المحرر الوجيز سورة الجمعة

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الجمعة

تفسيرُ سورةِ الجمعة كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 18 دقيقة قراءة

تفسير سورة الجمعة كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ١ هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلْأُمِّيِّـۧنَ رَسُولًۭا مِّنْهُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ٢ وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا۟ بِهِمْ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٣ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ٤

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الجُمْعَةَ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ وذَكَرَ النَقّاشُ قَوْلًا إنَّها مَكِّيَّةٌ، وذَلِكَ خَطَأٌ مِمَّنْ قالَهُ؛ لِأنَّ أمْرَ اليَهُودِ لَمْ يَكُنْ إلّا بِالمَدِينَةِ، وكَذَلِكَ أمْرُ الجُمْعَةِ لَمْ يَكُنْ قَطُّ بِمَكَّةَ، أعْنِي إقامَتَها وصِلاتَها، وأمّا أمْرُ الِانْفِضاضِ فَلا مِرْيَةَ في كَوْنِهِ بِالمَدِينَةِ، وذَكَرَ النَقّاشُ عن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ إنَّما أسْلَمَ أيّامَ خَيْبَرَ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ وَآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ ألْفاظِ الآيَةِ الأُولى بَأجْمَعِهِا، واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في إعْرابِ الصِفاتِ في آخِرِها، فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "المَلِكِ" بِالخَفْضِ نَعْتًا لِلَّهِ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ، وقَرَأ أبُو وائِلٍ شَقِيقُ، ومُسْلِمَةُ وأبُو الدِينارِ: "المَلِكُ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ، وفَتَحَ أبُو الدِينارِ القافَ مِنَ القُدُّوسِ".

و"الأُمِّيِّونُ" يُرادُ بِهِمُ العَرَبُ، والأُمِّيُّ في اللُغَةِ: الَّذِي لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، مَنسُوبٌ إلى "أُمِّ القُرى" وهى مَكَّة، وهَذا ضَعِيفلإٌ؛ لِأنَّ الوَصْفَ بِالأُمِّيِّينَ -عَلى هَذا- يَقِفُ عَلى قُرَيْشٍ.

وإنَّما المُرادُ جَمِيعُ العَرَبِ، وفِيهِمْ قالَ النَبِيُّ  : « "إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَحْسِبُ ولا نَكْتُبُ، الشَهْرُ هَكَذا وهَكَذا"،» وهَذِهِ الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ فِيما أولاهُمْ، و"الآياتُ المَتْلُوَّةُ": القُرْآنُ و"يُزَكِّيهِمْ" مَعْناهُ: يُطَهِّرُهم مِنَ الشِرْكِ، ويُمَنِّي الخَيْرَ فِيهِمْ، و"الكِتابُ": الوَحْيُ المَتْلُوُّ، و"الحِكْمَةُ": السُنَّةُ الَّتِي هي عَلى لِسانِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

ثُمَّ أظْهَرَ تَعالى تَأْكِيدَ النِعْمَةِ بِذِكْرِ حالِهِمُ الَّتِي كانَتْ في الضِدِّ مِنَ الهِدايَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ، و"آخَرِينَ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى "الأُمِّيِّينَ"، وفي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى الضَمائِرِ المُتَقَدِّمَةِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المَعْنَيَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَآخَرِينَ" فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ: أرادَ فارِسَ، وقَدْ «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ  : مَنِ الآخَرُونَ؟

فَأخَذَ بِيَدِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقالَ: "لَوْ كانَ الدِينُ في الثُرَيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن هَؤُلاءِ".» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: أرادَ الرُومَ والعَجَمَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "مِنهُمْ" -عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ- إنَّما يُرِيدُ بِهِ في البَشَرِيَّةِ والإيمانِ، كَأنَّهُ قالَ: وفي آخَرِينَ مِنَ الناسِ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا، وعِكْرِمَةُ، ومُقاتِلٌ: أرادَ التابِعِينَ مِن أبْناءِ العَرَبِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "مِنهُمْ" يُرِيدُ بِهِ النَسَبَ والإيمانَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ومُجاهِدٌ والضَحّاكُ وابْنُ حِبّانَ: أرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَآخَرِينَ" جَمِيعُ طَوائِفِ الناسِ ويَكُونُ "مِنهُمْ" في البَشَرِيَّةِ والإيمانِ عَلى ما قُلْناهُ، وذَلِكَ أنّا نَجِدُ بَعَثَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إلى جَمِيعِ الخَلائِقِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِأهْلِ اليَمَنِ: أنْتُمْ هم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمّا يَلْحَقُوا ﴾ نَفْيٌ لِما قَرُبَ مِنَ الحالِ، والمَعْنى أنَّهم مُزْمِعُونَ أنْ يُلْحِقُوا بِهِمْ، "لَمْ" زِيدَتْ عَلَيْها "ما" تَأْكِيدًا، قالَ سِيبَوَيْهِ: "لَمّا" نَفْيُ قَوْلِكَ: "قَدْ فَعَلَ"، و"لَمْ" نَفْيُ قَوْلِكَ: "فَعَلَ" دُونَ "قَدْ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ ﴾ الآيَةُ...

تَبْيِينٌ لِمَوْقِعِ النِعْمَةِ وتَخْصِيصُهُ إيّاهم بِها.

<div class="verse-tafsir"

مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًۢا ۚ بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٥ قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوٓا۟ إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُا۟ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٦ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُۥٓ أَبَدًۢا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّـٰلِمِينَ ٧ قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُۥ مُلَـٰقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أولِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ الناسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ ﴾ ﴿ قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكم ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَوْراةَ هم بَنُو إسْرائِيلَ والأحْبارُ المُعاصِرُونَ لِرَسُولِ اللهِ  ، و"حُمِّلُوا" مَعْناهُ: كُلِّفُوا القِيامَ بِأوامِرِها ونَواهِيها، فَهَذا كَمالُ حَمْلِ الإنْسانِ الأمانَةَ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الظَهْرِ وإنْ كانَ مُشْتَقًّا مِنهُ، وذَكَرَ تَعالى أنَّهم لَمْ يَحْمِلُوها، أيْ: لَمْ يُطِيعُوا أمْرَها ويَقِفُوا عِنْدَ حَدِّها حِينَ كَذَّبُوا بِمُحَمَّدٍ  والتَوْراةُ تَنْطِقُ بِنُبُوَّتِهِ، فَكانَ كُلُّ خَيْرٍ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ مِن حَمْلِهِ، كَمَثَلِ حِمارٍ عَلَيْهِ أسْفارٌ، فَهي عِنْدَهُ والزُبُلُ وغَيْرُ ذَلِكَ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "حَمَلُوا" بِفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ المَأْمُونُ العَبّاسِيُّ: "يُحَمِّلُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ وشَدِّ المِيمِ المَفْتُوحَةِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "كَمَثَلِ حِمارٍ" بِغَيْرِ تَعْرِيفٍ، و"السِفْرُ": الكِتابُ المُجْتَمِعُ الأوراقِ مُنَضَّدَةً، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى حالَ مِثْلِهِمْ وفَسادَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ ﴾ والتَقْدِيرُ: بِئْسَ المَثَلُ مَثَلُ القَوْمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ ﴾ الآيَةُ.

رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ يَهُودَ المَدِينَةِ لَمّا ظَهَرَ رَسُولُ اللهِ  خاطَبُوا يَهُودَ خَيْبَرَ في أمْرِهِ، فَذَكَرُوا لِنُبُوَّتِهِ، هم نُبُوَّتُهُ، وقالُوا لَهُمْ: إنْ رَأيْتُمُ أتْباعَهُ أطَعْناكُمْ، وإنْ رَأيْتُمْ خِلافَهُ خالَفْناهُ مَعَكُمْ، فَجاءَهم جَوابُ أهْلِ خَيْبَرَ يَقُولُونَ: نَحْنُ أبْناءُ إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرَحْمَنِ، وأبْناءُ عُزَيْرٍ ابْنِ اللهِ، ومِنّا الأنْبِياءُ، ومَتّى كانَتِ النُبُوَّةُ في العَرَبِ؟

نَحْنُ أحَقُّ بِالنُبُوَّةِ مِن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ-، ولا سَبِيلَ إلى اتِّباعِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِمَعْنى: أنَّكم إذا كُنْتُمْ مِنَ اللهِ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ فَقَرِّبْهُ وفِراقُ هَذِهِ الحَياةِ الخَسِيَّةِ أحَبُّ إلَيْكم فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ تَعْتَقِدُونَ في أنْفُسِكم هَذِهِ المَنزِلَةَ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَهُ ولا يُلْقُونَهُ إلّا كُرْهًا لِعِلْمِهِمْ بِسُوءِ حالِهِمْ عِنْدَ اللهِ وبُعْدِهِمْ عنهُ، هَذا هو اللازِمُ مِن ألْفاظِ الآيَةِ، ورَوى كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ هَذِهِ الآيَةَ مُعْجِزَةً لِمُحَمَّدٍ  ، وآيَةٌ باهِرَةٌ، وأعْلَمَهُ أنَّهُ إنْ تَمَنّى أحَدٌ مِنهُمُ المَوْتَ في أيّامٍ مَعْدُودَةٍ ماتَ وفارَقَ الدُنْيا، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ  : « "تَمَنَّوُا المَوْتَ"» في جِهَةِ التَعْجِيزِ وإظْهارِ الآيَةِ، فَما تَمَنّاهُ أحَدٌ خَوْفًا مِنَ المَوْتِ وثِقَةً بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ  .

ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَعالى بِالمَوْتِ الَّذِي لا مَحِيدَ لَهم عنهُ، ثُمَّ بِما بَعْدَهُ مِنَ الرَدِّ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "تَفِرُّونَ مِنهُ مُلاقِيكُمْ" بِإسْقاطِ "فَإنَّهُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَيُنَبِّئُكُمْ" أيْ" إنْباءُ مُعاقِبٍ مُجازٍ عَلَيْهِ بِالتَعْذِيبِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "فَتُمَنُّوُا المَوْتَ" بِكَسْرِ الواوِ، وكَذَلِكَ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْا۟ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُوا۟ ٱلْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ٩ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَٱبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ١٠ وَإِذَا رَأَوْا۟ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْوًا ٱنفَضُّوٓا۟ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمًۭا ۚ قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَـٰرَةِ ۚ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ١١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللهِ وذَرُوا البَيْعَ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ فَإذا قُضِيَتِ الصَلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ واذْكُرُوا اللهِ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ وَإذا رَأوا تِجارَةً أو لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ ومِنَ التِجارَةِ واللهُ خَيْرٌ الرازِقِينَ ﴾ النِداءُ بِالجُمْعَةِ هو في ناحِيَةٍ مِنَ المَسْجِدِ، وكانَ عَلى الجِدارِ في مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ  ، وقالَ السائِبُ بْنُ يَزِيدَ: كانَ لِلنَّبِيِّ  مُؤَذِّنٌ واحِدٌ عَلى بابِ المَسْجِدِ، وفي مُصْحَفِ أبِي داوُدَ: كانَ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو عَلى مِنبَرِ أذانٍ، وهو الَّذِي اسْتَعْمَلَ بَنُو أُمِّيَّةَ، وبَقِيَ بِقُرْطُبَةَ إلى الآنَ، ثُمَّ زادَ عُثْمانُ النِداءَ عَلى الزَوْراءِ لِيُسْمِعَ الناسَ، فَقَوْمٌ عَبَّرُوا عن زِيادَةِ عُثْمانَ بِالثانِي كَأنَّهم لَمْ يَعْتَدُّوا الَّذِي كانَ بَيْنَ يَدَيِ النَبِيِّ  ، وقَوْمٌ عَبَّرُوا عنهُ بِالثالِثِ.

وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ والأعْمَشُ: "الجُمْعَةُ" بِإسْكانِ المِيمِ، وهي لُغَةٌ.

والمَأْمُورُ بِالسَعْي هو المُؤْمِنُ الصَحِيحُ البالِغُ الحُرُّ الذَكَرُ، ولا جُمْعَةَ عَلى مُسافِرٍ في طاعَةٍ، فَإنْ حَضَرَها أحْسَنَ وأجْزَأتْهُ، واخْتَلَفَ الناسُ في الحَدِّ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ السَعْيُ، فَقالَ مالِكٌ: ثَلاثَةُ أمْيالٍ مِن مَنزِلِ الساعِي إلى المُنادِي، وقالَ فَرِيقٌ: مِن مَنزِلِ الساعِي إلى أوَّلِ المَدِينَةِ الَّتِي فِيها النِداءُ، وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ: يَلْزَمُ أهْلَ المَدِينَةِ كُلِّها السَعْيُ مَن سَمِعَ النِداءَ ومَن لَمْ يَسْمَعْ وإنْ كانَتْ أقْطارُها فَوْقَ ثَلاثَةِ أمْيالٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: ولا يَلْزَمُ مِن مَنزِلِهِ خارِجَ المَدِينَةِ كَزُرارَةَ مِنَ الكُوفَةِ، وإنَّما بَيْنُهُما مَجْرى نَهْرٍ، ولا تَجُوزُ لَهم إقامَتُها لِأنَّ مِن شُرُوطِها الجامِعُ والسُلْطانُ القاهِرُ والسُوقُ القائِمَةُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: السَعْيُ مِن خَمْسَةِ أمْيالٍ، وقالَ الزَهْرِيُّ: مِن سِتَّةِ أمْيالٍ، وقالَ أيْضًا: مِن أرْبَعَةِ أمْيالٍ، وقالَهُ ابْنُ المُنْكَدِرِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ حَنْبَلٍ: إنَّما يَلْزَمُ السَعْيُ مَن سَمِعَ النِداءَ، وفي هَذا نَظَرٌ.

والسَعْيُ في الآيَةِ لَيْسَ الإسْراعُ في المَشْيِ كالسَعْيِ بَيْنَ الصَفا والمَرْوَةَ، وإنَّما هو بِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى  ﴾ ، فالقِيامُ والوُضُوءُ ولُبْسُ الثَوْبِ والمَشْيُ سَعْيٌ كُلُّهُ إلى ذِكْرِ اللهِ تَعالى، قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ، وغَيْرُهُمْ: إنَّما تُؤْتى الصَلاةُ بِالسَكِينَةِ، فالسَعْيُ هو بِالنِيَّةِ والإرادَةِ والعَمَلِ، و"الذِكْرُ" هو وعْظُ الخُطْبَةِ، قالَهُ ابْنُ المُسَيِّبِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "إنَّ المَلائِكَةَ عَلى أبْوابِ المَسْجِدِ يَوْمَ الجُمْعَةَ، يَكْتُبُونَ الأوَّلَ فالأوَّلَ، إذا خَرَجَ الإمامُ طُوِيَتِ الصُحُفُ وجَلَسَتِ المَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِكْرَ"،» والخُطْبَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ شَرْطٌ في انْعِقادِ الجُمْعَةِ، وقالَ الحَسَنُ: وهي مُسْتَحَبَّةٌ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وجَماعَةٌ مِنَ التابِعِينَ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ: "فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللهِ"، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَوْ قَرَأْتَ: "فاسْعَوْا" لَأسْرَعْتُ حَتّى يَقَعَ رِدائِي.

واخْتَلَفَ الناسُ فِي: البَيْعِ في الوَقْتِ المَنهِيِّ عنهُ إذا وقَعَ: ما الحُكْمُ فِيهِ؟

بَعْدَ إجْماعِهِمْ عَلى وُجُوبِ امْتِناعِهِ بَدْءًا، فَقالَ الشافِعِيُّ: يَمْضِي، وقالَ مُرَّةُ: يُفْسَخُ ما لَمْ يَفُتْ، فَإنْ فاتَ مَضى.

وقالَ مالِكٌ: يُفْسَخُ ما لَمْ يَفُتْ، فَإنْ فاتَ أصْلَحَ بِالقِيمَةِ، واخْتُلِفَ في وقْتِ التَقْوِيمِ، فَقِيلَ: وقْتُ القَبْضِ، وقِيلَ: وقْتُ الحُكْمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكُمْ" إشارَةٌ إلى السَعْيِ وتَرْكِ البَيْعِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "فانْتَشِرُوا" أجْمَعَ الناسُ عَلى أنَّ مُقْتَضى هَذا الأمْرِ الإباحَةُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ ﴾ أنَّهُ لِلْإباحَةِ في طَلَبِ المَعاشِ، وأنَّ ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا  ﴾ ، إلّا ما رُوِيَ عن أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "ذَلِكَ الفَضْلُ المُبْتَغى هو عِيادَةُ مَرِيضٍ أو صِلَةُ صَدِيقٍ أوِ اتِّباعُ جَنازَةٍ"».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المَرْءُ بَقِيَّةَ يَوْمِ الجُمْعَةَ، ويَكُونُ تَخَيُّرُهُ صُبْحَ يَوْمِ السَبْتَ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصادِقُ، وقالَ مَكْحُولٌ: الفَضْلُ المُبْتَغى العِلْمُ، فَيَنْبَغِي أنْ يَطْلُبَ إثْرَ الجُمْعَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا رَأوا تِجارَةً أو لَهْوًا ﴾ ، الآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ قائِمًا عَلى المِنبَرِ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمْعَةِ، فَأقْبَلَتْ عِيرٌ مِنَ الشامِ تَحْمِلُ مِيرَةً، وصاحِبُ أمْرِها دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الكَلْبِيُّ، قالَ مُجاهِدٌ: وكانَ مِن عُرْفِهِمْ أنَّ تَدْخُلَ العِيرُ المَدِينَةَ بِالطَبْلِ والمَعازِفِ والصِياحُ مِن ورائِها، فَدَخَلَتِ العِيرُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فانْفَضَّ أهْلُ المَسْجِدِ إلى رُؤْيَةِ ذَلِكَ وسَماعِهِ، وتَرَكُوا رَسُولَ اللهِ  قائِمًا عَلى المِنبَرِ، ولَمْ يَبْقَ مَعَهُ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنا أحَدُهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ تَمُرَّ بِي تَسْمِيَتُهم في دِيوانٍ فِيما أذْكُرُهُ، إلّا إنِّي سَمِعْتُ أبِي رَحِمَهُ اللهُ تَعالى يَقُولُ: هُمُ العَشْرَةُ المَشْهُودُ لَهم بِالجَنَّةِ، واخْتُلِفَ في الحادِي عَشَرَ، فَقِيلَ: عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقِيلَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: بَقِيَ مَعَهُ ثَمانِيَةُ نَفَرٍ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "لَوْلا هَؤُلاءِ لَقَدْ كانَتِ الحِجارَةُ سُوِّمَتْ عَلى المُنْفَضِّينَ مِنَ السَماءِ"»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ « "والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، ولَوْ تَتابَعْتُمْ حَتّى لا يَبْقى مِنكم أحَدٌ لَسالَ عَلَيْكُمُ الوادِي نارًا"،» وقالَ قَتادَةُ: بَلَغَنا أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ لِأنَّ قُدُومَ العِيرِ كانَ يُوافِقُ يَوْمَ الجُمْعَةَ، بِسَبَبِ أنَّ المَراحِلَ كانَتْ تُعْطِي ذَلِكَ، وقالَ تَعالى: "إلَيْها" ولَمْ يَقُلْ: "إلَيْهِما" تَقْدِيمًا لِلْأهَمِّ، إذْ كانَتْ هي سَبَبُ اللهْوِ ولَمْ يَكُنِ اللهْوُ سَبَبَها، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمِنَ التِجارَةِ لِلَّذِينِ اتَّقَوْا واللهُ خَيْرُ الرازِقِينَ".

وتَأمَّلْ إنْ قُدِّمَتِ التِجارَةُ مَعَ الرُؤْيَةِ لِأنَّها أهَمُّ، وأُخِّرَتْ مَعَ التَفْضِيلِ لِتَقَعَ النَفْسُ أوَّلًا عَلى الأبْيَنِ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ قِيامُ الخَطِيبِ، وأوَّلُ مَنِ اسْتَراحَ في الخُطْبَةِ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ:، وأوَّلُ مَن خَطَبَ جالِسًا مُعاوِيَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

و"الرازِقُ" صِفَةُ فِعْلٍ، وقَدْ يَتَّصِفُ بِها بَعْضُ البَشَرِ تَجَوُّزًا إذا كانَ سَبَبَ رِزْقِ الحَيَوانِ، واللهُ تَعالى خَيْرُ الرازِقِينَ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الجُمْعَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد