المحرر الوجيز سورة الصف

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الصف

تفسيرُ سورةِ الصف كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 21 دقيقة قراءة

تفسير سورة الصف كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ١ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ٢ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا۟ مَا لَا تَفْعَلُونَ ٣ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِۦ صَفًّۭا كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌۭ مَّرْصُوصٌۭ ٤ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ ۖ فَلَمَّا زَاغُوٓا۟ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ ٥

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الصَفِّ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والمَهْدَوِيُّ عن عَطاءٍ ومُجاهِدٌ: إنَّها مَكِّيَّةٌ، والأوَّلُ أصَحُّ لِأنَّ مَعانِيَ السُورَةِ تُعَضِّدُهُ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ فِيها المَكِّيُّ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ﴾ ﴿ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ ﴾ ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكم فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللهِ قُلُوبَهم واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ غَيْرَ مَرَّةٍ في تَسْبِيحِ الجَماداتِ، و"العَزِيزُ" في سُلْطانِهِ وقُدْرَتِهِ، و"الحَكِيمُ" في أفْعالِهِ وتَدْبِيرِهِ، واخْتَلَفَ الناسُ في السَبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ﴾ ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو صالِحٍ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ جَماعَةً قالُوا: لَوَدِدْنا أنْ نَعْرِفَ أحَبَّ الأعْمالِ إلى رَبِّنا حَتّى نَعْتَنِيَ بِهِ، فَفَرَضَ اللهُ الجِهادَ، وأعْلَمَهم بِفَضْلِهِ لَدَيْهِ، وأنَّهُ يُحِبُّ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِهِ كالبُنْيانِ المَرْصُوصِ، وكانَ إذْ فَرَضَ قَدْ تَكَرَّهَهُ قَوْمٌ مِنهُمْ، وفَرَّ مَن فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ، فَعاتَبَهُمُ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ جَماعَةً مِن شَبابِ المُسْلِمِينَ كانُوا يَتَحَدَّثُونَ عن أنْفُسِهِمْ في الغَزْوِ بِما لَمْ يَفْعَلُوا، ويَقُولُونَ فَعَلْنا وصَنَعْنا، وذَلِكَ كَذِبٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ لِأنَّ جُمْلَةً مِنهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ: نَحْنُ مِنكم ومَعَكُمْ، ثُمَّ يَظْهَرُ مِن أفْعالِهِمْ خِلافُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ عِتابًا لَهم.

وحُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ باقٍ غابِرُ الدَهْرِ، وكُلُّ مَن يَقُولُ ما لا يَفْعَلُ فَهو مَمْقُوتٌ مَذِقُ الكَلامِ، والقَوْلُ الآخِيرُ في المُنافِقِينَ إنَّما يَتَوَجَّهُ بِأنْ يَكُونُوا غَيْرَ مُجَلِّحِينَ بِالنِفاقِ، فَلِذَلِكَ خُوطِبُوا بِالمُؤْمِنِينَ، أيْ: في زَعْمِكم وما تُظْهِرُونَ، والقَوْلُ الأوَّلُ يَتَرَجَّحُ بِما يَأْتِي بَعْدُ مِن أمْرِ الجِهادِ والقِتالِ.

و"المَقْتُ": البُغْضُ مِن أجْلِ ذَنْبٍ أو رِيبَةٍ أو دَناءَةٍ يَصْنَعُها المَمْقُوتُ، هَذا حَدُّ المَقْتِ، فَتَأمَّلْهُ، و"مَقْتًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ، والتَقْدِيرُ كَبُرَ فِعْلُكم مَقْتًا، والمُرادُ: كَبُرَ مَقْتُ فِعْلِكُمْ، فَحَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ ونَصَبَ المُضافَ عَلى التَمْيِيزِ، وهَذا كَما تَقُولُ: تَفَقَّأ شَحْمُ بَطْنِكَ، ثُمَّ تَقُولُ: تَفَقَّأ بَطْنُكَ شَحْمًا، و"أنْ تَقُولُوا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ المُقَدَّرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، ويُحْتَمَلُ عَلى غَيْرِ هَذا التَقْدِيرِ- أنْ يَكُونَ فاعِلًا بـ "كَبُرَ"، وقَوْلُ المَرْءِ ما لا يَفْعَلُ يُوجِبُ مَقْتَ اللهِ تَعالى، ولِذَلِكَ فَرَّ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ مِنَ الوَعْظِ والتَذْكِيرِ وآثَرُوا السُكُوتَ.

ثُمَّ وكَّدَ تَعالى الإخْبارَ بِمَحَبَّتِهِ لِلْمُقاتِلِينَ صَفًّا، ومَحَبَّةُ اللهِ تَعالى هي ما يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِن نَصْرِهِ وكَرامَتِهِ، وهي هُنا صِفَةُ فِعْلٍ ولَيْسَتْ بِمَعْنى الإرادَةِ لِأنَّ الإرادَةَ لا يَصِحُّ أنْ يَقَعَ ما يُخالِفُها، ونَحْنُ نَجِدُ المُقاتِلِينَ عَلى غَيْرِ هَذِهِ الصِفَةِ كَثِيرًا، وقالَ بَعْضُ الناسِ: قِتالُ الرَجّالَةِ أفْضَلُ مِن قِتالِ الفُرْسانِ لِأنَّ التَراصَّ فِيهِ يَتَمَكَّنُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ خَفِيٌّ عَلى قائِلِهِ مَقْصِدُ الآيَةِ، ولَيْسَ المُرادُ نَفْيَ التَصافِّ، وإنَّما المَقْصِدُ الجِدُّ في كُلِّ أوطانِ القِتالِ وأحْوالِهِ، وقَصَدَ بِالذِكْرِ أشَدَّ الأحْوالِ وهي الحالَةُ الَّتِي تُحْوِجُ إلى القِتالِ صَفًّا مُتَراصًّا، ونابَتْ هَذِهِ الحالُ المَذْكُورَةُ مَنابَ جَمِيعِ الأحْوالِ، وقَضَتِ الآيَةُ بِأنَّ الَّذِينَ يَبْلُغُ جَدُّهم إلى هَذِهِ الحالِ حَرِيُّونَ ألّا يُقَصِّرُوا عن حالٍ، و"المَرْصُوصُ" المَصْفُوفُ المُتَضامُّ، وقالَ أبُو بَحْرِيَّةَ "إذا رَأيْتُمُونِي ألْتَفِتُ في الصَفِّ فَجِزُّوا فُؤادِي"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وبِالشامِ بَيْن صَفائِحٍ صُمٍّ تَرَصَّصُ بِالجَنُوبِ وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهُما: المَرْصُوصُ المَعْقُودُ بِالرَصاصِ، وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أصْلَ اللَفْظَةِ.

ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى مَقالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ ضَرْبُ مَثَلٍ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ، ذَكَّرَهُمُ اللهُ تَعالى بِقَوْمٍ آذَوْا نَبِيَّهم عَلى عِلْمٍ مِنهم بِنُبُوَّتِهِ، وزاغُوا فَأزاغَ اللهُ تَعالى قُلُوبَهُمْ، فاحْذَرُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْ يُصَيِّرَكُمُ العِصْيانُ وقَوْلُ الباطِلِ إلى مِثْلِ حالِهِمْ، وقالَ أبُو أُمامَةَ: هُمُ الخَوارِجُ، وقالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هُمُ الحَرُورِيَّةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: المَعْنى أنَّهم أشْباهُهم في أنَّهم لَمّا زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلُوبَهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: "لِمَ تُؤْذُونَنِي" تَقْرِيرٌ، والمَعْنى: تُؤْذُونَنِي بِتَعَنُّتِكم وعِصْيانِكم واقْتِراحاتِكُمْ، وهَذِهِ كانَتْ أفْعالُ بَنِي إسْرائِيلَ.

وانْظُرْ إنَّهُ تَعالى أسْنَدَ الزَيْغَ إلَيْهِمْ لِكَوْنِهِ فَعَلَ حَطِيطَةً، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ نَسُوا اللهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ  ﴾ ، وهَذا بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا  ﴾ فَقَدْ أسْنَدَ التَوْبَةَ إلى نَفْسِهِ لِكَوْنِها فِعْلُ رِفْعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ  ﴾ ، و"زاغَ" مَعْناهُ: مالَ، وصارَ عُرْفُها في المَيْلِ عن الحَقِّ، و ﴿ أزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ مَعْناهُ: طَبَعَ عَلَيْها وخَتَمَ وكَثُرَ مَيْلُها عَنِ الحَقِّ، وهَذِهِ العُقُوبَةُ عَلى الذَنْبِ بِالذَنْبِ، وأمالَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: زاغُوا.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَمُبَشِّرًۢا بِرَسُولٍۢ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِى ٱسْمُهُۥٓ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ قَالُوا۟ هَـٰذَا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ ٦ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰٓ إِلَى ٱلْإِسْلَـٰمِ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٧ يُرِيدُونَ لِيُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ ٨

قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إسْرائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَوْراةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنَ بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ الكَذِبَ وهو يُدْعى إلى الإسْلامِ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأفْواهِهِمْ واللهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ قالَ عِيسى عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ-، وهَذا مِثالٌ آخَرُ ضَرَبَهُ اللهُ تَعالى لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، وحُكِيَ عن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ قالَ: "يا قَوْمِ" وعن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ قالَ: "يا بَنِي إسْرائِيلَ" مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِمْ أبٌ.

و"مُصَدِّقًا" حالٌ مُؤَكَّدَةٌ، و"مُبَشِّرًا" عَطْفٌ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: "يَأْتِي مِن بَعْدِي" وقَوْلُهُ: "اسْمُهُ أحْمَدُ " جُمْلَتانِ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى الصِفَةِ لـ"رَسُولٍ"، و" أحْمَدُ " فِعْلٌ سُمِّيَ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أفْعَلُ كَأسْوَدَ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ لِلْكَلِمَةِ لا الشَخْصِ، ولَيْسَتْ عَلى حَدِّ قَوْلِكَ: جاءَنا أحْمَدُ ؛ لِأنَّكَ هاهُنا أوقَعْتَ الِاسْمَ عَلى مُسَمّاهُ، وفي الآيَةِ إنَّما أرادَ: اسْمَهُ هَذِهِ الكَلِمَةَ، وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ هَذا الغَرَضَ، ومِنهُ يَنْفَكُّ إعْرابُ قَوْلِهِ تَعالى: يُقالُ "لَهُ إبْراهِيمُ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "مِن بَعْدِي" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ -فى رِوايَةِ حَفْصٍ -: "مِن بَعْدِي" بِسُكُونِ الياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ ﴾ الآيَةُ...

يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وتَكُونُ الآيَةُ وما بَعْدَها تَمْثِيلًا بِأُولَئِكَ لِهَؤُلاءِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ  ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَمْثِيلُ قَدْ فَرَغَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " أحْمَدُ "، ثُمَّ خَرَجَ إلى ذِكْرِ أحْمَدَ، لَمّا تَطَرَّقَ ذِكْرُهُ فَقالَ تَعالى مُخاطَبَةً لِلْمُؤْمِنِينَ: فَلَمّا جاءَ أحْمَدُ هَؤُلاءِ الكُفّارَ قالُوا: هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ، و"البَيِّناتُ" هي الآياتُ والعَلاماتُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "هَذا سِحْرٌ" إشارَةٌ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَمَن أظْلَمُ" تَعْجِيبٌ وتَقْرِيرٌ، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، و"افْتِراءُ الكَذِبِ" هو قَوْلُهُمْ: "هَذا سِحْرٌ" وما جَرى مَجْرى هَذا مِنَ الأقْوالِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُدْعى" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْن مُصَرِّفٍ: "يَدَّعِي" بِمَعْنى: يَنْتَمِي ويَنْتَسِبُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: فَرَمَيْتُ فَوْقَ مُلاءَةٍ مَحْبُوكَةٍ وأبَنْتُ لِلْأشْهادِ حَزَّةُ أدَّعِي والمَعْنى -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- إنَّما هو إشارَةٌ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، لِما حُكِيَ عَنِ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا: "هَذا سِحْرٌ" بَيِّنٌ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ العَقْلَ لا يَقْبَلُهُ، أيْ: وهَلْ أظْلَمُ مِن هَذا الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ ويَدَّعِي إلى الإسْلامِ وهو مَعَ ذَلِكَ مُفْتَرٍ عَلى رَبِّهِ؟

وهَذا دَلِيلٌ واضِحٌ لِأنَّ مَسالِكَ أهْلِ الِافْتِراءِ والمَخْرَقَةِ إنَّما هي دُونَ هَذا وفي أُمُورٍ خَسِيسَةٍ، وضَبَطَ النَقّاشُ هَذِهِ القِراءَةَ "يُدَّعى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدالِ المُشَدَّدَةِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.

والضَمِيرُ في "يُرِيدُونَ" لِلْكُفّارِ، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِيُطْفِؤُا" لامٌ مُؤَكِّدَةٌ، دَخَلَتْ عَلى المَفْعُولِ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا، وأنَّ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: يُرِيدُونَ إطْفاءً، وأكْثَرُ ما تَلْزَمُ هَذِهِ اللامُ المَفْعُولَ إذا تَقَدَّمَ، تَقُولُ: لِزَيْدٍ ضَرَبْتٌ ولِرُؤْيَتِكً قَصَدْتُ.

و"نُورُ اللهِ" هو شَرْعُهُ وبَراهِينُهُ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: "بِأفْواهِهِمْ" إشارَةٌ إلى الأقْوالِ، أيْ: بِقَوْلِهِمْ: سِحْرٌ وشِعْرٌ وتَكَهُّنٌ وغَيْرُ ذَلِكَ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، والحَسَنُ وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ: "واللهُ مُتِمُّ" بِالتَنْوِينِ "نُورَهُ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْمَشُ: "واللهُ مُتِمُّ نُورِهِ" بِالإضافَةِ، وهي في مَعْنى الِانْفِصالِ، وفي هَذا نَظَرٌ.

<div class="verse-tafsir"

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ ٩ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَـٰرَةٍۢ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍۢ ١٠ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ١١ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ وَمَسَـٰكِنَ طَيِّبَةًۭ فِى جَنَّـٰتِ عَدْنٍۢ ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ١٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ ﴾ ﴿ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتٍ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ هَذا تَأْكِيدٌ لِأمْرِ الرِسالَةِ وشَدٌّ لِأزْرِها، كَما يَقُولُ الإنْسانُ لِأمْرٍ يُثْبِتُهُ ويُقَوِّيهِ: أنا فَعَلْتُهُ، أيْ: فَمَن يَقْدِرُ عَلى مُعارَضَتِهِ فَلْيُعارِضْ، و"الرَسُولُ" المُشارُ إلَيْهِ هو مُحَمَّدٌ  .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى الدِينِ كُلِّهِ ﴾ لَفْظٌ يَصْلُحُ لِلْعُمُومِ، وأنْ يَكُونَ المَعْنى: ألّا يَبْقى مَوْضِعٌ فِيهِ دِينٌ غَيْرُ الإسْلامِ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، ومُجاهِدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنْ يُظْهِرَهُ حَتّى لا يُوجَدَ دِينٌ إلّا والإسْلامُ أظْهَرُ مِنهُ، وهَذا قَدْ كانَ ووُجِدَ.

ثُمَّ نَدَبَ تَعالى المُؤْمِنِينَ وحَضَّهم عَلى الجِهادِ بِهَذِهِ التِجارَةِ الَّتِي بَيَّنَها، وهي أنْ يُعْطِيَ المَرْءُ نَفْسَه وَمالَهُ ويَأْخُذَ ثَمَنًا جَنَّةَ الخُلْدِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ والقُرّاءُ: "تُنْجِيكُمْ" بِتَخْفِيفِ النُونِ وكَسْرِ الجِيمِ دُونَ شَدٍّ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "تُنَجِّيكُمْ" بِفَتْحِ النُونِ وشَدِّ الجِيمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "تُؤْمِنُونَ" لَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ ومَعْناهُ الأمْرُ، أيْ: آمَنُوا، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ "ألِيمٌ، آمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ وجاهِدُوا".

وقَوْلُهُ تَعالى: "تُؤْمِنُونَ" فِعْلٌ مَرْفُوعٌ تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ أنَّهُ تُؤْمِنُونَ، وقالَ الأخْفَشُ: هو عَطْفُ بَيانٍ عَلى "تِجارَةٍ"، قالَ المَبَرِّدً: هو بِمَعْنى: آمَنُوا عَلى الأمْرِ، ولِذَلِكَ جاءَ "يَغْفِرْ" مَجْزُومًا، وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكُمْ" أشارَ إلى الجِهادِ والإيمانِ، و"خَيْرٌ" هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ، فالمَعْنى: مِن كُلِّ عَمَلٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا، أنَّ هَذا خَيْرٌ في ذاتِهِ ونَفْسِهِ.

والجَزْمُ قَوْلُهُ تَعالى: "يَغْفِرْ" عَلى الجَوابِ لِلْأمْرِ المُقَدَّرِ في "تُؤْمِنُونَ"، أو عَلى ما يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: "هَلْ أدُلُّكُمْ" مِنَ الحَضِّ والأمْرِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ الفَرّاءُ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قَرَأ: "يُغْفِلُكُمْ" بِإدْغامِ الراءِ في اللامِ، ولا يُجَوِّزُ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَمَساكِنَ" عَطْفٌ عَلى "جَنّاتٍ"، و"طَيِّبُ المَساكِنِ": سِعَتُها وجَمالُها، وقِيلَ: طَيِّبُها المَعْرِفَةُ بِدَوامِ أمْرِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الصَحِيحُ، وأيُّ طَيِّبٍ مَعَ الفَناءِ والمَوْتِ؟

<div class="verse-tafsir"

وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتْحٌۭ قَرِيبٌۭ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٣ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوٓا۟ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّـۧنَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ۖ فَـَٔامَنَت طَّآئِفَةٌۭ مِّنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌۭ ۖ فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا۟ ظَـٰهِرِينَ ١٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَن أنْصارِي إلى اللهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارَ اللهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مَن بَنِي إسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "وَأُخْرى" قالَ الأخْفَشُ: هي في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى "تِجارَةٍ"، وهَذا قَوْلٌ قَلِقٌ قَدْ رَدَّ عَلَيْهِ ناسٌ واحْتَجَّ لَهُ آخَرُونَ، والصَحِيحُ ضَعْفُهُ لِأنَّ هَذِهِ "الأُخْرى" لَيْسَتْ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ، إنَّما هي مِمّا أعْطى ثَمَنًا وجَزاءً عَلى الإيمانِ والجِهادِ بِالنَفْسِ والمالِ.

وقالَ الفَرّاءُ: "وَأُخْرى" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقالَ قَوْمٌ: "أُخْرى" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ فِعْلٍ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: يَغْفِرْ ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ ويَمْنَحْكم أُخْرى وهي النَصْرُ والفَتْحُ القَرِيبُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَصْرًا مِنَ اللهِ وفَتْحًا" بِالنَصْبِ فِيهِما، ووَصَفَها تَعالى بِأنَّ النُفُوسَ تُحِبُّها مِن حَيْثُ هي عاجِلَةٌ في الدُنْيا، وقَدْ وُكِّلَتِ النَفْسُ بِحُبِّ العاجِلِ، فَفي هَذا تَحْرِيضٌ، ثُمَّ قَوّاهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ ، وهَذِهِ الألْفاظُ في غايَةِ الإيجازِ وبَراعَةِ المَعْنى.

ثُمَّ نَدَبَ تَعالى المُؤْمِنِينَ إلى النُصْرَةِ، ووَضَعَ لَهم هَذا الِاسْمَ وإنْ كانَ العُرْفُ قَدْ خَصَّ بِهِ الأوسَ والخَزْرَجَ، وسَمّاهُمُ اللهُ تَعالى بِهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ، وعِيسى: "أنْصارًا" مُنَوَّنًا "لِلَّهِ"، وقَرَأ الباقُونَ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ بِالإضافَةِ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللهِ: "أنْتُمْ أنْصارُ اللهِ".

ثُمَّ ضَرَبَ تَعالى المَثَلَ بِقَوْمٍ بادَرُوا حِينَ دُعُوا، وهُمُ الحَوارِيُّونَ، والحَوارِيُّونَ خُلْصانُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمْ السَلامُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهُ رَدَّدَ اخْتِيارَهم وتَصْفِيَتَهم وكَذَلِكَ رَدَّدَ تَخَيُّلُ الحَوارِيِّ، واللَفْظَتانِ مِن "الحَوَرِ"، وقِيلَ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِبَياضِ ثِيابِهِمْ، وكانُوا غَسّالِينَ نَصَرُوا عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، واسْتَعْمَلَ اسْمَهم حَتّى قِيلَ لِلنّاصِرِ العاضِدِ: حِوارِيٌّ، وقالَ النَبِيُّ  : « "وَحَوارِيِّي الزُبَيْرِ "،» وافْتِراقِ طَوائِفَ بَنِي إسْرائِيلَ هو في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ قَتادَةُ: والطائِفَةُ الكافِرَةُ ثَلاثُ فِرَقٍ: اليَعْقُوبِيَّةُ: وهم قالُوا: هو اللهُ، والإسْرائِيلِيَّةُ وهم قالُوا: هو ابْنُ اللهِ، والنَسْطُورِيَّةُ وهم قالُوا: هو إلَهٌ، وأُمُّهُ إلَهٌ، واللهُ تَعالى ثالِثُهُما، تَعالى اللهُ سُبْحانَهُ عن أقْوالِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ ﴾ ، قِيلَ: ذَلِكَ مُحَمَّدٌ  ، وبَعْدَ فَتْرَةٍ مِن رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، رَدَّ اللهُ تَعالى الكَرَّةَ لِمَن آمَنَ بِهِ فَغَلَبُوا الكافِرِينَ الَّذِينَ قَتَلُوا صاحِبَهُ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَيْهِ الشَبَهُ، وقِيلَ: ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ  ، أصْبَحَ المُؤْمِنُ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ ظاهِرًا لِإيمانِهِ بِمُحَمَّدٍ  ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ أحَدٌ حَقَّ الإيمانِ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ ظاهِرًا لِإيمانِهِ بِمُحَمَّدٍ  ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ أحَدٌ حَقَّ الإيمانِ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ إلّا وفي ضِمْنِ ذَلِكَ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ  ؛ لِأنَّهُ بُشِّرَ بِهِ وحَرَّضَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: كانَ المُؤْمِنُونَ قَدِيمًا بِهِ ظاهِرِينَ بِالحُجَّةِ وإنْ ظَلُّوا مُفْتَرِقِينَ في البِلادِ، مَغْلُوبِينَ في ظاهِرِ الحَياةِ الدُنْيا، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، والأعْرَجُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "فَأيَّدْنا" مُخَفَّفَةَ الياءِ مَمْدُودَةَ الألِفِ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الصَفِّ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله