المحرر الوجيز سورة المجادلة

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة المجادلة

تفسيرُ سورةِ المجادلة كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 46 دقيقة قراءة

تفسير سورة المجادلة كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَـٰدِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَآ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ ١ ٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَـٰتِهِمْ ۖ إِنْ أُمَّهَـٰتُهُمْ إِلَّا ٱلَّـٰٓـِٔى وَلَدْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًۭا مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُورًۭا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌۭ ٢

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُجادَلَةِ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ، إلّا أنَّ النَقّاشَ حَكى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ  ﴾ مَكِّيٌّ، ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "مَن قَرَأ سُورَةَ المُجادَلَةِ كُتِبَ مِن حِزْبِ اللهِ"».

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللهُ واللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إنَّ اللهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إنْ أُمَّهاتِهِمْ إلا اللائِي ولَدْنَهم وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِن القَوْلِ وزُورًا وإنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ﴾ "سَمِعَ اللهُ" عِبارَةٌ عن إدْراكِ المَسْمُوعاتِ عَلى ما هي ما عَلَيْهِ بِأكْمَلِ وُجُوهِ ذَلِكَ دُونَ جارِحَةٍ ولا تَكْيِيفَ ولا تَحْدِيدَ، "تَعالى اللهُ عن ذَلِكَ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "قَدْ سَمِعَ" بِالبَيانِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "قَدْ سَمِعَ" بِالإدْغامِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "قَدْ يَسْمَعُ اللهُ"، وفِيها "واللهُ قَدْ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما".

واخْتَلَفَ الناسُ في اسْمِ الَّتِي تُجادِلُ، فَقالَ قَتادَةُ: هي خُوَيْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، وقِيلَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: هي بِنْتُ حَكِيمٍ، وقالَ بَعْضُ الرُواةِ، وأبُو العالِيَةِ: هي خُوَيْلَةُ بِنْتُ دَلِيجٍ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: وقِيلَ: خَوْلَةُ بِنْتُ دَلِيجٍ، وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُا هي جَمِيلَةٌ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هي خَوْلَةُ بِنْتُ الصامِتِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيها: خَوْلَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هي خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ.

قالَ ابْنُ سَلامٍ: "تُجادِلُ": تُقاتِلُ في القَوْلِ، وأصْلُ "الجَدَلِ": القَتْلُ.

وَأكْثَرُ الرُواةِ عَلى أنَّ الزَوْجَ في هَذِهِ الآيَةِ أوسُ بْنُ الصامِتِ الأنْصارِيُّ، أخُو عُبادَةَ بْنَ الصامِتِ، وحَكى النَقّاشُ -وَهُوَ في المُصَنَّفاتِ- حَدِيثًا «عن سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ البَياضِيِّ أنَّهُ ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ إنْ واقَعَها مُدَّةَ شَهْرِ رَمَضانَ، فَواقَعَها لَيْلَةً، فَسَألَ قَوْمَهُ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللهِ  فَأبَوْا وهابُوا ذَلِكَ، وعَظَّمُوا عَلَيْهِ جَرِيرَتَهُ، فَذَهَبَ هو إلى رَسُولِ اللهِ  بِنَفْسِهِ فَسَألَهُ واسْتَرْشَدَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ وقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ  : أتُعْتِقُ رَقَبَةً؟

فَقالَ: واللهِ ما أمْلِكُ غَيْرَ رَقَبَتِي، فَقالَ: أتَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ؟

فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ وهَلْ أتَيْتُ إلّا في الصَوْمِ؟

فَقالَ: أتُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟

فَقالَ: لا أجِدُ، فَأعْطاهُ رَسُولُ اللهِ  صَدَقاتِ قَوْمِهِ فَكَفَّرَ بِها، فَرَجَعَ سَلَمَةُ إلى قَوْمِهِ فَقالَ: إنِّي وجَدْتُ عِنْدَكُمُ الشِدَّةَ والغِلْظَةَ، ووَجَدْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ  الرُخْصَةَ والرِفْقَ، وقَدْ أعْطانِي صَدَقاتِكم.» وأمّا ما رَواهُ الجُمْهُورُ في شَأْنِ أوسِ بْنِ الصامِتِ فاخْتِصارُهُ «أنْ أوسًا ظاهَرَ مِنَ امْرَأتِهِ خَوْلَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ، وكانَ الظِهارُ في الجاهِلِيَّةِ يُوجِبُ عِنْدَهم فُرْقَةً مُؤَبَّدَةً، قالَهُ أبُو قُلابَةَ وغَيْرُهُ، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ جاءَتْ زَوْجَتُهُ رَسُولَ اللهِ  فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، إنْ أوسًا أكَلَ شَبابِي، ونَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي، فَلَمّا كَبُرْتُ وماتَ أهْلِي ظاهَرَ مِنِّي، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : ما أراكَ إلّا حُرِّمْتِ عَلَيْهِ، فَقالَتْ يا رَسُولَ اللهِ لا تَفْعَلُ؛ إنِّي وحِيدَةٌ لَيْسَ لِي أهْلٌ سِواهُ، فَراجَعَها رَسُولُ اللهِ  بِمِثْلِ مَقالَتِهِ، فَراجَعَتْهُ، فَهَذا هو مُجادَلَتُها، وكانَتْ في خِلالِ جِدالِها تَقُولُ: اللهُمَّ إلَيْكَ أشْكُو حالِي وانْفِرادِي وفَقْرِي إلَيْهِ، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ تَقُولُ: اللهُمَّ إنَّ لِي مِنهُ صِغارًا إنْ ضَمَمْتُهم إلَيْهِ ضاعُوا، وإنْ ضَمَمْتُهم إلَيَّ جاعُوا، فَهَذا هو اشْتِكاؤُها إلى اللهِ، فَنَزَلَ الوَحْيُ -عِنْدَ جِدالِها- عَلى رَسُولِ اللهِ  بِهَذِهِ الآيَةِ، وكانَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُا حاضِرَةً لِهَذِهِ القِصَّةِ كُلِّها، فَكانَتْ تَقُولُ: سُبْحانَ مَن وسِعَ سَمْعُهُ الأصْواتَ، لَقَدْ كُنْتُ حاضِرَةً لِهَذِهِ القِصَّةِ كُلِّها، وكانَ بَعْضُ كَلامِ خَوْلَةَ يَخْفى عَلَيَّ، وسَمْعِ اللهُ تَعالى جِدالَها، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ  في أوسٍ وقالَ لَهُ: أتُعْتِقُ رَقَبَةً؟

فَقالَ: واللهِ ما أمْلِكُها، فَقالَ: أتَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ؟

فَقالَ: واللهِ ما أقْدِرُ أنْ أصْبِرَ إلّا عَلى أكَلاتٍ ثَلاثٍ في اليَوْمِ، ومَتى لَمْ أفْعَلْ ذَلِكَ غَشِيَ بَصَرِي، فَقالَ لَهُ: أتُطْعَمُ؟

فَقالَ لا أجِدُ إلّا أنْ يُعِينَنِي رَسُولُ اللهِ بِمَعُونَةٍ وصَلاةٍ -يُرِيدُ الدُعاءَ-، فَأعانَهُ رَسُولُ اللهِ  بِخَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا ودَعا لَهُ، وقِيلَ: بِثَلاثِينَ صاعًا، فَكَفَّرَ بِالإطْعامِ وأمْسَكَ أهْلُهُ.» وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "تَحاوُرُكِ في زَوْجِها"، والمُحاوَرَةُ: مُراجَعَةُ القَوْلِ ومُعاطاتُهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "يُظْهِرُونَ" وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أيْضًا: "يَتَظاهَرُونَ"، وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ، وقَتادَةُ: "يَتَظاهَرُونَ"، بِضَمِّ الياءِ مِن قَوْلِكَ "فاعِلٌ"، وهَذِهِ مُسْتَعْمَلَةٌ جِدًّا، وقَوْلُهُمْ: "الظِهارُ" دَلِيلٌ عَلَيْها، والمُرادُ بِهَذا كُلِّهِ قَوْلُ الرَجُلِ لِأمَراتِهِ: أنْتِ عَلِيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، يُرِيدُ: في التَحْرِيمِ، كَأنَّهُ إشارَةٌ إلى الرُكُوبِ إذْ عَرَفَهُ في ظُهُورِ الحَيَوانِ، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ ذَلِكَ، فَرَدَّ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى فِعْلِهِمْ، وأخْبَرَ بِالحَقِيقَةِ مِن أنَّ الأُمَّ هي الوالِدَةُ، وأمّا الزَوْجَةُ فَلا يَكُونُ حُكْمُها حُكْمَ الأُمِّ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أُمَّهاتُهُمْ" بِنَصْبِ الأُمَّهاتِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ المُفَضَّلِ عنهُ-: "أُمَّهاتُهُمْ" بِالرَفْعِ، وهَذا عَلى اللُغَتَيْنِ في "ما"، لُغَةُ الحِجازِ ولُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ما هُنَّ بِأُمَّهاتِهِمْ" بِزِيادَةِ باءِ الجَرِّ، وجَعَلَ اللهُ تَعالى القَوْلَ بِالظِهارِ مُنْكَرًا وزُورًا، فَهو مُحَرَّمٌ لَكِنَّهُ، إذا وقَعَ لَزِمَ، هَكَذا قالَ فِيهِ أهْلُ العِلْمِ، لَكِنَّ تَحْرِيمَهُ تَحْرِيمُ المَكْرُوهاتِ جِدًّا، وقَدْ رَجّى اللهُ بَعْدَهُ بِأنَّهُ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ مَعَ الكَفّارَةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا۟ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ۚ ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ ٣ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ۖ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًۭا ۚ ذَٰلِكَ لِتُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا ذَلِكم تُوعَظُونَ بِهِ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ ﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ وتِلْكَ حُدُودُ اللهِ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا ﴾ فَقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والَّذِينَ كانَ الظِهارُ عادَتَهم ثُمَّ يَعُودُونَ إلى ذَلِكَ في الإسْلامِ، وقالَهُ القَتْبِيُّ، وقالَ أهْلُ الظاهِرِ: المَعْنى: والَّذِينَ يُظاهِرُونَ ثُمَّ يُظاهِرُونَ ثانِيَةً، فَلا تَلْزَمُ عِنْدَهم كَفّارَةٌ إلّا بِأنْ يُعِيدَ الرَجُلُ التَظاهُرَ، قالَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: حِينَئِذٍ هو عائِدٌ إلى القَوْلِ الَّذِي هو مُنْكَرٌ وزُورٌ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ وإنْ كانَ القُشَيْرِيُّ قَدْ حَكاهُ عن بِكِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأشَجِّ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: في هَذِهِ الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وتَقْدِيرُها: "فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ لِما قالُوا"، وهَذا أيْضًا قَوْلٌ يُفْسِدُ نَظْمَ الآيَةِ، وحُكِيَ عَنِ الأخْفَشِ لَكِنَّهُ غَيْرُ قَوِيٍّ، وقالَ قَتادَةُ، وطاوُسٌ، ومالِكٌ، والزَهْرِيُّ، وجَماعَةٌ كَبِيرَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ مَعْنى:" ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا" أيْ: بِالوَطْءِ، المَعْنى: ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا إنَّهم لا يَعُودُونَ إلَيْهِ فَإذا ظاهَرَ الرَجُلُ ثُمَّ وطِئَ فَحِينَئِذٍ تَلْزَمُهُ الكَفّارَةُ في ذِمَّتِهِ وإنْ طَلَّقَ أو ماتَتِ امْرَأتُهُ، وقالَ الشافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ أيْضًا، وفَرِيقٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: "يَعُودُونَ" مَعْناهُ: بِالعَزْمِ عَلى إمْساكِ الزَوْجَةِ ووَطْئِها والتِزامِ التَكْفِيرِ لِذَلِكَ، فَمَتى وقَعَ مِنَ المَظاهِرِ هَذا العَزْمُ لَزِمَتِ الكَفّارَةُ ذِمَّتَهُ، طَلَّقَ أو ماتَتِ امْرَأتُةُ، وهَذانَ القَوْلانِ في مَذْهَبِ مالِكٍ، وهُما حَسَنانِ، لَزِمَتِ الكَفّارَةُ فِيهِما بِشَرْطَيْنِ: ظِهارٌ وعَوْدٌ واخْتُلِفَ في "العُودِ"، ما هُوَ؟

وقالَ الشافِعِيُّ: العَوْدُ المُوجِبُ لِلْكَفّارَةِ أنْ يُمْسِكَ عن طَلاقِها بَعْدَ الظِهارِ، ويَمْضِي -بَعْدَ الظِهارِ- ما يُمْكِنُهُ أنْ يُطَلِّقَ فِيهِ فَلا يُطَلِّقُ.

و"الرَقَبَةُ" في الظِهارِ لا تَكُونُ عِنْدَ مالِكٍ إلّا مُؤْمِنَةً، رَدَّ هَذا المُطْلَقَ إلى المُقَيَّدِ الَّذِي في كَفّارَةِ القَتْلِ الخَطَأِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا ﴾ فَقالَ الحَسَنُ، والثَوْرِيُّ، وجَماعَةٌ: مِن قَبْلِ الوَطْءِ، وجَعَلَتِ المَسِيسَ هاهُنا: الوَطْءُ، فَأباحَتْ لِلْمَظاهِرِ التَقْبِيلَ والمُضاجَعَةَ والِاسْتِمْتاعَ بِأعْلى المَرْأةِ كالحَيْضِ، وقالَ الجُمْهُورُ مِن أهْلِ العِلْمِ: "مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا" عامٌّ في نَوْع المَسِيسِ: الوَطْءُ والمُباشَرَةُ، فَلا يَجُوزُ لِمُظاهِرٍ أنْ يَطَأ ولا يُقَبِّلَ ولا يَلْمِسَ بِيَدِهِ ولا يَفْعَلَ شَيْئًا مِن هَذا النَوْعِ إلّا بَعْدَ الكَفّارَةِ، وهَذا قَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "ذلِكُمْ" إشارَةٌ إلى "التَحْرِيرِ"، أيْ: فِعْلُ ذَلِكَ عِظَةٌ لَكم لِتَنْتَهُوا عَنِ الظِهارِ.

و"المُتَتابِع" في الشَهْرَيْنِ صِيامُهُما، ولا يُفَرِّقُ بَيْنَ أيّامِهِما، وجائِزٌ أنْ يَصُومَهُما الرَجُلُ بِالعَدَدِ فَيَصُومُ سِتِّينَ يَوْمًا تِباعًا، وجائِزٌ أنْ يَصُومَهُما بِالأهِلَّةِ، يَبْدَأُ مَعَ الهِلالِ ويُفْطِرُ مَعَ الهِلالِ، وإنْ جاءَ أحَدُ شَهْرَيْهِ ناقِصًا،فَذَلِكَ يُجْزِئُ عنهُ، وجائِزٌ إنْ بَدَأ صَوْمُهُ في وسَطِ شَهْرَيْنِ بِبَعْضِ الشَهْرِ الأوَّلِ فَيَصُومُ إلى الهِلالِ، ثُمَّ يَصُومُ شَهْرًا بِالهِلالِ، ثُمَّ يَتِمُّ الشَهْرُ الأوَّلُ بِالعَدَدِ، ولا أحْفَظُهُ خِلافًا مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ الصائِمَ في الظِهارِ إنْ أفْسَدَ التَتابُعَ بِاخْتِيارِهِ أنَّهُ يُبْتَدَأُ صَوْمُها، واخْتَلَفَ الناسُ إذا أفْسَدَهُ لِعُذْرٍ غالِبٍ كالمَرَضِ والنِسْيانِ ونَحْوَهُ، فَقالَ أصْحابُ الرَأْيِ والشافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، والنَخْعِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ، والثَوْرِيُّ: يَبْتَدِئُ، وقالَ مالِكٌ، والشافِعِيُّ، وغَيْرُهُ: يَبْنِي، وأجْمَعُوا عَلى الحائِضِ وأنَّها تَبْنِي في صَوْمِها التَتابُعَ.

وإطْعامُ المَساكِينِ في الظِهارِ هو بِالمَدِّ الهاشِمِيِّ عِنْدَ مالِكٍ، وهو مَدٌّ وثُلْثٌ بِمَدِّ النَبِيِّ  ، وقِيلَ مُدّانِ غَيْرُ ثُلُثٍ، ورَوى عنهُ ابْنُ وهْبٍ أنَّهُ يُطْعِمُ مُدَّيْنِ بِمُدِّ النَبِيِّ  ، وفي العُلَماءِ مَن يَرى إطْعامَ الظِهارِ مُدًّا بِمُدِّ النَبِيِّ  ، ولا يُجْزِئُ في إطْعامِ الظِهارِ إلّا إكْمالُ عَدَدِ المَساكِينِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُطْعِمَ ثَلاثِينَ مَرَّتَيْنِ ولا ما أشْبَهَهُ، والطَعامُ هو غالِبُ قُوتِ البَلَدِ.

وقالَ مالِكٌ، وعَطاءٌ وغَيْرُهُ: إطْعامُ المَساكِينِ أيْضًا هو قَبْلَ التِماسٍ حَمْلًا عَلى العِتْقِ والصَوْمِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، وجُمْهُورٌ مِن أهْلِ العِلْمِ لَمْ يَنُصَّ اللهُ تَعالى عَلى الشَرْطِ هُنا فَنَحْنُ نَلْتَزِمُهُ، فَجازَ ولِلْمُظاهِرِ إذا كانَ مِن أهْلِ الإطْعامِ أنْ يَطَأ قَبْلَ الكَفّارَةِ ويَسْتَمْتِعَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا" إشارَةٌ إلى الرُخْصَةِ والتَسْهِيلِ في النَقْلِ مِنَ التَحْرِيرِ إلى الصَوْمِ والإطْعامِ ثُمَّ شَدَّدَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ ﴾ ، أيْ: فالتَزَمُوها وقَفُوا عِنْدَها، ثُمَّ تَوَعَّدَ الكافِرِينَ بِهَذا الحَدِيثِ والحُكْمِ الشَرْعِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ كُبِتُوا۟ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَقَدْ أَنزَلْنَآ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍۢ ۚ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ ٥ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًۭا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓا۟ ۚ أَحْصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ ٦ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَآ أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا۟ ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللهَ ورَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا أحْصاهُ اللهُ ونَسُوهُ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ هَذِهِ الآياتُ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ وقَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ كانُوا في المَدِينَةِ يَتَمَرَّسُونَ بِرَسُولِ اللهِ  ويَتَرَبَّصُونَ بِهِ الدَوائِرَ، ويُدَبِّرُونَ عَلَيْهِ، ويَتَمَنَّوْنَ فِيهِمُ المَكْرُوهَ، ويَتَناجَوْنَ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ إلى آخِرِ أمْرِ النَجْوى فِيهِمْ.

و"المُحادَّةُ": أنْ يُعْطِيَ الإنْسانُ صاحِبَهُ حَدَّ قَوْلِهِ أو سِلاحَهُ وسائِرَ أفْعالِهِ، وقالَ قَوْمٌ: هو أنْ يَكُونَ الإنْسانُ في حَدٍّ وصاحِبُهُ في حَدٍّ مُخالِفٍ.

و"كُبِتَ الرَجُلُ" إذا بَقِيَ حَزِينًا يُبْصِرُ ما يَكْرَهُ ولا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ، وقالَ قَوْمٌ -مِنهم أبُو عُبَيْدَةَ -: أصْلُهُ: كَبَّدُوا، أيْ: أصابَهم داءٌ في أكْبادِهِمْ، فَأُبْدِلَتِ الدالُّ تاءً، وهَذا غَيْرُ قَوِيٍّ.

و"الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ" هم مُنافِقُو الأُمَمِ الماضِيَةِ الَّذِينَ حادُّوا الرُسُلَ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ قَدِيمًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ ﴾ يُرِيدُ: في هَذا القُرْآنِ، فَلَيْسَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ بَأعْذَرَ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ ﴾ ، العامِلُ في "يَوْمَ" "مُهِينٌ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا مُضْمَرًا تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَنَسُوهُ" نِسْيانٌ عَلى بابِهِ؛ لِأنَّ الكافِرَ لا يَحْفَظُ تَفاصِيلَ أعْمالِهِ ولَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ وقَفَ مُحَمَّدٌ  تَوْقِيفًا تُشارِكُهُ فِيهِ أُمَّتُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ ﴾ ، يَحْتَمِلُ "نَجْوى" أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُضافًا إلى "ثَلاثَةٍ"، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: مِن سِرارٍ ثَلاثَةٍ، ويُحْتَمَلُ "نَجْوى" أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ جَمِعًا مِنَ الناسِ سَمّى بِالمَصْدَرِ، كَما قالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ وَإذْ هم نَجْوى  ﴾ أيْ: أُولُو نَجْوى، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: "ثَلاثَةٍ" -عَلى هَذا- بَدَلًا مِن "نَجْوى" أوَصِفَةً، وفي هَذا نَظَرٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا هو رابِعُهُمْ ﴾ أيْ: بِعِلْمِهِ وإحاطَتِهِ ومَقْدِرَتِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ما يَكُونُ" وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ القارِئُ، وأبُو حَيْوَةَ: "ما تَكُونُ" بِالتاءِ مَنقُوطَةً مِن فَوْقٍ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَلا أرْبَعَةَ إلّا اللهُ خامِسُهُمْ"، وكَذَلِكَ: "إلّا اللهُ رابِعُهُمْ" و"إلّا اللهُ سادِسُهُمْ"، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَلا أكْثَرَ" عَطْفًا عَلى اللَفْظِ المَخْفُوضِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "وَلا أكْثَرَ" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: ما يَكُونُ نَجْوى، ومَن جَعَلَ النَجْوى مَصْدَرًا مَحْضًا قَدَّرَ قَبْلَ "أدْنى" فِعْلًا تَقْدِيرُهُ: ولا يَكُونُ أدْنى، وقَرَأ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: "وَلا أكْبَرَ" بِالباءِ واحِدَةً مِن تَحْتٍ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُوا۟ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَيَتَنَـٰجَوْنَ بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِىٓ أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ ۚ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا ۖ فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عنهُ ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَسُولِ وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهم جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ نَهاهم رَسُولُ اللهِ  عَنِ التَناجِي بِحَضْرَةِ المُؤْمِنِينَ وإظْهارِ ما يُسْتَرابُ مِنهُ مِن ذَلِكَ فَلَمْ يَنْتَهُوا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والمُنافِقِينَ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَيَتَناجَوْنَ" عَلى وزْنِ "يَتَفاعَلُونَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "وَيُنْتِجُونَ" عَلى وزْنِ "يَفْتَعِلُونَ"، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ كَيَقْتَتِلُونَ ويَتَقاتَلُونَ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَعِصْيانِ الرَسُولِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ ﴾ الآيَةُ، يُرِيدُ بِذَلِكَ ما كانَتِ اليَهُودُ تَفْعَلُهُ مِن قَوْلِهِمْ في التَحِيَّةِ: السامُّ عَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ «أنَّ اليَهُودَ كانَتْ تَأْتِي فَتَقُولُ: السامُّ عَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ، والسامُّ: المَوْتُ، وإيّاهُ كانُوا يُرِيدُونَ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ  يَقُولُ: وعَلَيْكم، فَسَمِعَتْهم عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُا يَوْمًا فَقالَتْ: بَلْ عَلَيْكُمُ السامُّ واللَعْنَةُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ: مَهْلًا يا عائِشَةُ إنَّ اللهَ يَكْرَهُ الفُحْشَ والتَفَحُّشَ، قالَتْ: أما سَمِعْتَ ما قالُوا؟

قالَ: أما سَمِعْتِ ما قُلْتُ لَهُمْ؟

إنِّي قُلْتُ: وعَلَيْكم.» ثُمَّ كَشَفَ اللهُ تَعالى خُبْثَ طَوِيَّتِهِمْ والحُجَّةَ الَّتِي إلَيْها يَسْتَرْوِحُونَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ الآنَ نَلْقىمُحَمَّدًا بِهَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي تَسُوؤُهُ ولا يُصِيبُنا سُوءٌ، ولا يُعاقِبُنا اللهُ تَعالى بِذَلِكَ، ولَوْ كانَ نَبِيًّا لَهُلِكْنا بِهَذِهِ الأقْوالِ، وجَهِلُوا أنَّ أمْرَهم مُؤَخَّرٌ إلى عَذابِ جَهَنَّمَ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى بِذَلِكَ، وأنَّها كافِيَتُهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ الآيَةُ كُلُّها في المُنافِقِينَ، ويُشَبِّهُ أنَّ مِنَ المُنافِقِينَ مَن تَخَلَّقَ بِخُلُقِ اليَهُودِ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا تَنَـٰجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَـٰجَوْا۟ بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَـٰجَوْا۟ بِٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ٩ إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْـًٔا إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ١٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَسُولِ وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَقْوى واتَّقُوا اللهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ ﴿ إنَّما النَجْوى مِنَ الشَيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إلا بِإذْنِ اللهِ وعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ وصّى اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنْ لا يَكُونَ مِنهم تَناجٍ في مَكْرُوهٍ، وذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ الناسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وخَصَّ تَبارَكَ وتَعالى "الإثْمَ" بِالذِكْرِ لِعُمُومِهِ، و"العُدْوانِ" لِعَظَمَتِهِ في نَفْسِهِ؛ إذا هي ظُلاماتُ العِبادِ، وكَذَلِكَ "مَعْصِيَةُ الرَسُولِ" ذَكَرَها طَعْنًا عَلى المُنافِقِينَ إذْ كانَ تَناجِيهِمْ في ذَلِكَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَلا تَتَناجَوْا" عَلى وزْنِ "تَتَفاعَلُوا"، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "فَتَناجَوُا" بِحَذْفِ التاءٍ الواحِدَةِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "فَلا تَّناجُوا" بِتَشْدِيدِ التاءِ لِأنَّها أدْغَمَتِ التاءَ في التاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وأهْلُ الكُوفَةِ: "فَلا تَنْتِجُوا" عَلى وزْنِ "تَفْتَعِلُوا".

والناسُ عَلى ضَمِّ العَيْنِ مِن "العُدْوانِ"، وقَرَأها أبُو حَيْوَةَ بِكَسْرِ العَيْنِ حَيْثُ وقَعَ.

وقَرَأ الضَحّاكُ وغَيْرُهُ: "وَمَعْصِيّاتُ الرُسُلِ" عَلى الجَمْعِ فِيهِما.

ثُمَّ أمَرَ بِالتَناجِي بِالبِرِّ والتَقْوى، وذَكَّرَ بِالحَشْرِ الَّذِي مَعَهُ الحِسابُ ودُخُولُ أحَدِ الدارَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّما النَجْوى"، لَيْسَتْ إنَّما لِلْحَصْرِ ولَكِنَّها لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ، واخْتَلَفَ الناسُ في النَجْوى الَّتِي هي مِنَ الشَيْطانِ الَّتِي أخْبَرَ عنها في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أرادَ: إنَّما النَجْوى في الإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَسُولِ مِنَ الشَيْطانِ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الإشارَةُ إلى نَجْوى المُنافِقِينَ واليَهُودِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ بْنِ أسْلَمَ: الإشارَةُ إلى نَجْوى قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا يَقْصِدُونَ مُناجاةَ الرَسُولِ  ، ولَيْسَ لَهم حاجَةٌ ولا ضَرُورَةٌ إلى ذَلِكَ، وإنَّما كانُوا يُرِيدُونَ التَنَجُّحَ بِذَلِكَ، وكانَ المُسْلِمُونَ يَظُنُّونَ أنَّ تِلْكَ النَجْوى في أخْبارٍ بِعَدُوٍّ قاصِدٍ ونَحْوِهِ، وهَذانَ القَوْلانِ يُعَضِّدُهُما ما يَأْتِي مِن ألْفاظِ الآيَةِ، ولا يُعَضِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ.

وقالَ عَطِيَّةُ العَوْفِيّ في هَذِهِ الآيَةِ: نَزَلَتْ في المُناجاةِ الَّتِي يَراها المُؤْمِنُ فَتَسُوءُهُ، وفِيما يَراهُ النائِمُ فَكَأنَّهُ نَجْوى يُناجى بِها، وهَذا قَوْلُ أجْنَبِيٍّ مِنَ المَعْنى الَّذِي قَبْلَهُ والَّذِي بَعْدَهُ.

وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ: "لِيُحْزِنَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ، والفِعْلُ مَنسُوبٌ إلى الشَيْطانِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وعاصِمٌ، وغَيْرُهُمْ: "لِيَحْزُنَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزايِ، تَقُولُ: "حَزَنْتُ قَلْبَ الرَجُلِ" إذا جَعَلْتَ فِيهِ حُزْنًا، فَهو كَقَوْلِكَ: "كَحَلَتِ العَيْنُ"، وهو ضَرْبٌ مِنَ التَعَدِّي كَأنَّ المَفْعُولَ ظَرْفٌ، وقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى هَذا المَعْنى مَن تَعَدِّي الأفْعالِ، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "لِيَحْزَنَ" بِفَتْحِ الياءِ والزايِ، و"الَّذِينَ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ رَفْعٌ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ، يُقالُ: حَزِنَ الرَجُلُ بِكَسْرِ الزايِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الشَيْطانَ والتَناجِي الَّذِي هو مِنهُ لَيْسَ بِضارٍّ أحَدًا إلّا أنْ يَكُونَ ضُرًّا بِإذْنِ اللهِ، أيْ: بِأمْرِهِ وقَدْرِهِ، ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِتَوَكُّلِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ تَبارَكَ وتَعالى، وهَذا كُلُّهُ يُقَوِّي أنَّ التَناجِيَ الَّذِي مِنَ الشَيْطانِ إنَّما هو الَّذِي وقَعَ مِنهُ لِلْمُؤْمِنِينَ خَوْفٌ، ولِلْخَوْفِ اللاحِقِ لِلْقُلُوبِ في هَذا قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "لا يَتَناجى اثْنانِ دُونَ واحِدٍ".» <div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا۟ فِى ٱلْمَجَـٰلِسِ فَٱفْسَحُوا۟ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُوا۟ فَٱنشُزُوا۟ يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍۢ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ ١١ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَةًۭ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ ۚ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ ١٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكم وإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكم وأطْهَرُ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنْ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تُفْسِحُوا"، وقَرَأ الحَسَنُ وداوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ:، "تَفاسَحُوا"، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فِي المَجْلِسِ"، وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ وقَتادَةُ، وعِيسى: "فِي المَجالِسِ".

واخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِ الآيَةِ والمَقْصُودِ بِها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ ومُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في مَقاعِدِ الحَرْبِ والقِتالِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وقَتادَةُ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ تُضايِقِ الناسِ في مَجْلِسِ النَبِيِّ  ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَتَنافَسُونَ في القُرْبِ مِنهُ وسَماعِ كَلامِهِ والنَظَرِ إلَيْهِ، فَيَأْتِي الرَجُلُ الَّذِي لَهُ الحَقُّ والسِنُّ والقِدَمُ في الإسْلامِ فَلا يَجِدُ مَكانًا، فَنَزَلَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وقالَ مُقاتِلٌ: أقامَ رَسُولُ اللهِ  قَوْمًا لِيَجْلِسَ أشْياخٌ مِن أهْلِ بَدْرٍ ونَحْوُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "لا يَقُمْ أحَدٌ مِن مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ الرَجُلُ، ولَكِنْ تَفَسَّحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ"»، وقالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّما الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ في مَجْلِسِ النَبِيِّ  في سائِرِ المَجالِسِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "فِي المَجْلِسِ"، ومَن قَرَأ "فِي المَجالِسِ" فَذَلِكَ مُرادُهُ أيْضًا لِأنَّ لِكُلِّ أحَدٍ مَجْلِسًا في بَيْتِ النَبِيِّ  ومَوْضِعُهُ، فَتَجْمَّعَ لِذَلِكَ، وقالَ الجُمْهُورُ مِن أهْلِ العِلْمِ: السَبَبُ مَجْلِسُ النَبِيِّ  ، والحُكْمُ مُطَّرِدٌ في سائِرِ المَجالِسِ الَّتِي هي لِلطّاعاتِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "أحَبَّكم إلى اللهِ ألْيَنُكم مَناكِبَ في الصَلاةِ ورُكَبًا في المَجالِسِ"»، وهَذا قَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى وقالَ: ما أرى الحُكْمَ إلّا يُطْرَدُ في مَجالِسِ العِلْمِ ونَحْوِها غابِرَ الدَهْرِ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "فِي المَجالِسِ"، ومَن قَرَأ: "فِي المَجْلِسِ" فَذَلِكَ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- اسْمُ جِنْسٍ، فالسُنَّةُ المَندُوبُ إلَيْها هي التَفَسُّحُ، والقِيامُ مَنهِيٌّ عنهُ، وحَدِيثُ النَبِيِّ  حَيْثُ «نَهى أنْ يَقُومَ الرَجُلُ فَيَجْلِسُ الآخَرُ مَكانَهُ،» فَأمّا القِيامُ إجْلالًا فَجائِزٌ بِالحَدِيثِ، وهو قَوْلُهُ  حِينَ أقْبَلَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ: « "قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ"»، وواجِبٌ عَلى المُعْظَمِ ألّا يُحِبَّ ذَلِكَ ويَأْخُذَ الناسَ بِهِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَن أحَبَّ أنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِجالُ قِيامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النارِ"»،وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ ﴾ مَعْناهُ: في رَحْمَتِهِ وجَنَّتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا ﴾ مَعْناهُ: إذا قِيلَ لَكُمُ ارْتَفِعُوا وقُومُوا فافْعَلُوا ذَلِكَ، ومِنهُ نُشُوزُ العِظامِ، أيْ: نَباتُها، والنَشَزُ مِنَ الأرْضِ: المُرْتَفِعُ، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا النُشُوزِ الَّذِي أُمِرُوا بِامْتِثالِهِ، ما هُوَ؟

فَقالَ الحَسَنُ، والضَحّاكُ وقَتادَةُ: مَعْناهُ: إذا دَعَوْا إلى قِتالٍ أو طاعَةٍ أو صَلاةٍ ونَحْوِهِ، وقالَ آخَرُونَ: إذا دَعَوْا إلى القِيامِ عَنِ النَبِيِّ  ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ كانَ أحْيانًا يُحِبُّ الِانْفِرادَ في آمِرِ الإسْلامِ، فَرُبَّما جَلَسَ قَوْمٌ وأرادَ كُلُّ أحَدٍ أنْ يَكُونَ آخِرَ الناسِ عَهْدًا بِالنَبِيِّ  ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ آمِرَةً بِالقِيامِ عنهُ مَتى فَهِمَ ذَلِكَ بِقَوْلٍ أو فِعْلٍ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: انْشُزُوا في المَجْلِسِ بِمَعْنى التَفَسُّحِ؛ لِأنَّ الَّذِي يُرِيدُ التَوَسُّعَ يَرْتَفِعُ إلى فَوْقٍ في الهَواءِ، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ جُمْلَةً اتَّسَعَ المَوْضِعُ، فَيَجِيءُ "انْشُزُوا" في غَرَضٍ واحِدٍ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: "تَفَسَّحُوا"، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "انْشُزُوا" بِرَفْعِ الشِينِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والأعْرَجِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "انْشُذُوا" بِكَسْرِ السِينِ فِيها، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والأعْمَشِ، وطَلْحَةُ، يُقالُ: نَشَزَ يَنْشُزُ كَحَشَرَ يَحْشُرُ ويَحْشِرُ وعَكَفَ يَعْكُفُ ويَعْكِفُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "يَرْفَعِ اللهُ" جَوابُ الأمْرِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في تَرْتِيبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ ﴾ فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى: يَرْفَعِ اللهُ المُؤْمِنِينَ العُلَماءَ مِنكم دَرَجاتٍ، فَلِذَلِكَ أمَرَ بِالتَفَسُّحِ مِن أجْلِهِمْ، ويَجِيءُ -عَلى هَذا- قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: جاءَنِي العاقِلُ والكَرِيمُ والشُجاعُ، وأنْتَ تُرِيدُ رَجُلًا واحِدًا.

وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى: يَرْفَعِ اللهُ المُؤْمِنِينَ والعُلَماءَ، الصِنْفَيْنِ جَمِيعًا دَرَجاتٍ، لَكِنّا نَعْلَمُ تَفاضُلَهم في الدَرَجاتِ مِن مَواضِعَ أُخَرَ، ولِذَلِكَ جاءَ الأمْرُ بِالتَفَسُّحِ عامًّا لِلْعُلَماءِ وغَيْرِهِمْ.

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ: المَعْنى: "يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم "، وتَمَّ القَوْلُ، ثُمَّ ابْتَدَأ بِتَخْصِيصِ العُلَماءِ بِالدَرَجاتِ، ونَصْبِهِمْ بِإضْمارِ فِعْلٍ، فالمُؤْمِنُونَ رُفِعَ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ولِلْعُلَماءِ دَرَجاتٌ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ قالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِخِّيرِ: "فَضْلُ العِلْمِ أحَبُّ إلَيَّ مَن فَضْلِ العِبادَةِ، وخَيْرُ دِينِكُمُ الوَرَعُ"، ثُمَّ تُوَعَّدَ تَعالى وحَذَّرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ .

وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَسُولَ ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ في سَبَبِها أنْ قَوْمًا مِن شَبابِ المُسْلِمِينَ كَثُرَتْ مُناجاتُهم لِلنَّبِيِّ  في غَيْرِ حاجَةٍ إلّا لِتَظْهَرَ مَنزِلَتُهُمْ، وكانَ رَسُولُ اللهِ  سَمْحًا لا يَرُدُّ أحَدًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُشَدِّدَةً عَلَيْهِمْ في أمْرِ المُناجاةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الأغْنِياءِ لِأنَّهم غَلَبُوا الفُقَراءَ عَلى مُناجاةِ رَسُولِ اللهِ  وعَلى مَجْلِسِهِ.

وقالَ جَماعَةٌ مِنَ الرُواةِ: لَمْ يَعْمَلْ بِهَذِهِ الآيَةِ بَلْ نُسِخَتْ قَبْلَ العَمَلِ، لَكِنِ اسْتَقَرَّ حُكْمُها بِالعَزْمِ عَلَيْهِ، كَأمْرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ في ذَبْحِ ابْنِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، وصَحَّ عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: ما عَمِلَ بِها أحَدٌ غَيْرِي، وأنا كُنْتُ سَبَبَ الرُخْصَةِ والتَخْفِيفِ عَنِ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ أنِّي أرَدْتُ مُناجاةَ النَبِيِّ  في أمْرٍ ضَرُورِيٍّ، فَصَرَفْتُ دِينارًا بِعَشَرَةِ دَراهِمَ، ثُمَّ ناجَيْتُهُ عَشْرَ مَرّاتٍ، أُقَدِّمُ في كُلَّ مَرَّةٍ دِرْهَمًا، ورُوِيَ عنهُ «أنَّهُ تَصَدَّقَ في كُلِّ مَرَّةٍ بِدِينارٍ، قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ثُمَّ فَهِمَ رَسُولُ اللهِ  أنَّ هَذِهِ العِبادَةَ قَدْ شُقَّتْ عَلى الناسِ، فَقالَ لِي: يا عَلِيُّ، كَمْ تَرى أنْ يَكُونَ حَدُّ هَذِهِ الصَدَقَةِ؛ أتَراهُ دِينارًا؟

قُلْتُ: لا، قالَ فَنِصْفُ دِينارٍ؟

قُلْتُ: لا، قالَ: فَكَمْ؟

قُلْتُ: حَبَّةٌ مِن شَعِيرٍ، قالَ: إنَّكَ لِزَهِيدٌ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى الرُخْصَةَ لِلْواجِدِينَ، وأمّا مَن لا يَجِدُ فالرُخْصَةُ لَهُ ثابِتَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنْ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ،» وقالَ مُقاتِلٌ: بَقِيَ هَذا الحُكْمُ عَشَرَةَ أيّامٍ، وقالَ قَتادَةُ: بَقِيَ ساعَةً مِن نَهارٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ الناسِ: "صَدَقَةٌ" بِالإفْرادِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "صَدَقاتٌ" بِالجَمْعِ.

<div class="verse-tafsir"

ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَـٰتٍۢ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا۟ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ١٣ ۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ قَوْمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ١٤ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَابًۭا شَدِيدًا ۖ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٥ ٱتَّخَذُوٓا۟ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةًۭ فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ ١٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللهُ عَلَيْكم فَأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ وأطِيعُوا اللهُ ورَسُولَهُ واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ما هم مِنكم ولا مِنهم ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ أعَدَّ اللهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ "الإشْفاقُ": الفَزَعُ مِنَ العَجْزِ عَنِ الشَيْءِ المُتَصَدَّقِ بِهِ أو مِن ذَهابِ المالِ في الصَدَقَةِ، ولَهُ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ يُقالُ فِيها الإشْفاقُ، لَكِنَّهُ في هَذا المَوْضِعِ كَما ذَكَرْتُ.

﴿ وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ ﴾ مَعْناهُ: رَجَعَ بِكم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأقِيمُوا الصَلاةَ ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: دُومُوا عَلى هَذِهِ الأعْمالِ الَّتِي هي قَواعِدُ شَرْعِكُمْ، ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الصَدَقَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الزَكاةِ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ لا يَحْصُلُ كَيْفَ النَسْخُ، وما ذُكِرَ في نَحْوِ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لا يَصِحُّ عنهُ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا ﴾ .

نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ وهُمُ المَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ، وقالَ الطَبَرِيُّ: "ما هُمْ" يُرِيدُ المُنافِقِينَ، و"مِنكُمْ" يُرِيدُ بِهِ المُؤْمِنِينَ، و"مِنهُمْ" يُرِيدُ بِهِ اليَهُودَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ يَجْرِي مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ  ﴾ ، ومَعَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَثَلُ المُنافِقِ مَثَلُ الشاةِ العائِرَةِ بَيْنَ الغَنَمَيْنِ"،» لِأنَّهُ مَعَ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ ومَعَ الكافِرِينَ بِقَلْبِهِ، لَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا آخَرَ وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "ما هُمْ" يُرِيدُ بِهِ اليَهُودَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا مِنهُمْ" يُرِيدُ بِهِ المُنافِقِينَ، فَيَجِيءُ فِعْلُ المُنافِقِينَ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- أحْسَنُ لِأنَّهم تَوَلَّوْا قَوْمًا مَغْضُوبًا عَلَيْهِمْ لَيْسُوا مِن أنْفُسِهِمْ فَيَلْزَمُهم ذِمامُهم ولا مِنَ القَوْمِ المُحِقِّينَ فَتَكُونُ المُوالاةُ صَوابًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَيَحْلِفُونَ" يَعْنِي المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهم كانُوا إذا وقَفُوا عَلى ما يَأْتُونَ بِهِ مِن بُغْضِ النَبِيِّ  وشَتْمِهِ ومُوالاةِ عَدُوِّهِ حَلَفُوا أنَّهم لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ واسْتَسْهَلُوا الحِنْثَ، ورُوِيَ مِن هَذا نَوازِلُ كَثِيرَةٌ اخْتَصَرْتُها إيجازًا إذا تُتُبِّعَتْ في المُصَنَّفاتِ وُجِدَتْ كَقَوْلِ ابْنِ أُبَيٍّ "لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ" وحَلِفُهُ عَلى أنَّهُ لَمْ يَقُلْ، وغَيْرُ ذَلِكَ.

و"العَذابُ الشَدِيدُ" هو عَذابُ الآخِرَةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أيْمانُهُمْ" جَمْعُ يَمِينٍ، وقَرَأ الحَسَنُ "إيمانُهُمْ" أيْ: ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ الإيمانِ.

و"الجَنَّةُ": ما يُتَسَتَّرُ بِهِ ويُتَّقى المَحْذُورُ، ومِنهُ "الِمِجَنُّ" وهو التُرْسُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ غَيْرَ مُتَعَدٍّ، كَما تَقُولُ: صَدَّ زَيْدٌ، أيْ: صَدُّوا هم أنْفُسُهم عن سَبِيلِ اللهِ والإيمانِ بِرَسُولِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مُتَعَدِّيًا، أيْ: صَدُّوا غَيْرَهم مِنَ الناسِ عَنِ الإيمانِ مِمَّنِ اقْتَدى بِهِمْ وجَرى في مِضْمارِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَصَدُّوا المُسْلِمِينَ عن قَتْلِهِمْ، وتِلْكَ سَبِيلُ اللهِ فِيهِمْ لَكِنْ ما أظْهَرُوهُ مِنَ الإيمانِ صَدُّوا بِهِ المُسْلِمِينَ عن ذَلِكَ، و"المَهِينُ": المُذِلُّ، مِنَ الهَوانِ.

<div class="verse-tafsir"

لَّن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ١٧ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًۭا فَيَحْلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ۖ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ ۚ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ ١٨ ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَأَنسَىٰهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ حِزْبُ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱلشَّيْطَـٰنِ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ١٩ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ٱلْأَذَلِّينَ ٢٠ كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِىٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌۭ ٢١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَنْ تُغْنِيَ عنهم أمْوالُهم ولا أولادُهم مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ ﴿ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَيْطانُ فَأنْساهم ذِكْرَ اللهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَيْطانُ ألا إنَّ حِزْبُ الشَيْطانُ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ ﴾ ﴿ كَتَبَ اللهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللهُ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ رُوِيَ أنَّ المُنافِقِينَ فَخَرُوا بِكَثْرَةِ أمْوالِهِمْ وأولادِهِمْ وأظْهَرُوا السُرُورَ بِذَلِكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُعْلِمَةً أنَّ ذَلِكَ لا غَناءَ لَهُ عنهم ولا مَدْفَعَ بِسَبَبِهِ، والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" "أصْحابُ" عَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ.

وأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم سَتَكُونُ لَهم أيْمانٌ يَوْمَ القِيامَةِ وبَيْنَ يَدَيِ اللهِ يُخَيَّلُ إلَيْهِمْ بِجَهْلِهِمْ أنَّها تَنْفَعُهم وتُقْبَلُ مِنهُمْ، وهَذا هو حِسابُهم أنَّهم عَلى شَيْءٍ، أيْ: عَلى فِعْلٍ أيْ: شَيْءٍ نافِعٍ لَهُمْ، وقالابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -فِي كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ: أيْنَ خُصَماءُ اللهِ؟

فَتَأْتِي القَدَرِيَّةُ مُسَوَّدَةٌ وُجُوهُهم مُزْرَقَّةٌ أعْيُنُهُمْ، فَيَقُولُونَ: ما عَبَدْنا شَمْسًا ولا قَمَرًا ولا صَنَمًا ولا اتَّخَذْنا مِن دُونِكَ إلَهًا"، قالابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: صَدَقُوا واللهِ ولَكِنْ أتاهُمُ الإشْراكُ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَيْطانُ ﴾ مَعْناهُ: تَمَلَّكَهم مِن كُلِّ جِهَةٍ وغَلَبَ عَلى نُفُوسِهِمْ، وهَذا الفِعْلُ مِمّا اسْتُعْمِلَ عَلى الأصْلِ، فَإنَّ قِياسَ التَعْلِيلِ يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: اسْتَحاذَ، وحَكى الفَرّاءُ في كِتابِ "اللُغاتِ" أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قَرَأ: "اسْتَحاذَ".

و"يُحادُّونَ" مَعْناهُ: يُعْطُونَ الحَدَّ مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ المَعانِي: مَعْناهُ: يَكُونُونَ في حَدٍّ غَيْرِ الحَدِّ الَّذِي شَرَعَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى، ثُمَّ قَضى اللهُ تَعالى عَلى مُحادِّهِ بِالذُلِّ، وأخْبَرَ أنَّهُ كَتَبَ فِيما أمْضى مِن قَضائِهِ وقَدَرِهِ في الأزَلِ أنَّهُ يَغْلِبُ هو ورُسُلُهُ كُلَّ مَن حادَّ اللهَ والرُسُلَ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: "وَرُسُلِي" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِها، وقالَ الحَسَنُ: ما أمَرَ اللهُ تَعالى قَطُّ رَسُولًا بِالقِتالِ إلّا وغَلَبَهُ، وظَفَرَهُ بِقُوَّتِهِ وعِزَّتِهِ، لا رَبَّ سِواهُ، وقالَ غَيْرُهُ: ومَن لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتالٍ فَهو غالِبٌ بِالحُجَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

لَّا تَجِدُ قَوْمًۭا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوْ كَانُوٓا۟ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍۢ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ ۚ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ٢٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كانُوا آباءَهم أو أبْناءَهم أو إخْوانَهم أو عَشِيرَتَهم أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ ويُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مَن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهَ عنهم ورَضُوا عنهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهَ ألا إنَّ حِزْبُ اللهَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ نَفَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنْ يُوجَدَ مَن يُؤْمِنُ بِاللهِ تَعالى حَقَّ الإيمانِ ويَلْتَزِمُ شُعَبَهُ عَلى الكَمالِ يُوادِّ كافِرًا أو مُنافِقًا، ومَعْنى "يُوادِّ" يَكُونُ بَيْنَهُما مِنَ اللُطْفِ بِحَيْثُ يَوَدُّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ قالَ بَعْضُ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: اللهُمَّ لا تَجْعَلْ لِمُشْرِكٍ قَبْلِي يَدًا فَتَكُونُ سَبَبًا لِلْمَوَدَّةِ، فَإنَّكَ تَقُولُ: وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.

وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يُرِيدَ بِها: لا يُوجَدُ مَن يُؤْمِنُ بِاللهِ والبَعْثِ يُوادُّ مَن حادَّ اللهَ مِن حَيْثُ هو مُحادٌّ؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَوَدُّ المُحادَّةَ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنْ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا.

ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في شَأْنِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ ومُخاطَبَتِهِ أهْلَ مَكَّةَ، وَظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ أنَّها مُتَّصِلَةُ المَعْنى، وأنَّ هَذا في مَعْنى الذَمِّ لِلْمُنافِقِينَ المُوالِينَ لِلْيَهُودِ، وإذا قُلْنا إنَّها في أمْرٍ حاطِبٍ جاءَ ذَلِكَ أجْنَبِيًّا في أمْرِ المُنافِقِينَ، وإنْ كانَ شَبِيهًا بِهِ، و"الإخْوانُ" هُنا إخْوَةُ النَسَبِ بِدَلِيلِ اقْتِرانِهِ بِالآباءِ، وعُرِفَ "الإخْوانُ" أنَّهُ في الأوِدّاءِ، كَما عُرِفَ "الإخْوَةُ" أنَّهُ في النَسَبِ، وقَدْ يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا في إخاءِ الوِدِّ.

و ﴿ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ ﴾ مَعْناهُ: أثْبَتَهُ وخَلَقَهُ بِالإيجادِ، وذَهَبَ أبُو عَلَيٍّ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُعْتَزِلَةِ إلى أنَّ المَعْنى: جَعَلَ في قُلُوبِهِمْ عَلاماتٍ تعْرِفُ المَلائِكَةُ بِها أنَّهم مُؤْمِنُونَ، وذَلِكَ لِأنَّهم يَرَوْنَ العَبْدَ يَخْلُقُ إيمانَهُ، وقَدْ صَرَّحَ النَقّاشُ بِهَذا المَذْهَبِ، وما أراهُ إلّا قالَهُ غَيْرُ مُحَصَّلٍ لِما قالَ، وأمّا أبُو عَلِيِّ الفارِسِيُّ فَعن بَصَرٍ بِهِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "كَتَبَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، "والإيمانَ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ المُفَضَّلِ عنهُ-: "كَتَبَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، "والإيمانُ" بِالرَفْعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أُولَئِكَ" إشارَةٌ إلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تَقْتَضِيهِمْ مَعْنى الآيَةِ؛ لِأنَّ المَعْنى: لَكِنَّكَ تَجِدُهم لا يُوادُّونَ مَن حادَّ اللهَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِرُوحٍ مِنهُ" بِهُدًى ولُطْفٍ ونُورٍ وتَوْفِيقٍ إلَهِيٍّ يَنْقَدِحُ مِنَ القُرْآنِ ومِن كَلامِ النَبِيِّ  ، وقِيلَ: المَعْنى: بِالقُرْآنِ، لِأنَّهُ رُوحٌ، قِيلَ: المَعْنى: بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام.

و"الحِزْبُ": الفَرِيقُ الَّذِي يَجْمَعُهُ مَذْهَبٌ واحِدٌ، و"المُفْلِحُ": الفائِزُ بِبُغْيَتِهِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُجادَلَةِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد