الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الذاريات
تفسيرُ سورةِ الذاريات كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 56 دقيقة قراءةبِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الذارِياتِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والذارِياتِ ذَرْوًا ﴾ ﴿ فالحامِلاتِ وِقْرًا ﴾ ﴿ فالجارِياتِ يُسْرًا ﴾ ﴿ فالمُقَسِّماتِ أمْرًا ﴾ ﴿ إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ ﴾ ﴿ وَإنَّ الدِينَ لَواقِعٌ ﴾ ﴿ والسَماءِ ذاتِ الحُبُكِ ﴾ ﴿ إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ﴾ ﴿ يُؤْفَكُ عنهُ مَن أُفِكَ ﴾ ﴿ قُتِلَ الخَرّاصُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ ساهُونَ ﴾ ﴿ يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِينِ ﴾ ﴿ يَوْمَ هم عَلى النارِ يُفْتَنُونَ ﴾ ﴿ ذُوقُوا فِتْنَتَكم هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ ﴿ آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهم إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴾ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ المَخْلُوقاتِ تَنْبِيهًا عَلَيْها، وتَشْرِيفًا لَها، ودَلالَةً عَلى الِاعْتِبارِ فِيها، حَتّى يَصِيرَ الناظِرُ فِيها إلى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى.
و"الذارِياتِ": الرِياحُ، بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، يُقالُ: ذَرَتِ الرِيحُ وأذْرَتْ بِمَعْنًى، وفي الرِياحِ مُعْتَبَرٌ مِن شِدَّتِها حِينًا، ولِينِها حِينًا، وكَوْنِها مَرَّةً رَحْمَةً ومَرَّةً عَذابًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ، و"ذَرْوًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ.
"الحامِلاتِ وِقْرًا" قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي السَحابُ المُوَقَّرَةُ بِالماءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُ: هي السُفُنُ المُوَقَّرَةُ بِالناسِ وأمْتاعُهُمْ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: هي أيْضًا -مَعَ هَذا- جَمِيعُ الحَيَوانِ الحامِلِ، وفي جَمِيعِ ذَلِكَ مُعْتَبَرٌ، و"وِقْرًا" مَفْعُولٌ صَرِيحٌ.
و"الجارِياتِ يُسْرًا" قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وغَيْرُهُ: هي السُفُنُ في البَحْرِ، وقالَ آخَرُونَ: هي السَحابُ بِالرِيحِ، وقالَ آخَرُونَ: هي الجَوارِي مِنَ الكَواكِبِ، واللَفْظُ يَقْتَضِي جَمِيعَ هَذا، و"يُسْرًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وصِفاتُ المَصادِرِ المَحْذُوفَةِ تَعُودُ أحْوالًا، و: "يُسْرًا" مَعْناهُ: بِسُهُولَةٍ وقِلَّةِ تَكَلُّفٍ.
و"المُقَسِّماتِ أمْرًا": المَلائِكَةُ، و"الأمْرُ" هُنا اسْمُ الجِنْسِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: والجَماعاتُ الَّتِي تُقْسِّمُ أُمُورَ المَلَكُوتِ مِنَ الأرْزاقِ والآجالِ والخَلْقِ في الأرْحامِ وأمْرِ الرِياحِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ كُلَّ هَذا إنَّما هو بِمَلائِكَةٍ تَخْدِمُهُ، فالآيَةُ تَتَضَمَّنُ جَمِيعَ المَلائِكَةِ لِأنَّهم كُلَّهم في أُمُورٍ مُخْتَلِفَةٍ، وأنَّثَ "المُقَسِّماتِ" مِن حَيْثُ أرادَ الجَماعاتِ، وقالَ أبُو الطُفَيْلِ عامِرُ بْنُ واثِلَةَ: كانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى المِنبَرِ، فَقالَ: لا تَسْألُونِي عن آيَةٍ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى أو سُنَّةٍ ماضِيَةٍ إلّا قُلْتُ، فَقامَ إلَيْهِ ابْنُ الكِواءِ فَسَألَهُ عن هَذِهِ، فَقالَ: الذارِياتُ الرِياحُ، والحامِلاتُ: السَحابُ، والجارِياتُ: السُفُنُ، والمُقَسِّماتُ: المَلائِكَةُ، ثُمَّ قالَ لَهُ: سَلْ سُؤالَ تَعَلُّمٍ ولا تَسْألْ سُؤالَ تَعَنُّتٍ.
وهَذا القَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ ﴾ ، و"تُوعَدُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الإيعادِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الوَعْدِ، وأيُّهُما؛ كانَ فالوَصْفُ لَهُ بِالصِدْقِ صَحِيحٌ، و"صادِقٌ" هُنا مَوْضُوعُ بَدَلٍ "صِدْقٍ" وُضِعَ الِاسْمُ مَوْضِعَ المَصْدَرِ.
و"الدِينَ": الجَزاءُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحِسابُ، والأظْهَرُ في الآيَةِ أنَّها لِلْكُفّارِ وأنَّها وعِيدٌ مَحْضٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ.
ثُمَّ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِمَخْلُوقٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿ والسَماءِ ذاتِ الحُبُكِ ﴾ ، فَظاهِرُ لَفْظَةِ "السَماءِ" أنَّها لِجَمِيعِ السَماواتِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ: هي السَماءُ السابِعَةُ، و"الحُبُكِ" -بِضَمِّ الحاءِ والباءِ- الطَرائِقُ الَّتِي هي عَلى نِظامٍ في الأجْرامِ، فَحَبْكُ الرِمالِ والماءِ: الطَرائِقُ الَّتِي تُصْنَعُ فِيها الرِيحُ الهابَّةُ عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: مُكَلَّلٌ بِعَمِيمِ النَبْتِ تَنْسِجُهُ رِيحٌ خَرِيفٌ لِضاحِي مائِهِ حُبُكُ وحَبُكُ الدِرْعِ: الطَرائِقُ المُتَّصِلَةُ في مَوْضِعِ اتِّصالِ الحِلَقِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، وفي بَعْضِ أجْنِحَةِ الطَيْرِ حُبُكٌ عَلى نَحْوِ هَذا، ويُقالُ لِتَكْسِيرِ الشَعْرِ: حُبُكٌ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ مِن ورائِكُمُ الكَذّابَ المُضِلَّ، وإنَّ رَأْسَهُ مِن ورائِهِ حُبُكًاحُبُكًا"،» يَعْنِي جُعُودَةَ شِعْرِهِ، فَهو تَكَسُّرُهُ، ويَظْهَرُ في المَنسُوجاتِ مَنِ الأكْسِيَةِ وغَيْرِها طَرائِقٌ في مَوْضِعِ تَداخُلِ الخُيُوطِ هُنَّ حُبُكٌ، ويُقالُ: نَسَجَ الثَوْبَ فَأجادَ حَبْكَهُ، فَهَذِهِ هي الحَبْكُ في اللُغَةِ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: إنَّ السَماءَ في تَأْلُّفِ جِرْمِها هي هَكَذا لَها حُبُكٌ، وذَلِكَ لِجَوْدَةِ خِلْقَتِها وإتْقانِ صَنْعَتِها، ولِذَلِكَ عَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والسَماءِ ذاتِ الحُبُكِ ﴾ بِأنْ قالَ: حُبُكُها: حُسْنُ خِلْقَتِها، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الحُبُكُ الزِينَةُ، وقالَ الحَسَنُ: حُبُكُها كَواكِبُها، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الحُبُكُ الشِدَّةُ، حُبِكَتْ: شُدَّتْ، وقَرَأ: "سَبْعًا شِدادًا"، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: الحُبُكُ طَرائِقُ الغَيْمِ ونَحْوِ هَذا، وواحِدُ "الحُبُكِ" حَباكٌ، ويُقالُ لِلظَّفِيرَةِ الَّتِي يُشَدُّ بِها حِظارُ القَصَبِ ونَحْوُهُ، وهي مُسْتَطِيلَةٌ تُصْنَعُ في تَرْحِيبِ الغِراساتِ المُصْطَفَّةِ-: حِباكٌ، وقَدْ يَكُونُ واحِدُ الحُبُكِ حَبِيكَةٌ، وقالَ الراجِزُ: كَأنَّما جَلَّلَها الحَوّاكُ ∗∗∗ طِنْفَسَةً في وشْيِها حِباكُ وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الحُبُكُ" بِضَمِّ الحاءِ والباءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو مالِكٍ الغِفارِيُّ بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الباءِ تَخْفِيفًا، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، كَرُسْلٍ في رُسُلٍ، وهي قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ، وأبِي السَمالِ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا، وأبُو مالِكٍ الغِفارِيُّ: "الحِبِكُ" بِكَسْرِ الحاءِ والباءِ عَلى أنَّها لُغَةٌ كَإطِلٍ وإبِلٍ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: "الحِبْكُ" بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الباءِ، كَما قالُوا عَلى جِهَةِ التَخْفِيفِ: "إبِلٌ" و"إطِلٌ" بِسُكُونِ الباءِ والطاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الحَبَكُ" بِفَتْحِ الحاءِ والباءِ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا فِيما رُوِيَ عنهُ: "الحِبُكُ" بِكَسْرِ الحاءِ وضَمَّ الباءَ، وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ غَيْرُ مُتَوَجِّهَةٍ، وكَأنَّهُ أرادَ كَسْرَهُما ثُمَّ تَوَهَّمَ "الحَبُكَ" قِراءَةُ الضَمِّ بَعْدَ أنْ كَسَرَ الحاءَ فَضَمَّ الباءَ، وهَذا عَلى تَداخُلِ اللُغاتِ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ هَذا البِناءُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "الحُبَكُ" بِضَمِّ الحاءِ وفَتْحِ الباءِ جَمْعُ حُبْكَةٍ، وهَذِهِ كُلُّها لُغاتٌ، والمَعْنى ما ذَكَرْناهُ، والفَرَسُ المَحْبُوكُ: الشَدِيدُ الخِلْقَةِ الَّذِي لَهُ حُبَكٌ في مَواضِعَ مِن مَنابِتِ شَعْرِهِ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى حُسْنِ بِنْيَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِجَمِيعِ الناسِ، مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، أيِ: اخْتَلَفْتُمْ بِأنْ قالَ مِنكُمْ: فَرِيقٌ: آمَنّا بِمُحَمَّدٍ وكِتابِهِ، وقالَ فَرِيقٌ آخَرُ: كَفَرْنا، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْكَفَرَةِ فَقَطْ، أيْ: أنْتُمْ في جِنْسٍ مِنَ الأقْوالِ مُخْتَلِفٍ في نَفْسِهِ، قَوْمٌ مِنكم يَقُولُونَ: ساحِرٌ، وقَوْمٌ يَقُولُونَ كاهِنٌ، وقَوْمٌ يَقُولُونَ: شاعِرٌ، وقَوْمٌ يَقُولُونَ: مَجْنُونٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والضَمِيرُ فِي: "عنهُ" قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: هو عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ ، أو كِتابِهِ أو شَرْعِهِ، و"يُؤْفَكُ" مَعْناهُ: يُصْرَفُ، فالمَعْنى: يُصْرَفُ مِنَ الكُفّارِ عن كِتابِ اللهِ تَعالى كَثِيرٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى القَوْلِ الَّذِي يُصْرَفُ بِسَبَبِهِ مَن أرادَ الإسْلامَ بِأنْ يُقالَ: هو سِحْرٌ، هو كَهانَةٌ، وهَذا قَوْلٌ حَكاهُ الزَهْراوِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "عنهُ" عَلى القَوْلِ، أيْ: يُصْرَفُ عنهُ بِتَوْفِيقِ اللهِ تَعالى إلى الإسْلامِ مَن غَلَبَتْ سَعادَتُهُ، وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ﴾ لِلْكُفّارِ فَقَطْ، وهَذا وجْهٌ حَسَنٌ لا يُخِلُّ بِهِ، إلّا أنْ عُرِفَ الِاسْتِعْمالُ في "أُفُكٍ" إنَّما هو في الصَرْفِ مِن خَيْرٍ إلى شَرٍّ، وتَأمَّلْ ذَلِكَ تَجِدْها أبَدًا في المَصْرُوفِينَ المَذْمُومِينَ، وحَكى أبُو عَمْرٍو عن قَتادَةَ أنَّهُ قَرَأ: "مَن أفَكَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "قُتِلَ الخَرّاصُونَ" دُعاءٌ عَلَيْهِمْ، كَما تَقُولُ: قاتَلَهُ اللهُ، وقَتَلَهُ اللهُ، وعَقْرى حَلْقى، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: لُعِنَ الخَرّاصُونَ، وهَذا تَفْسِيرٌ لا تُعْطِيهِ اللَفْظَةُ، و"الخَرّاصُ": المُخَمِّنُ القائِلُ بِظَنِّهِ وتَقْدِيرُهُ، فَتَحْتَهُ الكاهِنُ والمُرْتابُ ونَحْوُهُ مِمَّنْ لا يَقِينَ لَهُ، والإشارَةُ إلى مُكَذِّبِي مُحَمَّدٍ عَلى كُلِّ جِهَةٍ مِن طُرُقِهِمْ.
و"الغَمْرَةُ" ما يُغَشِّي الإنْسانَ ويُغَطِّيهِ كَغَمْرَةِ الماءِ، والمَعْنى: في غَمْرَةٍ مِنَ الجَهالَةِ، و"ساهُونَ" مَعْناهُ: عن أنَّهم في غَمْرَةٍ وعن غَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ النَظَرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِينِ ﴾ مَعْناهُ: يَقُولُونَ: مَتى يَوْمُ الدِينِ؟
عَلى مَعْنى التَكْذِيبِ، وجائِزٌ أنْ يَقْتَرِنَ بِذَلِكَ مِن بَعْضِهِمْ هُزُؤٌ وألّا يَقْتَرِنَ، وقَرَأ السُلَمِيُّ، والأعْمَشُ: "إيانَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الياءِ مُخَفَّفَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ هم عَلى النارِ يُفْتَنُونَ ﴾ ، قالَ الزَجّاجُ: نَصَبُوا "يَوْمَ" عَلى الظَرْفِ مِن مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ؛ هو كائِنٌ يَوْمَ هم عَلى النارِ، أوَ نَحْوَ هَذا، وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: نَصْبَهُ عَلى البِناءِ لِما أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، قالَ بَعْضُ النُحاةِ: وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى البَدَلِ مِن "يَوْمُ الدِينِ"، و"يُفْتَنُونَ" مَعْناهُ: يُحْرَقُونَ ويُعَذَّبُونَ في النارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والجَمِيعُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحُرَّةِ: فَتِينٌ، كَأنَّ الشَمْسَ أحْرَقَتْ حِجارَتَها، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ: مَعاطِي تَهْوى إلَيْها الحَقْو ∗∗∗ قُ يَحْسَبُها مَن رَآها الفَتِينا وفَتَنْتُ الذَهَبَ: أحْرَقَتْهُ، ولَمّا كانَ لا يُحْرَقُ إلّا لِمَعْنى الِاخْتِبارِ قِيلَ لِكُلِّ اخْتِبارٍ: فِتْنَةٌ، واسْتَعْمَلُوا افْتُتِنَ بِمَعْنى اخْتَبَرَ، و"عَلى" هُنا مُوَصِّلَةً إلى مَعْنى "فِي"، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ ﴾ إضْمارٌ، أيْ: يُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا حَرْقَكم وعَذابَكُمْ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، والذَوْقُ اسْتِعارَةٌ، و"هَذا" إشارَةٌ إلى حَرْقِهِمْ، واسْتِعْجالُهم هو قَوْلُهُمْ: ﴿ أيّانَ يَوْمُ الدِينِ ﴾ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الَّتِي تَقْتَضِي اسْتِعْجالَهم عَلى جِهَةِ التَكْذِيبِ مِنهم.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَةَ الكَفَرَةِ وما يُلْقُونَ مِن عَذابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ المُتَّقِينَ وما يُلْقُونَ مِنَ النَعِيمِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ ويَتَّبِعَ الناسُ طَرِيقَ الهُدى، و"الجَنّاتُ" والعُيُونُ مَعْرُوفٌ، والمُتَّقِي في الآيَةِ مُطْلَقٌ في اتِّقاءِ الكُفْرِ والمَعاصِي، وقَوْلُهُ تَعالى: "آخِذِينَ" نُصِبَ عَلى الحالِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "آخِذُونَ" بِواوٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: آخِذِينَ في دُنْياهم ما آتاهم رَبُّهم مِن أوامِرِهِ ونَواهِيهِ وفَرائِضِهِ وشَرْعِهِ، فالحالُ عَلى هَذا مَحْكِيَّةٌ، وهي مُتَقَدِّمَةٌ في الزَمانِ عَلى كَوْنِهِمْ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ ﴾ أيْ: مُخْلِصِينَ لِنِعَمِ اللهِ تَعالى الَّتِي أعْطاهم مِن جَنَّتِهِ ورِضْوانِهِ، وهَذِهِ حالٌ مُتَّصِلَةٌ في المَعْنى لِكَوْنِهِمْ في الجَنّاتِ، وهَذا التَأْوِيلُ أرْجَحُ عِنْدِي لِاسْتِقامَةِ الكَلامِ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَبْلَ ذَلِكَ ﴾ يُرِيدُ: في الدُنْيا، "مُحْسِنِينَ" بِالطاعَةِ والعَمَلِ الصالِحِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَيْلِ ما يَهْجَعُونَ ﴾ ﴿ وَبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ ﴿ وَفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ ﴾ ﴿ وَفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾ ﴿ وَفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ وَفِي السَماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ ﴾ ﴿ فَوَرَبِّ السَماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ ﴾ ﴿ هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ ﴾ ﴿ إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ﴾ ﴿ فَراغَ إلى أهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴾ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَيْلِ ما يَهْجَعُونَ ﴾ أنَّ نَوْمَهم كانَ قَلِيلًا لِاشْتِغالِهِمْ بِالصَلاةِ والعِبادَةِ، فالمُرادُ مِن كُلِّ لَيْلَةٍ، و"الهُجُوعُ": النَوْمُ، وقالَ الأحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: "لَسْتُ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ"، وهَذا إنْصافٌ مِنهُ، وقِيلَ لِبَعْضِ التابِعِينَ: مَدَحَ اللهُ تَعالى امْرَأً رَقَدَ، إذا نَعِسَ، وأطاعَ رَبَّهُ إذا اسْتَيْقَظَ، وفَسَّرَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّهم كانُوا يَنْتَفِلُونَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: المَعْنى: كانُوا يُصِيبُونَ مِنَ اللَيْلِ حَظًّا، وقالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: قَلَّ لَيْلَةَ أتَتْ عَلَيْهِمْ هُجُعُوها كُلُّها، وقالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ ومُجاهِدٌ: فالمُرادُ عِنْدَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِهِ تَعالى: "مِنَ الَّيْلِ" أيْ: مِنَ اللَيالِي، وظاهِرُ الآيَةِ عِنْدِي أنَّهم كانُوا يَقُومُونَ الأكْثَرَ مِن لَيْلِهِمْ، أيْ: مِن كُلِّ لَيْلَةٍ، وقَدْ قالَ الحَسَنُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: كابَدُوا قِيامَ اللَيْلِ، لا يَنامُونَ مِنهُ إلّا قَلِيلًا.
وأمّا إعْرابُ الآيَةِ فَقالَ الضَحّاكُ في كِتابِ الطَبَرِيِّ ما يَقْتَضِي أنَّ المَعْنى: كانُوا قَلِيلًا في عَدَدِهِمْ، وتَمَّ خَبَرُ "كانَ"، ثُمَّ ابْتَدَأ "مِنَ اللَيْلِ ما يَهْجَعُونَ"، فـَ "ما" نافِيَةٌ، و"قَلِيلًا" وقْفٌ حَسَنٌ.
وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: "ما" زائِدَةٌ، و"قَلِيلًا" مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لِـ "يَهْجَعُونَ"، وقالَ جُمْهُورُ النَحْوِيِّينَ: "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، و"قَلِيلًا" خَبَرُ "كانَ"، والمَعْنى: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَيْلِ هُجُوعُهُمْ، و"الهُجُوعُ" مُرْتَفِعٌ بِـ "قَلِيلًا" عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، وعَلى هَذا الإعْرابِ يَجِيءُ قَوْلُ الحَسَنِ وغَيْرِهِ -وَهُوَ الظاهِرُ عِنْدِي- أنَّ المُرادَ: كانَ هُجُوعُهم مِنَ اللَيْلِ قَلِيلًا، وفَسَّرَ ابْنُ عُمَرَ والضِحّاكُ "يَسْتَغْفِرُونَ" بـِ "يَصِلُونَ"، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: يَدَّعُونَ في طَلَبِ المَغْفِرَةِ، والأسْحارُ مَظِنَّةُ الِاسْتِغْفارِ، ويُرْوى أنَّ أبْوابَ الجَنَّةِ تُفْتَحُ فَجْرَ كُلِّ يَوْمٍ، وفي قِصَّةِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي ﴾ أنَّهُ أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ لَهم إلى السِحْرِ، قالَ أبُو زَيْدٍ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: السِحْرُ السُدْسُ الآخِيرُ مِنَ اللَيْلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ ﴾ ، الصَحِيحُ أنَّها مُحْكَمَةٌ، وأنَّ هَذا الحَقَّ هو عَلى وجْهِ النَدْبِ لا عَلى وجْهِ الفَرْضِ، و"مَعْلُومٌ" يُرادُ بِهِ: مُتَعارَفٌ، وكَذَلِكَ قِيامُ اللَيْلِ الَّذِي مَدَحَ بِهِ لَيْسَ مِنَ الفَرائِضِ، وأكْثَرُ ما تَقَعُ الفَرِيضَةُ بِفِعْلِ المَندُوباتِ.
وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هي الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ وفَرْضُ الزَكاةِ بِالمَدِينَةِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: كانَ هَذا ثُمَّ نُسِخَ بِالزَكاةِ، وهَذا غَيْرُ قَوِيٍّ، وما شَرَعَ اللهُ تَعالى وجَلَّ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ شَيْئًا مِن أخْذِ الأمْوالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "المَحْرُومِ" اخْتِلافًا هو عِنْدِي تَخْلِيطٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ؛ إذِ المَعْنى واحِدٌ، وإنَّما عَبَّرَ عُلَماءُ السَلَفِ في ذَلِكَ العِباراتِ عَلى جِهَةِ المُثُلاتِ فَجَعَلَها المُتَأخِّرُونَ أقْوالًا، وحَصَرَها مَكِّيٌّ ثَمانِيَةً، و"المَحْرُومِ" هو الَّذِي تَبْعُدُ عنهُ مُمَكِّناتُ الرِزْقِ بَعْدَ قُرْبِها مِنهُ فَيَنالُهُ حِرْمانٌ وفاقَةٌ، وهو مَعَ ذَلِكَ لا يُسْألُ، فَهَذا هو الَّذِي لَهُ حَقٌّ في أمْوالِ الأغْنِياءِ كَما لِلسّائِلِ حَقٌّ، قالَ الشَعْبِيُّ: أعْيانِي أنْ أعْلَمَ ما "المَحْرُومِ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَحْرُومُ: المُحارِبُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ في الإسْلامِ سَهْمُ مالٍ، فَهو ذُو الحِرْفَةِ المَحْدُودِ، وقالَ أبُو قُلابَةَ: جاءَ سَيْلٌ بِاليَمامَةِ فَذَهَبَ بِمالِ رَجُلٍ، فَقالَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ النَبِيِّ : هَذا المَحْرُومُ، وقالَ زَيْدٌ: هو الَّذِي أُصِيبَ ثَمَرَتُهُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو الَّذِي ماتَتْ ماشِيَتُهُ، وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو الكَلْبُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ يَكُونُ الكَلْبُ مَحْرُومًا في بَعْضِ الأوقاتِ والحالاتِ، ألّا تَرى إلى الَّذِي يَأْكُلُ الثَرى مِنَ العَطَشِ..
الحَدِيثُ؛ إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأقْوالِ الَّتِي إنَّما ذَكَرَتْ مِثالًا، كَأنَّهُ يَقُولُ: الَّذِي أُصِيبَتْ ثَمَرَتُهُ مِنَ المَحْرُومِينَ، والمَعْنى الجامِعُ لِهَذِهِ الأقْوالِ أنَّهُ الَّذِي لا مالَ لَهُ لِحِرْمانٍ أصابَهُ، وإلّا فالَّذِي تُصابُ ثَمَرَتُهُ ولَهُ مالٌ كَثِيرٌ غَيْرُها فَلَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ بِإجْماعٍ.
وبَعْدَ هَذا مُقَدَّرٌ مِنَ الكَلامِ تَقْدِيرُهُ: فَكُونُوا مِثْلَهم أيُّها الناسُ وعَلى طَرِيقِهِمْ فَإنَّ النَظَرَ المُؤَدِّيَ إلى ذَلِكَ مُتَّجِهٌ فَفي الأرْضِ آياتٌ لِمَنِ اعْتَبَرَ وأيْقَنَ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى لَطائِفِ الحِكْمَةِ وعَجائِبِ الخِلْقَةِ الَّتِي في الأرَضِينَ والجِبالِ والمَعادِنِ والعُيُونِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَرَأ قَتادَةُ: "آيَةً" عَلى الإفْرادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَفِي أنْفُسِكُمْ" إحالَةٌ عَلى النَظَرِ في شَخْصِ الإنْسانِ، فَإنَّهُ أكْثَرُ المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَدَيْنا عِبْرَةٌ لِما جَعَلَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى فِيهِ -مَعَ كَوْنِهِ مِن تُرابٍ- مِن لَطائِفِ الحَواسِّ، ومِن أمْرِ النَفْسِ وحَياتِها ونُطْقِها، واتِّصالِ هَذا الجُزْءِ مِنها بِالعَقْلِ، ومِن هَيْئَةِ الأعْضاءِ واسْتِعْدادِها لِتَنْفَعَ أو تَحْمِلَ أو تُعِينَ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّما القَلْبُ مُضْغَةٌ في جَوْفِ ابْنِ آدَمَ جَعَلَ اللهُ فِيهِ العَقْلَ، أفَيَدْرِي أحَدٌ ما ذاكَ العَقْلُ؟
وما صِفَتُهُ؟
وكَيْفَ هُوَ؟
وقالَ الرُمّانِيُّ: النَفْسُ خاصَّةً الشَيْءُ الَّتِي لَوْ بَطَلَ ما سِواها مِمّا لَيْسَتْ مُضَمَّنَةً بِهِ لَمْ تُبْطِلْ، وهَذا تَعَمُّقٌ لا أحْمَدُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَلا تُبْصِرُونَ" تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي السَماءِ رِزْقُكُمْ ﴾ ، قالَ الضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ: وابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ تَعالى المَطَرَ والثَلْجَ، وقالَ الضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ: أرادَ القَضاءَ والقَدَرَ، أيْ: الرِزْقَ عِنْدَ اللهِ تَعالى يَأْتِي بِهِ كَيْفَ يَشاءُ، لا رَبَّ غَيْرَهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَفِي السَماءِ رازِقُكُمْ".
و"تُوعَدُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الوَعْدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الوَعِيدِ، والكُلُّ في السَماءِ، قالَ الضَحّاكُ: المُرادُ: مِنَ الجَنَّةِ والنارِ، وقالَ مُجاهِدٌ: مِنَ الخَيْرِ والشَرِّ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: المُرادُ الساعَةُ، ثُمَّ أقْسَمَ تَعالى بِنَفْسِهِ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ والخَبَرِ، وشَبَّهَهُ في اليَقِينِ بِهِ بِالنُطْقِ مِنَ الإنْسانِ، وهو عِنْدُهُ في غايَةِ الوُضُوحِ ولا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ فِيهِ مِنَ اللَبْسِ ما يَقَعُ في الرُؤْيَةِ والسَمْعِ، بَلِ النُطْقُ أشَدُّ تَخَلُّصًا مِن هَذِهِ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "مِثْلَ ما"، -فَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "مَثَلٌ" بِالرَفْعِ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، والأعْمَشِ -بِخِلافٍ عنهُمْ-، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأهْلُ المَدِينَةِ، وجُلُّ الناسِ: "مُثُلَ" بِالنَصْبِ، فَوَجْهُ الأُولى الرَفْعُ عَلى النَعْتِ لـِ "حَقَّ"، وجازَ نَعْتُ النَكِرَةِ بِهَذا الَّذِي قَدْ أُضِيفَ إلى المَعْرِفَةِ مِن حَيْثُ كانَ "مِثْلُ" شائِعًا عامًّا لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، فَهو لا تَعْرِفُهُ الإضافَةُ إلى مَعْرِفَةٍ؛ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: "رَأيْتُ مِثْلَ زَيْدٍ" فَلَمْ تَعْرِفْ شَيْئًا لِأنَّ وُجُوهَ المُماثَلَةِ كَثِيرَةٌ، فَلَمّا بَقِيَ الشِياعُ جَرى عَلَيْهِ حُكْمُ النَكِرَةِ فَنُعِتَتْ بِهِ النَكِرَةُ، و"ما" زائِدَةٌ تُعْطِي تَأْكِيدًا، وإضافَةُ "مِثْلُ" قَدْ بَنى لِما أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الصِفَةِ لـِ"حَقَّ"، ولَحِقَهُ البَناءُ لِأنَّ المُضافَ إلَيْهِ قَدْ يُكْسِبُ المُضافَ بَعْضَ صِفاتِهِ كالتَأْنِيثِ في قَوْلِهِ: .....................شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ....
وكالتَعْرِيفِ في "غُلامِ زَيْدٍ" إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ويَجْرِي "مِثْلَ" حِينَئِذٍ مَجْرى "عَذابِ يَوْمِئِذٍ" عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ المِيمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا ∗∗∗..................
وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: لَمْ يَمْنَعِ الشُرْبَ مِنها غَيْرُ أنْ هَتَفَتْ ∗∗∗.....................
فَـ "غَيْرُ" فاعِلَةٌ ولَكِنَّهُ فَتَحَها.
والوَجْهُ الثانِي -وَهُوَ قَوْلُ المازِنِيِّ- إنَّ "مِثْلَ" بُنِيَ لِكَوْنِهِ مَعَ "ما" شَيْئًا واحِدًا، وتَجِيءُ -عَلى هَذا- في مِضْمارٍ: "وَيْحَما، وأيْنَما"، ومِنهُ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ: ألا هَيَّما مِمّا لَقِيتُ وهَيَّما ∗∗∗ ووَيْحٌ لِمَن لَمْ يَدْرِ ما هُنَّ ويْحَما فَلَوْلا البِناءُ وجَبَ أنْ يَكُونَ مُنَوَّنًا، وكَذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ...................
∗∗∗ فَأكْرِمْ بِنا خالًا وأكْرِمْ بِنا ابْنَما والوَجْهُ الثالِثُ أنْ تُنْصَبَ "مِثْلَ" عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "لَحَقٌّ" وهي حالٌ مِن نَكِرَةٍ، وفِيهِ خِلافٌ، ولَكِنْ جَوَّزَ ذَلِكَ الجَرْمِيُّ، وأمّا غَيْرُهُ فَيَراهُ حالًا مِنَ الذِكْرِ المَرْفُوعِ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَحَقٌّ"؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ لَحَقٌّ هُوَ، وفي هَذا نَظَرٌ، و"النُطْقُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الكَلامُ بِالحُرُوفِ والأصْواتِ في تَرْتِيبِ المَعانِي، ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ العَرَبِ الفُصَحاءِ سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: مَن أحْوَجَ الكِرِيمَ إلى أنْ يَحْلِفَ؟
والحِكايَةُ وقَعَتْ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ و"سُبُلُ الخَيْراتِ" مُتَمِّمَةٌ عَنِ الأصْمَعِيِّ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: « "قاتَلَ اللهُ قَوْمًا أقْسَمَ لَهم رَبُّهم بِنَفْسِهِ فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ"»، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "لَوْ فَرَّ أحَدُكم مِن رِزْقِهِ لِتَبِعَهُ كَما يَتْبَعُهُ المَوْتُ"،» وأحادِيثُ الرِزْقِ والأشْعارِ فِيهِ كَثِيرَةٌ.
قَوْلُهُ: "هَلْ أتاكَ" تَقْرِيرٌ لِتَجْتَمِعَ نَفْسُ المُخاطَبِ، وهَذا كَما تَبْدَأُ المَرْءَ إذا أرَدْتَ أنْ تُحَدِّثَهُ بِعَجِيبٍ فَتُقَرِّرَهُ: هَلْ سَمِعَ مِنكَ أمْ لا؟
فَكَأنَّهُ تَقْتَضِي مِنهُ أنْ يَقُولَ: لا، ويَسْتَطْعِمُكَ الحَدِيثَ.
و"ضَيْفِ" اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ لِلْجَمِيعِ والواحِدِ، ورُوِيَ أنَّ أضْيافَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ هَؤُلاءِ هم جِبْرِيلُ ومِكائِيلُ وإسْرافِيلُ وأتْباعٌ لَهم مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وجَعَلَهم تَعالى مُكَرَّمِينَ إمّا لِأنَّهم عِنْدَهُ كَذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وإمّا مِن حَيْثُ أكْرَمَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ وخَدَمَهم هو وسارَّةُ وذَبَحَ لَهُمُ العِجْلَ، وقِيلَ: مِن حَيْثُ رَفَعَ مَجالِسَهم.
و"سَلامًا" مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، كَأنَّهم قالُوا: نُسَلِّمُ سَلامًا، أو سَلَّمْتُ سَلامًا، ويَتَّجِهُ فِيهِ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "قالُوا" عَلى أنْ يَجْعَلَ "سَلامًا" بِمَنزِلَةِ "قَوْلًا"، ويَكُونُ المَعْنى حِينَئِذٍ أنَّهم قالُوا تَحِيَّةً وقَوْلًا مَعْناهُ سَلامًا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، و"سَلامٌ" مُرْتَفِعٌ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ، أيْ أمْرِي سَلامٌ، أو واجِبٌ لَكم سَلامٌ، أو عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قالَ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ، وإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ حَيّا بِأحْسَنِ؛ لِأنَّ قَوْلَهم دُعاءٌ وقَوْلُهُ واجِبٌ قَدْ تَحَصَّلَ لَهم.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والنَخْعِيُّ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وطَلْحَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ: "قالَ سِلْمٌ" بِكَسْرِ السِينِ وسُكُونِ اللامِ، والمَعْنى: نَحْنُ سَلامٌ، أو أنْتُمْ سَلامٌ وقَوْلُهُ تَعالى: "قَوْمٌ مُنْكَرُونَ" مَعْناهُ: لا نُمَيِّزُهم ولا عَهْدَ لَنا بِهِمْ، وهَذا أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ: أنْتُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: أنْكَرَ سَلامَهم في تِلْكَ الأرْضِ وذَلِكَ الزَمَنِ.
و"راغَ" مَعْناهُ: مَضى أثْناءَ حَدِيثِهِ مُخْفِيًا زَوالَهُ مُسْتَعْجِلًا كَأنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنْ يُفارِقَهم فَمَضى إلى ناحِيَةٍ مِن دارِهِ مُسْتَعْجِلًا ورَجَعَ لِحِينِهِ، وهَذا تَشْبِيهٌ بِالرَوَغانِ المَعْرُوفِ؛ لِأنَّ الرائِغَ يُوهِمُ أنَّهُ لَمْ يَزَلْ، و"العِجْلُ" هو الَّذِي حَنَذَهُ لَهُمْ، وحَسْبُكَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ أوقَفَ لِلضِّيافَةِ أوقافًا تُمْضِيها الأُمَمُ عَلى اخْتِلافِ أدْيانِها وأجْناسِها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قالَ ألا تَأْكُلُونَ ﴾ ﴿ فَأوجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ﴾ ﴿ فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وجْهَها وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ﴾ ﴿ قالُوا كَذَلِكَ قالَ رَبُّكِ إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ ﴾ ﴿ قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ ﴾ ﴿ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ﴾ ﴿ فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مَن المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ المَعْنى: فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ فَأمْسَكُوا عنهُ فَقالَ: ألا تَأْكُلُونَ؟
فَيُرْوى في الحَدِيثِ «أنَّهم قالُوا لَهُ: إنّا لا نَأْكُلُ إلّا ما أدَّيْنا ثَمَنَهُ، فَقالَ لَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ: وأنا لا أُبِيحُهُ لَكم إلّا بِثَمَنٍ، قالُوا: وما هُوَ؟
قالَ: أنْ تُسَمُّوا اللهَ تَعالى عِنْدَ الِابْتِداءِ، وتَحْمَدُوهُ عِنْدَ الفَراغِ مِنَ الأكْلِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: بِحَقٍّ اتَّخَذَهُ اللهُ خَلِيلًا،» فَلَمّا اسْتَمَرُّوا عَلى تَرْكِ الأكْلِ أوجَسَ مِنهم خِيفَةً، و"الوَجْسُ": تَحَسُّسُ النَفْسِ وخَواطِرُها في الحَذَرِ، وذَلِكَ أنَّ أكْلَ الضَيْفِ أمَنَةٌ ودَلِيلٌ عَلى انْبِساطِ نَفْسِهِ، والطَعامُ حُرْمَةٌ وذِمامٌ، والِامْتِناعُ عن ذَلِكَ وحْشَةٌ، فَخَشِيَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ امْتِناعَهم مِن أكْلِ طَعامِهِ إنَّما هو لِشَرٍّ يُرِيدُونَهُ، فَقالُوا لَهُ: لا تَخَفْ، وعَرَّفُوهُ أنَّهم مَلائِكَةٌ، وبَشَّرُوهُ وبَشَّرُوا سارَّةَ مَعَهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ، أيْ: عالَمٍ في حالِ تَكْلِيفِهِ وتَحْصِيلِهِ، أيْ سَيَكُونُ عَلِيمًا، و"عَلِيمٍ" بِناءُ مُبالَغَةٍ.
وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّ الغُلامَ هَنا إسْحاقُ ابْنُ سارَةَ عَلَيْهِ السَلامُ الَّذِي ذُكِرَتِ البِشارَةُ بِهِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: هَذا الغُلامُ هو إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، والأوَّلُ أرْجَحُ، وهَذا وهْمٌ، ويُرْوى أنَّهُ عَرَفَ كَوْنَهم مَلائِكَةً اسْتِدْلالًا مِن بِشارَتِهِمْ إيّاهُ بِالغَيْبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: قَرُبَتْ إلَيْهِمْ مِن ناحِيَةٍ مِن نَواحِي المَنزِلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الإقْبالُ كَما تَقُولُ: أقْبَلَ فُلانٌ يَشْتُمُنِي أو يَفْعَلُ كَذا إذا جَدَّ في ذَلِكَ وتَلَبَّسَ بِهِ.
و"الصُرَّةُ": الصَيْحَةُ، كَذا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وسُفْيانُ، والضَحّاكُ، والمُضْطَرُّ الَّذِي يَصِيحُ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: في رَنَّةٍ، وقالَ الطَبَرِيُّ: قالَ بَعْضُهُمْ: قالَتْ: أوَّهْ، بِصِياحٍ وتَعَجُّبٍ، وقالَ النَحّاسُ: وقِيلَ: "فِي صَرَّةٍ": في جَماعَةِ نِسْوَةٍ يَتَبادَرْنَ نَظَرًا إلى المَلائِكَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَصَكَّتْ وجْهَها" مَعْناهُ: ضَرَبَتْ وجْهَها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَطَمَتْ، وهَذا مِمّا يَفْعَلُهُ الَّذِي يَرِدُ عَلَيْهِ أمْرٌ يَسْتَهْوِلُهُ، وقالَ سُفْيانُ، والسُدِّيُّ، ومُجاهِدٌ: ضَرَبَتْ بِكَفَّيْها وجْهَها، وهَذا مُسْتَعْمَلٌ في الناسِ حَتّى الآنَ، وقَوْلُها: "عَجُوزٌ عَقِيمٌ" إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ: إنّى عَجُوزٌ عَقِيمٌ فَكَيْفَ ألِدُ؟
وإمّا أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: عَجُوزٌ عَقِيمٌ تَكُونُ مِنها وِلادَةٌ؟
وقَدَّرَهُ الطَبَرِيُّ: أتَلِدُ عَجُوزٌ عَقِيمٌ، ويُرْوى أنَّها كانَتْ لَمْ تَلِدْ قَطُّ، و"العَقِيمُ" مِنَ النِساءِ الَّتِي لا تَلِدُ، ومِنَ الرِياحِ الَّتِي لا تُلَقِّحُ شَجَرًا فَهي لا بَرَكَةَ فِيها.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكِ ﴾ أيْ كَقَوْلِنا الَّذِي أخْبَرْناكَ بِهِ قالَ رَبُّكَ أنْ يَكُونَ، و"الحَكِيمُ" ذُو الحِكْمَةِ، و"العَلِيمُ" مَعْناهُ: بِالمَصالِحِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ المَعْلُوماتِ.
ثُمَّ قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ لِلْمَلائِكَةِ: "فَما خَطْبُكُمْ" والخَطْبُ: الأمْرُ المُبْهَمُ، وقِيلَ إنَّما يُعَبِّرُ بِهِ عَنِ الشَدائِدِ والمَكارِهِ غالِبًا حَتّى قالُوا: "خُطُوبُ الزَمانِ" وغَيْرُ ذَلِكَ وكَأنَّهُ يَقُولُ: ما هَذِهِ الطامَّةُ الَّتِي جِئْتُمْ لَها؟
فَأخْبَرُوهُ حِينَئِذٍ أنَّهم أرْسَلُوا إلى سُدُومِ قَرْيَةِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ بِإهْلاكِ أهْلِها الكَفَرَةِ العاصِينَ المُجْرِمِينَ، و"المُجْرِمُ": فاعِلُ الجَرائِمِ وهي صِفاتُ المَعاصِي مِن كُفْرٍ ونَحْوِهِ، واحِدَتُها جَرِيمَةٌ.
وقَوْلُهم "لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ" أيْ: لِنُهْلِكَهم بِهَذِهِ الحِجارَةِ، ومَتى اتَّصَلَتْ "أرْسَلَ" بِـ "عَلى": فَهي في مَعْنى المُبالَغَةِ في المُباشَرَةِ والعَذابِ.
ومَتى اتَّصَلَتْ بـِ "إلى" فَهي أخَفُّ، وانْظُرْ ذَلِكَ تَجِدْهُ مُطَّرِدًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حِجارَةً مِن طِينٍ ﴾ بَيانٌ تَخَرَّجَ عن مُعْتادِ حِجارَةِ البَرَدِ الَّتِي هي مِن ماءٍ، ويُرْوى أنَّهُ طِينٌ طُبِخَ في نارِ جَهَنَّمَ حَتّى صارَ حِجارَةً كالآجُرِّ، و"مُسَوَّمَةً" نَعْتٌ لِـ "حِجارَةً"،وَقِيلَ: مَعْناهُ: مَتْرُوكَةٌ.
وسَوْمُها مِنَ الإهْلاكِ والإصابَةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ؛ مُعَلَّمَةٌ بِعَلامَتِها مِنَ السَماءِ، والسَوْمى: العَلامَةُ، أيْ: إنَّها لَيْسَتْ مِن حِجارَةِ الدُنْيا، وقالَ الزَهْراوِيُّ والرُمّانِيُّ: قِيلَ: مَعْناهُ عَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ المَضْرُوبِ بِهِ، قالَ الرُمّانِيُّ: وقِيلَ: كانَ عَلَيْها أمْثالُ الخَواتِيمِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: تَسْوِيمُها إنْ كانَ في الحِجارَةِ السُودِ نُقَطٌ بِيضٌ، وفي البِيضِ سُودٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّها بِجُمْلَتِها مَعْلُومَةٌ عِنْدَ رَبِّكَ لِهَذا المَعْنى مُعَلَّمَةٌ لَهُ، عَلامَةً خاصَّةً بِهِ و"المُسْرِفُ": الَّذِي يَتَعَدّى الطَوْرَ، فَإذا جاءَ مُطابِقًا فَهو لِأبْعَدِ غاياتِ الكُفْرِ فَما دُونَهُ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أخْرَجَ بِأمْرِهِ مَن كانَ في قَرْيَةِ لُوطٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ مُنَجِّيًا لَهُمْ، وأعادَ الضَمِيرُ عَلى القَرْيَةِ ولَمْ يُصَرِّحْ لَها قَبْلَ ذَلِكَ بِذِكْرٍ لِشُهْرَةِ أمْرِها، ولِأنَّ القَوْمَ المُجْرِمِينَ مَعْلُومٌ أنَّهم في قَرْيَةٍ ولا بُدَّ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ولا فَرْقَ بَيْنَ تَقَدُّمِ ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ وتَأخُّرِهِ، وإنَّما هُما وصْفانِ، ذَكَرَهم أوَّلًا بِأحَدِهِما ثُمَّ آخِرًا بِالثانِي، قالَ الرُمّانِيُّ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الإيمانَ هو الإسْلامُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَظْهَرُ إلَيَّ أنَّ في المَعْنى زِيادَةً تُحْسِنُ التَقْدِيمَ لِلْإيمانِ، وذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَهُ مَعَ الإخْراجِ مِنَ القَرْيَةِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لَقَدْ أمَرَنا بِإخْراجِ كُلِّ مُؤْمِنٍ، ولا يَشْتَرِطُ فِيهِ أنْ يَكُونَ عامِلًا بِالطاعاتِ بَلِ التَصْدِيقُ بِاللهِ تَعالى فَقَطْ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ حالَ المُوَحِّدِينَ ذَكَرَهم بِالصِفَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها وهي الكامِلَةُ التَصْدِيقِ والأعْمالِ.
والبَيْتُ مِنَ المُسْلِمِينَ هو بَيْتُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ وكانَ هو وابْنَتاهُ، وقِيلَ: وبِنْتَهُ، وفي كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: وقِيلَ لُوطٌ وأهْلُ بَيْتِهِ ثَلاثَةَ عَشَرَ، وهَلَكَتِ امْرَأتُهُ فِيمَن هَلَكَ.
وهَذِهِ القِصَّةُ بِجُمْلَتِها ذُكِرَتْ عَلى جِهَةِ المِثالِ لِقُرَيْشٍ، أيْ أنَّهم إذا كَفَرُوا أصابَهم مِثْلُ ما أصابَ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ ﴾ ﴿ وَفِي مُوسى إذْ أرْسَلْناهُ إلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ وقالَ ساحِرٌ أو مَجْنُونٌ ﴾ ﴿ فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ وهو مُلِيمٌ ﴾ ﴿ وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِيحَ العَقِيمَ ﴾ ﴿ ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ إلا جَعَلَتْهُ كالرَمِيمِ ﴾ ﴿ وَفِي ثَمُودَ إذْ قِيلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ ﴾ ﴿ فَعَتَوْا عن أمْرِ رَبِّهِمْ فَأخَذَتْهُمُ الصاعِقَةُ وهم يَنْظُرُونَ ﴾ المَعْنى: وتَرَكْنا في القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ -وَهِيَ سَدُومُ- أثَرًا مِنَ العَذابِ باقِيًا مُؤَرَّخًا لا يَفْنى ذِكْرُهُ، فَهو آيَةٌ -أيْ: عَلامَةٌ- عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وانْتِقامِهِ مِنَ الكَفَرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وتَرَكْنا في أمْرِها، كَما قالَ: ﴿ لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ ﴾ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: تَرَكَ فِيها حَجَرًا مَنضُودًا كَثِيرًا جِدًّا، و( الَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ ) هُمُ العارِفُونَ بِاللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَفِي مُوسى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "فِيها"، أيْ: وتَرَكْنا في مُوسى وقِصَّتِهِ أثَرًا أيْضًا هو آيَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى قَبْلُ: ﴿ وَفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾ ، وفِرْعَوْنُ هو صاحِبُ مِصْرَ، و"السُلْطانُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الحُجَّةُ، و"تَوَلّى" مَعْناهُ أعْرَضَ وأدْبَرَ عن أمْرِ اللهِ تَعالى، و"رُكْنِهِ": سُلْطانُهُ وجُنْدُهُ وشِدَّةُ أمْرِهِ، وهو الأمْرُ الَّذِي يَرْكَنُ فِرْعَوْنُ إلَيْهِ ويَسْنِدُ في شَدائِدِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "بِرُكْنِهِ": بِجُمُوعِهِ، وقالَ قَتادَةُ: بِقَوْمِهِ، وقَوْلُ فِرْعَوْنَ في مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: "ساحِرٌ أو مَجْنُونٌ" هو تَقْسِيمُ ظَنٍّ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ أحَدَ هَذَيْنِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أو" هُنا بِمَعْنى "الواوِ"، واسْتَشْهَدَ بِبَيْتِ جَرِيرٍ: أثَعْلَبَةَ الفَوارِسِ أو رِياحًا عَدَلْتَ بِهِمْ طُهَيَّةَ والخِشابا؟
والخِشابُ: بُيُوتٌ في بَنِي تَمِيمٍ، وقَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ ضَعِيفٌ لا داعِيَةَ إلَيْهِ في هَذا المَوْضِعِ، "وَنَبَذْناهُمْ" مَعْناهُ: طَرَحْناهم و"اليَمُّ": البَحْرُ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَنَبَذْناهُ"، و"المُلِيمُ": الَّذِي أتى مِنَ المَعاصِي ونَحْوِها ما يُلامُ عَلَيْهِ، وقالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ: .........................
∗∗∗ ومَن يَخْذُلْ أخاهُ فَقَدْ ألاما وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَفِي عادٍ" عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: "وَفِي مُوسى".
وعادٍ هي قَبِيلَةُ هُودٍ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، و"العَقِيمَ" مَعْناهُ: الَّتِي لا بَرَكَةَ فِيها، لا تُلَقِّحُ شَجَرًا ولا تَسُوقُ مَطَرًا، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: كانَتْ رِيحُ الجَنُوبِ، ورُوِيَ عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كانَتْ نَكْباءَ، وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عن عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِأنَّهُ يُرادُّ قَوْلَ النَبِيِّ : « "نُصِرْتُ بِالصَبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَبُّورِ"،» و"تَذَرُ" مَعْناهُ: تَدَعُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ ﴾ يَعْنِي مِمّا أذِنَ اللهُ تَعالى لَها في إهْلاكِهِ، و"الرَمِيمُ": الفانِي المُتَقَطِّعُ يَبِسًا أو قِدَمًا مِنَ الأشْجارِ والوَرَقِ والحِبالِ أوِ العِظامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ ﴾ ، أيْ في قِوامِ الرَمادِ، ورُوِيَ حَدِيثٌ: « "إنَّ تِلْكَ الرِيحَ كانَتْ تَهُبُّ عَلى الناسِ فِيهِمُ العادِيَّ وغَيْرُهُ، فَتَنْتَزِعُ العادِيَّ مِن بَيْنِ الناسِ وتَذْهَبُ بِهِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي ثَمُودَ إذْ قِيلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: قِيلَ لَهم في أوَّلِ بَعْثِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ: آمِنُوا وأطِيعُوا فَتَمَتَّعُوا مَتاعًا حَسَنًا إلى آجالِكُمْ، وهو "الحِينُ" عَلى هَذا، وهو قَوْلُ الحَسَنِ حَكاهُ عَنِ الرُمّانِيِّ، ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "فَعَتَوْا" مُرَتَّبًا لَفْظًا في الآيَةِ ومَعْنى في الوُجُودِ مُتَأخِّرًا عَنِ القَوْلِ لَهم "تَمَتَّعُوا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إذْ قِيلَ لَهم بَعْدَ عَقْرِ الناقَةِ: ﴿ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ﴾ ، وهي "الحِينُ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ، ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "فَعَتَوْا" غَيْرُ مُرَتَّبِ المَعْنى في وُجُودِهِ، لِأنَّ عُتُوَّهم كانَ قَبْلَ أنْ يُقالَ لَهُمْ: "تَمَتَّعُوا"، وكَأنَّ المَعْنى: فَكانَ مِن أمْرِهِمْ قَبْلَ هَذِهِ المَقالَةِ أنَّ عُتُوًّا، وهو السَبَبُ في أنْ قِيلَ لَهم ذَلِكَ وعُذِّبُوا.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "الصاعِقَةُ"، وقَرَأ الكِسائِيُّ، وهي قِراءَةُ عُمَرَ وعُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُما-: "الصَعْقَةُ"، وَهِيَ -عَلى القِراءَتَيْنِ- الصَيْحَةُ العَظِيمَةُ، ومِنهُ يُقالُ لِلْوَقْعَةِ الشَدِيدَةِ مِنَ الرَعْدِ: صاعِقَةٌ، وهي الَّتِي تَكُونُ مَعَها النارُ الَّتِي يُرْوى في الحَدِيثِ أنَّها مِنَ المِخْراقِ الَّذِي بِيَدِ مَلِكٍ يَسُوقُ السَحابَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَهم يَنْظُرُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَجْأةً وهم يُبْصِرُونَ بِعُيُونِهِمْ حالَهُمْ، وهَذا قَوْلُ الطَبَرِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وهم يَنْظُرُونَ ذَلِكَ في تِلْكَ الأيّامِ الثَلاثَةِ الَّتِي أُعْلِمُوا بِهِ فِيها ورَأوا عَلاماتِهِ في تَلَوُّنِهِمْ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ حَسَبَ تَقَدُّمِ تَفْسِيرِهِ، وانْتِظارُهُمُ العَذابَ هو أشَدُّ مِنَ العَذابِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَما اسْتَطاعُوا مِن قِيامٍ وما كانُوا مُنْتَصِرِينَ ﴾ ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ ﴾ ﴿ والسَماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ وإنّا لَمُوسِعُونَ ﴾ ﴿ والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ ﴾ ﴿ وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ فَفِرُّوا إلى اللهِ إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلا قالُوا ساحِرٌ أو مَجْنُونٌ ﴾ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "مِن قِيامٍ" مَعْناهُ: ما اسْتَطاعُوا أنْ يَقُومُوا مِن مُصارِعِهِمْ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: مِن قِيامٍ بِالأمْرِ ودَفْعِهِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ لَهُ بِكَذا وكَذا قِيامٌ، أيِ: اسْتِصْلاحٌ وانْتِهاضٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "وَقَوْمَ نُوحٍ" بِالنَصْبِ، وهو عَطْفٌ إمّا عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَأخَذَتْهُمُ"؛ إذْ هو بِمَنزِلَةِ "أهْلَكْناهُمْ"، وإمّا عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَنَبَذْناهُمْ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِيما رَوى عنهُ عَبْدُ الوارِثِ -: "وَقَوْمُ نُوحِ" بِالرَفْعِ، وذَلِكَ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَقَوْمِ نُوحٍ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَفِي ثَمُودَ"، وقَدْ رُوِيَ النَصْبُ عن أبِي عَمْرٍو.
وقَوْلُهُ تَعالى: "والسَماءَ" نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وبَنَيْنا السَماءَ بَنَيْناها، وَ"الأيْدِ": القُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ووَقَعَتْ في المُصْحَفِ بِياءَيْنِ، وذَلِكَ عَلى تَخْفِيفِ الهَمْزِ، وفي هَذا نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: [لَمُوسِعُونَ] يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إنّا نُوَسِّعُ الأشْياءَ قُوَّةً وقُدْرَةً، كَما قالَ اللهُ تَعالى: و ﴿ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ ﴾ .
أيِ: الَّذِي يُوسِعُ أهْلَهُ إنْفاقًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لَمُوسِعُونَ في بِناءِ السَماءِ، أيْ جَعَلْناها واسِعَةً، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ، وقالَ الحَسَنُ: أوسَعُ الرِزْقِ بِمَطَرِ السَماءِ، و"الماهِدُ": المُهَيِّئُ المَوْطِئُ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَتَمَهَّدُ ويَفْتَرِشُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ ﴾ أيْ: مُصْطَحِبِينَ مُتَلازِمِينَ، فَقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ أنَّ هَذِهِ إشارَةٌ إلى المُتَضادّاتِ والمُتَقابِلاتِ مِنَ الأشْياءِ كاللَيْلِ والنَهارِ، والشِقْوَةِ والسَعادَةِ، والهُدى والضَلالَةِ، والسَماءِ والأرْضِ، والسَوادِ والبَياضِ، والصِحَّةِ والمَرَضِ، والكُفْرِ والإيمانِ، ونَحْوِ هَذا، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ بِأنَّهُ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ الَّتِي تُوجِدُ الضِدَّيْنِ بِخِلافِ ما يَفْعَلُ بِطَبْعِهِ فِعْلًا واحِدًا كالتَسْخِينِ والتَبْرِيدِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هي إشارَةٌ إلى الأُنْثى والذَكَرِ مِن كُلِّ حَيَوانٍ، والتَرَجِّي الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: "لَعَلَّكُمْ" هو بِحَسَبِ خَلْقِ البَشَرِ وعُرْفِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَذَكَّرُونَ" بِتَشْدِيدِ الذالِ والإدْغامِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "تَتَذَكَّرُونَ" بِتاءَيْنِ وخِفَّةِ الذالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفِرُّوا إلى اللهِ ﴾ أمَرَ بِالدُخُولِ في الإيمانِ وطاعَةِ اللهِ تَعالى، وجَعَلَ الأمْرَ بِذَلِكَ بِلَفْظِ الفِرارِ لِيُنَبَّهَ عَلى أنَّ وراءَ الناسِ عِقابًا وعَذابًا وأمْرًا حَقُّهُ أنْ يَفِرَّ مِنهُ، فَجُمِعَتْ لَفْظَةُ "فَرُّوا" بَيْنَ التَحْذِيرِ والِاسْتِدْعاءِ، ويَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيُّ : « "لا مَلْجَأ ولا مَنجى مِنكَ إلّا إلَيْكَ..."» الحَدِيثُ.
قالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: مَن فَرَّ إلى غَيْرِ اللهِ تَعالى لَمْ يَمْتَنِعْ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ نَهْيٌ عن عِبادَةِ الأصْنامِ والشَياطِينِ وكُلُّ مَدْعُوٍّ مِن دُونِ اللهِ تَعالى، وفائِدَةُ تَكْرارِ قَوْلِهِ تَعالى: ( إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) الإبْلاغُ وهَزُّ النَفْسِ وتَحْكِيمُ التَحْذِيرِ، وإعادَةُ الألْفاظِ بِعَيْنِها في هَذِهِ المَعانِي بَلِيغَةٌ بِقَرِينَةِ شِدَّةِ الصَوْتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كَذَلِكَ" تَقْدِيرُهُ: سِيرَةُ الأُمَمِ كَذَلِكَ، أوِ الأمْرُ في القَدِيمِ كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا قالُوا ساحِرٌ أو مَجْنُونٌ ﴾ مَعْناهُ إلّا قالَ بَعْضُ هَذا وبَعْضُ هَذا وبَعْضُ هَذا وبَعْضُ الجَمِيعِ، ألا تَرى أنَّ قَوْمَ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَقُولُوا قَطُّ: ساحِرٌ، وإنَّما قالُوا: بِهِ جِنَّةٌ، فَلَمّا اخْتَلَفَتِ الفِرَقُ جُعِلَ الخَبَرُ عن ذَلِكَ بِإدْخالِ "أو" بَيْنَ الصِيغَتَيْنِ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ قالَتْ عن نَبِيِّها: إنَّهُ ساحِرٌ أو هو مَجْنُونٌ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ كالمُتَقَدِّمَةِ في فِرْعَوْنَ، بَلْ هَذِهِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إلّا قالُوا: هو ساحِرٌ، أو قالُو وهو مَجْنُونٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ ﴾ ﴿ فَتَوَلَّ عنهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ ﴾ ﴿ وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ ﴿ ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ هو الرَزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ ﴾ ﴿ فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ﴾ ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "أتَواصَوْا بِهِ" تَوْقِيفٌ وتَعْجِيبٌ مِن تَوارُدِ نُفُوسِ الكَفَرَةِ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ عَلى تَفَرُّقِ أزْمانِهِمْ، أيْ: إنَّهم لَمْ يَتَواصَوْا لَكِنَّهم فَعَلُوا فِعْلًا كَأنَّهُ فِعْلُ مَن يَتَواصى، والعِلَّةُ في ذَلِكَ أنْ جَمِيعَهم طاغٍ، والطاغِي: المُسْتَعْلِي في الأرْضِ المُفْسِدُ العاتِي عَلى اللهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: "فَتَوَلَّ عنهُمْ" أيْ: عَنِ الحِرْصِ المُفْرِطِ عَلَيْهِمْ وذَهابِ اليَقِينِ حَسَراتٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: فَقَوْلٌ عَنِ التَعَبِ المُفْرِطِ في دُعائِهِمْ وضَمِّهِمْ إلى الإسْلامِ، فَلَسْتَ بِمُصَيْطِرٍ عَلَيْهِمْ ولَسْتَ بِمَلُومٍ إذْ قَدْ بَلَّغْتَ، فَنَحِّ نَفْسَكَ عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ وذَكِّرْ فَقَطْ فَإنَّ الذِكْرى نافِعَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولِمَن قُضِيَ لَهُ أنْ يَكُونَ مِنهم في ثانِي حالٍ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَلا نَسْخَ في الآيَةِ إلّا في مَعْنى المُوادَعَةِ الَّتِي فِيها: فَإنَّ آيَةَ السَيْفِ نَسَخَتْ جَمِيعَ المُوادَعاتِ، ورَوى قَتادَةُ -وَذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ - عن عَلِيٍّ رِضى الله تَعالى عنهُ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿ فَتَوَلَّ عنهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ ﴾ حَزِنَ المُسْلِمُونَ وظَنُّوا أنَّهُ مَرَّ بِالتَوالِي عَنِ الجَمِيعِ وأنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، حَتّى نَزَلَتْ ﴿ وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ ﴾ فَسُّرُّوا بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ ، اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْناهُ مَعَ إجْماعِ أهْلِ السُنَّةِ عَلى أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ أنْ تَقَعَ العِبادَةُ مِنَ الجَمِيعِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ أنْ يَقَعَ الأمْرُ بِخِلافِ إرادَتِهِ، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: المَعْنى: ما خُلِقَتِ الجِنُّ والإنْسُ إلّا لِأمْرِهِمْ بِعِبادَتِي ولِيُقِرُّوا لِي بِالعُبُودِيَّةِ، فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "لِيَعْبُدُونِ"؛ إذِ العِبادَةُ هي مَضْمُونُ الأمْرِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وسُفْيانُ: المَعْنى خاصٌّ، والمُرادُ وما خَلَقْتُ الطائِعِينَ مِنَ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِعِبادَتِي، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَوى عَنِ النَبِيِّ «أنَّهُ قَرَأ: "وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إلّا لِيَعْبُدُونِي"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا مَعْنى "لِيَعْبُدُونِ"؛ لِيَتَذَلَّلُوا لِي ولِقُدْرَتِي وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلى قَوانِينِ الشَرْعِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَجَمِيعُ الجِنِّ والإنْسِ عابِدٌ مُتَذَلِّلٌ، والكُفّارُ كَذَلِكَ، ألا تَراهم عِنْدَ القُحُوطِ والأمْراضِ وغَيْرِ ذَلِكَ؟
وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا مُعَدِّينَ لِيَعْبُدُونِي، وكَأنَّ الآيَةَ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ، أيْ: خُلِقَتْ لَهم حَواسَّ وعُقُولًا وأجْسامًا مُنْقادَةً لِحَقِّ العِبادَةِ وهَذا كَما تَقُولُ: البَقَرُ مَخْلُوقٌ لِلْحَرْثِ، والخَيْلُ لِلْحَرْبِ، وقَدْ يَكُونُ مِنها ما لا يَحْرُثُ وما لا يُحارِبُ بِهِ أصْلًا، فالمَعْنى أنَّ الإعْدادَ في خَلْقِ هَؤُلاءِ إنَّما هو لِلْعِبادَةِ، لَكِنَّ بَعْضَهم تَكْسَّبَ صَرْفَ نَفْسِهِ عن ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَنزِعَ قَوْلُ النَبِيِّ : « "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ"،» وقَوْلُهُ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ"...الحَدِيثُ.» وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن رِزْقٍ" أيْ أنْ يَرْزُقُوا أنْفُسَهم ولا غَيْرَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يُطْعِمُونِ ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنْ يُطْعِمُوا خَلْقِي، فَأُضِيفَ إلى الضَمِيرِ عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وإمّا أنْ يَكُونَ الإطْعامُ هُنا بِمَعْنى النَفْعِ عَلى العُمُومِ، كَما تَقُولُ: أعْطَيْتُ فُلانًا كَذا وكَذا طُعْمَةً، وأنْتَ قَدْ أعْطَيْتُهُ عَرَضًا أو بَلَدًا يُجِيبُهُ، ونَحْوُ هَذا، عَلى الجَمِيعِ.
وقَرَأ الجَمِيعُ: "إنَّ اللهَ هو الرَزّاقُ"، ورَوى أبُو إسْحاقَ السَبِيعِيُّ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أقَرَأنِي رَسُولُ اللهِ "إنِّي أنا الرَزّاقُ"،» وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "المَتِينُ" بِالرَفْعِ، إمّا عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أو صِفَةٌ لِـ "الرَزّاقُ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: "المَتِينِ" بِالخَفْضِ عَلى النَعْتِ لِـ "القُوَّةِ"، وجازَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ تَأْنِيثُ "القُوَّةِ" غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَكَأنَّهُ قالَ: ذُو الأيْدِ والحَبْلِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ ﴾ ، وجَوَّزَ أبُو الفَتْحِ أنْ يَكُونَ خَفْضُ "المَتِينِ" عَلى الجَوازِ و" المَتِينُ": الشَدِيدُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ ، يُرِيدُ تَعالى أهْلَ مَكَّةَ، وهَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ صُراحٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَإنَّ لِلَّذِينِ كَفَرُوا"، و"الذُنُوبُ": الحَظُّ والنَصِيبُ، وأصْلُهُ مِنَ الدَلْوِ، وذَلِكَ أنَّ الذُنُوبَ هو مِلْءُ الدَلْوِ مِنَ الماءِ، وقِيلَ: الذُنُوبُ: الدَلْوُ العَظِيمَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إنّا إذا نازَلَنا غَرِيبٌ لَهُ ذُنُوبٌ ولَنا ذُنُوبُ فَإنْ أبَيْتُمْ فَلَنا القَلِيبُ وهُوَ السِجِلُّ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ: وفي كُلِّ حَيٍّ يَوْمٍ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ ∗∗∗ فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِن نَداكَ ذُنُوبُ فَرَوى أنَّ المَلِكَ لَمّا سَمِعَ هَذا البَيْتَ قالَ: نَعَمْ وأذْنُبُ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: لا تَبْعَدَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ مُكَدَّمٍ ∗∗∗ وسَقى الغَوادِي قَبْرَهُ بِذُنُوبِ و"أصْحابُهُمْ" يُرادُ بِهِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا يَسْتَعْجِلُونَ" تَحْقِيقٌ لِلْأمْرِ، بِمَعْنى: هو نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ في وقْتِهِ المَعْلُومِ، فَلا يَسْتَعْجِلُوهُ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "فَلا تَسْتَعْجِلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وبِهِ قَرَأتْ فِرْقَةٌ، والباقُونَ بِالياءِ.
ثُمَّ أوجَبَ تَعالى لَهُمُ الوَيْلَ مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يَأْتِي فِيهِ عَذابُهُمْ، و"الوَيْلُ": الشَقاءُ والهَمُّ، ورُوِيَ أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى ويْلًا، والطَبَرِيُّ يَذْهَبُ أبَدًا إلى أنَّ التَوَعُّدَ إنَّما هو بِهِ، وذَلِكَ في هَذا المَوْضِعِ قَلَقٌ، لِأنَّ هَذا الوَيْلَ إنَّما هو مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي هو في الدُنْيا، و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هَذا التَوَعُّدُ هو بِيَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ آخَرُونَ -ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ -: هو يَوْمُ بَدْرٍ، وفي "يُوعَدُونَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى الكَلامِ، التَقْدِيرُ: يُوعِدُونَ بِهِ، أو يُوعِدُونَهُ.
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الذارِياتِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.