الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 51 الذاريات > الآيات ٣٧-٤٤
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةقوله عزّ وجلّ: ﴿ وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ ﴾ ﴿ وَفِي مُوسى إذْ أرْسَلْناهُ إلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ وقالَ ساحِرٌ أو مَجْنُونٌ ﴾ ﴿ فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ وهو مُلِيمٌ ﴾ ﴿ وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِيحَ العَقِيمَ ﴾ ﴿ ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ إلا جَعَلَتْهُ كالرَمِيمِ ﴾ ﴿ وَفِي ثَمُودَ إذْ قِيلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ ﴾ ﴿ فَعَتَوْا عن أمْرِ رَبِّهِمْ فَأخَذَتْهُمُ الصاعِقَةُ وهم يَنْظُرُونَ ﴾ المَعْنى: وتَرَكْنا في القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ -وَهِيَ سَدُومُ- أثَرًا مِنَ العَذابِ باقِيًا مُؤَرَّخًا لا يَفْنى ذِكْرُهُ، فَهو آيَةٌ -أيْ: عَلامَةٌ- عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وانْتِقامِهِ مِنَ الكَفَرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وتَرَكْنا في أمْرِها، كَما قالَ: ﴿ لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ ﴾ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: تَرَكَ فِيها حَجَرًا مَنضُودًا كَثِيرًا جِدًّا، و( الَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ ) هُمُ العارِفُونَ بِاللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَفِي مُوسى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "فِيها"، أيْ: وتَرَكْنا في مُوسى وقِصَّتِهِ أثَرًا أيْضًا هو آيَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى قَبْلُ: ﴿ وَفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾ ، وفِرْعَوْنُ هو صاحِبُ مِصْرَ، و"السُلْطانُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الحُجَّةُ، و"تَوَلّى" مَعْناهُ أعْرَضَ وأدْبَرَ عن أمْرِ اللهِ تَعالى، و"رُكْنِهِ": سُلْطانُهُ وجُنْدُهُ وشِدَّةُ أمْرِهِ، وهو الأمْرُ الَّذِي يَرْكَنُ فِرْعَوْنُ إلَيْهِ ويَسْنِدُ في شَدائِدِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "بِرُكْنِهِ": بِجُمُوعِهِ، وقالَ قَتادَةُ: بِقَوْمِهِ، وقَوْلُ فِرْعَوْنَ في مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: "ساحِرٌ أو مَجْنُونٌ" هو تَقْسِيمُ ظَنٍّ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ أحَدَ هَذَيْنِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أو" هُنا بِمَعْنى "الواوِ"، واسْتَشْهَدَ بِبَيْتِ جَرِيرٍ: أثَعْلَبَةَ الفَوارِسِ أو رِياحًا عَدَلْتَ بِهِمْ طُهَيَّةَ والخِشابا؟
والخِشابُ: بُيُوتٌ في بَنِي تَمِيمٍ، وقَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ ضَعِيفٌ لا داعِيَةَ إلَيْهِ في هَذا المَوْضِعِ، "وَنَبَذْناهُمْ" مَعْناهُ: طَرَحْناهم و"اليَمُّ": البَحْرُ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَنَبَذْناهُ"، و"المُلِيمُ": الَّذِي أتى مِنَ المَعاصِي ونَحْوِها ما يُلامُ عَلَيْهِ، وقالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ: .........................
∗∗∗ ومَن يَخْذُلْ أخاهُ فَقَدْ ألاما وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَفِي عادٍ" عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: "وَفِي مُوسى".
وعادٍ هي قَبِيلَةُ هُودٍ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، و"العَقِيمَ" مَعْناهُ: الَّتِي لا بَرَكَةَ فِيها، لا تُلَقِّحُ شَجَرًا ولا تَسُوقُ مَطَرًا، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: كانَتْ رِيحُ الجَنُوبِ، ورُوِيَ عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كانَتْ نَكْباءَ، وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عن عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِأنَّهُ يُرادُّ قَوْلَ النَبِيِّ : « "نُصِرْتُ بِالصَبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَبُّورِ"،» و"تَذَرُ" مَعْناهُ: تَدَعُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ ﴾ يَعْنِي مِمّا أذِنَ اللهُ تَعالى لَها في إهْلاكِهِ، و"الرَمِيمُ": الفانِي المُتَقَطِّعُ يَبِسًا أو قِدَمًا مِنَ الأشْجارِ والوَرَقِ والحِبالِ أوِ العِظامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ ﴾ ، أيْ في قِوامِ الرَمادِ، ورُوِيَ حَدِيثٌ: « "إنَّ تِلْكَ الرِيحَ كانَتْ تَهُبُّ عَلى الناسِ فِيهِمُ العادِيَّ وغَيْرُهُ، فَتَنْتَزِعُ العادِيَّ مِن بَيْنِ الناسِ وتَذْهَبُ بِهِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي ثَمُودَ إذْ قِيلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: قِيلَ لَهم في أوَّلِ بَعْثِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ: آمِنُوا وأطِيعُوا فَتَمَتَّعُوا مَتاعًا حَسَنًا إلى آجالِكُمْ، وهو "الحِينُ" عَلى هَذا، وهو قَوْلُ الحَسَنِ حَكاهُ عَنِ الرُمّانِيِّ، ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "فَعَتَوْا" مُرَتَّبًا لَفْظًا في الآيَةِ ومَعْنى في الوُجُودِ مُتَأخِّرًا عَنِ القَوْلِ لَهم "تَمَتَّعُوا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إذْ قِيلَ لَهم بَعْدَ عَقْرِ الناقَةِ: ﴿ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ﴾ ، وهي "الحِينُ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ، ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "فَعَتَوْا" غَيْرُ مُرَتَّبِ المَعْنى في وُجُودِهِ، لِأنَّ عُتُوَّهم كانَ قَبْلَ أنْ يُقالَ لَهُمْ: "تَمَتَّعُوا"، وكَأنَّ المَعْنى: فَكانَ مِن أمْرِهِمْ قَبْلَ هَذِهِ المَقالَةِ أنَّ عُتُوًّا، وهو السَبَبُ في أنْ قِيلَ لَهم ذَلِكَ وعُذِّبُوا.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "الصاعِقَةُ"، وقَرَأ الكِسائِيُّ، وهي قِراءَةُ عُمَرَ وعُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُما-: "الصَعْقَةُ"، وَهِيَ -عَلى القِراءَتَيْنِ- الصَيْحَةُ العَظِيمَةُ، ومِنهُ يُقالُ لِلْوَقْعَةِ الشَدِيدَةِ مِنَ الرَعْدِ: صاعِقَةٌ، وهي الَّتِي تَكُونُ مَعَها النارُ الَّتِي يُرْوى في الحَدِيثِ أنَّها مِنَ المِخْراقِ الَّذِي بِيَدِ مَلِكٍ يَسُوقُ السَحابَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَهم يَنْظُرُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَجْأةً وهم يُبْصِرُونَ بِعُيُونِهِمْ حالَهُمْ، وهَذا قَوْلُ الطَبَرِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وهم يَنْظُرُونَ ذَلِكَ في تِلْكَ الأيّامِ الثَلاثَةِ الَّتِي أُعْلِمُوا بِهِ فِيها ورَأوا عَلاماتِهِ في تَلَوُّنِهِمْ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ حَسَبَ تَقَدُّمِ تَفْسِيرِهِ، وانْتِظارُهُمُ العَذابَ هو أشَدُّ مِنَ العَذابِ.
<div class="verse-tafsir"