُبُوءَةَ بِقَوْلِها: ﴿ وَما أنْزَلَ الرَحْمَنُ مِن شَيْءٍ ﴾ ، وراجَعَتْهُمُ الرُسُلُ بِأنْ رَدُّوا العِلْمَ إلى اللهِ وقَنِعُوا بِعِلْمِهِ، وأعْلَمُوهم أنَّهم إنَّما عَلَيْهِمُ البَلاغُ فَقَطْ، وما عَلَيْهِمْ مِن هُداهم وضَلالِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ لَهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا إنّا تَطَيَّرْنا بِكم لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكم ولَيَمَسَّنَّكم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ قالُوا طائِرُكم مَعَكم أإنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴾ ﴿ وَجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا وهم مُهْتَدُونَ ﴾ قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إنَّ أهْلَ هَذِهِ القَرْيَةِ أسْرَعَ فِيهِمُ الجُذامُ عِنْدَ تَكْذِيبِهِمُ المُرْسَلِينَ، فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿ إنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ ﴾ ، وقالَ مُقاتِلٌ: احْتَبَسَ عنهُمُ المَطَرُ فَلِذَلِكَ قالُوهُ، ومَعْناهُ: تَشاءَمْنا بِكُمْ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحُكْمِ بِالطَيْرِ، وهو مَعْنًى مُتَداوَلٌ في الأُمَمِ، وقَلَّما يُسْتَعْمَلُ "تَطَيَّرْتُ" إلّا في الشُؤْمِ، وأمّا حُكْمُ الطَيْرِ عِنْدَ مُسْتَعْمِلِيهِ فَفي التَيَمُّنِ والشُؤْمِ، والأظْهَرُ أنَّ تَطَيُّرَ هَؤُلاءِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ ما دَخَلَ قَرْيَتَهم مِنِ اخْتِلافِ الكَلِمَةِ وافْتِتانِ الناسِ، وهَذا عَلى نَحْوِ تَطَيُّرِ قُرَيْشٍ بِمُحَمَّدٍ ، وعَلى نَحْوِ ما خُوطِبَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.
وقالَ قَتادَةُ: إنْ أصابَنا شَرٌّ فَإنَّما هو مِن أجْلِكم.
و"لَنَرْجُمَنَّكُمْ" مَعْناهُ: بِالحِجارَةِ.
قالَهُ قَتادَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
وقَوْلُهم عَلَيْهِمُ السَلامُ: ﴿ طائِرُكم مَعَكُمْ ﴾ مَعْناهُ: حَظُّكم وما صارَ إلَيْهِ مِن شَرٍّ أو خَيْرٍ مَعَكُمْ، أيْ: مِن أفْعالِكم وبِكَسَباتِكُمْ، لَيْسَ هو مِن أجْلِنا ولا بِسَبَبِنا، بَلْ بِبَغْيِكم وكُفْرِكُمْ، وبِهَذا فَسَّرَ الناسُ.
وسُمِّيَ الحَظُّ والنَصِيبُ طائِرًا اسْتِعارَةً، أيْ هو مِمّا يَحْصُلُ عَنِ النَظَرِ في الطائِرِ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُ هَذا المَعْنى حَتّى قالَتِ المَرْأةُ الأنْصارِيَّةُ: "طارَ لَنا حِينَ اقْتُسِمَ المُهاجِرُونَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ "، ويَقُولُ الفُقَهاءُ: طارَ لِفُلانٍ في المُحاصَّةِ كَذا.
وَقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ، والحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "طَيْرُكُمْ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "أإنْ" بِهَمْزَتَيْنِ الثانِيَةُ مَكْسُورَةٌ، عَلى مَعْنى: أإنْ ذُكِّرْتُمْ تَتَطَيَّرُونَ؟
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ بِتَسْهِيلِ هَذِهِ الهَمْزَةِ الثانِيَةِ ورَدِّها ياءً "أيِنْ ذُكِّرْتُمْ"، وقَرَأ الماجَشُونَ: "أنْ" بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "إنْ ذُكِّرْتُمْ" بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو - في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ - وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ أيْضًا: "أأنْ" بِهَمْزَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ، وشاهِدُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أأنْ كُنْتَ ذا بُرْدَيْنِ أحَوى مُرَجَّلًا ∗∗∗ فَلَسْتَ بِراعٍ لِابْنِ عَمِّكَ مَحْرَمًا وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعُ، والأعْمَشُ: "أيْنَ" بِسُكُونِ الياءِ "ذُكِرْتُمْ" بِتَخْفِيفِ الكافِ، فَهي "أيْنَ" المَقُولَةُ في الظَرْفِ، وهَذِهِ قِراءَةُ خالِدٍ، وطِلْحَةَ، وقَتادَةَ، والحَسَنِ في تَخْفِيفِ الكافِ فَقَطْ.
ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِالإسْرافِ والتَعَدِّي.
وأخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى ذِكْرُهُ عن حالِ رَجُلٍ جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ، سَمِعَ مِنَ المُرْسَلِينَ وفَهِمَ عَنِ اللهِ فَجاءَ يَسْعى عَلى قَدَمَيْهِ وسَمِعَ قَوْلَهُمْ، فَلَمّا فَهِمَهُ رُوِيَ أنَّهُ تَعَقَّبَ أمْرَهم وَسَبَرَهُ بِأنْ قالَ لَهُمْ: أتُطْلُبُونَ أجْرًا عَلى دَعْوَتِكم هَذِهِ؟
قالُوا: لا، فَدَعا عِنْدَ ذَلِكَ قَوْمَهُ إلى اتِّباعِهِمْ والإيمانِ بِهِمْ إذْ هو الحَقُّ، ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا وهم مُهْتَدُونَ ﴾ ، أيْ: وهم عَلى هُدًى مِنَ اللهِ.
وهَذِهِ الآيَةُ حاكِمَةٌ بِنَقْصِ مَن يَأْخُذُ أُجْرَةً عَلى شَيْءٍ مِن أفْعالِ الشَرْعِ الَّتِي هي لازِمَةٌ كالصَلاةِ ونَحْوَها، فَإنَّها كالتَبْلِيغِ لِمَن بُعِثَ، بِخِلافِ ما لا يَلْزَمُهُ كالإمارَةِ والقَضاءِ، وقَدِ ارْتَزَقَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
ورُوِيَ عن أبِي مِجْلَزٍ، وكَعْبِ الأحْبارِ، وابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اسْمَ هَذا الرَجُلِ حَبِيبٌ، وكانَ نَجّارًا، وكانَ - فِيما قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ - قَدْ تَجَذَّمَ، وقِيلَ: كانَ في غارٍ يَعْبُدُ رَبَّهُ، وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: "سُبّاقُ الأُمَمِ ثَلاثَةٌ لَمْ يَكْفُرُوا بِاللهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ: عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وصاحِبُ يَسَ، ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ"، وذَكَرَ الناسُ مِن أسْماءِ الرُسُلِ: صادِقٌ وصَدُوقٌ وشَلُومُ، وغَيْرُ هَذا، والصِحَّةُ مَعْدُومَةٌ فاخْتَصَرْتُ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ﴿ أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إنْ يُرِدْنِ الرَحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ ﴾ ﴿ إنِّي إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ ﴾ ﴿ قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "وَما لِيَ" ﴾ بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ بِسُكُونِ الياءِ، وقَدْ تَقَدَّمُ مِثْلُ هَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَما لِيَ" تَقْرِيرٌ لَهم - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ - في هَذا الأمْرِ الَّذِي يَشْهَدُ العَقْلُ بِصِحَّتِهِ، إنَّ مَن فَطَرَ واخْتَرَعَ وأخْرَجَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبُدَ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّهم يُحْشَرُونَ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
ثُمَّ وقَّفَهم أيْضًا - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ - عَلى اتِّخاذِ الآلِهَةِ مِن دُونِ اللهِ، وهي لا تَرُدُّ عنهُمُ المَقادِيرَ الَّتِي يُرِيدُها اللهُ بِهِمْ، لا بِقُوَّةٍ مِنها ولا بِشَفاعَةٍ.
وقَرَأ طَلْحَةُ السَمّانُ، وعِيسى الهَمَدانِيُّ: "يَرُدْنِي" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ،، ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ، ونافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو.
ثُمَّ صَدَعَ بِإيمانِهِ وأعْلَنَ فَقالَ: ﴿ إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ ﴾ ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وكَعْبٌ، ووَهْبٌ: خاطَبَ بِها قَوْمَهُ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ والتَنْبِيهِ، وقِيلَ: خاطَبَ بِها الرُسُلَ عَلى جِهَةِ الإشْهادِ بِهِمْ، والِاسْتِحْفاظِ لِلْأمْرِ عِنْدَهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ النُونِ عَلى نِيَّةِ الياءِ بَعْدَها، ورَوى أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ فَتْحَها، قالَ أبُو حاتِمٍ: هَذا خَطَأٌ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ، فَإمّا حَذْفُ النُونِ أو كَسْرُها عَلى نِيَّةِ الياءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُنا مَحْذُوفٌ تَواتَرَتْ بِهِ الأحادِيثُ والرِواياتُ، وهو أنَّهم قَتَلُوهُ، واخْتُلِفَ، كَيْفَ؟
فَقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: رَجَمُوهُ بِالحِجارَةِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَشَوْا عَلَيْهِ بِأقْدامِهِمْ حَتّى خَرَجَ قَصَبُهُ مِن دُبُرِهِ، فَقِيلَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ: ﴿ ادْخُلِ الجَنَّةَ ﴾ وذَلِكَ - واللهَ أعْلَمُ - بِأنْ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ مِنها، وتَحَقَّقَ أنَّهُ مِن سُكّانِها بِرُؤْيَتِهِ ما أقَرَّ عَيْنَهُ، فَلَمّا تَحَصَّلَ لَهُ ذَلِكَ تَمَنّى أنْ يَعْلَمَ قَوْمُهُ بِذَلِكَ، فَقِيلَ: أرادَ بِذَلِكَ الإشْفاقِ والنُصْحَ لَهُمْ، أيْ: لَوْ عَلِمُوا بِذَلِكَ لَآمَنُوا بِاللهِ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَنْدَمُوا عَلى فِعْلِهِمْ بِهِ ويُحْزِنَهم ذَلِكَ، وهَذا مَوْجُودٌ في جِبِلَّةِ البَشَرِ، إذا نالَ خَيْرًا في أرْضِ غُرْبَةِ وِدَّ أنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ جِيرانُهُ وأتْرابُهُ الَّذِينَ نَشَأ فِيهِمْ؛ ولا سِيَّما في الكَراماتِ، ونَحْوٌ مَن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: والعِزُّ مَطْلُوبٌ ومُلْتَمَسٌ ∗∗∗ وأحَبُّهُ ما نِيلَ في الوَطَنِ والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أشْبَهُ بِهَذا العَبْدِ الصالِحِ، وفي ذَلِكَ قالَ النَبِيُّ : « "نَصَحَ قَوَّمَهُ حَيًّا ومَيِّتًا"،» وقالَ قَتادَةُ بْنُ دِعامَةَ: نَصَحَهم عَلى حالَةِ الغَضَبِ والرِضى، وكَذَلِكَ المُؤْمِنُ لا تَجِدُهُ إلّا ناصِحًا لِلنّاسِ.
و"ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِما غَفَرَ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: بِغُفْرانِ رَبِّي لِي، وَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، وفي "غَفَرَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ، قالَ الزُهْرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا، ثُمَّ ضَعَّفَهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُنْدٍ مِن السَماءِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ ﴾ ﴿ إنْ كانَتْ إلا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم خامِدُونَ ﴾ ﴿ يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ﴿ ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِمُحَمَّدٍ فِيها تَوَعُّدٌ لِقُرَيْشٍ، إذْ هَذا هو المُرَوِّعُ لَهم مِنَ المِثالِ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِن عَذابِ اللهِ ما نَزَلَ بِقَوْمِ حَبِيبٍ النَجّارِ، فَنَفى عَزَّ وجَلَّ، أيْ أنَّهُ ما أنْزَلَ عَلى قَوْمِ هَذا الرَجُلِ جُنْدًا مِنَ السَماءِ، قالَ مُجاهِدٌ: أرادَ أنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ رَسُولًا ولا اسْتَعْتَبَهُمْ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أرادَ لَمْ يَحْتَجْ في تَعْذِيبِهِمْ إلى جُنْدٍ مِن جُنْدِ اللهِ كالحِجارَةِ والغَرَقِ والرِيحِ وغَيْرِ ذَلِكَ بَلْ كانَتْ صَيْحَةٌ واحِدَةٌ؛ لِأنَّهم كانُوا أيْسَرَ وأهْوَنَ مِن ذَلِكَ، قالَ قَتادَةُ: واللهِ ما عاتَبَ اللهُ قَوْمَهُ بَعْدَ قَتْلِهِ حَتّى أهْلَكَهم.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما كُنّا مُنْزِلِينَ ﴾ ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" نافِيَةٌ، وهَذا يَجْرِي مَعَ التَأْوِيلِ الثانِي في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُنْدٍ ﴾ .
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" عَطْفٌ عَلى "جُنْدٍ"، أيْ: "مِن جُنْدٍ ومِنَ الَّذِي كُنّا مُنْزِلِينَ عَلى الأُمَمِ مِثْلِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ".
وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "إلّا صَيْحَةً" بِالنَصْبِ عَلى خَبَرِ (كانَ)، أيْ: ما كانَ عَذابُهم إلّا صَيْحَةً واحِدَةً، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ومُعاذُ بْنُ الحارِثِ: "إلّا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ" بِالرَفْعِ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ، والوَجْهُ فِيها أنَّها لَيْسَتْ (كانَ) الَّتِي تَطْلُبُ الِاسْمَ والخَبَرَ، وإنَّما التَقْدِيرُ: ما وقَعَتْ أو حَدَثَتْ إلّا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ الأسْوَدِ: "إلّا زَقْيَةً واحِدَةً" وهي الصَيْحَةُ مِنَ الدِيكِ ونَحْوِهِ مِنَ الطَيْرِ.
وَ"خامِدُونَ": ساكِتُونَ مَوْتى لاطُّونَ بِالأرْضِ، شُبِّهُوا بِالرَمادِ الَّذِي خَمَدَتْ نارُهُ وطُفِئَتْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يا حَسْرَةً" ﴾ نِداءٌ لَها عَلى مَعْنى: هَذا وقْتُ حُضُورِكِ وظُهُورِكِ، هَذا تَقْدِيرُ نِداءِ مِثْلِ هَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وهو مَعْنى قَوِيمٌ في نَفْسِهِ، وهو مُنادى مَنكُورٌ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ.
قالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: يا حَسْرَةَ العِبادِ عَلى أنْفُسِهِمْ، وذَكَرَ أنَّها في بَعْضِ القِراءاتِ كَذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: يا ويْلًا لِلْعِبادِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، ومُجاهِدٌ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "يا حَسْرَةَ العِبادِ"، بِالإضافَةِ.
وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ حَسَنٌ مَعَ قِراءَتِهِ، وتَأْوِيلُ الطَبَرِيِّ في ذَلِكَ القِراءَةَ الأولى لَيْسَ بِالبَيِّنِ، وإنَّما يَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَلَهُّفًا عَلى العِبادِ كانَ الحالُ يَقْتَضِيهِ، وطِباعُ كُلِّ بَشَرٍ تُوجِبُ عِنْدَ سَماعِهِ حالَهم وعَذابَهَمْ عَلى الكُفْرِ وتَضْيِيعَهم أمْرَ اللهِ تَعالى أنْ يُشْفِقَ ويَتَحَسَّرَ عَلى العِبادِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: المُرادُ ب العِبادِ الرُسُلُ الثَلاثَةُ، فَكَأنَّ هَذا التَحَسُّرَ هو مِنَ الكُفّارِ، حِينَ رَأوا عَذابَ اللهِ تَلَهَّفُوا عَلى ما فاتَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ ﴾ الآيَةُ، يَدْفَعُ هَذا التَأْوِيلَ.
والحَسْرَةُ: التَلَهُّفاتُ الَّتِي تَتْرُكُ صاحِبَها حَسِيرًا، وقَرَأ الأعْرَجُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ وأبُو الزِنادِ: "يا حَسْرَهْ" بِالوَقْفِ عَلى الهاءِ، وذَلِكَ لِلْحِرْصِ عَلى بَيانِ مَعْنى التَحَسُّرِ وتَقْرِيرِهِ لِلنَّفْسِ، والنُطْقُ بِالهاءِ في مِثْلِ هَذا أبْلَغُ في التَشْفِيقِ وهَزِّ النَفْسِ، كَقَوْلِهِمْ: أوِّهِ ونَحْوِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ ﴾ الآيَةُ، تَمْثِيلٌ لِفِعْلِ قُرَيْشٍ.
ثُمَّ عَناهم بِقَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا ﴾ ، و"كَمْ" هُنا خَبَرِيَّةٌ، و"أنَّهُمْ" بَدَلٌ مِنها، و"الرُؤْيَةُ" رُؤْيَةُ البَصَرِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "أولَمَ يَرَوْا مَن أهْلَكَنا"، وقَرَأ الجُمْهُورُ "أنَّهُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ، وكَسَرَها الحَسَنُ البَصْرِيُّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِما" بِتَخْفِيفِ المِيمِ، وذَلِكَ عَلى زِيادَةِ (ما) لِلتَّأْكِيدِ، والمَعْنى، "لِجَمِيعِ"، وشَدَّدَها الحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعاصِمٌ، قالُوا: هي مُنَزَّلَةٌ مَنزِلَةَ (إلّا)، وقِيلَ: المُرادُ: (لَمِمّا) حُذِفَتْ إحْداهُما، وفِيهِ ضَعْفٌ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: [وَإنْ مِنهم إلّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ]، قالَ قَتادَةُ: مَحْشُورُونَ يَوْمَ القِيامَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ وفَجَّرْنا فِيها مِن العُيُونِ ﴾ ﴿ لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ أفَلا يَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ ومِن أنْفُسِهِمْ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ ﴾ "آيَةٌ" مَعْناهُ: عَلامَةٌ عَلى الحَشْرِ وبَعْثِ الأجْسادِ، والضَمِيرُ في "لَهُمُ" يُرادُ بِهِ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "المَيِّتَةَ" بِكَسْرِ الياءِ وشَدِّها، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ بِسُكُونِ الياءِ خَفِيفَةً، وإحْياؤُها بِالمَطَرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ثَمَرِهِ" بِفَتْحِ الثاءِ والمِيمِ، وقَرَأ طَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِضَمِّهِما، وقَرَأ الأعْمَشُ بِضَمِّ الثاءِ وسُكُونِ المِيمِ، والضَمِيرُ فِيهِ قالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى الماءِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ العُيُونِ ﴾ ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: "ما" وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مُجْمَلًا، كَأنَّهُ قالَ: "مِن ثَمَرِ ما ذَكَرْنا"، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِن بابِ أنْ يَذْكُرَ الإنْسانُ شَيْئَيْنِ أو ثَلاثَةً ثُمَّ يُعِيدَ الضَمِيرَ عَلى واحِدٍ ويُكَنِّي عنهُ، كَما قالَ الأزْرَقُ بْنُ طَرَفَةَ بْنِ العَمَرَّدِ الفِراصِيِّ الباهِلِيِّ: رَمانِي بِذَنْبٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي ∗∗∗ بَرِيئًا، ومِن أجْلِ الطَوِيِّ رَمانِي وهَذا الوَجْهُ في الآيَةِ ضَعِيفٌ.
و"ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ ﴾ ، قالَ الطَبَرِيُّ: هي اسْمٌ مَعْطُوفٌ عَلى "الثَمَرِ"، أيْ: ويَقَعُ الأكْلُ مِنَ الثَمَرِ ومِمّا عَمِلَتْهُ الأيْدِي بِالغَرْسِ والزِراعَةِ ونَحْوِهِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَصْدَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي نافِيَةٌ، والتَقْدِيرُ: إنَّهم يَأْكُلُونَ مِن ثَمَرِهِ وهو شَيْءٌ لَمْ تَعْمَلْهُ أيْدِيهِمْ، بَلْ هي نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيْهِمْ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "عُمْلَتْهُ" بِالهاءِ الضَمِيرِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -، وطَلْحَةُ، وعِيسى: "عَمِلَتْ" بِغَيْرِ ضَمِيرٍ.
ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهَ تَنْزِيهًا مُطْلَقًا في كُلِّ ما يُلْحِدُ بِهِ مُلْحِدٌ، أو يُشْرِكُ مُشْرِكٌ.
و"الأزْواجَ": الأنْواعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ ﴾ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَآيَةٌ لَهُمُ اللَيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ ﴾ ﴿ والشَمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ ﴾ ﴿ والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ ﴾ ﴿ لا الشَمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ولا اللَيْلُ سابِقُ النَهارِ وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ هَذِهِ الآياتُ جَعَلَها اللهُ تَعالى أدِلَّةً عَلى القُدْرَةِ ووُجُوبِ الأُلُوهِيَّةِ لَهُ، و"نَسْلَخُ" مَعْناهُ: نَكْشِطُ ونُقَشِّرُ، فَهي اسْتِعارَةٌ، و"مُظْلِمُونَ": داخِلُونَ في الظَلامِ، واسْتَدَلَّ قَوْمٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَيْلَ أصْلٌ والنَهارَ فَرْعٌ طارِئٌ عَلَيْهِ، وفي ذَلِكَ نَظَرٌ.
و"مُسْتَقَرُّ الشَمْسِ" - عَلى ما رُوِيَ في الحَدِيثِ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِن طَرِيقٍ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ - «بَيْنَ يَدَيِ العَرْشِ، تَسْجُدُ فِيهِ كُلَّ لَيْلَةٍ بَعْدَ غُرُوبِها،» وفي حَدِيثٍ آخَرَ «أنَّها تَسْجُدُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ولَها ثَمَّ وجْبَةٌ عَظِيمَةٌ.» وقالَتْ فِرْقَةٌ: مُسْتَقَرُّها هو في يَوْمِ القِيامَةِ حِينَ تُكَوَّرُ، فَهي تَجْرِي لِذَلِكَ المُسْتَقَرِّ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: مُسْتَقَرُّها كِنايَةٌ عن غُيُوبِها؛ لِأنَّها تَجْرِي كُلَّ وقْتٍ إلى حَدٍّ مَحْدُودٍ تَغْرُبُ فِيهِ.
وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها آخِرُ مَطالِعِها في المُنْقَلَبَيْنِ لِأنَّهُما نِهايَتا مَطالِعِها، فَإذا اسْتَقَرَّ وُصُولُها كَرَّتْ راجِعَةً، وإلّا فَهي لا تَسْتَقِرُّ عن حَرَكَتِها طَرْفَةَ عَيْنٍ، ونَحا إلى هَذا ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: مُسْتَقَرُّها وُقُوفُها عِنْدَ الزَوالِ في كُلِّ يَوْمٍ، ودَلِيلُ اسْتِقْرارِها وُقُوفُ ظِلالِ الأشْياءِ حِينَئِذٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وأبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَلامُ.
"لا مُسْتَقَرَّ لَها".
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "والقَمَرَ" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى "اللَيْلُ"، عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، ويَصِحُّ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ ﴿ وَآيَةٌ لَهُمُ ﴾ ابْتِداءً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قالَ: في الوُجُودِ وفي المُشاهَدَةِ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِجُمْلَتَيْنِ مِنَ ابْتِداءٍ وخَبَرٍ وابْتِداءٍ وخَبَرٍ، اللَيْلُ واحِدَةٌ، والقَمَرُ ثانِيَةٌ.
وقَرَأ الباقُونَ "القَمَرَ" عَلى إضْمارِ فَعْلٍ يُفَسِّرُهُ ﴿ "قَدَّرْناهُ"، ﴾ وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، والحَسَنِ - بِخِلافٍ عنهُ -.
و"مَنازِلَ" نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، وهَذِهِ المَنازِلُ المَعْرُوفَةُ عِنْدَ العَرَبِ، وهي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلَةً، يَقْطَعُ القَمَرُ مِنها كُلَّ لَيْلَةٍ أقَلَّ مِن واحِدَةٍ فِيما يَزْعُمُونَ، وعَوْدَتُهُ هِيَ اسْتِهْلالُهُ رَقِيقًا، وحِينَئِذٍ يُشْبِهُ العُرْجُونَ، وهو الغُصْنُ مِنَ النَخْلَةِ الَّذِي فِيهِ شَمارِيخُ الثَمَرِ، فَإنَّهُ يَنْحَنِي ويَصْفَرُّ إذا قَدُمَ، ويَجِيءُ أشْبَهَ شَيْءٍ بِالهِلالِ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، والوُجُودُ يَشْهَدُ بِهِ، وقَرَأ سُلَيْمانُ التَيْمِيُّ: "كالعِرْجُونِ" بِكَسْرِ العَيْنِ.
و"القَدِيمِ" مَعْناهُ: العَتِيقُ الَّذِي قَدْ مَرَّ عَلَيْهِ زَمَنٌ طَوِيلٌ.
و"يَنْبَغِي" هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ فِيما لا يُمْكِنُ خِلافُهُ؛ لِأنَّها لا قُدْرَةَ لَها عَلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "سابِقُ النَهارِ" ﴾ بِالإضافَةِ، وقَرَأ عُبادَةُ: "سابِقُ النَهارَ" دُونَ تَنْوِينٍ في القافِ وبِنَصْبِ "النَهارَ"، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ وقالَ: حَذَفَ التَنْوِينَ تَخْفِيفًا.
و"الفَلَكُ" - فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما - مُتَحَرِّكٌ مُسْتَدِيرٌ كَفَلْكَةِ المِغْزَلِ، فِيهِ جَمِيعُ الكَواكِبِ.
و"يَسْبَحُونَ" مَعْناهُ: يَجْرُونَ ويَعُومُونَ، قالَ مَكِّيٌّ: لَمّا أُسْنِدَ إلَيْها فِعْلُ مَن يَعْقِلُ جُمِعَتْ بِالواوِ والنُونِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ ﴾ ﴿ وَخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهم ولا هم يُنْقَذُونَ ﴾ ﴿ إلا رَحْمَةً مِنّا ومَتاعًا إلى حِينٍ ﴾ ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم وما خَلْفَكم لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ ﴿ وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلا كانُوا عنها مُعْرِضِينَ ﴾ "وَآيَةٌ" مَعْناهُ: عَلامَةٌ ودَلِيلٌ، ورَفْعُها بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُها في قَوْلِهِ: "لَهُمْ"، و"أنّا" بَدَلٌ مِن "آيَةٌ"، وفِيهِ نَظَرٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةً لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ.
و"الحَمْلُ": مَنعُ الشَيْءِ أنْ يَذْهَبَ سُفْلًا، وذَكَرَ الذُرِّيَّةَ لِضَعْفِهِمْ عَنِ السَفَرِ فالنِعْمَةُ فِيهِمْ أمْكَنُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والأعْمَشُ: "ذُرِّيّاتِهِمْ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإفْرادِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، وعِيسى، والضَمِيرُ المُتَّصِلُ بِالذُرِّيّاتِ هو ضَمِيرُ الجِنْسِ، كَأنَّهُ قالَ: ذُرِّيّاتُ جِنْسِهِمْ أو نَوْعِهِمْ، هَذا أصَحُّ ما يَتَّجِهُ في هَذا، وخَلَطَ بَعْضُ الناسِ في هَذا حَتّى قالُوا.
الذُرِّيَّةُ تَقَعُ عَلى الآباءِ، وهَذا لا يُعْرَفُ لُغَةً.
وأمّا مَعْنى الآيَةِ؛ فَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وجَماعَةٌ، وهو أنْ يُرِيدَ بِالذُرِّيّاتِ المَحْمُولِينَ أصْحابَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ في السَفِينَةِ، ويُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿ "مِن مِثْلِهِ" ﴾ السُفُنَ المَوْجُودَةَ في جِنْسِ بَنِي آدَمَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وإيّاها ٠ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ ﴾ ، والتَأْوِيلُ الثانِي قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، هو أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ الآيَةُ، السُفُنَ المَوْجُودَةَ في بَنِي آدَمَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَخَلَقْنا لَهُمْ ﴾ الآيَةُ، الإبِلَ وسائِرَ ما يُرْكَبُ، فَتَكُونُ المُماثَلَةُ في أنَّهُ مَرْكُوبٌ مُبَلِّغٌ إلى الأقْطارِ فَقَطْ، ويَعُودُ قَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ ﴾ عَلى السُفُنِ المَوْجُودَةِ في الناسِ، وأمّا مَن خَلَطَ القَوْلَيْنِ فَجَعَلَ الذُرِّيَّةَ في الفَلَكِ في قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ في سَفِينَتِهِ، وجَعَلَ ﴿ "مِن مِثْلِهِ" ﴾ في الإبِلِ، فَإنَّ هَذا نَظَرٌ فاسِدٌ يَقْطَعُ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ ﴾ ، فَتَأمَّلْهُ.
و"الفُلْكُ" جَمْعٌ، والإفْرادُ عَلى وزْنِهِ، ولَكِنْ لَيْسَتْ حَرَكاتُ الجَمْعِ حَرَكاتُ الإفْرادِ.
و"المَشْحُونُ": المُوقَرُ، و"مِن" في قَوْلِهِ: "مِن مِثْلِهِ" يَتَّجِهُ عَلى أحَدِ التَأْوِيلَيْنِ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، وعَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ، فانْظُرْهُ، ويُقالُ: الإبِلُ مَراكِبُ البَرِّ.
و"الصَرِيخُ" هُنا بِناءُ الفاعِلِ، بِمَعْنى: المُصْرِخِ، وذَلِكَ أنَّكَ تَقُولُ: صارِخٌ بِمَعْنى مُسْتَغِيثٌ، ومُصْرِخٌ بِمَعْنى مُغِيثٌ، ويَجِيءُ صَرِيخٌ مَرَّةً بِمَعْنى هَذا ومَرَّةً بِمَعْنى هَذا؛ لِأنَّ فَعِيلًا مِن أبْنِيَةِ اسْمِ الفاعِلِ، فَمَرَّةً: يَجِيءُ مِن صَرَخَ إذا اسْتَغاثَ، ومَرَّةً: يَجِيءُ مِن أصْرَخَ إذا أغاثَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إلا رَحْمَةً ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: نَصْبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ، كَأنَّهُ قالَ: إلّا أنْ نَرْحَمَهُمْ، وقالَ الزَجّاجُ: نَصَبَ رَحْمَةً عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، كَأنَّهُ قالَ: إلّا لِأجْلِ رَحْمَتِنا إيّاهم.
وقَوْلُهُ: "مَتاعًا" عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ "رَحْمَةً"، ﴾ و"إلى حِينٍ" يُرِيدُ إلى آجالِهِمُ المَضْرُوبَةِ لَهم.
والكَلامُ تامٌّ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ ﴾ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنِ السائِرِينَ في البَحْرِ، ناجِينَ كانُوا أو مُغْرَقِينَ، فَهم بِهَذِهِ لا نَجاةَ لَهم إلّا بِرَحْمَةِ اللهِ ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ ﴾ مَرْبُوطًا بِالمُغْرَقِينَ، وقَدْ يَصِحُّ رَبْطُهُ بِهِ، والأوَّلُ أحْسَنُ فَتَأمَّلْ.
ثُمَّ ابْتَدَأ الإخْبارَ عن عُتُوِّ قُرَيْشٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ ﴾ الآيَةُ.
و"ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ" قالَ مُقاتِلٌ، وقَتادَةُ: هو عَذابُ الأُمَمِ الَّذِي قَدْ سَبَقَهم في الزَمَنِ، و"ما خَلْفَهُمْ" هو عَذابُ الآخِرَةِ الَّتِي تَأْتِي مِن بَعْدِهِمْ في الزَمَنِ، وهَذا هو النَظَرُ، وقالَ الحَسَنُ: خُوِّفُوا بِما مَضى مِن ذُنُوبِهِمْ وبِما يَأْتِي مِنها، وهَذا نَحْوُ الأوَّلِ في المَعْنى؛ لِأنَّ التَخْوِيفَ بِالذَنْبِ إنَّما هو مِن عِقابِهِ والمُجازاةِ عَلَيْهِ.
"ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ" هو الآخِرَةُ، و"ماخَلْفَهُمْ" عَذابُ الأُمَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَجَعَلَ التَرْتِيبَ كَأنَّهم يَسِيرُونَ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، ولَمْ يَعْتَبِرْ وُجُودَ الأشْياءِ في الزَمَنِ، وهَذا النَظَرُ يُكْرِهُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَوْراةِ ﴾ ، وإنَّما المُطَّرِدُ أنْ يُقاسَ ما بَيْنَ اليَدِ والخَلْفِ بِما يَسُوقُهُ الزَمَنُ، فَتَأمَّلْهُ.
وجَوابُ "إذا" في هَذِهِ الآيَةِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أعْرَضُوا، ويُفَسِّرُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا كانُوا عنها مُعْرِضِينَ ﴾ ، و"الآياتُ" العَلاماتُ والدَلائِلُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللهُ أطْعَمَهُ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ ما يَنْظُرُونَ إلا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهم وهم يَخِصِّمُونَ ﴾ ﴿ فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَهُمْ" لِقُرَيْشٍ.
وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ لَمّا أسْلَمَ حَواشِيهِمْ مِنَ المَوالِي وغَيْرِهِمْ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، قَطَعُوا عنهم نَفَقاتِهِمْ وجَمِيعَ صِلاتِهِمْ، وكانَ الأمْرُ بِمَكَّةَ أوَّلًا فِيهِ بَعْضُ الِاتِّصالِ في وقْتِ نُزُولِ آياتِ المُوادَعَةِ، فَنَدَبَ أُولَئِكَ المُؤْمِنُونَ قَرابَتَهم مِنَ الكُفّارِ أنْ يَصِلُوهُمْ، وأنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ، فَقالُوا عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللهُ أطْعَمَهُ ﴾ .
قالَ الرُمّانِيُّ: ونَسُوا ما يَجِبُ مِنَ التَعاطُفِ وتَآلُفِ الجِنْسِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُها أنَّ قُرَيْشًا شَحَّتْ - بِسَبَبِ أزْمَةٍ - عَلى المَساكِينِ جَمِيعًا مِن مُؤْمِنٍ وغَيْرِهِ، فَنَدَبَهُمُ النَبِيُّ إلى النَفَقَةِ عَلى المَساكِينِ، فَقالُوا هَذا القَوْلَ.
وقَوْلُهم يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ مِنَ التَأْوِيلِ: أحَدُهُما يَخْرُجُ عَلى اخْتِياراتٍ لِجُهّالِ العَرَبِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا كانَ يَرْعى إبِلَهُ، فَجَعَلَ السِمانَ في الخِصْبِ، والمَهازِيلَ في المَكانِ الجَدْبِ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: أُكْرِمُ ما أكْرَمَ اللهُ وأُهِينُ ما أهانَ اللهُ، فَيَخْرُجُ قَوْلُ قُرَيْشٍ عَلى هَذا المَعْنى، كَأنَّهم رَأوُا الإمْساكَ عَمَّنْ أمْسَكَ اللهُ عنهُ رِزْقَهُ؛ ومِن أمْثالِهِمْ: "كُنْ مَعَ اللهِ عَلى المُدْبِرِ".
والتَأْوِيلُ الثانِي أنْ يَكُونَ كَلامُهم بِمَعْنى الِاسْتِهْزاءِ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ : إنَّ ثَمَّ إلَهًا هو الرَزّاقُ، فَكَأنَّهم قالُوا: لِمَ لا يَرْزُقُهم إلَهُكَ الَّذِي تَزْعُمُ؟
أيْ: نَحْنُ لا نُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ هَذا الإلَهُ الَّذِي زَعَمْتَ أطْعَمَهُ.
وهَذا كَما يَدَّعِي الإنْسانُ أنَّهُ غَنِيٌّ ثُمَّ يَحْتاجُ إلى مَعُونَتِكَ في مالٍ فَتَقُولُ لَهُ - عَلى جِهَةِ الِاحْتِجاجِ والهَزْءِ بِهِ -: أتَطْلُبُ مَعُونَتِي وأنْتَ غَنِيٌّ؟
أيْ: عَلى قَوْلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ الكَفَرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ: في أمْرِكم لَنا بِنَفَقَةِ أمْوالِنا، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِن دِينِكُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لِلْكَفَرَةِ، اسْتَأْنَفَ زَجْرَهم بِهَذا.
ثُمَّ حَكى عنهم - عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ عَلَيْهِمْ - قَوْلَهُمْ: ﴿ مَتى هَذا الوَعْدُ ﴾ أيْ مَتى يَوْمُ القِيامَةِ الَّذِي تَزْعُمُ، وقِيلَ: أرادُوا: مَتى هَذا العَذابُ الَّذِي تُهَدِّدُنا بِهِ؟
وسَمَّوْا ذَلِكَ وعَدا مِن حَيْثُ تُفِيدُ قَرائِنُ الكَلامِ أنَّهُ في شَرٍّ، والوَعْدُ مَتى ورَدَ مُطْلَقًا فَهو في خَيْرٍ، وإذا قُيِّدَ بِقَرِينَةِ الشَرِّ اسْتُعْمِلَ فِيهِ، والوَعِيدُ دائِمًا هو في الشَرِّ.
و"يَنْظُرُونَ" مَعْناهُ: يَنْتَظِرُونَ، و"ما" نافِيَةٌ، وهَذِهِ الصَيْحَةُ هي صَيْحَةُ القِيامَةِ والنَفْخَةُ الأُولى في الصُورِ، رَواهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وأبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهم عَنِ النَبِيِّ ، وفي حَدِيثٍ أنَّ بَعْدَها نَفْخَةَ الصَعْقِ، ثُمَّ نَفْخَةَ الحَشْرِ، وهي الَّتِي تَدُومُ فَما لَها مِن فَواقٍ.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ، وشِبْلٌ، وابْنُ قُسْطَنْطِينَ المَكِّيُّ: [يَخَصِّمُونَ] بِفَتْحِ الياءِ والخاءِ وشَدِّ الصادِ المَكْسُورَةِ، وأصِلُها يَخْتَصِمُونَ، نَقِلَتْ حَرَكَةُ التاءِ إلى الخاءِ وأُدْغِمَتِ التاءُ الساكِنَةُ في الصادِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو أيْضًا بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الخاءِ وشَدِّ الصادِ المَكْسُورَةِ، وفي هَذِهِ القِراءَةِ جَمَعَ بَيْنَ ساكِنِينَ ولَكِنَّهُ لَيْسَ بِجَمْعٍ مَحْضٍ، ووَجَّهَها أبُو عَلِيٍّ، وأصْلُها: يَخْتَصِمُونَ، حُذِفَتْ حَرَكَةُ التاءِ دُونَ نَقْلٍ وأُدْغِمَتْ في الصادِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ أيْضًا، والحَسَنُ، وأبُو عَمْرٍو - بِخِلافٍ عنهُ - بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الخاءِ وشَدِّ الصادِ المَكْسُورَةِ، أصْلُها: يَخْتَصِمُونَ، أُعِلَّتْ كالَّتِي قَبْلَها ثُمَّ كُسِرَتْ لِلِالتِقاءِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِكَسْرِ الياءِ والخاءِ وشَدِّ الصادِ المَكْسُورَةِ كالَّتِي قَبْلَها ثُمَّ أُتْبِعَتْ كَسْرَةُ الخاءِ بِكَسْرَةِ الياءِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "يَخْتَصِمُونَ".
ومَعْنى هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها أنَّهم يَتَحاوَرُونَ ويَتَراجَعُونَ الأقْوالَ بَيْنَهم ويَتَدافَعُونَ في شُؤُونِهِمْ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "يَخْصِمُونَ"، وهَذِهِ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما ما في القِراءاتِ قَبْلَها، أيْ: يَخْصِمُ بَعْضُهم بَعْضًا، والثانِي أنَّهم يَخْصِمُونَ أهْلَ الحَقِّ في زَعْمِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ: تَأْخُذُهُمُ الصَيْحَةُ وهم يَظُنُّونَ بِأنْفُسِهِمْ أنَّهم قَدْ خَصَمُوا أو غَلَبُوا؛ لِأنَّكَ تَقُولُ: خاصَمْتُ فُلانًا فَخَصَمْتُهُ، إذا غَلَبْتَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ﴾ عِبارَةٌ عن إعْجالِ الحال، و"التَوْصِيَةُ" مَصْدَرٌ مِن: وصّى، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلاتٍ: أحُدُّها: ولا يَرْجِعُ أحَدٌ إلى مَنزِلِهِ وأهْلِهِ لِإعْجالِ الأمْرِ، بَلْ تُقْبَضُ نَفْسُهُ حَيْثُما أخَذَتْهُ الصَيْحَةُ، والثانِي مَعْناهُ: ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ قَوْلًا، وهَذا أبْلَغُ في الِاسْتِعْجالِ، وخَصَّ الأهْلَ بِالذِكْرِ لِأنَّ القَوْلَ مَعَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ أهَمُّ عَلى الإنْسانِ مِنَ الأجْنَبِيَّيْنِ وأوكَدُ في نُفُوسِ البَشَرِ، والثالِثُ تَقْدِيرُهُ: ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ أبَدًا، فَخَرَجَ هَذا عن مَعْنى وصْفِ الِاسْتِعْجالِ إلى مَعْنى ذِكْرِ انْقِطاعِهِمْ وانْبِتارِهِمْ مِن دُنْياهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَرْجِعُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الجِيمِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَنُفِخَ في الصُورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ﴾ ﴿ قالُوا يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا هَذا ما وعَدَ الرَحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ ﴾ ﴿ إنْ كانَتْ إلا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ﴾ ﴿ فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ولا تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ هَذِهِ نَفْخَةُ البَعْثِ، و"الصُورُ": القَرْنُ في قَوْلِ جَماعَةِ المُفَسِّرِينَ، وبِذَلِكَ تَواتَرَتِ الأحادِيثُ، وذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ إلى أنَّهُ جَمْعُ صُورَةٍ، خَرَجَ مُخْرَجَ بُسْرٍ وبُسْرَةٍ، وكَذَلِكَ قالَ سُورَةُ البِناءِ جَمْعُها سُوَرٌ، والمَعْنى عِنْدَهُ وعِنْدَ مَن قالَ بِقَوْلِهِ: نُفِخَ في صُوَرِ بَنِي آدَمَ فَعادُوا أحْياءً.
و"الأجْداثُ" القُبُورُ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "فِي الصُوَرِ" بِفَتْحِ الواوِ، جَمْعُ صُورَةٍ.
و"يَنْسِلُونَ": يَمْشُونَ مِشْيَةَ الذِئْبِ بِسُرْعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: عَسَلانَ الذِئْبِ أمْسى قارِبًا ∗∗∗ بَرَدَ اللَيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "يَنْسِلُونَ": يَخْرُجُونَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِكَسْرِ السِينِ، وضَمَّها ابْنُ أبِي إسْحَقَ، وأبُو عَمْرٍو.
وَنِداؤُهُمُ الوَيْلَ هو بِمَعْنى: هَذا وقْتُكَ وأوانُ حُضُورِكَ، وهو مُنادى مُضافٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِ والمُنادى مَحْذُوفٌ، كَأنَّهم قالُوا: "يا قَوْمَنا ويْلَنا"، وقَرَأ ابْنُ أبِي لَيْلى: "يا ويْلَتَنا" بِتاءِ التَأْنِيثِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "مَن بَعَثَنا" ﴾ عَلى مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أنَّهُما قَرَآ: "مِن بَعْثِنا" بِكَسْرِ المِيمِ مِن "مِن" وبِسُكُونِ العَيْنِ وكَسْرِ الثاءِ فِي" بَعْثِنا" نَصْبًا عَلى المَصْدَرِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "مَن أهَبَّنا مِن مَرْقَدِنا" وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: "مَن هَبَّنا".
قالَ أبُو الفَتْحِ: ولَمْ أرَ لَها في اللُغَةِ أصْلًا، ولا مَرَّ بِنا "مَهْبُوبٌ"، ونَسَبَها أبُو حاتِمٍ إلى ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَوْلُهُمْ: ﴿ "مِن مَرْقَدِنا" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُونَ مِن مَوْضِعِ الرُقادِ حَقِيقَةً، ويُرْوى عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ أنَّ جَمِيعَ البَشَرِ يَنامُونَ نَوْمَةً قَبْلَ الحَشْرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا غَيْرُ صَحِيحِ الإسْنادِ، وإنَّما الوَجْهُ في قَوْلِهِمْ "مِن مَرْقَدِنا" أنَّها اسْتِعارَةٌ وتَشْبِيهٌ، كَما تَقُولُ في قَتِيلٍ: هَذا مَرْقَدُهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وفي الثَعْلَبِيِّ أنَّهم قالُوا: "مِن مَرْقَدِنا" لِأنَّ عَذابَ القَبْرِ كانَ كالرُقادِ في جَنْبِ ما صارُوا إلَيْهِ مِن عَذابِ جَهَنَّمَ.
وقالَ الزَجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "هَذا" إشارَةً إلى المَرْقَدِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بِقَوْلِهِ: ﴿ ما وعَدَ الرَحْمَنُ ﴾ ويُضْمِرُ الخَبَرَ: "حَقٌّ" أو نَحْوَهُ، وقالَ الجُمْهُورُ: ابْتِداءُ الكَلامِ: ﴿ هَذا ما وعَدَ الرَحْمَنُ ﴾ .
واخْتُلِفَ في هَذِهِ المَقالَةِ، مَن قالَها؟
فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي مِن قَوْلِ الكَفَرَةِ لَمّا رَأوُا البَعْثَ والنُشُورَ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ في الدُنْيا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ مِن قَوْلِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لَهم عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَوْقِيفِ، وقالَ الفَرّاءُ: هو مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، وقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: هو مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ لِلْكُفّارِ عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ أمْرَ القِيامَةِ والبَعْثِ مِنَ القُبُورِ ما هو إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا الجَمِيعُ حاضِرٌ مَحْشُورٌ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إلّا صَيْحَةً" بِالنَصْبِ، وفِرْقَةٌ بِالرَفْعِ، وقَدْ تُقَدَّمُ إعْرابُ نَظِيرِها.
وقَوْلُهُ: ﴿ "فاليَوْمَ" ﴾ نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، ويُرِيدُ يَوْمَ الحَشْرِ المَذْكُورِ وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِجَمِيعِ العالَمِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ ﴾ ﴿ هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ ﴾ ﴿ لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ ﴾ ﴿ سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ ﴾ ﴿ وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ ﴾ ﴿ ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ ﴿ وَأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عن حالِ أهْلِ الجَنَّةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ أهْوالَ يَوْمِ القِيامَةِ وحالَةِ الكُفّارِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ، وخالِدُ بْنُ إلْياسَ: "فِي شُغْلٍ" بِضَمِّ الشِينِ وسُكُونِ الغَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ: ﴿ "فِي شُغُلٍ" ﴾ بِالضَمِّ فِيهِما، وهي قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ والكُوفَةِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وأبُو عَمْرٍو أيْضًا بِالفَتْحِ فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ هُبَيْرَةٍ عَلى المِنبَرِ بِفَتْحِ الشِينِ وسُكُونِ الغَيْنِ، وهي كُلُّها بِمَعْنًى واحِدٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في تَعْيِينِ هَذا الشُغْلِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ المُسَيِّبِ: افْتِضاضُ الأبْكارِ، وحَكى النِقاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سَماعُ الأوتارِ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ نَعِيمٌ قَدْ شَغَلَهُمْ، وهَذا هو القَوْلُ الصَحِيحُ، وتَعْيِينُ شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ لا قِياسَ لَهُ، ولَمّا كانَ النَعِيمُ كُلُّهُ نَوْعًا واحِدًا مِن حَيْثُ هو نَعِيمٌ وحْدَهُ فَقالَ: "فِي شُغُلٍ"، ولَوِ اخْتَلَفَ لَقالَ: في أشْغالٍ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن طاوُسَ أنَّهُ قالَ: لَوْ عَلِمَ أهْلُ الجَنَّةِ عَمَّنْ شُغِلُوا ما هَنَّأهم ما شُغِلُوا بِهِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وسُئِلَ بَعْضُ العُلَماءِ عن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أكْثَرُ أهْلِ الجَنَّةِ البُلْهُ"،» فَقالَ: لِأنَّهم شُغِلُوا بِالنَعِيمِ عَنِ المُنْعِمِ.
وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "فاكِهُونَ" ﴾ ومَعْناهُ: أصْحابُ فاكِهَةٍ، كَما يُقالُ: تامِرٌ ولابِنٌ وشاحِمٌ ولاحِمٌ، وقَرَأ أبُو رَجاءَ، ومُجاهِدٌ، ونافِعٌ أيْضًا، وأبُو جَعْفَرٍ: "فَكِهُونَ" ومَعْناهُ: فَرِحُونَ طَرِبُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ: الفُكاهَةِ، أيْ: لا هَمَّ لَهُمْ، وقَرَأ طَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وفِرْقَةٌ: "فاكِهِينَ"، جَعَلَتِ الخَبَرَ في الظَرْفِ الَّذِي هو قَوْلُهُ: "فِي شُغُلٍ"، ونَصْبُ "فاكِهِينَ" عَلى الحالِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ ﴾ "هُمْ" ابْتِداءٌ، "وَأزْواجُهُمْ" مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، "فِي ظِلالِ"خَبَرُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "هُمْ" بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: "فاكِهُونَ"، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ "فِي ظِلالٍ" ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، كَأنَّهُ قالَ: مُسْتَظِلِّينَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فِي ظِلالٍ"، وهو جَمْعُ "ظِلٍّ"؛ إذِ الجَنَّةُ لا شَمْسَ فِيها، وإنَّما هَواؤُها سَجْسَجٌ، كَوَقْتِ الإسْفارِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ (ظُلَّةٍ)، قالَ أبُو عَلِيٌّ: كَبُرْمَةٍ وبِرامٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: ظِلالٌ: جَمْعُ ظِلَّةٍ بِكَسْرِ الظاءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهِيَ لُغَةٌ في ظُلَّةٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "فِي ظُلَلٍ"، وهي جُمَعُ ظُلَّةٍ، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللهِ وطَلْحَةَ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ المَلابِسِ والمَراتِبِ مِنَ الحِجالِ والسُتُورِ ونَحْوِها مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تُظِلُّ وهي زِينَةٌ.
و"الأرائِكُ": السُرُرُ المَفْرُوشَةُ، قالَ بَعْضُ الناسِ: مِن شُرُوطِها أنْ تَكُونَ عَلَيْها حَجَلَةٌ وإلّا فَلَيْسَتْ بِأرِيكَةٍ، وبِذَلِكَ قَيَّدَها ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الأرِيكَةُ: السَرِيرُ كانَ عَلَيْهِ حَجَلَةً أو لَمْ تَكُنْ.
وقَوْلُهُ: ﴿ ما يَدَّعُونَ ﴾ بِمَنزِلَةِ: ما يَتَمَنَّوْنَ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَرَبُ تَقُولُ: "ادَّعِ عَلَيَّ ما شِئْتَ"، بِمَعْنى: تَمَنَّ عَلَيَّ، وتَقُولُ: "فُلانٌ فِيما ادَّعى"، أيْ: فِيما دَعى بِهِ؛ لِأنَّهُ افْتَعَلَ، مِن دَعا يَدْعُو، وأصْلُ هَذا الفِعْلِ: يَدْتَعِيُونَ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الياءِ إلى العَيْنِ قَبْلَها، وحُذِفَتِ الياءُ لِاجْتِماعِها مَعَ الواوِ الساكِنَةِ، فَبَقِيَ يَدْتَعُونَ، وقُلِبَتِ التاءُ دالًا وأُدْغِمَتْ في الأُخْرى، وخُصَّتِ الدالُ بِالبَقاءِ دُونَ التاءِ لِأنَّها حِرَفُ جَلَدٍ والتاءُ حَرْفُ هَمْسٍ، قالَ الرُمّانِيُّ: المَعْنى: إنَّ مَنِ ادَّعى شَيْئًا فَهو لَهُ: لِأنَّهُ قَدْ هُذِّبَتْ طِباعُهم فَلا يَدَّعُونَ إلّا ما يَحْسُنُ مِنهم.
وقَوْلُهُ: ﴿ "سَلامٌ"، ﴾ قِيلَ: هي صِفَةٌ لـ"ما"، أيْ: مُسَلَّمٌ لَهم وخالِصٌ، وقِيلَ: هو ابْتِداءٌ، وقِيلَ: خَبَرُ ابْتِداءٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِيسى الثَقَفِيُّ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والغَنَوِيُّ: "سَلامًا" بِالنَصْبِ عَلى المَصْدَرِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: "سِلْمٌ" وهو بِمَعْنى (سَلامٌ).
و"قَوْلًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وامْتازُوا اليَوْمَ ﴾ الآيَةُ، فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرِهِ: ويَقُولُ لِلْكَفَرَةِ، وهَذِهِ مُعادِلَةٌ لِقَوْلِهِ لِأصْحابِ الجَنَّةِ: "سَلامٌ".
و"امْتازُوا" مَعْناهُ: انْفَصِلُوا وانْحازُوا؛ لِأنَّ العالَمَ في المَوْقِفِ إنَّما هم مُخْتَلِطُونَ.
ثُمَّ خاطَبَهم بِما يُمَيَّزُونَ بِهِ تَوْبِيخًا لَهم وتَوْقِيفًا عَلى عَهْدِهِ إلَيْهِمْ ومُخالَفَتِهم عَهْدَهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "أعْهَدْ" ﴾ بِفَتْحِ الهاءِ، وقَرَأ الهُذَلِيُّ، وابْنُ وثّابٍ: "ألَمِ إعْهَدْ" بِكَسْرِ المِيمِ والهَمْزَةِ وفَتْحِ الهاءِ، وهي عَلى لُغَةِ مَن يَكْسِرُ أوَّلَ المُضارِعِ سِوى الياءِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ وثّابٍ "اعْهِدْ" بِكَسْرِ الهاءِ، يُقالُ: عَهِدَ وعَهَدَ.
و"عِبادَةُ الشَيْطانِ": طاعَتُهُ والِانْقِيادُ لِأعْوانِهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "وَأنُ اعْبُدُونِي" بِضَمِّ النُونِ مِن "أنْ"، وأتْبَعُوا بِها ضَمَّةَ الباءِ والدالِ وواوَ الجَماعَةِ أيْضًا.
وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: "وَأنِ اعْبُدُونِي" بِكَسْرِ النُونِ عَلى أصْلِ الكَسْرِ لِلِالتِقاءِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ إشارَةٌ إلى الشَرائِعِ، فَمَعْنى هَذا أنَّ اللهَ عَهِدَ إلى بَنِي آدَمَ وقْتَ إخْراجِ نِسَمِهِمْ مِن ظَهْرِهِ: أنْ لا يَعْبُدُوا الشَيْطانَ وأنْ تَعْبُدُوا اللهَ، وقِيلَ لَهُمْ: هَذِهِ الشَرائِعُ مَوْجُودَةٌ، وبُعِثَآدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ إلى ذُرِّيَّتِهِ، ولَمْ تَخْلُ الأرْضُ مِن شَرِيعَةٍ إلى خَتْمِ الرِسالَةِ بِمُحَمَّدٍ .
و"الصِراطُ" الطَرِيقُ، ويُقالُ: إنَّها دَخِيلَةٌ في كَلامِ العَرَبِ وعَرَّبَتْها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلا كَثِيرًا أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ ﴿ اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ ﴿ اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ هَذِهِ أيْضًا مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ.
و"الجِبِلُّ": الأُمَّةُ العَظِيمَةُ، قالَ النَقّاشُ عَنِ الضَحاكِ: أقَلُّها عَشَرَةُ آلافٍ، ولا حَدَّ لِأكْثَرِها، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ وشَدَّ اللامِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأهْلِ المَدِينَةِ، وأبِي رَجاءَ والحَسَنُ - بِخِلافٍ عنهُ -، وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ والتَخْفِيفِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، والزُهْرِيُّ، والأعْرَجُ بِضَمِّ الجِيمِ والباءِ والتَشْدِيدِ، وهي قِراءَةُ أبِي إسْحَقَ، وعِيسى، وابْنُ وثّابٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والهُذَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ والتَخْفِيفِ، "قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: [جُبُلًا] بِضَمِّ الجِيمِ والباءِ والتَخْفِيفِ"، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ عن بَعْضِ الخُراسانِيِّينَ بِكَسْرِ الجِيمِ وبِياءٍ بِنُقْطَتَيْنِ ساكِنَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ﴾ بِالتاءِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بِالياءِ.
ثُمَّ وقَّفَهم عَلى جَهَنَّمَ الَّتِي كانُوا يُوعَدُونَ ويُكَذِّبُونَ، و"جَهَنَّمُ" أوَّلُ طَبَقَةٍ مِنَ النارِ، و"اصْلَوْها" مَعْناهُ: باشِرُوها.
ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى مُحَمَّدًا أخْبارًا تُشارِكُهُ فِيها أُمَّتُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ ﴾ ، أيْ: في ذَلِكَ اليَوْمِ يَكُونُ ذَلِكَ.
ورُوِيَ في هَذا المَعْنى أنَّ اللهَ يَجْعَلُ الكَفَرَةَ يُخاصِمُونَ، فَإذا لَمْ يَأْتُوا بِشَيْءٍ تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ رَجَعُوا إلى الإنْكارِ فَناكَرُوا المَلائِكَةَ في الأعْمالِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَخْتِمُ اللهُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ بِحَرْفٍ، ويَأْمُرُ تَعالى جَوارِحَهم بِالشَهادَةِ فَتَشْهَدُ، ورَوى عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "إنْ أوَّلَ ما يَتَكَلَّمُ مِنَ الكافِرِ فَخِذُهُ اليُسْرى"، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: "اليُمْنى ثُمَّ سائِرُ جَوارِحِهِ"،» ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ الكَفَرَةِ يَقُولُ يَوْمَئِذٍ لِجَوارِحِهِ: "تَبًّا لَكِ وسُحْقًا، فَعنكِ كُنْتُ أُماحِكُ" ونَحْوُ هَذا مِنَ المَعْنى، وقَدِ اخْتَلَفَتْ فِيهِ ألْفاظُ الرُواةِ، ورَوى عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عن أبِيهِ عن جَدِّهِ أنَّهُ قَرَأ: "وَلِتُكَلِّمَنا أيْدِيهِمْ ولِتَشْهَدَ أرْجُلُهُمْ" بِزِيادَةِ لامِ (كَيْ) النَصْبِ، وهي مُخالِفَةٌ لِخَطِّ المُصْحَفِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصِراطَ فَأنّى يُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ ﴾ ﴿ وَمَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ أفَلا يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ وَما عَلَّمْناهُ الشِعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ إنْ هو إلا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ ﴾ الضَمِيرُ في "أعْيُنِهِمْ" مُرادٌ بِهِ كُفّارُ قُرَيْشٍ، ومَعْنى الآيَةِ يُبَيِّنُ أنَّهم في قَبْضَةِ القُدْرَةِ وبُرُوجِ العَذابِ إنْ شاءَهُ اللهُ لَهُمْ، وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: أرادَ الأعْيُنَ حَقِيقَةً، والمَعْنى: لَأعْمَيْناهم فَلا يَرَوْنَ كَيْفَ يَمْشُونَ، ويُؤَيِّدُ هَذا مُجانَسَةُ المَسْخِ الحَقِيقِيِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ أعْيُنَ البَصائِرِ، والمَعْنى: ولَوْ شِئْنا لَخَتَمْنا عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ فَلَمْ يَهْتَدِ مِنهم أحَدٌ.
و"الطَمْسُ" إذْهابُ الآثارِ مِنَ المَشْيِ والهَيْئاتِ حَتّى كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ، أيْ: جَعَلْنا جُلُودَ وُجُوهِهِمْ مُتَّصِلَةً حَتّى كَأنَّهُ لَمْ تَكُنْ فِيها عَيْنٌ قَطُّ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فاسْتَبَقُوا الصِراطَ ﴾ مَعْناهُ: عَلى الفَرْضِ، والتَقْدِيرِ: فَإنَّهُ ولَوْ شِئْنا لَأعْمَيْناهم فاحْسُبْ أو قَدِّرْ أنَّهم يَسْتَبِقُونَ الصِراطَ، أيِ: الطَرِيقَ، فَأنّى لَهم بِالإبْصارِ وقَدْ أعْمَيْناهُمْ؟
و"أنّى" لَفْظَةُ اسْتِفْهامٍ فِيهِ مُبالَغَةٌ، وقَدَّرَهُ سِيبَوَيْهِ، كَيْفَ؟
ومِن أيْنَ؟
و"مَسَخْناهُمْ" تَقْدِيرُهُ: تَبْدِيلُ خِلْقَتِهِمْ لِتَصِيرَ كالقِرَدَةِ والخَنازِيرِ ونَحْوٍ مِمّا تَقَدَّمَ في بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ، وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: لَجَعَلْناهم مُقْعَدِينَ مَبْطُولِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ تَصَرُّفًا، وقالَ ابْنُ سَلامٍ: هَذا التَوَعُّدُ كُلُّهُ يَوْمَ القِيامَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "مَكانَتِهِمْ" ﴾ بِالإفْرادِ، بِمَعْنى المَكانِ، كَما يُقالُ دارٌ ودارَةٌ، وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ [مَكاناتِهِمْ] جَمْعًا، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وابْنِ أبِي إسْحَقَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مُضِيًّا" بِضَمِّ المِيمِ، وفَتَحَها أبُو حَيْوَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى دَلِيلًا في تَنْكِيسِهِ المُعَمِّرِينَ، وأنَّ ذَلِكَ ما يَفْعَلُهُ إلّا اللهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "نُنَكِّسْهُ" ﴾ بِفَتْحِ النُونِ الأولى وسُكُونِ الثانِيَةِ وضَمِّ الكافِ خَفِيفَةً، وقَرَأ عاصِمٌ - بِخِلافٍ عنهُ - وحَمْزَةُ بِضَمِّ الأُولى وفَتْحِ الثانِيَةِ وشَدِّ الكافِ المَكْسُورَةِ مُشَدَّدَةً عَلى المُبالَغَةِ، وأنْكَرَها أبُو عَمْرٍو عَلى الأعْمَشِ.
ومَعْنى الآيَةِ: نُحَوِّلُ خَلْقَهُ مِنَ القُوَّةِ إلى الضَعْفِ، ومِنَ الفَهْمِ إلى البَلَهِ، ونَحْوُ ذَلِكَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو - في رِوايَةِ عَبّاسٍ -: [تَعْقِلُونَ] بِالتاءِ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهُمْ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن حالِ نَبِيِّهِ ورَدَّ قَوْلَ مَن قالَ مِنَ الكَفَرَةِ: إنَّهُ شاعِرٌ، وإنَّ القُرْآنَ شِعْرٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما عَلَّمْناهُ الشِعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ ﴾ ، وكَذَلِكَ كانَ رَسُولُ اللهِ لا يَقُولُ الشِعْرَ ولا يَرْوِيهِ ولا يَزِنُهُ، وكانَ إذا حاوَلَ إنْشادَ بَيْتٍ قَدِيمٍ مُتَمَثِّلًا كَسَرَ وزْنَهُ، وإنَّما كانَ يُحْرِزُ المَعْنى فَقَطْ وأنْشَدَ يَوْمًا بَيْتَ طُرْفَةَ: سَتُبْدِي لَكَ الأيّامُ ما كُنْتَ جاهِلًا ∗∗∗ ويَأْتِيكَ مَن لَمْ تُزَوِّدْ بِالأخْبارِ وَأنْشَدَ يَوْمًا - وقَدْ قِيلَ لَهُ: مَن أشْعَرُ الناسِ؟
- فَقالَ: الَّذِي يَقُولُ: ألَمْ تَرَيانِي كُلَّما جِئْتُ طارِقًا ∗∗∗ ∗∗∗ وُجِدَتْ بِها وإنْ لَمْ تَطَيَّبْ طِيبًا وأنْشَدَ يَوْمًا: أتُجْعَلُ نَهْبِي ونَهْبَ العَبِيـ ∗∗∗ ∗∗∗ دِ بَيْنَ الأقْرَعِ وعُيَيْنَةَ وقَدْ كانَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ رُبَّما أنْشَدَ البَيْتَ المُسْتَقِيمَ في النادِرِ، ورُوِيَ «أنَّهُ أنْشَدَ بَيْتَ ابْنِ رَواحَةَ: يَبِيتُ يُجافِي جَنْبَهُ عن فِراشِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ » وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: «أنْشَدَ النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ: كَفى بِالإسْلامِ والشَيْبِ لِلْمَرْءِ ناهِيًا فَقالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللهِ، إنَّما قالَ الشاعِرُ: كَفى الشَيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيًا » رَواهُ الثَعْلَبِيُّ: وإصابَتُهُ الوَزْنَ أحْيانًا لا يُوجِبُ أنَّهُ تَعَلَّمَ الشِعْرَ، ورُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أتى في نَثْرِ كَلامِهِ أحْيانًا ما يَدْخُلُ في وزْنٍ، كَقَوْلِهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ: أنا النَبِيُّ لا كَذِبَ ∗∗∗ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المَطْلَبِ » كَذَلِكَ يَأْتِي في آياتِ القُرْآنِ وفي كُلِّ كَلامٍ، ولَيْسَ كُلُّهُ بِشِعْرٍ ولا في مَعْناهُ.
وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي - عِنْدِي - غَضاضَةً عَلى الشِعْرِ ولا بُدَّ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ «قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: كانَ الشِعْرُ أبْغَضَ الحَدِيثِ إلى رَسُولِ اللهِ ، وكانَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ أخِي قَيْسٍ طُرْفَةَ فَيَعْكِسُهُ، فَقالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَيْسَ هَكَذا، فَقالَ: "ما أنا بِشاعِرٍ وما يَنْبَغِي لِي"،» وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الشِعْرَ لا غَضَّ عَلَيْهِ، وإنَّما مَنَعَهُ مِنَ التَحَلِّي بِهَذِهِ الحِلْيَةِ الرَفِيعَةِ لِيَجِيءَ القُرْآنُ مِن قَبْلِهِ أغْرَبُ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ إدْراكُ الشِعْرِ لَقِيلَ في القُرْآنِ: إنَّ هَذا مِن تِلْكَ القُوَّةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ الأمْرُ عِنْدِي كَذَلِكَ، وقَدْ كانَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِنَ الفَصاحَةِ والبَيانِ في النَثْرِ في الرُتْبَةِ العُلْيا، ولَكِنَّ كَلامَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى يَبِينُ بِإعْجازِهِ، ويَبْرُزُ بِرَصْفِهِ، ويُخْرِجُهُ إحاطَةُ عِلْمِ اللهِ مِن كُلِّ كَلامٍ، وإنَّما مَنَعَ اللهُ نَبِيَّهُ مِنَ الشِعْرِ تَرْفِيعًا لَهُ عَمّا في قَوْلِ الشُعَراءِ مِنَ التَخَيُّلِ وتَزْوِيقِ الكَلامِ، وأمّا القُرْآنُ فَهو ذِكْرُ الِحَقائِقِ والبَراهِينِ، فَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ، وهَكَذا كانَ أُسْلُوبُ كَلامِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ؛ لِأنَّهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى، والشِعْرُ نازِلُ الرُتْبَةِ عن هَذا كُلِّهِ.
والضَمِيرُ في ﴿ "عَلَّمْناهُ" ﴾ عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ قَوْلًا واحِدًا، والضَمِيرُ في "لَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى مُحَمَّدٍ ، أو يَعُودَ عَلى القُرْآنِ الكَرِيمِ، وإنْ كانَ لَمْ يُذْكَرْ لِدَلالَةِ المُجاوَرَةِ عَلَيْهِ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ إنْ هو إلا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ ﴾ .
وَقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "لِتُنْذِرَ" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ مُحَمَّدٍ ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ، أيْ: لِيُنْذِرَ القُرْآنُ، أو لِيُنْذِرَ مُحَمَّدٌ ، واللامُ مُتَعَلِّقَةٌ بـِ"مُبِينٌ"، وقَرَأ مُحَمَّدٌ اليَمانِيُّ: [لِيُنْذَرَ] عَلى الفِعْلِ المَجْهُولِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: ولَوْ قُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ والذالِ أيْ: لِيَتَحَفَّظَ ويَأْخُذَ بِحَظِّهِ - لَكانَ جائِزًا، وحَكاها أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ عن مُحَمَّدٍ اليَمانِيِّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ حَيًّا ﴾ أيْ: حَيَّ القَلْبِ والبَصِيرَةِ، ولَمْ يَكُنْ مَيِّتًا لِكُفْرِهِ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ، قالَ الضَحّاكُ: ﴿ مَن كانَ حَيًّا ﴾ مَعْناهُ: عاقِلًا، ﴿ وَيَحِقَّ القَوْلُ ﴾ مَعْناهُ: يَتَحَتَّمُ العَذابُ ويَجِبُ الخُلُودُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ ﴾ ﴿ وَذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ ﴾ ﴿ وَلَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ أفَلا يَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم وهم لَهم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ﴾ ﴿ فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ في أمْرِ قُرَيْشٍ وإعْراضِها عَنِ الشَرْعِ وعِبادَتِها الأصْنامَ، فَنَبَّهَهُمُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِبَهِيمَةِ الأنْعامِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "أيْدِينا" ﴾ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، عَبَّرَ عنها بـِ"يَدٍ" وبِـ"يَدَيْنِ" وبِـ"أيْدٍ"، وذَلِكَ مِن حَيْثُ كانَ البَشَرُ إنَّما يَفْهَمُونَ القُدْرَةَ والبَطْشَ بِاليَدِ، فَعَبَّرَ لَهم بِالجِهَةِ الَّتِي اقْتَرَبَتْ مِن أفْهامِهِمْ، واللهُ تَبارَكَ وتَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ والتَشْبِيهِ كُلِّهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم لَها مالِكُونَ ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى النِعْمَةِ في أنَّ هَذِهِ الأنْعامَ لَيْسَتْ بِعاتِيَةٍ ولا مُبْتَزَّةٍ، بَلْ تُقْتَنى وتُقَرَّبُ مَنافِعُها.
وقَوْلُهُ: "ذَلَّلْناها" مَعْناهُ: سَخَّرْناها ذَلِيلَةً، و"الرَكُوبُ" المَرْكُوبُ، وهو فَعَوْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٌ، ولَيْسَ إلّا في ألْفاظٍ مَحْصُورَةٍ، كالرَكُوبِ، والحَلُوبِ، والقَدُوعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "رَكُوبُهُمْ" ﴾ بِفَتْحِ الراءِ، وقَرَأ بِضَمِّها الحَسَنُ، والأعْمَشُ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: "رَكُوبَتُهُمْ".
و"المَنافِعُ" إشارَةٌ إلى الأصْوافِ والأوبارِ وغَيْرِها، و"المَشارِبُ": الألْبانُ.
ثُمَّ عَنَّفَهم في اتِّخاذِ آلِهَةٍ طَلَبًا لِلِاسْتِنْصارِ بِها والتَعاضُدِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ فِيهِ لِلْكُفّارِ، وفي "نَصْرَهُمْ" لِلْأصْنامِ، ويُحْتَمَلُ عَكْسُ ذَلِكَ لِأنَّ الوَجْهَيْنِ صَحِيحانِ في المَعْنى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم لَهم جُنْدٌ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ الأوَّلُ لِلْكُفّارِ والثانِي لِلْأصْنامِ، عَلى مَعْنى: وهَؤُلاءِ الكُفّارُ مُجَنَّدُونَ مُتَحَزِّبُونَ لِهَذِهِ الأصْنامِ في الدُنْيا، لَكِنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ التَناصُرَ مَعَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ العَكْسُ، أيْ: يَحْضُرُونَ لَهم في الآخِرَةِ عِنْدَ الحِسابِ، عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ والنِقْمَةِ، وسَمّاهم جُنْدًا في هَذا التَأْوِيلِ إذْ هم عُدَّةٌ لِلنِّقْمَةِ مِنهم وتَوْبِيخِهِمْ، وجَرَتْ ضَمائِرُ الأصْنامِ في هَذِهِ الآيَةِ مَجْرى مَن يَعْقِلُ إذْ نَزَلَتْ في عِبادَتِها مَنزِلَةَ عَقْلٍ، فَعُومِلَتْ في العِبارَةِ بِذَلِكَ.
ثُمَّ آنَسَ نَبِيَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ﴾ ، وتَوَعَّدَ الكَفّارَ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ وَضَرَبَ لَنا مَثَلا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ ﴾ ﴿ قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ ﴾ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هَذِهِ الآياتُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ «أنَّ العاصَ بْنَ وائِلٍ السَهْمِيَّ جاءَ إلى النَبِيِّ بِعَظْمٍ رَمِيمٍ، فَفَتَّهُ وقالَ: يا مُحَمَّدُ، مَن يُحْيِي هَذا؟» وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: إنَّ الَّذِي جاءَ بِالعَظْمِ النَخِرِ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وقالَهُ الحَسَنُ، ذَكَرَهُ الرُمّانِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبِيِّ بْنِ سَلُولٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ وهْمٌ مِمَّنْ نَسَبَهُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما؛ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ، والآيَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، ولِأنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمْ يُجاهِرْ قَطُّ هَذِهِ المُجاهَرَةَ، واسْمُ "أُبَيٍّ" هو الَّذِي خُلِطَ عَلى الرُواةِ؛ لِأنَّ الصَحِيحَ هو ما رَواهُ ابْنُ وهْبٍ عن مالِكٍ، وقالَهُ ابْنُ إسْحَقَ وغَيْرُهُ: «إنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أخا أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ هو الَّذِي جاءَ بِالعَظْمِ الرَمِيمِ بِمَكَّةَ فَفَتَّهُ في وجْهِ النَبِيِّ ، وقالَ: مَن يُحْيِي هَذا يا مُحَمَّدُ؟» ولِأُبَيٍّ مَعَ النَبِيِّ مَقاماتٌ ومَقالاتٌ إلى أنْ قَتَلَهُ بِيَدِهِ يَوْمَ أُحُدٍ بِالحَرْبَةِ بِجُرْحٍ في عُنُقِهِ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ لَهُ حِينَ فَتَّ العَظْمَ: "اللهُ يُحْيِيهِ ويُحْيِيكَ ويُدْخِلُكَ جَهَنَّمَ".
ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَةُ» مُبِيِّنَةً الحُجَّةِ في أنَّ الإنْسانَ نُطْفَةٌ ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ خَصِيمًا مُبِينًا، فَهَلْ هَذا إلّا إحْياءٌ بَعْدَ مَوْتٍ وعَدَمِ حَياةٍ؟
وقَوْلُهُ: ﴿ "وَنَسِيَ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِسْيانَ الذُهُولِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِسْيانَ التَرْكِ، و"الرَمِيمُ": البالِي المُفَتَّتُ، وهو الرُفاتُ.
ثُمَّ دَلَّهم تَبارَكَ وتَعالى عَلى الِاعْتِبارِ بِالنَشْأةِ الأُولى، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ تَعالى بِدَلِيلٍ ثالِثٍ في إيجادِ النارِ في العُودِ الأخْضَرِ المُرْتَوِي ماءً، وهَذا هو زِنادُ العَرَبِ، والنارُ مَوْجُودَةٌ في كُلِّ عُودٍ غَيْرَ أنَّها في المُتَخَلْخِلِ المَفْتُوحِ المَسامِّ أوجَدُ، وكَذَلِكَ هو المَرْخُ والعَفارُ، وأعادَ الضَمِيرَ عَلى الشَجَرِ مُذَكَّرًا مِن حَيْثُ راعى اللَفْظَ فَجاءَ كالتَمْرِ والحَصا وغَيْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلاقُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ﴿ فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ هَذا تَقْرِيرٌ وتَوْقِيفٌ عَلى أمْرٍ تَدُلُّ صِحَّتُهُ عَلى جَوازِ بَعْثِ الأجْسادِ مِنَ القُبُورِ وإعادَةِ المَوْتى.
وجُمِعَ الضَمِيرُ جَمْعُ مَن يَعْقِلُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ "مِثْلَهُمْ" ﴾ مِن حَيْثُ كانَتا مُتَضَمِّنَتَيْنِ مَن يَعْقِلُ مِنَ المَلائِكَةِ والثَقَلَيْنِ.
هَذا تَأْوِيلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الرُمّانِيُّ وغَيْرُهُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الناسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهم مِثالٌ لِلْبَعْثِ، وتَكُونُ الآيَةُ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَخَلْقُ السَماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ الناسِ ﴾ ، وقَرَأ سَلامُ أبُو المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي إسْحَقَ، ويَعْقُوبُ، والأعْرَجُ: "وَيَقْدِرُ" عَلى الِاسْتِقْبالِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "بِقادِرٍ" عَلى اسْمِ الفاعِلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الخَلّاقُ"، وقَرَأ الحَسَنُ: "الخالِقُ".
ورَفَعَ "فَيَكُونُ" عَلى مَعْنى: فَهو يَكُونُ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والكِسائِيُّ: [فَيَكُونَ] بِالنَصْبِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: لا يَنْصِبُ الكِسائِيُّ إذا لَمْ تَتَقَدَّمْ (أنْ)، ونَصَبَ ابْنُ عامِرٍ وإنْ لَمْ تَتَقَدَّمْ (أنْ)، والنَصْبُ هاهُنا قِراءَةُ ابْنِ مُحُيْصِنٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كُنْ" ﴾ أمْرٌ لِلشَّيْءِ المُخْتَرَعِ عِنْدَ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِهِ لا قَبْلَ ذَلِكَ ولا بَعْدَهُ، وإنَّما يُؤْمَرُ تَأْكِيدًا لِلْقُدْرَةِ وإشارَةً بِها، وهَذا أمْرٌ دُونَ حُرُوفٍ ولا أصْواتٍ، بَلْ مِن كَلامِهِ القائِمِ بِالذاتِ.
ثُمَّ نَزَّهَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ تَنْزِيهًا عامًّا مُطْلَقًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَلَكُوتُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ والتَيْمِيُّ: "مَلَكَةُ" ومَعْناهُ: ضَبْطُ كُلِّ شَيْءٍ والقُدْرَةُ عَلَيْهِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ يس والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ