الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الحشر
تفسيرُ سورةِ الحشر كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 46 دقيقة قراءةبِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحَشْرِ هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِاتِّفاقٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وهي سُورَةُ بَنِي النَضِيرِ؛ وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ كانَ قَدْ عاهَدَ بَنِي النَضِيرِ عَلى سِلْمٍ وهم يَرَوْنَ أنَّهُ لا تُرَدُّ لَهُ رايَةٌ، فَلَمّا جَرَتْ هَزِيمَةُ أُحُدٍ ارْتابُوا وداخَلُوا قُرَيْشًا وغَدَرُوا، فَلَمّا رَجَعَ النَبِيُّ مِن أُحُدٍ تَبَيَّنَ لَهُ مُعْتَقَدُ بَنِي النَضِيرِ وغَدْرُهم بِعَهْدِهِ ومُوالاتُهم لِلْكُفّارِ، فَجَمَعَ إلَيْهِمْ وحاصَرَهم وعاهَدَهم عَلى أنْ يُجْلِيَهم عن أرْضِهِمْ، فارْتَحَلُوا إلى بِلادٍ مُخْتَلِفَةٍ: خَيْبَرُ والشامُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ البِلادِ، ثُمَّ كانَ أمْرُ بَنِي قُرَيْظَةَ مَرْجِعُهُ مِنَ الأحْزابِ.» قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لأوَّلِ الحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا وظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِن اللهِ فَأتاهُمُ اللهِ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَسْبِيحِ الجَماداتِ الَّتِي يَتَناوَلُها عُمُومُ "ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ"، وأنَّ أهْلَ العِلْمِ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ، فَقالَ قَوْمٌ: ذَلِكَ عَلى الحَقِيقَةِ، وقالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ مَجازٌ، أيْ: أنَّ آثارَ الصَنْعَةِ فِيها والإيجادِ لَها كالتَسْبِيحِ وداعِيَةٍ إلى التَسْبِيحِ مِمَّنْ لَهُ أنْ يُسَبِّحَ، وقالَ مَكِّيٌّ: "سَبَّحَ" مَعْناهُ: صَلّى وسَجَدَ، فَهَذا كُلُّهُ بِمَعْنى الخُضُوعِ والطَوْعِ، و"العَزِيزُ الحَكِيمُ" صِفَتانِ مُناسِبَتانِ لِما يَأْتِي بَعْدُ مِن قِصَّةِ العَدُوِّ الَّذِينَ أخْرَجَهم مِن دِيارِهِمْ.
و ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ هم بَنُو النَضِيرِ، وكانَتْ قَبِيلَةً عَظِيمَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ مُوازِيَةً في القَدْرِ والمَنزِلَةِ لِبَنِي قُرَيْظَةَ، وكانَ يُقالُ لِلْقَبِيلَتَيْنِ: الكاهِنانِ لِأنَّهُما مِن ولَدِ الكاهِنِ بْنِ هارُونَ، وكانَتْ أرْضُهم وحُصُونُهم قَرِيبَةً مِنَ المَدِينَةِ، ولَهم نَخْلٌ وَأمْوالٌ عَظِيمَةٌ، «فَلَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ مِن أُحُدٍ خَرَجَ إلى بَنِي النَضِيرِ فَحاصَرَهم وأجْلاهم عَلى أنْ يَحْمِلُوا مِن أمْوالِهِمْ ما أقَلَّتْهُ الإبِلُ حاشى الحَلْقَةَ -وَهِيَ جَمِيعُ السِلاحِ-: فَخَرَجُوا إلى بِلادٍ مُخْتَلِفَةٍ،» فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: "لِأوَّلِ الحَشْرِ" اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى ذَلِكَ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ "الحَشْرَ" هو الجَمْعُ والتَوْجِيهُ إلى ناحِيَةٍ ما، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وغَيْرُهُ: أرادَ حَشْرَ القِيامَةِ، أيْ: هَذا أوَّلُهُ، والقِيامُ مِنَ القُبُورِ آخِرُهُ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ النَبِيَّ قالَ لَهُمْ: « "امْضُوا، هَذا أوَّلُ الحَشْرِ وإنّا عَلى الأثَرِ"»، وقالَ عِكْرِمَةُ، والزَهْراوِيُّ، وغَيْرُهُما: المَعْنى: لِأوَّلِ مَوْضِعِ الحَشْرِ وهو الشامُ، وذَلِكَ أنَّ أكْثَرَ بَنِي النَضِيرِ جاءَتْ إلى الشامِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ حَشْرَ القِيامَةِ هو إلى الشامِ وأنَّ النَبِيَّ «قالَ لِبَنِي النَضِيرِ: "اخْرُجُوا"، قالُوا: إلى أيْنَ يا مُحَمَّدُ؟
قالَ: "إلى أرْضِ المَحْشَرِ"،» وقالَ قَوْمٌ -فِي كِتابِ المَهْدَوِيِّ- المُرادُ الحَشْرُ في الدُنْيا الَّذِي هو الجَلاءُ والإخْراجُ، فَهَذا الَّذِي فَعَلَ رَسُولُ اللهِ بِبَنِي النَضِيرِ أوَّلُهُ، والَّذِي فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِأهْلِ خَيْبَرَ آخِرُهُ، وأخْبَرَتِ الآيَةُ بِمَغِيبٍ، وقَدْ أخْبَرَ النَبِيُّ بِجَلاءِ أهْلِ خَيْبَرَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ آخِرَ الحَشْرِ في قَوْلِ النَبِيِّ في مَرَضِهِ: « "لا يَبْقَيَنَّ دِينانِ في جَزِيرَةِ العَرَبِ"»، فَإنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ إجْلاءَ بَقاياهُمْ، قالَ الخَلِيلُ -فِيما حَكى الزَجّاجُ -: سُمِّيَتْ جَزِيرَةً لِأنَّهُ أحاطَ بِها بِحْرُ الحَبَشَةِ وبَحْرُ فارِسٍ ودِجْلَةُ والفُراتُ.
وفي هَذِهِ الإحاطَةِ نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا ﴾ مَعْناهُ: لِمَنعَتِهِمْ وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، فَلَمْ تَكُنْ آمالُكم وظُنُونُكم تَنْتَهِي إلى أنَّهم يَخْرُجُونَ ويَدَّعُونَ أمْوالَهم لَكُمْ، وبِحَسَبِ ذَلِكَ مِنَ المَنعَةِ والعَدَدِ والتَحَصُّنِ ظَنُّوا هم أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِنَ اللهِ" يُرِيدُ: مِن جُنْدِ اللهِ وحِزْبِ اللهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتاهُمُ اللهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴾ عِبارَةٌ عن إظْهارِ اللهِ تَعالى المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ وإلْقائِهِمْ في حَيِّزِ الهَزْمِ والذُلِّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الرُعْبَ" بِسُكُونِ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "الرُعُبُ" بِضَمِّ العَيْنِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ ﴾ فَقالَ الضَحّاكُ، والزَجّاجُ، وغَيْرُهُما: كُلَّما هَدَمَ المُسْلِمُونَ مِن تَحْصِينِهِمْ في القِتالِ هَدَمُوا هم مِنَ البُيُوتِ وجَبَرُوا الحِصْنَ دَأْبًا، فَهَذا مَعْنى تَخْرِيبِهِمْ، وقالَ الزَهْرِيُّ وغَيْرُهُ: كانُوا لِما أُبِيحَ لَهم ما تَسْتَقِلُّ بِهِ الإبِلُ لا يَدْعُونَ خَشَبَةً حَسَنَةً ولا نَجافًا ولا سارِيَةً إلّا قَلَعُوها وخَرَّبُوا البُيُوتَ عنهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأيْدِي المُؤْمِنِينَ ﴾ مِن حَيْثُ فِعْلُهم بِكُفْرِهِمْ داعِيَةٌ إلى تَخْرِيبِ المُؤْمِنِينَ بُيُوتَهُمْ، فَكَأنَّهم قَدْ خَرَّبُوها بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهم لَمّا أزْمَعُوا الجَلاءَ شَحُّوا عَلى تَرْكِ البُيُوتِ سَلِيمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فَهَدَمُوا وخَرَّبُوا لِمَعْنى الإفْسادِ عَلى مَن يَأْتِي، وقالَ قَتادَةُ: خَرَّبَ المُؤْمِنُونَ مِن خارِجٍ لِيَدْخُلُوا وخَرَّبُوا هم مِن داخِلٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يُخْرِبُونَ" بِسُكُونِ الخاءِ وتَخْفِيفِ الراءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ، والحَسَنُ -بِخِلافٍ عنهُ- وقَتادَةُ، وعِيسى: "يُخَرِّبُونَ" بِفَتْحِ الخاءِ وشَدِّ الراءِ، فَقالَ فَرِيقٌ مِنَ العُلَماءِ اللُغَوِيِّينَ: القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: "خَرِبَ" مَعْناهُ: هَدَمَ وأفْسَدَ، و"أخْرَبَ" مَعْناهُ: تَرَكَ المَوْضِعَ خَرابًا وذَهَبَ عنهُ.
ثُمَّ نَبِّهْ تَبارَكَ وتَعالى المُؤْمِنِينَ وغَيْرَهم مِمَّنْ لَهُ أنْ يَنْظُرَ عَلى نُصْرَةِ رَسُولِهِ وصُنْعِهِ لَهُ فِيمَن حادَّهُ وناوَأهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ ﴾ أيِ: العُقُولُ والأفْهامُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهم في الدُنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النارِ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشاقِّ اللهَ فَإنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ ﴿ ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أو تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ ﴾ ﴿ وَما أفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ولَكِنَّ اللهُ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مِن يَشاءُ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ أخْبَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ كَتَبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ جَلاءً، وكانَتْ بَنُو النَضِيرِ مِمَّنْ حَلَّ بِالحِجازِ عِنْدَ مَوْتِ مُوسى عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِيَسِيرٍ؛ لِأنَّهم كانُوا مِنَ الجَيْشِ الَّذِي رَجَعَ وقَدْ عَصَوْا في أنْ لَمْ يَقْتُلُوا الغُلامَ ابْنَ مَلَكِ العَمالِيقِ لِجِمالِهِ وعَقْلِهِ، وقَدْ كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهُمْ: لا تَسْتَحْيُوا أحَدًا، فَلَمّا رَجَعَ ذَلِكَ الجَيْشُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ بِالشامِ وجَدُوا مُوسى مَيِّتًا، وقالَ لَهم بَنُو إسْرائِيلَ أنْتُمْ عُصاةٌ واللهِ لا دَخَلْتُمْ عَلَيْنا بِلادَنا، فَقالَ أهْلُ ذَلِكَ الجَيْشِ إلى بَنُو إسْرائِيلَ: لَيْسَ لَنا أحَبُّ مِنَ البِلادِ الَّتِي غَلَبْنا أهْلَها، فانْصَرَفُوا إلى الحِجازِ فَكانُوا فِيهِ، فَلَمْ يَجْرِ عَلَيْهِمُ الجَلاءُ الَّذِي أجْراهُ بُخْتِنَصَّرُ عَلى أهْلِ الشامِ، وقَدْ كانَ اللهُ تَعالى كَتَبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ جَلاءً فَنالَهم هَذا الجَلاءَ عَلى يَدِي مُحَمَّدٍ ، ولَوْلا ذَلِكَ لَعَذَّبَهُمُ اللهُ في الدُنْيا بِالسَيْفِ والقَتْلِ كَأهْلِ بَدْرٍ وغَيْرِهِمْ، ويُقالُ: جَلا الرَجُلُ، وأجْلاهُ غَيْرُهُ، وقَدْ يُقالُ: أجْلى الرَجُلُ نَفْسَهُ، بِمَعْنى: جَلا.
و"المُشاقَّةُ": كَوْنُ الإنْسانِ في شِقٍّ ومُخالِفِهِ في شَقٍّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ ﴾ سَبَبُها أنَّ بَعْضَ أصْحابِ النَبِيِّ وضَعُوا أيْدِيَهم في نَخْلِ بَنِي النَضِيرِ يَقْطَعُونَ ويَحْرِقُونَ، فَقالَ بَنُو النَضِيرِ: ما هَذا الإفْسادُ يا مُحَمَّدُ وأنْتَ تَنْهى عَنِ الفَسادِ؟
فَكَفَّ عن ذَلِكَ بَعْضُ الصَحابَةِ، وذَلِكَ في صَدْرِ الحَرْبِ مَعَهُمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُعْلِمَةً أنَّ جَمِيعَ ما جَرى مِن قَطْعٍ أو إمْساكٍ فَبِإذْنِ اللهِ تَعالى، ورَدَّتِ الآيَةُ عَلى قَوْلِ بَنِي النَضِيرِ إنَّْ مُحَمَّدًا يَنْهى عَنِ الفَسادِ وها هو ذا يُفْسِدُ، فَأعْلَمَ اللهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ بِإذْنِهِ ولِيُجْزِيَ بِهِ الفاسِقِينَ مِن بَنِي النَضِيرِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "اللِينَةُ" فَقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اللِينَةُ: النَخْلَةُ، اسْمانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وجَمْعُها لِينٌ ولِيانٌ، وقالَ الشاعِرُ: وسالِفَةٌ كَسُحُوقِ اللِيانِ أضْرَمَ فِيها الغَوِيُّ السُعُرْ وَقالَ الآخَرُ: طِراقُ الخَوافِي واقِعٌ فَوْقَ لِينَةٍ ∗∗∗ نَدى لَيْلِهِ في رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وجَماعَةٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ: اللِينَةُ مِنَ النَخْلِ ما لَمْ تَكُنْ عَجْوَةً، وقالَ سُفْيانُ بْنُ سَعِيدٍ الثَوْرِيُّ: اللِينَةُ: الكَرِيمَةُ مِنَ النَخْلِ، وقالَ أبُو -عُبَيْدَةَ فِيما رُوِيَ عنهُ- وسُفْيانُ: اللِينَةُ: ما تَمْرُها لَوِنٌ، وهو نَوْعٌ مِنَ التَمْرِ يُقالُ لَهُ: اللَوْنُ، قالَ سُفْيانُ: هو شَدِيدُ الصُفْرَةِ يَشِفُّ عن نَواةٍ فَيُرى مِن خارِجٍ، وأصْلُها "لِوْنَةٌ" فَأُبْدِلَتْ لِمُوافَقَةِ الكَسْرَةِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ أيْضًا اللِينُ: ألْوانُ النَخْلِ المُخْتَلِطَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيها عَجْوَةٌ ولا نَوًى.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ: "أو تَرَكْتُمُوها قُوَّمًا عَلى أُصُولِها"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ ﴾ الآيَةُ...إعْلامٌ أنَّ ما أُخِذَ مِن بَنِي النَضِيرِ ومِن فَدَكٍ فَهو خاصٌّ لِلنَّبِيِّ ولَيْسَ عَلى حُكْمِ الغَنِيمَةِ الَّتِي يُوجِفُ عَلَيْها ويُقاتِلُ فِيها، بَلْ عَلى حُكْمِ خُمْسِ الغَنائِمِ، وذَلِكَ أنْ بَنِي النَضِيرِ لَمْ يُوجِفْ عَلَيْها ولا قُوتِلَتْ كَبِيرَ قِتالٍ، فَأخَذَ مِنها رَسُولُ اللهِ لِنَفْسِهِ قُوتَ عِيالِهِ، وقَسَّمَ سائِرَها في المُهاجِرِينَ ولَمْ يُعْطَ الأنْصارُ شَيْئًا غَيْرَ أنَّ أبا دُجانَةَ سَمّاكَ بْنَ خَرَشَةَ وسَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ شَكَيا فاقَةً عَظِيمَةً فَأعْطاهُما، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، وفي ذَلِكَ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «كانَتْ أمْوالُ بَنِي النَضِيرِ مِمّا أفاءَ اللهُ تَعالى عَلى رَسُولِ اللهِ مِمّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ ولا رِكابٍ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ يُنْفِقُ مِنها عَلى أهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وما بَقِيَ مِنها جَعَلَهُ في السِلاحِ والكُراعِ عِدَّةً في سَبِيلِ اللهِ تَعالى،» قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: وكَذَلِكَ كَلُّ ما فَتَحَ عَلى الأئِمَّةِ مِمّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ فَهو لَهم خاصَّةً، والوَجِيفُ دُونَ التَضْرِيبِ، يُقالُ وجَفَ الفُرْسُ وأوجَفَهُ الراكِبُ، والإيجافُ: سُرْعَةُ السَيْرِ والِاجْتِهادِ فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ما أفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكم وما آتاكُمُ الرَسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عنهُ فانْتَهُوا واتَّقُوا اللهُ إنَّ اللهُ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ ﴿ لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن اللهِ ورِضْوانًا ويَنْصُرُونَ اللهِ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصادِقُونَ ﴾ أهْلُ القُرى المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ هم أهْلُ الصَفْراءِ واليَنْبُوعِ ووادِي القُرى وما هُنالِكَ مِن قُرى العَرَبِ الَّتِي تُسَمّى قُرى عَرَبِيَّةً، وحُكْمُها مُخالِفٌ لِبَنِي النَضِيرِ، ولَمْ يَحْبِسْ رَسُولُ اللهِ مِن هَذِهِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، بَلْ أمْضاها لِغَيْرِهِ؛ وذَلِكَ أنَّها في ذَلِكَ الوَقْتِ فَتُحِتْ، واخْتَلَفَ الناسُ في صِفَةِ فَتْحِها -فَقِيلَ: غَزاها رَسُولُ اللهِ ، وبَعَثَ بَعْثًا إلى كُلِّ مَكانٍ فَأطاعَ وأعْطاهُ أهْلَهُ فَكانَ مِمّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ، وكانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الغَنائِمِ، ولَيْسَ في الآيَةِ نَسْخٌ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، وأعْطى رَسُولُ اللهِ جَمِيعَ ذَلِكَ لِلْمُهاجِرِينَ ولَمْ يُعْطَ الأنْصارُ مِنها شَيْئًا.
وقالَ قَتادَةُ، ويَزِيدُ بْنُ رُومانَ: كانَتْ هَذِهِ القُرى قَدْ أوجَفَ عَلَيْها ولَكِنَّ هَذا حُكْمُ ما يُوجَفُ عَلَيْهِ، ثُمَّ نَسَخَ اللهُ تَعالى هَذا الحُكْمَ بِآيَةِ الأنْفالِ فَجَعَلَ فِيها الخُمْسَ لِهَذِهِ الأصْنافِ وبَقِيَتِ الأرْبَعَةُ الأخْماسُ لِلْمُقاتِلَةِ، وآيَةُ هَذِهِ السُورَةِ لَمْ يَكُنْ فِيها لِلْمُقاتِلَةِ، وهَذا القَوْلُ يَضْعُفُ لِأنَّ آيَةَ الأنْفالِ نَزَلَتْ إثْرَ بَدْرٍ قَبْلَ بَنِي النَضِيرِ وقَبْلَ أمْرِ هَذِهِ القُرى بِسَنَةٍ ونَيِّفٍ، و"القُرْبى" في هَذِهِ الآيَةِ قُرابَةَ النَبِيِّ ، مَنَعُوا الصَدَقَةَ فَعَوَّضُوا مِنَ الفَيْءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ ﴾ مُخاطَبَةً لِلْأنْصارِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في المُهاجِرِينَ في ذَلِكَ الوَقْتِ غَنِيٌّ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "يَكُونُ" بِالياءِ، وقَرَأ ابْنُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِالتاءِ، وهِيَ"كانَ" التامَّةُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "دُولَةً" بِضَمِّ الدالِّ ونَصْبِ الهاءِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "دَوْلَةً" بِفَتْحِ الدالِّ ونَصْبِ الهاءِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: "دُولَةٌ" بِضَمِّ الدالِ والهاءِ.
وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ الكِسائِيُّ وحُذّاقُ النَظْرَةِ: الفَتْحُ في المُلْكِ: -بِضَمِّ المِيمِ- لِأنَّها الفِعْلَةُ في الدَهْرِ، والضَمُّ في المِلْكِ -بِكَسْرِ المِيمِ- والمَعْنى أنَّها كالعَوارِيِّ، فَيَتَداوَلُ الأغْنِياءُ ذَلِكَ المالَ بِتَصَرُّفاتِهِمْ ويَبْقى المَساكِينُ بِلا شَيْءٍ، ولا حَظٍّ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأمْوالِ لِيَتِيمٍ غَنِيٍّ ولا لِابْنِ سَبِيلٍ حاضِرِ المالِ، وقَدْ مَضى القَوْلُ في الغَنائِمِ في سُورَةِ [الأنْفالِ].
ورَوى أنَّ قَوْمًا مِنَ الأنْصارِ تَكَلَّمُوا في هَذِهِ القُرى المُفْتَتَحَةِ وقالُوا: لَنا مِنها سَهْمَنا، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما آتاكُمُ الرَسُولُ فَخُذُوهُ ﴾ الآيَةُ...
مُؤَدِّبًا في ذَلِكَ وزاجِرًا ثُمَّ اطَّرَدَ بَعْدَ مَعْنى الآيَةِ في أوامِرِ النَبِيِّ ونَواهِيهِ، حَتّى قالَ قَوْمٌ: إنَّ الخَمْرَ مُحَرَّمَةٌ في كِتابِ اللهِ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، وانْتَزَعَ مِنها ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لَعْنَةَ الواشِمَةِ والمُسْتَوْشِمَةِ...
الحَدِيثُ، ورَأى مُحْرِمًا في ثِيابِهِ المَخِيطَةِ فَقالَ لَهُ: اطْرَحْ هَذا عنكَ، فَقالَ لَهُ الرَجُلُ: أتَقْرَأُ عَلَيَّ بِذَلِكَ آيَةً مِن كِتابِ اللهِ تَعالى؟
فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: نَعَمْ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ" بَيانٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والمَساكِينِ وابْنِ السَبِيلِ ﴾ ، فَكَرَّرَ لامَ الجَرِّ لَمّا كانَتِ الأولى مَجْرُورَةً بِاللامِ لِيُبَيِّنَ أنَّ البَدَلَ إنَّما هو مِنها، ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِالصِفَةِ الَّتِي تَقْتَضِي فَقْرَهم وتُوجِبُ الإشْفاقَ عَلَيْهِمْ، وهي إخْراجُهم مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وجَمِيعِ المُهاجِرِينَ إمّا أخْرَجَهُمُ الكَفّارُ وإمّا أحْوالُ الكُفّارِ وظُهُورُهم وفَرْضُ الهِجْرَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ووَصَفَهم بِالفَقْرِ وإنْ كانَ لَهم بَعْضُ أمْوالٍ وهي حالُ الفَقْرِ في اللُغَةِ، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا في سُورَةِ [الكَهْفِ].
وقَوْلُهُ تَعالى: "يَبْتَغُونَ" في مَوْضِعِ الحالِ، والفَضْلُ والرِضْوانُ يُرادُ بِهِ الآخِرَةُ والجَنَّةُ، ونَصْرُ اللهِ هو نَصْرُ شَرْعِهِ ونَبِيِّهِ .
و"الصادِقُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ يَجْمَعُ صِدْقَ اللِسانِ وصِدْقَ الأفْعالِ لِأنَّ أفْعالَهم في أمْرِ هِجْرَتِهِمْ إنَّما كانَتْ وفْقَ أقْوالِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مِن هاجَرَ إلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ولا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ "الَّذِينَ تَبَوَّؤُا" هُمُ الأنْصارُ، والضَمِيرُ في "قَبْلِهِمْ" لِلْمُهاجِرِينَ، و"الدارَ" هي المَدِينَةُ، والمَعْنى: تَبَوَّءُوا الدارَ مَعَ الإيمانِ مَعًا، وبِهَذا الِاقْتِرانِ يَصِحُّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "مِن قَبْلِهِمْ" فَتَأمَّلْهُ.
والإيمانُ لا يُتَبَوَّأُ لِأنَّهُ لَيْسَ مَكانًا، ولَكِنَّ هَذا مِن بَلِيغِ الكَلامِ، ويَتَخَرَّجُ عَلى وُجُوهٍ كُلُّها جَمِيلٌ حَسَنٌ.
وأثْنى اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الأنْصارِ بِأنَّهم يُحِبُّونَ المُهاجِرِينَ رَضِيَ اللهُ عن جَمِيعِهِمْ وبِأنَّهم يُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ، وبِأنَّهم قَدْ وُقُوا شُحَّ أنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّ مُقْتَضى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ أنَّ هَؤُلاءِ المَمْدُوحِينَ قَدْ وُقُوا الشُحَّ.
و"الحاجَةُ": الحَسَدُ في هَذا المَوْضِعِ، قالَهُ الحَسَنُ، وتَعُمُّ بَعْدُ جَمِيعَ الوُجُوهِ الَّتِي هي بِخِلافِ ما فَعَلَهُ النَبِيُّ في إعْطاءِ المُهاجِرِينَ أمْوالَ بَنِي النَضِيرِ والقُرى.
و"أُوتُوا" مَعْناهُ: أُعْطُوا، والضَمِيرُ المَرْفُوعُ بِأنْ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ هو لِلْمُهاجِرِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ الآيَةُ...
صِفَةٌ لِلْأنْصارِ، وقَدْ رُوِيَ -مِن غَيْرِ ما طَرِيقٍ- أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، قالَ أبُو المُتَوَكِّلِ: هو ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في كِتابِ مَكِّيٍّ: كُنْيَةُ هَذا الرَجُلِ أبُو طَلْحَةُ، وخَلَطَ المَهْدَوِيُّ في ذِكْرِ هَذا الرَجُلِ- «نَدَبَ رَسُولُ اللهِ إلى ضِيافَةِ مُهاجِرِيٍّ، فانْتَدَبَ الأنْصارِيَّ ولَمْ يَكُنْ لَهُ مالٌ فَذَهَبَ بِالضَيْفِ وقالَ لِامْرَأتِهِ هَذا ضَيْفُ رَسُولِ اللهِ ، قالَتْ: واللهِ ما عِنْدِي إلّا قُوتُ الصِبْيَةِ، فَقالَ لَها: نَوِّمِي صِبْيانَكِ، وأطْفِئِي السِراجَ، وقَدِّمِي ما عِنْدَكِ لِلضَّيْفِ ونُوهِمُهُ أنّا نَأْكُلُ، فَفَعَلا ذَلِكَ، فَلَمّا غَدا عَلى رَسُولِ اللهِ قالَ: "عَجِبَ اللهُ مِن فِعْلِكَ البارِحَةَ"، ونَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» والإيثارُ عَلى النَفْسِ أكْرَمُ خُلُقٍ، وقالَ حُذَيْفَةُ العَدْوِيُّ: طَلَبْتُ يَوْمَ اليَرْمُوكِ ابْنَ عَمٍّ لِي في الجَرْحى ومَعِي شَيْءٌ مِن ماءٍ، فَوَجَدْتُهُ، فَقُلْتُ: أسْقِيكَ؟
فَأشارَ أنَّ نَعَمْ، فَإذا رَجُلٌ يَصِيحُ آهْ، فَأشارَ ابْنُ عَمِّي أنِ انْطَلِقْ إلَيْهِ فَإذا هو هِشامُ بْنُ العاصِ، فَقُلْتُ: أتَشْرَبُ؟
فَإذا آخَرُ يَقُولُ: آهٍ، فَأشارَ هِشامٌ أنِ انْطَلِقْ إلَيْهِ، فَجِئْتُهُ فَإذا بِهِ قَدْ فاضَتْ نَفْسُهُ، فَرَجَعْتُ إلى هِشامٍ، فَإذا هو قَدْ ماتَ، فَرَجَعْتُ إلى ابْنِ عَمِّي فَإذا هو قَدْ ماتَ، فَعَجِبْتُ مِن إيثارِهِمْ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعالى، وقالَ أبُو زَيْدٍ البَسْطامِيُّ: قَدِمَ عَلَيْنا شابٌّ مِن بَلْخٍ فَقالَ لِي: ما حَدُّ الزُهْدِ عِنْدَكُمْ؟
فَقُلْتُ: إذا فَقَدْنا صَبَرْنا، وإذا وجَدْنا شَكَرْنا، قالَ: هَذِهِ حالُ الكِلابِ عِنْدَنا بِبَلْخٍ، فَقُلْتُ فَما الزُهْدُ عِنْدَكُمْ؟
قالَ: إذا فَقَدْنا شَكَرْنا، وإذا وجَدْنا آثَرْنا.
ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ النَبِيَّ لَمّا قَسَّمَ هَذِهِ القُرى في المُهاجِرِينَ قالَ لِلْأنْصارِ: "إنْ شِئْتُمْ قَسَّمْتُمْ لِلْمُهاجِرِينَ مِن أمْوالِكم ودِيارِكم وشارَكْتُمُوهم في هَذِهِ الغَنِيمَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وَ"الخَصاصَةُ": الفاقَةُ والحاجَةُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن خَصائِصِ البَيْتِ، وهو ما يَبْقى بَيْنَ عِيدانِهِ مِنَ الفَرَجِ والفُتُوحِ، فَكَأنَّ حالَ الفَقِيرِ هي كَذَلِكَ يَتَخَلَّلُها النَقْصُ والِاحْتِياجُ، و"شُحُّ النَفْسِ" هو كَثْرَةُ طَمَعِها وضَبْطِها عَلى المالِ والرَغْبَةِ فِيهِ وامْتِدادُ الأمَلِ، هَذا جِماعُ شُحِّ النَفْسِ، وهو داعِيَةُ كُلِّ خُلُقِ سُوءٍ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ : « "مَن أدّى الزَكاةَ المَفْرُوضَةَ، وقَرى الضَيْفَ، وأعْطى في النائِبَةِ، فَقَدَ بَرِئَ مِنَ الشُحِّ".» واخْتَلَفَ الناسُ بَعْدَ هَذا الَّذِي قُلْنا، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ والعارِفُونَ بِالكَلامِ إلى هَذا، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ كانَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَطُوفُ وهو يَقُولُ: اللهُمَّ قِنِي شُحَّ نَفْسِي، لا يَزِيدُ عَلى ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: إذا وفَّيْتَهُ لَمْ أفْعَلْ سُوءًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: شُحُّ النَفْسِ فَقْرٌ لا يُذْهِبُهُ غِنى المالِ بَلْ يَزِيدُهُ ويَنْصَبُّ بِهِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وجَماعَةٌ: مَن لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا نَهاهُ اللهُ تَعالى عنهُ ولَمْ يَمْنَعِ الزَكاةَ المَفْرُوضَةَ فَقَدَ بَرِئَ مَن شُحِّ النَفْسِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: شُحُّ النَفْسِ: هو أكْلُ مالِ الغَيْرِ بِالباطِلِ، وأمّا مَنعُ الإنْسانِ مالَهُ فَهو بُخْلٌ، وهو قَبِيحٌ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ بِالشُحِّ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما" "شُحِّ" بِكَسْرِ الشِينِ.
و"يُوقَ" وزْنُهُ "يَفْعَلُ" مِن وقى يَقِي، مِثْلُ وزَنَ يَزِنُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "يُوَقِّ" بِفَتْحِ الواوِ وشَدِّ القافِ، و"المُفْلِحُونَ": الفائِزُونَ بِبُغْيَتِهِمْ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ فَقالَ الفَرّاءُ: أرادَ الفِرْقَةَ الثالِثَةَ مِنَ الصَحابَةِ وهي الَّتِي آمَنَتْ أو كَبُرَ في آخِرِ مُدَّةِ النَبِيِّ ، وقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: أرادَ مَن يَجِيءُ مِنَ التابِعِينَ وغَيْرِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَوَصَفَ اللهُ تَبارَكَ وَتَعالى القَوْلَ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَلْتَزِمَهُ كُلُّ مَن لَمْ يَكُنْ مِنَ الصَدْرِ الأوَّلِ.
وإعْرابُ "الَّذِينَ" رُفِعَ عَطْفًا عَلى "هُمُ" أو عَلى "والَّذِينَ" أو رُفِعَ بِالِابْتِداءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "يَقُولُونَ" حالٌ فِيها الفائِدَةٌ، والمُرادُ: والَّذِينَ جاءُوا قائِلِينَ كَذا، أو يَكُونُ "يَقُولُونَ" صِفَةً.
ولِهَذِهِ الآيَةِ قالَ مالِكٌ وغَيْرُهُ: إنَّهُ مَن كانَ لَهُ في أحَدٍ مِنَ الصَحابَةِ قَوْلُ سُوءٍ أو بُغْضٍ فَلا حَظَّ لَهُ في الغَنِيمَةِ أدَبًا لَهُ، وجاءَ بَعْضُ العارِفِينَ إلى عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَسَبُّوا أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، فَقالَ لَهُمْ: أمِنَ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ أنْتُمْ؟
قالُوا: لا، قالَ أفَمِنَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدارَ والإيمانَ أنْتُمْ؟
قالُوا: لا، قالَ: فَقَدْ تَبَرَّأْتُمْ مِن هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ، وأنا أشْهَدُ أنَّكم لَسْتُمْ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ الآيَةُ...
فَقُومُوا، فَعَلَ اللهُ تَعالى بِكم وفَعَلَ، وقالَ الحَسَنُ: «أدْرَكْتُ ثَلاثَمِائَةٍ مِنَ الصَحابَةِ مِنهم سَبْعُونَ بَدْرِيًّا كُلُّهم يُحَدِّثُنِي أنَّ النَبِيَّ قالَ: "مَن فارَقَ الجَماعَةَ قَيْدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإسْلامِ مِن عُنُقِهِ"،» فالجَماعَةُ أنْ لا تَسُبُّوا الصَحابَةَ، ولا تُمارُوا في دِينِ اللهِ تَعالى، ولا تُكَفِّرُوا أحَدًا مِن أهْلِ التَوْحِيدِ بِذَنْبٍ.
و"الغِلُّ": الحِقْدُ والِاعْتِقادُ الرَدِيءُ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فِي قُلُوبِنا غِمْرًا"، والغِمْرُ: الحِقْدُ: وقَدْ تَقَدَّمَ الِاخْتِلافُ في قِراءَةِ "رَؤُفٌ".
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم ولا نُطِيعُ فِيكم أحَدًا أبَدًا وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكم واللهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ ﴿ لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهم ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهم ولَئِنْ نَصَرُوهم لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ لأنْتُمْ أشَدُّ رَهْبَةً في صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، ورِفاعَةَ بْنِ التابُوتِ، وقَوْمٍ مِن مُنافِقِي الأنْصارِ كانُوا بَعَثُوا إلى بَنِي النَضِيرِ وقالُوا لَهُمْ: اثْبُتُوا في مَعاقِلِكم فَإنّا مَعَكم كَيْفَما تَقَلَّبَتْ حالُكُمْ، وإنَّما أرادُوا بِذَلِكَ أنْ تَقْوى نُفُوسُهم عَسى أنْ يَثْبُتُوا حَتّى لا يَقْدِرَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَلَيْهِمْ فَيَتِمُّ لَهم مُرادُهُمْ، وكانُوا كِذْبَةً فِيما قالُوا مِن ذَلِكَ، ولِذَلِكَ لَمْ يَخْرُجُوا حِينَ أُخْرِجَ بَنُو النَضِيرِ بَلْ قَعَدُوا في دِيارِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ ﴾ مَعْناهُ: ولَئِنْ حاوَلُوا نَصْرَهم فَإنَّهم يَنْهَزِمُونَ ثُمَّ لا يَنْصُرُ اللهُ تَعالى أحَدًا مِنهم.
وجاءَتِ الأفْعالُ غَيْرُ مَجْزُومَةٍ في قَوْلِهِ تَعالى: "لا يَخْرُجُونَ" و"لا يَنْصُرُونَهُمْ" لِأنَّها راجِعَةٌ عَلى حُكْمِ القِسْمِ لا عَلى حُكْمِ الشَرْطِ، وفي هَذا نَظَرٌ.
ثُمَّ خاطَبَ تَعالى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ مُخْبِرًا أنَّ اليَهُودَ والمُنافِقِينَ أشَدُّ خَوْفًا مِنَ المُؤْمِنِينَ مِنهم مَنِ اللهِ تَعالى لِأنَّهم يَتَوَقَّعُونَ عاجِلَ الشَرِّ مِنَ المُؤْمِنِينَ ولا يُؤْمِنُونَ بِآجِلِ العَذابِ مِنَ اللهِ تَعالى، وذَلِكَ لِقِلَّةِ فَهْمِهِمْ بِالأُمُورِ وتَوْفِيقِهِمْ لِلْحَقِّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا يُقاتِلُونَكم جَمِيعًا إلا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ أو مِن وراءِ جُدُرٍ بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ كَمَثَلِ الشَيْطانِ إذْ قالَ لِلإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللهَ رَبَّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النارِ خالِدَيْنِ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ الظالِمِينَ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لا يُقاتِلُونَكُمْ" لَبَنِي النَضِيرِ وجَمِيعِ اليَهُودِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ اليَهُودُ والمُنافِقِينَ؛ لِأنَّ دُخُولَ المُنافِقِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى ﴾ مُتَمَكِّنٌ بَيِّنٌ، ومَعْنى الآيَةِ: لا يُقاتِلُونَكم في جَيْشٍ بِفَحْصٍ، و"القُرى": المُدُنُ، قالَ الفَرّاءُ: هَذا جَمْعٌ شاذٌّ، قالَ الزَجّاجُ: ما في القُرْآنِ فَلَيْسَ بِشاذٍّ، وهو مِثْلُ: ضَيْعَةٌ وضِيَعٌ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وكَثِيرٌ مِنَ المَكِّيِّينَ: "جِدًّا" عَلى مَعْنى الجِنْسِ، وقَرَأ كَثِيرٌ مِنَ المَكِّيِّينَ، وهارُونُ عَنِ ابْنِ كَثِرٍ: "جُدْ" بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ الدالِ، ومَعْناهُ: أصْلُ بُنْيانٍ كالسُورِ ونَحْوِهِ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ القُرّاءِ: "جُدُرٌ" بِضَمِّ الجِيمِ والدالِ، وهو جَمْعُ جِدارٍ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وأبُو حَيْوَةَ: "جُدْرٌ" بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ الدالِ، وهو تَخْفِيفٌ في جَمْعِ جِدارٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن جُدُرِ النَخِيلِ، أيْ: مِن وراءِ نَخْلِهِمْ إذْ هي مِمّا يُتَّقى بِهِ عِنْدَ المُضايَقَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ ﴾ أيْ: في غائِلَتِهِمْ وأحِبَّتِهِمْ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم أشَتُّ"، وهَذِهِ حالُ الجَماعاتِ المُتَخاذِلَةِ، وهي المَغْلُوبَةُ أبَدًا في كُلِّ ما تُحاوِلُ، واللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشَتاتِ وهو التَفَرُّقُ ونَحْوُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ مَعْناهُ: مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هم بَنُو قَيْنُقاعٍ؛ لِأنَّ النَبِيَّ أجْلاهم عَنِ المَدِينَةِ قَبْلَ بَنِي النَضِيرِ، وكانُوا مَثَلًا لَهُمْ، وقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ ؛ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلُ بَدْرٍ الكُفّارُ؛ فَإنَّهم قَبْلَهم ومَثَلٌ لَهم في أنْ غَلَبُوا وقَهَرُوا، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ لِلْمُنافِقِينَ، وهم مُنافِقُوا الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ؛ وذَلِكَ أنَّهم غُلِبُوا ونالَتْهُمُ الذِلَّةُ عَلى وجْهِ الدَهْرِ، فَهم مَثَلٌ لِهَؤُلاءِ، ولَكِنَّ قَوْلُهُ تَعالى: "قَرِيبًا" إمّا أنْ يَكُونَ في زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وإلّا فالتَأْوِيلُ المَذْكُورُ يُضْعِفُ، إلّا أنْ يَجْعَلَ "قَرِيبًا" ظَرْفًا لِلذَّوْقِ، فَيَكُونُ التَقْدِيرُ: ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ قَرِيبًا مِن عِصْيانِهِمْ وبِحِدْثانِهِ، ولا يَكُونُ المَعْنى أنَّ المَثَلَ قَرِيبٌ في الزَمَنِ مِنَ المُمَثِّلِ لَهُ، وعَلى كُلِّ تَأْوِيلٍ فَـ "قَرِيبًا" ظَرْفٌ أو نَعْتٌ لِظَرْفٍ.
و"الوَبالُ": الشِدَّةُ والمَكْرُوهُ وعاقِبَةُ السُوءِ، و"العَذابُ الألِيمُ" هو في الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كَمَثَلِ الشَيْطانِ" مَعْناهُ: مَثَلُ هاتَيْنِ الفِرْقَتَيْنِ مِنَ المُنافِقِينَ وبَنِي النَضِيرِ كَمَثَلِ الشَيْطانِ والإنْسانِ، فالمُنافِقُونَ مَثَلُهُمُ الشَيْطانُ، وبَنُو النَضِيرِ مَثَلُهُمُ الإنْسانُ، وذَهَبَ مُجاهِدٌ وجُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ إلى أنَّ الشَيْطانَ والإنْسانَ في هَذِهِ الآيَةِ أسْماءُ جِنْسٍ؛ لِأنَّ العُرْفَ أنْ يَعْمَلَ هَذا شَياطِينٌ بِناسٍ، كَما يَغْوِي الشَيْطانُ الإنْسانَ ثُمَّ يَفِرُّ مِنهُ بَعْدَ أنْ يُوَرِّطَهُ، كَذَلِكَ أغْوى المُنافِقُونَ بَنِي النَضِيرِ وحَرَّضُوهم عَلى الثُبُوتِ ووَعَدُوهُمُ النَصْرَ، فَلَمّا غَدَرَ بَنُو النَضِيرِ وكَشَفُوا عن وُجُوهِهِمْ، تَرَكَهُمُ المُنافِقُونَ في أسْوَأِ حالٍ، وذَهَبَ قَوْمٌ مِن رُواةِ القِصَصِ أنَّ هَذا في شَيْطانٍ مَخْصُوصٍ، وذَكَرَ الزَجّاجُ أنَّ اسْمَهُ بَرْصِيصا، قالُوا: إنَّهُ اسْتَوْدَعَ امْرَأةً، وقِيلَ: سِيقَتْ إلَيْهِ لِيَشْفِيَها بِدُعائِهِ مِنَ الجُنُونِ، فَسَوَّلَ لَهُ الشَيْطانُ الوُقُوعَ عَلَيْها، فَحَمَلَتْ، فَخَشِيَ الفَضِيحَةَ، فَسَوَّلَ لَهُ قَتْلُها ودَفْنُها، فَفَعَلَ، ثُمَّ شَهَرَهُ، فَلَمّا اسْتَخْرَجَتِ المَرْأةُ وحُمِلَ العابِدُ شَرَّ حَمْلٍ، وهو قَدْ قالَ: إنَّها ماتَتْ فَقُمْتُ عَلَيْها ودَفَنْتُها، فَلَمّا وُجِدَتْ مَقْتُولَةً عَلِمُوا كَذِبَهُ، فَتَعَرَّضَ لَهُ الشَيْطانُ وقالَ لَهُ: اكْفُرْ واسْجُدْ لِي وأُنْجِيكَ، فَفَعَلَ، وتَرَكَهُ عِنْدَ ذَلِكَ وقالَ: إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ.
وهَذا كُلُّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ هو وجْهُ الكَلامِ، وقَوْلُ الشَيْطانِ "إنِّي أخافُ اللهَ" رِياءٌ وسُمْعَةٌ، ولَيْسَتْ عَلى ذَلِكَ عَقِيدَتُهُ، ولا يَعْرِفُ اللهُ تَعالى حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، ولا يَحْجِزُهُ خَوْفُهُ عن سُوءٍ يُوقِعُ فِيهِ ابْنَ آدَمَ مِن أوَّلٍ إلّا آخِرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكانَ عاقِبَتَهُما ﴾ الآيَةُ، يُحْتَمَلُ الضَمِيرُ أنْ يَعُودَ عَلى المَخْصُوصِينَ المَذْكُورِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمَيِ الجِنْسَيْنِ، أيْ: هَذا هو عاقِبَةُ كُلِّ شَيْطانٍ وإنْسانٍ يَكُونُ أمْرُهُما هَكَذا، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "عاقِبَتُهُما" بِالرَفْعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ "عاقِبَتَهُما" بِالنَصْبِ، ومَوْضِعُ "أنْ" يُخالِفَ إعْرابَ "العاقِبَةِ" في القِراءَتَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ: "خالِدانِ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ "أنَّ"، والظَرْفُ مُلْغًى، ويَلْحَقُ هَذِهِ القِراءَةَ مِنَ الِاعْتِراضِ إلْغاءُ الظَرْفِ مَرَّتَيْنِ، قالَهُ الفَرّاءُ، وذَلِكَ جائِزٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ عَلى التَأْكِيدِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأنْساهم أنْفُسَهم أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ ﴿ لا يَسْتَوِي أصْحابُ النارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ ﴾ ﴿ لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللهِ وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ ﴾ هَذِهِ آيَةُ وعْظٍ وتَذْكِيرٍ وتَقْرِيبٍ لِلْآخِرَةِ، وتَحْذِيرٍ مِمَّنْ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَلْتَنْظُرْ" بِسُكُونِ اللامِ وجَزْمِ الراءِ عَلى أصْلِ لامِ الأمْرِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ، وأبُو حَيْوَةَ، وفِرْقَةٌ كَذَلِكَ الأمْرُ، إلّا أنَّها كُسِرَتْ عَلى أصْلِ لامَ الأمْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "وَلِتَنْظُرَ" بِنَصْبِ الراءِ عَلى لامِ "كَيْ"، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وأمَرْنا بِالتَقْوى لِتَنْظُرُوا، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: اتَّقُوا اللهَ ولْتَكُنْ تَقْواكم لِتَنْظُرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "لِغَدٍ" يُرِيدُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ قَتادَةُ: قَرَّبَ اللهُ تَعالى القِيامَةَ حَتّى جَعَلَها غَدًا، وذَلِكَ لِأنَّها آتِيَةٌ لا مَحالَةَ، وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَعالى بِقَوْلِهِ:"لِغَدٍ" لِيَوْمِ المَوْتِ لِأنَّهُ لِكُلِّ إنْسانٍ كَغَدِهِ، ومَعْنى الآيَةِ: ما قَدَّمْتَ مِنَ الأعْمالِ، فَإذا نَظَرَها الإنْسانُ تَزِيدُ مِنَ الصالِحاتِ وكَفَّ عَنِ السَيِّئاتِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: الأمْسُ الدُنْيا وغَدٌ الآخِرَةُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلا تَكُونُوا" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ عَلى مُخاطَبَةِ جَمِيعِ الَّذِينَ آمَنُوا، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "يَكُونُوا" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، كِنايَةٌ عن "نَفْسِ" الَّتِي هي اسْمُ الجِنْسِ، و"الَّذِينَ نَسُوا اللهَ" هُمُ الكُفّارُ، والمَعْنى: تَرَكُوا اللهَ وغَفَلُوا عنهُ حَتّى كانُوا كالناسِينَ، وعَبَّرَ تَعالى عَمّا حَفَّهم بِهِ مِنَ الضَلالَةِ بـ "فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ"، سَمّى عُقُوبَتَهم بِاسْمِ ذَنْبِهِمْ بِوَجْهٍ ما، وهَذا أيْضًا هو الجَزاءُ بِالذَنْبِ عَلى الذَنْبِ، فَكَسَبُوا هم نِسْيانَ جِهَةِ اللهِ تَعالى.
فَعاقَبَهُمُ اللهُ تَعالى بِأنْ جَعَلَهم يَنْسَوْنَ أنْفُسَهُمْ، قالَ سُفْيانُ: المَعْنى: حَظُّ أنْفُسِهِمْ، ويُعْطِي لَفْظَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن عَرَفَ نَفْسَهُ ولَمْ يُنْسِها عَرَفَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ، وقَدْ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ: اعْرَفْ نَفْسَكَ تَعْرِفْ رَبَّكَ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اعْرَفْ نَفْسَكَ تَعْرِفْ رَبَّكَ، ورَوى عنهُ أنَّهُ قالَ أيْضًا: مَن لَمْ يَعْرِفْ نَفْسَهُ لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَلا أصْحابَ الجَنَّةِ" بِزِيادَةِ "لا".
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ ﴾ الآيَةُ...
مَوْعِظَةٌ لِلْإنْسانِ، أو ذَمٌّ لِأخْلاقِهِ في غَفْلَتِهِ وإعْراضِهِ عن داعِيَةِ اللهِ تَعالى، وذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ عَلَيْهِمْ وفَهِمُوهُ وأعْرَضُوا عنهُ، وهو لَوْ نَزَلَ عَلى جَبَلٍ وفَهِمَ الجَبَلُ مِنهُ ما فَهِمَ الإنْسانُ لَخَشَعَ واسْتَكانَ وتَصَدَّعَ مِن خَشْيَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وإذا كانَ الجَبَلُ عَلى عِظَمِهِ وقُوَّتِهِ يَفْعَلُ هَذا فَما عَسى أنْ يَحْتاجَ ابْنُ آدَمَ يَفْعَلُ، لَكِنَّهُ يُعْرِضُ ويَصُدُّ عَلى حَقارَتِهِ وضَعْفِهِ، وضَرَبَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى هَذا المَثَلَ لِيَتَفَكَّرَ فِيهِ العاقِلُ ويَخْشَعَ ويَلِينَ قَلْبُهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "مُصَّدِّعًا" عَلى إدْغامِ التاءِ في الصادِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ هُوَ اللهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ هو الرَحْمَنُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ هُوَ اللهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ هُوَ اللهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ لَمّا قالَ تَعالى: ﴿ مِن خَشْيَةِ اللهِ ﴾ جاءَ بِالأوصافِ الَّتِي تُوجِبُ لِمَخْلُوقاتِهِ هَذِهِ الخَشْيَةُ، و"الغَيْبُ" ما غابَ عَنِ المَخْلُوقِينَ، و"الشَهادَةُ": ما شاهَدُوهُ، وقالَ حَرْبُ المَكِّيُّ: الغَيْبُ الآخِرَةُ والشَهادَةُ الدُنْيا، قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "القُدُّوسُ" بِضَمِّ القافِ، وهو فِعْلٌ مِن تَقَدَّسَ إذا تَطَهَّرَ، وحَظِيرَةُ القُدْسِ الجَنَّةُ لِأنَّها طاهِرَةٌ، ومِنهُ: رُوحُ القُدُسِ، ومِنهُ الأرْضُ المُقَدَّسَةُ، بَيْتُ المَقْدِسِ، ورُوِيَ عن أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "القُدُّوسُ" بِفَتْحِ القافِ، وهي لُغَةٌ.
و"السَلامُ" مَعْناهُ: الَّذِي سُلِمَ مِن جَوْرِهِ، وهَذا اسْمٌ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذُو السَلامِ، لِأنَّ الإيمانَ بِهِ وتَوْحِيدَهُ وأفْعالَهُ هي لِمَن آمَنَ سَلامٌ كُلُّها.
و"المُؤْمِنُ" اسْمُ فاعِلٍ مِن "آمَنَ" بِمَعْنى "أمَّنَ" وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ثَعْلَبُ مَعْناهُ: المُصَدِّقُ لِلْمُؤْمِنِينَ في أنَّهم آمَنُوا، قالَ النَحّاسُ: أو في شَهادَتِهِمْ عَلى الناسِ في القِيامَةِ، وقالَ ناسٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: مَعْناهُ: المُصَدِّقُ نَفْسَهُ في أقْوالِهِ الأزَلِيَّةِ، لا إلَهَ غَيْرُهُ، و"المُهَيْمِنُ" مَعْناهُ: الأمِينُ والحَفِيظُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ مُؤَرَّجٌ: المُهَيْمِنُ: الشاهِدُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، وهَذا بِناءٌ لَمْ يَجِئْ مِنهُ في الصِفاتِ إلّا مُهَيْمِنٌ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ ومُبَيْطِرٌ، وجاءَ مِنهُ في الأسْماءِ "مُحَيْمِرٌ" وهو اسْمُ وادٍ و"مُدَيْبِرٌ".
و"الجَبّارُ" هو الَّذِي لا يُدانِيهِ شَيْءٌ ولا يَلْحَقُ رُتْبَتَهُ، ومِنهُ "نَخْلَةٌ جَبّارَةٌ" إذا لَمْ تَلْحَقْ، وأنْشَدَ الزَهْراوِيُّ: أطافَتْ بِهِ جِيلانُ عِنْدَ قِطافِهِ ورَدَّتْ إلَيْهِ الماءَ حَتّى تُجَبَّرا و"المُتَكَبِّرُ" مَعْناهُ: الَّذِي لَهُ التَكَبُّرُ حَقًّا.
ثُمَّ نَزَّهَ اللهُ تَعالى نَفْسَهُ عن إشْراكِ الكَفّارِ بِهِ الأصْنامَ الَّتِي لَيْسَ لَها شَيْءٌ مِن هَذِهِ الصِفاتِ، و"البارِئُ" بِمَعْنى: الخالِقُ، بَرَأ اللهُ تَعالى الخَلْقَ، أيْ: أوَجَدَهُمْ، و"المُصَوِّرُ" هو الَّذِي يُوجِدُ الصُوَرَ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "المُصَوِّرُ"، عَلى إعْمالِ "البارِئِ" فِيهِ، وهي حَسَنَةٌ، يُرادُ بِها الحَسَنُ في الصُوَرِ، وقالَ قَوْمٌ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنَّهُ قَرَأ: "المُصَوَّرِ" بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِ الراءِ، عَلى قَوْلِهِمْ: "الحَسَنُ الوَجْهِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ أيْ: ذاتُ الحُسْنِ في مَعانِيها القائِمَةِ بِذاتِهِ لا إلَهَ إلّا هُوَ، وهَذِهِ الأسْماءُ هي الَّتِي حَصَرَها رَسُولُ اللهِ بِقَوْلِهِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةٌ إلّا واحِدًا، مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ"،»، وقَدْ ذَكَرَها التِرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ مُسْنَدَةً، واخْتَلَفَ الرُواةُ في بَعْضِها، ولَمْ يَصِحَّ فِيها شَيْءٌ إلّا إحْصاؤُها دُونَ تَعْيِينٍ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الحَشْرِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.