المحرر الوجيز سورة المنافقون

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة المنافقون

تفسيرُ سورةِ المنافقون كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 23 دقيقة قراءة

تفسير سورة المنافقون كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ قَالُوا۟ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ ١ ٱتَّخَذُوٓا۟ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةًۭ فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٢ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ٣ ۞ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا۟ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌۭ مُّسَنَّدَةٌۭ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ ۚ قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ٤

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُنافِقُونَ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ، وذَلِكَ أنَّها نَزَلَتْ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ بِسَبَبِ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ كانَ مِنهُ في تِلْكَ الغَزْوَةِ أقْوالٌ، وكانَ لَهُ أتْباعٌ يَقُولُونَ قَوْلَهُ، فَنَزَلَتِ السُورَةُ كُلُّها بِسَبَبِ ذَلِكَ، ذَكَرَ اللهُ تَعالى فِيها ما تَقَدَّمَ مِنَ المُنافِقِينَ مِن حِلْفِهِمْ وشَهادَتِهِمْ في الظاهِرِ بِالإيمانِ، وأنَّهم كَذَبَةٌ، وذَكْرَ تَعالى فِيها ما تَأخَّرَ مِنهم ووَقَعَ في تِلْكَ الغَزْوَةِ، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ فَصْلًا فَصْلًا عِنْدَ تَفْسِيرِ الآياتِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ واللهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ﴾ ﴿ اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ ﴾ ﴿ وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهم وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهم قاتَلَهُمُ اللهُ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ فَضَحَ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ سَرِيرَةُ المُنافِقِينَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللهِ  : نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ، وهم في إخْبارِهِمْ هَذا كاذِبُونَ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ الكَذِبِ أنْ يُخْبِرَ الإنْسانُ بِضِدٍّ ما في قَلْبِهِ، وكُسِرَتِ الألِفُ مِن "إنَّ" في الثَلاثَةِ لِدُخُولِ اللامِ المُؤَكِّدَةِ في الخَبَرِ وذَلِكَ لا يَكُونُ مَعَ المَفْتُوحَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "يَشْهَدُ" وما جَرى مَجْراها مِن أفْعالِ اليَقِينِ والعِلْمِ تُجابُ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ، وهي بِمَنزِلَةِ القَسَمِ.

وقَرَأ الناسُ: "أيْمانَهُمْ" جَمْعُ يَمِينٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُ-: "إيمانُهُمْ" بِكَسْرِ الألِفِ، أيْ: هَذا الَّذِي تَظْهَرُونَ، وهَذا عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: إظْهارٌ، و"الجَنَّةُ": ما يُتَسَتَّرُ بِهِ في الأجْرامِ والمَعانِي، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَصَدُّوا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ، تَقُولُ: "صَدَّ زَيْدٌ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا كَما قالَ: صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو...............

فالمَعْنى: صَدُّوا غَيْرَهم مِمَّنْ كانَ يُرِيدُ الإيمانَ، أو مِنَ المُؤْمِنِينَ في أنْ يُقاتِلُوهم أو يُنْكِرُوا عَلَيْهِمْ، وتِلْكَ سَبِيلُ اللهِ تَعالى فِيهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى فِعْلِ اللهِ تَعالى في فَضِيحَتِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى سُوءِ ما عَمِلُوا، فالمَعْنى: ساءَ عَمَلُهم أنْ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا" إمّا أنْ يُرِيدَ بِهِ: مِنهم مَن كانَ آمَنَ ثُمَّ نافَقَ بَعْدَ صِحَّةٍ مِن إيمانِهِ، وقَدْ كانَ هَذا مَوْجُودًا، وإمّا أنْ يُرِيدَهم كُلَّهُمْ، فالمَعْنى: ذَلِكَ بِأنَّهم أظْهَرُوا الإيمانَ ثُمَّ كَفَرُوا في باطِنِ أمْرِهِمْ، فَسَمّى ذَلِكَ الإظْهارَ إيمانًا، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "فَطُبِعَ" بِضَمِّ الطاءِ عَلى بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ بِغَيْرِ إدْغامٍ، وأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَطَبَعَ اللهُ"، وعَبَّرَ اللهُ تَعالى بِالطَبْعِ عَمّا خَلَقَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرَيْبِ والشَكِّ وخَتَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَصِيرِ إلى النارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ، وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ تَوْبِيخٌ لَهُمْ: لِأنَّهم كانُوا رِجالًا أجْمَلَ شَيْءٍ وأفْصَحَهُ، فَكانَ مَنظَرُهم يَرُوقُ وقَوْلُهم يَخْلُبُ، لَكِنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَهم كالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ إذْ لا أفْهامَ لَهم نافِعَةً، ولا نَظَرَ يُصِيبُ، فَذَلِكَ المَنظَرُ لا مُخْبِرَ لَهُ كالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ، إنَّما هي أجْرامٌ لا عُقُولَ لَها، مُعْتَمِدَةٌ عَلى غَيْرِها، لا تَثْبُتُ بِنَفْسِها، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "تُسانِدُ القَوْمَ" إذا اصْطَفَوْا وتَقابَلُوا لِلْقِتالِ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُشَبِّهَ اصْطِفافَهم في الأنْدِيَةِ بِاصْطِفافِ الخُشُبِ المُسَنَّدَةِ، وخُلُوِّهِمْ مِنَ الأفْهامِ النافِعَةِ بِخُلُوِّ الخُشُبِ مِن ذَلِكَ، وقالَ رَجُلٌ لِابْنِ سِيرِينَ: رَأيْتُنِي في النَوْمِ مُحْتَضِنًا خَشَبَةً، فَقالَ ابْنُ سِيرِينَ: أظُنُّكَ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ، وتَلا: ﴿ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾ .

وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وعَطِيَّةُ: "يَسْمَعُ" بِالياءِ مَضْمُومَةً، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ: "خُشُبٌ" بِضَمِّ الخاءِ والشِينِ، وقَرَأ قَنْبَلٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "خُشْبٌ" بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ الشِينِ، وهي قِراءَةُ البَراءِ بْنِ عازِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، واخْتِيارُ ابْنِ عُبَيْدٍ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: "خَشَبٌ" بِفَتْحِ الخاءِ والشِينِ، وذَلِكَ كُلُّهُ جَمْعُ "خَشَبَةٍ" بِفَتْحِ الخاءِ والشِينِ، فالقِراءَتانِ أوَّلًا كَما تَقُولُ: بَدَنَةٌ وبُدْنٌ وبُدُنٌ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ، والأخِيرَةُ عَلى البابِ في ثَمَرَةٍ وثَمَرٍ.

وكانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ مِن أبْهى المُنافِقِينَ وأطْوَلِهِمْ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ قَمِيصٌ يَكْسُو العَبّاسَ رَضِيَ اللهُ عنهُ غَيْرَ قَمِيصِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ [البَقَرَةِ] تَحْرِيرُ أمْرِ المُنافِقِينَ وكَيْفَ سَتَرَهُمُ الإسْلامُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ فَضْحٌ أيْضًا لِما كانُوا يُسِرُّونَهُ مِنَ الخَوْفِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَتَوَقَّعُونَ أنْ يَأْمُرَ النَبِيُّ  -عَنِ اللهِ- بِقَتْلِهِمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: فَكانُوا مَتى سَمِعُوا نُشْدانَ ضالَّةٍ، أو صِياحًا بِأيِّ وجْهٍ كانَ، أو أخْبَرُوا بِنُزُولِ وحْيٍ طارَتْ قُلُوبُهم وطاشَتْ عُقُولُهم حَتّى يَسْكُنَ ذَلِكَ ويَكُونُ في غَيْرِ شَأْنِهِمْ، وجَرى هَذا اللَفْظُ مَثَلًا في الخائِفِ، ونَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: يُرَوِّعُهُ السِرارُ بِكُلِّ أرْضٍ ∗∗∗ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ بِهِ السِرارُ وقَوْلُ جَرِيرٍ: ما زِلْتَ تَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَهم ∗∗∗ خَيْلًا تَكِرُّ عَلَيْهِمْ ورِجالًا ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهم هُمُ العَدُوُّ، وحَذَّرَ مِنهُمْ، و"العَدُوُّ" يَقَعُ لِلْواحِدِ ولِلْجَمْعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "قاتَلَهُمُ اللهُ" دُعاءٌ يَتَضَمَّنُ الإقْصاءَ والمُنابَذَةَ، وتَمَنِّي الشَرَّ لَهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أنّى يُؤْفَكُونَ" مَعْناهُ: يُصْرَفُونَ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنّى" اسْتِفْهامًا، كَأنَّهُ تَعالى: قالَ كَيْفَ يُصْرَفُونَ؟

أو: لِأيِّ سَبَبٍ لا يَرَوْنَ رُشْدَ أنْفُسِهِمْ؟

ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنّى" ظَرْفًا لـ "قاتَلَهُمُ" كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قاتَلَهُمُ اللهُ كَيْفَ انْصَرَفُوا وصُرِفُوا، فَلا يَكُونُ في القَوْلِ اسْتِفْهامٌ عَلى هَذا.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْا۟ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ٥ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ ٦ هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا۟ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا۟ ۗ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ٧ يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلْأَعَزُّ مِنْهَا ٱلْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهم ورَأيْتَهم يَصُدُّونَ وهم مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهم إنَّ اللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ ﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا ولِلَّهِ خَزائِنُ السَماواتِ والأرْضِ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ﴾ ﴿ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ كانَ أمْرُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ أنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ  في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ، فَبَلَغَ الناسُ إلى ماءٍ سَبَقَ إلَيْهِ المُهاجِرُونَ، وكَأنَّهم غَلَبُوا الأنْصارَ عَلَيْهِ بَعْضَ الغَلَبَةِ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ لِأصْحابِهِ: قَدْ كُنْتُ قُلْتُ لَكم في هَؤُلاءِ الجَلابِيبِ ما قُلْتُ فَلَمْ تَسْمَعُوا مِنِّي، وكانَ المُنافِقُونَ ومَن لا يَتَحَرّى، يُسَمُّونَ المُهاجِرِينَ رَضِيَ اللهُ عنهُمُ الجَلابِيبَ، ومِنهُ «قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: أرى الجَلابِيبَ قَدْ عَزُّوا وقَدْ كَثُرُوا وابْنُ القُرَيْعَةِ أمْسى بَيْضَةَ البَلَدِ فَقالَ النَبِيُّ  : أتَحُضُّ عَلَيْنا يا حَسّانُ ؟» ثُمَّ «إنَّ الجَهْجاهَ الغِفارِيَّ، كانَ أجِيرًا لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ورَدَ الماءَ بِفَرَسٍ لِعُمَرَ، فازْدَحَمَ هو وسِنانُ بْنُ وبْرَةَ الجُهَنِيُّ -وَكانَ حَلِيفًا لِلْأوسِ-، فَكَسَعَ الجَهْجاهُ سِنانًا، فَغَضِبَ سِنانُ فَتَأثَّرُوا، ودَعا الجِهْجاهُ بِالمُهاجِرِينَ، ودَعا سِنانُ بِالأنْصارِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ  فَقالَ: "ما بالُ دَعْوى الجاهِلِيَّةِ"، فَلَمّا أخْبَرَ بِالقِصَّةِ قالَ: "دَعُوها فَإنَّها مُنْتِنَةٌ"، واجْتَمَعَ في الأمْرِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ، وكانَ فِيهِمْ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ فَتًى صَغِيرًا لَمْ يَتَحَفَّظْ مِنهُ-، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ: أوَقَدْ تَداعَوْا عَلَيْنا؟

واللهِ ما مَثَلُنا ومَثَلُهم إلّا كَما قالَ الأوَّلُ: "سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلُكَ"، وقالَ لَهُمْ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجْنَ الأعَزُّ مِنها الأذَلُّ، وقالَ لَهُمْ: إنَّما يُقِيمُ هَؤُلاءِ المُهاجِرُونَ مَعَ مُحَمَّدٍ بِسَبَبِ مَعُونَتِكم لَهم وإنْفاقِكم عَلَيْهِمْ، ولَوْ قَطَعْتُمْ ذَلِكَ عنهم لَفَرُّوا، فَذَهَبَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ إلى عَمِّهِ- وكانَ في حِجْرِهِ- وأخْبَرَهُ، فَأتى بِهِ إلى رَسُولِ اللهِ  فَأخْبَرَهُ، وقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ  : "يا زَيْدُ، غَضِبْتَ عَلى الرَجُلِ، أو لَعَلَّكَ وُهِمْتَ"؟، فَأقْسَمَ زَيْدٌ ما كانَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ولَقَدْ سَمِعَ مِن عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ ما حَكى، فَعاتَبَ رَسُولُ اللهِ  عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ عِنْدَ رِجالٍ مِنَ الأنْصارِ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَجاءَ وحَلَفَ ما قالَ، وكَذَّبَ زَيْدًا، وحَلَفَ مَعَهُ قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ، فَكَذَّبَ رَسُولُ اللهِ  زَيْدًا وصَدَّقَ أيْمانَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَبَقِيَ زَيْدٌ في مَنزِلِهِ لا يَتَصَرَّفُ حَياءً مِنَ الناسِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ  فِيزَيْدٍ وقالَ: لَقَدْ صَدَّقَكَ اللهُ يا زَيْدُ ووَفَتْ أُذُنُكَ، فَخَزِيَ عِنْدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، ومَقَتَهُ الناسُ، ولامَهُ المُؤْمِنُونَ مَن قَوْمِهِ، وقالَ بَعْضٌ مِنهُمْ: امْضِ إلى رَسُولِ اللهِ  واعْتَرِفْ بِذَنْبِكَ فَيَسْتَغْفِرُ لَكَ، فَلَوّى رَأْسَهُ إنْكارًا لِهَذا الرَأْيِ وقالَ لَهُمْ: لَقَدْ أشَرْتُمْ عَلَيَّ بِالإيمانِ فَآمَنتُ، وأشَرْتُمْ عَلَيَّ بِأنْ أُعْطِيَ زَكاةَ مالِي فَفَعَلْتُ، ولَمْ يَبْقَ لَكم إلّا أنْ تَأْمُرُونِي بِالسُجُودِ لِمُحَمَّدٍ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا هو قَصَصُ هَذِهِ السُورَةِ مُوجَزًا.

و"تَعالَ" نِداءٌ يَقْتَضِي لَفْظَهُ أنَّهُ دُعاءُ الأعْلى لِلْأسْفَلِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ داعٍ لِما فِيهِ مِن حُسْنِ الأدَبِ.

وقَرَأ نافِعٌ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "لَوَوْا" بِتَخْفِيفِ الواوِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ -بِخِلافٍ-، ومُجاهِدٌ، وأهْلُ المَدِينَةِ، وقَرَأ الباقُونَ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ: "لوَّوْا" بِشَدِّ الواوِ عَلى تَضْعِيفِ المُبالَغَةِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، وعِيسى، وأبِي رَجاءٍ، وزِرٍّ، والأعْرَجِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ هُنا: "يَصُدُّونَ" بِكَسْرِ الصادِ، والجُمْهُورُ بِضَمِّها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ ﴾ الآيَةُ.

رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ  ﴾ قالَ رَسُولُ اللهِ  : "لَأزِيدَنَّ عَلى السَبْعِينَ"»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ « "لَوْ عَلِمْتُ أنِّي إنْ زِدْتُ غُفِرَ لَهم لَزِدْتُ"»، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ رَجا أنَّ هَذا الحَدَّ لَيْسَ عَلى جِهَةِ الحَتْمِ جُمْلَةً، بَلْ عَلى أنَّ ما يُجاوِزُهُ يَخْرُجُ عن حُكْمِهِ، فَلَمّا فَعَلَ ابْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ ما فَعَلُوا شَدَّدَ الله تَعالى عَلَيْهِمْ في هَذِهِ السُورَةِ، وأعْلَمُ أنَّهُ لَنْ يَغْفِرَ لَهم دُونَ حَدٍّ في الِاسْتِغْفارِ، وفي قَوْلِ النَبِيِّ  : « "لَوْ أعْلَمُ أنِّي إنْ زِدْتُ غُفِرَ لَهُمْ"» نَصَّ عَلى رَفْضِ دَلِيلِ الخِطابِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أسْتَغْفَرْتُ" بِالقَطْعِ وألِفِ الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ: "اسْتَغْفَرْتُ" بِمَدٍّ عَلى الهَمْزَةِ، وهي ألِفُ التَسْوِيَةِ، وقَرَأ أيْضًا بِوَصْلِ الألِفِ دُونَ هَمْزٍ عَلى الخَبَرِ، وفي هَذا كُلِّهِ ضَعْفٌ؛ لِأنَّهُ في الأُولى أثْبَتَ هَمْزَةَ الوَصْلِ وقَدْ أغْنَتْ عنها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وفي الثانِيَةِ حَذْفُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهو يُرِيدُها، وهَذا مِمّا لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشِعْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ ﴾ أشارَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ومَن قالَ بِقَوْلِهِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ، ثُمَّ سَفَّهَ تَعالى أحْلامَهم في أنْ ظَنُّوا إنْفاقَهم هو سَبَبُ رِزْقِ المُهاجِرِينَ، ونَسُوا أنَّ حِرْمانَ الرِزْقِ بِيَدِ اللهِ تَعالى، إذا انْسَدَّ بابٌ انْفَتَحَ غَيْرُهُ.

وقَرَأ الفَضْلُ بْنُ عِيسى الرُقاشِيُّ: "حَتّى يُنْفَضُوا" بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيف الضادِ، يُقالُ: "أنْفَضَ" الرَجُلُ إذا فَنِيَ طَعامُهُ فَنَفَضَ وِعاءَهُ.

و"الخَزائِنُ" مَوْضِعُ الإعْدادِ، ونَجِدُ القُرْآنَ قَدْ نَطَقَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالخَزائِنِ، ونَجِدُ في الحَدِيثِ: « "خَزَنَةُ الرِبْحِ"،» وفي القُرْآنِ ﴿ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ  ﴾ ، فَجائِزٌ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، وأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ إيجادُها عِنْدَ ظُهُورِها، وجائِزٌ -وَهُوَ الأظْهَرُ- أنَّ مِنها أشْياءَ مَخْلُوقَةً مَوْجُودَةً يَصْرِفُها اللهُ تَعالى حَيْثُ شاءَ، وظَواهِرُ ألْفاظِ الشَرِيعَةِ تُعْطِي هَذا، ومَعْناهُ في التَفْسِيرِ قالَ: عَتَتْ عَلى الخُزّانِ، وفي الحَدِيثِ: « "ما انْفَتَحَ مِن خَزائِنِ الرِبْحِ عَلى قَوْمِ عادٍ إلّا قَدْرَ حَلْقَةِ الخاتَمِ، ولَوِ انْفَتَحَ مِن خَزائِنِ الرِيحِ عَلى قَوْمِ عادٍ إلّا قَدْرَ حَلْقَةِ الخاتَمِ، ولَوِ انْفَتَحَ مِن خَزائِنِ الرِيحِ عَلى قَدْرِ مِنخَرِ الثَوْرِ لَهَلَكَتِ الدُنْيا"»، وقالَ رَجُلٌ لِحاتِمٍ الأصَمِّ: مِن أيْنَ تَأْكُلُ؟

فَقَرَأ: "وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَماواتِ والأرْضِ"، وقالَ الجُنَيْدُ: "خَزائِنُ السَماءِ الغُيُوبُ، وخَزائِنُ الأرْضِ القُلُوبُ".

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ"" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الراءِ بِمَعْنى أنَّ العَزِيزَ يُخْرِجُ الذَلِيلَ ويُبْعِدُهُ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: "لِنُخْرِجَنَّ" بِنُونِ الجَماعَةِ مَفْتُوحَةً وضَمِّ الراءِ "الأعَزَّ" نَصْبًا "مِنها الأذَلُّ" أيْضًا نَصْبًا عَلى الحالِ، وذَكَرَها أبُو عُمَرَ الدانِيُّ عَنِ الحَسَنِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ: "لِنُخْرِجَنَّ" بِضَمِّ النُونِ وكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ قَوْمٌ فِيما حَكى الفَرّاءُ والكِسائِيُّ، وذَكَرَها المَهْدَوِيُّ-: "لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلُّ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ.

وَنُصِبَ "الأذَلَّ" عَلى الحالِ، بِمَعْنى أنَّ نَحْنُ الَّذِينَ كُنّا أعِزَّةً سَنَخْرُجُ أذِلّاءَ، وجاءَتْ هَذِهِ الحالُ مَعْرِفَةً، وفِيها شُذُوذٌ، وحَكى سِيبَوَيْهِ: "ادْخُلُوا الأوَّلَ فالأوَّلَ".

ثُمَّ أعْلَمَ تَعالى أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، ولِلرَّسُولِ  ، ولِلْمُؤْمِنِينَ، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ، ورُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، -وَكانَ رَجُلًا صالِحًا- لَمّا سَمِعَ الآيَةَ جاءَ إلى أبِيهِ وقالَ لَهُ: أنْتَ واللهِ يا أبَتِ الذَلِيلُ ورَسُولُ اللهِ  العَزِيزُ، فَلَمّا وصَلَ الناسُ إلى المَدِينَةِ وقَفَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَلى بابِ السِكَّةِ الَّتِي يَسْلُكُها أبُوهُ، وجَرَّدَ السَيْفَ ومَنَعَهُ الوُصُولَ، وقالَ: واللهِ لا دَخَلْتَ إلى مَنزِلِكَ إلّا أنْ يَأْذَنَ في ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ  ، وعَبْدُ اللهِ ابْنُ أُبَيٍّ في أذَلِّ حالٍ، وبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ  فَبَعَثَ إلَيْهِ أنَّ خَلِّهِ يَمْضِي إلى مَنزِلِهِ، فَقالَ: أمّا الآنَ فَنَعَمْ.» <div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ٩ وَأَنفِقُوا۟ مِن مَّا رَزَقْنَـٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَآ أَخَّرْتَنِىٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ قَرِيبٍۢ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ١٠ وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ١١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أولادُكم عن ذِكْرِ اللهِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ ﴿ وَأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِن الصالِحِينَ ﴾ ﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ الإلْهاءُ: الِاشْتِغالُ بِشَهْوَةٍ ولَذَّةٍ، و"ذِكْرُ اللهِ" هُنا عامٌّ في التَوْحِيدِ والصَلاةِ والدُعاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فَرْضٍ ومَندُوبٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الضَحّاكُ، وعَطاءٌ وأصْحابُهُ: المُرادُ بِالذِكْرِ الصَلاةُ المَكْتُوبَةُ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ ﴾ قالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المُرادُ الزَكاةُ، وقالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ عامٌّ في مَفْرُوضٍ ومَندُوبٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ ﴾ أيْ: عَلاماتُهُ وأوائِلُ أمْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ طَلَبٌ لِلْكَرَّةِ والإمْهالِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أخَّرْتَنِ" بِغَيْرِ ياءٍ، وسَمّاهُ قَرِيبًا لِأنَّهُ آتٍ، وأيْضًا فَإنَّما يَتَمَنّى ذَلِكَ لِيَقْضِيَ فِيهِ العَمَلَ الصالِحَ فَقَطْ، ولَيْسَ يَتَّسِعُ الأمَلُ حِينَئِذٍ لِطَلَبِ العَيْشِ وتَصَرُّفِهِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "فَأتَصَدَّقُ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأكُنْ مِنَ الصالِحِينَ ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو الحَجُّ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ في مَجْلِسِهِ يَوْمًا: "ما مِن رَجُلٍ لا يُؤَدِّي الزَكاةَ والحَجَّ إلّا طَلَبَ الكَرَّةَ عِنْدَ مَوْتِهِ"، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أما تَتَّقِي اللهَ؟

أمُؤْمِنٌ يَطْلُبُ الكَرَّةَ؟

فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَعَمْ وقَرَأ الآيَةَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ والناسُ: "وَأكُنْ" بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: إنْ تُؤَخِّرْنِي أصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصالِحِينَ، هَذا مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، فَأمّا ما حَكاهُ سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ فَهو غَيْرُ هَذا، وهو أنَّهُ جَزَمَ عَلى تَوَهُّمِ الشَرْطِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ التَمَنِّي، ولا مَوْضِعَ هُنا لِأنَّ الشَرْطَ لَيْسَ بِظاهِرٍ، وإنَّما يُعْطَفُ عَلى الوَضْعِ حَيْثُ يَظْهَرُ الشَرْطُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهُمْ  ﴾ ، فَمَن قَرَأ بِالجَزْمِ عَطَفَ عَلى مَوْضِع "فَلا هادِيَ لَهُ" لِأنَّهُ وقَعَ هُناكَ فِعْلٌ كانَ مَجْزُومًا، وكَذَلِكَ مَن قَرَأ: "وَيَكْفُرْ" بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَوْضِع ( فَهو خَيْرٌ لَكم )، وقَرَأها أبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعُبَيْدُ اللهِ بْنُ الحَسَنِ العنبَرِيُّ: "وَأكُونَ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "فَأصَّدَّقَ"، وقالَ أبُو حاتِمٍ في كَتْبِها في المُصْحَفِ بِغَيْرِ واوٍ: إنَّهم حَذَفُوا الواوَ كَما حَذَفُوها مِنِ "اتَّخَذَ" وغَيْرِهِ، ورَجَّحَها أبُو عَلِيٍّ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فَأتَصَدَّقُ وأكُنْ" وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها ﴾ حَضٌّ عَلى المُبادَرَةِ ومُسابَقَةِ الأجَلِ بِالعَمَلِ الصالِحِ، وقَرَأ السَبْعَةُ والجُمْهُورُ: "تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ لِجَمِيعِ الناسِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ عَلى تَخْصِيصِ الكَفّارِ بِالوَعِيدِ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُنافِقُونَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله