الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الممتحنة
تفسيرُ سورةِ الممتحنة كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 38 دقيقة قراءةبِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُمْتَحَنَةِ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أولِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَسُولَ وإيّاكم أنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكم إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وأنا أعْلَمُ بِما أخْفَيْتُمْ وما أعْلَنْتُمْ ومَن يَفْعَلْهُ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَبِيلِ ﴾ "العَدُوُّ" اسْمٌ يَقَعُ لِلْجَمْعِ والمُفْرِدِ، والمُرادُ بِهِ هاهُنا كَفّارُ قُرَيْشٍ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ أرادَ الخُرُوجَ إلى مَكَّةَ عامَ الفَتْحِ، فَوَرى عن ذَلِكَ بِخَيْبَرَ، فَشاعَ في الناسِ أنَّهُ خارِجٌ إلى خَيْبَرَ، وأخْبَرَ هو جَماعَةً مِن أصْحابِهِ بِقَصْدِهِ إلى مَكِّهَ، مِنهم حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ، فَكَتَبَ حاطِبٌ إلى قَوْمٍ مِن كَفّارِ مَكَّةَ يُخْبِرُهم بِقَصْدِ رَسُولِ اللهِ إيّاهُمْ، فَجاءَ الخَبَرُ إلى رَسُولِ اللهِ بِذَلِكَ فَبَعَثَ عَلِيًّا والزُبَيْرَ وثالِثًا، قِيلَ هو المِقْدادُ، وقِيلَ أبُو مِرْثَدٍ، وقالَ: انْطَلِقُوا حَتّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خاخٍ، فَإنَّ بِها ظَعِينَةً مَعَها كِتابُ مِن حاطِبٍ إلى المُشْرِكِينَ، فانْطَلَقُوا حَتّى وجَدُوا المَرْأةَ، واسْمُها سارَّةٌ، مَوْلاةٌ لِقَوْمٍ مِن قُرَيْشٍ، وقِيلَ بَلْ كانَتِ امْرَأةً مِن مُزَيْنَةَ ولَمْ تَكُنْ سارَّةً، فَقالُوا لَها: أخْرِجِي الكِتابَ، فَقالَتْ: ما مَعِي كِتابٌ، فَفَتَّشُوا جَمِيعَ رَحْلِها فَما وجَدُوا شَيْئًا، فَقالَ بَعْضُهُمْ: ما مَعَها كِتابٌ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما كَذَبَ رَسُولُ اللهِ ولا كُذِّبَ، واللهِ لِتُخْرِجَنَّ الكِتابَ أو لِنُجَرِّدَنَّكِ، فَقالَتْ: أعْرِضُوا عَنِّي، فَحَلَّتْهُ مِن قُرُونِ رَأْسِها، وقِيلَ: أخْرَجَتْهُ مَن حَجْزَتِها، فَجاءُوا بِهِ رَسُولَ اللهِ ، فَقالَ لِحاطِبٍ: مَن كَتَبَ هَذا؟
فَقالَ أنا يا رَسُولَ اللهِ، ولَكِنْ لا تَعْجَلْ عَلَيَّ، فَواللهِ ما فَعَلْتُ ذَلِكَ ارْتِدادًا عن دِينِي ولا رَغْبَةً عنهُ، ولَكِنِّي كُنْتُ امْرَءًا مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ ولَمْ أكُنْ مِن أنْفُسِها، فَأحْبَبْتُ أنْ تَكُونَ لِي عِنْدَهم يَدٌ يَرْعَوْنَنِي بِها في قَرابَتِي، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: دَعْنِي يا رَسُولَ اللهِ أضْرِبُ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ "صَدَقَ حاطِبٌ، إنَّهُ مِن أهْلِ بَدْرٍ، وما يُدْرِيكَ يا عُمَرُ لَعَلَّ اللهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ، ولا تَقُولُوا لِحاطِبٍ إلّا خَيْرًا"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ لِهَذا السَبَبِ.» ورُوِيَ أنْ حاطِبًا كَتَبَ: "إنَّ رَسُولَ اللهِ يُرِيدُ غَزْوَكم في مِثْلِ اللَيْلِ، والسَيْلِ، وأُقْسِمُ بِاللهِ لَوْ غَزاكم وحْدَهُ لَنَصَرَ عَلَيْكم فَكَيْفَ وهو في جَمٍّ كَثِيرٍ".
و"تُلْقُونَ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "أولِياءَ"، و"ألْقَيْتُ" يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ وبِغَيْرِ حَرْفِ جَرٍّ، فَدُخُولُ الباءِ وزَوالُها سَواءٌ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُعْبَ ﴾ ، ورَوى المُعَلّى عن عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: وقَدْ "كَفَرُوا لِما" بِلامٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: "يُخْرِجُونَ" في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "كَفَرُوا" والمَعْنى: يُخْرِجُونَ الرَسُولَ ويُخْرِجُونَكُمْ، وهي حالٌ مُؤَكَّدَةٌ، فَلِذَلِكَ ساقَ الفِعْلَ مُسْتَقْبَلًا والإخْراجُ قَدْ مَرَّ، وتَضْيِيقُ الكُفّارِ عَلى النَبِيِّ والمُؤْمِنِينَ إخْراجٌ إذْ كانَ مُؤَدِّيًا إلى الإخْراجِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْ تُؤْمِنُوا"" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ: أخْرِجُوكم مِن أجْلِ أنْ آمَنتُمْ بِرَبِّكُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنْ كُنْتُمْ" شَرْطٌ جَوابُهُ مُتَقَدِّمٌ في مَعْنى ما قَبْلُهُ، وجازَ ذَلِكَ لِما لَمْ يَظْهَرْ عَمَلُ الشَرْطِ، والتَقْدِيرُ: إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي فَلا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أولِياءَ، و"جِهادًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وكَذَلِكَ "ابْتِغاءَ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، و"المَرْضاةُ" مَصْدَرٌ كالرِضى، و"تُسِرُّونَ" بَدَلٌ مِن "تُلْقُونَ"، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ خَبَرٍ ابْتِداءً، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: أنْتُمْ تُسِرُّونَ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ فِعْلًا مُرْسَلًا ابْتَدَأ بِهِ القَوْلُ، والإلْقاءُ بِالمَوَدَّةِ مَعْنى ما، والإسْرارُ بِها مَعْنًى زائِدٌ عَلى الإلْقاءِ، فَتَرْجِعُ بِهَذا أنَّ "تُسِرُّونَ" فِعْلٌ ابْتُدِئَ بِهِ القَوْلُ، أيْ: تَفْعَلُونَ ذَلِكَ وأنا أعْلَمُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "أعْلَمُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "أفْعَلُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا لِأنَّكَ تَقُولُ "عَلِمْتُ بِكَذا" فَتَدْخُلُ الباءُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأنا أعْلَمُ" الآيَةُ...
جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ: و"أنا" بِإشْباعِ الألِفِ في الإدْراجِ، وقَرَأ غَيْرُهم "وَأنا" بِطَرْحِ الألِفِ في الإدْراجِ.
والضَمِيرُ في "يَفْعَلُهُ" عائِدٌ عَلى الِاتِّخاذِ المَذْكُورِ، و"سَواءٌ" يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَفْعُولًا بـِ "ضَلَّ"، وذَلِكَ عَلى تَعَدِّي "ضَلَّ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا عَلى غَيْرِ التَعَدِّي لِأنَّهُ يَجِيءُ بِالوَجْهَيْنِ، والأوَّلُ أحْسَنُ في المَعْنى، و"السَواءُ": الوَسَطُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَتَساوى نِسْبَتُهُ إلى أطْرافِ الشَيْءِ، و"السَبِيلُ" هُنا شَرْعُ اللهِ تَعالى وطَرِيقُ دِينِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُوءِ ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ﴾ ﴿ لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أولادُكم يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكم واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ﴿ قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكم وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وحْدَهُ إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وما أمْلِكُ لَكَ مِن اللهِ مِن شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ ﴾ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ مُداراةَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ غَيْرُ نافِعَةٍ في الدُنْيا وأنَّها ضارَّةٌ في الآخِرَةِ، لِيُبَيِّنَ فَسادَ رَأْيِ مَصانِعِهِمْ، فَقالَ تَعالى: "إنْ يَثْقَفُوكُمْ" أيْ: إنْ يَتَمَكَّنُوا مِنكم وتَحْصُلُوا في ثِقِافِهِمْ ظَهَرَتِ العَداوَةُ وانْبَسَطَتْ أيْدِيهِمْ بِضَرَرِكم وقَتْلِكُمْ، وألْسِنَتِهم بِسَبِّكُمْ، وهَذا هو السُوءُ، وأشَدُّ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّهم إنَّما يُقْنِعُهم مِنكم أنْ تَكْفُرُوا، وهَذا هو وِدُّهم.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الأرْحامَ الَّتِي رَغِبْتُمْ في وصْلِها لَيْسَتْ بِنافِعَةٍ يَوْمَ القِيامَةِ، فالعامِلُ في "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: "تَنْفَعَكُمْ"، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ في كِتابِ الزَهْراوِيِّ: العامِلُ فِيهِ "يَفْصِلُ" وهو مِمّا بَعْدَهُ لا مِمّا قَبْلَهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والعامَّةُ: "يَفْصِلُ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الفاءِ وتَخْفِيفِ الصادِ مَفْتُوحَةً، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والأعْرَجُ، وعِيسى: "يُفَصَّلُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الفاءِ وشَدِّ الصادِ مَنصُوبَةً، واخْتَلَفَ -عَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ- في إعْرابِ قَوْلِهِ تَعالى: "بَيْنَكُمْ" فَقِيلَ: نُصِبَ عَلى الظَرْفِ، وقِيلَ: رُفِعَ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ إلّا أنَّ لَفْظَهُ بَقِيَ مَنصُوبًا لِأنَّهُ كَذَلِكَ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ، وقَرَأ عاصِمٌ، والأعْمَشُ: "يَفْصِلُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الفاءِ وكَسْرِ الصادِ خَفِيفَةً، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ: "يُفَصِّلُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الفاءِ وشَدِّ الصادِ المَكْسُورَةِ، وإسْنادِ الفِعْلِ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ النَخْعِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "نُفَصِّلُ" بِنُونِ العَظَمَةِ مَرْفُوعَةً وفَتْحِ الفاءِ وشَدِّ الصادِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ وعِيدٌ وتَحْذِيرٌ.
وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "إسْوَةٌ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ: "أُسْوَةٌ" بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ، والمَعْنى: قُدْوَةٌ وإمامٌ، ومِثالٌ، و"إبْراهِيمُ" هو خَلِيلُ الرَحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ واخْتَلَفَ الناسُ في "الَّذِينَ مَعَهُ"، فَقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: أرادَ مَن آمَنَ بِهِ مِنَ الناسِ، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: أرادَ الأنْبِياءَ الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِهِ عَلَيْهِ السَلامُ وقَرِيبًا مِن عَصْرِهِ، وهَذا القَوْلُ أرْجَحُ لِأنَّهُ لَمْ يَرْوِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ لَهُ أتْباعٌ مُؤْمِنُونَ في مُكافَحَتِهِ نَمْرُوذَ، وفي البُخارِيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ لِسارَّةَ حِينَ رَحَلَ بِها إلى الشامِ مُهاجِرًا مِن بَلَدٍ النَمْرُوذِ: ما عَلى الأرْضِ مَن يَعْبُدُ اللهَ غَيْرِي وغَيْرُكَ، وهَذِهِ الأُسْوَةُ مُفِيدَةٌ في التَبَرِّي مِنَ الإشْراكِ وهو مُطَّرِدٌ في كُلِّ مِلَّةٍ، وفي نَبِيِّنا صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ عَلى الإطْلاقِ لِأنَّها في العَقائِدِ وفي أحْكامِ الشَرْعِ كُلِّها.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "بُرَءاءُ" عَلى وزْنٍ فُعَلاءُ، والهَمْزَةُ الأُولى لامُ الفِعْلِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "بِراءٌ" عَلى وزْنِ فِعالٌ، بِكَسْرِ الباءِ كَكَرِيمٍ وكِرامٍ، وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ: "بُراءُ" عَلى وزْنِ فُعالٍ بِضَمِّ الفاءِ كَتُؤامٍ، وقَدْ رُوِيَتْ عن عِيسى قِراءَةً، قالَ أبُو حاتِمٍ: زَعَمُوا أنَّهُ عِيسى الهَمْدانِيُّ-، "وَيَجُوزُ": "بَراءٌ" عَلى المَصْدَرِ بِفَتْحِ الباءِ، يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ والإفْرادُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كَفَرْنا بِكُمْ" مَعْناهُ: كَذَّبْناكم في أقْوالِكم ولَمْ نُؤْمِن بِشَيْءٍ مِنها، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ حِكايَةً عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: « "فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِي كافِرٌ بِالكَوْكَبِ"،» ولَمْ يُلْحَقِ العَلامَةُ في "بَدا" لِأنَّ تَأْنِيثَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ.
ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى اسْتِغْفارَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام لِأبِيهِ، فَذَكَرَ أنَّهُ كانَ عن مَوْعِدَةٍ، وقَدْ فَسَّرْنا ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ، وهَذا اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، والمَعْنى عند مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ، وغَيْرِهِمْ أنَّ الأُسْوَةَ لَكم في هَذا الوَجْهِ لا في هَذا الآخَرِ لِأنَّهُ كانَ في عِلَّةٍ لَيْسَتْ في نازِلَتِكُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ التَبَرِّي والقَطِيعَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ، أيْ: لَمْ تَبْقَ صِلَةٌ إلّا كَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا ﴾ الآيَةُ...
حِكايَةٌ عن قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ والَّذِينَ مَعَهُ إنَّهُ هَكَذا كانَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا واغْفِرْ لَنا رَبَّنا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللهَ واليَوْمَ الآخِرَ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ ﴾ ﴿ عَسى اللهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً واللهُ قَدِيرٌ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا ﴾ الآيَةُ...
حِكايَةٌ عن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَن مَعَهُ، والمَعْنى: لا تَغْلِبُهم عَلَيْنا، فَنَكُونُ لَهم فِتْنَةً وسَبَبَ ضَلالَةٍ لِأنَّهم يَتَمَسَّكُونَ بِكُفْرِهِمْ ويَقُولُونَ: إنَّما غَلَبْناهم لِأنّا عَلى الحَقِّ وهم عَلى الباطِلِ، نَحا هَذا المَعْنى قَتادَةُ، وأبُو مَجْلَزٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لا تُسَلِّطُهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا عن أدْيانِنا فَكَأنَّهُ قالَ: لا تَجْعَلْنا مَفْتُونِينَ، فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِالمَصْدَرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ لِأنَّهم إنَّما دَعَوْا لِأنْفُسِهِمْ، وعَلى مَنحى قَتادَةَ إنَّما دَعَوْا لِلْكُفّارِ، أمّا أنَّ مَقْصِدَهم إنَّما هو أنْ يَنْدَفِعَ عنهم ظُهُورُ الكُفّارِ الَّذِي يُسَبِّبُهُ فِتَنُ الكُفّارِ، فَجاءَ في المَعْنى تَحْلِيقٌ بَلِيغٌ، ونَحْوُهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "بِئْسَ المَيِّتُ سَعْدٌ "» لِيَهُودٍ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا لَمْ يَمُتْ صاحِبُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ كانَ لَكُمْ ﴾ الآيَةُ...
خَطابٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "لِمَن" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ "لَكُمْ"، وكَرَّرَ حَرْفَ الجَرِّ لِيَتَحَقَّقَ البَدَلُ، وذَلِكَ عُرْفُ هَذِهِ المُبْدَلاتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ ﴾ ، وهو في القُرْآنِ كَثِيرٌ، وأكْثَرُ ما يَلْزَمُ مِنَ الحُرُوفِ اللامُ، ثُمَّ أعْلَمَ تَعالى بِاسْتِغْنائِهِ عَنِ العِبادَةِ، وأنَّهُ الحَمِيدُ في ذاتِهِ وأفْعالِهِ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ كُفْرُ كافِرٍ ولا نِفاقُ مُنافِقٍ.
ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ لَمّا نَزَلَتْ وأزْمَعَ المُؤْمِنُونَ امْتِثالَ أمْرِها وصَرْمَ حِبالِ الكَفَرَةِ وإظْهارِ عَداوَتِهِمْ، لِحَقَهم تَأسُّفٌ عَلى قَراباتِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يَهْتَدُوا حَتّى يَكُونَ بَيْنَهُمُ الوِدُّ والتَواصُلُ فَنَزَلَتْ: "عَسى اللهُ" الآيَةُ مُؤْنِسَةٌ في ذَلِكَ، ومُرْجِيَةٌ أنْ يَقَعَ، مَوْقِعٌ ذَلِكَ بِإسْلامِهِمْ في الفَتْحِ، وصارَ الجَمِيعُ إخْوانًا، ومَن ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ المَوَدَّةَ تَزْوِيجُ النَبِيِّ أمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أبِي سُفْيانَ وأنَّها كانَتْ بَعْدَ الفَتْحِ فَقَدْ أخْطَأ؛ لِأنَّ النَبِيَّ تَزَوَّجَها وقْتَ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ، وهَذِهِ الآياتُ نَزَلَتْ سَنَةَ ثَمانٍ مِنَ الهِجْرَةِ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إلّا أنْ يَسُوقَهُ مِثالًا وإنْ كانَ مُتَقَدِّمًا لِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ اسْتَمَرَّ بَعْدَ الفَتْحِ كَسائِرِ ما نَشَأ مِنَ المَوَدّاتِ، و"عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةُ الوُقُوعِ إنْ شاءَ اللهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللهُ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ﴾ ﴿ إنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكم أنْ تَوَلَّوْهم ومَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في هَؤُلاءِ الَّذِينَ لَمْ يَنْهَ عنهم أنْ يَبَرُّوا مِنهُمْ، فَقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا وكانُوا لِذَلِكَ في رُتْبَةِ سُوءٍ لِتَرْكِهِمْ فُرَصَ الهِجْرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ المُؤْمِنِينَ التارِكِينَ لِلْهِجْرَةِ كانُوا مِن أهْلِ مَكَّةَ ومِن غَيْرِها، وقالَ الحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ: أرادَ خُزاعَةَ وبَنِي الحارِثِ وقَبائِلَ مِنَ العَرَبِ كُفّارًا إلّا أنَّهم كانُوا مُظاهِرِينَ لِلنَّبِيِّ ، مُحِبِّينَ فِيهِ وفي ظُهُورِهِ، ومِنهم كِنانَةُ وبَنُو الحارِثِ بْنُ عَبْدِ مَناةَ ومُزَيْنَةَ، وقالَ قَوْمٌ: أرادَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ مَن لَمْ يُقاتِلْ ولا أُخْرِجَ ولا أظْهَرَ سُوءًا، وعَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ فالآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ النِساءَ والصِبْيانَ مِنَ الكَفَرَةِ، وقالَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبٍ أُمِّ أسْماءَ حِينَ اسْتَأْذَنَتِ النَبِيَّ في بِرِّها وصِلَتِها فَأذِنَ لَها، وكانَتِ المَرْأةُ خالَتَها فِيما رُوِيَ فَسَمَّتْها في حَدِيثِها أُمًّا، وقالَ أبُو جَعْفَرِ بْنِ النَحّاسِ، والثَعْلَبِيُّ: أرادَ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَطِيعُوا الهِجْرَةَ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وقالَ مُرَّةُ الهَمْدانِيُّ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن بَنِي هاشِمٍ مِنهُمُ العَبّاسُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ، وقالَ قَتادَةُ: نَسَخَتْها "فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْ تَبَرُّوهُمْ" بَدَلٌ، وهَذا هو بَدَلُ الِاشْتِمالِ، و"الإقْساطُ": العَدْلُ، و"ظاهَرُوا" مَعْناهُ: عاوَنُوا، و"الَّذِينَ قاتَلُوا في الدِينِ وأخْرَجُوهُمْ" مَرَدَةُ قُرَيْشٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ ﴾ الآيَةُ...
نَزَلَتْ إثْرَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وذَلِكَ أنَّ الصُلْحَ تَضَمَّنَ أنْ يَرُدَّ المُؤْمِنُونَ إلى الكُفّارِ كُلَّ مَن جاءَ مُسْلِمًا مِن رَجُلٍ وامْرَأةٍ، فَنَقَضَ اللهُ تَعالى مِن ذَلِكَ أمْرَ النِساءِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وحَكَمَ أنَّ المُهاجِرَةَ المُؤْمِنَةَ لا تُرَدُّ إلى الكُفْرِ بَلْ تَبْقى تَسْتَبْرِئُ وتَتَزَوَّجُ، ويُعْطى زَوْجُها الكافِرُ الصَداقَ الَّذِي أنْفَقَ، وأمَرَ أيْضًا المُؤْمِنِينَ بِطَلَبِ صَداقِ مَن فَرَّتِ امْرَأتُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وحَكَمَ تَعالى بِهَذا في النازِلَةِ، وسَمّاهُنَّ مُؤْمِناتٍ قَبْلَ أنْ يُتَيَقَّنَ ذَلِكَ لِأنَّهُ ظاهِرُ أمْرِهِنَّ، و"مُهاجِراتٍ" نُصِبَ عَلى الحالِ، و"امْتَحِنُوهُنَّ" مَعْناهُ: جَرِّبُوهُنَّ واسْتَخْبِرُوا حَقِيقَةَ ما عِنْدَهُنَّ.
واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الِامْتِحانِ، كَيْفَ كانَ؟
فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: كانَ بِأنْ تَسْتَحْلِفَ المَرْأةُ أنَّها ما هاجَرَتْ لِبُغْضِ زَوْجِها، وبِجَرِيرَةٍ جَرَّتْها، ولا بِسَبَبٍ مِن أعْراضِ الدُنْيا سِوى حُبِّ اللهِ تَعالى ورَسُولِهِ والدارِ الآخِرَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الِامْتِحانُ أنْ تُطْلَبَ بِأنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ وأنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإذا فَعَلْتَ ذَلِكَ لَمْ تُرِدْ، فَقالَ فَرِيقٌ مِنهم عائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنهُا: الِامْتِحانُ هو أنْ تَعْرِضَ عَلَيْها الشُرُوطَ الَّتِي في الآيَةِ بَعْدَ هَذا مِن تَرْكِ السَرِقَةِ والزِنا والبُهْتانِ والعِصْيانِ، فَإذا أقَرَّتْ بِذَلِكَ فَهو امْتِحانُها، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أُمَيْمَةَ بِنْتِ بِشْرٍ امْرَأةِ حَسّانَ بْنِ الدَحْداحَةِ، وفي كِتابِ الثَعْلَبِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحارِثِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ ﴾ إشارَةٌ إلى الِاسْتِرابَةِ بِبَعْضِهِنَّ، وحَضَّ عَلى امْتِحانِهِنَّ، وذَكَرَ تَعالى العِلَّةَ في ألّا يُرَدَّ النِساءُ إلى الكُفّارِ وهي امْتِناعُ الوَطْءِ وحُرْمَتُهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "لا هُنَّ يَحْلَلْنَ لَهُمْ".
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَآتُوهم ما أنْفَقُوا ولا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا ذَلِكم حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكم واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ وَإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا واتَّقُوا اللهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى أنْ يُؤْتى الكُفّارُ مُهُورَ نِسائِهِمُ اللاتِي هاجَرْنَ مُؤْمِناتٍ، ورَفَعَ الجُناحَ في أنْ يَتَزَوَّجْنَ بَعْدَ إتاءِ أُجُورِهِنَّ، وأمَرَ المُسْلِمِينَ بِفِراقِ الكافِراتِ وأنْ لا يُمْسِكُوا بِعِصَمِهِنَّ، فَقِيلَ: الآياتُ في عابِداتِ الأوثانِ ومَن لا يَجُوزُ نِكاحُها، ابْتِداءً، وقِيلَ: هي عامَّةٌ نُسِخَ مِنها نِساءُ أهْلِ الكِتابِ.
و"العِصَمُ" جَمْعُ عِصْمَةٍ، وهي أسْبابُ الصُحْبَةِ والبَقاءِ في الزَوْجِيَّةِ، وكَذَلِكَ العِصْمَةُ في كُلِّ شَيْءٍ هي السَبَبُ الَّذِي يَعْتَصِمُ بِهِ ويَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ والناسُ: "تُمْسِكُوا" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ السِينِ وتَخْفِيفِها، مِن "أمْسَكَ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، بِخِلافٍ: "وَلا تُمْسِكُوا"، مِن "مَسَّكَ" بِالشَدِّ في السِينِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وابْنُ عامِرٍ -فِي رِوايَةِ عَبْدِ الحَمِيدِ-: "وَلا تَمَسَّكُوا" بِفَتْحِ التاءِ والمِيمِ وفَتْحِ السِينِ وشَدِّها، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَتَمْسِكُوا" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُونِ المِيمِ وكَسْرِ السِينِ مُخَفَّفَةً، ورَأيْتُ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ الفَقِيهَ أبا الحَسَنِ الكَرْخِيِّ يَقُولُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ ﴾ إنَّهُ في الرِجالِ والنِساءِ، فَقُلْتُ لَهُ: النَحْوِيُّونَ لا يَرَوْنَ هَذا إلّا في النِساءِ؛ لِأنَّ "كَوافِرَ"، جَمْعُ "كافِرَةٍ"، فَقالَ: وايْشَ يَمْنَعُ مِن هَذا؟
ألَيْسَ الناسُ يَقُولُونَ: طائِفَةٌ كافِرَةٌ وقَرْيَةٌ كافِرَةٌ؟
فَبُهَتُّ، وقُلْتُ: هَذا تَأْيِيدٌ.
وأمَرَ تَعالى أنْ يَسْألَ أيْضًا الكافِرُونَ أنْ يَدْفَعُوا الصَدَقاتِ الَّتِي أعْطاها المُؤْمِنُونَ لِمَن فَرَّ مِن أزْواجِهِمْ إلى الكَفّارِ، وقَرَّرَ الحُكْمُ بِذَلِكَ عَلى الجَمِيعِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: نَحْنُ لا نَرْضى هَذا الحُكْمَ ولا نَلْتَزِمُهُ ولا نَدْفَعُ لِأحَدٍ صَداقًا، فَنَزَلَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ الأُخْرى "وَإنْ فاتَكُمْ" الآيَةُ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ أنْ يَدْفَعُوا إلى مَن فَرَّتْ زَوْجَتُهُ فَفاتَتْ بِنَفْسِها إلى الكُفّارِ صَداقَهُ الَّذِي أنْفَقَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -فِي كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: «خَمْسُ نِسْوَةٍ مِن نِساءِ المُهاجِرِينَ رَجَعْنَ عَنِ الإسْلامِ ولَحِقْنَ بِالمُشْرِكِينَ: أُمُّ الحَكَمِ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ، وكانَتْ تَحْتَ عِياضِ بْنِ شَدّادٍ، وفاطِمَةَ بِنْتِ أبِي أُمِّيَّةَ أُخْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، كانَتْ تَحْتَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعَبَدَةَ بِنْتِ عَبْدِ العَزِيزِ، كانَتْ تَحْتَ هِشامِ بْنِ العاصِ.
وأمِّ كُلْثُومَ بِنْتِ جَرُولَ، كانَتْ تَحْتَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَأعْطاهُمُ النَبِيُّ مُهُورَ نِسائِهِمْ مِنَ الغَنِيمَةِ.» واخْتَلَفَ الناسُ، في أيِّ مالٍ يُدْفَعُ إلَيْهِ الصَداقُ؟
فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ شِهابٍ الزُهْرِيُّ: يُدْفَعُ إلَيْهِ مِنَ الصَدَقاتِ الَّتِي كانَتْ تُدْفَعُ إلى الكَفّارِ بِسَبَبِ مِن هاجَرَ مِن أزْواجِهِمْ، وأرادَ اللهُ تَعالى دَفْعَها إلَيْهِمْ حِينَ لَمْ يَرْضَوْا حُكْمَهُ حَسَبَ ما ذَكَرْناهُ، وهَذا قَوْلٌ صَحِيحٌ يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: "فَعاقَبْتُمْ"، وسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ اللَفْظَةِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: يُدْفَعُ إلَيْهِ مِن غَنائِمَ المَغازِي، وقالَ هَؤُلاءِ: "المُعاقَبَةُ" هي الغَزْوُ والمَغْنَمُ، وتَأوَّلُوا اللَفْظَةَ بِهَذا المَعْنى، وقالَ الزَهْراوِيُّ أيْضًا: يُدْفَعُ إلَيْهِ مِن أيِّ وُجُوهِ الفَيْءِ أمْكَنَ.
و"المُعاقَبَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَتْ بِمَعْنى مُجازاةِ السُوءِ بِسُوءٍ، ولَكِنَّها بِمَعْنى: فَصِرْتُمْ مِنهم إلى الحالِ الَّتِي صارُوا إلَيْها مِنكُمْ، وذَلِكَ بِأنْ يَفُوتَ إلَيْكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكُمْ، وهَكَذا هو التَعْقِيبُ عَلى الجَمَلِ والدَوابِّ، أنْ يَرْكَبَ هَذا عُقْبَةً وهَذا عُقْبَةً، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَإنْ فاتَكم أحَدٌ مِن أزْواجِكُمْ"، ويُقالُ عاقَبَ الرَجُلُ صاحِبَهُ في كَذا، أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِعَقِبِ فِعْلِ الآخَرِ، ويُقالُ: أعْقَبَ الرَجُلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وحارَدَتِ النُكْدُ الجِلادُ ولَمْ يَكُنْ لِعُقْبَةِ قَدْرِ المُسْتَعِيرِينَ مُعْقِبُ وَيُقالُ: عَقَّبَ -بِشَدِّ القافِ- أيْ: أصابَ عُقْبى، والتَعْقِيبُ: غَزْوٌ إثْرَ غَزْوٍ، ويُقالُ: عَقَبَ بِتَخْفِيفِها-، ويُقالُ: عَقِبَ بِكَسْرِها-، كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنًى يُقَرِّبُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، ويَجْمَعُ ذَلِكَ قُرْبى.
قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عاقَبْتُمْ" بِالتَشْدِيدِ في القافِ، وقَرَأ الأعْرَجُ أيْضًا وأبُو حَيْوَةَ والزَهْراوِيُّ أيْضًا: عَقَّبْتُمْ"بِفَتْحِ" القافِ خَفِيفَةً، وقَرَأ النَخْعِيُّ، والزَهْرِيُّ أيْضًا: "عَقِبْتُمْ" بِكَسْرِ القافِ، وكُلُّها بِمَعْنى: غَنِمْتُمْ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ: "أعْقَبْتُمْ" بِألْفٍ مَقْطُوعَةٍ قَبْلَ العَيْنِ، وهَذِهِ الآيَةُ كُلُّها قَدِ ارْتَفَعَ حُكْمُها.
ثُمَّ نَدَبَ تَعالى إلى التَقْوى وأوجَبَها، وذَكَرَ العِلَّةَ الَّتِي بِها تَجِبُ التَقْوى وهي الإيمانُ بِاللهِ تَعالى والتَصْدِيقُ بِوَحْدانِيَّتِهِ وصِفاتِهِ وعِقابِهِ وإنْعامِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أولادَهُنَّ ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِنَ أصْحابِ القُبُورِ ﴾ هَذِهِ بَيْعَةُ النِساءِ في ثانِي يَوْمِ الفَتْحِ عَلى جَبَلِ الصَفا، وهي كانَتْ في المَعْنى بَيْعَةُ الرِجالِ قَبْلَ فَرْضِ القِتالِ، وسَمّاهم تَبارَكَ وتَعالى: "المُؤْمِناتُ" بِحَسَبِ الظاهِرِ مَن أمْرِهِنَّ، ورَفْضُ الِاشْتِراكِ هو مَحْضُ الإيمانِ، وقَتْلُ الأولادِ وهو مِن خَوْفِ الفَقْرِ وكانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "يُقَتِّلْنَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ القافِ وكَسْرِ التاءِ المُشَدَّدَةِ.
و"الإتْيانُ بِالبُهْتانِ" قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ أنْ تَنْسِبَ إلى زَوْجِها ولَدًا لَيْسَ هو لَهُ واللَفْظُ أعَمُّ مِن هَذا التَخْصِيصِ، فَإنَّ الفِرْيَةَ بِالقَوْلِ عَلى أحَدٍ مِنَ الناسِ بِعَظِيمَةٍ لَمِن هَذا، وإنَّ الكَذِبَ فِيما اؤْتُمِنَ فِيهِ مِنَ الحَيْضِ والحَمْلِ لَفِرْيَةُ بُهْتانٍ، وبَعْضٌ أقْوى مِن بَعْضٍ، وذَلِكَ أنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ: "بَيْنَ أيْدِيهِنَّ" يُرادُ بِهِ اللِسانُ في الكَلامِ والفَمُ في القِبْلَةِ ونَحْوِها، و"بَيْنَ الأرْجُلِ" يُرادُ بِهِ الفُرُوجُ، ووَلَدُ الإلْحاقِ ونَحْوِهِ.
و"المَعْرُوفُ" الَّذِي نُهِيَ عَنِ العِصْيانِ فِيهِ، قالَ أنَسٌ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: هو النَوْحُ وشَقُّ الجُيُوبِ ووَشْمُ الوُجُوهِ ووَصْلُ الشَعْرِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أوامِرِ الشَرِيعَةِ فَرَضَها ونَدَبَها.
ويُرْوى «أنَّ جَماعَةً مِنَ النِساءِ فِيهِنَّ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، بايَعْنَ رَسُولَ اللهِ فَقَرَأ عَلَيْهِنَّ الآيَةَ، فَلَمّا قَرَّرَهُنَّ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ قالَتْ هِنْدُ: وكَيْفَ نَطْمَعُ أنْ تَقْبَلَ مِنّا ما لَمْ تَقْبَلْهُ مِنَ الرِجالِ، بِمَعْنى أنَّ هَذا بَيِّنٌ لُزُومُهُ، فَلَمّا وقَفَ عَلى السَرِقَةِ قالَتْ: واللهِ إنِّي لَأُصِيبُ الهِنَةَ مِن مالِ أبِي سُفْيانَ لا أدْرِي ما يَحِلُّ لِي مِن ذَلِكَ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ -وَكانَ حاضِرًا- ذَلِكَ لَكِ حَلالٌ فِيما مَضى وبَقِيَ، وقالَ لَها رَسُولُ اللهِ كُلِي ووَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ،» وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا المَعْنى في الحَدِيثِ الآخَرِ، قَوْلُها: « "إنَّ أبا سُفْيانَ رَجُلٌ مَسِّيكٌ"» فَلَمّا وقَفَ عَلى الزِنا «قالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ وهَلْ تَزْنِي الحُرَّةُ؟
قالَ لَها رَسُولُ اللهِ : لا، ما تَزْنِي الحُرَّةُ،» وذَلِكَ أنَّ الزِنا في قُرَيْشٍ إنَّما كانَ في الإماءِ في أغْلَبِ الأمْرِ، وفِيما يَعْرِفُ مِثْلُ هِنْدٍ، وإلّا فالبَغايا قَدْ كُنَّ أحْرارًا، فَلَمّا وقَفَ عَلى قَتْلِ الأولادِ «قالَتْ: نَحْنُ رَبَّيْناهم صِغارًا، وقَتَلْتَهم أنْتَ بِبَدْرٍ كِبارًا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ،» فَلَمّا وقَفَ عَلى العِصْيانِ في المَعْرُوفِ قالَتْ: ما جَلَسْنا هَذا المَجْلِسَ وفي أنْفُسِنا أنْ نَعْصِيَكَ.
ويُرْوى «أنَّ جَماعَةَ نِساءٍ بايَعْنَ النَبِيَّ فَقُلْنَ: يا رَسُولَ اللهِ نُبايِعُكَ عَلى كَذا وكَذا الآيَةُ.
فَلَمّا فَرَغْنَ قالَ رَسُولُ اللهِ : فِيما اسْتَطَعْتُنَّ وأطْلَقْتُنَّ، فَقُلْنَ: اللهُ ورَسُولُهُ أرْحَمُ بِنا مِنّا بِأنْفُسِنا.» وقَوْلُهُ تَعالى: "فَبايِعْهُنَّ" مَعْناهُ: امْضِ مَعَهُنَّ صَفْقَةَ الإيمانِ بِأنْ يُعْطِينَ ذَلِكَ مِن أنْفُسِهِنَّ ويُعْطَيْنَ عَلَيْهِ الجَنَّةَ، واخْتَلَفَتْ هَيْئاتُ مُبايِعَةِ رَسُولِ اللهِ النِساءَ بَعْدَ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ لَمْ تَمَسَّ يَدُهُ الشَرِيفَةَ يَدَ امْرَأةٍ أجْنَبِيَّةٍ،فَيُرْوى عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا وغَيْرِها أنَّها قالَتْ: «إنَّهُ بايَعَ بِاللِسانِ قَوْلًا، وقالَ: "إنَّما قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأةٍ واحِدَةٍ"»، «وَقالَتْ أسْماءُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ السَكَنِ: كُنْتُ في النِسْوَةِ المُبايِعاتِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، ابْسُطْ يَدَكَ نُبايِعُكَ، فَقالَ لِي : "إنِّي لا أُصافِحُ النِساءَ لَكِنْ آخُذُ عَلَيْهِنَّ ما أخَذَ اللهُ عَلَيْهِنَّ"،» وذَكَرَ النَقّاشُ حَدِيثًا «أنَّ النَبِيَّ مَدَّ يَدَهُ المُكَرَّمَةَ مِن خارِجِ بَيْتٍ، ومَدَّ نِساءٌ مِنَ الأنْصارِ أيْدِيهِنَّ مِن داخِلِهِ فَبايَعْنَ،» وما قَدَّمْتُهُ أثْبَتُ، ورُوِيَ عَنِ الشَعْبِيِّ «أنَّهُ لَفَّ ثَوْبًا كَثِيفًا عَلى يَدِهِ، وجاءَ نِسْوَةٌ فَلَمَسْنَ يَدَهُ كَذَلِكَ،» ورُوِيَ عن الكَلْبِيِّ أنَّهُ قَدِمَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَلَمَسَ النِساءُ يَدَهُ وهو خارِجٌ مِن بَيْتٍ وهُنَّ فِيهِ بِحَيْثُ لا يَراهُنَّ، وذَكَرَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ «أنَّ النَبِيَّ بايَعَهُ النِساءُ عَلى الصَفا بِمَكَّةَ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ يُصافِحُهُنَّ،» ورُوِيَ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ عن جَدِّهِ، ورَفَعَهُ النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وعن عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَقَفِيِّ «أنَّهُ غَمَسَ يَدَهُ في إناءٍ فِيهِ ماءٌ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلى النِساءِ يَغْمِسْنَ أيْدِيَهُنَّ فِيهِ.» ثُمَّ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالِاسْتِغْفارِ لَهُنَّ، ورَجّاهُنَّ في غُفْرانِهِ ورَحْمَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ﴾ ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هُمُ اليَهُودُ لِأنَّ غَضَبَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ قَدْ صارَ عُرْفًا لَهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هم في هَذِهِ الآيَةِ كُفّارُ قُرَيْشٍ؛ لِأنَّ كُلَّ كافِرٍ فَعَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ تَعالى لا يَرُدُّ ذَلِكَ ثُبُوتُ غَضَبِ اللهِ عَلى اليَهُودِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا سِيَّما في المَرَدَةِ كَكُفّارِ قُرَيْشٍ إذْ أعْمالُهم مُغْضِبَةٌ لَيْسَتْ بِمُجَرَّدِ ضَلالٍ بَلْ فِيها مُناوَراتٌ مَقْصُودَةٌ، وفي الكَلامِ في التَشْبِيهِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: "كَما يَئِسَ" يَتَبَيَّنُ الِاحْتِياجُ إلى هَذا الخِلافِ، وذَلِكَ أنَّ اليَأْسَ مِنَ الآخِرَةِ إمّا أنْ يَكُونَ بِالتَكْذِيبِ بِها، وهَذا هو يَأْسُ كَفّارِ مَكَّةَ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِاليَأْسِ عَنِ الحَظِّ فِيها والنِعْمَةِ مَعَ التَصْدِيقِ بِها، وهَذا هو يَأْسُ اليَهُودِ، فَمَن قالَ إنَّ القَوْمَ المُشارَ إلَيْهِمْ هم كُفّارُ مَكَّةَ قالَ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَما يَئِسَ الكُفّارُ ﴾ : كَما يَئِسَ الكافِرُ مِن صاحِبِ قَبْرٍ؛ لِأنَّهُ إذا ماتَ لَهُ حَمِيمٌ قالَ: هَذا آخِرُ العَهْدِ بِهِ، لَنْ يُبْعَثَ أبَدًا، فَمَعْنى الآيَةِ أنَّ اعْتِقادَ أهْلِ مَكَّةَ في الآخِرَةِ كاعْتِقادِ الكافِرِ في البَعْثِ ولِقاءِ مَوْتاهُ، وهَذا هو تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسِنِ، وقَتادَةَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَما يَئِسَ الكُفّارُ ﴾ .
ومَن قالَ إنَّ القَوْمَ المُشارَ إلَيْهِمْ هُمُ اليَهُودُ قالَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَما يَئِسَ الكُفّارُ ﴾ : كَما يَئِسَ الكافِرُ مِنَ الرَحْمَةِ إذا ماتَ وكانَ صاحِبَ قَبْرٍ، وذَلِكَ أنَّهُ يُرْوى أنَّ الكافِرَ إذا كانَ في قَبْرِهِ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ أنْ لَوْ كانَ مُؤْمِنًا ثُمَّ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ مِنَ النارِ الَّذِي يَصِيرُ إلَيْهِ، فَهو يائِسٌ مِن رَحْمَةِ اللهِ تَعالى مَعَ عِلْمِهِ بِها ويَقِينِهِ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَما يَئِسَ الكُفّارُ ﴾ ، فَمَعْنى الآيَةِ يَأْسُ اليَهُودِ مِن رَحْمَةِ اللهِ تَعالى في الآخِرَةِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِها كَيَأْسِ ذَلِكَ الكافِرِ في قَبْرِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهم قَدْ رِينَ عَلى قُلُوبِهِمْ، وحَمَلَهُمُ الحَسَدُ عَلى تَرْكِ الإيمانِ، وغَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمْ أنَّهم مُعَذَّبُونَ، وهَذِهِ كانَتْ صِفَةُ كَثِيرٍ مِن مُعاصِرِي النَبِيِّ .
و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن أصْحابِ القُبُورِ ﴾ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ لِابْتِداءِ الغايَةِ، وفي القَوْلِ الثانِي هي لِبَيانِ الجِنْسِ أوَلِلتَّبْعِيضِ، يَتَوَجَّهانِ فِيها، وبَيانِ الجِنْسِ أظْهَرُ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُمْتَحَنَةِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ