المحرر الوجيز سورة الجاثية

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الجاثية

تفسيرُ سورةِ الجاثية كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 49 دقيقة قراءة

تفسير سورة الجاثية كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

حمٓ ١ تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ٢ إِنَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّلْمُؤْمِنِينَ ٣ وَفِى خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَـٰتٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ ٤ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن رِّزْقٍۢ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَـٰحِ ءَايَـٰتٌۭ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ٥ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۖ فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَـٰتِهِۦ يُؤْمِنُونَ ٦

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الجاثِيَةِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ حم ﴾ ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ إنَّ في السَماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ ﴿ واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ وما أنْزَلَ اللهُ مِنَ السَماءِ مِنَ رِزْقٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وتَصْرِيفِ الرِياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُوَرِ، و"تَنْزِيلُ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ أو عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، و"العَزِيزِ": مَعْناهُ: عامُّ في شِدَّةِ أخْذِهِ إذا انْتَقَمَ، ودِفاعِهِ إذا حَمِيَ ونَصَرَ، وغَيْرُ ذَلِكَ، و ﴿ "الحَكِيمِ": ﴾ المُحْكِمِ لِلْأشْياءِ، وذَكَرَ تَعالى الآياتِ الَّتِي في السَماواتِ والأرْضِ مُجْمَلَةً غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ، فَكَأنَّها إحالَةٌ عَلى غَوامِضَ تُثِيرُها الفِكْرُ، ويُخْبِرُ بِكَثِيرٍ مِنها الشَرْعُ، فَلِذَلِكَ جَعَلَها لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ في ضِمْنِ الإيمانِ العَقْلُ والتَصْدِيقُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى خَلْقَ البَشَرِ والحَيَوانِ وكَأنَّهُ أغْمَضَ مِمّا أحالَ عَلَيْهِ أوَّلًا وأكْثَرَ تَلْخِيصًا، فَجَعَلَهُ لِلْمُوقِنِينَ الَّذِينَ لَهم نَظَرٌ يُؤَدِّيهِمْ إلى اليَقِينِ في مُعْتَقَداتِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِلافَ اللَيْلِ والنَهارِ والعِبْرَةَ بِالمَطَرِ والرِياحِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، إذْ كَلُّ عاقِلٍ يَحْصُلُ هَذِهِ ويَفْهَمُ قَدْرَها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنْ كانَ هَذا النَظَرُ لَيْسَ بِلازِمٍ ولابُدَّ، فَإنَّ اللَفْظَ يُعْطِيهِ.

و ﴿ "يَبُثُّ" ﴾ مَعْناهُ: يُنْشَرُ في الأرْضِ، والدابَّةُ: كُلُّ حَيَوانٍ يَدُبُّ، أو يُمْكِنُ فِيهِ أنْ يَدُبَّ، يَدْخُلُ في ذَلِكَ الطَيْرُ والحُوتُ، وشاهِدُ الطَيْرِ قَوْلُ الشاعِرِ: .......................

∗∗∗ صَواعِقُها لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ وقَوْلُ الآخَرِ: ........................

∗∗∗ ∗∗∗ دَبِيبُ قَطا البَطْحاءِ في كُلِّ مَنهَلٍ وشاهِدُ الحُوتِ قَوْلُ أبِي مُوسى: "وَقَدْ ألْقى البَحْرُ دابَّةً مِثْلَ الظَرَبِ"، ودَوابُّ البَحْرِ لَفْظٌ مَشْهُورٌ في اللُغَةِ.

وَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "آياتٍ" بِالنَصْبِ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ.

وهي قِراءَةُ الجَحْدَرِيِّ، والأعْمَشِ، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: ﴿ "آياتٌ" ﴾ بِالرَفْعِ فِيهِما، فَأمّا مَن قَرَأ بِالنَصْبِ فَحَمَلَ "آياتٍ" في المَوْضِعَيْنِ عَلى نَصْبِ "إنَّ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ في السَماواتِ والأرْضِ لآياتٍ ﴾ ، ولا يَعْرِضُ في ذَلِكَ العَطْفَ عَلى عامَلَيْنِ الَّذِي لا يُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ وكَثِيرٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ، لِأنّا نُقَدِّرُ "فِي" مُعادَةٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ ﴾ ، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَفِي اخْتِلافِ"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ -عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ-: "وَفِي اخْتِلافِ اللَيْلِ"، وذَلِكَ أنَّ ذِكْرَها قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَفِي خَلْقِكُمْ" ﴾ فَلَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الجارِّ، جازَ حَذْفُهُ مِنَ الثانِي، ويُقَدَّرُ مُثْبَتًا، كَما قَدَّرَ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِ الشاعِرِ: أكُلُّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ∗∗∗ ∗∗∗ ونارٌ تُوقَدُ بِاللَيْلِ نارًا؟

أيْ: وكُلُّ نارٍ، وكَما قالَ الآخَرُ: أوصَيْتُ مِن بَرَّةٍ قَلْبًا حُرًّا ∗∗∗ ∗∗∗ بِالكَلْبِ خَيْرًا والحَماةَ شَرًّا أيْ: وبِالحَمْأةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الِاعْتِراضُ كُلُّهُ إنَّما هو في "آياتٌ" الثانِي، لِأنَّ الأوَّلَ قَبْلَهُ حَرْفُ الجَرِّ ظاهِرٌ، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في الثَلاثَةِ المَواضِعَ: "لَآياتٍ".

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ مَحْمُولٌ عَلى "إنَّ" في قِراءَةِ مَن أسْقَطَ اللاماتِ في الِاثْنَيْنِ الآخِيرَتَيْنِ.

وأمّا مَن رَفَعَ "آياتٍ" في المَوْضِعَيْنِ، فَوَجْهُهُ العَطْفُ عَلى مَوْضِعِ "إنَّ" وما عَمِلَتْ فِيهِ، لِأنَّ مَوْضِعَها رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ ﴾ مُسْتَأْنَفًا، ويَكُونُ الكَلامُ جُمْلَةً مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةٍ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ فَلا تَكُونُ غَرِيبَةً عَلى هَذا.

و"اخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ" إمّا بِالنُورِ والظَلامِ، وإمّا بِكَوْنِهِما خِلْفَةً، و"الرِزْقُ المُنَزَّلُ مِنَ السَماءِ": هو المَطَرُ، سَمّاهُ رِزْقًا بِمَآلِهِ، لِأنَّ جَمِيعَ ما يَرْتَزِقُ فَعَنِ المَطَرِ هُوَ، و"تَصْرِيفِ الرِياحِ": هو بِكَوْنِها صَبًّا ودَبُورًا وجَنُوبًا وشَمالًا، وأيْضًا فَبِكَوْنِها مَرَّةً رَحْمَةً ومَرَّةً عَذابًا، قالَهُ قَتادَةُ، وأيْضًا بِلِينِها وشِدَّتِها وحَرِّها وبَرْدِها، وقَرَأ طَلْحَةُ وعِيسى: "وَتَصْرِيفِ الرِيحِ" بِالإفْرادِ، وكَذَلِكَ في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا ما كانَ فِيهِ مُبَشِّراتٌ، وخالَفَ عِيسى في الحِجْرِ فَقَرَأ: "الرِياحَ لَواقِحَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ آياتُ اللهِ ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "نَتْلُوها" ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: نَتْلُو شَأْنَها وتَفْسِيرَها وشَرْحَ العِبْرَةِ لَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "آياتِ اللهِ": القُرْآنُ المُنَزَّلُ في هَذِهِ المَعانِي، فَلا يَكُونُ في "نَتْلُوها" حَذْفُ مُضافٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "بِالحَقِّ" ﴾ مَعْناهُ: بِالصِدْقِ والإعْلامِ بِحَقائِقِ الأُمُورِ في أنْفُسِها.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَبِأيِّ حَدِيثٍ ﴾ الآيَةُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ، وفِيهِ قُوَّةُ التَهْدِيدِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وَقَتادَةُ: "يُؤْمِنُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ أيْضًا، والأعْمَشُ: "تُؤْمِنُونَ" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ الكُفّارِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "تُوقِنُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ مِنَ اليَقِينِ.

<div class="verse-tafsir"

وَيْلٌۭ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍۢ ٧ يَسْمَعُ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًۭا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ ٨ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَـٰتِنَا شَيْـًٔا ٱتَّخَذَهَا هُزُوًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ ٩ مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ ۖ وَلَا يُغْنِى عَنْهُم مَّا كَسَبُوا۟ شَيْـًۭٔا وَلَا مَا ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٠ هَـٰذَا هُدًۭى ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌۭ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ ١١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ ﴾ ﴿ يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ ﴿ وَإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ ﴿ مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ ولا يُغْنِي عنهم ما كَسَبُوا شَيْئًا ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ أولِياءَ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ هَذا هُدًى والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ ﴾ "الوَيْلُ" في كَلامِ العَرَبِ: المَصائِبُ والحُزْنُ والهَمُّ والشِدَّةُ مِن هَذِهِ المَعانِي، وهي لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في الدُعاءِ عَلى الإنْسانِ.

ورُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا اسْمُهُ: ويْلٌ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ ومُقْتَضى اللُغَةِ أنَّهُ الدُعاءُ عَلى أهْلِ الإفْكِ والإثْمِ بِالمَعانِي المُتَقَدِّمَةِ، والأفّاكُ: الكَذّابُ الَّذِي يَقَعُ مِنهُ الإفْكُ مِرارًا، و"الأثِيمُ": بِناءُ مُبالَغَةٍ، اسْمُ فاعِلٍ مِن: أثِمَ يَأْثَمُ.

ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: النَضِرُ بْنُ الحارِثِ، والصَوابُ أنَّ سَبَبَها ما كانَ المَذْكُورانِ وغَيْرُهُما- يَفْعَلانِ، وأنَّها تَعُمُّ كُلَّ مَن دَخَلَ تَحْتَ الأوصافِ المَذْكُورَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

و"يُصِرُّ" مَعْناهُ: يَثْبُتُ عَلى عَقِيدَتِهِ مِنَ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ ، حَسَنٌ ذَلِكَ لِما أفْصَحَ عَنِ العَذابِ، ولَوْ كانَتِ البِشارَةُ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِشَيْءٍ لَما حَصَلَتْ إلّا عَلى المُحابِّ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَإذا عَلِمَ" ﴾ بِفَتْحِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ اللامِ، والمَعْنى: وإذا أخْبَرَ بِشَيْءٍ مِن آياتِنا، فَعَلِمَ نَفْسَ الخَبَرِ لا المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ، ولَوْ عِلْمُ المَعانِي الَّتِي تَتَضَمَّنَها أخْبارُ الشَرْعِ وعُرْفُ حَقائِقِها، لَكانَ مُؤْمِنًا، وقَرَأ قَتادَةُ، ومَطَرُ الوَرّاقِ: "وَإذا عُلِمَ" بِضَمِّ العَيْنِ وشَدِّ اللامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أُولَئِكَ" ﴾ رَدٌّ عَلى لَفْظِ "كُلِّ أفّاكٍ"، لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ لَهُ الصِفاتُ المَذْكُورَةُ بَعْدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ ﴾ قالَ فِيهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: مِن أمامِهِمْ، وهَذا كالخِلافِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ  ﴾ ، ولَحَظُّ قائِلٍ هَذِهِ المَقالَةَ الأمْرَ مِن حَيْثُ تَأوَّلَ أنَّ الإنْسانَ كَأنَّهُ مِن عُمْرِهِ يَسِيرُ إلى جَنَّةٍ أو نارٍ، فَهُما أمامَهُ، ولَيْسَ لَفْظُ "الوَراءِ" في اللُغَةِ كَذَلِكَ، وإنَّما هو ما يَأْتِي خَلْفَ الإنْسانِ، وإذا اعْتَبَرَ الأمْرُ بِالتَقَدُّمِ أوِ التَأخُّرِ في الوُجُودِ عَلى أنَّ الزَمانَ كالطَرِيقِ لِلْأشْياءِ اسْتَقامَ الأمْرُ، فَما يَأْتِي بَعْدَ الشَيْءِ في الزَمانِ فَهو وراءَهُ، فَكَأنَّ المَلِكَ وأخْذِهِ السَفِينَةَ وراءَ رُكُوبِ أُولَئِكَ إيّاها، وجَهَنَّمُ وإحْراقُها لِلْكُفّارِ يَأْتِي بَعْدَ كُفْرِهِمْ وأفْعالِهِمْ، وهَذا كَما تَقُولُ: افْعَلْ كَذا وأنا مِن ورائِكَ عَضُدًا، وكَما تَقُولُ ذَلِكَ عَلى التَهْدِيدِ: أنا مِن وراءِ التَقَصِّي عَلَيْكَ، ونَحْوُ هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا ما اتَّخَذُوا" يَعْنِي بِذَلِكَ الأوثانَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا هُدًى ﴾ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ -: "ألِيمٌ" عَلى النَعْتِ لـِ "عَذابٌ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ مُطْرَفٍ، وأهْلُ مَكَّةَ، وقَرَأ الباقُونَ: "ألِيمٍ" عَلى النَعْتِ لِـ "رِجْزٍ"، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وعِيسى، والأعْمَشُ.

و"الرِجْزُ": أشَدُّ العَذابِ، وقَوْلُهُ وتَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَلَهم عَذابٌ ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: لَهم حَظٌّ، فَمِن هَذِهِ الجِهَةِ ومِن جِهَةِ تَغايُرِ اللَفْظَتَيْنِ حَسَنٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَذابٌ مِن رِجْزٍ ﴾ إذِ الرِجْزُ هو العَذابُ.

<div class="verse-tafsir"

۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ لِتَجْرِىَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِۦ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ١٢ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ١٣ قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يَغْفِرُوا۟ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ لِيَجْزِىَ قَوْمًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ١٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَسَخَّرَ لَكم ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ هَذِهِ آيَةٌ عِبْرَةٌ في جَرَيانِ السَفِينَةِ في البَحْرِ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى سَخَّرَ هَذا المَخْلُوقَ العَظِيمَ لِهَذا المَخْلُوقِ الحَقِيرِ الضَعِيفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "بِأمْرِهِ"، ﴾ أنابَ القُدْرَةَ والإذْنَ مَنابَ أنْ يَأْمُرَ البَحْرَ والناسَ بِذَلِكَ، و"الِابْتِغاءَ مِن فَضْلِ اللهِ": هو بِالتِجارَةِ في الأغْلَبِ، وكَذَلِكَ مَقاصِدُ البَرِّ مِن حَجٍّ وجِهادٍ هي أيْضًا ابْتِغاءُ فَضْلٍ، والتَصَيُّدُ فِيهِ أيْضًا هو ابْتِغاءٌ فَضْلٍ.

و"تَسْخِيرُ ما في السَماواتِ": هو تَسْخِيرُ الشَمْسِ والقَمَرِ والنُجُومِ والسَحابِ والرِياحِ والهَواءِ والمَلائِكَةِ المُوَكَّلَةِ بِهَذا كُلِّهِ، ويُرْوى أنَّ بَعْضَ الأخْيارِ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ، فَقَدَّمَ إلَيْهِ رَغِيفًا، فَكَأنَّ الضَيْفَ احْتَقَرَهُ، فَقالَ لَهُ المُضِيفُ: لا تَحْتَقِرُهُ فَإنَّهُ لَمْ يَسْتَدِرْ حَتّى تُسَخَّرَ فِيهِ مِنَ المَخْلُوقاتِ والمَلائِكَةِ ثَلاثُمِائَةٌ وسِتُّونَ بَيْنَ ما ذَكَرْنا مِن مَخْلُوقاتِ السَماءِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ صُنّاعِ بَنِي آدَمَ المُوَصِّلِينَ إلى اسْتِدارَةِ الرَغِيفِ، و"تَسْخِيرِ ما في الأرْضِ" هو تَسْخِيرُ البَهائِمِ والمِياهِ والأودِيَةِ والجِبالِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "جَمِيعًا مِنهُ" ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كُلُّ إنْعامٍ فَهو مِنَ اللهِ تَعالى، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مِنهُ" وهو وقْفٌ جَيِّدٌ، وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: "مَنُّهُ" بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ النُونِ المَضْمُومَةِ، بِتَقْدِيرِ: هو مِنهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مِنَّةً" بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ النُونِ المُشَدَّدَةِ ونَصْبِ التاءِ عَلى المَصْدَرِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: سَنَدُ هَذِهِ القِراءَةِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مُظْلِمٌ، وحَكاها أبُو الفَتْحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، والجَحْدَرِيِّ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ أيْضًا: "مِنَّةٌ" بِكَسْرِ المِيمِ وبِالرَفْعِ في التاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةُ، آيَةٌ نَزَلَتْ في صَدْرِ الإسْلامِ، أمَرَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ فِيها أنْ يَتَجاوَزُوا عَنِ الكُفّارِ، وألّا يُعاقِبُوهم بِذَنْبٍ، بَلْ يَأْخُذُونَ أنْفُسَهم بِالصَبْرِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، والسُدِّيُّ.

قالَ أكْثَرُ الناسِ: وهَذِهِ آيَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ مُحْكَمَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والآيَةُ تَتَضَمَّنُ الغُفْرانَ عُمُومًا، فَيَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إنَّ الأُمُورَ العِظامَ كالقَتْلِ والكُفْرِ مُجاهَرَةً ونَحْوَ ذَلِكَ قَدْ نَسَخَ غُفْرانُهُ آيَةَ السَيْفِ والجِزْيَةِ وما أحْكَمَهُ الشَرْعُ لا مَحالَةَ، وإنَّ الأُمُورَ المُحَقِّرَةَ كالجَفاءِ في القَوْلِ ونَحْوِ ذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يُتَّقى مُحْكَمَةً، وأنْ يَكُونَ العَفْوُ عنها أقْرَبُ إلى التَقْوى.

«وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا  ﴾ قالَ فِنْحاصُ اليَهُودِيُّ: احْتاجَ رَبُّ مُحَمَّدٍ، تَعالى اللهُ عَزَّ وجَلَّ عن قَوْلِهِ، فَأخَذَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ سَيْفَهُ ومَّرَ لِيَقْتُلَهُ، فَرَدَّهُ رَسُولُ اللهِ  وقالَ: إنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا ﴾ الآيَةُ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا احْتِجاجٌ بِها مَعَ قِدَمِ نُزُولِها، وقَدْ ذَكَرَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ في عُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ لَمّا أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِمُشْرِكٍ شَتَمَهُ، وأمّا الجَزْمُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "يَغْفِرُوا" ﴾ فَهو جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وتَقْدِيرُهُ: قُلِ اغْفِرُوا، فَإنْ يُجِيبُوا يَغْفِرُوا، وأخْصَرُ مِن هَذا عِنْدِي أنَّ "قُلْ" هي بِمَثابَةِ: أنْدُبُ المُؤْمِنِينَ إلى الغَفْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيّامَ اللهِ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: أيّامُ إنْعامِهِ ونَصْرِهِ وتَنْعِيمِهِ في الجَنَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَـ "يَرْجُونَ" -عَلى هَذا- هو مِن بابِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أيّامَ اللهِ تَعالى هي أيّامُ نِعَمِهِ وعَذابِهِ، فَـ "يَرْجُونَ" -عَلى هَذا- هي الَّتِي تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ "يَخافُونَ"، وإنَّما تَنَزَّلَتْ مَنزِلَتَها مِن حَيْثُ الرَجاءِ والخَوْفِ مُتَلازِمانِ لا نَجِدُ أحَدَهُما إلّا والآخَرُ مَعَهُ مُقْتَرِنٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذا غَيْرَ مَرَّةٍ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ "لِيَجْزِيَ" بِالياءِ عَلى مَعْنى: لِيَجْزِيَ اللهُ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وَحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنُ وثّابٍ: "لِنَجْزِيَ" بِالنُونِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ -بِخِلافٍ عنهُ- "لِيُجْزى" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ ﴿ "قَوْمًا"، ﴾ وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: لِيَجْزِيَ الجَزاءَ قَوْمًا، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ١٥ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٦ وَءَاتَيْنَـٰهُم بَيِّنَـٰتٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْرِ ۖ فَمَا ٱخْتَلَفُوٓا۟ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ١٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُبُوَّةَ ورَزَقْناهم مِنَ الطَيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ ﴾ ﴿ وَآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ فَما اخْتَلَفُوا إلا مِنَ بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ لَمّا تَقَرَّرَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ أنَّ اللهَ يَجْزِي قَوْمًا بِكَسْبِهِمْ ويُعاقِبُهم عَلى ذُنُوبِهِمْ واجْتِرامِهِمْ، أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلِنَفْسِهِ" هي لامُ الحَظِّ، لِأنَّ الحُظُوظَ والمُحابَّ إنَّما تُسْتَعْمَلُ فِيها اللامُ الَّتِي هي كَلامُ المَلِكِ، تَقُولُ: "الأُمُورُ لِزَيْدٍ مُتَأتِّيَةٌ"، ويُسْتَعْمَلُ في ضِدِّ ذَلِكَ "عَلى"، فَتَقُولُ: "الأُمُورُ عَلى فُلانٍ مُسْتَصْعِبَةٌ"، وتَقُولُ: " لِزَيْدٍ مالٌ وعَلَيْهِ دَيْنٌ"، وكَذَلِكَ جاءَ العَمَلُ الصالِحُ في هَذِهِ بِاللامِ والإساءَةِ بِـ "عَلى"، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ ﴾ مَعْناهُ: إلى قَضائِهِ وحُكْمِهِ.

والكِتابَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ ﴾ هو التَوْراةُ، و"الحُكْمَ" هو السُنَّةُ والفِقْهُ، فَيُقالُ: إنَّهُ لَمْ يَتَّسِعْ فِقْهُ الأحْكامِ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ ما اتَّسَعَ عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والنُبُوَّةُ هي ما تُكَرَّرَ فِيهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَزَقْناهم مِنَ الطَيِّباتِ ﴾ يَعْنِي: المُسْتَلِذّاتُ الحَلالُ، وبِهَذا تَتِمُّ النِعْمَةُ ويَحْسُنُ تَعْدِيدُها، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى المَنِّ والسَلْوى، وطَيِّباتِ الشامِ بَعْدُ، إذْ هي الأرْضُ المُبارَكَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى الطَيِّباتِ، وتَلْخِيصُ قَوْلِ مالِكٍ والشافِعِيِّ في ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "عَلى العالَمِينَ" ﴾ يُرِيدُ: عَلى عالَمِ زَمانِهِمْ.

و"البَيِّناتُ مِنَ الأمْرِ": هو الوَحْيُ الَّذِي فُصِّلَتْ لَهم بِهِ الأُمُورُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى خَطَأهم وعَظَّمَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما اخْتَلَفُوا إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ ، وذَلِكَ أنَّهم لَوِ اخْتَلَفُوا اجْتِهادًا في طَلَبِ صَوابٍ، لَكانَ لَهم عُذْرٌ في الِاخْتِلافِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا بَغْيًا وقَدْ تَبَيَّنُوا الحَقائِقَ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَعالى بِوَقْفِ أمْرِهم عَلى قَضائِهِ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ جَعَلْنَـٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ١٨ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا۟ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًۭٔا ۚ وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۖ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُتَّقِينَ ١٩ هَـٰذَا بَصَـٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ ٢٠ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَوَآءًۭ مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ٢١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عنكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا وإنَّ الظالِمِينَ بَعْضُهم أولِياءُ بَعْضٍ واللهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ ﴾ ﴿ هَذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ ﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ المَعْنى: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ، فَلا مَحالَةَ أنَّهُ سَيَخْتَلِفُ عَلَيْكَ كَما تَقَدَّمَ لِبَنِي إسْرائِيلَ فاتَّبِعْ شَرِيعَتَكَ، والشَرِيعَةُ في كَلامِ العَرَبِ: المَوْضِعُ الَّذِي يَرِدُ فِيهِ الناسُ في الأنْهارِ والمِياهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ، وفي الشَرائِعِ مِن جِلّانِ مُقْتَنِصٍ ∗∗∗ رَثُّ الثِيابِ خَفِيُّ الشَخْصِ مُنْسَرِبِ فَشَرِيعَةُ الدِينِ هي مِن ذَلِكَ، كَأنَّها مِن حَيْثُ يَرُدُّ الناسُ أمْرَ اللهِ ورَحْمَتَهُ والقُرْبَ مِنهُ، وقالَ قَتادَةُ: الشَرائِعُ: الفَرائِضُ والحُدُودُ والأمْرُ والنَهْيُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "مِنَ الأمْرِ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ واحِدَ الأُمُورِ، أيْ: مِن دِينِ اللهِ تَعالى ونُبُوّاتِهِ الَّتِي بَثَّها في سالِفِ الزَمانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِن أمْرٍ يَأْمُرُ، أيْ: عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأوامِرِ والنَواهِي، فَسَمّى اللهُ تَعالى جَمِيعَ ذَلِكَ أمْرًا، و"الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ" هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ كانُوا يُرِيدُونَ صَرْفَ مُحَمَّدٍ  إلى إرادَتِهِمْ.

و ﴿ "يُغْنُوا" ﴾ مِنَ الغِناءِ، أيْ: لَنْ يَكُونَ لَهم عنكَ دِفاعٌ، ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى شَأْنَ الظالِمِينَ مُشِيرًا بِذَلِكَ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، ووَجْهُ التَحْقِيرِ أنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى قالَ: هَؤُلاءِ يَتَوَلّى بَعْضُهم بَعْضًا، والمُتَّقُونَ يَتَوَلّاهُمُ اللهُ تَعالى، فَخَرَجُوا عن وِلايَةِ اللهِ تَعالى وتَبَرَّأتْ مِنهُمْ، ووَكَلَهُمُ اللهُ تَعالى بَعْضَهم إلى بَعْضٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا بَصائِرُ لِلنّاسِ ﴾ يُرِيدُ القُرْآنَ، والبَصائِرَ جَمْعُ بَصِيرَةٍ، وهي المُعْتَقَدُ الوَثِيقُ في الشَيْءِ، كَأنَّهُ مَصْدَرٌ مِن إبْصارِ القَلْبِ، فالقُرْآنُ فِيهِ بَيِّناتٌ يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ بَصائِرَ، والبَصِيرَةُ في كَلامِ العَرَبِ: الطَرِيقَةُ مِنَ الدَمِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: راحُوا بَصائِرَهم عَلى أكْتافِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ وبَصِيرَتِي يَعْدُو بِها عَتَدٌ وأيَ وَفَسَّرَ الناسُ هَذا البَيْتَ بِطَرِيقَةِ الدَمِ؛ إذْ كانَتْ عادَةُ طالِبِ الدَمِ عِنْدَهم أنْ يَجْعَلَ طَرِيقَةً مِن دَمٍ خَلْفَ ظَهْرِهِ لِيَعْلَمَ بِذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ ثَأْرَهُ وأنَّهُ يَطْلُبُهُ، [وَيُظْهِرُ فِيهِ أنَّهُ يُرِيدُ بَصِيرَةَ القَلْبِ، أيْ: قَدِ اطَّرَحَ هَؤُلاءِ بَصائِرَهم وراءَ ظُهُورِهِمْ].

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ حَسِبَ ﴾ الآيَةُ قَوْلٌ يَقْتَضِي أنَّهُ نَزَلَ بِسَبَبِ افْتِخارٍ كانَ لِلْكُفّارِ عَلى المُؤْمِنِينَ، قالُوا: "لَئِنْ كانَتْ آخِرَةً كَما تَزْعُمُونَ لِنُفَضَّلَنَّ عَلَيْكم فِيها كَما فُضِّلْنا في الدُنْيا".

و"أمْ" هَذِهِ لَيْسَتْ بِمُعادَلَةٍ، وهي بِمَعْنى "بَلْ" مَعَ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، و ﴿ "اجْتَرَحُوا" ﴾ مَعْناهُ: اكْتَسَبُوا، ومِنهُ جَوارِحُ الإنْسانِ، وجَوارِحُ الصَيْدِ، وتَقُولُ العَرَبُ: "فُلانٌ جارِحَةُ أهْلِهِ"، أيْ: كاسِبُهُمْ، وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: "سَواءٌ" بِالرَفْعِ "مَحْياهم ومَماتُهُمْ" بِالرَفْعِ، وهَذا عَلى أنَّ "سَواءٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و ﴿ "مَحْياهم ومَماتُهُمْ" ﴾ خَبَرُهُ، و"كالَّذِينَ" في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثانِي لـِ "نَجْعَلُ"، وهَذا عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "مَحْياهُمْ" يُخْتَصُّ بِالكُفّارِ المُجْتَرِحِينَ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ خَبَرًا عن أنَّ حالَهم في الزَمَنَيْنِ حالُ سُوءٍ، والمَعْنى الثانِي: أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "مَحْياهُمْ" يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ، والمَعْنى: أنَّ مَحْيا هَؤُلاءِ ومَماتَهم سَواءٌ، وهو كَرِيمٌ، ومَحْيا هَؤُلاءِ ومَماتُهم سَواءٌ، وهو غَيْرُ كَرِيمٍ، ويَكُونُ اللَفْظُ قَدْ لَفَّ هَذا المَعْنى وذِهْنُ السامِعِ يُفَرِّقُهُ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ إبْعادُ أنْ يَجْعَلَ اللهُ تَعالى هَؤُلاءِ كَهَؤُلاءِ.

قالَ مُجاهِدٌ: المُؤْمِنُ يَمُوتُ مُؤْمِنًا ويُبْعَثُ مُؤْمِنًا، والكافِرُ يَمُوتُ كافِرًا ويُبْعَثُ كافِرًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: مُقْتَضِي هَذا الكَلامِ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ خَبَرٌ، ويَظْهَرُ لِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ ﴾ داخِلٌ في المُحْسِبَةِ المُنْكِرَةِ السَيِّئَةِ، وهَذا احْتِمالٌ حَسَنٌ، والأوَّلُ أيْضًا جَيِّدٌ، وقَرَأ طَلْحَةُ، وعِيسى، بِخِلافٍ عنهُ: "سَواءً" بِالنَصْبِ، "مَحْياهم ومَماتُهُمْ" بِالرَفْعِ، وهَذا يُحْتَمَلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "كالَّذِينَ" في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثانِي لـِ "نَجْعَلَ" كَما هو في قِراءَةِ الرَفْعِ، ويُنْصَبُ قَوْلُهُ تَعالى: "سَواءً" عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ فِي: "نَجْعَلَهُمْ"، والوَجْهُ الثانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "كالَّذِينَ" في نِيَّةِ التَأْخِيرِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: "سَواءً" مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ "نَجْعَلُ"، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ: "مَحْياهم ومَماتُهُمْ" مُرْتَفِعٌ بِـ "سَواءٌ" عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ، والأعْمَشُ: "سَواءً" بِالنَصْبِ "مَحْياهم ومَماتَهُمْ" بِالنَصْبِ، وذَلِكَ عَلى الظَرْفِ، أو عَلى أنْ يَكُونَ "مَحْياهُمْ" بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ فِي: "نَجْعَلَهُمْ" أيْ: نَجْعَلُ مَحْياهم ومَماتَهم سَواءً، وهَذِهِ الآيَةُ مُتَناوِلَةٌ بِلَفْظِها حالَ العُصاةِ مِن حالِ أهْلِ التَقْوى، وهي مَوْقِفٌ لِلْعارِفِينَ يَبْكُونَ عِنْدَهُ، ورُوِيَ عَنِ الرَبِيعِ بْنِ خَيْثَمَ أنَّهُ كانَ يُرَدِّدُها لَيْلَةً جَمْعاءَ، وكَذَلِكَ عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ، وكانَ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: لَيْتَ شِعْرِي مِن أيِّ الفَرِيقَيْنِ أنْتَ؟

وقالَ الثَعْلَبِيُّ: كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ تُسَمّى مُبْكاةَ العابِدِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأمّا لَفْظُها فَيُعْطِي أنَّهُ اجْتِراحُ الكُفْرِ بِدَلِيلِ مُعادَلَتِهِ بِالإيمانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُعادَلَةُ بَيْنَ الِاجْتِراحِ وعَمَلِ الصالِحاتِ، ويَكُونُ الإيمانُ في الفَرِيقَيْنِ، ولِهَذا بَكى الخائِفُونَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وإمّا مَفْعُولًا "حَسِبَ" فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أنْ نَجْعَلَهُمْ" ﴾ يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والتَقْدِيرُ: ساءَ الحُكْمُ حُكْمُهم.

<div class="verse-tafsir"

وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ٢٢ أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍۢ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِۦ وَقَلْبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَـٰوَةًۭ فَمَن يَهْدِيهِ مِنۢ بَعْدِ ٱللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٢٣ وَقَالُوا۟ مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ٢٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَخَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ ﴿ أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مَنِ بَعْدِ اللهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا ما هي إلا حَياتُنا الدُنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلا الدَهْرُ وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَظُنُّونَ ﴾ المَعْنى: وخَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ، فَإنَّ خَلْقَها حَقٌّ واجِبٌ مُتَأكِّدٌ في نَفْسِهِ لِما فِيهِ مِن فَيْضِ الخَيْراتِ، ولِتَدُلَّ عَلَيْهِ تَعالى، ولِتَكُونَ صَنْعَةً حاكِمَةً لِصانِعٍ، وقِيلَ لِبَعْضِ الحُكَماءِ: لِمَ خَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ؟

فَقالَ: لِيُظْهِرَ جَوْدَةَ صُنْعِهِ، واللامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "وَلِتُجْزى" يَظْهَرُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ، فَكَأنَّ الجَزاءَ مِن أسْبابِ خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الصَيْرُورَةِ، أيْ: وصارَ الأمْرُ فِيها مِن حَيْثُ اهْتَدى بِها قَوْمٌ وضَلَّ عنها آخَرُونَ لِأنْ يُجازى كُلُّ أحَدٍ بِعِلْمِهِ وبِما اكْتَسَبَ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أفَرَأيْتَ"، ﴾ سَهَّلَ بَعْضُ القُرّاءِ الهَمْزَةَ وحَقَّقَها قَوْمٌ، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ مُخَفَّفَةً، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أفَرَأيْتَ" دُونَ هَمْزٍ، وهَذِهِ الآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ  عَنِ الكُفّارِ المُعْرِضِينَ عَنِ الإيمانِ، أيْ: لا تَعْجَلْ بِهِمْ ولا تَهْتَمَّ بِأمْرِهِمْ، فَلَيْسَ فِيهِمْ حِيلَةً لِبَشَرٍ لِأنَّ اللهَ أضَلَّهُمْ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ﴿ "إلَهَهُ هَواهُ" ﴾ إشارَةٌ إلى الأصْنامِ؛ إذْ كانُوا يَعْبُدُونَ ما يَهْوُونَ مِنَ الحِجارَةِ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى: لا يَهْوى شَيْئًا إلّا رَكِبَهُ، لا يَخافُ اللهَ تَعالى، فَهَذا كَما يُقالُ: الهَوى إلَهٌ مَعْبُودٌ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وابْنُ جُبَيْرٍ: "إلَهَةُ هَواهُ" عَلى التَأْنِيثِ في "آلِهَةً"، وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ نَزَلَتْ في هَوى الكُفْرِ فَهي مُتَناوِلَةٌ جَمِيعَ هَوى النَفْسِ الأمارَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ما ذَكَرَ اللهُ تَعالى هَوًى إلّا ذِمَّةً، وقالَ الشَعْبِيُّ: سُمِّيَ هَوًى لَهَوِيَّةِ بِصاحِبِهِ، وقالَ النَبِيُّ  : « "والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها وتَمَنّى عَلى اللهِ"،» وقالَ سَهْلُ التُسْتُرِيِّ: "هَواكَ داؤُكَ، فَإنْ خالَفْتَهُ فَدَواؤُكَ".

وقالَ وهْبٌ: "إذا شَكَكْتَ في خَيْرِ أمْرَيْنِ، فانْظُرْ أبْعَدَهُما مِن هَواكَ فَأْتِهِ"، ومِن حِكْمَةِ الشِعْرِ في هَذا قَوْلُ القائِلِ: إذا أنْتَ لَمْ تَعْصِ الهَوى قادَكَ الهَوى ∗∗∗ إلى كُلِّ ما فِيهِ عَلَيْكَ مَقالُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "عَلى عِلْمٍ" ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: عَلى عِلْمٍ مِنَ اللهِ سابِقٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أيْ: عَلى عِلْمٍ مِن هَذا الضَلالِ فَإنَّ الحَقَّ هو الَّذِي يُتْرَكُ ويُعْرَضُ عنهُ، فَتَكُونُ الآيَةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مِن آياتِ العِنادِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ  ﴾ وعَلى كِلا التَأْوِيلَيْنِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "عَلى عِلْمٍ" حالٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً ﴾ اسْتِعاراتٌ كُلُّها، إذْ هَذا الضالُّ لا يَنْفَعُهُ ما يَسْمَعُ ولا ما يَفْهَمُ ولا ما يَرى، فَكَأنَّهُ بِهَذِهِ الأوصافِ المَذْكُورَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ لا حُجَّةَ لِلْجَبْرِيَّةِ فِيها، لِأنَّ التَكَسُّبَ فِيها مَنصُوصٌ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: "اتَّخَذَ"، وفي قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى عِلْمٍ" عَلى التَأْوِيلِ الأخِيرِ فِيهِ، ولَوْ لَمْ يَنُصَّ عَلى الِاكْتِسابِ لَكانَ مُرادًا في المَعْنى، وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: ﴿ "غِشاوَةً" ﴾ بِكَسْرِ الغَيْنِ.

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "غَشاوَةً" بِفَتْحِ الغَيْنِ، وهي لُغَةُ رَبِيعَةَ، وحُكِيَ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ: "غُشاوَةً" بِضَمِّ الغَيْنِ، وهي لُغَةُ عَكْلٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "غَشْوَةً" بِفَتْحِ الغَيْنِ وإسْكانِ الشِينِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ: "غِشْوَةً" بِكَسْرِ الغَيْنِ دُونَ ألِفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ اللهِ ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: مِن بَعْدِ إضْلالِ اللهِ إيّاهُ، وقَرَأ عاصِمٌ -وَأراهُ الجَحْدَرِيُّ-: "تَذَكَّرُونَ" بِتَخْفِيفِ الذالِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَذَّكَّرُونَ" عَلى الخِطابِ أيْضًا بِتَشْدِيدِ الذالِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "تَتَذَكَّرُونَ" بِتاءَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا ما هي إلا حَياتُنا الدُنْيا ﴾ الآيَةُ...

حِكايَةُ مُقالَةِ بَعْضِ قُرَيْشٍ، وهَذِهِ صِيغَةٌ دَهْرِيَّةٌ مِن كُفّارِ العَرَبِ، ومَعْنى قَوْلِهِمْ: ما في الوُجُودِ إلّا هَذِهِ الحَياةُ الَّتِي نَحْنُ فِيها ولَيْسَتْ ثَمَّ آخِرَةٌ ولا بَعْثٌ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿ نَمُوتُ ونَحْيا ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: نَحْنُ مَوْتى قَبْلَ أنْ نُوجَدَ، ثُمَّ نَحْيا في وقْتِ وُجُودِنا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: نَمُوتُ حِينَ نَحْنُ نُطَفٌ ودَمٌ، ثُمَّ نَحْيا بِالأرْواحِ فِينا، وهَذا قَوْلٌ قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ، ويَسْقُطُ عَلى القَوْلَيْنِ ذِكْرُ المَوْتِ المَعْرُوفِ الَّذِي هو خُرُوجُ الرُوحِ مِنَ الجَسَدِ، وهو الأهَمُّ في الذِكْرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: نَحْيا ونَمُوتُ، فَوَقَعَ في اللَفْظِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الغَرَضُ مِنَ اللَفْظِ العِبارَةُ عن حالِ النَوْعِ، فَكَأنَّ النَوْعَ بِجُمْلَتِهِ يَقُولُ: إنَّما نَحْنُ تَمُوتُ طائِفَةٌ وتَحْيا طائِفَةٌ دَأْبًا، وقَوْلَهُمْ: ﴿ وَما يُهْلِكُنا إلا الدَهْرُ ﴾ أيْ: طُولُ الزَمانِ، وهو المُهْلِكُ، لِأنَّ الأوقاتِ تَسْتَوِي فِيهِ كِمالاتُها، فَنَفى اللهُ تَعالى عنهم عِلْمَهم بِهَذا، وأعْلَمَ أنَّها ظُنُونٌ مِنهُمْ، وتَخَرُّصٌ يَقْضِي بِهِمْ إلى الإشْراكِ بِاللهِ تَعالى.

والدَهْرُ والزَمانُ تَسْتَعْمِلُهُما العَرَبُ بِمَعْنًى واحِدٍ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَما يُهْلِكُنا إلّا دَهْرٌ يَمُرُّ"، وقالَ مُجاهِدٌ: الدَهْرُ هُنا الزَمانُ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ «عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: "كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: إنَّما يُهْلِكُنا اللَيْلُ والنَهارُ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُفارِقُ هَذا الِاسْتِعْمالُ قَوْلَ النَبِيِّ  : « "لا تَسُبُّوا الدَهْرَ، فَإنَّ اللهَ تَعالى هو الدَهْرُ"،» وفي حَدِيثٍ آخَرَ قالَ اللهُ تَعالى: « "يَسُبُّ ابْنُ آدَمَ الدَهْرَ، وأنا الدَهْرُ بِيَدِي اللَيْلُ والنَهارُ"»، ومَعْنى هَذا الحَدِيثِ: فَإنَّ اللهَ تَعالى هو الَّذِي يَفْعَلُ ما تَنْسُبُونَهُ إلى الدَهْرِ وتَسُبُّونَهُ بِسَبِّهِ.

وإذا تُؤُمِّلَتْ أمْثِلَةُ هَذا في الكَلامِ ظَهَرَتْ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱئْتُوا۟ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٢٥ قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٢٦ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍۢ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ ٢٧ وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍۢ جَاثِيَةًۭ ۚ كُلُّ أُمَّةٍۢ تُدْعَىٰٓ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٢٨ هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٢٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهم إلا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ قُلِ اللهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ ويَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ ﴾ ﴿ وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلَّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ الضَمِيرُ فِي: ﴿ "عَلَيْهِمْ" ﴾ عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ.

و"الآياتُ": هي آياتُ القُرْآنِ وحُرُوفُهُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "تُتْلى"، ﴾ وعابَتْ هَذِهِ الآيَةُ سُوءَ مُقاوَلَتِهِمْ، وأنَّهم جَعَلُوا بَدَلَ الحُجَّةِ التَمَنِّي المُتَشَطِّطَ والطَلَبَ لِما قَدْ حَتَّمَ اللهُ تَعالى ألّا يَكُونَ إلّا إلى أجَلٍ مُسَمًّى.

وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وابْنُ عامِرٍ -فِيما رَوى عنهُ عَبْدُ الحَمِيدِ-، وعاصِمٌ -فِيما رَوى هارُونُ وحُسَيْنٌ عن أبِي بَكْرٍ عنهُ-: "حُجَّتُهُمْ" بِالرَفْعِ عَلى اسْمِ "كانَ" والخَبَرُ في "أنْ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "حُجَّتَهُمْ" بِالنَصْبِ عَلى مُقَدَّمٍ واسْمُ كانَ في "أنْ".

وكانَ بَعْضُ قُرَيْشٍ قَدْ قالَ: أحْيَ لَنا قَصِيًّا -فَإنَّهُ كانَ شَيْخٌ صَدَقَ- حَتّى نَسْألَهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن هَذا النَحْوِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقِيلَ لِمُحَمَّدٍ  : "ائْتُوا" مِن حَيْثُ المُخاطِبَةِ لَهُ، والمُرادُ هو وإلَهُهُ والمَلِكُ الوَسِيطُ الَّذِي ذَكَرَ هَوْلَهُمْ، فَجاءَ مِن ذَلِكَ جُمْلَةٌ قِيلِ لَها: "ائْتُوا" و"إنْ كُنْتُمْ".

ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ  أنْ يُخْبِرَهم بِالحالِ السالِفَةِ في عِلْمِ اللهِ تَعالى الَّتِي لا تُبَدَّلُ، وهي أنَّهُ يُحْيِي الخَلْقَ ويُمِيتُهم بَعْدَ ذَلِكَ ويَحْشُرُهم بَعْدَ إماتَتِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ أيْ: في نَفْسِهِ وذاتِهِ، والأكْثَرُ الَّذِي لا يَعْلَمُ هُمُ الكُفّارُ، و"الأكْثَرُ" هُنا عَلى بابِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: العامِلُ فِي: "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَخْسَرُ"، ﴾ وجاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَوْمَئِذٍ" ﴾ بَدَلًا مُؤَكَّدًا.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: العامِلُ فِي: "يَوْمَ" فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المُلْكُ، وذَلِكَ أنْ يَوْمَ القِيامَةِ حالٌ ثالِثَةٌ لَيْسَتْ بِالسَماءِ ولا بِالأرْضِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَتَبَدَّلُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ والمُلْكُ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَنْفَرِدُ "يَخْسَرُ" بِالعَمَلِ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَئِذٍ"، و ﴿ "المُبْطِلُونَ": ﴾ الداخِلُونَ في الباطِلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً ﴾ وصْفُ حالِ القِيامَةِ وهَوْلِها، والأُمَّةُ: الجَماعَةُ العَظِيمَةُ مِنَ الناسِ الَّتِي قَدْ جَمَعَها مَعْنًى أو وصْفٌ شامِلٌ لَها، وقالَ مُجاهِدٌ: الأُمَّةُ: الواحِدُ مِنَ الناسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَلَقٌ في اللُغَةِ، وإنْ قِيلَ في إبْراهِيمَ  : أُمَّةٌ، وقالَها النَبِيُّ  في قِسِّ بْنِ ساعِدَةَ، فَذَلِكَ تَجُوزُ عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ والتَشْبِيهِ.

و ﴿ "جاثِيَةً" ﴾ مَعْناهُ: عَلى الرَكْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والضَحّاكُ، وهي هَيْئَةُ المُذْنِبِ الخائِفِ المُعَظَّمِ، وفي حَدِيثٍ: « "فَجَثا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى رُكْبَتَيْهِ"».

وقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: في القِيامَةِ ساعَةَ قَدْرَ عَشْرِ سِنِينَ، يَخِرُّ الجَمِيعُ فِيها جُثاةً عَلى الرُكَبِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها" ﴾ بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ: "كُلَّ أُمَّةٍ تُدْعى" بِالنَصْبِ عَلى البَدَلِ مِن "كُلَّ" الأُولى، إذْ في "كُلَّ" الثانِيَةِ إيضاحٌ مُوجِبُ الجَثْوِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةٍ تُدْعى" بِإسْقاطِ "كُلَّ أُمَّةٍ" الثانِيَةِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: "إلى كِتابِها" فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ: إلى كِتابِها المُنَزَّلِ عَلَيْها فَتَحاكَمَ إلَيْهِ، هَلْ وافَقَتْهُ أو خالَفَتْهُ؟

وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ: إلى كِتابِها الَّذِي كَتَبَتْهُ الحَفَظَةُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأُمَّةِ، فَبِاجْتِماعِ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ: كِتابُها، وهُنا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا كِتابُنا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، أو إلى اللَوْحِ المَحْفُوظِ، قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ: يَشْهَدُ بِما سَبَقَ فِيهِ مِن سَعادَةٍ أو شَقاءٍ، أو تَكُونُ الكُتُبَ الحَفَظَةَ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي إلى القُرْآنِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: نَكْتُبُ، وحَقِيقَةُ النَسْخِ وإنْ كانَتْ أنْ يُنْقُلَ خَطٌّ مِن أصْلٍ يُنْظَرُ فِيهِ، فَإنَّ أعْمالَ العِبادِ هي في هَذا التَأْوِيلِ كالأصْلِ، فالمَعْنى: إنّا كُنّا نُقَيِّدُ كُلَّ ما عَمِلْتُمْ.

وقالَ الحَسَنُ: هو كُتُبُ الحَفَظَةِ عَلى بَنِي آدَمَ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ أنَّ اللهَ تَعالى يَأْمُرُ بِعَرْضِ أعْمالِ العِبادِ كُلَّ يَوْمِ خَمِيسٍ، فَيَنْقُلُ مِنَ الصُحُفِ الَّتِي رَفَعَ الحَفَظَةُ كُلَّ ما هو مُعَدٌّ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ ثَوابٌ أو عِقابٌ، ويُلْغى الباقِي، قالَتْ فِرْقَةٌ: فَهَذا هو النَسْخُ مِن أصْلٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ الحَفَظَةَ تَنْسَخُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ كُلَّ ما يَفْعَلُ العِبادُ ثُمَّ يُمْسِكُونَهُ عِنْدَهُمْ، فَتَأْتِي أفْعالُ العِبادِ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ فَتُقَيَّدُ أيْضًا، فَذَلِكَ هو الِاسْتِنْساخُ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما يَقُولُ: ألَسْتُمْ عَرَبًا؟

وهَلْ يَكُونُ الِاسْتِنْساخُ إلّا مِن أصْلٍ؟

<div class="verse-tafsir"

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى رَحْمَتِهِۦ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ ٣٠ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًۭا مُّجْرِمِينَ ٣١ وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَٱلسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّۭا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ٣٢ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ٣٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ ﴾ ﴿ وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ وَإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ والساعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما الساعَةُ إنَّ نَظُنُّ إلا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ﴾ ﴿ وَبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ذَكَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى حالَ الطائِفَتَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وقَرَنَ بَيْنَهم في الذِكْرِ لِيُبَيِّنَ الأمْرَ في نَفْسِ السامِعِ، فَإنَّ الأشْياءَ تَتَبَيَّنُ بِذِكْرِ أضْدادِها مَعَها، والفَوْزُ: هو نَيْلُ البُغْيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ ﴾ \[فِيهِ مَحْذُوفٌ\] فَإنَّ التَقْدِيرَ فِيهِ: وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيُقالُ لَهُمْ: ألَمْ تَكُنْ...، فَحَذَفَ "يُقالُ لَهُمُ" اخْتِصارًا وبَقِيَتِ الفاءُ دالَّةً عَلى الجَوابِ الَّذِي تَطْلُبُهُ "أمّا"، ثُمَّ قَدَّمَ عَلَيْها ألِفَ الِاسْتِفْهامِ مِن حَيْثُ لَهُ صَدْرُ القَوْلُ عَلى كُلِّ حالَةٍ، ووَقَفَ اللهُ تَعالى الكُفّارَ عَلى الِاسْتِكْبارِ؛ لِأنَّهُ مِن شَرِّ الخِلالِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "والساعَةَ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَعْدَ اللهِ ﴾ ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وعِيسى، والأعْمَشِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "حَقٌّ وإنَّ الساعَةَ لا رَيْبَ فِيها"، وكَذَلِكَ قَرَأ أيْضًا الأعْمَشُ.

وقَرَأ الباقُونَ: "والساعَةُ" رَفْعًا، ولِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما الِابْتِداءُ والِاسْتِئْنافُ، والثانِي: العَطْفُ عَلى مَوْضِعِ "إنَّ" وما عَمِلَتْ فِيهِ، لِأنَّ التَقْدِيرَ: "وَعْدُ اللهِ حَقٌّ"، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: لا يُعْطَفُ عَلى مَوْضِعِ "إنَّ"، إلّا إذا كانَ العامِلُ الَّذِي عَطَّلَتْهُ إنَّ باقِيًا، وكَذَلِكَ هي عَلى مَوْضِعِ الباءِ في قَوْلِهِ: ..................................

∗∗∗ فَلَسْنا بِالجِبالِ ولا الحَدِيدا فَلَمّا كانَتْ "لَيْسَ" نافِيَةً جازَ العَطْفُ عَلى المَوْضِعِ قَبْلَ دُخُولِ الباءِ، ويَظْهَرُ نَحْوُ هَذا النَظَرِ مِن كِتابِ سِيبَوَيْهِ، ولَكِنْ قَدْ ذَكَرْنا ما حَكى أبُو عَلِيٍّ وهو القُدْوَةُ، وقَوْلُهُمْ: ﴿ إنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا ﴾ مَعْناهُ: إنْ نَظُنُّ بَعْدَ قَبُولِ خَبِرِكم إلّا ظَنًّا، ولَيْسَ يُعْطِينا يَقِينًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَدا لَهُمْ ﴾ الآيَةُ...

حِكايَةُ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ، و"حاقَ": مَعْناهُ: نَزَلَ وَأحاطَ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في المَكْرُوهِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "ما كانُوا" ﴾ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: جَزاءُ ما كانُوا، أيْ: عِقابُ كَوْنِهِمْ يَسْتَهْزِءُونَ.

<div class="verse-tafsir"

وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَىٰكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا وَمَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّـٰصِرِينَ ٣٤ ذَٰلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًۭا وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ فَٱلْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ٣٥ فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلْأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٣٦ وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٣٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ومَأْواكُمُ النارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ ﴾ ﴿ ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللهِ هُزُوًا وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُنْيا فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ ﴿ فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ وَلَهُ الكِبْرِياءُ في السَماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ نَنْساكم مَعْناهُ: نَتْرُكُكم كَما تَرَكْتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا، فَلَمْ يَقَعْ مِنكُمُ اسْتِعْدادٌ لَهُ ولا تَأهَّبْتُمْ، فَسُمِّيَتِ العُقُوبَةُ في هَذِهِ الآيَةِ بِاسْمِ الذَنَبِ، والمَأْوى: المَوْضِعُ الَّذِي يَسْكُنُهُ الإنْسانُ ويَكُونُ فِيهِ عامَّةَ أوقاتِهِ أو كُلَّها أجْمَعُ، و"آياتِ اللهِ": لَفْظٌ جامِعٌ لِآياتِ القُرْآنِ ولِلْأدِلَّةِ الَّتِي نَصَبَها اللهُ تَعالى لِيَنْظُرَ فِيها العِبادُ.

وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: "لا يَخْرُجُونَ" بِضَمِّ الياءِ المَنقُوطَةِ مِن تَحْتٍ وفَتْحِ الراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ: "لا يَخْرُجُونَ" بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ، و ﴿ "يُسْتَعْتَبُونَ" ﴾ تَطَلَّبَ مِنهم مُراجَعَةً إلى عَمَلٍ صالِحٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلِلَّهِ الحَمْدُ ﴾ إلى آخِرِ السُورَةِ، تَحْمِيدٌ لَهُ تَعالى وتَحْقِيقٌ لِأُلُوهِيَّتِهِ، وفي ذَلِكَ كَسْرٌ لِأمْرِ الأصْنامِ والأنْصابِ، وقِراءَةُ الناسِ: "رَبِّ" بِالخَفْضِ في الثَلاثَةِ عَلى الصِفَةِ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِالرَفْعِ فِيها، عَلى مَعْنى: هو رَبٌّ، و ﴿ "الكِبْرِياءُ" ﴾ بِناءُ مُبالَغَةٍ، وفي الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ تَعالى: الكِبْرِياءُ رِدائِي، والعَظْمَةُ إزارِي، فَمَن نازَعَنِي مِنهُما شَيْئًا قَصَمْتُهُ".» كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الجاثِيَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله