الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 6 الأنعام > الآية ١٣٩
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ تَعْدِيدَ مَذاهِبِهِمُ الفاسِدَةِ؛ وكانَتْ سُنَّتُهم في بَعْضِ الأنْعامِ أنْ يُحَرِّمُوا ما ولَدَتْ عَلى نِسائِهِمْ؛ ويُخَصِّصُونَهُ لِذُكُورِهِمْ؛ والهاءُ في "خالِصَةٌ"؛ قِيلَ: هي لِلْمُبالَغَةِ؛ كَما هي في "راوِيَةٌ"؛ وغَيْرِها؛ وهَذا كَما تَقُولُ: "فُلانٌ خالِصَتِي"؛ وإنْ كانَ بابُ هاءِ المُبالَغَةِ أنْ يَلْحَقَ بِناءَ مُبالَغَةٍ كَـ "عَلّامَةٌ"؛ و"نَسّابَةٌ"؛ و"بَصِيرَةٌ"؛ ونَحْوِهُ؛ وقِيلَ: هي لِتَأْنِيثِ الأنْعامِ؛ إذْ ما في بُطُونِها أنْعامٌ أيْضًا؛ وقِيلَ: هي عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ "ما"؛ لِأنَّ "ما"؛ واقِعَةٌ في هَذا المَوْضِعِ مَوْقِعَ قَوْلِكَ: "جَماعَةً"؛ و"جُمْلَةً".
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسِ: "خالِصَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ؛ والأعْمَشُ: "خالِصٌ"؛ دُونَ هاءٍ؛ ورَفْعُ هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - بِخِلافٍ - والأعْرَجُ ؛ وقَتادَةُ ؛ وسُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ: "خالِصَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - فِيما ذَكَرَ أبُو الفَتْحِ -: "خالِصًا"؛ ونَصْبُ هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ عَلى أنَّ الحالَ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "فِي بُطُونِ"؛ ﴾ وذَلِكَ أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: "وَقالُوا: ما اسْتَقَرَّ هو في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ..."؛ فَحُذِفَ الفِعْلُ وحُمِّلَ المَجْرُورُ الضَمِيرَ؛ والحالُ مِنَ الضَمِيرِ؛ والعامِلُ فِيها مَعْنى الِاسْتِقْرارِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ حالًا مِن "ما"؛ عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ في إجازَتِهِ تَقْدِيمَ الحالِ عَلى العامِلِ فِيها؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ وأبُو حَيْوَةَ؛ والزُهْرِيُّ: "خالِصُهُ"؛ بِإضافَةِ "خالِصُ"؛ إلى ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى "ما"؛ ومَعْناهُ: "ما خَلُصَ وخَرَجَ حَيًّا"؛ والخَبَرُ - عَلى قِراءَةِ مَن نَصَبَ "خالِصَةً"؛ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "لِذُكُورِنا"؛ والمَعْنى المُرادُ بِـ "ما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى "ما في بُطُونِ"؛ قالَ السُدِّيُّ: هي الأجِنَّةُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ والشَعْبِيُّ: هو اللَبَنُ؛ قالَ الطَبَرِيُّ ؛ واللَفْظُ يَعُمُّهُما.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَمُحَرَّمٌ"؛ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهاءَ في "خالِصَةٌ"؛ لِلْمُبالَغَةٍ؛ ولَوْ كانَتْ لِتَأْنِيثٍ لَقالَ: "وَمُحَرَّمَةٌ"؛ و"أزْواجِنا"؛ يُرِيدُ بِهِ جَماعَةَ النِساءِ؛ الَّتِي هي مُعَدَّةٌ أنْ تَكُونَ أزْواجًا؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ المُرادَ بِـ "أزْواجِنا": اَلْبَناتُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا يَبْعُدُ تَحْلِيقُهُ عَلى المَعْنى؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَإنْ يَكُنْ مَيْتَةً ﴾ ؛ كانَ مِن سُنَّتِهِمْ أنَّ ما خَرَجَ مِنَ الأجِنَّةِ مَيْتًا مِن تِلْكَ الأنْعامِ المَوْقُوفَةِ؛ فَهو حَلالٌ لِلرِّجالِ والنِساءِ جَمِيعًا؛ وكَذَلِكَ ما ماتَ مِنَ الأنْعامِ المَوْقُوفَةِ نَفْسِها.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَإنْ يَكُنْ"؛ بِالياءِ؛ "مَيْتَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ فَلَمْ يُلْحِقِ الفِعْلَ عَلامَةَ التَأْنِيثِ؛ لَمّا كانَ تَأْنِيثُ الفاعِلِ المُسْنَدِ إلَيْهِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ؛ والمَعْنى: "وَإنْ وقَعَ مَيْتَةٌ أو حَدَثَ مَيْتَةٌ"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَإنْ تَكُنْ"؛ بِالتاءِ؛ "مَيْتَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ فَألْحَقَ الفِعْلَ عَلامَةَ التَأْنِيثِ؛ لَمّا كانَ الفاعِلُ في اللَفْظِ مُؤَنَّثًا؛ وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى المَيْتَةِ؛ كَما فَعَلَ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عنهُ: "تَكُنْ"؛ بِالتاءِ؛ "مَيْتَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ فَأنَّثَ؛ وإنْ كانَ المُتَقَدِّمُ مُذَكَّرًا؛ لِأنَّهُ حَمَلَهُ عَلى المَعْنى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالتَقْدِيرُ: "وَإنْ تَكُنِ النَسَمَةُ - أو نَحْوُها - مَيْتَةً"؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "يَكُنْ"؛ بِالياءِ؛ "مَيْتَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ فَذَكَّرُوا الفِعْلَ؛ لِأنَّهم أسْنَدُوهُ إلى ضَمِيرِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ ﴾ ؛ وهو مُذَكَّرٌ؛ وانْتَصَبَتِ المَيْتَةُ عَلى الخَبَرِ؛ قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: ويُقَوِّي هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ "فَهم فِيهِ"؛ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: "فِيها"؛ وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ: "وَإنْ تَكُنْ مَيِّتَةً"؛ بِالتَشْدِيدِ؛ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "فَهم فِيهِ سَواءٌ".
ثُمَّ أعْقَبَ تَعالى بِوَعِيدِهِمْ عَلى ما وصَفُوا أنَّهُ مِنَ القُرُباتِ إلى اللهِ تَعالى ؛ وشَرَعُوهُ مِنَ الباطِلِ؛ والإفْكِ؛ "إنَّهُ حَكِيمٌ"؛ أيْ: "فِي عَذابِهِمْ؛ عَلى ذَلِكَ"؛ "عَلِيمٌ"؛ بِقَلِيلِ ما تَقَوَّلُوهُ مِن ذَلِكَ؛ وكَثِيرِهِ.
<div class="verse-tafsir"