المحرر الوجيز سورة الحديد

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الحديد

تفسيرُ سورةِ الحديد كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 66 دقيقة قراءة

تفسير سورة الحديد كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ١ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ ٢ هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْـَٔاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ٣ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ ٤

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحَدِيدِ وهِيَ مَدَنِيَّةُ، قالَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ: بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ غَيْرُهُ: هي مَكِّيَّةٌ، ولا خِلافَ أنَّ فِيها قُرْآنًا مَدَنِيًّا، لَكِنْ يُشْبِهُ صَدْرَها أنْ يَكُونَ مَكِّيًّا، واللهُ تَعالى أعْلَمُ، وقَدْ ذَكَرْنا قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إنَّ اسْمَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ الأعْظَمَ هو في سِتِّ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الحَدِيدِ، ورُوِيَ أنَّ الدُعاءَ بَعْدَ قِراءَتِها مُسْتَجابٌ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظاهِرُ والباطِنُ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: التَسْبِيحُ هُنا هو التَنْزِيهُ المَعْرُوفُ في قَوْلِهِمْ: "سُبْحانَ اللهِ"، وهَذا عِنْدَهم إخْبارٌ بِصِيغَةِ الماضِي مُضَمِّنُهُ الدَوامُ وأنَّ التَسْبِيحَ مِمّا ذُكِرَ دائِمٌ مُسْتَمِرٌّ، واخْتَلَفُوا، هَلْ هَذا التَسْبِيحُ حَقِيقَةٌ أو مَجازٌ عَلى مَعْنى أنَّ أثَرَ الصَنْعَةِ فِيها يُنَبِّهُ الرائِي عَلى التَسْبِيحِ؟

قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: والقَوْلُ بِالحَقِيقَةِ أحْسَنُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وهَذا كُلُّهُ في الجَماداتِ، وأمّا ما يُمْكِنُ التَسْبِيحُ مِنهُ فَقَوْلٌ واحِدٌ إنَّ تَسْبِيحَهم حَقِيقَةٌ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: التَسْبِيحُ في هَذِهِ السُورَةِ الصَلاةُ، وهَذا قَوْلٌ مُتَكَلَّفٌ، فَأمّا فِيمَن يُمَكَّنُ مِنهُ ذَلِكَ فَسائِغٌ، وعَلى أنَّ سُجُودَ ظِلالِ الكُفّارِ هي صَلاتُهُمْ، وأمّا في الجَماداتِ فَيُقْلِقُ، وذَلِكَ أنَّ خُضُوعَها وخُشُوعَ هَيْئاتِها قَدْ يُسَمّى في اللُغَةِ سُجُودًا أوِ اسْتِعارَةً، كَما قالَ الشاعِرُ: ............

تَرى الأكَمَ فِيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ ويَبْعُدُ أنْ تُسَمّى تِلْكَ صَلاةً إلّا عَلى تَجَوُّزٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما في السَماواتِ والأرْضِ ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: التَقْدِيرُ: ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ، فَـ "ما" نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، فَلَمّا تَكَرَّرَ مَوْصُوفُها حَذَفَها وأقامَ الصِفَةَ مَقامَها، وهو العَزِيزُ بِقُدْرَتِهِ، وسُلْطانِهِ، الحَكِيمُ بِلُطْفِهِ وتَدْبِيرِهِ وحِكْمَتِهِ، ومُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ هو سُلْطانُها الحَقِيقِيُّ الدائِمُ؛ لِأنَّ مُلْكَ البَشَرِ مَجازٌ فانٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، أيْ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ مَقْدُورٍ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ ﴾ .

الأوَّلُ: الَّذِي لَيْسَ لِوُجُودِهِ بِدايَةً مُفْتَتَحَةً، والآخَرُ بِالأبَدِيَّةِ، وهو الأوَّلُ بِالوُجُودِ؛ إذْ كَلُّ مَوْجُودٍ فَبَعْدَهُ وبِهِ، والآخَرُ إذا نَظَرَ العَقْلُ في المَوْجُوداتِ حَتّى يَكُونَ إلَيْهِ مُنْتَهاها، قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى  ﴾ .

و"الظاهِرُ" مَعْناهُ: بِالأدِلَّةِ ونَظَرِ العُقُولِ في صَنْعَتِهِ، و"الباطِنُ" بِلُطْفِهِ وغَوامِضِ حِكْمَتِهِ وباهِرِ صِفَتِهِ الَّتِي لا تَصِلُ إلى مَعْرِفَتِها -عَلى ما هي عَلَيْهِ- الأوهامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ والظاهِرُ والباطِنُ ﴾ الَّذِي بِهَرَ ومَلَكَ فِيما ظَهَرَ لِلْعُقُولِ وفِيما خَفِيَ عنها، فَلَيْسَ في الظاهِرِ غَيْرُهُ حَسَبَ قِيامِ الأدِلَّةِ، ولَيْسَ في باطِنِ الأمْرِ وفِيما عَلى النَظْرَةِ مِمّا عَسى أنْ يَتَوَهَّمَ غَيْرُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ عامٌّ في الأشْياءِ عُمُومًا تامًّا.

وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ، وأكْثَرُ الناسِ عَلى أنَّ بَدْأةَ الخَلْقِ في يَوْمِ الأحَدِ، ووَقَعَ في مُسْلِمٍ أنَّ البِدايَةَ في يَوْمِ السَبْتِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الأيّامُ السِتَّةُ مِن أيّامِ القِيامَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ: مِن أيّامِ الدُنْيا، وهو الأصْوَبُ، و"الِاسْتِواءُ عَلى العَرْشِ" هو بِالغَلَبَةِ والقَهْرِ المُسْتَمِرَّيْنِ بِالقُدْرَةِ، ولَيْسَ ما في قَهْرِ العِبادِ مِنَ المُحاوَلَةِ والتَعَبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَسْألَةِ الِاسْتِواءِ مُسْتَوْعِبًا في [طه] وغَيْرِها.

و"ما يَلِجُ في الأرْضِ" هو المَطَرُ والأمْواتُ وغَيْرُ ذَلِكَ، و"ما يَخْرُجُ مِنها" هو النَباتُ والمَعادِنُ وغَيْرُ ذَلِكَ، ﴿ وَما يَنْزِلُ مِنَ السَماءِ ﴾ المَلائِكَةُ والرَحْمَةُ والعَذابُ وغَيْرُ ذَلِكَ، ﴿ وَما يَعْرُجُ فِيها ﴾ هو الأعْمالُ صالِحُها وسَيِّئُها والمَلائِكَةُ وغَيْرُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ ﴾ مَعْناهُ: بِقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ وإحاطَتِهِ وهِدايَتِهِ، أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ فِيها، وأنَّها مُخْرِجَةٌ عن مَعْنى لَفْظِها المَعْهُودِ، ودَخَلَ في الإجْماعِ مَن يَقُولُ بِأنَّ هَذا أمْرُ المُشْتَبَهِ كُلِّهِ، يَنْبَغِي أنْ يَمُرَّ ويُؤْمِنَ بِهِ ولا يُفَسِّرَ، وقَدْ أجْمَعُوا عَلى تَأْوِيلِ هَذِهِ لِبَيانِ وُجُوبِ إخْراجِها عن ظاهِرِها، قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: المَعْنى: عِلْمُهُ مَعَكُمْ، وتَأْوِيلُهم هَذِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ في غَيْرِها.

<div class="verse-tafsir"

لَّهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ٥ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ ۚ وَهُوَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٦ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُوا۟ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَأَنفَقُوا۟ لَهُمْ أَجْرٌۭ كَبِيرٌۭ ٧ وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ۙ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا۟ بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَـٰقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٨ هُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِۦٓ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍۢ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ ٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ ﴿ يُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ ويُولِجُ النَهارِ في اللَيْلَ وهو عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ ﴿ آمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فالَّذِينَ آمِنُوا مِنكم وأنْفِقُوا لَهم أجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ ﴿ وَما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ والرَسُولُ يَدْعُوكم لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكم وقَدْ أخَذَ مِيثاقَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ وإنَّ اللهَ بِكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ خَبَرٌ يَعُمُّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ، و"الأُمُورُ" هُنا لَيْسَتْ جَمْعَ المَصْدَرِ، بَلْ هي جَمِيعُ المَوْجُوداتِ لِأنَّ الأمْرَ والشَيْءَ والوُجُودَ أسْماءٌ شائِعَةٌ في جَمِيعِ المَوْجُوداتِ أعْراضِها وجَواهِرِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُرْجَعُ" بِضَمِّ التاءِ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "تَرْجِعُ" بِفَتْحِ التاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ ﴾ الآيَةُ تَنْبِيهٌ عَلى العِبْرَةِ فِيما يَتَجاذَبُهُ اللَيْلُ والنَهارُ مِنَ الطُولِ والقِصَرِ، وذَلِكَ مُتَشَعِّبٌ مُخْتَلِفٌ حَسَبَ اخْتِلافِ الأقْطارِ والأزْمانِ الأرْبَعَةِ، وذَلِكَ بَحْرٌ مِن بِحارِ الفِكْرَةِ لِمَن تَأمَّلَهُ، و"يُولِجُ" مَعْناهُ: يَدْخُلُ، و"ذاتُ الصُدُورِ": ما فِيها مِنَ الأسْرارِ والمُعْتَقَداتِ وذَلِكَ أغْمَضُ ما يَكُونُ، وهَذا كَما قالُوا: "الذِئْبُ مَغْبُوطٌ بِذِي بَطْنِهِ"، وكَما قالَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنَّما هو ذُو بَطْنِ بِنْتِ خارِجَةٍ ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ ﴾ الآيَةُ.

أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالثُبُوتِ عَلى الإيمانِ والنَفَقَةِ في سَبِيلِ اللهِ، ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ العُسْرَةِ، وهي غَزْوَةُ تَبُوكٍ، قالَهُ الضَحّاكُ، وقالَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فالَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وأنْفَقُوا ﴾ إلى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وحُكْمُها باقٍ يَنْدُبُ إلى هَذِهِ الأفْعالِ بَقِيَّةَ الدَهْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾ تَزْهِيدٌ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الأمْوالَ إنَّما تَصِيرُ إلى الإنْسانِ مِن غَيْرِهِ ويَتْرُكُها لِغَيْرِهِ، ولَيْسَ لَهُ مِن ذَلِكَ إلّا ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُ الرَسُولِ  : « "يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مالِي مالِي، وهَلْ لَكَ مِن مالِكٍ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ، أو لَبِسْتَ فَأبْلَيْتَ، أو تَصَدَّقْتَ فَأمْضَيْتَ"،» ويُرْوى أنَّ رَجُلًا مَرَّ بِأعْرابِيٍّ لَهُ إبِلٌ فَقالَ لَهُ: يا أعْرابِيُّ، لِمَن هَذِهِ الإبِلُ؟

فَقالَ: هي لِلَّهِ عِنْدِي، فَهَذا مُوافِقٌ مُصِيبٌ إنْ كانَ مِمَّنْ صَحِبَ قَوْلُهُ عَمَلَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ ﴾ الآيَةُ تَوْطِئَةٌ لِدُعائِهِمْ وإيجابٌ لِأنَّهم أهْلُ هَذِهِ الرُتَبِ الرَفِيعَةِ، فَإذا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَلا مانِعَ مِنَ الإيمانِ، وهَذا كَما تُرِيدُ أنْ تَنْدُبَ رَجُلًا إلى عَطاءٍ فَتَقُولُ لَهُ: أنْتَ يا فُلانُ مِن قَوْمٍ أجَوادٍ فَيَنْبَغِي أنْ تُكْرَمَ، وهَذا مُطَّرِدٌ في جَمِيعِ الأُمُورِ، إذا أرَدْتَ مِن أحَدٍ فِعٍلًا خَلَّقْتَهُ بِخُلُقِ أهْلِ ذَلِكَ الفِعْلِ وجَعَلْتَ لَهُ رُتْبَتَهُمْ، فَإذا تَقَرَّرَ في هَؤُلاءِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  يَدْعُوهُمْ، وأنَّهم مِمَّنْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَهُمْ، فَكَيْفَ يَمْتَنِعُونَ مِنَ الإيمانِ؟

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَقَدْ أخَذَ مِيثاقَكُمْ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ الفاعِلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "وَقَدْ أخَذَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، والآخِذُ عَلى كُلِّ قَوْلٍ هو اللهُ تَعالى، وهَذا الأخْذُ كانَ حِينَ الإخْراجِ مِن ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى ما مَضى في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ، والمُخاطَبَةُ بِبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ أشُدُّ غِلْظًا عَلى المُخاطَبِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ  ﴾ ، وكَما تَقُولُ لِامْرِئٍ: افْعَلْ كَما قِيلَ لَكَ، فَهو أبْلَغُ مِن قَوْلِكَ: افْعَلْ ما قُلْتُ لَكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ فالآنَ، وهَذا مَعْنًى لَيْسَ في لَفْظِ الآيَةِ وفِيهِ إضْمارٌ كَثِيرٌ، وإنَّما المَعْنى عِنْدِي أنَّ قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿ والرَسُولُ يَدْعُوكم لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكم وقَدْ أخَذَ مِيثاقَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ يَقْتَضِي أنْ يُقَدَّرَ بِأثَرِهِ: فَأنْتُمْ في رُتَبٍ شَرِيفَةٍ وأقْدارٍ رَفِيعَةٍ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، أيْ: إنْ دُمْتُمْ عَلى ما بَدَأْتُمْ بِهِ.

وقَرَأ بَعْضُ السَبْعَةِ: "يُنَزِّلُ" مُثْقَلَةً، وقَرَأ بَعْضُهُمْ: "يَنْزِلُ" مُخَفَّفَةً، وقَرَأها الحَسَنُ وعِيسى بِالوَجْهَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "أنْزِلُ"، والعَبْدُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى عَبْدِهِ" مُحَمَّدٍ  و"الآياتُ" آياتُ القُرْآنِ، و"الظُلُماتِ": الكُفْرُ، و"النُورُ": الإيمانُ، وما في الآيَةِ وعْدٌ وتَأْنِيسٌ مُؤَكَّدٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَـٰتَلَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةًۭ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَقَـٰتَلُوا۟ ۚ وَكُلًّۭا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ ١٠ مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا فَيُضَـٰعِفَهُۥ لَهُۥ وَلَهُۥٓ أَجْرٌۭ كَرِيمٌۭ ١١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما لَكم ألا تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللهِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَماواتِ والأرْضِ لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مَن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مَن الَّذِينَ أنْفَقُوا مَن بَعْدُ وقاتَلُوا وكُلا وعَدَ اللهِ الحُسْنى واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ ولَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ المَعْنى: وما لَكم ألّا تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللهِ وأنْتُمْ تَمُوتُونَ وتَتْرُكُونَ أمْوالَكُمْ؟

فَنابَ مَنابَ هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ وفِيهِ زِيادَةُ تَذْكِيرٍ بِاللهِ عَزَّ وجَلَّ وعِبْرَةٌ، وعنهُ يَلْزَمُ القَوْلَ الَّذِي قَدَّرْناهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مَن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ جَماعَةً مِنَ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عنهم أنْفَقَتْ نَفَقاتٍ كَثِيرَةً حَتّى قالَ الناسُ: هَؤُلاءِ أعْظَمُ أجْرًا مِن كُلِّ مَن أنْفَقَ قَدِيمًا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُبِيِّنَةً أنَّ النَفَقَةَ قَبْلَ الفَتْحِ أعْظَمُ أجْرًا، وهَذا التَأْوِيلُ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ الفَتْحِ، وقَدْ قِيلَ.

إنَّها نَزَلَتْ قَبْلَ الفَتْحِ تَحْرِيضًا عَلى الإنْفاقِ، والأوَّلُ أشْهَرُ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وفى نَفَقاتِهِ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ النَبِيِّ  لِخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: « "اتْرُكُوا لِي أصْحابِي، فَلَوْ أنْفَقَ أحَدُكم مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ".» واخْتَلَفَ الناسُ في الفَتْحِ المُشارِ إلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ- فَقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، والشَعْبِيُّ: هو فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ [الفَتْحِ] تَقْرِيرُ كَوْنِهِ فَتْحًا، ورَفَعَهُ أبُو سَعِيدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ إلى النَبِيِّ  «أنَّ أفْضَلَ ما بَيْنَ الهِجْرَتَيْنِ فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ.» وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: هو فَتْحُ مَكَّةَ الَّذِي أزالَ الهِجْرَةَ، وهَذا هو المَشْهُورُ الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ  : « "لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ ولَكِنْ جِهادٌ ونِيَّةٌ"،»«وَقالَ لَهُ رَجُلٌ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ: أُبايِعُكَ عَلى الهِجْرَةِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : "إنَّ الهِجْرَةَ قَدْ ذَهَبَتْ بِما فِيها".» وإنَّ الهِجْرَةَ لِشَأْنُها شَدِيدٌ، ولَكِنْ أُبايِعُكَ عَلى الجِهادِ"، وحُكْمُ الجِهادِ باقٍ إلى غابِرِ الدَهْرِ، فَمَن أنْفَقَ في وقْتِ حاجَةِ السَبِيلِ أعْظَمُ أجْرًا مِمَّنْ أنْفَقَ مَعَ اسْتِغْناءِ السَبِيلِ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "يَسْتَوِي" مُسْنَدٌ إلى "مَن" وتَرَكَ ذِكْرَ المُعادِلِ الَّذِي لا يَسْتَوِي مَعَهُ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِنَ بَعْدُ ﴾ قَدْ فَسَّرَهُ وبَيَّنَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فاعِلُ "يَسْتَوِي" مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: لا يَسْتَوِي مِنكُمُ الإنْفاقُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ ذِكْرَهُ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما لَكم ألا تُنْفِقُوا ﴾ ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: "مَن أنْفَقَ" ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ الآتِيَةُ بَعْدُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "وَكُلًّا وعَدَ اللهُ الحُسْنى"، وهي الوَجْهُ لِأنَّ "وَعْدَ" اللهِ لَيْسَ يَعُوقُهُ عائِقٌ عَلى أنْ يَنْصِبَ الفِعْلَ المُقَدَّمَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَكُلٌّ وعَدَ اللهُ الحُسْنى"، فَأمّا سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ فَقَدَّرَ الفِعْلَ خَبَرًا لِابْتِداءٍ، وفِيهِ ضَمِيرٌ عائِدٌ، وحَذْفُهُ عِنْدَهُ قَبِيحٌ لا يَجْرِي إلّا في شِعْرٍ ونَحْوِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: قَدْ أصْبَحَتْ أُمُّ الخِيارِ تَدَّعِي عَلِيَّ ذَنْبًا كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ قالَ: ولَكِنْ حَمَلُوا الخَبَرَ عَلى الصِفاتِ كَقَوْلِ جَرِيرٍ: ..........

∗∗∗ وما شَيْءٌ حَمَيْتُ بِمُسْتَباحٍ وعَلى الصِلاتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولا  ﴾ ، وذَهَبَ غَيْرُ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّ "وَعَدَ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ، كَأنَّهُ قالَ: أُولَئِكَ وكُلٌّ وعَدَ اللهُ الحُسْنى، وصاحِبُ هَذا المَذْهَبِ حَصَلَ في هَذا التَعَسُّفِ في المَعْنى فِرارًا مِن حَذْفِ الضَمِيرِ مِن خَبَرِ الِابْتِداءِ، و"الحُسْنى": الجَنَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والوَعْدُ يَتَضَمَّنُ ما قَبْلَ الجَنَّةِ مِن نَصْرٍ وغَنِيمَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ قَوْلٌ فِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ الآيَةُ.

قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: "مَن" ابْتِداءٌ، و"ذا" خَبَرُهُ، و"الَّذِي" صِفَةٌ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: "مَن" ابْتِداءٌ، و"ذا" زائِدَةٌ مَعَ "الَّذِي"، و"الَّذِي" خَبَرُ الِابْتِداءِ، وقالَ الحَسَنُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في التَطَوُّعِ في جَمِيعِ أمْرِ الدِينِ، و"القَرْضِ "وَ "السَلَفِ" ونَحْوِهِ: أنْ يُعْطِيَ الإنْسانُ شَيْئًا ويَنْتَظِرَ جَزاءَهُ، و"التَضْعِيفُ" مِنَ اللهِ تَعالى هو في الحَسَنِاتِ، يُضاعِفُ اللهُ لِمَن يَشاءُ مِن عَشْرَةٍ إلى سَبْعمِائَةٍ، وقَدْ ورَدَ أنَّ التَضْعِيفَ يُرَبّى عَلى سَبْعمِائَةٍ، وقَدْ مَرَّ ذِكْرُ ذَلِكَ في سُورَةِ [البَقَرَةِ] بِوُجُوهِهِ مِنَ التَأْوِيلِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "فَيُضاعِفُهُ" بِالرَفْعِ عَلى العَطْفِ أو عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "فَيُضاعِفُهُ" بِالنَصْبِ بِالفاءِ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، وفي ذَلِكَ قَلَقٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: لِأنَّ السُؤالَ لَمْ يَقَعْ عَنِ القَرْضِ، وإنَّما وقَعَ السُؤالُ عن فاعِلِ القَرْضِ، وإنَّما تَنْصِبُ الفاءُ فِعْلًا مَرْدُودًا عَلى فِعْلٍ مُسْتَفْهَمٍ عنهُ، لَكِنَّ هَذِهِ الفُرْقَةَ حَمَلَتْ ذَلِكَ عَلى المَعْنى، كَأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ ﴾ بِمَنزِلَةِ أنْ لَوْ قالَ: أيُقْرِضُ اللهَ أحَدٌ فَيُضاعِفُهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ: "فَيُضَعِّفُهُ" مُشَدَّدَةَ العَيْنِ مَضْمُومَةَ الفاءِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، إلّا أنَّهُ فَتَحَ الفاءَ.

و"الأجْرُ الكَرِيمُ": الَّذِي يُقْتَرَنُ بِهِ رِضًى وإقْبالٌ، وهَذا مَعْنى الدُعاءِ: "يا كَرِيمَ العَفْوِ"، أيْ: أنَّ مَعَ عَفْوِهِ رِضًى ومَغْنَمًا، وعَفْوُ البَشَرِ لَيْسَ كَذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِم بُشْرَىٰكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّـٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ١٢ يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ٱرْجِعُوا۟ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُوا۟ نُورًۭا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍۢ لَّهُۥ بَابٌۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَـٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ ١٣ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَٱرْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ ٱلْأَمَانِىُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ١٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَحْمَةُ وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ ﴾ ﴿ يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكم قالُوا بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللهِ وغَرَّكم بِاللهِ الغَرُورُ ﴾ العامِلُ في "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ  ﴾ ، و"الرُؤْيَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ رُؤْيَةُ عَيْنٍ، و"النُورُ"، قالَ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ: هي اسْتِعارَةٌ، عِبارَةٌ عَنِ الهُدى والحَقِّ الَّذِي هم عَلَيْهِ وهِدايَتُهُمُ الناسَ إلى الحَقِّ وصِدْقُهم في الأفْعالِ والأقْوالِ، وقِيلَ: تَتَبُّعُهُمُ الرَشادَ واعْتِقادُهم بِهِ واقْتِصاصُهم آثارَهُ وعَلاماتِهِ وأنْوارَهُ، وقِيلَ: هي اسْتِعارَةٌ، عِبارَةٌ عَنِ الهُدى والرِضْوانِ الَّذِي هم فِيهِ، وقالَ الجُمْهُورُ: بَلْ هو نُورٌ حَقِيقَةً، ورُوِيَ في هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ آثارٌ مُضَمِّنُها أنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مَظْهَرٌ لِلْإيمانِ يُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ نُورًا، فَيُطْفى نُورُ كُلِّ مُنافِقٍ ويَبْقى نُورُ المُؤْمِنِينَ، حَتّى أنَّ مِنهم مَن نُورُهُ يُضِيءُ كَما بَيْنَ مَكَّةَ وصَنْعاءَ، رَفَعَهُ قَتادَةُ إلى النَبِيِّ  ، ومِنهم مَن نُورُهُ كالنَخْلَةِ السَحُوقِ، ومِنهم مَن نُورُهُ يُضِيءُ ما بَيْنَ قُرْبٍ مِن قَدَمَيْهِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومِنهم مَن يَهِمُ نُورُهُ بِالِانْطِفاءِ مَرَّةً ويَبِينُ مَرَّةً، عَلى قَدْرِ المَنازِلِ في الطاعَةِ والمَعْصِيَةِ، وخَصَّ تَعالى "بَيْنَ الأيْدِي" لِأنَّهُ مَوْضِعُ حاجَةِ الإنْسانِ إلى النُورِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَبِأيْمانِهِمْ"، فَقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى: وعن أيْمانِهِمْ، فَكَأنَّهُ تَعالى خَصَّ جِهَةَ اليَمِينِ تَشْرِيفًا، ونابَ ذَلِكَ مَنابَ أنْ يَقُولَ: وفي جَمِيعِ جِهاتِهِمْ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: المَعْنى: وبِأيْمانِهِمْ كَتُبُهم بِالرَحْمَةِ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى: يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ، يُرِيدُ تَعالى الضَوْءَ المُنْبَسِطَ مِن أهْلِ النُورِ، وبِأيْمانِهِمْ أصْلُهُ والشَيْءُ هو مُتَّقِدٌ فِيهِ، فَمُضَمَّنُ هَذا القَوْلِ أنَّهم يَحْمِلُونَ الأنْوارَ، وكَوْنُهم غَيْرَ حامِلِينَ "لَها" أكْرَمُ، ألا تَرى أنَّ فَضِيلَةَ عَبّادِ بْنِ بِشْرٍ، وأُسِيدِ بْنِ حُضَيْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إنَّما كانَتْ بِنُورٍ لا يَحْمِلانِهِ؟

هَذا في الدُنْيا فَكَيْفَ في الآخِرَةِ؟

ومِن هَذِهِ الآيَةِ انْتُزِعَ حَمْلُ المُعْتِقِ لِلشَّمْعَةِ.

وقَرَأ الناسُ: "وَبِأيْمانِهِمْ" جَمْعُ يَمِينٍ، وقَرَأ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "وَبِإيمانِهِمْ" بِكَسْرِ الألِفِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "بَيْنَ أيْدِيهِمْ"، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: كافِيًا بَيْنَ أيْدِيهِمْ وكائِنًا بِسَبَبِ إيمانِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بُشْراكُمُ" مَعْناهُ: يُقالُ لَهم بُشْراكم جَنّاتٍ، أيْ: دُخُولُ جَنّاتٍ، فَحُذِفَ المُضافُ وأقامَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: "خالِدِينَ فِيها" إلى آخِرِ الآيَةِ، مُخاطَبَةً لِمُحَمَّدٍ  ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ" بِدُونِ "هُوَ".

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ ﴾ ، قالَ بَعْضُ النُحاةِ: "يَوْمَ" بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: العامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، قالَ ويَظْهَرُ لِي أنَّ العامِلَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ ، ويَجِيءُ مَعْنى الفَوْزِ أفْخَمُ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنَّ المُؤْمِنِينَ يَفُوزُونَ بِالرَحْمَةِ يَوْمَ يَعْتَرِي المُنافِقِينَ كَذا وكَذا، لِأنَّ ظُهُورَ المَرْءِ يَوْمَ خُمُولِ عَدُوِّهِ ومُضادِّهِ أبْدَعُ وأفْخَمُ، وقَوْلُ المُنافِقِينَ هَذِهِ المَقالَةَ المَحْكِيَّةَ هو عِنْدَ انْطِفاءِ أنْوارِهِمْ كَما ذَكَرْنا قَبْلُ، وقَوْلُهُمْ: "انْظُرُونا" مَعْناهُ: انْتَظِرُونا، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: وقَدْ نَظَرْتُكُمُ إيناءُ عاشِيَةٍ لِلْخَمْسِ طالَ بِها حَبْسِي وتِبْساسِي وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "أنْظُرُونا" بِقَطْعِ الألِفِ وكَسْرِ الظاءِ عَلى وزْنِ أكْرَمَ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كَلْثُومٍ: أبا هِنْدٍ فَلا تَعْجَلْ عَلَيْنا ∗∗∗ وأنْظِرْنا نُخَبِّرْكَ اليَقِينا وَمَعْناهُ: أخِّرُونا، ومِنهُ النَظْرَةُ إلى مَيْسَرَةٍ، وقَوْلُ النَبِيِّ  : « "مَن أنْظِرَ مُعْسِرًا"» الحَدِيثُ، ومَعْنى قَوْلِهِمْ "أخِّرُونا": أخِّرُوا مَشْيَكم لَنا حَتّى نَلْحَقَ فَنَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ، و"اقْتَبَسَ الرَجُلُ واسْتَقْبَسَ": أخَذَ مِن نُورِ غَيْرِهِ قَبَسًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَراءَكُمْ" حَكى المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وأنَّهُ كَما لَوْ قالَ: ارْجِعُوا ارْجِعُوا، وأنَّهُ عَلى نَحْوِ قَوْلِ أبِي الأُسُودِ الدُؤَلِيِّ لِلسّائِلِ "وَراءَكَ أوسَعُ لَكَ"، ولَسْتُ أعْرِفُ مانِعًا يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ "ارْجِعُوا"، والقَوْلُ لَهُمْ: "فالتَمِسُوا نُورًا" هو عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ لَهُمْ، أيْ: أنَّكم لا تَجِدُونَهُ، ثُمَّ أعْلَمَ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ يَضْرِبُ بَيْنَهم في هَذِهِ الحالِ بِسُورٍ حاجِزٍ، فَيَسْعى المُنافِقُونَ في ظُلْمَةٍ، ويَأْخُذُهُمُ العَذابُ مِنَ اللهِ تَعالى، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ هَذا السُورَ هو الأعْرافُ المَذْكُورُ في سُورَةِ [الأعْرافِ]، وقَدْ حَكاهُ المَهْدَوِيُّ، وقِيلَ: هو حاجِزٌ آخَرُ غَيْرُ ذَلِكَ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، وكَعْبُ الأحْبارِ، وعَبادَةُ بْنُ الصامِتِ، وابْنُ عَبّاسٍ: هو الجِدارُ الشَرْقِيُّ في مَسْجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ زِيادُ بْنُ أبِي سِوادَةَ: قامَ عُبادَةُ بْنُ الصامِتِ عَلى السُورِ الشَرْقِيِّ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ فَبَكى وقالَ: مِن هاهُنا أخْبَرَنا النَبِيُّ  أنَّهُ رَأى جَهَنَّمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِيهِ بابٌ يُسَمّى بابُ الرَحْمَةِ، سَمّاهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عُبادَةُ وكَعْبٌ، وفي الشَرْقِ مِنَ الجِدارِ المَذْكُورِ وادٍ يُقالُ لَهُ: وادِي جَهَنَّمَ: سَمّاهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وهَذا القَوْلُ في السُورِ بِعِيدٌ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.

وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: الرَحْمَةُ الجَنَّةُ، والعَذابُ جَهَنَّمُ، والسُورُ في اللُغَةِ الحِجابُ الَّذِي لِلْمُدُنِ وهو مُذَكَّرٌ، والسُورُ أيْضًا جَمْعُ سُورَةٍ وهي القِطْعَةُ مِنَ البِناءِ فَيُضافُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ حَتّى يَتِمَّ الجِدارُ، فَهَذا اسْمُ جَمْعٍ يَسُوغُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ، وهَذا الجَمْعُ هو الَّذِي أرادَ جَرِيرٌ في قَوْلِهِ: لَمّا أتى خَبَرُ الزُبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ وذَلِكَ أنَّ المَدِينَةَ لَمْ يَكُنْ لَها قَطُّ حِجًى، وأيْضًا فَإنَّ وصْفَهُ أنَّ جَمِيعَ ما في المَدِينَةِ مِن بِناءٍ تَواضَعَ أبْلَغُ، ومَن رَأى أنَّهُ قَصَدَ قَصْدَ السُورِ الَّذِي هو الحِجى قالَ: إنَّ ذَلِكَ إذا تَواضَعَ فَغَيْرُهُ مِنَ المَبانِي أحْرى بِالتَواضُعِ، فَإذا كانَ السُورُ في البَيْتِ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ فَلَيْسَ هو في قُوَّةِ مَرِّ الرِياحِ، وصَدْرِ القَناةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مُذَكَّرٌ مَحْضٌ اسْتَفادَ التَأْنِيثَ مِمّا أُضِيفَ إلَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ باطِنُهُ فِيهِ الرَحْمَةُ ﴾ ، أيْ: جِهَةُ المُؤْمِنِينَ، "وَظاهِرُهُ" أيْ: جِهَةُ المُنافِقِينَ، والظاهِرُ هُنا البادِي، ومِنهُ قَوْلُ الكِتابِ: "مِن ظاهِرِ مَدِينَةِ كَذا".

وقَوْلُهُ تَعالى: "يُنادُونَهُمْ" مَعْناهُ: يُنادِي المُنافِقُونَ المُؤْمِنِينَ: ألَمْ نَكُنْ مَعَكم في الدُنْيا؟

فَيَرُدُّ المُؤْمِنُونَ عَلَيْهِمْ: بَلى كُنْتُمْ مَعَنا ولَكِنَّكم عَرَّضْتُمْ أنْفُسَكم لِلْفِتْنَةِ وحُبِّ العاجِلِ والقِتالِ عَلَيْهِ، قالَ مُجاهِدٌ: فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم بِالنِفاقِ، و"تَرَبَّصْتُمْ" مَعْناهُ هُنا: بِإيمانِكُمْ، فَأبْطَأْتُمْ بِهِ حَتّى مُتُّمْ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: تَرَبَّصْتُمْ بِنا وبِمُحَمَّدٍ  الدَوائِرَ، وشَكَكْتُمْ في أمْرِ اللهِ تَعالى و"الِارْتِيابُ": التَشَكُّكُ، و"الأمانِيُّ الَّتِي غَرَّتْهُمْ" هي قَوْلُهُمْ: سَيَهْلَكُ مُحَمَّدٌ هَذا العامِ، سَتَهْزِمُهُ قُرَيْشٌ، سَتَأْخُذُهُ الأحْزابُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أمانِيهِمْ، وطُولُ الأمَلِ غِرارٌ لِكُلِّ أحَدٍ، و"أمْرُ اللهِ الَّذِي جاءَ" هو الفَتْحُ وظُهُورُ الإسْلامِ، وقِيلَ: هو مَوْتُ المُنافِقِينَ ومُوافاتُهم عَلى هَذِهِ الحالِ المُوجِبَةِ لِلْعَذابِ.

و"الغَرُورُ" الشَيْطانُ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وقَرَأ سَمّاكُ بْنُ حَرْبٍ بِضَمِّ الغَيْنِ، وأبُو حَيْوَةَ، ويَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَعْتَبِرَ هَذِهِ الآيَةَ في نَفْسِهِ وتَسْوِيفِهِ في تَوْبَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

فَٱلْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌۭ وَلَا مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ مَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ ۖ هِىَ مَوْلَىٰكُمْ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ١٥ ۞ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ ١٦ ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْىِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ١٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النارُ هي مَوْلاكم وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ ﴿ ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللهِ وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ ﴾ ﴿ اعْلَمُوا أنَّ اللهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ ﴾ اسْتِمْرارٌ في مُخاطَبَةِ المُنافِقِينَ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، ورُوِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ حَدِيثٌ.

وهُوَ: «أنَّ اللهَ تَعالى يُقَرِّرُ الكافِرَ فَيَقُولُ لَهُ: "أرَأيْتُكَ لَوْ كانَ لَكَ أضْعافَ الدُنْيا أكُنْتَ تَفْتَدِي بِجَمِيعِ ذَلِكَ مِن عَذابِ النارِ؟

فَيَقُولُ: نَعَمْ يا رَبِّ، فَيَقُولُ اللهُ تَعالى: قَدْ سَألْتُكَ ما هو أيْسَرُ مِن ذَلِكَ وأنْتَ في صُلْبِ أبِيكَ آدَمَ، لا تُشْرِكُ بِي، فَأبَيْتَ إلّا الشِرْكَ،» وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسُ: "يُؤْخَذُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ القارِئُ: "تُؤْخَذُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ في رِوايَةِ هُشامٍ عنهُ.

وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، والأعْرَجِ.

قَوْلُهُ تَعالى: "هِيَ مَوْلاكُمْ"، قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: هي أولى بِكُمْ، وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، وإنَّما هي اسْتِعارَةٌ لِأنَّها مِن حَيْثُ تَضُمُّهم وتُباشِرُهم هي تُوالِيهِمْ وتَكُونُ لَهم مَكانَ المَوْلى، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: ..............

تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ وَقَوْلُهُ تَعالى: "ألَمْ يَأْنِ" الآيَةُ ابْتِداءٌ مَعْنًى مُسْتَأْنِفٍ، ورُوِيَ أنَّهُ كَثُرَ الضَحِكُ والمُزاحُ في بَعْضِ تِلْكَ المُدَّةِ في قَوْمٍ مِن شُبّانِ المُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَلَّ الصَحابَةُ مِلَّةً فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

ومَعْنى "ألَمْ يَأْنِ" ألَمْ يَحِنْ، يُقالُ: أنَّ الشَيْءَ يَأْنِي إذا حانَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَمَخَّضَتِ المَنُونُ لَهُ بِيَوْمٍ ∗∗∗ أنى ولِكُلِّ حامِلَةٍ تَمامُ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "اَلَمّا يَأْنِ" ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "ألَمْ يَئِنْ"، وهَذِهِ الآيَةُ عَلى مَعْنى الحَضِّ والتَقْرِيعِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: عُوتِبَ المُؤْمِنُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةٍ مِن نُزُولِ القُرْآنِ، وسَمِعَ الفَضْلُ بْنُ مُوسى قارِئًا يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ والفَضْلُ يُحاوِلُ مَعْصِيَةً فَكانَتِ الآيَةُ سَبَبَ تَوْبَتِهِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ المُبارَكِ أنَّهُ في صِباهُ حَرَّكَ العُودَ لِيَضْرِبَهُ فَإذا بِهِ قَدْ نَطَقَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَتابَ ابْنُ المُبارَكِ وكَسَرَ العُودَ وجاءَهُ التَوْفِيقُ.

و"الخُشُوعُ": الإخْباتُ والتَطامُنُ، وهي هَيْئَةٌ تَظْهَرُ في الجَوارِحِ مَتى كانَتْ في القَلْبِ، فَلِذَلِكَ خَصَّ تَعالى القَلْبَ بِالذِكْرِ، ورَوى شَدّادُ بْنُ أوسٍ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "أوَّلُ ما يُرْفَعُ مِنَ الناسِ الخُشُوعُ"،» وقَوْلُهُ تَعالى: "لَذِكْرُ اللهِ" أيْ: لِأجْلِ ذِكْرِ اللهِ ووَحْيِهِ الَّذِي بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لِأجْلِ تَذْكِيرِ اللهِ إيّاهم وأمْرِهِ فِيهِمْ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "وَما نَزَلَ" مُخَفَّفَ الزايِ، وقَرَأ الباقُونَ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "وَما نَزَّلَ" بِتَشْدِيدِ الزايِ، عَلى مَعْنى: نَزَّلَ اللهُ مِنَ الحَقِّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ عِياشٍ- وهي قِراءَةُ الجَحْدَرِيِّ، وابْنِ القَعْقاعِ: "وَما نُزِّلَ" بِكَسْرِ الزايِ وشَدِّها.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "وَلا يَكُونُوا" بِالياءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، وقَرَأ حَمْزَةُ -فِيما رَوى عنهُ سُلَيْمٌ- "وَلا تَكُونُوا" عَلى مُخاطَبَةِ الحُضُورِ.

والإشارَةُ في قَوْلِهِ تَبارَكَ تَعالى: ﴿ كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ إلى بَنِي إسْرائِيلَ المُعاصِرِينَ لِمُوسى عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وذَلِكَ قالَ: "مِن قَبْلُ"، وإنَّما شَبَّهَ أهْلَ عَصْرِ نَبِيٍّ بِأهْلِ عَصْرِ نَبِيٍّ آخَرَ.

و"الأمَدُ" قِيلَ: مَعْناهُ انْتِظارُ الفَتْحِ، وقِيلَ: انْتِظارُ القِيامَةِ، وقِيلَ: أمَدُ الحَياةِ، و"قَسَتْ" مَعْناهُ: صَلُبَتْ وقَلَّ خَيْرُها وانْفِعالُها لِلطّاعاتِ وسَكَنَتْ إلى مَعاصِي اللهِ تَعالى فَفَعَلُوا مِنَ العِصْيانِ والمُخالَفَةِ ما هو مَأْثُورٌ عنهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اعْلَمُوا أنَّ اللهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِهَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ نَدَبُوا إلى الخُشُوعِ، وهَذا ضَرْبُ مَثَلٍ واسْتِدْعاءٌ إلى الخَيْرِ بِرِفْقٍ وتَقْرِيبٍ بَلِيغٍ، أيْ: لا يَبْعُدُ عنكم أيُّها التارِكُونَ لِلْخُشُوعِ رُجُوعُكم إلَيْهِ وتَلَبُّسِكم بِهِ، فَإنَّ اللهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، وكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِالقُلُوبِ، ويَرُدُّها إلى الخُشُوعِ بَعْدَ بُعْدِها عنهُ، وتَرْجِعُ هي إلَيْهِ إذا وقَعَتِ الإنابَةُ والتَكَسُّبُ مِنَ العَبْدِ بَعْدَ نُفُورِها مِنهُ كَما يُحْيِيِ الأرْضَ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَيِّتَةً غَبْراءَ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَـٰتِ وَأَقْرَضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا يُضَـٰعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌۭ كَرِيمٌۭ ١٨ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ ۖ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ ١٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ وأقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِدِّيقُونَ والشُهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهم والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "إنْ المُصَّدِّقِينَ" بِتَشْدِيدِ الصادِ المَفْتُوحَةِ، عَلى مَعْنى المُتَصَدِّقِينَ، وكَذا هي في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنَّ المُتَصَدِّقِينَ"، بِالتاءِ، وهو يُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ، وأيْضًا فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ مُلائِمًا في الكَلامِ لِلصَّدَقَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ "إنَّ المُصَدِّقِينَ" بِتَخْفِيفِ الصادِ، عَلى مَعْنى الَّذِينَ صَدَّقُوا رَسُولَ اللهِ  فِيما بَلَغَ عَنِ اللهِ تَعالى، وآمَنُوا بِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةُ أنَّها أكْثَرُ تَناوُلًا مِمَّنْ لا يَتَصَدَّقُ يَعُمُّهُ اللَفْظَةُ في التَصْدِيقِ، ثُمَّ إنَّ تَقْيِيدَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَأقْرَضُوا اللهَ" يَرُدُّ مَقْصِدَ القِراءَتَيْنِ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ ﴾ : إنَّ الَّذِينَ تَصَدَّقُوا، ولا يَصِحُّ هُنا عَطْفٌ لَفْظِيٌّ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى "القَرْضِ" ومَعْنى "المُضاعَفَةِ" الَّتِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِها هَذِهِ الأُمَّةَ، تَقَدَّمَ مَعْنى وصْفِ الأجْرِ بِالكَرَمِ، كُلُّ ذَلِكَ في هَذِهِ السُورَةِ.

ويُؤَيِّدُ عِنْدِي قِراءَةَ مَن قَرَأ: "إنَّ المُصَّدِّقِينَ" بِشَدِّ الصادِ إنَّ اللهَ تَعالى حَضَّ في هَذِهِ السُورَةِ عَلى الإنْفاقِ وفي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ ذَكَرَ في هَذِهِ أهْلَ الصَدَقَةِ ووَعَدَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ أهْلَ الإيمانِ والتَصْدِيقِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ ﴾ ، وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "إنْ المُصَدِّقِينَ" بِتَخْفِيفِ الصادِ فَذِكْرُ المُؤْمِنِينَ مُكَرَّرٌ في اللَفْظِ، وكَوْنُ الأصْنافِ مُفْرَدَةً بِأحْكامِها مِنَ الوَعْدِ أبْيَنُ، والإيمانُ بِمُحَمَّدٍ  يَقْتَضِي الإيمانَ بِجَمِيعِ الرُسُلِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: "وَرُسُلِهِ".

و"الصِدِّيقُونَ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِنَ الصِدْقِ، أو مِنَ التَصْدِيقِ عَلى ما ذَكَرَ الزَجّاجُ: "وَفَعِيلٌ لا يَكُونُ -فِيما أحْفَظُهُ- إلّا مِن فِعْلٍ ثُلاثِيٍّ، وقَدْ أشارَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّهُ يَجِيءُ مِن غَيْرِ الثُلاثِيِّ، وقالَ: "مَسِيكٌ" مَن "أُمْسِكُ"، وأقُولُ إنَّهُ يُقالُ: مَسَّكَ الرَجُلَ، وقَدْ حَكى: مَسَّكَ الشَيْءَ، وفي هَذا نَظَرٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والشُهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ ، اخْتَلَفَ الناسُ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ: "والشُهَداءُ" مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "الصِدِّيقُونَ" والكَلامُ مُتَّصِلٌ، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في مَعْنى هَذا الِاتِّصالِ، فَقالَ بَعْضُها: وصَفَ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم صِدِّيقُونَ وشُهَداءُ، فَكُلُّ مُؤْمِنٍ شَهِيدٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ورَوى البَراءُ بْن عازِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "مُؤْمِنُو أُمَّتِي شُهَداءُ"، وتَلا رَسُولُ اللهِ  هَذِهِ الآيَةَ،» وإنَّما خَصَّ رَسُولُ اللهِ  ذِكْرَ الشُهَداءِ السَبْعَةِ تَشْرِيفًا، ولِأنَّهم في أعْلى رُتَبِ الشَهادَةِ، ألا تَرى أنَّ المَقْتُولَ في سَبِيلِ اللهِ مَخْصُوصٌ أيْضًا مِنَ السَبْعَةِ بِتَشْرِيفٍ يَنْفَرِدُ بِهِ، وقالَ بَعْضُها: وصَفَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم صِدِّيقُونَ وشُهَداءُ لَكِنَّ مِن مَعْنى الشاهِدِ لا مِن مَعْنى الشَهِيدِ، وذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ  ﴾ ، فَكَأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: هم أهْلُ الصِدْقِ والشَهادَةِ عَلى الأُمَمِ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومَسْرُوقٌ، والضَحّاكُ: الكَلامُ تامٌّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصِدِّيقُونَ ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: "والشُهَداءُ" ابْتِداءٌ مُسْتَأْنَفٌ، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في مَعْنى هَذا الِاسْتِئْنافِ، فَقالَ بَعْضُها: مَعْنى الآيَةِ: والشُهَداءُ بِأنَّهم صِدِّيقُونَ حاضِرُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ.

وعَنى بِـ"الشُهَداءِ" الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، فَكَأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَلامُ يَشْهَدُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّهم صِدِّيقُونَ، وهَذا يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا  ﴾ ، وقالَ بَعْضُها: قَوْلُهُ تَعالى: "والشُهَداءُ" ابْتِداءٌ يُرِيدُ بِهِ الشُهَداءَ في سَبِيلِ اللهِ، واسْتَأْنَفَ الخَبَرَ عنهم بِأنَّهم عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ، فَكَأنَّهُ تَعالى جَعَلَهم صِنْفًا مَذْكُورًا وحْدَهُ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ العُلْيا يَراهم مِن دُونِهِمْ كَما تَرَوْنَ الكَوْكَبَ الدُرِّيَّ، وإنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ مِنهم وأنْعَما".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ ﴾ خَبَرٌ عَنِ الشُهَداءِ فَقَطْ عَلى الأخِيرِ مِنَ الأقْوالِ، وهو خَبَرٌ عَنِ المُؤْمِنِينَ المَذْكُورِينَ في أوَّلِ الآيَةِ عَلى الأقْوالِ الثَلاثَةِ الأُوَلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَنُورُهُمْ" قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ هو حَقِيقَةٌ حَسَبَ ما رُوِيَ مِمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في هَذِهِ السُورَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هو مُجازى عِبارَةٌ عَنِ الهُدى والكَرامَةِ والبُشْرى الَّتِي حَصَلُوا فِيها.

ولَمّا فَرَعَ ذِكْرُ المُؤْمِنِينَ وأهْلُ الكَرامَةِ عَقَّبَ تَعالى بِذِكْرِ الكَفَرَةِ المُكَذِّبِينَ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، فَذَكَّرَهم تَعالى بِأنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ وسُكّانُهُ.

<div class="verse-tafsir"

ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌۭ وَلَهْوٌۭ وَزِينَةٌۭ وَتَفَاخُرٌۢ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌۭ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَـٰدِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصْفَرًّۭا ثُمَّ يَكُونُ حُطَـٰمًۭا ۖ وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ وَمَغْفِرَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٌۭ ۚ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ ٢٠

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأولادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا وفي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ ومَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ ورِضْوانٌ وما الحَياةُ الدُنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ وعْظٌ وتَبْيِينٌ لِأمْرِ الدُنْيا وضَعَةُ مَنزِلَتِها، و"أنَّما" سادَّةٌ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ لِلْعِلْمِ بِأنَّها لا تَدْخُلُ عَلى اثْنَيْنِ، وهي -وَإنْ كَفَّتْ عَنِ العَمَلِ- فالجُمْلَةُ بَعْدَها نافِيَةٌ.

و"الحَياةُ الدُنْيا" في هَذِهِ الآيَةِ عِبارَةٌ عَنِ الأشْغالِ والتَصَرُّفاتِ والفِكْرِ الَّتِي هي مُخْتَصَّةٌ بِالحَياةِ الدُنْيا، وأمّا ما كانَ مِن ذَلِكَ في طاعَةِ اللهِ وسَبِيلِهِ، وما كانَ مِنَ الضَرُوراتِ الَّتِي تُقِيمُ الأودَ وتُعِينُ عَلى الطاعاتِ، فَلا مَدْخَلَ لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وتَأمَّلْ حالَ المُلُوكِ بَعْدَ فَقْرِهِمْ بَيَّنَ لَكَ أنَّ جَمِيعَ تَرَفِهِمْ لَعِبٌ ولَهْوٌ.

و"الزِينَةُ" التَحْسِينُ الَّذِي هو خارِجٌ مِن ذاتِ الشَيْءِ، و"التَفاخُرُ" هو بِالأنْسابِ والأمْوالِ وغَيْرِها، و"التَكاثُرُ" هو الرَغْبَةُ في الدُنْيا، وعَدَّدَها لِتَكُونَ العِزَّةُ لِلْكائِرِ عَلى المَذْهَبِ الجاهِلِيِّ.

ثُمَّ ضَرَبَ تَعالى مِثْلَ الدُنْيا، فالكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كَمَثَلِ" في مُوضٍ رُفِعَ صِفَةً لِما تَقَدَّمَ، وصُورَةُ هَذا المَثَلِ أنَّ الإنْسانَ يَنْشَأُ في حَجْرِ مَمْلَكَةٍ فَما دُونُ ذَلِكَ، فَيَشِيخُ ويَضْعُفُ ويُسْقِمُ وتُصِيبُهُ النَوائِبُ في مالِهِ وذُرِّيَّتِهِ ويَمُوتُ ويَضْمَحِلُّ أمْرُهُ، وتَصِيرُ أمْوالُهُ لِغَيْرِهِ وتَتَغَيَّرُ رُسُومُهُ، فَأمْرُهُ مِثْلُ مَطَرٍ أصابَ أرْضًا فَنَبَتَ عن ذَلِكَ الغَيْثِ نَباتٌ مُعْجَبٌ أنِيقٌ، ثُمَّ هاجَ، أيْ: يَبِسَ واصْفَرَّ ثُمَّ تَحَطَّمَ ثُمَّ تَفَرَّقَ بِالرِياحِ واضْمَحَلَّ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في لَفْظَةِ "الكُفّارِ" هُنا، فَقالَ بَعْضُ أهْلِ التَأْوِيلِ: هو مِنَ الكُفْرِ بِاللهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّهم أشَدُّ تَعْظِيمًا لِلدُّنْيا، وأشَدُّ إعْجابًا بِمَحاسِنِها، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: هو مِن "كَفَّرَ الحَبَّ" أيْ: سَتَرَهُ في الأرْضِ، وهُمُ الزُرّاعُ، وخَصَّهم بِالذِكْرِ لِأنَّهم أهْلُ البَصَرِ بِالنَباتِ والفِلاحَةِ فَلا يُعْجِبُهم إلّا المُعْجَبُ حَقِيقَةَ الَّذِي لا عَيْبَ فِيهِ، و"هاجَ الزَرْعُ" مَعْناهُ: يَبِسَ واصْفَرَّ، و"حُطامٌ" بِناءُ مُبالِغَةٍ، يُقالُ حَطِيمٌ وحُطامٌ بِمَعْنى مَحْطُومٍ أو مُتَحَطِّمٌ، كَعَجِيبٍ وعُجابٍ بِمَعْنى مُعْجَبٍ أو مُتَعَجَّبٍ مِنهُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والحَقِيقَةُ ماهِنًا...

ثُمَّ ذَكَرَ العَذابَ أوَّلًا تَهَمُّمًا بِهِ مِن حَيْثُ الحَذَرُ في الإنْسانِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أوَّلًا، فَإذا تَحَذَّرَ مِنَ المَخاوِفِ مَدَّ حِينَئِذٍ أمَلَهُ، فَذَكَرَ اللهَ تَعالى ما يَحْذَرُ قَبْلَ ما يَطْمَعُ فِيهِ وهو المَغْفِرَةُ والرِضْوانُ، ورُوِيَ عن عاصِمٍ ضَمُّ الراءِ مِن "وَرِضْوانٌ".

و"مَتاعُ الغُرُورِ" مَعْناهُ: الشَيْءُ الَّذِي لا يَعْظُمُ الِاسْتِمْتاعُ بِهِ إلّا مُغْتَرٌّ، وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: مَتاعُ الغُرُورِ: القَوارِيرُ، لِأنَّ الفَسادَ والآفاتِ تُسْرِعُ إلَيْها، فالدُنْيا كَذَلِكَ أو هي أشَدُّ.

<div class="verse-tafsir"

سَابِقُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ٢١ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌۭ ٢٢ لِّكَيْلَا تَأْسَوْا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا۟ بِمَآ ءَاتَىٰكُمْ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍۢ فَخُورٍ ٢٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَماءِ والأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مِن يَشاءُ واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ ﴿ ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها إنَّ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ ﴾ ﴿ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكم واللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى المَغْفِرَةَ الَّتِي في الآخِرَةِ نُدِبَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى المُسارَعَةِ إلَيْها والمُسابَقَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عِنْدَ جَمِيعِ العُلَماءِ في النَدْبِ إلى الطاعاتِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِها بَعْضُهم عَلى أنَّ أوَّلَ أوقاتِ الصَلَواتِ أفْضَلُ لِأنَّها تَقْتَضِي المُسارَعَةَ والمُسابَقَةَ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أشْياءَ هي عَلى جِهَةِ المِثالِ، فَقالَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ، مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ" مَعْناهُ: كُونُوا في أوَّلِ صَفٍّ في القِتالِ، وقالَ آخَرُونَ، مِنهم أنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ-: اشْهَدُوا تَكْبِيرَةَ الإحْرامِ مَعَ الإمامِ، وقالَ آخَرُونَ -مِنهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ- كُنْ أوَّلَ داخِلٍ في المَسْجِدِ وآخِرَ خارِجٍ مِنهُ، وهَذا كُلُّهُ عَلى جِهَةِ المِثالِ.

وذَكَرَ تَعالى العَرْضَ مِنَ الجَنَّةِ إذِ المَعْهُودُ أنَّهُ أقَلُّ مِنَ الطُولِ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ المَعانِي: عَبَّرَ عَنِ المِساحَةِ بِالعَرْضِ، ولَمْ يَقْصِدْ أنَّ طُولَها أكْثَرُ ولا أقَلُّ، وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ «أنَّ سَقْفَ الجَنَّةِ العَرْشُ،» ووَرَدَ في الحَدِيثِ: «أنَّ السَماواتِ السَبْعَ في الكُرْسِيِّ كالدِرْهَمِ في الفَلاةِ، وإنَّ الكُرْسِيَّ في العَرْشِ كالدِرْهَمِ في الفَلاةِ.» وقَوْلُهُ تَعالى: "أُعِدَّتْ" ظاهِرُهُ أنَّها مَخْلُوقَةٌ الآنَ مُعَدَّةٌ، ونَصَّ عَلَيْهِ الحَسَنُ في كِتابِ النَقّاشِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ ﴾ ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: ما حَدَثَ مِن حادِثِ خَيْرٍ أوَشَرٍّ، فَهَذا عَلى مَعْنى لَفْظِ "أصابَ" لا عَلى عُرْفِ المُصِيبَةِ فَإنْ عَرَفَها في الشَرِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ما مَعْناهُ: أنَّهُ أرادَ عُرْفَ المُصِيبَةِ، وخَصَّها بِالذِكْرِ لِأنَّها أهَمُّ عَلى البَشَرِ، وهي بَعْضٌ مِنَ الحَوادِثِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ خَيْرِها وشَرِّها كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي الأرْضِ" يَعْنِي بِالقُحُوطِ والزَلازِلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا في أنْفُسِكُمْ ﴾ يُرِيدُ: بِالمَوْتِ والأمْراضِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا في كِتابٍ ﴾ مَعْناهُ: إلّا والمُصِيبَةُ في كِتابٍ، و"نَبْرَأها" نَخْلُقُها، يُقالُ: بَرَّأ اللهُ الخَلْقَ، أيْ: خَلَقَهُمْ، والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى المُصِيبَةِ، وقِيلَ: عَلى الأرْضِ، وقِيلَ: عَلى الأنْفُسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وجَماعَةٌ، وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ جَوازَ عَوْدِ الضَمِيرِ عَلى جَمِيعِ ما ذَكَرَ، وهي كُلُّها مَعانٍ صِحاحٌ لِأنَّ الكِتابَ السابِقَ أزَلِيٌّ قَبْلَ هَذِهِ كُلِّها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ ﴾ يُرِيدُ تَحْصِيلَ الأشْياءِ كُلِّها في الكِتابِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ ﴾ مَعْناهُ: فَعَلَ اللهُ تَعالى هَذا كُلَّهُ وأعْلَمَكم بِهِ لِيَكُونَ سَبَبُ تَسْلِيمِكم وقِلَّةُ اكْتِراثِكم بِأمْرِ الدُنْيا، فَلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ، ولا تَفْرَحُوا الفَرَحَ المُبْطِرَ بِما آتاكم فِيها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَيْسَ أحَدٌ لا يَحْزُنُ ويَفْرَحُ ولَكِنَّ مَن أصابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَجَعَلَها صَبْرًا ومَن أصابَ خَيْرًا يَجْعَلُهُ شُكْرًا، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "أتاكُمْ" عَلى وزْنِ فِعْلٍ ماضٍ، وهَذا مُلائِمٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: "فاتَكُمْ" وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَبْعَةِ: "آتاكُمْ" عَلى وزْنِ "أعْطاكُمْ" بِمَعْنى: آتاكُمُ اللهُ تَعالى: وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والأعْرَجِ وأهْلِ مَكَّةَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أُوتِيتُمْ"، وهي تُؤَيِّدُ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفَرَحَ المَنهِيَّ عنهُ إنَّما هو ما أدّى إلى الِاخْتِيالِ والفَخْرِ، وأمّا الفَرَحُ بِنِعَمِ اللهِ تَعالى المُقْتَرِنِ بِالشُكْرِ والتَواضُعِ فَأمْرٌ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ دَفَعَهُ عن نَفْسِهِ، ولا حَرَجَ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ ۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ ٢٤ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌۭ شَدِيدٌۭ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌۭ ٢٥ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًۭا وَإِبْرَٰهِيمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ ۖ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍۢ ۖ وَكَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ ٢٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ الناسَ بِالبُخْلِ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ ﴾ ﴿ لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ الناسُ بِالقِسْطِ وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ ولِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ إنَّ اللهُ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا وإبْراهِيمَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُبُوَّةَ والكِتابَ فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ ﴾ اخْتَلَفَ النُحاةُ في إعْرابِ "الَّذِينَ"، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ عنهم مَحْذُوفٌ مَعْناهُ الوَعِيدُ والذَمُّ، وحَذْفُهُ عَلى جِهَةِ الإبْهامِ كَنَحْوِ حَذْفِ الجَوابِ فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ  ﴾ الآيَةُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هم رُفِعَ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، تَقْدِيرُهُ: هُمُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ "أعْنِي" أو نَحْوِهِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو في مَوْضِعِ صِفَةٍ لِـ "كُلِّ" لِأنَّ "كُلَّ" وإنْ كانَ نَكِرَةً فَهو تَخْصِيصٌ لَنَوْعِ ما، يَسُوغُ لِذَلِكَ وصْفُهُ بِالمَعْرِفَةِ، وهَذا مَذْهَبُ الأخْفَشِ.

و"يَبْخَلُونَ" مَعْناهُ: بِأمْوالِهِمْ وأفْعالِهِمُ الحَسَنِةِ مِن إيمانِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَأْمُرُونَ الناسَ بِالبُخْلِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَصِفَهم بِحَقِيقَةِ الأمْرِ بِألْسِنَتِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهم يُقْتَدى بِهِمْ في البُخْلِ فَهم لِذَلِكَ كَأنَّهم يَأْمُرُونَ، وقَرَأ الحَسَنُ: "بِالبُخْلِ" بِفَتْحِ الخاءِ والباءِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ وأهْلُ العِراقِ: ﴿ فَإنَّ اللهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ ﴾ بِإثْباتِ "هُوَ"، وكَذَلِكَ فِي"إمامِهِمْ"، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "فَإنَّ اللهَ الغَنِيَّ الحَمِيدَ" بِتَرْكِ "هُوَ"، وهي قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ، وكَذَلِكَ في إمامِهِمْ وهَذا لَمْ يَثْبُتْ قِراءَةَ إلّا وقَدْ قُرِئَ عَلى النَبِيِّ  ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَهو في القِراءَةِ الَّتِي ثَبَتَ فِيها يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا ويَحْسُنُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً؛ لِأنَّ حَذْفَ الِابْتِداءِ غَيْرُ سائِغٍ.

و"الكِتابُ" اسْمُ جِنْسٍ لِجَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، و"المِيزانَ": العَدْلُ في تَأْوِيلِ أكْثَرِ المُتَأوِّلِينَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: أرادَ المَوازِينَ المُصَرَّفَةَ بَيْنَ الناسِ، وهَذا خَيْرٌ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَقُومَ الناسُ بِالقِسْطِ ﴾ يُقَوِّي القَوْلَ الأوَّلَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ"، عَبَّرَ تَعالى عن خَلْقِهِ واتِّخاذِهِ بِالإنْزالِ، كَما قالَ في الثَمانِيَةِ الأزْواجِ مِنَ الأنْعامِ وأيْضًا فَإنَّ الأمْرَ بِكَوْنِ الأشْياءِ لَمّا كانَ يَلْقى مِنَ السَماءِ، جَعَلَ الكُلَّ نُزُولًا مِنها، وقالَ جُمْهُورُ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الحَدِيدَ هُنا أرادَ بِهِ جِنْسَهُ مِنَ المَعادِنِ وغَيْرِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ الجَنَّةِ ومَعَهُ السِنْدانِ والكَلْبَتانِ والمِيقَعَةُ.

قالَ حُذّاقٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أرادَ بِهِ السِلاحَ، ويَتَرَتَّبُ مَعْنى الآيَةِ: فَإنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ أرْسَلَ رُسُلًا، وأنْزَلَ كُتُبًا وعَدْلًا مَشْرُوعًا، وسِلاحًا، يُحارَبُ بِها مَن عانَدَ ولَمْ يَهْتَدِ بِهَدْيِ اللهِ، فَلَمْ يَبْقَ عُذْرٌ، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- حَضٌّ عَلى القِتالِ وتَرْغِيبٌ فِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَنْصُرُهُ ﴾ يُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "وَلِيَعْلَمَ اللهُ" أيْ: لِيَعْلَمَهُ مَوْجُودًا، فالتَغَيُّرُ لَيْسَ في عِلْمِ اللهِ، بَلْ في هَذا الحَدَثِ الَّذِي خَرَجَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِالغَيْبِ" مَعْناهُ: بِما سَمِعَ مِنَ الأوصافِ الغائِبَةِ فَآمَنَ بِها لِقِيامِ الأدِلَّةِ عَلَيْها، ثُمَّ وصَفَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ بِالقُوَّةِ والعِزَّةِ لِيُبَيِّنَ أنَّهُ لا حاجَةَ بِهِ إلى النُصْرَةِ لَكِنَّها نافِعَةٌ مِن عَظَّمَ بِها نَفْسَهُ مِنَ الناسِ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى رِسالَةَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ تَشْرِيفًا لَهُما بِالذِكْرِ، ولِأنَّهُما مِن أوَّلِ الرُسُلِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى نِعَمَهُ عَلى ذُرِّيَّتِهِما، وقَوْلُهُ تَعالى: "والكِتابَ" يَعْنِي الكُتُبَ الأرْبَعَةَ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ مِنهم مَن فَسَقَ وعَنَدَ، فَكَذَلِكَ -بَلْ أحْرى- جَمِيعُ الناسِ ولِذَلِكَ يُشْرَعُ السِلاحُ لِلْقِتالِ.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةًۭ وَرَحْمَةًۭ وَرَهْبَانِيَّةً ٱبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ رِضْوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَـَٔاتَيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ ٢٧ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَءَامِنُوا۟ بِرَسُولِهِۦ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِۦ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًۭا تَمْشُونَ بِهِۦ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٢٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً ورَحْمَةً ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكم واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ "قَفَّيْنا" مَعْناهُ: جِئْنا بِهِمْ بَعْدَ الأوَّلِينَ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ القَفا، أيْ: جاءَ بِالثانِي في قَفا الأوَّلِ، فَيَجِيءُ الأوَّلُ بَيْنَ يَدِيِ الثانِي، ومِنهُ القَوافِي الَّتِي تَأْتِي أواخِرَ أبْياتِ الشِعْرِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ تَشْرِيفًا وتَخْصِيصًا، وقَرَأ الحَسَنُ: "الإنْجِيلُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا مِثالٌ لا نَظِيرَ لَهُ، و"رَأْفَةً ورَحْمَةً ورَهْبانِيَّةً" مَفْعُولاتُ "جَعَلْنا"، والجَعْلُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: الخَلْقُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "ابْتَدَعُوها" صِفَةٌ لـ "رَهْبانِيَّةً"، وخَصَّها بِأنَّها ابْتُدِعَتْ لِأنَّ الرَأْفَةَ والرَحْمَةَ في القَلْبِ لا تَكَسُّبَ لِلْإنْسانِ فِيهِما، وأمّا الرَهْبانِيَّةُ فَهي أفْعالٌ بَدَنٍ مَعَ شَيْءٍ في القَلْبِ، فَفِيها مَوْضِعٌ لِلتَّكَسُّبِ، قالَ قَتادَةُ: الرَأْفَةُ والرَحْمَةُ مِنَ اللهِ تَعالى، والرَهْبانِيَّةُ هُمُ ابْتَدَعُوها، والمُرادُ بِالرَأْفَةِ والرَحْمَةِ حُبُّ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ وتَوادُّهُمْ، والمُرادُ بِالرَهْبانِيَّةِ رَفْضُ النِساءِ واتِّخاذُ الصَوامِعِ، والمُعْتَزِلَةِ تُعْرِبُ "رَهْبانِيَّةً" أنَّها نَصْبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ "ابْتَدَعُوها" ولَيْسَتْ بِمَعْطُوفَةٍ عَلى الرَأْفَةِ والرَحْمَةِ، ويَذْهَبُونَ في ذَلِكَ إلى أنَّ الإنْسانَ يَخْلُقُ أفْعالَهُ، فَيُعْرِبُونَ الآيَةَ عَلى هَذا، وكَذَلِكَ أعْرَبَها أبُو عَلِيٍّ.

ورُوِيَ في ابْتِداعِهِمُ الرَهْبانِيَّةَ أنَّهُمُ افْتَرَقُوا ثَلاثَ فِرَقٍ: فَفِرْقَةٌ قاتَلَتِ المُلُوكَ عَلى الدِينِ فَغُلِبَتْ وقُتِلَتْ، وفِرْقَةٌ قَعَدَتْ في المُدُنِ يَدْعُونَ إلى الدِينِ ويُبَيِّنُونَهُ، ولَمْ تُقاتِلْ، فَأخَذَتْها المُلُوكُ فَنَشَرَتْها بِالمَناشِيرِ، وقُتِلُوا، وفِرْقَةٌ خَرَجَتْ إلى الفَيافِي وبَنَتِ الصَوامِعَ والدِياراتِ، وطَلَبَتْ أنْ تُسْلِمَ عَلى أنْ تَعْتَزِلَ فَتُرِكَتْ وذاكَ وتَسَمَّوْا بِالرُهْبانِ، واسْمُهم مَأْخُوذٌ مِنَ الرَهَبِ وهو الخَوْفُ، فَهَذا هو ابْتِداعُهُمْ، ولَمْ يَعْرِضِ اللهُ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ لَكِنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ، هَذا تَأْوِيلُ أبِي أُمامَةَ وجَماعَةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: كَتَبْناها عَلَيْهِمُ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ، فَـ "كَتَبَ" -عَلى هَذا- بِمَعْنى: قَضى، ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلّا في عُمُومِ المَندُوباتِ؛ لِأنَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ تَعالى بِالقُرْبِ والنَوافِلُ مَكْتُوبٌ عَلى كُلِّ أُمَّةٍ، فالِاسْتِثْناءُ -عَلى هَذا الِاحْتِمالِ- مُتَّصِلٌ.

واخْتَلَفَ الناسُ في الضَمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها ﴾ ، مَنِ المُرادُ بِهِ؟

فَقِيلَ: إنَّ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا الرَهْبانِيَّةَ بِأنْفُسِهِمْ لَمْ يَدُومُوا عَلى ذَلِكَ ولا وفَّوْهُ حَقَّهُ، بَلْ غَيَّرُوا وبَدَّلُوا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ، والكَلامُ سائِغٌ وإنْ كانَ فِيهِمْ مَن رَعى، أيْ: لَمْ يَرْعَوْها بِأجْمَعِهِمْ، وفي هَذا التَأْوِيلِ لُزُومُ الإتْمامِ لِكُلِّ مَن بَدَأ بِتَنَقُّلٍ وتَطَوُّعٍ، أنَّهُ يَلْزَمُهُ أنْ يَرْعاهُ حَقَّ رِعايَةٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: الضَمِيرُ لِلْمُلُوكِ الَّذِينَ حارَبُوهم وأجْلَوْهُمْ، وقالَ الضَحّاكُ وغَيْرُهُ: الضَمِيرُ لِلْأخْلافِ الَّذِينَ جاءُوا بَعْدَ المُبْتَدِعِينَ لَها، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "كَتَبْناها عَلَيْهِمْ لَكِنِ ابْتَدَعُوها".

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ ﴾ ، اخْتَلَفَ الناسُ، مِنَ المُخاطَبِ بِهَذا؟، فَقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: خُوطِبَ بِهَذا أهْلُ الكِتابِ، فالمَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِعِيسى اتَّقَوْا اللهَ وآمِنُوا بِمُحَمَّدٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى الحَدِيثُ الصَحِيحُ عَنِ النَبِيِّ  : « "ثَلاثَةٌ يُؤْتِيهِمُ اللهُ أجَرَهم مَرَّتَيْنِ، رَجُلٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وآمَنَ بِي"» الحَدِيثُ، وقالَ آخَرُونَ: المُخاطَبَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، قِيلَ لَهُمْ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ، أيِ: اثْبُتُوا عَلى ذَلِكَ ودُومُوا عَلَيْهِ، وهَذا هو مَعْنى الأمْرِ أبَدًا لِمَن هو مُتَلَبِّسٌ بِما يُؤْمَرُ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ" أيْ: نَصِيبَيْنِ بِالإضافَةِ إلى ما كانَ الأُمَمُ قَبْلُ يُعْطُونَهُ، قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "كِفْلَيْنِ": ضِعْفَيْنِ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ لِبَعْضِ الأحْبارِ: كَمْ كانَ التَضْعِيفُ لِلْحَسَناتِ فِيكُمْ؟

فَقالَ ثَلاثُمِائَةٍ وخَمْسُونَ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ضاعَفَ لَنا إلى سَبْعمِائَةٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى الحَدِيثُ الصَحِيحُ الَّذِي يَقْتَضِي «أنَّ اليَهُودَ عَمِلَتْ إلى نِصْفِ النَهارِ عَلى قِيراطَيْنِ، فَلَمّا احْتَجَّتِ اليَهُودُ والنَصارى عن ذَلِكَ وقالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ عَمَلًا وأقَلُّ أجْرًا، قالَ تَعالى: "هَلْ نَقَصْتُمْ مِن أجْرِكم شَيْئًا؟

قالُوا: لا، قالَ: فَإنَّهُ فَضْلِي أُوتِيِهِ مَن أشاءُ».

و"الكِفْلُ": الحَظُّ والنَصِيبُ.

و"النُورُ" هُنا إمّا أنْ يَكُونَ وعْدًا بِالنُورِ الَّذِي يَسْعى بَيْنَ الأيْدِي يَوْمَ القِيامَةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً لِلْهُدى الَّذِي يَمْشِي بِهِ في طاعَةِ اللهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍۢ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ ۙ وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ٢٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللهِ وأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مِن يَشاءُ واللهُ ذُو الفَضْلَ العَظِيمِ ﴾ رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ هَذا الوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ، حَسَدَ أهْلَ الكِتابِ عَلى ذَلِكَ، وكانَتِ اليَهُودُ تُعَظِّمُ دِينَها وأنْفُسَها، وتَزْعُمُ أنَّها أحِبّاءُ اللهِ وأهْلُ رِضْوانِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُعَلِّمَةٌ أنَّ اللهَ تَعالى فَعَلَ ذَلِكَ وأعْلَمَ بِهِ، لِيَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ أنَّهم لَيْسُوا كَما يَزْعُمُونَ، و"لا" في قَوْلِهِ تَعالى: "لِئَلّا" زائِدَةٌ، كَما هي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ  ﴾ عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والجَحْدَرِيُّ: "لِيَعْلَمَ"، ورَوى إبْراهِيمُ التَيْمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "لِكَيْلا يَعْلَمَ"، ورُوِيَ عن حِطّانِ الرُقاشِيِّ أنَّهُ قَرَأ: "لِأنْ يَعْلَمُ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ: "لِكَيْ يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ"، وقَرَأ الحَسَنُ -فِيما رَوى ابْنُ مُجاهِدٍ -: "لَيْلًا يَعْلَمُ" بِفَتْحِ اللامِ الأُولى وسُكُونِ الياءِ، فَأمّا فَتْحُ اللامِ فَلُغَةٌ في لامِ الجَرِّ مَشْهُورَةٌ، وأصْلُ هَذِهِ القِراءَةِ: "لِأنَّ لا"، اسْتُغْنِيَ عَنِ الهَمْزَةِ بِلامِ الجَرِّ فَحُذِفَتْ فَجاءَ "لَنْ لا"، أُدْغِمَتِ النُونُ في اللامِ لِلتَّشابُهِ فَجاءَ "لِلّا"، فاجْتَمَعَتْ أمْثِلَةٌ فَقُلِبَتِ اللامُ الواحِدَةُ ياءً.

وقَرَأ الحَسَنُ -فِيما رَوى مُطَرِّفُ -: "لَيْلًا" بِكَسْرِ اللامِ الأُولى وسُكُونِ الياءِ، وتَعْلِيلُها كالَّتِي تَقَدَّمَتْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ ﴾ مَعْناهُ: أنَّهم لا يَمْلِكُونَ فَضْلَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ولا يَدْخُلُ تَحْتَ قَدْرِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ألّا يَقْدِرُوا" بِغَيْرِ نُونٍ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الحَدِيدِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله