المحرر الوجيز سورة الأحقاف

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الأحقاف

تفسيرُ سورةِ الأحقاف كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 73 دقيقة قراءة

تفسير سورة الأحقاف كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

حمٓ ١ تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ٢ مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَمَّآ أُنذِرُوا۟ مُعْرِضُونَ ٣ قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌۭ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ ۖ ٱئْتُونِى بِكِتَـٰبٍۢ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ أَوْ أَثَـٰرَةٍۢ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٤ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُۥٓ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَـٰفِلُونَ ٥ وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُوا۟ لَهُمْ أَعْدَآءًۭ وَكَانُوا۟ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ ٦

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الأحْقافِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ، لَمْ يَخْتَلِفْ فِيها إلّا في آيَتَيْنِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللهِ  ﴾ الآيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُسُلِ  ﴾ الآيَةُ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هاتانِ آيَتانِ مَدَنِيَّتانِ وُضِعَتا في سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ حم ﴾ ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ ما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِن الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أو أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ وَمَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مِن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عن دُعائِهِمْ غافِلُونَ ﴾ ﴿ وَإذا حُشِرَ الناسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ، و ﴿ "تَنْزِيلُ": ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، أو خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٌ، و ﴿ "الكِتابِ": ﴾ القُرْآنُ، و"العِزَّةُ" و"الإحْكامُ": صِفَتانِ مُقْتَضِيَتانِ أنَّ مَن هُما لَهُ غالَبَ كُلُّ مَن حادَّهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما خَلَقْنا السَماواتِ ﴾ الآيَةُ مَوْعِظَةٌ وزَجْرٌ، أيْ: فاشْهَدُوا أيُّها الناسُ وانْظُرُوا ما يُرادُ بِكم ولِمَ خُلِقْتُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ "إلا بِالحَقِّ" ﴾ مَعْناهُ: غَلا بِالواجِبِ الحَسَنِ الَّذِي قَدْ حَقَّ أنْ يَكُونَ، وبِـ"أجَلٍ مُسَمًّى": وقَّتْناهُ وجَعَلْناهُ مَوْعِدًا لِفَسادِ هَذِهِ البِنْيَةِ، وذَلِكَ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ﴾ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: عَنِ الإنْذارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، والتَقْدِيرُ: عن ذِكْرِ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ والتَحَفُّظُ مِنهُ، أو نَحْوُ هَذا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ "أرَأيْتُمْ" وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً، و"ما" مُفَعْوِلَةً بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُنَبِّهَةً لا تَتَعَدّى، وتَكُونُ "ما" اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ.

و ﴿ "تَدْعُونَ" ﴾ مَعْناهُ: تَعْبُدُونَ، قالَ الفَرّاءُ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "مَن تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِنَ الأرْضِ": "مِن": لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ كُلَّ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ مِن حَيَوانٍ ونَحْوِهِ فَهو مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ وقَّفَهم عَلى السَماواتِ، هَلْ لَهم فِيها شِرْكٌ؟

ثُمَّ اسْتَدْعى تَعالى مِنهم كِتابًا مُنَزَّلًا قَبْلَ القُرْآنِ يَتَضَمَّنُ عِبادَةَ صَنَمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو أثارَةٍ مِن عِلْمٍ ﴾ مَعْناهُ: أو بَقِيَّةٌ قَدِيمَةٌ مِن عِلْمِ أحَدِ العُلَماءِ يَقْتَضِي عِبادَةَ الأصْنامِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "أو أثارَةٍ" ﴾ عَلى المَصْدَرِ، كالشَجاعَةِ والسَماحَةِ، وهي البَقِيَّةُ مِنَ الشَيْءِ كَأنَّها أثَرُهُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: مِن عِلْمٍ تَسْتَخْرِجُونَهُ فَتُثِيرُونَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: هَلْ مِن أحَدٍ يَأْثِرُ عِلْمًا في ذَلِكَ، وقالَ القُرَظِيُّ: هو الإسْنادُ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الأعْشى: إنَّ الَّذِي فِيهِ تَمارَيْتُما ∗∗∗ بَيِّنٌ لِلسّامِعِ والآثِرِ أيْ: ولِلْمُسْنَدِ عن غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَما خَلَّفْتَ بِها ذاكِرًا ولا آثِرًا"، وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَحْمَنِ، وقَتادَةُ: المَعْنى: وخاصَّةً مِن عِلْمٍ، فاشْتِقاقُها مِنَ الأثَرَةِ، كَأنَّها قَدْ آثَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِها مَن هي عِنْدَهُ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ بِ "الأثارَةِ": الخَطُّ في التُرابِ، وذَلِكَ شَيْءٌ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ وتَتَكَهَّنُ بِهِ وتَزْجُرُ، وهَذا مِنَ البَقِيَّةِ والأثَرِ، ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ سُئِلَ عن ذَلِكَ، فَقالَ: "كانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يَخُطُّهُ، فَمَن وافَقَ خَطَّهُ فَذاكَ"»، وظاهِرُ الحَدِيثِ يُقَوِّي أمْرَ الخَطِّ في التُرابِ، وأنَّهُ شَيْءٌ لَهُ وجْهٌ إذا وُفِّقَ أحَدٌ إلَيْهِ، وهَكَذا تَأوَّلَهُ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ مَعْناهُ الإنْكارُ، أيْ: أنَّهُ كانَ مِن فِعْلِ نَبِيٍّ قَدْ ذَهَبَ، وذَهَبَ الوَحْيُ إلَيْهِ والإلْهامُ في ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: « "فَمَن وافَقَ خَطَّهُ"» عَلى جِهَةِ الإبْعادِ، أيْ: إنَّ ذَلِكَ لا يُمْكِنُ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ مُيَسِّرٍ لِذَلِكَ، وهَذا كَما يَسْألُكَ أحَدٌ فَيَقُولُ: أيَطِيرُ الإنْسانُ؟

فَتَقُولُ: إنَّما يَطِيرُ الطائِرُ، فَمَن كانَ لَهُ مِنَ الناسِ جَناحانِ طارَ، أيْ: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ.

والأثارَةُ تُسْتَعْمَلُ في بَقِيَّةِ الشَرَفِ، فَيُقالُ: إنْ لِبَنِي فُلانٍ أثارَةٌ مِن شَرَفٍ، إذا كانَتْ عِنْدَهم شَواهِدُ قِدَمِهِ، وتُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ ذَلِكَ، كَقَوْلِ الراعِي: وذاتِ أثارَةٍ أكَلَتْ عَلَيْهِ ∗∗∗ ∗∗∗ نَباتًا في أكِمَّتِهِ فَفارا يُرِيدُ: الأثارَةُ مِنَ الشَحْمِ، أيِ: البَقِيَّةُ.

وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ -فِيما حَكى الطَبَرِيُّ -: "أو أثَرَةً" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والثاءِ والراءِ دُونَ ألِفٍ، وحَكاها أبُو الفَتْحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، وعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، والأعْمَشِ، وهي واحِدَةٌ جَمْعُها أثَرٍ كَقَتَرَةٍ وقَتَرٍ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ أنَّ عِكْرِمَةَ قَرَأ: "أو مِيراثٍ مِن عِلْمٍ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والسِلْمِيُّ -فِيما حَكى أبُو الفَتْحِ-: "أثْرَةً" بِسُكُونِ الثاءِ، وهي الفِعْلَةُ الواحِدَةُ مِمّا يُؤْثَرُ، أيْ: قَدْ قَنَعْتُ لَكم بِحُجَّةٍ واحِدَةٍ وتَخَيُّرٍ واحِدٍ وأثَرٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِكُمْ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثاءِ، وهَذِهِ كُلُّها بِمَعْنى: هَلْ عِنْدَكم شَيْءٌ خَصَّكُمُ اللهُ بِهِ مَن عِلْمٍ وآثَرَكم بِهِ؟

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أضَلُّ ﴾ الآيَةُ تَوْبِيخٌ لِعَبَدَةِ الأصْنامِ، أيْ: لا أحَدَ أضَلُّ مِمَّنْ هَذِهِ صِبْغَتُهُ، وجاءَتِ الكِناياتُ في هَذِهِ الآيَةِ عَنِ الأصْنامِ كَما تَجِيءُ عَمَّنْ يَعْقِلُ، وذَلِكَ أنَّ الكُفّارَ قَدْ أنْزَلُوها مَنزِلَةَ الآلِهَةِ وبِالمَحَلِّ الَّذِي دَوَّنَهُ البَشَرُ، فَخُوطِبُوا عَلى نَحْوِ مُعْتَقَدِهِمْ فِيها، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "ما لا يَسْتَجِيبُ"، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَهم عن دُعائِهِمْ ﴾ هو لِلْأصْنامِ في قَوْلِ جَماعَةٍ، ووَصَفَ الأصْنامَ بِالغَفْلَةِ مِن حَيْثُ عامَلَهم مُعامَلَةَ مَن يَعْقِلُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهم عن دُعائِهِمْ ﴾ وفي ﴿ "غافِلُونَ" ﴾ لِلْكُفّارِ، أيْ: ضَلالُهم بِأنَّهم يَدْعُونَ مَن لا يَسْتَجِيبُ فَلا يَتَأمَّلُونَ ما عَلَيْهِمْ في دُعائِهِمْ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانُوا لَهم أعْداءً ﴾ وصْفٌ لِما يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ الكُفّارِ وأصْنامِهِمْ مِنَ التَبَرِّي والمُناكَرَةِ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عنهُمْ: ﴿ تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هَـٰذَا سِحْرٌۭ مُّبِينٌ ٧ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَلَا تَمْلِكُونَ لِى مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ ۖ كَفَىٰ بِهِۦ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۖ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٨ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًۭا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌۭ مُّبِينٌۭ ٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وهو الغَفُورُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ الآياتُ المَذْكُورَةُ هي آياتُ القُرْآنِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "تُتْلى" ﴾ وقَوْلُ الكُفّارِ: ﴿ هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ عَنِ القُرْآنِ مِن حَيْثُ قالُوا: هو يُفَرِّقُ بَيْنَ المَرْءِ وبَيْنَ ووَلَدِهِ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ زَوْجِهِ، إلى نَحْوِ هَذا مِمّا يُوجَدُ مِثْلُهُ لِلسِّحْرِ بِالوَجْهِ الآخَرِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ﴾ : "أمْ" مَقْطُوعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِـ "بَلْ وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ"، و ﴿ "افْتَراهُ" ﴾ مَعْناهُ: اشْتَقَّهُ واخْتَلَقَهُ، فَأمَرَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يَقُولَ: إنِ افْتَرَيْتُهُ فاللهُ حَسْبِي في ذَلِكَ، وهو كانَ يُعاقِبُنِي ولا يُمْهِلُنِي، ثُمَّ رَجَعَ القَوْلُ إلى الِاسْتِفْهامِ إلى اللهِ تَعالى والِاسْتِنْصارُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وانْتِظارُ ما يَقْتَضِيهِ عِلْمُهُ بِما يُفِيضُونَ فِيهِ مِنَ الباطِلِ ومُرادَّةُ الحَقِّ، وذَلِكَ يَقْتَضِي مُعاقَبَتَهُمْ، فَفي اللَفْظَةِ تَهْدِيدٌ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِيهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ، ويُحْتَمَلَ العَوْدَةُ عَلى "ما"، والضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، و"بِهِ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، و"أفاضَ الرَجُلُ في الحَدِيثِ ونَحْوِهِ" إذا خاضَ فِيهِ واسْتَمَرَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الغَفُورُ الرَحِيمُ ﴾ تَرْجِيَةٌ واسْتِدْعاءٌ إلى التَوْبَةِ، لِأنَّهُ في خِلالِ تَهْدِيدِهِ إيّاهم بِاللهِ تَعالى جاءَتْ هاتانِ الصِفَتانِ.

ثُمَّ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِدْعًا مِنَ الرُسُلِ، أيْ: قَدْ جاءَ غَيْرِي قَبْلِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، و"البِدَعُ" و"البَدِيعُ" مِنَ الأشْياءِ: ما لَمْ يَرَ مِثْلَهُ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: فَما أنا بِدَعٌ مِن حَوادِثَ تَعْتَرِي ∗∗∗ رِجالًا عَرَّتْ مِن بَعْدِ بُؤْسِي وأسْعُدِ وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حَيْوَةَ: "بِدَعًا" بِفَتْحِ الدالِّ، قالَ أبُو الفَتْحِ: التَقْدِيرُ: "ذا بِدَعٍ" فَحَذَفَ المُضافَ، كَما قالَ: وكَيْفَ تُواصِلُ مَن أصْبَحَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ خِلالَتُهُ كَأبِي مُرَحِّبٍ؟

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ ﴾ ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وقَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ والحَسَنُ: مَعْناهُ: في الآخِرَةِ، وكانَ هَذا في صَدْرِ الإسْلامِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَرَّفَهُ اللهُ تَعالى بِأنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وبِأنَّ المُؤْمِنِينَ لَهم مِنَ اللهِ فَضْلٌ كَبِيرٌ وهو الجَنَّةُ، وبِأنَّ الكافِرِينَ في نارِ جَهَنَّمَ، والحَدِيثُ الَّذِي وقَعَ في جِنازَةِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، « "فَواللهِ ما أدْرِي وأنا رَسُولُ اللهِ ما يَفْعَلُ بِي"»، وفي بَعْضِ الرِواياتِ "بِهِ"، ولا حُجَّةَ لَنا في الحَدِيثِ عَلى رِوايَةِ "بِهِ"، والمَعْنى عِنْدِي في هَذا القَوْلِ أنَّهُ لَمْ تُكْشَفْ لَهُ الخاتِمَةُ، فَقالَ: لا أدْرِي؟

وأمّا مَن وافى عَلى الإيمانِ، فَقَدْ أُعْلِمَ بِنَجاتِهِ مَن أوَّلِ الرِسالَةِ، وإلّا فَكانَ لِلْكُفّارِ أنْ يَقُولُوا: وكَيْفَ تَدْعُونا إلى ما لا تَدْرِي لَهُ عاقِبَةٌ؟

وقالَ الحَسَنُ أيْضًا وجَماعَةٌ: مَعْنى الآيَةِ: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم في الدُنْيا مِن أنْ أُنْصَرَ عَلَيْكم أو مِن أنْ تُمَكَّنُوا مِنِّي، ونَحْوُ هَذا مِنَ المَعْنى.

وَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى الآيَةِ: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم مِنَ الأوامِرِ والنَواهِي وما تُلْزِمُنا الشَرِيعَةُ مِن أعْراضِها.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في أمْرٍ كانَ النَبِيُّ  يَنْتَظِرُهُ مِنَ اللهِ تَعالى في غَيْرِ الثَوابِ والعِقابِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ «لَمّا تَأخَّرَ خُرُوجُ النَبِيِّ  مِن مَكَّةَ حِينَ رَأى في النَوْمِ أنَّهُ مُهاجِرٌ إلى أرْضٍ ذاتِ نَخْلٍ وسَبْخَةٍ، قَلِقَ المُسْلِمُونَ لِتَأخُّرِ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ ﴾ مَعْناهُ: الِاسْتِسْلامُ والتَبَرِّي مِن عِلْمِ المُغَيَّباتِ والوُقُوفِ مَعَ النِذارَةِ مِن عَذابِ اللهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِۦ وَشَهِدَ شَاهِدٌۭ مِّنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِۦ فَـَٔامَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٠ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَوْ كَانَ خَيْرًۭا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ ۚ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا۟ بِهِۦ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌۭ قَدِيمٌۭ ١١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنْ اللهِ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ هَذِهِ آيَةُ تَوْقِيفٍ عَلى الخَطَرِ العَظِيمِ الَّذِي هم بِسَبِيلِهِ في أنْ يُكَذِّبُوا بِأمْرٍ نافِعٍ لَهم مُنْجٍ مِنَ العَذابِ دُونَ حُجَّةٍ ولا دَلِيلَ لَهم عَلى التَكْذِيبِ، فالمَعْنى: كَيْفَ حالُكم مَعَ اللهِ تَعالى؟

وماذا تَنْتَظِرُونَ مِنهُ وأنْتُمْ قَدْ كَفَرْتُمْ بِما جاءَ مِن عِنْدِهِ؟، وجَوابُ هَذا التَوْقِيفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ألَيْسَ قَدْ ظَلَمْتُمْ؟، ودَلَّ عَلى هَذا المُقَدَّرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ .

و ﴿ "أرَأيْتُمْ" ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُنَبِّهَةً، فَهي لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لِلسُّؤالِ لا يَقْتَضِي مَفْعُولًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ "كانَ" وما عَمِلَتْ فِيهِ تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْها.

واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِـ "الشاهِدِ" فَقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ سِيرِينَ: هَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، والشاهِدُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ.

وقَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ "عَلى مِثْلِهِ" ﴾ الضَمِيرُ فِيهِ عائِدٌ عَلى قَوْلِ مُحَمَّدٍ  في القُرْآنِ: إنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، وقالَ الشَعْبِيُّ: الشاهِدُ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ غَيْرُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ كانَ بِمَكَّةَ، والآيَةُ مَكِّيَّةٌ، وقالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومُجاهِدٌ، وفِرْقَةٌ: الآيَةُ مَكِّيَّةٌ، والشاهِدُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ، وهي مِنَ الآياتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ غَيْبًا أبْرَزَهُ الوُجُودُ، وقَدْ رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ أنَّهُ قالَ: فِيَّ نَزَلَتْ.

وقالَ مَسْرُوقُ بْنُ الأجْدَعِ والجُمْهُورُ: الشاهِدُ مُوسى بْنُ عَمْرانَ عَلَيْهِ السَلامُ، والآيَةُ مَكِّيَّةٌ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "عَلى مِثْلِهِ" ﴾ يُرِيدُ بِالمِثْلِ: التَوْراةُ، والضَمِيرُ عائِدٌ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- عَلى القُرْآنِ، أيْ: جاءَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِمِثْلِهِ وشَهِدَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "قُلْ أرَأيْتُمْ" ﴾ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يَعْنِي بِهِ تَصْدِيقُ مُوسى بِأمْرِ مُحَمَّدٍ  وتَبْشِيرِهِ بِهِ، فَذَلِكَ إيمانٌ بِهِ، وأمّا مَن قالَ: الشاهِدُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ فَإيمانُهُ بَيِّنٌ، وكَذَلِكَ الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي كانَ بِمَكَّةَ في قَوْلِ مَن قالَهُ، وحَكى بَعْضُهم أنَّ العامِلَ بِـ "آمَنَ" هو مُحَمَّدٌ  ، وهَذا مِنَ القائِلِينَ بِأنَّ الشاهِدَ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ قَرَنَ تَعالى اسْتِكْبارَهم وكُفْرَهم بِإيمانِ هَذا المَذْكُورِ، فَبانَ ذَنْبُهم وخَطَؤُهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: هي مَقالَةُ أشْرافِ قُرَيْشٍ، يُرِيدُونَ عَمّارًا وصُهَيْبًا وبِلالًا ونَحْوَهم مِمَّنْ أسْلَمَ وآمَنَ بِالنَبِيِّ  .

وقالَ الزَجّاجُ، والكَلْبِيُّ، وغَيْرُهُما: هي مُقالَةٌ كِنانَةَ وعامِرٍ وسائِرِ قَبائِلِ العَرَبِ المُجاوِرَةِ، وقالَتْ ذَلِكَ حِينَ أسْلَمَتْ غِفارٌ ومُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ، وقالَ الثَعْلَبِيُّ: هي مَقالَةُ اليَهُودِ حِينَ أسْلَمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ وغَيْرُهُ مِنهم.

و"الإفْكُ": الكَذِبُ، ووَصَفُوهُ بِالقِدَمِ، بِمَعْنى أنَّهُ في أُمُورٍ مُتَقادِمَةٍ، وهَذا كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ حَدَّثَكَ عن أخْبارِ كِسْرى وقَيْصَرَ، هَذا حَدِيثٌ قَدِيمٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا أنَّهُ إفْكٌ قِيلَ قَدِيمًا.

<div class="verse-tafsir"

وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَـٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًۭا وَرَحْمَةًۭ ۚ وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌۭ مُّصَدِّقٌۭ لِّسَانًا عَرَبِيًّۭا لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ ١٢ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ١٣ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٤ وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَـٰنًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ كُرْهًۭا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًۭا ۖ وَحَمْلُهُۥ وَفِصَـٰلُهُۥ ثَلَـٰثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةًۭ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىٓ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحًۭا تَرْضَىٰهُ وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرِّيَّتِىٓ ۖ إِنِّى تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ١٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابُ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَمِن قَبْلِهِ" ﴾ لِلْقُرْآنِ، و ﴿ "كِتابُ مُوسى" ﴾ هو التَوْراةُ.

وقَرَأ الكَلْبِيُّ: "كِتابَ مُوسى" بِنَصْبِ الباءِ عَلى إضْمارِ: أنْزَلَ اللهُ، أو نَحْوَ ذَلِكَ.

و"الإمامُ": خَيْطُ البِناءِ، وكُلُّ ما يُهْتَدى ويُقْتَدى بِهِ فَهو إمامٌ، ونُصِبَ "إمامًا" عَلى الحالِ، و"رَحْمَةً" عُطِفَ عَلى "إمامًا"، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهَذا كِتابٌ ﴾ إلى القُرْآنِ، و"مُصَدِّقٌ" مَعْناهُ: لِلتَّوْراةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ خَبَرَهُ وأمْرَ مُحَمَّدٍ  ، فَجاءَ هو مُصَدِّقًا لِذَلِكَ الإخْبارِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ لِسانًا".

واخْتَلَفَ الناسُ في نَصْبِ قَوْلِهِ: ﴿ "لِسانًا" ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ النُحاةِ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "لِسانًا" تَوْطِئَةً مُؤَكَّدَةً، و"عَرَبِيًّا" حالٌ، وقالَتْ فِرْقَةُ: "لِسانًا" مَفْعُولُ بِـ "مُصَدِّقٌ"، والمُرادُ -عَلى هَذا القَوْلِ- بِاللِسانِ مُحَمَّدٌ  ولِسانُهُ، فَكانَ القُرْآنُ بِإعْجازِهِ وأحْوالِهِ البارِعَةِ يُصَدِّقُ الَّذِي جاءَ بِهِ، وهَذا قَوْلٌ صَحِيحُ المَعْنى جَيِّدٌ، وغَيْرُهُ مِمّا قَدَّمْناهُ مُتَّجِهٌ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ -فِيما رُوِيَ عنهُ- وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والناسُ: "لِتُنْذِرَ" بِالتاءِ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ، والأعْمَشُ: ﴿ "لِيُنْذِرَ" ﴾ أيِ: القُرْآنُ، و ﴿ "الَّذِينَ ظَلَمُوا" ﴾ هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ جَعَلُوا العِبادَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها في جِهَةِ الأوثانِ والأصْنامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَبُشْرى" ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "مُصَدِّقٌ"، ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، واقِعَةً مَوْقِعَ فَعَلَ عَطْفًا عَلى ﴿ "لِيُنْذِرَ"، ﴾ أيْ: وتُبَشِّرُ المُحْسِنِينَ.

ولَمّا عَبَّرَ عَنِ الكُفّارِ بِـ "الَّذِينَ ظَلَمُوا"، عَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِـ "المُحْسِنِينَ" لِتَناسُبِ لَفْظِ الإحْسانِ في مُقابَلَةِ الظُلْمِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن حُسْنِ حالَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَقِيمِينَ، ورَفَعَ عنهُمُ الخَوْفَ والحُزْنَ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الناسِ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: ثُمَّ اسْتَقامُوا بِالطاعاتِ والأعْمالِ الصالِحاتِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المَعْنى: بِالدَوامِ عَلى الإيمانِ وتَرْكِ الِانْحِرافِ عنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَوْلُ أعَمُّ رَجاءً وأوسَعُ، وإنْ كانَ في الجُمْلَةِ المُؤْمِنَةِ مَن يُعَذَّبُ ويُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ، فَهو مِمَّنْ يَخْلُدُ في الجَنَّةِ ويَنْتَفِي عنهُ الخَوْفُ والحُزْنُ الحالُّ بِالكَفَرَةِ.

وَ"الخَوْفُ" هو الهَمُّ لِما يُسْتَقْبَلُ، و"الحُزْنُ" هو الهَمُّ بِما مَضى، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيما يُسْتَقْبَلُ اسْتِعارَةً، لِأنَّهُ حَزِنَ لِخَوْفِ أمْرٍ ما، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ: "فَلا خَوْفَ" دُونَ تَنْوِينٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ، "ما" واقِعَةٌ عَلى الجُزْءِ الَّذِي هو اكْتِسابُ العَبْدِ، وقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعالى الأعْمالَ أماراتٍ عَلى صَبُورِ العَبْدِ، لا أنَّها تُوجِبُ عَلى اللهِ تَعالى شَيْئًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَصَّيْنا الإنْسانَ ﴾ ، يُرِيدُ: النَوْعَ، أيْ: هَكَذا مَضَتْ شَرائِعِي وكُتُبِي لِأنْبِيائِي، فَهي وصِيَّةٌ مِنَ اللهِ تَعالى في عِبادِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "حُسْنًا" بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ السِينِ، ونَصْبُهُ عَلى تَقْدِيرِ: وصَّيْناهُ لِيَفْعَلَ أمْرًا ذا حُسْنٍ، فَكَأنَّ الفِعْلَ سُلِّطَ عَلَيْهِ مَفْعُولًا ثانِيًا، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعِيسى: "حَسَنًا" بِفَتْحِ الحاءِ والسِينِ، وهَذا كالأوَّلِ، ويُحْتَمَلُ كَوْنُهُما مَصْدَرَيْنِ كالبَخْلِ والبُخْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الثانِيَ اسْمًا لا مَصْدَرًا، أيْ: ألْزَمْناهُ بِهِما فِعْلًا حَسَنًا، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إحْسانًا"، ونَصِبَ هَذا عَلى المَصْدَرِ الصَرِيحِ، والمَفْعُولِ الثانِي في المَجْرُورِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "وَصَّيْنا" أو بِقَوْلِهِ تَعالى: "إحْسانًا".

وبِرُّ الوالِدَيْنِ واجِبٌ بِهَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها، وعُقُوقُهُما كَبِيرَةٌ مِنَ الكَبائِرِ، وقالَ النَبِيُّ  : « "كُلُّ شَيْءٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ تَعالى حِجابٌ إلّا شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ ودَعْوَةُ الوالِدَيْنِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَنْ يَدْعُوا إلّا إذا ظَلَمَهُما الوَلَدُ، فَهَذا الحَدِيثُ في عُمُومِ قَوْلِهِ  : « "اتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَها وبَيْنَ اللهِ حِجابٌ"».

ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى الأبْناءِ مِنَنَ الأُمَّهاتِ، وذَكَرَ الأُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ في أرْبَعِ مَراتِبَ، والأبَ في مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، وجَمَعَهُما الذِكْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "بِوالِدَيْهِ"، ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الحَمْلَ لِلْأُمِّ، ثُمَّ الوَضْعَ لَها ثُمَّ الرَضاعَ الَّذِي عَبَّرَ عنهُ بِالفِصالِ، فَهَذا يُناسِبُ ما قالَ رَسُولُ اللهِ  حِينَ جَعَلَ لِلْأُمِّ ثَلاثَةَ أرْباعِ البِرِّ، والرُبْعَ لِلْأبِ، وذَلِكَ إذْ «قالَ لَهُ رَجُلٌ: "يا رَسُولَ اللهِ، مَن أبَرُّ؟

قالَ: أمُّكَ، قالَ ثُمَّ مَن؟

قالَ: ثُمَّ أمُّكَ، قالَ ثُمَّ مَن؟

قالَ: ثُمَّ أمُّكَ، قالَ ثُمَّ مَن؟

قالَ: أباكَ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كُرْهًا" ﴾ مَعْناهُ: في باقِي اسْتِمْرارِ الحَمْلِ حِينَ تَتَوَقَّعُ حَوادِثُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: في وقْتِ الحَمْلِ، إذْ لا نَذِيرَ لَها في حَمْلِهِ ولا تَرْكِهِ، قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المَعْنى: حَمَلَتْهُ مَشَقَّةً ووَضَعَتْهُ مَشَقَّةً، وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: "كُرْهًا" بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ:: "كَرْهًا" بِفَتْحِ الكافِ، وقَرَأ بِهِما مَعًا مُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هُما بِمَعْنًى، الضَمُّ: الِاسْمُ، والفَتْحُ: المَصْدَرُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الكُرْهُ بِضَمِّ الكافِ- المَشَقَّةُ، والكُرْهُ -بِفَتْحِ الكافِ- هو الغَلَبَةُ والقَهْرُ، وضَعَّفُوا -عَلى هَذا- قِراءَةَ الفَتْحِ.

قالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ كانَ "كُرْهًا" لَرَمَتْ بِهِ عن نَفْسِها، إذِ الكُرْهُ القَهْرُ والغَلَبَةُ، والقَوْلُ الَّذِي قَدَّمْناهُ أصْوَبُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفِصالُهُ" وذَلِكَ أنَّها مُفاعَلَةٌ مِنَ الِاثْنَيْنِ، كَأنَّهُ فاصَلَ أُمَّهُ وفاصَلَتْهُ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ: "وَفَصْلُهُ" كَأنَّ الأُمَّ هي الَّتِي فَصَلَتْهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثَلاثُونَ شَهْرًا ﴾ يَقْتَضِي أنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ والرَضاعِ هَذِهِ المُدَّةَ، لِأنَّ فِي القَوْلِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ومُدَّةُ حَمْلِهِ وفِصالِهِ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا بِأنْ يَكُونَ أحَدَ الطَرَفَيْنِ ناقِصًا، وذَلِكَ إمّا أنْ تَلِدَ المَرْأةُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ وتُرْضِعَ عامَيْنِ، وإمّا أنْ تَلِدَ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ عَلى العُرْفِ وتُرْضِعَ عامَيْنِ غَيْرَ رُبْعِ العامِ، فَإنْ زادَتْ مُدَّةُ الحَمْلِ نَقَصَتْ مُدَّةُ الرَضاعِ، وبِالعَكْسِ، فَيَتَرَتَّبُ مِن هَذا أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وأقَلُّ ما تُرْضِعُ الأُمُّ الطِفْلَ عامًا وتِسْعَةَ أشْهُرٍ، وإكْمالُ العامَيْنِ هو لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَضاعَ، وهَذا في أمْرِ الحَمْلِ هو مَذْهَبُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٍ مِنَ الصَحابَةِ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "الأشُدِّ": فَقالَ الشَعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: البُلُوغُ إذا كُتِبَتْ عَلَيْهِ السَيِّئاتُ ولَهُ الحَسَناتُ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا، وقِيلَ: عِشْرُونَ عامًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ عامًا، وقالَ الجُمْهُورُ مِنَ النُظّارِ: سِتَّةٌ وثَلاثُونَ عامًا، وقالَ هِلالُ بْنُ يُسافَ وغَيْرُهُ: أرْبَعُونَ عامًا، وأقْوى الأقْوالِ سِتَّةٌ وثَلاثُونَ، ومَن قالَ بِالأرْبَعِينَ قالَ في الآيَةِ: إنَّهُ تَعالى أكَّدَ وفَسَّرَ الأشُدَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ ، وإنَّما ذَكَرَ تَعالى الأرْبَعِينَ لِأنَّها حَدٌّ لِلْإنْسانِ في صَلاحِهِ ونَجابَتِهِ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ الشَيْطانَ يَجُرُّ يَدَهُ عَلى وجْهِ مَن زادَ عَلى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَتُبْ فَيَقُولُ: بِأبِي وجْهٌ لا يُفْلِحُ"،» وقالَ أيْمَنُ بْنُ خَرِيمِ الأسَدِيُّ: إذا المَرْءُ وفّى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَكُنْ ∗∗∗ لَهُ دُونَ ما يَأْتِي حَياءٌ ولا سِتْرٌ فَدَعْهُ ولا تُنَفِّسْ عَلَيْهِ الَّذِي ارْتَأى ∗∗∗ ∗∗∗ وإنَّ جَرَّ أسْبابَ الحَياةِ لَهُ العُمْرُ وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "حَتّى إذا اسْتَوى أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً".

وقَوْلُهُ: ﴿ "أوزِعْنِي" ﴾ مَعْناهُ: ادْفَعْنِي عَنِ المَوانِعِ وازْجُرْنِي عَنِ القَواطِعِ لِأجْلِ أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "أوزِعْنِي" بِمَعْنى: اجْعَلْ حَظِّي ونَصِيبِي، وهَذا مِنَ التَوْزِيعِ والقَوْمِ الأوزاعِ، ومِن قَوْلِكَ: تَوَزَّعُوا المالَ، فَـ "أنَّ" -عَلى هَذا- مَفْعُولٌ صَرِيحٌ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نِعْمَتُكَ في التَوْحِيدِ.

و ﴿ صالِحًا تَرْضاهُ ﴾ : الصَلَواتُ، و"الإصْلاحُ في الذُرِّيَّةِ" كَوْنُهم أهْلَ طاعَةٍ وخَيْرِيَّةٍ، وهَذِهِ الآيَةُ مَعْناها أنَّ هَكَذا يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ أنْ يَفْعَلَ، وهَذِهِ وصِيَّةُ اللهِ تَعالى لِلْإنْسانِ في كُلِّ الشَرائِعِ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: وذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أوَّلِها نَزَلَتْ في شَأْنِ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ مِن بَعْدِهِ، وكانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قَدْ أسْلَمَ أبَواهُ، فَإنَّما يَتَّجِهُ هَذا التَأْوِيلُ عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ يَطْمَعُ بِإيمانِ أبَوَيْهِ ويَرى مَخايِلَ ذَلِكَ فِيهِما، فَكانَتْ هَذِهِ نِعْمَةٌ عَلَيْهِما، أنْ لَيْسا مِمَّنْ عَسى في الكُفْرِ ولَجَ وحُتِّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ ظَهَرَ إيمانُهُما بَعْدُ، والقَوْلُ بِأنَّها عامَّةٌ في نَوْعِ الإنْسانِ لَمْ يَقْصِدْ بِها أبُو بَكْرٍ ولا غَيْرَهُ أصَحُّ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "مِنَ المُسْلِمِينَ".

﴾ <div class="verse-tafsir"

أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا۟ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمْ فِىٓ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَنَّةِ ۖ وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يُوعَدُونَ ١٦ وَٱلَّذِى قَالَ لِوَٰلِدَيْهِ أُفٍّۢ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِىٓ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِى وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيْلَكَ ءَامِنْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ فَيَقُولُ مَا هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ١٧ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍۢ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ ١٨ وَلِكُلٍّۢ دَرَجَـٰتٌۭ مِّمَّا عَمِلُوا۟ ۖ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ١٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عنهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عن سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ وعْدَ الصِدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ﴾ ﴿ والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللهَ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ ﴾ ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "أُولَئِكَ" دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإشارَةَ بِالإنْسانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ  ﴾ إلى الجِنْسِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَتَقَبَّلُ" بِالياءِ مَضْمُومَةً عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وكَذَلِكَ "يَتَجاوَزُ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ فِيهِما بِالنُونِ الَّتِي لِلْعَظَمَةِ، "أحْسَنَ" بِالنَصْبِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطِلْحَةَ، وابْنِ جُبَيْرٍ، والأعْمَشِ بِخِلافٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يَتَقَبَّلُ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ، "وَيَتَجاوَزُ" كَذَلِكَ، أيِ: اللهُ تَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي أصْحابِ الجَنَّةِ ﴾ يُرِيدُ: الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم رَحْمَةُ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿ وَعْدَ الصِدْقِ ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ لِما قَبْلَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما ﴾ الآيَةُ، "الَّذِي" يُعْنى بِهِ الجِنْسُ عَلى حَدِّ العُمُومِ الَّذِي في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ  ﴾ ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ وجَماعَةٌ، ويُشْبِهُ أنَّ لَها سَبَبًا مِن رَجُلٍ قالَ ذَلِكَ لِأبَوَيْهِ، فَلَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ المُوَفَّقُ عَقَّبَ بِذِكْرِ هَذا العاقِّ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الطَبَرِيِّ: نَزَلَتْ في هَذِهِ الآيَةِ في ابْنٍ لِأبِي بَكْرٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ.

وقالَ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ: نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَهُ قَتادَةُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ أكْبَرَ أولادِ أبِي بَكْرٍ وشَهِدَ بَدْرًا وأُحُدًا مَعَ الكُفّارِ، وقالَ لِأبِيهِ في الحَرْبِ: لَمْ يَبْقَ إلّا شَكَّةً ويَعْبُوبُ ∗∗∗ وصارِمٌ يَقْتُلُ ضُلّالَ الشَيْبِ ودَعاهُ لِلْمُبارَزَةِ، فَكانَ بِمَكَّةَ عَلى نَحْوِ هَذِهِ الخُلُقِ، فَقِيلَ إنَّها نَزَلَتْ فِيهِ.

ورُوِيَ أنَّ مَرْوانَ بْنَ الحَكَمِ خَطَبَ وهو أمِيرُ المَدِينَةِ فَدَعا الناسَ إلى بَيْعَةِ يَزِيدَ، فَقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: جَعَلْتُمُوها هَرْقَلِيَّةً، كُلَّما ماتَ هِرَقْلُ ولِي هِرَقْلُ، وكُلَّما ماتَ قَيْصَرُ ولِي قَيْصَرُ، فَقالَ مَرْوانُ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بَيْتَ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنها، فَقالَ مَرْوانُ: إنَّ هَذا هو الَّذِي قالَ اللهُ تَعالى فِيهِ: ﴿ والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما ﴾ ، فَسَمِعَتْهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها، فَأنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وسَبَتْ مَرْوانَ، وقالَتْ: واللهِ ما نَزَلَ في آلِ أبِي بَكْرٍ مِنَ القُرْآنِ غَيْرُ بَراءَتِي، وإنِّي لِأعْرِفُ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ أنَّ الَّذِي خَطَبَ هو مُعاوِيَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ وهْمٌ، والأصْوَبُ أنْ تَكُونَ عامَّةً في أهْلِ هَذِهِ الصِفاتِ ولَمْ يَقْصِدْ بِها عَبْدَ الرَحْمَنِ ولا غَيْرَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، والدَلِيلُ القاطِعُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ وكانَ عَبْدُ الرَحْمَنِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مِن أفْضَلِ الصَحابَةِ، ومِنَ الأبْطالِ، ومِمَّنْ لَهُ في الإسْلامِ غِناءٌ، ويَكْفِيهِ مَقامُهُ مَعَ مَرْوانَ يَوْمَ اليَمامَةِ وغَيْرِهِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أُفٍّ" بِكَسْرِ الفاءِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وذَلِكَ فِيها عَلامَةُ تَعْرِيفٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وشِبْلُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "أُفَّ" بِالفَتْحِ، وهي لُغَةٌ، الكَسْرُ والفَتْحُ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "أُفِّ" بِالكَسْرِ والتَنْوِينِ، وذَلِكَ عَلامَةُ تَنْكِيرٍ، وهي كَصُهٍ، وكَما تَسْتَطْعِمُ رَجُلًا حَدِيثًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَتَقُولُ: "إيهٍ" مُنَوَّنَةً، فَإنْ كانَ حَدِيثًا مُشارًا إلَيْهِ قُلْتَ: "إيهَ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، و"أُفٍّ": أصْلُها في الأقْذارِ، وكانَتِ العَرَبُ إذا رَأتْ قَذِرًا قالَتْ: "أُفٍّ"، ثُمَّ صَيَّرَهُ الِاسْتِعْمالُ يُقالُ في كُلِّ ما يُكْرَهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ.

وقَرَأ هُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وعاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو فِيما رُوِيَ عنهُ-: "أتَعِدانِي"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وجُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "أتَعِدانِنِي" ﴾ بِنُونَيْنِ، والقِراءَةُ الأولى هي بِإدْغامِ النُونِ في النُونِ، وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا: "أتَعِدانِي" بِنُونٍ واحِدَةٍ وإظْهارِ الياءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ وثّابٍ، وجُمْهُورُ الناسِ: "أنْ أُخْرَجَ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الراءِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، والضَحّاكُ: "أنْ أخْرُجَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وضَمِّ الراءِ.

والمَعْنى: أنْ أخْرُجَ مِنَ القَبْرِ لِلْحَشْرِ والمَعادِ، وهَذا القَوْلُ مِنهُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الهَزْءِ والِاسْتِبْعادِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي ﴾ مَعْناهُ: هَلَكَتْ ومَضَتْ ولَمْ يَخْرُجْ مِنهم أحَدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ ﴾ يَعْنِي: الوالِدَيْنِ، ويُقالُ: اسْتَغَثْتُ اللهَ واسْتَغَثْتُ بِاللهِ بِمَعْنًى واحِدٍ.

و ﴿ "وَيْلَكَ" ﴾ دُعاءٌ لِمَن يُحَقِّرُ ويُحَرِّكُ لِأمْرٍ ما يُسْتَعْجَلُ إلَيْهِ.

وقَرَأ الأعْرَجُ: "أنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والناسِ عَلى كَسْرِها، وقَوْلُهُ: ﴿ ما هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ: ما هَذا القَوْلُ الَّذِي يَتَضَمَّنُ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ إلّا شَيْءٌ قَدْ سَطَرَهُ الأوَّلُونَ في كُتُبِهِمْ، يَعْنِي: الشَرائِعَ، وظاهِرُ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في مُشارٍ إلَيْهِ قالَ وقِيلَ لَهُ، فَنَعى اللهُ تَعالى أقْوالَهُ تَحْذِيرًا مِنَ الوُقُوعِ في مَثْلِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ ﴾ ، ظاهِرٌ أنَّها إشارَةٌ إلى جِنْسٍ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "والَّذِي قالَ"، ﴾ ويُحْتَمَلُ -إنْ كانَتِ الآيَةُ في مُشارٍ إلَيْهِ- أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "أُولَئِكَ" بِمَعْنى: صِنْفُ هَذا المَذْكُورِ وجِنْسُهُ هُمُ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ، أيْ: قَوْلُ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ الجِنِّ يَمُوتُونَ كَما يَمُوتُ البَشَرُ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وقَدْ جاءَ حَدِيثٌ يَقْتَضِي ذَلِكَ.

وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ في بَعْضِ مَجالِسِهِ: "الجِنُّ لا تَمُوتُ"، فاعْتَرَضَهُ قَتادَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَسَكَتَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ ﴾ يَعْنِي المُحْسِنِينَ والمُسِيئِينَ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: دَرَجاتُ المُحْسِنِينَ تَذْهَبُ عُلُوًّا، ودَرَجاتُ المُسِيئِينَ تَذْهَبُ سُفْلًا، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "وَلِتُوَفِّيَهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، أيِ الدَرَجاتِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَلِيُوَفِّيَهُمْ" ﴾ بِالياءِ، وقَرَأ نافِعٌ -بِخِلافٍ عنهُ- وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "وَلِنُوَفِّيَهُمْ" بِالنُونِ، وقَرَأ اللُؤْلُؤِيُّ في حِرَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَلَنُوَفِّيَنَّهُمْ" بِنُونٍ أُولى ونُونٍ ثانِيَةٍ مُشَدَّدَةٍ وبِفَتْحِ اللامِ، وكُلُّ امْرِئٍ يَجْنِي ثَمَرَةَ عَمَلِهِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ ولا يَظْلِمُ في مَجازاتِهِ، بَلْ يُوضَعُ كُلُّ أمْرٍ مَوْضِعَهُ مِن ثَوابٍ أو عِقابٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ ٢٠ ۞ وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُۥ بِٱلْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦٓ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ ٢١ قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ٢٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾ ﴿ واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ وقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عن آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ يُعْرَضُ، وهَذا العَرْضُ هو بِالمُباشَرَةِ، كَما تَقُولُ: عَرَضْتُ العُودَ عَلى النارِ والجانِي عَلى السَوْطِ، والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ عَلى الخَبَرِ، ولِذَلِكَ حَسُنَتِ الفاءُ بَعْدَ ذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "آذْهَبْتُمْ" بِهَمْزَةٍ مُطَوَّلَةٍ عَلى التَوْبِيخِ والتَقْرِيرِ الَّذِي هو في لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أأذْهَبْتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ تَقْرِيرًا أيْضًا، التَوْبِيخُ والتَقْرِيرُ إخْبارٌ بِالمَعْنى، ولِذَلِكَ حَسُنَتِ الفاءُ، وإلّا فَهي لا تَحْسُنُ في جَوابٍ عَلى حَدِّ هَذِهِ مَعَ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ.

والطَيِّباتُ: المَلاذُّ، وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ في الكُفّارِ فَهي وازِعَةٌ لِأُولِي النُهى مِنَ المُؤْمِنِينَ عَنِ الشَهَواتِ واسْتِعْمالِ الطَيِّباتِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أتَظُنُّونَ أنّا لا نَعْرِفُ طَيِّبَ الطَعامِ؟

ذَلِكَ لُبابُ البِرِّ بِصِغارِ المِعْزى، ولَكُنّا رَأيْنا اللهَ تَعالى نَعى عَلى قَوْمٍ أنَّهم أذْهَبُوا طَيِّباتِهِمْ في حَياتِهِمُ الدُنْيا"، ذَكَرَ هَذا في كَلامِهِ مَعَ الرَبِيعِ بْنِ زِيادٍ، وقالَ أيْضًا نَحْوَ هَذا لِخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ حِينَ دَخَلَ الشامَ، فَقُدِّمَ إلَيْهِ طَعامٌ طَيِّبٌ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هَذا لَنا، فَما لِفُقَراءِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ ماتُوا ولَمْ يِشْبَعُوا مِن خُبْزِ الشَعِيرِ؟

فَقالَ خالِدٌ: لَهُمُ الجَنَّةُ، فَبَكى عُمَرُ وقالَ: لَئِنْ كانَ حَظُّنا في الحُطامِ وذَهَبُوا بِالجَنَّةِ لَقَدْ بايَنُونا بَوْنًا بَعِيدًا.

وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اشْتَرَيْتُ لَحْمًا بِدِرْهَمٍ فَرَآنِي عُمَرُ، فَقالَ: أوَ كُلَّما اشْتَهى أحَدُكم شَيْئًا اشْتَراهُ فَأكَلَهُ؟

أما تَخْشى أنْ تَكُونَ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ.

وعَذابُ الهُونِ: العَذابُ الَّذِي اقْتَرَنَ بِهِ هَوانٌ، وهو عَذابُ العُصاةِ المُواقِعِينَ ما قَدْ نُهُوا عنهُ، وهَذا بَيِّنٌ في عَذابِ الدُنْيا، فَعَذابُ المَحْدُودِ في مَعْصِيَةٍ كالحِرابَةِ ونَحْوِها مُقْتَرِنٌ بِهُونٍ، وعَذابِ المَقْتُولِ في حَرْبٍ لا هَوْنَ مَعَهُ، فالهَوْنُ والهَوانُ بِمَعْنًى.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ  بِذِكْرِ هُودٍ عَلَيْهِ السَلامُ وقَوْمِهِ عادٌ عَلى جِهَةِ المِثالِ لِقُرَيْشٍ، وهَذِهِ الأُخُوَّةُ هي أُخُوَّةُ القَرابَةِ، لِأنَّ هُودًا عَلَيْهِ السَلامُ كانَ مِن أشْرافِ القَبِيلَةِ الَّتِي هي عادٌ.

واخْتَلَفَ الناسُ في هَذِهِ الأحْقافِ، أيْنَ كانَتْ؟

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هي جَبَلٌ بِالشامِ، وقِيلَ: كانَتْ بِلادَ نَخِيلٍ، وقِيلَ: هي الرِمالُ بَيْنَ مَهَرَةٍ وعَدَنٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بَيْنَ عُمانَ ومَهَرَةَ، وقالَ قَتادَةُ: هي بِلادُ الشَحْرِ المُواصَلَةِ لِلْبَحْرِ اليَمانِيِّ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هي بَيْنَ حَضْرَمَوْتَ وعُمانَ، والصَحِيحُ مِنَ الأقْوالِ أنَّ بِلادَ عادٍ كانَتْ في اليَمَنِ ولَهم إرَمُ ذاتُ العِمادِ، و"الأحْقافُ": جَمْعُ حِقْفٍ، وهو الجَبَلُ المُسْتَطِيلُ والمُعْوَجُّ مِنَ الرَمْلِ، قالَ الخَلِيلُ: هي الرِمالُ العِظامُ، وكَثِيرًا ما تَحْدُثُ هَذِهِ الأحْقافُ في بِلادِ الرَمْلِ في الصَحارِي، لِأنَّ الرِيحَ تَصْنَعُ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ﴾ اعْتِراضٌ مُؤَكَّدٌ مُقِيمٌ لِلْحُجَّةِ أثْناءَ قِصَّةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ ﴾ هو مِن نَذارَةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَلامُ، و ﴿ "خَلَتِ": ﴾ مَعْناهُ: مَضَتْ إلى الخَلاءِ ومَرَّتْ أزْمانُها، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن قَبْلِهِ وبَعْدِهِ"، ورُوِيَ فِيهِ: "وَقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن بَعْدِهِ"، والنُذُرُ: جَمْعُ نَذِيرٍ بِناءُ اسْمِ فاعِلٍ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ "لِتَأْفِكَنا" ﴾ مَعْناهُ: لِتَصْرِفَنا، وقَوْلُهُمْ: ﴿ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا ﴾ تَصْمِيمٌ عَلى التَكْذِيبِ وتَعْجِيزٌ مِنهم لَهُ في زَعْمِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦ وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًۭا تَجْهَلُونَ ٢٣ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًۭا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا۟ هَـٰذَا عَارِضٌۭ مُّمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِۦ ۖ رِيحٌۭ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ٢٤ تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍۭ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا۟ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَـٰكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ ٢٥ وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّـٰكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًۭا وَأَبْصَـٰرًۭا وَأَفْـِٔدَةًۭ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَآ أَبْصَـٰرُهُمْ وَلَآ أَفْـِٔدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُوا۟ يَجْحَدُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ٢٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا رَأوهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أودِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عنهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ المَعْنى: قالَ لَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَلامُ: إنَّ هَذا الوَعِيدَ لَيْسَ مِن قِبَلِي، وإنَّما الأمْرُ لِلَّهِ تَعالى وعِلْمُ وقْتِهِ عِنْدَهُ، وإنَّما عَلَيَّ أنَّ أُبَلِّغَ فَقَطْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَأُبَلِّغُكُمْ" ﴾ بِفَتْحِ الباءِ وشَدِّ اللامِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في كُلِّ القُرْآنِ بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ اللامِ، و ﴿ أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾ أيْ: مِثْلُ هَذا مِن أمْرِ اللهِ تَعالى، وتَجْهَلُونَ خَلْقَ أنْفُسِكم.

والضَمِيرُ فِي: ﴿ "رَأوهُ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى العَذابِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الشَيْءِ المَرْئِيِّ الطارِئِ عَلَيْهِمْ، وهو الَّذِي فَسَّرَهُ قَوْلُهُ: ﴿ "عارِضًا"، ﴾ والعارِضُ ما يَعْرِضُ في الجَوِّ مِنَ السَحابِ المُمْطِرِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: يا مَن رَأى عارِضًا قَدْ بِتُّ أرْمُقُهُ ∗∗∗ كَأنَّما البَرْقُ في حافاتِهِ الشَعْلُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العارِضُ: الَّذِي في أقْطارِ السَماءِ عَشِيًّا ثُمَّ يُصْبِحُ مِنَ الغَدِ قَدِ اسْتَوى، ورُوِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مُسْتَقْبِلَ أودِيَتِهِمْ ﴾ أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ كانُوا قَدْ قَحَطُوا مُدَّةً، فَطَلَعَ عَلَيْهِمْ هَذا العارِضُ عَلى الهَيْئَةِ والجِهَةِ الَّتِي يُمْطِرُونَ بِها أبَدًا، جاءَهم مِن قِبَلِ وادٍ لَهم يُسَمُّونَهُ المُغِيثَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فَفَرِحُوا بِهِ وقالُوا: هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا، وقَدْ كَذَبَ هو فِيما أوعَدَ بِهِ، فَقالَ لَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَلامُ: لَيْسَ الأمْرُ كَما رَأيْتُمْ، بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ في قَوْلِكُمْ: ﴿ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا  ﴾ ، ثُمَّ قالَ: ﴿ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " مُمْطِرُنا قالَ هُودٌ بَلْ هُوَ" بِإظْهارِ المُقَدَّرِ، لِأنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ هي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ  ﴾ ﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمْ  ﴾ ، أيْ: يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكم.

قالَ الزَجّاجُ: وقَرَأ قَوْمٌ: "بَلْ هو ما اسْتُعْجِلْتُمْ بِهِ" بِضَمِّ التاءِ الأُولى وكَسْرِ الجِيمِ، و ﴿ "رِيحٌ" ﴾ بَدَلٌ مِنَ المُبْتَدَأِ في قَوْلِهِ: "هُوَ ما"، و ﴿ "مُمْطِرُنا" ﴾ هو نَعْتٌ لـ ﴿ "عارِضٌ"، ﴾ وهو نَكِرَةٌ إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ، لِأنَّ التَقْدِيرَ: مُمْطِرٌ لَنا في المُسْتَقْبَلِ، فَهو في حُكْمِ الِانْفِصالِ، وقَدْ مَضى في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ قِصَصُ الرِيحِ الَّتِي هَبَّتْ عَلَيْهِمْ، وأنَّها كانَتْ تَحْمِلُ الظَعِينَةَ كَجَرادَةٍ.

وَ ﴿ "تُدَمِّرُ" ﴾ مَعْناهُ: تُهْلِكُ، والدَمارُ: الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: وكانَ لَهم كَبِكْرِ ثَمُودَ لَمّا ∗∗∗ ∗∗∗ رَغا دَهْرًا فَدَمَّرَهم دَمارًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ ومَعْناهُ: الخُصُوصُ في كُلِّ ما أمَرْتَ بِتَدْمِيرِهِ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الرِيحَ رَمَتْهم أجْمَعِينَ في البَحْرِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ: "لا يَرى بِالياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، ﴿ "مَساكِنُهُمْ" ﴾ رَفْعًا.

التَقْدِيرُ: لا يَرى شَيْءٌ مِنهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لا تَرى إلّا مَساكِنَهُمْ" أيْ: لا تَرى أيُّها المُخاطَبُ شَيْئًا مِنهُمْ، [وَهِيَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، والحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُ- ومُجاهِدٍ وعِيسى وطَلْحَةَ ]، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، والجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو رَجاءٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ يَعْنِي بِلا خِلافٍ عنهُما خاصَّةً مِمَّنْ ذَكَرَ-: "لا تَرى" بِالتاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقِ مَضْمُومَةٍ ﴿ "إلا مَساكِنُهُمْ" ﴾ رَفْعًا، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ ذِي الرُمَّةِ: كَأنَّهُ جَمَّلَ وهْمٌ وما بَقِيَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا النَجِيزَةُ والألْواحُ والعَصَبُ وَنَحْوُ قَوْلِهِ: ...................

∗∗∗ ∗∗∗ فَما بَقِيَتْ إلّا الضُلُوعُ الجَراشِعُ وفِي هَذِهِ القِراءَةِ اسْتِكْراهٌ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعِيسى: "مَسْكَنَهُمْ" عَلى الإفْرادِ الَّذِي هو اسْمُ الجِنْسِ، والجُمْهُورُ عَلى الجَمْعِ في اللَفْظَةِ، ووَجْهُ الإفْرادِ تَصْغِيرُ الشَأْنِ وتَقْرِيبُهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلا  ﴾ .

ثُمَّ خاطَبَ تَعالى قُرَيْشًا -عَلى جِهَةِ المَوْعِظَةِ- بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ ﴾ "ما"، بِمَعْنى الَّذِي، و"إنْ" نافِيَةٌ وقَعَتْ مَكانَ "ما" لِيَخْتَلِفَ اللَفْظُ، ولا يَتَّصِلُ "ما" بِ "ما"، لِأنَّ الكَلامَ كَأنَّهُ قالَ: في الَّذِي ما مَكَّنّاكُمْ، ومَعْنى الآيَةِ: ولَقَدْ أعْطَيْناهم مِنَ القُوَّةِ والغِنى والبَسْطَةِ في الأمْوالِ والأجْسامِ ما لَمْ نُعْطِكُمْ، ونالَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ هَذا العَذابُ، فَأنْتُمْ أحْرى بِذَلِكَ إذا كَفَرْتُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "إنْ" شَرْطِيَّةٌ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: في الَّذِي إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ طَغَيْتُمْ، وهَذا تَنَطُّعٌ في التَأْوِيلِ.

ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلَيْهِمْ نَعِمَ الحَواسِّ والإدْراكِ، وأخْبَرَ أنَّها لَمْ تُغْنِ حِينَ لَمْ تُسْتَعْمَلْ عَلى ما يَجِبُ، و"ما": نافِيَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما أغْنى عنهُمْ ﴾ ، ويُقَوِّي ذَلِكَ دُخُولَ "مِن" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما أغْنى عنهُمْ ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، و ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ -عَلى هَذا- تَأْكِيدٌ، وهَذا عَلى غَيْرِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في دُخُولِ "مِن" في الواجِبِ.

و"حاقَ" مَعْناهُ: نَزَلَ ولَزِمَ، وهَذا مُسْتَعْمَلٌ في المَكارِهِ، والمَعْنى: جَزاءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْقُرَىٰ وَصَرَّفْنَا ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٢٧ فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَانًا ءَالِهَةًۢ ۖ بَلْ ضَلُّوا۟ عَنْهُمْ ۚ وَذَٰلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ٢٨ وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًۭا مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓا۟ أَنصِتُوا۟ ۖ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْا۟ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ ٢٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ ﴿ فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عنهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى ﴾ مُخاطَبَةٌ لِقُرَيْشٍ عَلى جِهَةِ التَمْثِيلِ لَهم بِمَأْرِبٍ وسَدُومَ وحِجْرِ ثَمُودَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصَرَّفْنا الآياتِ ﴾ يَعْنِي لِهَذِهِ القُرى المُهْلِكَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا ﴾ الآيَةُ،:يَعْنِي هَلّا نَصَرَتْهم أصْنامُهُمُ الَّتِي اتَّخَذُوها.

و ﴿ "قُرْبانًا" ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الثانِي بِـ "اتَّخَذُوا" و"آلِهَةً" بَدَلٌ مِنهُ، وإمّا أنْ يَكُونَ حالًا.

و"آلِهَةً" المَفْعُولُ الثانِي، والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو الضَمِيرُ العائِدُ عَلى: ﴿ "الَّذِينَ اتَّخَذُوا"، ﴾ والتَقْدِيرُ: اتَّخَذُوهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ ضَلُّوا عنهُمْ ﴾ مَعْناهُ: أتْلَفُوا لَهم حَتّى لَمْ يَجِدُوهم في وقْتِ حاجَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَذَلِكَ" تَخْتَلِفُ الإشارَةُ بِهِ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ القِراءاتِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ "إفْكُهُمْ"، ﴾ فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الفاءِ وضَمِّ الكافِ، فالإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- إلى قَوْلِهِمْ في الأصْنامِ: إنَّها آلِهَةٌ، وذَلِكَ هو اتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً، وكَذَلِكَ هي الإشارَةُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "أفْكُهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةٌ في الإفْكِ، وهُما بِمَعْنى الكَذِبِ، وكَذَلِكَ هي الإشارَةُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "أفْكُهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ والكافِ عَلى الفِعْلِ الماضِي، بِمَعْنى: صَرَفَهُمْ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبِي عِياضٍ، وعِكْرِمَةَ، وحَنْظَلَةَ بْنِ النُعْمانِ، وقَرَأ أبُو عِياضٍ أيْضًا، وعِكْرِمَةُ -فِيما حَكى الثَعْلَبِيُّ -: "أفَّكَهُمْ" بِشَدِّ الفاءِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ والكافِ، وذَلِكَ عَلى تَعْدِيَةِ الفِعْلِ بِالتَضْعِيفِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ: "آفَكَهُمْ" بِمَدِّ الهَمْزَةِ، وفَتْحِ الفاءِ والكافِ عَلى التَعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ، قالَ الزَجّاجُ: جَعَلَهم يَأْفِكُونَ، كَما يُقالُ: أُكَفِّرُهُمْ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيما رَوى قُطْرُبٌ: "آفَكَهُمْ" بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ مَمْدُودَةٍ وفاءٍ مَكْسُورَةٍ، وكافٍ مَضْمُومَةٍ عَلى وزْنِ فاعِلٍ، بِمَعْنى: صارَفَهُمْ، وحَكى الفَرّاءُ أنَّهُ يَقْرَأُ: "أفَكَهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ وضَمِّ الكافِ، وهي لُغَةٌ في "الإفْكِ"، والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" عَلى هَذِهِ القِراءاتِ الَّتِي لَيْسَتْ مَصْدَرًا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى الأصْنامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً فَلا تَحْتاجُ إلى عائِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي" فَهُناكَ عائِدٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يَفْتَرُونَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ ﴾ ابْتِداءُ قِصَّةِ الجِنِّ ووَفادَتُهم عَلى النَبِيِّ  .

و"صَرَفْنا" مَعْناهُ: رَدَدْناهم عن حالٍ ما، ويُحْتَمَلُ أنَّها الِاسْتِماعُ في السَماءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كُفْرَهم قَبْلَ الوِفادَةِ، وذَلِكَ بِحَسَبِ الِاخْتِلافِ هُنا، هَلْ هُمُ الوَفْدُ أوِ المُتَجَسِّسُونَ؟

ورُوِيَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ قَبْلَ مَبْعَثِ النَبِيِّ  تَسْتَرِقُ السَمْعَ مِنَ السَماءِ، فَلَمّا بُعِثَ النَبِيُّ  حُرِسَتْ بِالشُهُبِ الراجِمَةِ، فَضاقَتِ الجِنُّ ذَرْعًا بِذَلِكَ، وأتى رَأْيُ مَلَئِهِمْ عَلى الِافْتِراقِ في أقْطارِ الأرْضِ وطَلَبِ السَبَبِ المُوجِبِ لِهَذا الرَجْمِ والمَنعِ مِنِ اسْتِراقِ السَمْعِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ.

واخْتَلَفَ الرُواةُ بَعْدُ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: «جاءَتْ طائِفَةٌ مِنَ الجِنِّ إلى النَبِيِّ  وهو لا يَشْعُرُ، فَسَمِعُوا القُرْآنَ، ووَلُّوا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، ولَمْ يَعْرِفِ النَبِيُّ  بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ حَتّى عَرَّفَهُ اللهُ تَعالى بِذَلِكَ كُلِّهِ، وكانَ سَماعُهم لِقِراءَتِهِ وهو بِنَخْلَةٍ عِنْدَ سُوقِ عُكاظٍ، وهو يَقْرَأُ في صَلاةِ الفَجْرِ،» وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أشْعَرَهُ اللهُ تَعالى بِوِفادَةِ الجِنِّ عَلَيْهِ واسْتَعَدَّ لِذَلِكَ، ووَفَدَ عَلَيْهِ أهْلُ نَصِيبِينَ مِنهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَحْرِيرُ في هَذا أنَّ النَبِيَّ  جاءَهُ جِنٌّ دُونَ أنْ يَعْرِفَ بِهِمْ، وهُمُ المُتَفَرِّقُونَ مِن أجْلِ الرَجْمِ، وهَذا هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ  ﴾ الآيَةُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وفَدَ عَلَيْهِ وفْدٌ، وهو المَذْكُورُ صَرْفُهُ في هَذِهِ الآيَةِ.

قالَ قَتادَةُ: صَرَفُوا إلَيْهِ مِن نِينَوى، أشْعُرُ بِهِ قَبْلَ وُرُودِهِ، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَشْعُرْ بِهِ، واخْتَلَفَ في عَدَدِهِمُ اخْتِلافًا مُتَباعِدًا فاخْتَصَرْتُهُ لِعَدَمِ الصِحَّةِ في ذَلِكَ، أمّا ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَقالَ: كانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ مَن أهْلِ نَصِيبِينَ، وقالَ زِرُّ: كانُوا تِسْعَةً فِيهِمْ زَوْبَعَةُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أحادِيثٌ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "إنِّي خارِجٌ إلى وفْدِ الجِنِّ، فَمَن شاءَ يَتْبَعُنِي"، فَسَكَتَ أصْحابُهُ، فَقالَها ثانِيَةً، فَسَكَتُوا، فَقالَ عَبْدُ اللهِ: أنا أتْبَعُكَ، قالَ: فَخَرَجْتُ مَعَهُ حَتّى جاءَ شِعْبَ الحُجُونَ، فَأدارَ لِي دائِرَةً وقالَ: "لا تَخْرُجُ مِنها"، ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي، فَسَمِعْتُ لَغَطًا ودَوِيًّا كَدَوِيِّ النُسُورِ الكاسِرَةِ، ثُمَّ في آخِرِ اللَيْلِ جاءَ رَسُولُ اللهِ  بَعْدَ أنْ قَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ وعَلَّمَهُمْ، وأعْطاهم زادًا في كُلِّ عَظْمٍ ورَوْثَةٍ، فَقالَ: "يا عَبْدَ اللهِ، ما رَأيْتَ؟" قالَ: فَأخْبَرْتُهُ، فَقالَ: "لَقَدْ كُنْتُ أخْشى أنْ تَخْرُجَ فَيَخْطَفُكَ بَعْضُهُمْ"، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، سَمِعْتُ لَهم لَغَطًا، فَقالَ: "إنَّهم تَدارَءُوا في قَتِيلٍ لَهُمْ، فَحَكَمْتُ بِالحَقِّ بَيْنَهُمْ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واضْطَرَبَتِ الرِواياتُ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ورُوِيَ عنهُ ما ذَكَرْنا.

ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ رَأى رِجالًا مِنَ الجِنِّ وهم شَبَهُ رِجالِ الزُطِّ السُودِ الطِوالِ حِينَ رَآهم بِالكُوفَةِ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: ما شاهَدَ أحَدٌ مِنّا لَيْلَةَ الجِنِّ مَعَ رَسُولِ اللهِ  ، فاخْتُصِرَتْ هَذِهِ الرِواياتُ وتَطْوِيلُها لِعَدَمِ صِحَّتِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ المَصْرُوفِينَ رِجالًا لا أُنْثى فِيهِمْ، فالنَفَرُ والرَهْطُ والقَوْمُ الَّذِينَ لا أُنْثى فِيهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا ﴾ فِيهِ تَأدُّبٌ مَعَ العِلْمِ وتَعْلِيمٌ كَيْفَ يَتَعَلَّمُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "قُضِيَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ حَبِيبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُبَيْرِ، وأبُو مَجْلَزٍ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أيْ: قَضى مُحَمَّدٌ  القِراءَةَ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: «قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ، فَكانَ إذا قالَ: "فَبِأيِ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " قالُوا: لا شَيْءَ مِن آلائِكَ رَبَّنا نُكَذِّبُ، رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ،» ولَمّا ولَّتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَفَرَّقَتْ عَلى البِلادِ مُنْذِرَةً لِلْجِنِّ، قالَ قَتادَةُ: ما أسْرَعَ ما عَقَلَ القَوْمُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهُنالِكَ وقَعَتْ قِصَّةُ سَوادَ وشِصارَ وخَنافَرَ وأشْباهَهم صَلّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ ورَسُولِهِ وسَلَّمَ.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ يَـٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ٣٠ يَـٰقَوْمَنَآ أَجِيبُوا۟ دَاعِىَ ٱللَّهِ وَءَامِنُوا۟ بِهِۦ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍۢ ٣١ وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِىَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءُ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ ٣٢ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحْـِۧىَ ٱلْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰٓ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٣٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ ﴾ ﴿ وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أولِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنَّ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ المَعْنى: قالَ هَؤُلاءِ المُنْذِرُونَ لَمّا بَلَغُوا قَوْمَهُمْ: ﴿ يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى ﴾ ، وهو القُرْآنُ العَظِيمُ، وخَصَّصُوا مُوسى  لِأحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا لِأنَّ هَذِهِ الطائِفَةَ كانَتْ تَدِينُ بِدِينِ اليَهُودِ، وإمّا لِأنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدًا  وبَشَّرَ بِهِ، فَأشارُوا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن حَيْثُ كانَ الأمْرُ مَذْكُورًا في تَوْراتِهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: لَمْ يَكُونُوا عَلِمُوا أمْرَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿ مِن بَعْدِ مُوسى ﴾ ، وقَوْلُهُمْ: ﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ يُؤَيِّدُ هَذا.

و"ما بَيْنَ يَدَيْهِ" هي التَوْراةُ والإنْجِيلُ، و ﴿ "الحَقِّ" ﴾ و"الصِراطِ المُسْتَقِيمِ" هُنا بِمَعْنًى مُتَقارِبٍ، لَكِنَّ مِن حَيْثُ اخْتَلَفَ اللَفْظُ -وَرُبَّما كانَ الحَقُّ أعَمَّ- وكَأنَّ أحَدَهُما قَدْ يَقَعُ في مَواضِعَ لا يَقَعُ فِيها الآخَرُ، حَسَنُ التَكْرارِ.

و"داعِيَ اللهِ" هو مُحَمَّدٌ  ، والضَمِيرُ فِي: "بِهِ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ مَعْناهُ: يَغْفِرُ اللهُ لَكم.

، وقَوْلُهُ: ﴿ "وَيُجِرْكُمْ" ﴾ مَعْناهُ: يَمْنَعُكم ويَجْعَلُ دُونَكم جَوارٍ حِفْظِهِ حَتّى لا يَنالَكم عَذابٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ ﴾ الآيَةُ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ المُنْذِرِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ  ، والمُرادُ بِها إسْماعُ الكُفّارِ، وتَعَلُّقُ اللَفْظِ إلى هَذا المَعْنى مِن قَوْلِ الجِنِّ: ﴿ أجِيبُوا داعِيَ اللهِ ﴾ ، فَلَمّا حَكى ذَلِكَ قِيلَ: ﴿ وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ ﴾ فَهو بِحالِ كَذا، والمُعْجِزُ: الذاهِبُ في الأرْضِ الَّذِي يُبْدِي عَجْزَ طالِبِهِ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَلَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ" بِزِيادَةِ مِيمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ الضَمِيرُ لِقُرَيْشٍ، وهَذِهِ آيَةُ مَثَلٍ واحْتِجاجٍ، لِأنَّهم قالُوا: إنَّ الأجْسادَ لا يُمْكِنُ أنْ تُبْعَثَ ولا تُعادَ، وهم مَعَ ذَلِكَ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ فَأُقِيمَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ مِن أقْوالِهِمْ.

والرُؤْيَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ رُؤْيَةُ القَلْبِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَلَمْ يَعْيَ" ﴾ بِسُكُونِ العَيْنِ وفَتْحِ الياءِ الأخِيرَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "يَعِيَ" بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ، وذَلِكَ عَلى حَذْفٍ، والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "بِقادِرٍ" ﴾ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، فَمِن حَيْثُ تَقَدَّمَ نَفْيٌ في صَدْرِ الكَلامِ حَسَنُ التَأْكِيدِ بِالباءِ، وإنْ لَمْ يَكُنِ المَنفِيُّ ما دَخَلَتْ هي عَلَيْهِ، كَما هي في قَوْلِكَ: "ما زَيْدٌ بِقائِمٍ"، كانَ بَدَلَ "أوَلَمْ يَرَوْا" "أوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والجُمْهُورُ: "بِقادِرٍ"، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ- وعِيسى، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "يَقْدِرُ" بِالياءِ عَلى فِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ وغَلِطَ قِراءَةُ الجُمْهُورِ لِقَلَقِ الباءِ عِنْدَهُ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَلِمَ يَعِي بِخَلْقِهِنَّ قادِرٌ" بِغَيْرِ باءٍ، و ﴿ "بَلى" ﴾ جَوابٌ بَعْدَ النَفْيِ المُتَقَدِّمِ، فَهي إيجابٌ لِما نُفِيَ، والمَعْنى: بَلى رَأوا ذَلِكَ، أيْ: لَوْ نَفَعَهم ووَقَعَ في قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ اللَفْظَ الإخْبارُ المُؤَكَّدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ٣٤ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ۚ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةًۭ مِّن نَّهَارٍۭ ۚ بَلَـٰغٌۭ ۚ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ٣٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ ﴿ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ، وهَذا وعِيدٌ لِلْكُفّارِ مِن قُرَيْشٍ وسِواهُمْ، و"العَرْضُ" -فِي هَذِهِ الآيَةِ- عَرْضُ مُباشَرَةٍ، كَما تَقُولُ: عَرَضْتُ الجانِي عَلى السَوْطِ، والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ألَيْسَ هَذا العَذابُ حَقًّا وقَدْ كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ؟

فَيُجِيبُونَ: بَلى ورَبِّنا، فَذَلِكَ تَصْدِيقٌ حَيْثُ لا يَنْفَعُ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: إنَّهم لِيَعُذَّبُونِ في النارِ وهم راضُونَ بِذَلِكَ لِأنْفُسِهِمْ، فَيَعْتَرِفُونَ أنَّهُ العَدْلُ، فَيَقُولُ لَهُمُ المَحاوِرُ مِنَ المَلائِكَةِ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ أيْ: بِسَبَبِ كُفْرِكم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فاصْبِرْ" ﴾ الفاءُ عاطِفَةُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الوُصاةِ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الإخْبارِ عن حالِ الكَفَرَةِ في الآخِرَةِ، والمَعْنى بَيْنَهُما مُرْتَبِطٌ، أيْ: هَذِهِ حالُهم مَعَ اللهِ تَعالى، فَلا تَسْتَعْجِلُ أنْتَ فِيما حَمَلَتْهُ، واصْبِرْ لَهُ، ولا تَخَفْ في اللهِ أحَدًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الرُسُلِ ﴾ تَبْعِيضٌ، والمُرادُ مَن حُفِظَتْ لَهُ مَعَ قَوْمِهِ شِدَّةٌ ومُجاهَدَةٌ كَنُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وغَيْرِهِمْ صَلّى اللهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ، هَذا قَوْلُ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ وغَيْرِهِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ما مَعْناهُ: إنَّ "مِنَ" لِبَيانِ الجِنْسِ، قالَ: والرُسُلُ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ كُلُّهم أُولُو العَزْمِ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ ﴾ يَتَضَمَّنُ رُسُلًا وغَيْرَهُمْ، فَبَيَّنَ بَعْدِ ذَلِكَ جِنْسَ الرُسُلِ خاصَّةً تَعْظِيمًا لَهُمْ، ولِتَكُونَ القُدْوَةُ المَضْرُوبَةُ لِمُحَمَّدٍ  أشْرَفَ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ هَذا القَوْلَ عن عَلِيِّ بْنِ مَهْدِيٍّ الطَبَرِيِّ، وحُكِيَ عن أبِي القاسِمِ الحَكِيمِ أنَّهُ قالَ: الرُسُلُ عَلَيْهِمُ السَلامُ كُلُّهم أُولُو عَزْمٍ إلّا يُونُسُ  ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: هُمُ الثَمانِيَةَ عَشَرَ المَذْكُورِينَ في سُورَةِ الأنْعامِ، لِأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى قالَ بِعَقِبِ ذِكْرِهِمْ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ  ﴾ .

وقالَ مُقاتِلٌ: هم سِتَّةٌ: نُوحٌ صَبَرَ عَلى أذى قَوْمِهِ طَوِيلًا، وإبْراهِيمُ  صَبَرَ عَلى النارِ، وإسْحاقُ  صَبَرَ نَفْسَهُ لِلذَّبْحِ، ويَعْقُوبُ  صَبَرَ عَلى الفَقْدِ لِوَلَدِهِ وعَمى بَصَرُهُ، وقالَ "فَصَبْرٌ جَمِيلٌ" ويُوسُفُ  صَبَرَ عَلى السَجْنِ، وأيُّوبُ صَبَرَ عَلى البَلاءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وانْظُرْ أنَّ النَبِيَّ  قالَ في مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: « "يَرْحَمُ اللهُ مُوسى، أُوذِيَ بِأكْثَرِ مِن هَذا فَصَبَرَ"»، ولا مَحالَةَ أنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ ورَسُولٍ عَزْمًا وصَبْرًا صَلّى اللهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ﴾ مَعْناهُ: لا تَسْتَعْجِلُ لَهم عَذابًا، فَإنَّهم إلَيْهِ صائِرُونَ، ولا تَسْتَطِلْ تَعْمِيرَهم في هَذِهِ النِعْمَةِ، فَإنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ العَذابَ كَأنَّهم لَمْ يَلْبَثُوا في الدُنْيا إلّا ساعَةً، لِاحْتِقارِهِمْ ذَلِكَ، لِأنَّ المُنْقَضِي مِنَ الزَمانِ إنَّما يَصِيرُ عَدَمًا، فَكَثِيرُهُ الَّذِي ساءَتْ عاقِبَتُهُ كالقَلِيلِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ساعَةً مِنَ النَهارِ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "بَلاغٌ" وذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَعانِي: أحَدُها: أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ، المَعْنى: هَذا بَلاغٌ، وتَكُونُ الإشارَةُ بِـ"هَذا" إمّا إلى القُرْآنِ والشَرْعِ، أيْ: هَذا إنْذارٌ وتَبْلِيغٌ، وإمّا إلى المُدَّةِ الَّتِي تَكُونُ كَساعَةٍ مِنَ النَهارِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً كانَتْ بَلاغَهُمْ، وهَذا كَما تَقُولُ: "مَتاعٌ قَلِيلٌ" ونَحْوُهُ مِنَ المَعْنى.

والثانِي: أنْ يَكُونَ ابْتِداءً والخَبَرُ مَحْذُوفٌ.

والثالِثُ: ما قالَهُ أبُو مَجْلَزٍ، فَإنَّهُ كانَ يَقِفُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "وَلا تَسْتَعْجِلْ"، ويَقُولُ: "بَلاغٌ" ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ مُتَقَدِّمٌ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَهُمْ"، وقَدَحَ الناسُ في هَذا القَوْلِ بِكَثِيرَةِ الحائِلِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وعِيسى: "بَلاغًا"، وهي قِراءَةٌ تَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ في قِراءَةِ الرَفْعِ، ولَيْسَ يَدْخُلُها قَوْلُ أبِي مِجْلَزٍ، ونَصَبَها بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو سِراجٍ الهُذَلِيُّ: "بَلِّغْ" عَلى الأمْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بَلاغٍ" بِالخَفْضِ نَعْتًا للنَّهارِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "فَهَلْ يُهْلَكُ" ﴾ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ.

وقَرَأ بَعْضُهم -فِيما حَكى هارُونُ-: "فَهَلْ يَهْلَكُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ وكَسْرِ اللامِ، وحَكاها أبُو عَمْرٍو عَنِ الحَسَنِ وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وقَرَأ أبُو مُحَيْصِنٍ أيْضًا بِفَتْحِ الياءِ واللامِ.

قالَ أبُو الفَتْحِ: وهي مَرْغُوبٌ عنها.

ورَوى زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ «عَنِ النَبِيِّ  : "فَهَلْ يَهْلَكُ"» بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللامِ "إلّا القَوْمَ الفاسِقِينَ" بِالنَصْبِ.

وفِي هَذِهِ الألْفاظِ وعِيدٌ مَحْضٌ وإنْذارٌ بَيِّنٌ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثالِها والسَيِّئَةَ بِمِثْلِها، وأمَرَ بِالطاعَةِ ووَعَدَ عَلَيْها بِالجَنَّةِ، ونَهى عَنِ الكُفْرِ وأوعَدَ عَلَيْهِ بِالنارِ، « "فَلَنْ يَهْلَكَ عَلى اللهِ إلّا هالِكٌ"» كَما قالَ  .

قالَ الثَعْلَبِيًّ: يُقالُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَهَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ ﴾ أرْجى آيَةً في كِتابِ اللهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الأحْقافِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله