المحرر الوجيز سورة الحجرات

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الحجرات

تفسيرُ سورةِ الحجرات كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 46 دقيقة قراءة

تفسير سورة الحجرات كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ ١ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَرْفَعُوٓا۟ أَصْوَٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِىِّ وَلَا تَجْهَرُوا۟ لَهُۥ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَـٰلُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ٢ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَٰتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ۚ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ٣

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحُجُراتِ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللهِ إنَّ اللهِ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهِ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ كانَتْ عادَةُ العَرَبِ -وَهِيَ إلى الآنِ- الِاشْتِراكُ في الآراءِ، وأنْ يَتَكَلَّمَ كُلٌّ بِما شاءَ ويَفْعَلَ ما أحَبَّ، فَمَشى بَعْضُ الناسِ مِمَّنْ لَمْ تَتَمَرَّنْ نَفْسُهُ مَعَ النَبِيِّ  عَلى بَعْضِ ذَلِكَ، قالَ قَتادَةُ: فَرُبَّما قالَ قَوْمٌ: لَوْ نَزَلَ كَذا وكَذا في مَعْنى كَذا، ولَوْ فَعَلَ اللهُ كَذا، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ كَذا، وأيْضًا فَإنَّ قَوْمًا ذَبَحُوا ضَحاياهم قَبْلَ النَبِيِّ  ، حَكاهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَوْمًا فَعَلُوا في بَعْضِ حُرُوبِهِ وغَزَواتِهِ شَيْئًا بِآرائِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ناهِيَةً عن جَمِيعِ ذَلِكَ.

وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن مَسْرُوقٍ أنَّهُ قالَ: «دَخَلْتُ عَلى عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها في يَوْمِ الشَكِّ، فَقالَتْ لِلْجارِيَةِ: اسْقِهِ عَسَلًا، فَقُلْتُ: إنِّي صائِمٌ، فَقالَتْ: نَهى رَسُولُ اللهِ  عن صِيامِ هَذا اليَوْمِ،» وفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿ لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ ورَسُولِهِ ﴾ ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى "لا تُقَدِّمُوا": لا تَمْشُوا بَيْنَ يَدَيِ رَسُولِ اللهِ، وكَذَلِكَ بَيْنَ يَدَيِ العُلَماءِ، فَإنَّهم ورَثَةُ الأنْبِياءِ، وتَقُولُ العَرَبُ: تَقَدَّمْتُ في كَذا وكَذا وتَقَدَّمْتُ فِيهِ إذا قُلْتَ فِيهِ.

وَقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "تُقَدِّمُوا" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الدالِّ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، ويَعْقُوبُ، بِفَتْحِ التاءِ والدالِ عَلى مَعْنى: لا تَتَقَدَّمُوا، وعَلى هَذا يَجِيءُ تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ في المَشْيِ، والمَعْنى عَلى ضَمِّ التاءِ: بَيْنَ يَدَيِ قَوْلِ اللهِ ورَسُولِهِ.

ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ هو «أنْ وفْدُ بَنِي تَمِيمٍ لَمّا قَدِمَ قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أمَّرْتَ الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يا رَسُولَ اللهِ بَلْ أمِّرِ القَعْقاعَ بْنَ مَعْبَدٍ، فَقالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما أرَدْتَ إلّا خِلافِي، ويُرْوى: إلى خِلافِي، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما أرَدْتَ خِلافَكَ، وارْتَفَعَتْ أصْواتُها، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ،» وذَهَبَ بَعْضُ قائِلِي هَذِهِ المَقالَةِ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "لا تُقَدِّمُوا" مَعْناهُ: لا تُقَدِّمُوا وُلاةً، فَهو مِن تَقَدُّمِ الأُمَراءِ، وعُمُومُ اللَفْظِ أحْسَنُ، أيْ: اجْعَلُوهُ مَبْدَأً في الأقْوالِ والأفْعالِ.

و"سَمِيعٌ" مَعْناهُ: لِأقْوالِكُمْ، و"عَلِيمٌ" مَعْناهُ: بِأفْعالِكم ومُقْتَضى أقْوالِكم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَبِيِّ ﴾ الآيَةُ هي أيضًا في ذَلِكَ الفَنِّ المُتَقَدِّمِ، ورَوى أنَّ سَبَبَها كَلامُ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما المُتَقَدِّمُ في أمْرِ الأقْرَعِ والقَعْقاعِ، والصَحِيحُ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ عادَةِ الأعْرابِ في الجَفاءِ وعُلُوِّ الصَوْتِ والعنجَهِيَّةِ، «وَكانَ ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في صَوْتِهِ جَهارَةٌ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ اهْتَمَّ وخافَ عَلى نَفْسِهِ وجَلَسَ في بَيْتِهِ لَمْ يَخْرُجْ وهو كَئِيبٌ حَزِينٌ، حَتّى عَرَفَ رَسُولُ اللهِ  خَبَرَهُ، فَبَعَثَ فِيهِ فَآنَسَهُ وقالَ لَهُ: "امْشِ في الأرْضِ بَسْطًا فَإنَّكَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ"،» وقالَ لَهُ مَرَّةً: « "أما تَرْضى أنْ تَعِيشَ حَمِيدًا، وتَمُوتَ شَهِيدًا"»، فَعاشَ كَذَلِكَ ثُمَّ قُتِلَ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِاليَمامَةِ يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ.

وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "لا تَرْفَعُوا بِأصْواتِكُمْ" بِزِيادَةِ الباءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ ﴾ أيْ: كَحالِ جَهْرِكم في جَفائِهِ وكَوْنِهِ مُخاطَبَةً بِالأسْماءِ والألْقابِ، وكانُوا يَدْعُونَ النَبِيَّ  : يا مُحَمَّدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، فَأمَرَهُمُ اللهُ تَعالى بِتَوْقِيرِهِ وأنْ يَدْعُوَهُ بِالنَبْوِهِ والرِسالَةِ والكَلامِ اللَيِّنِ، فَتِلْكَ حالَةُ المُوَقَّرِ، وكَرِهَ العُلَماءُ رَفْعَ الصَوْتِ عِنْدَ قَبْرِ النَبِيِّ  وبِحَضْرَةِ العالَمِ وفي المَساجِدِ، وفي هَذِهِ كُلِّها آثارٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: "أنْ تَحْبَطَ" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ: مَخافَةَ أنْ تَحْبَطَ، والحَبْطُ: إفْسادُ العَمَلِ بَعْدَ تُقَرُّرِهِ، يُقالُ حَبِطَ بِكَسْرِ الباءِ، وأحْبَطَهُ اللهُ، وهَذا الحَبْطُ إنْ كانَتِ الآيَةُ مُعَرِّضَةٌ بِمَن يَفْعَلُ ذَلِكَ اسْتِخْفافًا واحْتِقارًا وجُرْأةً فَذَلِكَ كُفْرٌ والحَبْطُ: مَعَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، وإنْ كانَ التَعْرِيضُ لِلْمُؤْمِنِ الفاضِلِ الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ غَفْلَةً وجَرْيًا عَلى طَبْعِهِ فَإنَّما يُحْبِطُ عَمَلُهُ البِرَّ في تَوْقِيرِ النَبِيِّ  وغَضِّ الصَوْتِ عِنْدَهُ أنْ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: أنْ تُحْبَطَ الأعْمالُ الَّتِي هي مُعَدَّةٌ أنْ تَعْمَلُوها فَتُؤْجَرُوا عَلَيْها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنْ تَأْثَمُوا ويَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا إلى الوَحْشَةِ في نُفُوسِكُمْ، فَلا تَزالُ مُعْتَقَداتُكم تَتَدَرَّجُ القَهْقَرى حَتّى يُؤَوَّلَ ذَلِكَ إلى الكُفْرِ فَتُحْبَطُ الأعْمالُ حَقِيقَةً، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها مُخاطَبَةٌ لِفُضَلاءِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ احْتِقارًا، وذَلِكَ أنَّهُ لا يُقالُ لِمُنافِقٍ يَعْمَلُ ذَلِكَ جُرْأةً: "وَأنْتَ لا تَشْعُرُ" لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ يَعْتَقِدُهُ هو عَمَلًا، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "فَتَحْبَطَ أعْمالُكُمْ".

ثُمَّ مَدَحَ تَعالى الصِنْفَ المُخالِفَ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وهُمُ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ النَبِيِّ  ، وغَضُّ الصَوْتِ: خَفْضُهُ وكَسْرُهُ، وكَذَلِكَ البَصَرُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: فَغُضَّ الطَرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ...................

ورُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما كانا بَعْدَ ذَلِكَ لا يُكَلِّمانِ رَسُولَ اللهِ  إلّا كَأخِي السِرارِ، وأنَّ النَبِيَّ  كانَ يَحْتاجُ مَعَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى اسْتِعادَةِ اللَفْظِ؛ لِأنَّهُ كانَ لا يَسْمَعُهُ مِن إخْفائِهِ إيّاهُ.

و"امْتَحَنَ" مَعْناهُ: اخْتَبَرَ وطَهَّرَ كَما يُمْتَحَنُ الذَهَبُ بِالنارِ، فَيَسَّرَها وهَيَّأها لِلتَّقْوى، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: امْتُحِنَ لِلتَّقْوى: أذْهَبَ عنها الشَهَواتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: مَن غَلَبَ شَهْوَتَهُ وغَضَبَهُ فَذَلِكَ الَّذِي امْتَحَنَ اللهُ قَلْبَهُ لِلتَّقْوى، وبِذَلِكَ تَكُونُ الِاسْتِقامَةُ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَٰتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ٤ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا۟ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٥ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌۢ بِنَبَإٍۢ فَتَبَيَّنُوٓا۟ أَن تُصِيبُوا۟ قَوْمًۢا بِجَهَـٰلَةٍۢ فَتُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَـٰدِمِينَ ٦ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ ٧ فَضْلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهم واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ﴾ ﴿ واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ ولَكِنَّ اللهِ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ أُولَئِكَ هُمُ الراشِدُونَ ﴾ ﴿ فَضْلا مِنَ اللهِ ونِعْمَةً واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "غَفُورٌ رَحِيمٌ" ﴾ نَزَلَتْ في وفْدِ بَنِي تَمِيمٍ، حَيْثُ كانَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ، والزَبْرَقانُ بْنُ بَدْرٍ، وعَمْرُو بْنُ الأهْتَمِ، وغَيْرُهُمْ، وذَلِكَ «أنَّهم وفَدُوا عَلى رَسُولِ اللهِ  فَدَخَلُوا المَسْجِدَ ودَنَوْا مِن حُجَرِ أزْواجِ النَبِيِّ  وهي تِسْعُ، فَجَعَلُوا ونادَوْا ولَمْ يَنْتَظِرُوا، فَنادَوْا بِجُمْلَتِهِمْ: يا مُحَمَّدُ، اخْرُجْ إلَيْنا، يا مُحَمَّدُ، اخْرُجْ إلَيْنا، فَكانَ في فِعْلِهِمْ ذَلِكَ جَفاءٌ وبَداوَةٌ وقِلَّةُ تَوْقِيرٍ، فَتَرَبَّصَ رَسُولُ اللهِ  مُدَّةً، ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ مَدْحِي زَيْنٌ، وذَمِّي شَيْنٌ، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ  : "وَيْلَكَ ذَلِكَ اللهُ تَعالى"، واجْتَمَعَ الناسُ في المَسْجِدِ، فَقامَ خَطِيبُهم فَخَطَبَ وفَخَرَ، فَأمَرَ رَسُولُ اللهِ  ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَخَطَبَ وذَكَرَ اللهَ تَعالى والإسْلامَ وأرْبى عَلى خَطِيبِهِمْ، ثُمَّ قامَ شاعِرُهم فَأنْشَدَ مُفْتَخِرًا، فَقامَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَفَخَرَ بِاللهِ تَعالى وبِالرَسُولِ  وبِالبَسالَةِ فَكانَ أشْعَرَ مِن شاعِرِهِمْ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: واللهِ إنَّ هَذا الرَجُلَ لَمُؤْتى لَهُ، لَخَطِيبُهُ أخْطُبُ مِن خَطِيبِنا، ولَشاعِرُهُ أشْعَرُ مِن شاعِرِنا، ثُمَّ نَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.» هَذا تَلْخِيصُ ما تَظاهَرَتْ بِهِ الرِواياتُ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ رَواهُ مُوسى بْنُ عَقَبَةَ عن أبِي سَلَمَةَ عَنِ الأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "أكْثَرُهم بَنُو تَمِيمٍ لا يَعْقِلُونَ".

و"الحُجُراتِ" جَمْعُ حُجْرَةٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "الحُجُراتُ" بِضَمِّ الحاءِ والجِيمِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ القارِئُ وحْدَهُ: "الحُجَراتُ" بِفَتْحِ الجِيمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ يَعْنِي في الثَوابِ عِنْدَ اللهِ تَعالى، وفي انْبِساطِ نَفْسِ النَبِيِّ  وقَضائِهِ لِحَوائِجِهِمْ ووِدِّهِ لَهُمْ، وذَلِكَ كُلُّهُ خَيْرٌ، لا مَحالَةَ أنَّ بَعْضَهُ انْزَوى بِسَبَبِ جَفائِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ تَرْجِيَةٌ لَهم وإعْلامٌ بِقَبُولِهِ تَوْبَةَ التائِبِ، وغُفْرانَهُ ورَحْمَتَهُ لِمَن أنابَ ورَجَعَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ ﴾ الآيَةُ.

سَبَبُها «أنَّ النَبِيَّ  بَعَثَ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ إلى بَنِي المُصْطَلِقِ مُصَدِّقًا،» فَرُوِيَ أنَّهُ كانَ مُعادِيًا لَهم فَأرادَ إذايَتَهُمْ، فَرَجَعَ مِن بَعْضِ طَرِيقِهِ وكَذَبَ عَلَيْهِمْ -قالَهُ الضَحْاكُ - وقالَ لِلنَّبِيِّ  : إنَّهم مَنَعُونِي الصَدَقَةَ وطَرَدُونِي وارْتَدُّوا، فَغَضِبَ النَبِيُّ  وهم بِغَزْوِهِمْ، ونَظَرَ في ذَلِكَ، وبَعَثَ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إلَيْهِمْ، فَوَرَدَهُ وفْدَهم مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ، ورُوِيَ عن أُمِّ سَلَمَةَ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهم أنَّ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، لَمّا قَرُبَ مِنهم خَرَجُوا إلَيْهِ مُتَلَقِّينَ لَهُ، فَرَآهم عَلى بُعْدٍ، فَفَزِعَ مِنهُمْ، وظَنَّ بِهِمُ الشَرَّ وانْصَرَفَ، فَقالَ ما ذَكَرْناهُ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَرُبَ مِنهم بَلَغَهُ عنهم أنَّهم قالُوا: لا نُعْطِيهِ الصَدَقَةَ ولا نُعْطِيهِ، فَعَمِلَ عَلى صِحَّةِ هَذا الخَبَرِ وانْصَرَفَ فَقالَ ما ذَكَرْناهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِهَذا السَبَبِ، والوَلِيدُ -عَلى ما ذَكَرَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ - هو المُشارُ إلَيْهِ بِالفاسِقِ، وحَكى الزَهْراوِيُّ: قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: هو الوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ.

ثُمَّ هي باقِيَةٌ فِيمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِفَةِ غابِرَ الدَهْرِ.

"والفِسْقُ": الخُرُوجُ عن نَهْجِ الحَقِّ، وهو مَراتِبُ مُتَبايِنَةٌ، كُلُّها مَظِنَّةٌ لِلْكَذِبِ ومَوْضِعُ تَثَبُّتٍ وتَبَيُّنٍ، وتَأنَّسَ القائِلُونَ بِقَبُولِ خَبَرِ الواحِدِ بِما يَقْتَضِيهِ دَلِيلُ خِطابِ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ غَيْرَ الفاسِقِ إذا جاءَ بِنَبَأٍ أنْ يَعْمَلَ بِحَسَبِهِ، وهَذا لَيْسَ بِاسْتِدْلالٍ قَوِيٍّ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ الكَلامِ عَلى مَسْألَةِ خَبَرِ الواحِدِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "فَتَبَيَّنُوا" مِنَ التَبَيُّنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى: "فَتُثْبِتُوا".

و"إنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: "أنْ تُصِيبُوا" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: مَخافَةَ أنْ تُصِيبُوا، قالَ قَتادَةُ: «قالَ رَسُولُ اللهِ  عِنْدَما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: "التَثَبُّتُ مِنَ اللهِ والعَجَلَةُ مِنَ الشَيْطانِ"،» قالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى مَن قالَ إنَّ المُسْلِمِينَ كُلَّهم عُدُولٌ حَتّى تَثْبُتَ الجُرْحَةُ لِأنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ بِالتَبَيُّنِ قَبْلَ القَبُولِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ يَقْتَضِي أنَّ المَجْهُولَ الحالِ يُخْشى أنْ يَكُونَ فاسِقًا، والِاحْتِياطُ لازِمٌ.

قالَ النَقّاشُ: وقَوْلُهُ تَعالى: "فَتُبَيِّنُوا" أبْلَغُ مِن تَثَبَّتُوا؛ لِأنَّهُ قَدْ يَتَثَبَّتُ مَن لا يَتَبَيَّنُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللهِ ﴾ تَوْبِيخٌ لِلْكِذْبَةِ ووَعِيدٌ لِلْفَضِيحَةِ، أيْ: فَلْيُفَكِّرِ الكاذِبُ في أنَّ اللهَ يَفْضَحُهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ  ، ثُمَّ قالَ: ﴿ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ ﴾ ، أيْ لَشَقِيتُمْ وهَلَكْتُمْ، والعَنَتُ: المَشَقَّةُ، أيْ: لَوْ يُطِيعُكم أيُّها المُؤْمِنُونَ في كَثِيرٍ مِمّا تَرَوْنَهُ بِاجْتِهادِكم وتَقَدُّمِكم بَيْنَ يَدَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ ﴾ الآيَةُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولَكِنَّ اللهَ أنْعَمَ بِكَذا وكَذا، وفي ذَلِكَ كِفايَةٌ وأمْرٌ لا تَقُومُونَ بِشُكْرِهِ، فَلا تَتَقَدَّمُوا في الأُمُورِ واقْنَعُوا بِإنْعامِ اللهِ تَعالى عَلَيْكُمْ، وحَبَّبَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى الإيمانَ وزَيَّنَهُ بِأنْ خَلَقَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ حُبَّهُ وحَسَّنَهُ، وكَذَلِكَ تَكْرِيهُ الكُفْرِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ، وحَكى الرُمانِيُّ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ حَبَّبَ الإيمانَ بِما وصَفَ مِنَ الثَوابِ عَلَيْهِ، وكَرِهَ الثَلاثَةَ المُقابِلَةَ لِلْإيمانِ بِما وصَفَ مِنَ العِقابِ عَلَيْها.، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الراشِدُونَ ﴾ رُجُوعٌ مِنَ الخِطابِ إلى ذِكْرِ الغَيْبَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ومَن فَعَلَ هَذا وقَبِلَهُ وشَكَرَ عَلَيْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الراشِدُونَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَضْلا مِنَ اللهِ ونِعْمَةً ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ بِنَفْسِهِ، لِأنَّ ما قَبْلَهُ هو بِمَعْناهُ؛ إذِ التَحْبِيبُ والتَزْيِينُ هو نَفْسُ الفَضْلِ، وقَدْ يَجِيءُ المَصْدَرُ مُؤَكِّدًا لِما قَبْلَهُ إذا لَمْ يَكُنْ هو نَفْسُ ما قَبْلَهُ، كَقَوْلِكَ: جاءَ زَيْدٌ حَقًّا ونَحْوُهُ، وكانَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى يَقُولُ: قَدْ قالَ تَعالى لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ  : ﴿ واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ ﴾ ، وأنْتُمْ واللهِ أسْخَفُ رَأْيًا وأطْيَشُ أحْلامًا، فَلْيَتَّهِمْ رَجُلٌ نَفْسَهُ ولِيَنْتَصِحْ كِتابَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

<div class="verse-tafsir"

وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُوا۟ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنۢ بَغَتْ إِحْدَىٰهُمَا عَلَى ٱلْأُخْرَىٰ فَقَـٰتِلُوا۟ ٱلَّتِى تَبْغِى حَتَّىٰ تَفِىٓءَ إِلَىٰٓ أَمْرِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ وَأَقْسِطُوٓا۟ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ٩ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌۭ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ١٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللهِ فَإنْ فاءَتْ فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ وأقْسِطُوا إنَّ اللهِ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ﴾ ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكم واتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ "طائِفَتانِ" مَرْفُوعٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، والطائِفَةُ: الجَماعَةُ، وقَدْ تَقَعُ عَلى الواحِدِ، واحْتَجَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ  ﴾ ، ورَأى بَعْضُ الناسِ أنَّهُ يُجْزى أنْ يَشْهَدَ حَدّا الزُناةِ رَجُلٌ واحِدٌ، فَهَذِهِ الآيَةُ الحُكْمُ فِيها في الأفْرادِ وفي الجَماعاتِ واحِدٌ.

واخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ والجُمْهُورُ: سَبَبُها ما وقَعَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُتَحَزِّبِينَ مِنهم أيْضًا مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ حِينَ «مَرَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ  وهو مُتَّجِهٌ لِزِيارَةِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في مَرَضِهِ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِيٍّ لَمّا غَشِيَهُ حِمارُ رَسُولِ اللهِ  : لا تُغَبِّرُوا عَلَيْنا، ولَقَدْ آذانا نَتَنُ حِمارِكَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَواحَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ الحَدِيثَ بِطُولِهِ فَتَلاحى الناسُ حَتّى وقَعَ بَيْنَهم ضَرْبٌ بِالجَرِيدِ، ويُرْوى بِالحَدِيدِ.» وقالَ أبُو مالِكٍ، والحُسْنُ: سَبَبُها: أنَّ فِرْقَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ وقَعَ بَيْنَهُما قِتالٌ، فَأصْلَحَهُ رَسُولُ اللهِ  بَعْدَ جُهْدٍ ونَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

وقالَ السَدِّيُّ: كانَتْ بِالمَدِينَةِ امْرَأةٌ مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَها أُمُّ بَدْرٍ، ولَها زَوْجٌ مِن غَيْرِهِمْ، فَوَقَعَ بَيْنَهُما شَيْءٌ أوجَبَ أنْ يَأْنَفَ لَها قَوْمُها ولَهُ قَوْمُهُ، فَوَقَعَ قِتالٌ نَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ.

وَ"بَغَتْ" مَعْناهُ: طَلَبَتِ العُلُوَّ بِغَيْرِ الحَقِّ، ومُدافِعَةَ الفِئَةِ الباغِيَةِ تَتَوَجَّهُ في كُلِّ حالٍ، وأمّا التَهَيُّؤُ لِقِتالِها فَمَعَ الوُلاةِ، وقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أمُشْرِكُونَ أهْلُ صِفِّينَ والجَمَلِ؟

قالَ: لا، مِنَ الشِرْكِ فَرُّوا، قِيلَ: أفَمُنافِقُونَ؟

قالَ: لا، لِأنَّ المُنافِقِينَ لا يَذْكُرُونَ اللهَ إلّا قَلِيلًا، قِيلَ: فَما حالُهُمْ؟

قالَ: إخْوانُنا بَغَوْا عَلَيْنا، وقالَ النَبِيُّ  : « "حُكْمُ اللهِ تَعالى في الفِئَةِ الباغِيَةِ ألّا يَجْهَزَ عَلى جَرِيحٍ، ولا يُطْلَبُ هارِبٌ، ولا يُقْتَلُ أسِيرٌ".» و"تَفِيءَ" مَعْناهُ: تَرْجِعُ، و"الإقْساطُ": الحُكْمُ بِالعَدْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ ﴾ ، يُرِيدُ إخْوَةَ الدِينِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "بَيْنَ أخَوَيْكُمْ" وذَلِكَ رِعايَةً لِحالِ أقَلِّ عَدَدٍ يَقَعُ فِيهِ القِتالُ والتَشاجُرُ، والجَماعَةُ مَتى قَصَدُوا الإصْلاحَ فَإنَّما هو بَيْنَ رَجُلَيْنِ رَجُلَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والحُسَنُ - بِخِلافٍ عنهُ-: "بَيْنَ إخْوَتِكُمْ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ سِيرِينَ، والحَسَنُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وثابِتٌ البَنّانِيُّ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ: "بَيْنَ إخْوانِكُمْ"، وهي حَسَنَةٌ لِأنَّ الأكْثَرَ مِن جَمْعِ الأخَ في الدِينِ ونَحْوِهِ مِن غَيْرِ النَسَبِ إخْوانٌ، والأكْثَرُ مِنَ النَسَبِ إخْوَةٌ وإخاءٌ، قالَ الشاعِرُ: وجَدْتُمْ أخاكم بَيْنَنا إذْ نَسِيتُمُ وأيُّ بَنِي الإخاءِ تَنْبُو مُناسَبُهْ؟

وقَدْ تَتَداخَلُ هَذِهِ الجُمُوعُ، وكُلُّها في كِتابِ اللهِ تَعالى، فَمِنهُ: ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ ﴾ ، وَمِنهُ "أو بُيُوتُ إخْوانِكُمْ"، فَهَذا جاءَ عَلى الأقَلِّ مِنَ الِاسْتِعْمالِ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌۭ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُوا۟ خَيْرًۭا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌۭ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيْرًۭا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلْأَلْقَـٰبِ ۖ بِئْسَ ٱلِٱسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلْإِيمَـٰنِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ١١ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌۭ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا۟ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًۭا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌۭ رَّحِيمٌۭ ١٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٌ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهم ولا نِساءٌ مِن نِساءٌ عَسى أنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكم ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ ومَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَنِّ إنَّ بَعْضَ الظَنِّ إثْمٌ ولا تَجَسَّسُوا ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ ﴾ هَذِهِ الآياتُ والَّتِي بَعْدَها نَزَلَتْ في خَلْقِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَجْرُونَ مَعَ شَهَواتِ نُفُوسِهِمْ، لَمْ يُقَوِّمْهم أمْرٌ مِنَ اللهِ تَعالى ولا نَهْيٌ، فَكانَ الرَجُلُ يَسْخَرُ ويَلْمِزُ ويَنْبِزُ بِالألْقابِ ويَظُنُّ الظُنُونَ فَيَتَكَلَّمُ بِها ويَغْتابُ ويَفْتَخِرُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أخْلاقِ النُفُوسِ الباطِلَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَأْدِيبًا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  .

وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ لِهَذِهِ الآياتِ أسْبابًا، فَمِمّا قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ لا يَسْخَرْ قَوْمٌ ﴾ نَزَلَتْ بِسَبَبِ عِكْرِمَةَ بْنِ أبِي جَهْلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَمْشِي بِالمَدِينَةِ مُسَلَّحًا، فَقالَ لَهُ قَوْمٌ: هَذا ابْنُ فِرْعَوْنَ هَذِهِ الأُمَّةِ، فَعَزَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وشَكاهُ إلى رَسُولِ اللهِ  ، والقَوِيُّ عِنْدِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ تَقْوِيمًا لِسائِرِ الخَلْقِ، ولَوْ تَتَبَّعْتَ الأسْبابَ لَكانَتْ أكْثَرَ مِن أنْ تُحْصى.

و"يَسْخَرُ" مَعْناهُ: يَسْتَهْزِئُ، والهُزْءُ إنَّما يَتَرَتَّبُ مَتى ضَعُفَ امْرُؤٌ إمّا لِصِغَرٍ وإمّا لِعِلَّةٍ حادِثَةٍ أو لِرَزِيَّةٍ أو لِنَقِيصَةٍ يَأْتِيها، فَيُنْهِي المُؤْمِنُونَ عَنِ الِاسْتِهْزاءِ في هَذِهِ الأُمُورِ وغَيْرِها نَهْيًا عامًّا، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ المُسْتَهْزَأُ بِهِ خَيْرًا مِنَ الساخِرِ.

و"القَوْمُ" في كَلامِ العَرَبِ واقِعٌ عَلى الذُكْرانِ، وهو مِن أسْماءِ الجَمْعِ كالرَهْطِ وقَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ مِنَ القِيامِ أو جَمْعِ قائِمٍ ضَعِيفٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو زُهَيْرٌ: وما أدْرِي وسَوْفَ إخالُ أدْرِي أقْوَمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ؟

وَهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي اخْتِصاصَ القَوْمِ بِالذُكْرانِ، وقَدْ يَكُونُ مَعَ الذُكْرانِ نِساءٌ فَيُقالُ لَهُمْ: "قَوْمٌ" عَلى تَغْلِيبِ حالِ الذُكُورِ، ثُمَّ نَهى تَعالى النِساءَ عَمّا نَهى عنهُ الرِجالَ مِن ذَلِكَ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "عَسَوْا أنْ يَكُونُوا"و"عَسَيْنَ أنْ يَكُنَّ".

و"تَلْمِزُوا" مَعْناهُ: يَطْعَنُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بِذِكْرِ النَقائِصِ ونَحْوِهِ، وقَدْ يَكُونُ "اللَمْزُ" بِالقَوْلِ وبِالإشارَةِ ونَحْوِ هَذا مِمّا يَفْهَمُهُ آخَرُ، و"الهَمْزُ" لا يَكُونُ إلّا بِاللِسانِ، وهو مُشَبَّهٌ بِالهَمْزِ بِالعُودِ ونَحْوِهِ مِمّا يَقْتَضِي المُماسَّةَ، قالَ الشاعِرُ: ومَن هَمَزْنا عِزَّهُ تَبَرْكَعا وقِيلَ لِأعْرابِيٍّ: أتَهْمِزُ الفَأْرَةَ؟

فَقالَ: الهِرُّ يَهْمِزُها، وحَكى الثَعْلَبِيُّ أنَّ "اللَمْزَ" ما كانَ في المَشْهَدِ، وأنَّ "الهَمْزَ" ما كانَ في المَغِيبِ، وحَكى الزَهْراوِيُّ عن عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ عَكْسٌ مِن ذَلِكَ، فَقالَ: الهَمْزُ أنْ تَعِيبَ بِالحَضْرَةِ واللَمْزُ في الغَيْبَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ  ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَدَقاتِ،  ﴾ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَلْمِزُوا" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ الأعْرَجُ والحَسَنُ بِضَمِّها، قالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: هي عَرَبِيَّةٌ، قِراءَتُنا بِالضَمِّ وأحْيانًا بِالكَسْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْفُسَكُمْ" مَعْناهُ: بَعْضُكم بَعْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ  ﴾ ، كَأنَّ المُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إذْ هم إخْوَةٌ فَهم كَما قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "كالجَسَدِ إذا اشْتَكى مِنهُ عُضْوٌ تَداعى سائِرُهُ بِالسَهَرِ والحُمّى"،» وهم كَما قالَ أيْضًا: « "كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا".» و"التَنابُزُ": التَلَقُّبُ، والنَبْزُ واللَقَبُ واحِدٌ، إذِ اللَقَبُ هو ما يُعْرَفُ بِهِ الإنْسانُ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي يَكْرَهُ سَماعَها، ورُوِيَ «أنَّ بَنِي سَلَمَةَ كانُوا قَدْ كَثُرَتْ فِيهِمُ الألْقابُ، فَدَعا رَسُولُ اللهِ  رَجُلًا مِنهم فَقالَ لَهُ: يا فُلانُ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ يَغْضَبُ مِن هَذا الِاسْمِ، ثُمَّ دَعا آخِرَ كَذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في هَذا،» ولَيْسَ مِن هَذا قَوْلُ المُحَدِّثِينَ: سُلَيْمانُ الأعْمَشُ، وواصِلُ الأحْدَبُ.

ونَحْوُهُ مِمّا تَدْعُو الضَرُورَةُ إلَيْهِ ولَيْسَ فِيهِ قَصْدُ اسْتِخْفافٍ وأذًى، وقَدْ قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ لِعَلْقَمَةَ: وتَقُولُ أنْتَ ذَلِكَ يا أعْوَرُ؟

وأسْنَدَ النَقّاشُ إلى عَطاءٍ قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "كُفُّوا أولادَكُمْ"،» قالَ عَطاءٌ، مَخافَةُ الألْقابِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ.

مَعْنى: ﴿ وَلا تَنابَزُوا بِالألْقابِ ﴾ أيْ: لا يَقِلُّ أحَدٌ لِآخَرَ: يا يَهُودِيُّ بَعْدَ إسْلامِهِ، ولا يا "فاسِقُ" بَعْدَ تَوْبَتِهِ، ونَحْوُ هَذا، وحَكى النَقّاشُ أنَّ كَعْبَ بْنَ مالِكٍ، وابْنَ أبِي حَدْرَدٍ تَلاحَيا، فَقالَ لَهُ كَعْبٌ: يا أعْرابِيُّ، يُرِيدُ أنْ يُبْعِدَهُ مِنَ الهِجْرَةِ، فَقالَ لَهُ الآخَرُ: يا يَهُودِيُّ؛ لِمُخالَطَةِ الأنْصارِ اليَهُودَ في يَثْرِبَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما بِئْسَ اسْمٌ تَكْتَسِبُونَهُ بِعِصْيانِكم ونَبْزِكم بِالألْقابِ فَتَكُونُونَ فُسّاقًا بِالمَعْصِيَةِ بَعْدَ إيمانِكُمْ، والثانِي بِئْسَ ما يَقُولُ الرَجُلُ لِأخِيهِ يا فاسِقُ بَعْدَ إيمانِهِ، وقالَ الرُمّانِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ الفُسُوقُ والإيمانُ، وهَذِهِ نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، ثُمَّ شَدَّدَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمُ النَهْيَ بِأنْ حَكَمَ بِظُلْمِ مَن لَمْ يَتُبْ ويُقْلِعْ عن هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي نَهى عنها.

ثُمَّ أمَرَ تَبارَكَ وتَعالى المُؤْمِنِينَ بِاجْتِنابِ كَثِيرٍ مِنَ الظَنِّ، وأنْ لا يَعْمَلُوا ولا يَتَكَلَّمُوا بِحَسَبِهِ لِما في ذَلِكَ وفي التَجَسُّسِ مِنَ التَقاطُعِ والتَدارِ وحَكَمَ عَلى بَعْضِهِ أنَّهُ إثْمٌ؛ إذْ بَعْضُهُ لَيْسَ بِإثْمٍ ولا يَلْزَمُ اجْتِنابَهُ، وهو ظَنُّ الخَيْرِ بِالناسِ، وحُسْنُهُ بِاللهِ تَعالى، والمَظْنُونُ مِن شَهاداتِ الشُهُودِ، والمَظْنُونُ بِهِ مِن أهْلِ الشَرِّ، فَإنَّ ذَلِكَ سُقُوطُ عَدالَتِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ هي مَن حُكْمِ الظَنِّ بِهِ، وظَنُّ الخَيْرِ بِالمُؤْمِنِ مَحْمُودٌ، والظَنُّ المَنهِيُّ عنهُ هو أنْ تَظُنَّ سُوءًا بِرَجُلٍ ظاهِرُهُ الصَلاحُ، بَلِ الواجِبُ يُزِيلُ الظَنَّ وحَكَمَهُ ويَتَأوَّلُ الخَيْرَ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: "إثْمٌ" مَعْناهُ: كَذِبٌ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيُّ  : « "إيّاكم والظَنَّ فَإنَّ الظَنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ".» وقالَ بَعْضُ الناسِ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ بَعْضَ الظَنِّ إثْمٌ ﴾ أيّ إذا تَكَلَّمَ الظانُّ أثِمَ، وما لَمْ يَتَكَلَّمْ فَهو في فُسْحَةٍ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِ الخَواطِرِ الَّتِي يُبِيحُها قَوْلُ النَبِيِّ  : « "الحَزْمُ سُوءُ الظَنِّ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما زالَ أُولُو العِلْمِ يَحْتَرِسُونَ مِن سُوءِ الظَنِّ ويَسُدُّونَ ذَرائِعَهُ، قالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ: إنِّي لَأعُدُّ عُراقَ قِدْرِي مَخافَةَ الظَنِّ، وكانَ أبُو العالِيَةِ يَخْتِمُ عَلى بَقِيَّةِ طَعامِهِ مَخافَةَ سُوءِ الظَنِّ بِخادِمِهِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الأمانَةُ خَيْرٌ مِنَ الخاتَمِ، والخاتَمُ خَيْرٌ مِن ظَنِّ السُوءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: "وَلا تَجَسَّسُوا"، أيْ: لا تَبْحَثُوا عَلى مُخَبَّآتِ أُمُورِ الناسِ، وادْفَعُوا بِالَّتِي هي أحْسَنُ، واجْتَزُّوا بِالظَواهِرِ الحَسَنَةِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ سِيرِينَ، والهُذَلِيُّونَ: "وَلا تَحَسَّسُوا" بِالحاءِ غَيْرِ مَنقُوطَةٍ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: التَجَسُّسُ بِالجِيمِ- في الشَرِّ، والتَحَسُّسُ بِالحاءِ- في الخَيْرِ، وهَكَذا ورَدَ القُرْآنُ ولَكِنْ قَدْ يَتَداخَلانِ في الِاسْتِعْمالِ، وقالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: التَجَسُّسُ: ما كانَ مِن وراءَ وراءَ، والتَحَسُّسُ: الدُخُولُ والِاسْتِعْلامُ، وصَحَّ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "وَلا تَحَسَّسُوا ولا تَجَسَّسُوا ولا تَحاسَدُوا ولا تَدابَرُوا، وكُونُوا عِبادَ اللهِ إخْوانًا".» وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ حَدِيثَ حِراسَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ مَعَ ابْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ووُجُودُهُما الشُرْبُ في رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وذَكَرَ أيْضًا حَدِيثَهُ في ذَلِكَ مَعَ أبِي مِحْجَنٍ الثَقَفِيِّ، وقالَ زَيْدُ بْنُ وهْبٍ: قِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: هَلْ لَكَ في الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا؟

فَقالَ: إنّا قَدْ نُهِينا عَنِ التَجَسُّسِ، فَإنْ يَظْهَرْ لَنا أمْرٌ أخَذْنا بِهِ.

"وَلا يَغْتَبْ" مَعْناهُ: ولا يَذْكُرْ أحَدُكم مِن أخِيهِ شَيْئًا هو فِيهِ يَكْرَهُ سَماعَهُ، ورُوِيَ «أنَّ عائِشَةَ رِضى الله تَعالى عنها قالَتْ عَنِ امْرَأةٍ: ما رَأيْتُ أجْمَلَ مِنها إلّا أنَّها قَصِيرَةٌ، فَقالَ لَها النَبِيُّ  : "اغْتَبْتَها، نَظَرْتَ إلى أسْوَأِ ما فِيها فَذَكَرْتَهُ"،» وقَدْ قالَ النَبِيُّ  : « "إذا ذَكَرْتَ ما في أخِيكَ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وإذا ذَكَرْتَ ما لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ"،» وفي حَدِيثٍ آخَرَ: « "الغَيْبَةُ أنْ تَذَكُرَ المُؤْمِنَ بِما يَكْرَهُ"، قِيلَ: وإنْ كانَ حَقًّا؟

قالَ: إذا قُلْتَ باطِلًا فَذَلِكَ هو البُهْتانُ"،» وقالَ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ، وأبُو إسْحاقَ السَبِيعِيُّ: إذا مَرَّ بِكَ رَجُلٌ أقْطَعُ فَقُلْتَ: ذَلِكَ الأقْطَعُ، كانَ ذَلِكَ غَيْبَةً، وحَكى الزَهْراوِيُّ عن جابِرٍ عَنِ النَبِيِّ  قالَ: « "الغَيْبَةُ أشَدُّ مِنَ الزِنا، لِأنَّ الزانِيَ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ، والَّذِي يَغْتابُ يَتُوبُ فَلا يُتابُ عَلَيْهِ حَتّى يَسْتَحِلَّ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ يَمُوتُ مَنِ اغْتَبْتَ، أو يَأْبى، ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِابْنِ سِيرِينَ: إنِّي قَدِ اغْتَبْتُكَ فَحَلِّلْنِي، فَقالَ: إنِّي لا أُحَلِّلُ ما حَرَّمَ اللهُ، والغَيْبَةُ مُشْتَقَّةٌ مِن "غابَ يَغِيبُ"، وهي القَوْلُ في الغائِبِ، واسْتُعْمِلَتْ في المَكْرُوهِ، ولَمْ يَبُحْ في هَذا المَعْنى إلّا ما تَدْعُو الضَرُورَةُ إلَيْهِ كَتَجْرِيحِ الشُهُودِ، وفي التَعْرِيفِ لِمَنِ اسْتَنْصَحَ في الخِطابِ ونَحْوِهِ لِقَوْلِ النَبِيِّ  : « "أمّا مُعاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لا مالَ لَهُ"،» وما يُقالُ في الفَسَقَةِ أيْضًا وفي وُلاةِ الجَوْرِ ويَقْصِدُ بِهِ التَحْذِيرَ مِنهُمْ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أعَنِ الفاجِرِ تَرْعَوْنَ؟

اذْكُرُوا الفاجِرَ بِما فِيهِ حَتّى يَعْرِفَهُ الناسُ إذا لَمْ تَذْكُرُوهُ"،» ومِنهُ قَوْلُهُ: « "بِئْسَ ابْنُ العَشِيرَةِ".» ثُمَّ مَثَّلَ تَعالى الغَيْبَةَ بِأكْلِ لَحْمِ ابْنِ آدَمَ المَيِّتِ، والعَرَبُ تُشَبِّهُ الغَيْبَةَ بِأكْلِ اللَحْمِ، فَمِنهُ قَوْلُ سُوَيْدِ بْنِ أبِي كاهِلٍ: فَإذا لاقَيْتُهُ عَظَّمَنِي ∗∗∗ وإذا يَخْلُو لَهُ لَحْمِي رَتَعَ وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: إذْ أكَلُوا لَحْمِي وفَرْتُ لُحُومَهم ∗∗∗ وإنْ هَدَمُوا مَجْدِي بَنَيْتُ لَهم مَجْدا فَوَقَّفَهُمُ اللهُ تَعالى -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- بِقَوْلِهِ: ﴿ أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا ﴾ فالجَوابُ عن هَذا: لا، وهم في حُكْمِ مَن يَقُولُها، فَخُوطِبُوا عَلى أنَّهم قالُوا: لا، فَقِيلَ لَهُمْ: "فَكَرِهْتُمُوهُ"، وبَعْدَ هَذا مُقَدَّرٌ تَقْدِيرُهُ: فَكَذَلِكَ فاكْرَهُوا الغَيْبَةَ الَّتِي هي نَظِيرُ ذَلِكَ، وعَلى هَذا المُقَدَّرِ يُعْطَفُ قَوْلُهُ: "واتَّقُوا اللهَ"، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وقالَ الرُمّانِيُّ: كَراهِيَةُ هَذا اللَحْمِ يَدْعُو إلَيْها الطَبْعُ، وكَراهِيَةُ الغَيْبَةِ يَدْعُو إلَيْها العَقْلُ، وهو أحَقُّ أنْ يُجابَ لِأنَّهُ بَصِيرٌ عالِمٌ، والطَبْعُ أعْمى جاهِلٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَيْتًا" بِسُكُونِ الياءِ خَفِيفَةً، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ القَعْقاعِ، وشَيْبَةُ، ومُجاهِدٌ بِكَسْرِهِا مُشَدَّدَةً، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فَكَرِهْتُمُوهُ" بِضَمِّ الكافِ وشَدِّ الراءِ.

ورَواها أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ  .

ثُمَّ أعْلَمَهُمُ اللهُ تَعالى بِأنَّهُ تَوّابٌ رَحِيمٌ إبْقاءً مِنهُ تَعالى وإمْهالًا وتَمْكِينًا مِنَ التَوْبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًۭا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌۭ ١٣ ۞ قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ وَلَـٰكِن قُولُوٓا۟ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَـٰلِكُمْ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ ١٤

قَوْله عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الناسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللهِ أتْقاكم إنَّ اللهِ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ ﴿ قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ فِي قُلُوبِكم وإنْ تُطِيعُوا اللهَ ورَسُولَهُ لا يَلِتْكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَلامُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنّا خُلِقْنًا جَمِيعًا مِن آدَمَ وحَوّاءَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الذَكَرَ والأُنْثى اسْمَ الجِنْسِ، وكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنّا خَلَقْنا كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن ماءٍ ذَكَرٍ وأُنْثى، وقَصْدُ هَذِهِ الآيَةِ التَسْوِيَةُ بَيْنَ الناسِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا ﴾ ، أيْ: لِئَلّا تُفاخِرُوا ويُرِيدُ بَعْضُكم أنْ يَكُونَ أكْرَمَ مِن بَعْضٍ، فَإنَّ الطَرِيقَ إلى الكَرَمِ غَيْرُ هَذا، ﴿ إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللهِ أتْقاكُمْ ﴾ .

ورَوى أبُو بَكَرَةَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، مَن خَيْرُ الناسِ؟

قالَ: "مَن طالَ عُمْرُهُ، وحَسُنَ عَمَلُهُ"،» وفي حَدِيثٍ آخَرَ: «مَن خَيْرُ الناسِ؟

قالَ: "آمَرُهم بِالمَعْرُوفِ، وأنْهاهم عن مُنْكَرٍ، وأوصَلُهم لِلرَّحِمِ، وأتْقاهُمْ".» وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ غَضَبُ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ، وعَتّابِ بْنِ أُسِيدٍ حِينَ أذَّنَ بِلالٌ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلى الكَعْبَةِ.

وحَكى الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ سَبَبَها «قَوْلُ ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ لِرَجُلٍ لَمْ يُفْسَحْ لَهُ عِنْدَ النَبِيِّ  : يا ابْنَ فُلانَةَ، فَوَبَّخَهُ النَبِيُّ  ، وقالَ لَهُ: إنَّكَ لا تُفَضِّلُ أحَدًا إلّا في الدِينِ والتَقْوى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» ونَزَلَ الأمْرُ بِالتَفَسُّحِ في ذَلِكَ أيْضًا.

و"الشُعُوبُ" جَمْعُ شَعْبٍ، وهو أعْظَمُ ما يُوجَدُ مِن جَماعاتِ الناسِ مُرْتَبِطًا بِنَسَبٍ واحِدٍ، ويَتْلُوهُ القَبِيلَةُ ثُمَّ العِمارَةُ ثُمَّ البَطْنُ ثُمَّ الفَخْذُ ثُمَّ الأُسْرَةُ والفَصِيلَةُ، وهُما قَرابَةُ الرَجُلِ الأدْنَوْنَ، فَمُضَرٌ ورَبِيعَةُ وحِمْيَرٌ شُعُوبٌ، وقَيْسٌ وتَمِيمٌ ومُذْحِجٌ ومُرادٌ قَبائِلُ، مُشَبَّهَةٌ بِقَبائِلِ الرَأْسِ لِأنَّها قِطَعٌ تَقابَلَتْ، وقُرَيْشٌ ومُحارِبُ عِماراتٌ، وبَنُو قَصِّي وبَنُو مَخْزُومٍ بُطُونٌ، وبَنُو هاشِمٍ وبَنُو أُمَيَّةَ ونَحْوُهُما أفْخاذٌ، وبَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ أُسْرَةٌ وفَصِيلَةٌ.

وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الشُعُوبُ: الأفْخاذُ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الشُعُوبُ: البُطُونُ، وهَذا غَيْرُ ما تَمالَأ عَلَيْهِ اللُغَوِيُّونَ.

قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: الشُعُوبُ في العَجَمِ والقَبائِلُ في العَرَبِ والأسْباطُ في بَنِي إسْرائِيلَ، وأمّا الشَعْبُ الَّذِي في هَمْدانَ الَّذِي يُنْسَبُ إلَيْهِ الشَعْبِيُّ فَهو بَطْنٌ يُقالُ لَهُ: الشِعْبُ، وقِيلَ لِلْأُمَمِ الَّتِي لَيْسَتْ بِعَرَبٍ: "شُعُوبِيَّةٌ" نِسْبَةً إلى الشُعُوبِ، وذَلِكَ أنَّ تَفْصِيلَ أنْسابِها خَفِيَ فَلَمْ يُعْرَفْ أحَدٌ مِنهم إلّا بِأنْ يُقالَ: فارِسِيٌّ، تُرْكِيٌّ، رُومِيٌّ، فَكَأنَّهم عُرِفُوا بِشُعُوبِهِمْ وهي أعَمُّ ما يُعَبَّرُ بِهِ عن جَماعَتِهِمْ، ويُقالُ لَهُمُ الشَعُوبِيَّةُ بِفَتْحِ الشِينِ، وهَذا مِن تَغْيِيرِ النَسَبِ، وقَدْ قِيلَ فِيهِمْ غَيْرُ ما ذَكَرْتُ، وهَذا أولى عِنْدِي.

وقَرَأ الأعْمَشُ: "لِتَتَعارَفُوا"، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "لِتَعْرِفُوا أنَّ" عَلى وزْنِ "تَفْعَلُوا" بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الألِفِ مِن "أنَّ" وإعْمالِ "تَعْرِفُوا" فِيها، ويَحْتَمِلُ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- أنْ تَكُونَ اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِتَعْرِفُوا" لامَ "كَيْ"، ويَضْطَرِبُ مَعْنى الآيَةِ مَعَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الأمْرِ، وهو أجْوَدُ في المَعْنى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: "الحَقَّ"، وإذا كانَتْ لامَ "كَيْ" فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: يا أيُّها الناسُ أنْتُمْ سَواءٌ مِن حَيْثُ أنْتُمْ مَخْلُوقُونَ، وإنَّما جُعِلْتُمْ قَبائِلَ لِأنْ تَتَعارَفُوا ولِأنْ تَعْرِفُوا الحَقائِقَ، وأمّا الشَرَفُ والكَرَمُ فَهو بِتَقْوى اللهِ تَعالى وسَلامَةِ القُلُوبِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "لِتَعارَفُوا بَيْنَكُمْ، وخَيْرُكم عِنْدَ اللهِ أتْقاكُمْ"، ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "مَن سَرَّهُ أنْ يَكُونَ أكْرَمَ الناسِ، فَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ".» ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى عَلى الحَذَرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ أيْ بِالمُتَّقِي الَّذِي يَسْتَحِقُّ رُتْبَةَ الكَرَمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا ﴾ ، قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في بَنى أسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وهى قَبِيلَةٌ كانَتْ تُجاوِرُ المَدِينَةَ، وكانُوا قَدْ أظْهَرُوا الإسْلامَ، وكانَتْ نُفُوسُهم مَعَ ذَلِكَ- دَخِلَةٌ، إنَّما يُحِبُّونَ المَغانِمَ وعَرَضَ الدُنْيا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وذَهَبُوا مَرَّةً إلى أنْ يَتَّسِمُوا بِالمُهاجِرِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُسَمِّيَةً لَهم بِالأعْرابِ، مُعَرِّفَةً لَهم بِذَلِكَ أقْدارَهُمْ، ومُخْرِجَةً ما في صُدُورِهِمْ مِن صُوَرِ مُعْتَقَدِهِمْ، وهم أعْرابٌ مَخْصُوصُونَ كَما ذَكَرْنا، قالَ أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ الزُبَيْرِ: «سَمِعَ النَبِيُّ  رَجُلًا يَقْرَأُ: "قالَتِ الأعْرابُ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، فَرَدَّ عَلَيْهِ بِهَمْزِ قَطْعٍ.» وقَدْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لِهَؤُلاءِ المُدَّعِينَ في الإيمانِ: "لَمْ تُؤْمِنُوا"، أيْ: لَمْ تُصَدِّقُوا بِقُلُوبِكُمْ، ﴿ وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ﴾ .

والإسْلامُ يُقالُ بِمَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما الَّذِي يَعُمُّ الإيمانَ والأعْمالَ، وهو الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ  ﴾ ، والَّذِي في قَوْلِهِ  : « "بُنِيَ الإسْلامُ عَلى خَمْسٍ"،» والَّذِي في تَعْلِيمِ النَبِيِّ  لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ حِينَ «قالَ: ما الإسْلامُ؟

قالَ: "أنْ تَعْبُدَ اللهَ وحْدَهُ ولا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وتُقِيمَ الصَلاةَ، وتُؤْتِيَ الزَكاةَ، وتَصُومَ رَمَضانَ، وتَحُجَّ البَيْتَ إنِ اسْتَطَعْتَ إلَيْهِ سَبِيلًا"،» والَّذِي في «قَوْلِهِ  لِسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أو مُسْلِمًا، إنِّي لَأُعْطِي الرَجُلَ وغَيْرُهُ أحَبُّ إلَيَّ مِنهُ"» الحَدِيثُ، فَهَذا الإسْلامُ لَيْسَ هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ﴾ والمَعْنى الثانِي لِلَفْظِ الإسْلامِ هو الِاسْتِسْلامُ والإظْهارُ الَّذِي يَسْتَعْصِمُ بِهِ ويَحْقِنُ الدَمَ، وهَذا هو الإسْلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ﴾ ، والإيمانُ الَّذِي هو التَصْدِيقُ أخَصُّ مِنَ الأوَّلِ.

ثُمَّ صَرَّحَ تَعالى لَهم بِأنَّ الإيمانَ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ، ثُمَّ فَتَحَ تَعالى لَهم بابَ التَوْبَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَإنْ تُطِيعُوا اللهَ ورَسُولَهُ ﴾ الآيَةُ، وطاعَةُ اللهِ تَعالى ورَسُولِهِ  في ضِمْنِها الإيمانُ والأعْمالُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لا يَلِتْكُمْ"، مِن "لاتَ يَلِيتُ" إذا نَقَصَ، يُقالُ: "لاتَهُ حَقَّهُ" إذا نَقَصَهُ مِنهُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وعَمْرٌو: "لا يَأْلِتْكُمْ" مِن "ألَتَ يَأْلِتُ" وهو بِمَعْنى "لاتَ"، وكَذَلِكَ يُقالُ: "ألِتَ" بِكَسْرِ اللامِ "يَأْلِتُ"، ويُقالُ أيْضًا في مَعْنى "لاتَ: "ألَتَ يُولِتُ"، ولَمْ يَقْرَأْ بِهَذِهِ اللُغَةِ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ في التَرْجِيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ ١٥ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ ١٦ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا۟ ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا۟ عَلَىَّ إِسْلَـٰمَكُم ۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَىٰكُمْ لِلْإِيمَـٰنِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ١٧ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ١٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصادِقُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكم واللهُ يَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَماواتِ والأرْضِ واللهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ "إنَّما" في هَذِهِ الآيَةِ حاصِرَةٌ تُعْطِي ذَلِكَ المَعْنى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا ﴾ أيْ: لَمْ يَشُكُّوا في إيمانِهِمْ، ولَمْ يُداخِلْهم رَيْبٌ، وهُمُ الصادِقُونَ إذْ جاءَ فِعْلُهم مُصَدِّقًا لِقَوْلِهِمْ.

ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  بِتَوْبِيخِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ أتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ ﴾ أيْ بِقَوْلِكُمْ: "آمَنّا" وهو يَعْلَمُ مِنكم خِلافَ ذَلِكَ لِأنَّهُ العَلِيمُ بِكُلِّ شَيْءٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا ﴾ نَزَلَتْ في بَنِي أسَدٍ أيْضًا، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا في بَعْضِ الأوقاتِ لِلنَّبِيِّ  : إنّا آمَنّا بِكَ واتَّبَعْناكَ ولَمْ نُحارِبْكَ كَما فَعَلَتْ مُحارِبُ وحَصْفَةُ وهَوازِنُ وغَطَفانُ وغَيْرُهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، حَكاهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "يُمَنُّونَ عَلَيْكَ إسْلامَهُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلإيمانِ ﴾ أيْ: بِزَعْمِكم إذْ تَقُولُونَ آمَنّا، فَقَدْ لَزِمَكم أنَّ اللهَ تَعالى مانَّ عَلَيْكُمْ، ويَدُلُّكَ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ، فَعَلَّقَ عَلَيْهِمُ الحُكْمَيْنِ: هم مَمْنُونٌ عَلَيْهِمْ عَلى الصِدْقِ، وأهْلٌ أنْ يَقُولُوا أسْلَمْنا مِن حَيْثُ هم كَذَبَةٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إذْ هَداكُمْ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "يَمُنُّ عَلَيْكُمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: يُنْعِمُ، كَما تَقُولُ: مَنَّ اللهُ عَلَيْكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: يَذْكُرُ إحْسانَهُ فَيَجِيءُ مُعادِلًا لِـ "يَمُنُّونَ عَلَيْكَ"، وقالَ الناسُ قَدِيمًا: إذا كَفَرَتِ النِعْمَةُ حَسُنَتِ المِنَّةُ، وإنَّما المِنَّةُ المُبْطِلَةُ لِلصَّدَقَةِ المَكْرُوهَةِ ما وقَعَ دُونَ كُفْرِ النِعْمَةِ.

وَقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، وشَيْبَةُ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "بِما يَعْمَلُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحُجُراتِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ كَمُلَ تَفْسِيرُ الحُجُراتِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد