المحرر الوجيز سورة فاطر

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة فاطر

تفسيرُ سورةِ فاطر كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 73 دقيقة قراءة

تفسير سورة فاطر كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُو۟لِىٓ أَجْنِحَةٍۢ مَّثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ ۚ يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ١ مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍۢ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٢ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ هَلْ مِنْ خَـٰلِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ٣ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِكَ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ٤ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ٥

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ فاطِرٍ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَماواتِ والأرْضِ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ يا أيُّها الناسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكم هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكم مِن السَماءِ والأرْضِ لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ وإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ ﴿ يا أيُّها الناسُ إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللهِ الغَرُورُ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "الحَمْدُ لِلَّهِ"، ﴾ الألِفُ واللامُ في "الحَمْدُ" لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ عَلى أتَمِّ عُمُومٍ؛ لِأنَّ الحَمْدَ بِالإطْلاقِ عَلى الأفْعالِ الشَرِيفَةِ والكَمالُ هو لِلَّهِ، والشُكْرُ مُسْتَغْرَقٌ فِيهِ؛ لِأنَّهُ فَصْلٌ مِن فُصُولِهِ.

و"فاطِرِ" مَعْناهُ: خالِقِ، لَكِنْ يَزِيدُ في المَعْنى الِانْفِرادُ بِالِابْتِداءِ لِخِلْقَتِها، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "أنا فَطَرْتُها"، أرادَ: بَدَأْتُ حَفْرَها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ما كُنْتُ أفْهَمُ مَعْنى "فاطِرٍ" حَتّى سَمِعْتُ قَوْلَ الأعْرابِيِّ.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ ؛ "الحَمْدُ لِلَّهِ فَطَرَ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "جاعِلِ" بِالخَفْضِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: [جاعِلُ] بِالرَفْعِ، عَلى قَطْعِ الصِفَةِ، وقَرَأ خالِدُ بْنُ نَشِيطٍ: [جَعَلَ] عَلى صِيغَةِ الماضِي "المَلائِكَةَ" نَصْبًا، فَأمّا عَلى هَذِهِ القِراءَةِ الأخِيرَةِ فَنُصِبَ قَوْلُهُ: "رُسُلًا" عَلى المَفْعُولِ الثانِي، وأمّا عَلى القِراءَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ فَقِيلَ: أرادَ بِـ"جاعِلِ" الِاسْتِقْبالَ؛ لِأنَّ القَضاءَ في الأزَلِ، وحُذِفَ التَنْوِينُ تَخْفِيفًا، وعَمِلَ عَمَلَ المُسْتَقْبَلِ في "رُسُلًا".

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "جاعِلِ" بِمَعْنى المُضِيِّ، و"رُسُلًا" نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ، و"رُسُلًا" مَعْناهُ: بِالوَحْيِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أوامِرَ، فَجِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وعِزْرائِيلُ وإسْرافِيلُ رُسُلٌ، والمَلائِكَةُ المُتَعاقِبُونَ رُسُلٌ، والمُسَدِّدُونَ لِحُكّامِ العَدْلِ رُسُلٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "رُسْلًا" بِسُكُونِ السِينِ.

و"أُولِي" جَمْعُ (ذُو)، ومِنهُ: التَقِيُّ ذُو نُهْيَةٍ، والقَوْمُ أُولُو نَهْيً، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ قَوْلِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَلامُ: ﴿ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا  ﴾ : عَلِمَتْ مَرْيَمُ أنَّ التَقِيَّ ذُو نُهْيَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ﴾ ألْفاظٌ مَعْدُولَةٌ مِنَ اثْنَيْنِ وثَلاثَةٍ وأرْبَعَةٍ، عُدِلَتْ في حالِ التَنْكِيرِ فَتَعَرَّفَتْ بِالعَدْلِ، فَهي لا تَنْصَرِفُ لِلْعَدْلِ والتَعْرِيفِ، وقِيلَ: لِلْعَدْلِ والصِفَةِ، وفائِدَةُ العَدْلِ الدَلالَةُ عَلى التَكْرارِ: لِأنَّ "مَثْنى" بِمَنزِلَةِ قَوْلِكِ: اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ.

وقالَ قَتادَةُ: إنَّ أنْواعَ المَلائِكَةِ هي هَكَذا، مِنها ما لَهُ جَناحانِ، ومِنها ما لَهُ ثَلاثَةٌ، ومِنها ما لَهُ أرْبَعَةٌ، وشَذَّ مِنها ما لَهُ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ سِتَّمِائَةِ جَناحٍ مِنها اثْنانِ تَبْلُغُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: إنَّ في كُلِّ جانِبٍ مِنَ المَلَكِ جَناحَيْنِ، ولِبَعْضِهِمْ أرْبَعَةٌ، وإلّا فَلَوْ كانَتْ ثَلاثَةٌ لِكُلِّ واحِدٍ لِما اعْتَدَلَتْ في مُعْتادِ ما رَأيْناهُ نَحْنُ مِنَ الأجْنِحَةِ، وقِيلَ: بَلْ هي ثَلاثَةٌ لِكُلِّ واحِدٍ كالحُوتِ، واللهُ أعْلَمُ بِذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ ﴾ تَقْرِيرٌ لِما يَقَعُ في النُفُوسِ مِنَ التَعَجُّبِ والِاسْتِغْرابِ عِنْدَ الخَبَرِ بِالمَلائِكَةِ أُولِي الأجْنِحَةِ، أيْ: لَيْسَ هَذا بِبِدْعٍ في قُدْرَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى؛ فَإنَّهُ يَزِيدُ في خَلْقِهِ ما يَشاءُ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ شِهابٍ أنَّهُما قالا: المَزِيدُ هو حُسْنُ الصَوْتِ، قالَ الهَيْثَمُ الفارِسِيُّ: رَأيْتُ النَبِيَّ  في النَوْمِ، فَقالَ لِي: "أنْتَ الهَيْثَمُ الَّذِي تُزَيِّنُ القُرْآنَ بِصَوْتِكَ، جَزاكَ اللهُ خَيْرًا"، وقِيلَ: الزِيادَةُ: الخَطُّ الحَسَنُ، وقالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "الخَطُّ الحَسَنُ يَزِيدُ الحَقَّ وُضُوحًا"،» وقالَ قَتادَةُ: الزِيادَةُ: مَلاحَةُ العَيْنَيْنِ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، وإنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ مَن ذَكَرَها عَلى جِهَةِ المِثالِ، لا أنَّ المَقْصُودَ هي فَقَطْ، وإنَّما مَثَّلُوا بِأشْياءَ هي زِياداتٌ خارِجَةٌ عَنِ الغالِبِ المُعْتادِ المَوْجُودِ كَثِيرًا، وباقِي الآيَةِ بَيْنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَفْتَحِ اللهُ ﴾ ، "ما" شَرْطٌ، و"يَفْتَحِ" جُزِمَ بِالشَرْطِ، و ﴿ مِن رَحْمَةٍ ﴾ عامٌّ في كُلِّ خَيْرٍ يُعْطِيهِ اللهُ لِعِبادِهِ جَماعَتِهِمْ وأفْرادِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: مِن بَعْدِ إمْساكِهِ، ومِن هَذِهِ الآيَةِ سَمَّتِ الصُوفِيَّةُ ما يُعْطاهُ (الصُوفِيُّ) مِنَ الأمْوالِ والمَطاعِمِ وغَيْرِ ذَلِكَ: الفُتُوحاتِ، ومِنها كانَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ: "مُطِرْنا بِنَوْءِ الفَتْحِ"، ويَقْرَأُ الآيَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الناسُ اذْكُرُوا ﴾ الآيَةُ...

خِطابٌ لِقُرَيْشٍ، وهو مُتَّجِهٌ لِكُلِّ كافِرٍ، ولا سِيَّما لِعُبّادِ غَيْرِ اللهِ، وذَكَّرَهم تَعالى بِنِعْمَةِ اللهِ عَلَيْهِمْ في خَلْقِهِمْ وإيجادِهِمْ، ثُمَّ اسْتَفْهَمَهم عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَوْقِيفِ بِقَوْلِهِ: ﴿ هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللهِ ﴾ ؟

أيْ: فَلَيْسَ الإلَهُ إلّا الخالِقُ، لا ما تَعْبُدُونَ أنْتُمْ مِنَ الأصْنامِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "غَيْرِ" بِالخَفْضِ نَعَتٌ عَلى اللَفْظِ، وخَبَرُ الِابْتِداءِ ﴿ "يَرْزُقُكُمْ"، ﴾ وبِها قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَقِيقٌ، وابْنُ وثّابٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَفْعِ، وهي قِراءَةُ شَيْبَةَ بْنِ نِصاحٍ، وعِيسى، والحَسْنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوجُهٍ: النَعْتُ عَلى المَوْضِعِ والخَبَرُ مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: في الوُجُودِ، أو في العالَمِ.

وأنْ يَكُونَ "غَيْرُ" خَبَرَ الِابْتِداءِ الَّذِي هو في المَجْرُورِ، والرَفْعُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، كَأنَّهُ قالَ: هَلْ خالِقٌ إلّا اللهُ؟

فَجَرَتْ "غَيْرُ" مَجْرى الفاعِلِ بَعْدَ إلّا.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ السَماءِ ﴾ يُرِيدُ: بِالمَطَرِ، ومِنَ "الأرْضِ" يُرِيدُ: بِالنَباتِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ أيْ:فَلا وجْهَ تُصْرَفُونَ "فِيهِ" عَنِ الحَقِّ.

ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ  بِما سَلَفَ مِن حالِ الرُسُلِ مَعَ الأُمَمِ، و"الأُمُورُ" تَعُمُّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ المَخْلُوقاتِ، إلى اللهِ مَصِيرُ جَمِيعِ ذَلِكَ عَلى اخْتِلافِ أحْوالِها، وفي هَذا وعِيدٌ لِلْكُفّارِ ووَعْدٌ لِلنَّبِيِّ  .

ثُمَّ وعَظَ جَمِيعَ العالِمِ وحَذَّرَهم غُرُورَ الدُنْيا بِنَعِيمِها وزُخْرُفِها، الشاغِلَةِ عَنِ المَعادِ الَّذِي لَهُ يَقُولُ الإنْسانُ: يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي، ولا يَنْفَعُهُ "لَيْتَ" يَوْمَئِذٍ، وحَذَّرَ غُرُورَ الشَيْطانِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ ﴾ عِبارَةٌ عن جَمِيعِ خَبَرِهِ عَزَّ وجَلَّ في خَيْرٍ وتَنْعِيمٍ أو عَذابٍ وعِقابٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الغَرُورُ" بِفَتْحِ الغَيْنِ، وهو الشَيْطانُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَرَأ سَمّاكٌ العَبْدِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ: "الغُرُورُ" بِضَمِّ الغَيْنِ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ غارٍّ كَجالِسٍ وجُلُوسٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ غَرٍّ، وهو مَصْدَرُ غَرَّهُ يَغُرُّهُ غَرًّا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وإنْ كانَ شاذًّا في الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ أنْ يَجِيءَ مَصْدَرُها عَلى "فُعُولٍ" لَكِنَّهُ قَدْ جاءَ: "لَزِمَهُ لُزُومًا"، و"نَهَكَهُ المَرَضُ نُهُوكًا"، فَهَذا مِثْلُهُ، وكَذَلِكَ هو مَصْدَرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَدَلاهُما بِغُرُورٍ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّۭ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُوا۟ حِزْبَهُۥ لِيَكُونُوا۟ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ ٦ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ ۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌۭ كَبِيرٌ ٧ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنًۭا ۖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۖ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَصْنَعُونَ ٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الشَيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَعِيرِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ ﴿ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الشَيْطانَ ﴾ الآيَةُ...

يُقَوِّي قِراءَةَ مَن قَرَأ: "الغَرُورُ" بِفَتْحِ الغَيْنِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ﴾ أيْ: بِالمُبايَنَةِ والمُقاطَعَةِ والمُخالَفَةِ لَهُ بِاتِّباعِ الشَرْعِ.

و"الحِزْبُ": الحاشِيَةُ والصاغِيَةُ، واللامُ في "لِيَكُونُوا" لامُ الصَيْرُورَةِ: لِأنَّهُ لَمْ يَدْعُهم إلى السَعِيرِ، وإنَّما اتَّفَقَ أنْ صارَ أمْرُهم عن دُعائِهِ إلى ذَلِكَ، و"السَعِيرُ" طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ، وهي سَبْعُ طَبَقاتٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وهَذا هو الحَسَنُ لِعَطْفِ الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهُما جُمْلَتانِ تَعادَلَتا، وجَوَّزَ بَعْضُ الناسِ أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ" بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في "يَكُونُوا"، وجَوَّزَ غَيْرُهُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلًا مِن "أصْحابِ"، وهَذا مُحْتَمَلٌ، غَيْرَ أنَّ الِابْتِداءَ أرْجَحُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ ﴾ الآيَةُ...

تَوْقِيفٌ، وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ عِنْدَ الكِسائِيِّ: تَذْهَبُ نَفْسُكَ حَسَراتٍ عَلَيْهِ، ويُمْكِنُ أنْ يَتَقَدَّرَ: كَمَنِ اهْتَدى، ونَحْوُ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ، وأحْسَنُها ما دَلَّ اللَفْظُ بَعْدُ عَلَيْهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "أمَّنْ" بِغَيْرِ فاءٍ، وهَذِهِ الآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عن كُفْرِ قَوْمِهِ، ووَجَبَ التَسْلِيمُ لِلَّهِ تَعالى في إضْلالِ مَن شاءَ وهِدايَةِ مَن شاءَ، وأمَرَ نَبِيَّهُ  بِالإعْراضِ عن أمْرِهِمْ، وألّا يَبْخَعَ نَفْسَهُ أسَفًا عَلَيْهِمْ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "تَذْهَبَ" بِفَتْحِ التاءِ والهاءِ "نَفْسُكَ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ، وعِيسى، والأشْهَبُ: "تُذْهِبْ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الهاءِ "نَفْسَكَ" نَصْبًا، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ.

و"الحَسْرَةُ": هَمُّ النَفْسِ عَلى فَواتِ أمْرٍ، واسْتَشْهَدَ ابْنُ زَيْدٍ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ  ﴾ ، ثُمَّ تَوَعَّدَ الكَفَرَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ ٱلرِّيَـٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابًۭا فَسُقْنَـٰهُ إِلَىٰ بَلَدٍۢ مَّيِّتٍۢ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ ٩ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُۥ ۚ وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ ۖ وَمَكْرُ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُوَ يَبُورُ ١٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واللهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذَلِكَ النُشُورُ ﴾ ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةَ جَمِيعًا إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَيِّبُ والعَمَلُ الصالِحُ يَرْفَعُهُ والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَيِّئاتِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ومَكْرُ أُولَئِكَ هو يَبُورُ ﴾ هَذِهِ آيَةُ احْتِجاجٍ عَلى الكَفَرَةِ في إنْكارِ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، فَدَلَّهم تَعالى عَلى المِثالِ الَّذِي يُعايِنُونَهُ وهو سَواءٌ مَعَ إحْياءِ المَوْتى.

و"البَلَدُ المَيِّتُ" هو الَّذِي لا نَبْتَ فِيهِ، قَدِ اغْبَرَّ مِنَ القَحْطِ، فَإذا أصابَهُ الماءُ مِنَ السَحابِ اخْضَرَّ وأنْبَتَ، فَتِلْكَ حَياتُهُ، و"النُشُورُ" مَصْدَرُ: نَشَرَ المَيِّتُ إذا حَيِيَ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: يا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ الناشِرِ وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ مَعانٍ: أحَدُها أنْ يُرِيدَ: مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ بِمُغالَبَةٍ فَلِلَّهِ العِزَّةُ، أيْ: لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ، ولا تَتِمُّ إلّا لَهُ، وهَذا المُغالِبُ مَغْلُوبٌ، ونَحا إلَيْهِ مُجاهِدٌ، وقالَ: مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ بِعِبادَةِ الأوثانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَمَسُّكٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا  ﴾ .

والمَعْنى الثانِي: مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ وطَرِيقَها القَوِيمَ، ويُحِبُّ نَيْلَها عَلى وجْهِها، فَلِلَّهِ العِزَّةُ، أيْ: بِهِ وعن أمْرِهِ، لا تُنالُ عِزَّتُهُ إلّا بِطاعَتِهِ، ونَحا إلَيْهِ قَتادَةُ.

والمَعْنى الثالِثُ - وقالَهُ الفَرّاءُ -: مَن كانَ يُرِيدُ عِلْمَ العِزَّةِ فَلِلَّهِ العِزَّةُ، أيْ: هو المُتَّصِفُ بِها.

و"جَمِيعًا" حالٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَيِّبُ ﴾ أيِ التَوْحِيدُ والتَمْجِيدُ وذِكْرُ اللهِ ونَحْوُهُ.

وقَرَأ الضَحّاكُ: "يُصْعَدُ" بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الكَلِمُ" وهو جَمْعُ كَلِمَةٍ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "الكَلامُ"، و"الطَيِّبُ": الَّذِي يُسْتَحْسَنُ سَماعُهُ الِاسْتِحْسانَ الشَرْعِيَّ.

وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: إنَّ لـِ"سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ" لَدَوِيًّا حَوْلَ العَرْشِ كَدَوِيِّ النَحْلِ، تُذَكِّرُ بِصاحِبِها.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والعَمَلُ الصالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ ، اخْتَلَفَ الناسُ في الضَمِيرِ، عَلى مَن يَعُودُ؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: يَعُودُ عَلى "العَمَلِ"، واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: فَقالَ قَوْمٌ: الفاعِلُ بـِ"يَرْفَعُ" هو "الكَلِمُ"، أيْ: والعَمَلُ يَرْفَعُهُ الكَلِمُ، وهو قَوْلُ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ"؛ لِأنَّهُ لا يَرْتَفِعُ عَمَلٌ إلّا بِتَوْحِيدٍ.

وقالَ بَعْضُهُمُ: الفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى اللهِ تَعالى، أيْ: والعَمَلُ الصالِحُ يَرْفَعُهُ هُوَ، وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، ومُجاهِدُ، وقَتادَةُ: الضَمِيرُ في "يَرْفَعُهُ" عائِدٌ عَلى "الكَلِمِ"، أيْ: إنَّ العَمَلَ الصالِحَ هو يَرْفَعُ الكَلِمَ، واخْتَلَفَتْ عِباراتُ أهْلُ هَذِهِ المَقالَةِ، فَقالَ بَعْضُها: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ العَبْدَ إذا ذَكَرَ اللهَ تَعالى، وقالَ كَلامًا طَيِّبًا، وأدّى فَرائِضَهُ، ارْتَفَعَ قَوْلُهُ مَعَ عَمَلِهِ، وإذا قالَ - ولَمْ يُؤَدِّ فَرائِضَهُ - رُدَّ قَوْلُهُ عَلى عَمَلِهِ وقِيلَ: عَمَلُهُ أولى بِهِ.

وهَذا قَوْلٌ يَرُدُّهُ مُعْتَقَدُ أهْلِ الحَقِّ والسُنَةِ، ولا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والحَقُّ أنَّ العاصِي التارِكَ لِلْفَرائِضِ إذا ذَكَرَ اللهَ تَعالى، وقالَ كَلامًا طَيِّبًا فَإنَّهُ مَكْتُوبٌ لَهُ، مُتَقَبَّلٌ مِنهُ، ولَهُ حَسَناتُهُ، وعَلَيْهِ سَيِّئاتُهُ، واللهُ يَتَقَبَّلُ مِن كُلِّ مَنِ اتَّقى الشِرْكَ، وأيْضًا فَإنَّ الكَلِمَ الطَيِّبَ عَمَلٌ صالِحٌ، وإنَّما يَسْتَقِيمُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: "إنَّ العَمَلَ هو الرافِعُ لَلْكَلِمِ" بِأنْ يَتَأوَّلَ أنَّهُ يَزِيدُ في رَفْعِهِ وحُسْنِ مَوْقِعِهِ إذا تَعاضَدَ مَعَهُ؛ كَما أنَّ صاحِبَ الأعْمالِ مِن صَلاةٍ وصِيامٍ وغَيْرِ ذَلِكَ - إذا تَخَلَّلَ أعْمالُهُ كَلِمٌ طَيِّبٌ، وذِكْرٌ لِلَّهِ - كانَتِ الأعْمالُ، أشْرَفَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ والعَمَلُ الصالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ مَوْعِظَةً وتَذْكِرَةً وحَضًّا عَلى الأعْمالِ.

وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "لا يَقْبَلُ اللهُ قَوْلًا إلّا بِعَمَلٍ، ولا عَمَلَ إلّا بِنِيَّةٍ"،» ومَعْناهُ: قَوْلًا يَتَضَمَّنُ أنَّ قائِلَهُ عَمِلَ عَمَلًا، أو يَعْمَلُهُ في الآنِفِ، وأمّا الأقْوالُ الَّتِي هي أعْمالٌ في نُفُوسِها - كالتَوْحِيدِ والتَسْبِيحِ - فَمَقْبُولَةٌ عَلى ما قَدَّمْناهُ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والعَمَلَ الصالِحَ" بِالنَصْبِ فِيهِما، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فـَ"يَرْفَعُهُ" مُسْنَدٌ إمّا إلى اللهِ تَعالى، وإمّا إلى "الكَلِمِ"، والضَمِيرُ في "يَرْفَعُهُ" عائِدٌ عَلى العَمَلِ لا غَيْرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَمْكُرُونَ السَيِّئاتِ ﴾ إمّا أنَّهُ عَدّى "يَمْكُرُونَ" لَمّا أحَلَّهُ مَحَلَّ "يَكْسِبُونَ"، وإمّا أنَّهُ حَذَفَ المَفْعُولَ وأقامَ صِفَتَهُ مَقامَهُ، وتَقْدِيرُهُ: يَمْكُرُونَ المَكَراتِ السَيِّئاتِ، و"يَمْكُرُونَ" مَعْناهُ: يَتَخابَثُونَ ويَخْدَعُونَ وهم يُظْهِرُونَ أنَّهم لا يَفْعَلُونَ.

و"يَبُورُ" مَعْناهُ: يَفْسُدُ ويَبْقى لا نَفْعَ فِيهِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: يَدْخُلُ في الآيَةِ أهْلُ الرِياءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ونُزُولُ الآيَةِ أوَّلًا في المُشْرِكِينَ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍۢ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍۢ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَٰجًۭا ۚ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ ۚ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍۢ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِۦٓ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌۭ ١١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واللهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلا في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ آيَةُ تَذْكِيرٍ بِصِفاتِ اللهِ تَعالى عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ، وهَذِهِ المُحاوَرَةُ إنَّما هي في أمْرِ الأصْنامِ وفي بَعْثِ الأجْسادِ مِنَ القُبُورِ، وقالَ تَعالى خَلَقَكم مِن تُرابٍ مِن حَيْثُ خَلَقَ آدَمَ أبانا مِنهُ عَلَيْهِ السَلامُ.

﴿ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ﴾ أيْ بِالتَناسُلِ مِن مَنِيِّ الرِجالِ، وأزْواجًا قِيلَ: مَعْناهُ: أنْواعًا، وقِيلَ: أرادَ تَزْوِيجَ الرِجالِ النِساءَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ﴾ الآيَةُ...

اخْتَلَفَ الناسُ في عَوْدِ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ ﴾ ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُ ما مُقْتَضاهُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى ﴿ " مُعَمَّرٍ " ﴾ الَّذِي هو اسْمُ جِنْسٍ، والمُرادُ غَيْرُ الَّذِي يُعَمَّرُ، أيْ أنَّ القَوْلَ تَضْمَّنَ شَخْصَيْنِ، يُعَمَّرُ أحَدُهُما مِائَةَ سَنَةٍ أو نَحْوَها، ويُنْقَصُ مِنَ الآخَرِ بِأنْ يَكُونَ عامًا واحِدًا أو نَحْوَهُ، وهَذا قَوْلُ الضَحّاكِ، وابْنُ زَيْدٍ، لَكِنَّهُ أعادَ ضَمِيرًا إيجازًا واخْتِصارًا، والبَيانُ التامُّ أنْ يَقُولَ: ولا يُنْقَصُ مِن عُمْرِ مُعَمَّرٍ ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ " ﴿ مُعَمَّرٍ " ﴾ هي بِمَنزِلَةِ: ذِي عُمْرٍ، كَأنَّهُ قالَ: ولا يُعَمَّرُ مِن ذِي عُمْرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمْرِ ذِي عُمْرٍ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا، وأبُو مالِكٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ شَخْصٌ واحِدٌ، وعَلَيْهِ يَعُودُ الضَمِيرُ، أيْ: ما يُعَمَّرُ إنْسانٌ ولا يُنْقَصُ مِن عُمْرِهِ، بِأنْ يُحْصى ما مَضى مِنهُ، إذا مَرَّ حَوْلٌ كُتِبَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَوْلٌ، فَهَذا هو النَقْصُ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ما مَضى مِن عُمْرِهِ فَهو النَقْصُ، وما يُسْتَقْبَلُ فَهو الَّذِي يُعَمَّرُهُ، ورُوِيَ عن كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ قالَ: المَعْنى: ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ، أيْ: لا يُخْتَرَمُ بِسَبَبِ قُدْرَةِ اللهِ تَعالى، ولَوْ شاءَ لَأخَّرَ ذَلِكَ السَبَبَ، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: حِينَ طُعِنَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ: "لَوْ دَعا اللهَ تَعالى لَزادَ في أجَلِهِ"، فَأنْكَرَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ ذَلِكَ، وقالُوا إنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً  ﴾ ، فاحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ.

وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ، يَقْتَضِي القَوْلَ بِالأجَلَيْنِ، وبِنَحْوِهِ تَمَسَّكَتِ المُعْتَزِلَةُ.

وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وابْنُ سِيرِينَ: "يَنْقُصُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أيْ: يَنْقُصُ اللهُ، وقَرَأ: "مِن عُمْرِهِ" بِسُكُونِ المِيمِ الحَسَنُ، وداوُدُ.

والكِتابُ المَذْكُورُ في الآيَةِ: اللَوْحُ المَحْفُوظُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى تَحْصِيلِ هَذِهِ الأعْمارِ واخْتِصارِ دَقائِقِها وساعاتِها.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا يَسْتَوِى ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌۭ فُرَاتٌۭ سَآئِغٌۭ شَرَابُهُۥ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌۭ ۖ وَمِن كُلٍّۢ تَأْكُلُونَ لَحْمًۭا طَرِيًّۭا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةًۭ تَلْبَسُونَهَا ۖ وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ١٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ هَذِهِ آيَةٌ أُخْرى يَسْتَدِلُّ بِها كُلُّ عاقِلٍ، ويَقْطَعُ أنَّها مِمّا لا مَدْخَلَ لِصَنَمٍ فِيهِ، و"البَحْرانِ" يُرِيدُ بِهِما جَمِيعَ الماءِ المِلْحِ وجَمِيعَ الماءِ العَذْبِ حَيْثُ كانَ، فَهو يَعْنِي بِهِ جُمْلَةَ هَذا وجُمْلَةَ هَذا، و"الفُراتُ": الشَدِيدُ العُذُوبَةِ، و"الأُجاجُ": الشَدِيدُ المُلُوحَةِ الَّتِي تَمِيلُ إلى المَرارَةِ مِن مُلُوحَتِهِ.

قالَ الرُمّانِيُّ: هو مِن: أجَّجْتُ النارَ، كَأنَّهُ يَحْرُقُ مِن حَرارَتِهِ.

وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "سَيِّغٌ شَرابُهُ" بِغَيْرِ ألْفٍ وبِشَدِّ الياءِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "مَلِحٌ" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللامِ.

وَ"اللَحْمُ الطَرِيُّ": الحُوتُ، وهو مَوْجُودٌ في البَحْرَيْنِ، وكَذَلِكَ الفُلْكُ تَجْرِي في البَحْرَيْنِ، وبَقِيَتِ الحِلْيَةُ وهي اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ، فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: هَذِهِ عِبارَةٌ تَقْتَضِي أنَّ الحِلْيَةَ تَخْرُجُ مِنهُما، وهي إنَّما تَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، وذَلِكَ يَجُوزُ، كَما قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ يَخْرُجُ مِنهُما اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ  ﴾ ، وكَما قالَ: ﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ  ﴾ ، والرُسُلُ إنَّما هي مِنَ الإنْسِ.

وقالَ بَعْضُ الناسِ: بَلِ الحِلْيَةُ تَخْرُجُ مِنَ البَحْرَيْنِ؛ وذَلِكَ أنَّ صَدَفَ اللُؤْلُؤِ إنَّما يَلْحَقُهُ - فِيما يَزْعُمُونَ - ماءُ السَماءِ، فَمِنهُ ما يُخْرَجُ ويُوجَدُ الجَوْهَرُ فِيهِ، ومِنهُ ما يَنْشَقُّ في البَحْرِ عِنْدَ مَوْتِهِ ويَقْطَعُهُ فَيَخْرُجُ جَوْهَرُهُ بِالعَطَشِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الحِيَلِ، فَهَذا هو مِنَ الماءِ الفُراتِ، فَنُسِبَ إلَيْهِ الإخْراجُ لِما كانَ مِنَ الحِلْيَةِ بِسَبَبٍ، وأيْضًا فَإنَّ البَحْرَ الفُراتَ كُلَّهُ يَنْصَبُّ في البَحْرِ الأُجاجِ فَيَجِيءُ الإخْراجُ مِنهُما جَمِيعًا، وقَدْ خُطِّئَ أبُو ذُؤَيْبٍ في قَوْلِهِ في صِفَةِ الجَوْهَرِ: فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطِمِيَّةِ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ ولَيْسَ ذَلِكَ بِخَطَإٍ عَلى ما ذَكَرْنا مِن تَأْوِيلِ هَذِهِ الفِرْقَةِ.

و"الفُلْكَ" في هَذا المَوْضِعِ جَمْعٌ بِدَلِيلِ صِفَتِهِ بِجَمْعٍ.

و"مَواخِرَ" جُمَعُ ماخِرَةٍ، وهي الَّتِي تَمْخُرُ الماءَ، أيْ تَشُقُّهُ، وقِيلَ: الماخِرَةُ: الَّتِي تَشُقُّ الرِيحَ، وحِينَئِذٍ يَحْدُثُ الصَوْتُ، والمَخْرُ: الصَوْتُ الَّذِي يَحْدُثُ مِن جَرْيِ السَفِينَةِ بِالرِيحِ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن هَذا بِعِباراتٍ لا تَخْتَصُّ بِاللَفْظَةِ، فَقالَ بَعْضُهُمُ: المَواخِرُ هِيَ الَّتِي تَجِيءُ وتَذْهَبُ بِرِيحٍ واحِدَةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: الرِيحُ تَمْخُرُ السُفُنَ، ولا تَمْخُرُ الرِيحُ مِنَ السُفُنِ إلّا الفَلَكَ العِظامَ، هَكَذا وقَعَ لَفْظُهُ في البُخارِيِّ، والصَوابُ أنْ تَكُونَ الفُلْكُ هي الماخِرَةُ لا المَمْخُورَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ [لِتَبْتَغُوا]﴾ يُرِيدُ بِالتِجارَةِ والحَجِّ والغَزْوِ وكُلِّ سَفَرٍ لَهُ وجْهٌ شَرْعِيٌّ.

<div class="verse-tafsir"

يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّۭ يَجْرِى لِأَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ ۚ وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ١٣ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا۟ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا۟ مَا ٱسْتَجَابُوا۟ لَكُمْ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍۢ ١٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ ويُولِجُ النَهارِ في اللَيْلَ وسَخَّرَ الشَمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴾ ﴿ إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكم ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكم ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكم ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ ﴿ "يُولِجُ" ﴾ مَعْناهُ: يُدْخِلُ، وهَذِهِ عِبارَةٌ عن أنَّ ما نَقَصَ مِنَ اللَيْلِ زادَ في النَهارِ، فَكَأنَّهُ دَخَلَ فِيهِ، وكَذَلِكَ ما نَقَصَ مِنَ النَهارِ يَدْخُلُ في اللَيْلِ.

والألِفُ واللامُ في ﴿ الشَمْسَ والقَمَرَ ﴾ هي لِلْعَهْدِ، وقِيلَ: هي زائِدَةٌ لا مَعْنى لَها ولا تَعْرِيفَ.

وهَذا هو الصَوابُ.

و"الأجَلُ المُسَمّى" هو قِيامُ الساعَةِ، وقِيلَ: آمادُ اللَيْلِ وآمادُ النَهارِ، فَـ"أجْلٌ" - عَلى هَذا - اسْمُ جِنْسٍ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "تَدْعُونَ" بِالتاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ ويَعْقُوبُ بِالياءِ.

و"القِطْمِيرُ": القِشْرَةُ الرَفِيعَةُ الَّتِي عَلى نَوى التَمْرَةِ، هَذا قَوْلُ الناسِ الحُجَّةِ، وقالَ جُوَيْبِرٌ عن رِجالِهِ: القِطْمِيرُ: القُمْعُ الَّذِي في رَأْسِ التَمْرَةِ، وقالَ الضَحّاكُ: والأوَّلُ أشْهَرُ وأصْوَبُ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أمْرَ الأصْنامِ بِثَلاثَةِ أشْياءٍ، كُلِّها تُعْطِي بُطْلانَها: أوَّلُها أنَّها لا تَسْمَعُ إنْ دُعِيَتْ، والثانِي أنَّها لا تُجِيبُ إنْ لَوْ سَمِعَتْ، وإنَّما جاءَ بِهَذِهِ لَأنَّ لِقائِلٍ مُتَعَسِّفٍ أنْ يَقُولَ: عَساها تَسَمْعُ، والثالِثُ أنَّها تَتَبَرَّأُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الكُفّارِ.

و ﴿ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ﴾ أيْ: بِأنْ جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ، فَأضافَ الشِرْكَ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ هم قَرَّرُوهُ، فَهو مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، وقَوْلُهُ: ﴿ "يَكْفُرُونَ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِكَلامٍ وعِبارَةٍ يُقْدِرُ اللهُ الأصْنامَ عَلَيْها، ويَخْلُقُ لَها إدْراكًا يَقْتَضِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِما يَظْهَرُ هُناكَ مِن جُمُودِها وبُطُولِها عِنْدَ حَرَكَةِ كُلِّ ناطِقٍ، ومُدافِعَةِ كُلِّ مُحْتَجٍّ، فَيَجِيءُ هَذا عَلى طَرِيقِ التَجَوُّزِ، كَما قالَ ذُو الرُمَّةِ: وقَفَتُ عَلى رَبْعٍ لِمَيَّةَ ناطِقٍ ∗∗∗ تُخاطِبُنِي آثارُهُ وأُخاطِبُهْ وأسْقِيهِ حَتّى كادَ مِمّا أبُثُّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ - قَتادَةُ وغَيْرِهُ -: الخَبِيرُ: أرادَ بِهِ تَعالى نَفْسَهُ، فَهو الخَبِيرُ الصادِقُ الخَبَرَ، نَبَّأ بِهَذا فَلا شَكَّ في وُقُوعِهِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ مِن تَمامِ ذِكْرِ الأصْنامِ، كَأنَّهُ قالَ: ولا يُخْبِرُكَ مِثْلُ مَن يُخْبِرُ عن نَفْسِهِ، وهي قَدْ أخْبَرَتْ عن نَفْسِها بِالكُفْرِ بِهَؤُلاءِ.

<div class="verse-tafsir"

۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ ١٥ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍۢ جَدِيدٍۢ ١٦ وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍۢ ١٧ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌۭ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰٓ ۗ إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِۦ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ١٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الناسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللهِ واللهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ ﴾ ﴿ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ﴿ وَما ذَلِكَ عَلى اللهِ بِعَزِيزٍ ﴾ ﴿ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ ولَوْ كانَ ذا قُرْبى إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وأقامُوا الصَلاةَ ومَن تَزَكّى فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ وإلى اللهِ المَصِيرُ ﴾ هَذِهِ آيَةُ مَوْعِظَةٍ وتَذْكِيرٍ، والإنْسانُ فَقِيرٌ إلى اللهِ تَعالى في دَقائِقِ الأُمُورِ وجَلائِلِها، لا يَسْتَغْنِي عنهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وهو بِهِ مُسْتَغْنٍ عن كُلِّ واحِدٍ، واللهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ الناسِ، وعن كُلِّ شَيْءٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ، غَنِيٌّ عَلى الإطْلاقِ، و"الحَمِيدُ": المَحْمُودُ بِالإطْلاقِ، وقَوْلُهُ: ﴿ "بِعَزِيزٍ" ﴾ أيْ: بِمُمْتَنِعٍ.

و"تَزِرُ" مَعْناهُ: تَحَمُلُ الوِزْرَ الثَقِيلَ، وهَذِهِ الآيَةُ في الذُنُوبِ والآثامِ والجَرائِمِ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدُ، وسَبَبُها أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ لِقَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ: اكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ وعَلَيَّ وِزْرُكُمْ، فَحَكَمَ اللهُ تَعالى بِأنَّها لا يَحْمِلُها أحَدٌ عن أحَدٍ، ومَن تَطَرَّقَ مِنَ الحُكّامِ إلى أخْذِ قَرِيبٍ بِقَرِيبِهِ في جَرِيمَةٍ - كَفِعْلِ زِيادٍ ونَحْوِهِ - فَإنَّ ذَلِكَ لِأنَّ المَأْخُوذَ رُبَّما أعانَ المُجْرِمَ بِمُؤازَرَةٍ ومُواصَلَةٍ، أوِ اطِّلاعٍ عَلى حالِهِ وتَقْرِيرٍ لَها، فَهو قَدْ أخَذَ مِنَ الجُرْمِ بِنَصِيبٍ، وهَذا هو المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالَهُمْ  ﴾ ، لِأنَّهم أغْوَوْهُمْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ  : « "مَن سَنَّ سَنَةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها بَعْدَهُ، ومَن سَنَّ سَنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها بَعْدَهُ"،» وأُنِّثَتْ ﴿ "وازِرَةٌ" ﴾ لِأنَّهُ ذَهَبَ بِها مَذْهَبَ النَفْسِ، وعَلى ذَلِكَ أُجْرِيَتْ ﴿ "مُثْقَلَةٌ".

﴾ والحِمْلُ: ما كانَ عَلى الظَهْرِ في الأجْرامِ، ويُسْتَعارُ لِلْمَعانِي كالذُنُوبِ ونَحْوِها، فَيُجْعَلُ كُلُّ مَحْمُولٍ مُتَّصِلًا بِالظَهْرِ، كَما يُجْعَلُ كُلُّ اكْتِسابٍ مَنسُوبًا إلى اليَدِ.

واسْمُ "كانَ" مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَوْ كانَ الداعِي.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى نَبِيَّهُ  أنَّهُ إنَّما يُنْذِرُ أهْلَ الخَشْيَةِ، وهُمُ الَّذِينَ يُمْنَحُونَ العَلَمَ، أيْ: إنَّما يَنْتَفِعُ بِالإنْذارِ هُمْ، وإلّا فَلِنِذارَةِ جَمِيعِ العالَمِ بَعْثَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "بِالغَيْبِ" ﴾ أيْ: وهو بِحال غَيْبَةٍ عنهُ، إنَّما هي رِسالَةٌ، ثُمَّ خَصَّصَ مِنَ الأعْمالِ إقامَةَ الصَلاةِ تَنْبِيهًا عَلَيْها وتَشْرِيفًا لَها.

ثُمَّ حَضَّ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى التَزَكِّي؛ بِأنْ رَجّى عَلَيْهِ غايَةَ التَرْجِيَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "وَمِنِ ازَّكّى فَإنَّما يَزَّكّى لِنَفْسِهِ".

ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإلى اللهِ المَصِيرُ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّ عِبارَةٍ مُقَصِّرَةٌ عن تَبْيِينِ فَصاحَةِ هَذِهِ الآيَةِ، وكَذَلِكَ كِتابُ اللهِ كُلُّهُ، ولَكِنْ يَظْهَرُ الأمْرُ لَنا نَحْنُ في مَواضِعَ أكْثَرَ مِنهُ في مَواضِعَ بِحَسْبِ تَقْصِيرِنا.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ١٩ وَلَا ٱلظُّلُمَـٰتُ وَلَا ٱلنُّورُ ٢٠ وَلَا ٱلظِّلُّ وَلَا ٱلْحَرُورُ ٢١ وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَحْيَآءُ وَلَا ٱلْأَمْوَٰتُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ ۖ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍۢ مَّن فِى ٱلْقُبُورِ ٢٢ إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ ٢٣ إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًۭا وَنَذِيرًۭا ۚ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌۭ ٢٤ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ ٢٥ ثُمَّ أَخَذْتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ٢٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ﴾ ﴿ وَلا الظُلُماتُ ولا النُورُ ﴾ ﴿ وَلا الظِلُّ ولا الحَرُورُ ﴾ ﴿ وَما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ إنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ ﴾ ﴿ إنْ أنْتَ إلا نَذِيرٌ ﴾ ﴿ إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ ﴾ ﴿ وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وبِالزُبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ ﴾ ﴿ ثُمَّ أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ مَضَمُونُ هَذِهِ الآيَةِ طَعْنٌ عَلى الكَفَرَةِ، وتَمْثِيلٌ لَهم بِالعُمْيِ والظُلُماتِ، وتَمْثِيلُ المُؤْمِنِينَ - بِإزائِهِمْ - بِالبُصَراءِ والأنْوارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا النُورُ ﴾ ودُخُولُ "لا" فِيها وفِيما بَعْدَها إنَّما هو عَلى نِيَّةِ التَكْرارِ، كَأنَّهُ قالَ: "وَلا الظُلُماتُ والنُورُ، ولا النُورُ والظُلُماتُ"، فاسْتَغْنى بِذِكْرِ الأوائِلِ عَنِ الثَوانِي، ودَلَّ مَذْكُورُ الآيَةِ عَلى مَتْرُوكِهِ.

و"الحَرُورُ" شِدَّةُ حَرِّ الشَمْسِ، وقالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ: الحَرُورُ بِاللَيْلِ والسَمُومُ بِالنَهارِ، ولَيْسَ كَما قالَ، وإنَّما الأمْرُ كَما حَكى الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: إنَّ السَمُومَ يَخْتَصُّ بِالنَهارِ، والحَرُورُ يُقالُ في حَرِّ اللَيْلِ وفي حَرِّ النَهارِ، وتَأوَّلَ قَوْمٌ الظِلَّ في هَذِهِ الآيَةِ: الجَنَّةَ، والحَرُورَ: جَهَنَّمَ.

وَشَبَّهَ المُؤْمِنِينَ بِالأحْياءِ، والكَفَرَةَ بِالأمْواتِ، مِن حَيْثُ لا يَفْهَمُونَ الذِكْرَ ولا يُقْبَلُونَ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ الأمْرَ إلى مَشِيئَةِ اللهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: " إنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ "، وقَوْله " وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ ".

وهَذا تَمْثِيلٌ بِما يُحِسُّهُ البَشَرُ ويُشاهِدُونَهُ، فَهم يَرَوْنَ أنَّ المَيِّتَ الَّذِي في القَبْرِ لا يَسْمَعُ، وأمّا الأرْواحُ فَلا تَرِدُ؛ إذْ تَتَضَمَّنُ الأحادِيثُ أنَّ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ في شَجَرٍ عِنْدَ العَرْشِ وفي قَنادِيلَ وغَيْرِ ذَلِكَ، وأنَّ أرْواحَ الكَفَرَةِ في سِجِّينٍ ونَحْوِهُ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ الأرْواحَ عِنْدَ القُبُورِ، فَرُبَّما سَمِعَتْ، وكَذَلِكَ أهْلُ قَلِيبِ بَدْرٍ إنَّما سَمِعَتْ أرْواحُهُمْ، وكَذَلِكَ سَماعُ المَيِّتِ خَفْقَ النِعالِ، إنَّما هو بَرَدِّ رُوحِهِ عَلَيْهِ عِنْدَ لِقاءِ المَلَكَيْنِ، فَهَذِهِ الآيَةُ لا تُعارُضُ حَدِيثَ القَلِيبِ؛ لِأنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى رَدَّ عَلى أُولَئِكَ أرْواحَهم لِيُوَبِّخَهُمْ، وهَذا عَلى قَوْلِ عُمَرَ وابْنِهِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُما - وهو الصَحِيحُ -: «إنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: "ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهُمْ"،» وأمّا عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها فَمَذْهَبُها أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمْ يُسْمِعْهُمْ، وأنَّهُ إنَّما قَصَدَ تَوْبِيخَ الأحْياءِ مِنَ الكَفَرَةِ، وجَعَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ أصْلًا، واحْتَجَّتْ بِها، فَمَثَّلَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَفَرَةَ بِالأشْخاصِ الَّتِي في القُبُورِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بِمُسْمِعِ مِن" عَلى الإضافَةِ.

ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ  بِقَوْلِهِ: ﴿ إنْ أنْتَ إلا نَذِيرٌ ﴾ ، أيْ: لَيْسَ عَلَيْكَ غَيْرُ ذَلِكَ، والهِدايَةُ والإضْلالُ إلى اللهِ تَعالى.

و"بَشِيرًا" مَعْناهُ: بِالنَعِيمِ الدائِمِ لِمَن آمَنَ، و"نَذِيرًا" مَعْناهُ: مِنَ العَذابِ الألِيمِ لِمَن كَفَرَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ ﴾ مَعْناهُ: إنَّ دَعْوَةَ اللهِ تَعالى قَدْ عَمَّتْ جَمِيعَ الخَلْقِ، وإنْ كانَ فِيهِمْ مَن لَمْ تُباشِرْهُ النِذارَةُ فَهو مِمَّنْ بَلَغَتْهُ؛ لِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ بُعِثَ إلى بَنِيهِ، ثُمَّ لَمْ تَنْقَطِعْ إلى وقْتِ مُحَمَّدٍ  ، والآياتُ الَّتِي تَتَضَمَّنُ أنَّ قُرَيْشًا لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مَعْناهُ: نَذِيرٌ مُباشِرٌ، وما ذَكَرَهُ المُتَكَلِّمُونَ مِن فَرْضِ أصْحابِ الفَتَراتِ ونَحْوِهِمْ فَإنَّما ذَلِكَ بِالفَرْضِ لا أنَّهُ تُوجِدُ أُمَّةٌ لَمْ تُعْلَمْ أنَّ في الأرْضِ دَعْوَةً إلى عِبادَةِ اللهِ.

ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ  بِما سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ لِأنْبِيائِهِمْ، و"البَيِّناتِ" و"الزُبُرِ" و"الكِتابِ المُنِيرِ" شَيْءٌ واحِدٌ، لَكِنَّهُ أكَّدَ أوصافَهُ بَعْضَها بِبَعْضٍ، وذَكَرَهُ بِجِهاتِهِ.

و"الزُبُرُ" مِن: زَبَرْتُ الكِتابَ إذا كَتَبْتُهُ.

ثُمَّ تَوَعَّدَ قُرَيْشًا بِذِكْرِهِ أخَذَ الأُمَمِ الكافِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٍۢ مُّخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهَا ۚ وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌۢ بِيضٌۭ وَحُمْرٌۭ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌۭ ٢٧ وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلْأَنْعَـٰمِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا۟ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ٢٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ ﴾ ﴿ وَمِنَ الناسِ والدَوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ كَذَلِكَ إنَّما يَخْشى اللهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ إنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ الرُؤْيَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "ألَمْ تَرَ" ﴾ رُؤْيَةُ القَلْبِ، وكُلُّ تَوْقِيفٍ في القُرْآنِ عَلى رُؤْيَةٍ فَهي رُؤْيَةُ القَلْبِ؛ لِأنَّ الحُجَّةَ بِها تَقُومُ، ولَكِنَّ رُؤْيَةَ القَلْبِ لا تَتَرَكَّبُ البَتَّةَ إلّا عَلى حاسَّةٍ، فَأحْيانًا تَكُونُ الحاسَّةُ البَصَرَ، وقَدْ تَكُونُ غَيْرَهُ، وهَذا يُعْرَفُ بِحَسْبِ الشَيْءِ المُتَكَلَّمِ فِيهِ، و"أنَّ" سادَّةٌ مُسَدَّ المَفْعُولَيْنِ الَّذِينَ لِلرُّؤْيَةِ، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، لِأنَّ "أنَّ" مَعَ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ جُمْلَةٌ، ولا يَلْزَمُ ذَلِكَ في قَوْلِكَ: رَأيْتُ وظَنَنْتُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَكَ ذَلِكَ لَيْسَ بِجُمْلَةٍ كَما هي "أنَّ" ومَذْهَبُ الزَجّاجِ أنَّ المَفْعُولَ الثانِيَ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً حَقًّا؟

ورَجَعَ مِن خِطابٍ بِذِكْرِ الغائِبِ إلى المُتَكَلِّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ لِأنَّها أهْيَبُ في العِبارَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "ألْوانُها" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الصُفْرَةَ والحُمْرَةَ والبَياضَ والسَوادَ وغَيْرَ ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا اطِّرادُ ذِكْرِ هَذِهِ الألْوانِ فِيما بَعْدُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الأنْواعَ، والمُعْتَبِرُ فِيهِ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - أكْثَرُ عَدَدًا.

و"جُدَدٌ" جَمْعُ جُدَّةٍ، وهي الطَرِيقَةُ تَكُونُ مِنَ الأرْضِ والجَبَلِ كالقِطْعَةِ العَظِيمَةِ المُتَّصِلَةِ طُولًا، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: كَأنَّ سَراتَهُ وجُدَّةَ ظَهْرِهِ ∗∗∗ كَنائِنُ يَجْرِي بَيْنَهُنَّ دَلِيصُ وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ في بَعْضِ كُتُبِهِ أنَّهُ يُقالُ: "جُدَدٌ" في جَمْعِ جَدِيدٍ، ولا مَدْخَلَ لِمَعْنى الجَدِيدِ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ: [جَدَدٌ] بِفَتْحِ الجِيمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَغَرابِيبُ سُودٌ ﴾ لَفْظانِ لِمَعْنىً واحِدٍ، وقالَ النَبِيُّ  : « "إنَّ اللهَ يُبْغِضُ الشَيْخَ الغِرْبِيبَ"،» أيِ الَّذِي يَخَضِبُ بِالسَوادِ، وقَدَّمَ الوَصْفَ الأبْلَغَ وكانَ حَقَّهُ أنْ يَتَأخَّرَ، وكَذَلِكَ هو في المَعْنى، لَكِنَّ كَلامَ العَرَبِ الفَصِيحَ يَأْتِي كَثِيرًا عَلى هَذا النَحْوِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ ﴾ قَبْلَهُ مَحْذُوفٌ إلَيْهِ يَعُودُ الضَمِيرُ، تَقْدِيرُهُ: "والأنْعامِ خَلْقٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ"، والدَوابُّ يَعُمُّ الناسَ، والأنْعامَ ولَكِنْ ذُكِرا تَنْبِيهًا مِنهُما.

وقَوْلُهُ: ﴿ "كَذَلِكَ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ فَيَجِيءُ الوَقْفُ عَلَيْهِ حَسَنًا، وإلى هَذا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الكَلامِ الثانِي، يَخْرُجُ مَخْرَجَ السَبَبِ، كَأنَّهُ قالَ: كَما جاءَتِ القُدْرَةُ في هَذا كُلِّهِ إنَّما يَخْشى اللهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ، أيِ المُحَصِّلُونَ لِهَذِهِ العِبَرِ، الناظِرُونَ فِيها.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الخَشْيَةُ رَأْسُ العَلَمِ، وهَذِهِ عِبارَةٌ وعْظِيَّةٌ لا تَثْبُتُ عِنْدَ النَقْدِ، بَلِ الصَحِيحُ المُطَّرِدُ أنْ يُقالَ: العِلْمُ رَأْسُ الخَشْيَةِ وسَبَبُها، والَّذِي ورَدَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "خَشْيَةُ اللهِ رَأسُ كُلِّ حِكْمَةٍ"،» وقالَ: « "رَأْسُ الحِكْمَةِ مَخافَةُ اللهِ"،» فَهَذا هو الكَلامُ المُنِيرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "كَفى بِالزُهْدِ عِلْمًا"، وقالَ مَسْرُوقٌ: "كَفى بِالمَرْءِ عِلْمًا أنْ يَخْشى اللهَ"، وقالَ تَعالى: ﴿ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى  ﴾ ، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أعْلَمُكم بِاللهِ أشَدُّكم لَهُ خَشْيَةً"،» وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: "مَن لَمْ يُخْشَ اللهَ فَلَيْسَ بِعالِمٍ"، ويُقالُ: إنَّ فاتِحَةَ الزَبُورِ: "رَأْسُ الحِكْمَةِ خَشْيَةُ اللهِ" وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "كَفى بِخَشْيَةِ اللهِ عِلْمًا، وبِالِاغْتِرارِ بِهِ جَهْلًا"، وقالَ مُجاهِدٌ والشَعْبِيُّ: "إنَّما العالِمُ مَن يَخْشى اللهَ"، و[إنَّما] في هَذِهِ الآيَةِ لِتَخْصِيصِ العُلَماءِ لا لِلْحَصْرِ، وهي لَفْظَةٌ تَصْلُحُ لِلْحَصْرِ، وتَأْتِي أيْضًا دُونَهُ، وإنَّما يُعْلَمُ ذَلِكَ بِحَسْبِ المَعْنى الَّذِي جاءَتْ فِيهِ، فَإذا قُلْتَ: إنَّما الشُجاعُ عنتَرَةُ، وقُلْتَ: إنَّما اللهُ إلَهٌ واحِدٌ، بانٍ لَكَ الفَرْقُ فَتَأمَّلْهُ.

وهَذِهِ الآيَةُ بِجُمْلَتِها دَلِيلٌ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ، والقَصْدُ بِها إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ يَرْجُونَ تِجَـٰرَةًۭ لَّن تَبُورَ ٢٩ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ غَفُورٌۭ شَكُورٌۭ ٣٠ وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ هُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِۦ لَخَبِيرٌۢ بَصِيرٌۭ ٣١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ وأقامُوا الصَلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ ﴾ ﴿ لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ ﴿ والَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ قالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِخِّيرِ: "هَذِهِ آيَةُ القُرّاءِ"، وهَذا عَلى أنَّ "يَتْلُونَ" بِمَعْنى: يَقْرَأُونَ، وإنْ جَعَلْناها بِمَعْنى: يَتَّبِعُونَ، صَحَّ مَعْنى الآيَةِ، وكانَتْ في القُرّاءِ وغَيْرِهِمْ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِأوصافِ الآيَةِ، و"كِتابَ اللهِ" هو القُرْآنُ، و"إقامَةُ الصَلاةِ" إقامَتُها بِجَمِيعِ شُرُوطِها، و"النَفَقَةُ" هي في الصَدَقاتِ ووُجُوهِ البِرِّ، فالسِرُّ مِن ذَلِكَ هو التَطَوُّعُ، والعَلانِيَةُ هو المَفْرُوضُ، و"يَرْجُونَ" جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ خَبَرُ "إنَّ"، و"تَبُورَ" مَعْناها: تَكْسُدُ ويَتَعَذَّرُ رِبْحُها، ويُقالُ: "نَعُوذُ بِاللهِ مِن بَوارِ الأيِّمِ".

واللامُ في ﴿ "لِيُوَفِّيَهُمْ" ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الآيَةِ، تَقْدِيرُهُ: وعَدَهم بِألا تَبُورُ إنْ فَعَلُواْ ذَلِكَ كُلَّهُ وأطاعُوهُ، ونَحْوُ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "وَيَزِيدَهُمْ" ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَضْعِيفُ الحَسَناتِ مِنَ العَشْرِ إلى السَبْعِمِائَةِ، وتَوْفِيَةُ الأُجُورِ - عَلى هَذا - هي المُجازاةُ مُقابَلَةً.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ التَضْعِيفَ داخِلٌ في تَوْفِيَةِ الأُجُورِ، وأمّا الزِيادَةُ مِن فَضْلِهِ فَهِيَ؛ إمّا النَظَرُ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ وإمّا الشَفاعَةُ في غَيْرِهِمْ، كَما قالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ  ﴾ ، و"غَفُورٌ" مَعْناهُ: مُتَجاوِزٌ عَنِ الذُنُوبِ ساتِرٌ لَها، و"شَكُورٌ" مَعْناهُ: مَجازٍ عَلى اليَسِيرِ مِنَ الطاعَةِ، مُقَرِّبٌ لِعَبْدِهِ بِهِ.

ثُمَّ ثَبَّتَ تَعالى أمْرَ نَبِيِّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ والَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ ﴾ الآيَةُ، و"مُصَدِّقًا" حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، والَّذِي بَيْنَ يَدَيِ القُرْآنِ هو التَوْراةُ والإنْجِيلُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ وعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌۭ لِّنَفْسِهِۦ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌۭ وَمِنْهُمْ سَابِقٌۢ بِٱلْخَيْرَٰتِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ ٣٢ جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍۢ وَلُؤْلُؤًۭا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌۭ ٣٣ وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌۭ شَكُورٌ ٣٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ أورَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ ﴾ ﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ ﴾ ﴿ وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ ﴿ "أورَثْنا" ﴾ مَعْناهُ: أعْطَيْناهُ فِرْقَةً بَعْدَ مَوْتِ فِرْقَةٍ، والمِيراثُ - حَقِيقَةً أو مَجازًا - إنَّما يُقالُ فِيما صارَ لِإنْسانٍ بَعْدَ مَوْتِ آخَرَ، والكِتابُ هُنا يُرِيدُ بِهِ مَعانِيَ الكِتابِ وعِلْمِهِ وأحْكامِهِ وعَقائِدِهِ، فَكَأنَّ اللهَ تَعالى لَمّا أعْطى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ  القُرْآنَ - وهو قَدْ تَضَمَّنَ مَعانِيَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ قَبْلَهُ - فَكَأنَّهُ ورَّثَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ  الكِتابَ الَّذِي كانَ في الأُمَمِ قَبْلَهم.

و ﴿ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا ﴾ يُرِيدُ بِهِمْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ، وكَأنَّ اللَفْظَ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ مِن كُلِّ أُمَّةٍ إلّا أنَّ عِبارَةَ تَوْرِيثِ الكِتابِ لَمْ تَكُنْ إلّا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، والأُوَلُ لَمْ يُوَرَّثُوهُ.

و"اصْطَفَيْنا": اخْتَرْنا وفَضَّلْنا، و"العِبادُ" عامٌّ في جَمِيعِ العالَمِ، مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ.

واخْتَلَفَ الناسُ في عَوْدِ الضَمِيرِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمِنهُمْ ﴾ ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهم ما مُقْتَضاهُ أنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى "الَّذِينَ"، والأصْنافُ الثَلاثَةُ هي كُلُّها في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، فـَ"الظالِمُ لِنَفْسِهِ": العاصِي المُسْرِفُ.

و"المُقْتَصِدُ": مُتَّقِي الكَبائِرِ، وهَوَ الجُمْهُورُ مِنَ الأُمَّةِ، و"السابِقُ": المُتَّقِي عَلى الإطْلاقِ، وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: والأصْنافُ الثَلاثَةُ في الجَنَّةِ، وقالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والضَمِيرُ في ﴿ "يَدْخُلُونَها" ﴾ عائِدٌ عَلى الأصْنافِ الثَلاثَةِ، قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها: دَخَلُوا الجَنَّةَ كُلُّهُمْ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: اسْتَوَتْ مَناكِبُهم ورَبِّ الكَعْبَةِ وتَفاضَلُوا بِأعْمالِهِمْ، وفي رِوايَةٍ: تَحاكَّتْ مَناكِبُهُمْ، وقالَ أبُو إسْحَقٍ السَبِيعِيُّ: أمّا الَّذِي سَمِعَتُ مُذْ سِتِّينَ سَنَةٍ، فَكُلُّهم ناجٍ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذِهِ الأُمَّةُ يَوْمَ القِيامَةِ أثْلاثٌ: ثُلْثٌ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، وثُلُثٌ يُحاسِبُونَ حِسابًا يَسِيرًا ثُمَّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وثُلُثٌ يَجِيئُونَ بِذُنُوبٍ عِظامٍ، فَيَقُولُ اللهُ: ما هَؤُلاءِ؟

- وهو أعْلَمُ بِهِمْ - فَتَقُولُ المَلائِكَةُ: هم مُذْنِبُونَ إلّا أنَّهم لَمْ يُشْرِكُوا، فَيَقُولُ عَزَّ وجَلَّ: أدْخِلُوهم في سَعَةِ رَحْمَتِي، وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: السابِقُ مَن أُسَلَمَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، والمُقْتَصِدُ مَن أسْلَمَ بَعْدَها، والظالِمُ نَحْنُ، وقالَ الحَسَنُ: السابِقُ مَن رَجَحَتْ حَسَناتُهُ، والمُقْتَصِدُ مَنِ اسْتَوَتْ بِسَيِّئاتِهِ، والظالِمُ مَن خَفَّتَ مَوازِينُهُ، وقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: السابِقُ العالِمُ، والمُقْتَصِدُ المُتَعَلِّمُ، والظالِمُ الجاهِلُ.

وقالَ ذُو النُونِ: الظالِمُ الذاكِرُ لِلَّهِ بِلِسانِهِ فَقَطْ، والمُقْتَصِدُ الذاكِرُ بِقَلْبِهِ، والسابِقُ الَّذِي لا يَنْساهُ.

وقالَ الأنْطاكِيُّ: الظالِمُ صاحِبُ الأقْوالِ، والمُقْتَصِدُ صاحِبُ الأفْعالِ، والسابِقُ صاحِبُ الأحْوالِ، ورَوى أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ «أنَّ النَبِيَّ  قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: "كُلُّهم في الجَنَّةِ"،»«وَقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ  : "سابِقُنا سابِقٌ، ومُقْتَصِدُنا ناجٍ، وظالِمُنا مَغْفُورٌ لَهُ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أنا سابِقُ العَرَبِ، وسَلْمانُ سابِقُ الفُرْسِ، وصُهَيْبٌ سابِقُ الرُومِ، وبِلالٌ سابِقُ الحَبَشَةِ"،» أرادَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّ هَؤُلاءِ رُؤُوسُ السابِقِينَ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "سابِقُنا أهْلُ جِهادٍ، ومُقْتَصِدُنا أهْلُ حَضَرِنا، وظالِمُنا أهُلَ بَدْوِنا، لا يَشْهَدُونَ جَماعَةً ولا جُمُعَةً".

وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والحُسْنُ، ما مُقْتَضاهُ أنَّ الضَمِيرَ في "مِنهُمْ" عائِدٌ عَلى "العِبادِ"، والظالِمُ لِنَفْسِهِ: الكافِرُ والمُنافِقُ، والمُقْتَصِدُ: المُؤْمِنُ العاصِي، والسابِقُ: التَقِيُّ عَلى الإطْلاقِ، قالُوا: وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً  ﴾ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "يَدْخُلُونَها" ﴾ - عَلى هَذا القَوْلِ - خاصٌّ عَلى الفِرْقَتَيْنِ: المُقْتَصِدُ والسابِقُ، والفِرْقَةُ الظالِمَةُ في النارِ، قالُوا: وبَعِيدٌ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُصْطَفى ظالِمٌ كَما يَقْتَضِي التَأْوِيلُ الأوَّلُ، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَدَّمَ الظالِمَ لِأنَّهُ لا يَتَّكِلُ إلّا عَلى رَحْمَةِ اللهِ، والمُقْتَصِدُ هو المُعْتَدِلُ في أُمُورِهِ، لا يُسْرِفُ في جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ، بَلْ يَلْزَمُ الوَسَطَ.

وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "خَيْرُ الأُمُورِ أوساطُها".» وقالَتْ فُرْقَةٌ - لا مَعْنى لِقَوْلِها -: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا ﴾ هُمُ الأنْبِياءُ، والظالِمُ لِنَفْسِهِ مِنهم مَن وقَعَ في صَغِيرَةٍ، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ مِن غَيْرِ ما وجْهٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "سابِقٌ بِالخَيْراتِ"، ﴾ وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: "سَبّاقٌ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِإذْنِ اللهِ ﴾ مَعْناهُ: بِأمْرِهِ ومَشِيئَتِهِ فِيمَن أحَبَّ مِن عِبادِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ ﴾ إشارَةٌ إلى الِاصْطِفاءِ وما يَكُونُ عنهُ مِنَ الرَحْمَةِ.

وقالَ الطَبَرَيُّ: السُبُوقُ بِالخَيِّراتِ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ، قالَ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: جَمَعَهم في دُخُولِ الجَنَّةِ لِأنَّهُ مِيراثٌ، والبارُّ والعاقُّ سَواءٌ في المِيراثِ مَعَ صِحَّةِ النَسَبِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ مَعَ صِحَّةِ الإيمانِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "جَنّاتُ" بِالرَفْعِ عَلى البَدَلِ مِنَ "الفَضْلُ"، وقَرَأ الجَحْدَرَيُّ: [جَنّاتِ] بِالنَصْبِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ﴿ "يَدْخُلُونَها"، ﴾ وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: "جَنَّةُ عَدْنٍ" عَلى الإفْرادِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "يُدْخَلُونَها" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الخاءِ.

و"أساوِرَ" جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارٍ، بِضَمِّ السِينِ وكَسْرِها، وفي حِرَفِ أبِيٍّ [أساوِيرَ]، وهو جَمْعُ أسْوارٍ، وقَدْ يُقالُ ذَلِكَ في الحُلِيِّ، ومَشْهُورُ أسْوارٍ أنَّهُ الجَيِّدُ الرَمْيِ مِن جُنْدِ الفُرْسِ، و"يُحَلَّوْنَ" مَعْناهُ: نِساءً ورِجالًا، وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "وَلُؤْلُؤًا" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "أساوِرَ"، وكانَ عاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - يَقْرَأُ: "وَلُولُؤًا" بِسُكُونِ الواوِ الأُولى دُونَ هَمْزٍ وبِهَمْزِ الثانِيَةِ، ورُوِيَ عنهُ ضِدُّ هَذا، وقَرَأ الباقُونَ: "وَلُؤْلُؤٍ" بِالهَمْزِ وبِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى ﴿ "أساوِرَ".

﴾ و"الحَزَنُ" في هَذِهِ الآيَةِ عامٌّ في جَمِيعِ أنْواعِ الأحْزانِ، وخَصَّصَ المُفَسِّرُونَ في هَذا هاهُنا، فَقالَ أبُو الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: حَزَنُ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ وما يُصِيبُ هُناكَ مِن ظَلَمِ نَفْسَهُ مِنَ الغَمِّ والحُزْنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: حَزَنُ جَهَنَّمَ، وقالَ عَطِيَّةُ: حَزَنُ المَوْتِ، وقالَ قَتادَةُ: حُزْنُ الدُنْيا في الخَوْفِ ألّا تُتَقَبَّلَ أعْمالُهُمْ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو جُزْءٌ مِنَ الحُزْنِ، ولا مَعْنى لِتَخْصِيصِ شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأحْزانِ؛ لِأنَّ الحُزْنَ أجْمَعَ قَدْ ذَهَبَ عنهم.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ وصَفُوهُ بِأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى يَغْفِرُ الذُنُوبَ، ويُجازِي عَلى القَلِيلِ مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ بِالكَثِيرِ مِنَ الثَوابِ، وهَذا هو شُكْرُهُ لا رَبَّ سِواهُ.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِىٓ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِۦ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌۭ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌۭ ٣٥ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا۟ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍۢ ٣٦ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحًا غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ۚ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا۟ فَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ٣٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عنهم مِن عَذابِها كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ﴾ ﴿ وَهم يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلْ أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مَن نَصِيرٍ ﴾ ﴿ "المُقامَةِ": ﴾ الإقامَةُ، مِن: أقامَ، والمَقامَةُ - بِفَتْحِ المِيمِ -: القِيامُ، وهي مِن: قامَ، و"دارَ المُقامَةِ": الجَنَّةُ.

و"النَصَبُ" تَعَبُ البَدَنِ، و"اللُغُوبُ" تَعَبُ النَفْسِ اللازِمُ مَن تَعِبِ البَدَنِ، وقالَ قَتادَةُ: اللُغُوبُ: الوَجَعُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ "لُغُوبٌ" بِضَمِّ اللامِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِي اللهُ عنهُ، والسُلَمِيُّ: "لَغُوبٌ" بِفَتْحِ اللامِ، أيْ: شَيْءٌ يُعْيِينا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا كالوُلُوغِ والوُضُوءِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن حالِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعادِلًا بِذَلِكَ الإخْبارَ قَبْلُ عَنِ الَّذِينَ اصْطَفى، وهَذا يُؤَيِّدُ تَأْوِيلَ مَن قالَ: إنَّ الثَلاثَةَ الأصْنافَ هي كُلُّها في الجَنَّةِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ الكافِرِينَ إنَّما جاءَ هاهُنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ ﴾ مَعْناهُ: لا يُجْهَزُ؛ لِأنَّهم لَوْ ماتُوا لَبَطَلَتْ حَواسُّهم فاسْتَراحُوا.

وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، والثَقَفِيُّ: "فَيَمُوتُونَ" ووَجْهُها العَطْفُ عَلى "يُقْضى"، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُخَفَّفُ عنهم مِن عَذابِها ﴾ لا يُعارِضُهُ قَوْلُهُ: ﴿ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا  ﴾ ؛ لِأنَّ المَعْنى: لا يُخَفَّفُ عنهم نَوْعُ عَذابِهِمْ، والنَوْعُ في نَفْسِهِ يَدْخُلُهُ أنْ تَخْبُوَ أو تُسَعَّرَ، ونَحْوُ ذَلِكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَجْزِي" بَنُونٍ، "كُلَّ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ -: [يُجْزى] بِياءٍ مَضْمُومَةٍ عَلى الفِعْلِ المَجْهُولِ [كُلَّ] رَفَعا.

و"يَصْطَرِخُونَ" يَفْتَعِلُونَ، مِنَ الصُراخِ، أصْلُهُ "يَصْتَرِخُونَ" فَأُبْدِلَتِ التاءُ طاءً لِقُرْبِ مَخْرَجِ الطاءِ مِنَ الصادِ، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرِهُ: فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿ أوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ﴾ ؟

عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ والتَوْبِيخِ.

و"ما" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ما يَتَذَكَّرُ ﴾ ظَرْفِيَّةٌ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُدَّةِ الَّتِي هي لِلتَّذْكِيرِ، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "البُلُوغُ"، يُرِيدُ أنَّهُ أوَّلُ حالِ التَذَكُّرِ، وقالَ قَتادَةُ: ثَمانِ عَشْرَةَ سَنَةً، وقالَتْ فِرْقَةٌ: عِشْرُونَ سَنَةً، وحَكى الزَجّاجُ: سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرْبَعُونَ سَنَةً، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ ورُوِيَتْ فِيهِ آثارٌ، ورُوِيَ أنَّ العَبْدَ إذا بَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً ولَمْ يَتُبْ مَسْحَ الشَيْطانُ عَلى وجْهِهِ، وقالَ: وجْهٌ لا يُفْلِحُ، وقالَ مَسْرُوقُ بْنُ الأجْدَعِ: مَن بَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً فَلْيَأْخُذْ حِذْرَهُ مِنَ اللهِ، ومِنهُ قَوْلُ القائِلِ: إذا المَرْءُ وفّى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَكُنْ ∗∗∗ لَهُ دُونَ ما يَأْتِي حَياءٌ ولا سَتْرُ فَدَعْهُ ولا تَنْفِسْ عَلَيْهِ الَّذِي ارْتَأى ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ جَرَّ أسْبابَ الحَياةِ لَهُ الدَهْرُ وقَدْ قالَ قَوْمٌ: الحَدُّ خَمْسُونَ، ومِنهُ قالَ القائِلُ: أخُو الخَمْسِينَ مُجْتَمِعٌ أشُدِّي ∗∗∗ ∗∗∗ ونَجْدٌ في مُداوَرَةِ الشُؤُونِ وقالَ آخَرُ: وإنَّ أمْرَأً قَدْ عاشَ خَمْسِينَ حُجَّةً ∗∗∗ ∗∗∗ إلى مَنهَلٍ مِن وِرْدِهِ لَقَرِيبُ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: الحَدُّ في ذَلِكَ سِتُّونَ، وهي سِنُّ الإعْذارِ، وهَذا أيْضًا قَوْلٌ حَسَنٌ مُتَّجِهٌ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نُودِيَ: أيْنَ أبْناءُ السِتِّينَ؟" وهو العُمْرُ الَّذِي قالَ اللهُ فِيهِ: أو لَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مِن تَذَكُّرَ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: " «مَن عَمَّرَهُ اللهُ سِتِّينَ سَنَةً فَقَدْ أعْذَرَ إلَيْهِ في العُمْرِ".» وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "ما يَتَذَكَّرُ"، ﴾ وقَرَأ الأعْمَشُ: "ما يَذَّكَّرُ"، [مَنِ اذَّكَرَ].

و[النَذِيرُ] في قَوْلِ الجُمْهُورِ: الأنْبِياءُ، وكُلُّ نَبِيٍّ نَذِيرُ أُمَّتِهِ ومُعاصِرِيهِ، ومُحَمَّدٌ  نَذِيرُ العالَمِ في غابِرِ الزَمَنِ، وقالَ الطَبَرَيُّ: "وَقِيلَ: النَذِيرُ الشَيْبُ"، وهو قَوْلٌ حَسَنٌ إلّا أنَّ الحُجَّةَ إنَّما تَقُومُ بِالنِذارَةِ الشَرْعِيَّةِ.

وباقِي الآيَةِ بَيْنٌ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱللَّهَ عَـٰلِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٣٨ هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُۥ ۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًۭا ۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًۭا ٣٩ قُلْ أَرَءَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌۭ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ أَمْ ءَاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰبًۭا فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَتٍۢ مِّنْهُ ۚ بَلْ إِن يَعِدُ ٱلظَّـٰلِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا ٤٠ ۞ إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍۢ مِّنۢ بَعْدِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًۭا ٤١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ عالِمُ غَيْبِ السَماواتِ والأرْضِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إلا مَقْتًا ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم إلا خَسارًا ﴾ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِن الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَماواتِ أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ بَلْ إنْ يَعِدُ الظالِمُونَ بَعْضُهم بَعْضًا إلا غُرُورًا ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنَّ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ هَذا ابْتِداءُ تَذْكِيرٍ بِاللهِ تَعالى، ودَلائِلُ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وصِفاتِهِ الَّتِي لا تَنْبَغِي الأُلُوهِيَّةُ إلّا مَعَها.

و"الغَيْبُ" ما غابَ عَنِ البَشَرِ.

و"ذاتُ الصُدُورِ" ما فِيها مِنَ المُعْتَقَداتِ والمَعانِي، ومِنهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ذُو بَطْنِ بِنْتٍ خارِجَةٍ "، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: "الذِئْبُ مَغْبُوطٌ بِذِي بَطْنِهِ"، أيْ بِالنَفْخِ الَّذِي فِيهِ، فَمَن رَآهُ يَظُنُّهُ سابِغًا قَرِيبَ عَهْدٍ بِأكْلٍ.

و"خَلائِفَ" جَمْعُ خَلِيفَةٍ، كَسَفِينَةٍ وسَفائِنَ ومَدِينَةٍ ومَدائِنَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: فَعَلَيْهِ وبالُ كُفْرِهِ وضَرَرُهُ، و"المَقْتُ" احْتِقارُكَ الإنْسانَ مِن أجْلِ مَعْصِيَتِهِ، أو بُغْضُهِ لِدِينِهِ الَّذِي يَأْتِيهِ، فَإنْ كانَ الِاحْتِقارُ تَعَسُّفًا مِنكَ فَلا يُسَمّى مَقْتًا، و"الخَسارُ" مَصْدَرٌ: مِن خَسِرَ يَخْسَرُ، أيْ: خَسِرُوا آخِرَتَهم ومَعادَهم بِأنْ صارُوا إلى النارِ والعَذابِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ ﴾ الآيَةُ، احْتِجاجٌ عَلى الكَفّارِ في بُطْلانِ أمْرِ أصْنامِهِمْ، وقَّفَهُمُ النَبِيُّ  - بِأمْرِ رَبِّهِمْ عَلى حُجَّتِهِمُ الَّتِي يَزْعُمُونَ أنَّها حَقٌّ، ثُمَّ وقَّفَهم - مَعَ اتِّضاحِ عَجْزِهِمْ عن خَلْقِ شَيْءٍ - عَلى السَمَواتِ، هَلْ لَهم فِيها شِرْكٌ؟

وظاهِرٌ بَعْدُ هَذا أيْضًا، ثُمَّ وقَّفَهم هَلْ عِنْدَهم كِتابٌ مِنَ اللهِ تَعالى يُبَيِّنُ لَهم فِيهِ ما قالُوهُ؟

أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ كُلُّهُ عِنْدَهُمْ، ثُمَّ أضْرَبَ بَعْدَ هَذا الجَحْدِ المُقَدَّرِ فَقالَ: إنَّما يَعِدُونَ أنْفُسَهم غُرُورًا.

و"أرَأيْتُمْ" تَتَنَزَّلُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مَنزِلَةَ "أخْبِرُونِي"، ولِذَلِكَ لا تَحْتاجُ إلى مَفْعُولَيْنِ، وأضافَ الشُرَكاءَ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ هم جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ، أيْ: لَيْسَ لِلْأصْنامِ شَرِكَةٌ بِوَجْهٍ إلّا بِقَوْلِكُمْ، فالواجِبُ إضافَتُها إلَيْكُمْ، و"تَدْعُونَ" مَعْناهُ: تَعْبُدُونَ.

و"الرُؤْيَةُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "أرُونِي" ﴾ رُؤْيَةُ بَصَرٍ، و"الشِرْكُ": الشَرِكَةُ، مَصْدَرٌ أيْضًا، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: [بَيِّناتٍ] بِالجَمْعِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ، ونافِعٌ - بِخِلافٍ عنهُ -: "بَيِّنَةٍ" بِالإفْرادِ، والمُرادُ بِهِ الجَمْعُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الإفْرادَ.

كَما تَقُولُ: أنا مِن هَذا الأمْرِ عَلى واضِحَةٍ، أو عَلى جَلِيَّةٍ.

و"الغُرُورُ" الَّذِي كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ قَوْلُهُمُ: الأصْنامُ تُقَرِّبُ مِنَ اللهِ زُلْفى، ونَحْوُهُ مِمّا يَغِيظُهم.

ولَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى ما يُبَيِّنُ فَسادَ أمْرِ الأصْنامِ، ووَقَفَ عَلى الحُجَّةِ عَلى بُطْلانِها، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ عَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، لِيَتَبَيَّنَ الشَيْءُ بِضِدِّهِ، وتَتَأكَّدَ حَقارَةُ الأصْنامِ بِذِكْرِ اللهِ تَعالى، فَأخْبَرَ عن إمْساكِهِ السَمَواتِ والأرْضَ بِالقُدْرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ تَزُولا ﴾ مَعْناهُ: كَراهَةَ أنْ تَزُولا، ولِئَلّا تَزُولا، ومَعْنى الزَوالِ هُنا التَنَقُّلُ مِن مَكانِها، والسُقُوطُ مَن عُلُوِّها، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: أنْ تَزُولا عَنِ الدَوَرانِ، ويَظْهِرُ مِن قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ السَماءَ لا تَدُورُ وإنَّما تَجْرِي فِيها الكَواكِبُ، وذَلِكَ أنَّ الطَبَرَيَّ أسْنَدَ أنَّ جُنْدُبًا البَجَلِيَّ رَحَلَ إلى كَعْبِ الأحْبارِ ثُمَّ رَجَعَ، فَقالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَدِّثْنا ما حَدَّثَكَ، فَقالَ: حَدَّثَنِي أنَّ السَماءَ في قُطْبٍ كَقُطْبِ الرَحى، وهو عَمُودٌ عَلى مَنكِبِ مَلَكٍ، فَقالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَوَدِدْتُ أنَّكَ افْتَدَيْتَ رِحْلَتَكَ بِمِثْلِ راحِلَتِكَ ورَحْلِكَ، ما تَمَكَّنَتِ اليَهُودِيَّةُ في قَلْبِ عَبْدٍ فَكادَتْ أنْ تُفارِقَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ إنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ﴾ وكَفى بِها زَوالًا أنْ تَدُورَ، ولَوْ دارَتْ لَكانَتْ قَدْ زالَتْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَئِنْ زالَتا ﴾ قِيلَ: يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ طَيِّ السَماءِ ونَسْفِ الجِبالِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولَئِنْ جاءَ وقْتُ زَوالِهِما، وقِيلَ: بَلْ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَوَهُّمِ والفَرْضِ، ولَئِنْ فَرَضْنا زَوالَهُما، وكَأنَّهُ قالَ: ولَوْ زالَتا، وقالَ بَعْضُهُمْ: "لَئِنْ" في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى "لَوْ"، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَلَوْ زالَتا".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "مِن بَعْدِهِ" ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: مِن بَعْدِ تَرْكِهِ الإمْساكَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: اتِّصافُهُ بِالحِلْمِ والغُفْرانِ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هو إشارَةٌ إلى أنَّ السَماءَ كادَتْ تَزُولُ والأرْضَ كَذَلِكَ لِإشْراكِ الكَفَرَةِ، فَيُمْسِكُهُما اللهُ حِلْمًا مِنهُ عَنِ المُشْرِكِينَ، وتَرَبُّصًا لِيَغْفِرَ لِمَن آمَنُ مِنهُمْ، كَما قالَ: ﴿ تَكادُ السَماواتُ يَتَفَطَّرْنَ  ﴾ الآيَةُ.

<div class="verse-tafsir"

وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌۭ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلْأُمَمِ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌۭ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا ٤٢ ٱسْتِكْبَارًۭا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَكْرَ ٱلسَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِۦ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ ٱلْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًۭا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلًا ٤٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلا نُفُورًا ﴾ ﴿ اسْتِكْبارًا في الأرْضِ ومَكْرَ السَيِّئِ ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَيِّئِ إلا بِأهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا سُنَّتَ الأوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلا ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلا ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَأقْسَمُوا" ﴾ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، كانَتْ قَبْلَ الإسْلامِ تَأْخُذُ عَلى اليَهُودِ والنَصارى في تَكْذِيبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وتَقُولُ لَوْ جاءَنا نَحْنُ رَسُولٌ لَكُنّا أهْدى مِن هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ.

و ﴿ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: بِغايَةِ اجْتِهادِهِمْ، و ﴿ إحْدى الأُمَمِ ﴾ يُرِيدُونَ اليَهُودَ والنَصارى، و"النُفُورُ": البُعْدُ عَنِ الشَيْءِ والفَزَعُ مِنهُ والِاسْتِبْشاعُ لَهُ.

و"اسْتِكْبارًا" قِيلَ فِيهِ: بَدَلٌ مِنَ النُفُورِ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ: نَفَرُوا مِن أجْلِ الِاسْتِكْبارِ، وأضافَ "المَكْرَ" إلى "السَيِّئِ" وهو صِفَةٌ، كَما قِيلَ: "دارُ الآخِرَةِ، ومَسْجِدُ الجامِعِ، وجانِبُ الغَرْبِيِّ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن ﴿ "السَيِّئِ" ﴾ وأسْكَنَها حَمْزَةُ وحْدَهُ، وهو في الثانِيَةِ بِرَفْعِ الهَمْزَةِ كالجَماعَةِ، ولَحَّنَ هَذِهِ القِراءَةَ الزَجّاجُ، ووَجَّهَها أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ بِوُجُوهٍ، مِنها أنْ يَكُونَ أسْكَنَ لِتَوالِي الحَرَكاتِ، كَما قالَ: قُلْتُ صاحِبْ قَوِّمِ عَلى أنَّ المُبَرِّدَ رَوى هَذا: "قُلْتُ صاحِ قَوِّمِ".

وكَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: فاليَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللهِ ولا واغِلِ عَلى أنَّ المُبَرِّدَ قَدْ رَواهُ: "فاليَوْمَ فاشْرَبْ"، وكَما قالَ جَرِيرٌ: سِيرُوا بَنِي العَمِّ فالأهْوازُ مَنزِلُكم ∗∗∗ ∗∗∗ ونَهْرُ تِيرى فَلَنْ تَعْرِفْكُمُ العَرَبُ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَمَكْرًا سَيِّئًا"، قالَ أبُو الفَتْحِ: يُعَضِّدُهُ تَنْكِيرُ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: "اسْتِكْبارًا".

و"يَحِيقُ" مَعْناهُ: يُحِيطُ ويَحِلُّ ويَنْزِلُ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في المَكْرُوهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ إلا بِأهْلِهِ ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَحِيقَ بِهِمْ إمّا في الدُنْيا وإلّا فَفي الآخِرَةِ، فَعاقِبَتُهُ الفاسِدَةُ لَهُمْ، وإنْ حاقَ في الدُنْيا بِغَيْرِهِمْ أحْيانًا فَعاقِبَةُ ذَلِكَ عَلى أهْلِهِ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ في التَوْراةِ: "مَن حَفْرِ حُفْرَةً لِأخِيهِ وقَعَ فِيها"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "أنا أوَجِدُكَ هَذا في كِتابِ اللهِ، ﴿ وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَيِّئُ إلا بِأهْلِهِ ﴾ .

و"يَنْظُرُونَ" مَعْناهُ: يَنْتَظِرُونَ.

و"السُنَّةُ": الطَرِيقَةُ والعادَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلا ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلا ﴾ أيْ: لِتَعْذِيبِهِ الكَفَرَةَ المُكَذِّبِينَ، وفي هَذا تَوَعُّدٌ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوٓا۟ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةًۭ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُۥ مِن شَىْءٍۢ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَلِيمًۭا قَدِيرًۭا ٤٤ وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا۟ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍۢ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِۦ بَصِيرًۢا ٤٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وكانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ في السَماواتِ ولا في الأرْضِ إنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ﴾ ﴿ وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ الناسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَإذا جاءَ أجَلُهم فَإنَّ اللهُ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا ﴾ لَمّا تَوَعَّدَهم تَعالى في الآيَةِ قَبْلَها بِسُنَّةِ الأوَّلِينَ، وأنَّهُ لا يُبَدِّلُها ولا يُحَوِّلُها في الكَفَرَةِ، وقَّفَهم في هَذِهِ الآيَةِ عَلى رُؤْيَتِهِمْ لِما رَأوا مِن ذَلِكَ في طَرِيقِ الشامِ وغَيْرِهِ، كَدِيارِ ثَمُودِ ونَحْوِها، و"يُعْجِزُهُ" مَعْناهُ يَفُوتُهُ ويُفْلِتُهُ، و"مِن" في قَوْلِهِ: ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، و ﴿ عَلِيمًا قَدِيرًا ﴾ صِفَتانِ لائِقَتانِ بِهَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّ مَعَهُما لا يَتَعَذَّرُ شَيْءٌ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى الوَجْهَ في إمْهالِهِ مَن أمْهَلَ مِن عِبادِهِ، أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِأنَّ الآخِرَةَ مِن وراءِ الجَمِيعِ، وفِيها يُسْتَوْفى جَزاءُ كُلِّ أحَدٍ، ولَوْ كانَ عَزَّ وجَلَّ يُجازِي عَلى الذُنُوبِ في الدُنْيا لِأُهْلِكَ الجَمِيعَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن دابَّةٍ ﴾ مُبالَغَةٌ، والمُرادُ بَنُو آدَمَ لِأنَّهُمُ المُجازَوْنَ، وقِيلَ: المُرادُ الجِنُّ، وقِيلَ: كُلُّ ما دَبَّ مِنَ الحَيَوانِ إذْ أكْثَرُهُ إنَّما هو لِمَنفَعَةِ ابْنِ آدَمَ وبِسَبَبِهِمْ.

والضَمِيرُ في ﴿ "ظَهْرِها" ﴾ عائِدٌ عَلى الأرْضِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها، ولَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ لَأمْكَنَ في هَذا المَوْضِعِ لِبَيانِ الأمْرِ، ولَكانَتْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ  ﴾ ونَحْوِهُ، و"الأجَلُ المُسَمّى" يَوْمُ القِيامَةِ.

وباقِي الآيَةِ تَوَعُّدٌ، وفِيهِ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ فاطِرٍ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله