المحرر الوجيز سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الأنعام

تفسيرُ سورةِ الأنعام كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 507 دقيقة قراءة

تفسير سورة الأنعام كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ١ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍۢ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلًۭا ۖ وَأَجَلٌۭ مُّسَمًّى عِندَهُۥ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ٢

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ "اَلْأنْعامِ" قِيلَ: هي كُلُّها مَكِّيَّةٌ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ؛ لَيْلًا؛ جُمْلَةً؛ إلّا سِتَّ آياتٍ؛ وهِيَ: ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ  ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ  ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو قالَ أُوحِيَ إلَيَّ  ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ تَرى إذِ الظالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ  ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ  ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ  ﴾ .

وقالَ الكَلْبِيُّ: "اَلْأنْعامُ"؛ كُلُّها مَكِّيَّةٌ؛ إلّا آيَتَيْنِ؛ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ في فِنْحاصٍ اليَهُودِيِّ؛ وهِيَ: ﴿ قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى  ﴾ ؛ مَعَ ما يَرْتَبِطُ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ وذَلِكَ أنَّ فِنْحاصًا قالَ: "ما أنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ".

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ وحَوْلَها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ؛ لَهم زَجَلٌ؛ يَجْأرُونَ بِالتَسْبِيحِ.

وقالَ كَعْبٌ: فاتِحَةُ التَوْراةِ فاتِحَةُ الأنْعامِ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ ؛ إلى: ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ ؛ وخاتِمَةُ التَوْراةِ خاتِمَةُ هُودٍ: ﴿ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ  ﴾ ؛ وقِيلَ: خاتِمَتُها: ﴿ وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ  ﴾ ؛ إلى: ﴿ تَكْبِيرًا  ﴾ .

وَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "اَلْأنْعامُ"؛ مِن نَجائِبِ القُرْآنِ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: مَن قَرَأ سُورَةَ "اَلْأنْعامِ"؛ فَقَدِ انْتَهى في رِضا رَبِّهِ.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُلُماتِ والنُورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضى أجَلا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ هَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ اللهَ تَعالى هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ بِأجْمَعِهِ؛ لِأنَّ الألِفَ واللامَ في "اَلْحَمْدُ"؛ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ؛ فَهو تَعالى لَهُ الأوصافُ السَنِيَّةُ؛ والعِلْمُ؛ والقُدْرَةُ؛ والإحاطَةُ؛ والإنْعامُ؛ فَهو أهْلٌ لِلْمَحامِدِ عَلى ضُرُوبِها؛ ولَهُ الحَمْدُ الَّذِي يَسْتَغْرِقُ الشُكْرَ المُخْتَصَّ بِأنَّهُ عَلى النِعَمِ.

ولَمّا ورَدَ هَذا الإخْبارُ تَبِعَهُ ذِكْرُ بَعْضِ أوصافِهِ المُوجِبَةِ لِلْحَمْدِ؛ وهي الخَلْقُ لِلسَّمَواتِ والأرْضِ؛ قِوامِ الناسِ وأرْزاقِهِمْ؛ و"اَلْأرْضَ"؛ هَهُنا لِلْجِنْسِ؛ فَإفْرادُها في اللَفْظِ بِمَنزِلَةِ جَمْعِها.

والبادِي مِن هَذا التَرْتِيبِ أنَّ السَماءَ خُلِقَتْ مِن قَبْلِ الأرْضِ؛ وقَدْ حَكاهُ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الواوَ لا تُرَتِّبُ المَعانِيَ؛ والَّذِي يَنْبَنِي مِن مَجْمُوعِ آيِ القُرْآنِ أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ ولَمْ يَدْحُها؛ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَماءِ فَخَلَقَها؛ ثُمَّ دَحا الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ.

و"جَعَلَ"؛ هَهُنا بِمَعْنى "خَلَقَ"؛ لا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ؛ وتَأمَّلْ: لِمَ خُصَّتِ السَماواتُ والأرْضُ بِـ "خَلَقَ"؛ والظُلُماتُ والنُورُ بِـ "جَعَلَ"؟

وقالَ الطَبَرِيُّ: "وَجَعَلَ"؛ هَذِهِ هِيَ الَّتِي تَتَصَرَّفُ في طُرُقِ الكَلامِ؛ كَما تَقُولُ: "جَعَلْتُ أفْعَلُ كَذا"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "وَجَعَلَ إظْلامَها وإنارَتَها".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا غَيْرُ جَيِّدٍ؛ لِأنَّ "جَعَلَ"؛ إذا كانَتْ عَلى هَذا النَحْوِ؛ فَلا بُدَّ أنْ يَرْتَبِطَ مَعَها فِعْلٌ آخَرُ؛ كَما يُرْتَبَطُ في أفْعالِ المُقارَبَةِ؛ كَقَوْلِكَ: "كادَ زَيْدٌ يَمُوتُ"؛ "جَعَلَ زَيْدٌ يَجِيءُ ويَذْهَبُ"؛ وأمّا إذا لَمْ يَرْتَبِطْ مَعَها فِعْلٌ فَلا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الَّتِي ذَكَرَ الطَبَرِيُّ.

وقالَ السُدِّيُّ ؛ وقَتادَةُ ؛ والجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: اَلظُّلُماتُ: اَللَّيْلُ؛ والنُورُ: اَلنَّهارُ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلظُّلُماتُ: اَلْكُفْرُ؛ والنُورُ: اَلْإيمانُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا غَيْرُ جَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ إخْراجُ لَفْظٍ بَيِّنٍ في اللُغَةِ عن ظاهِرِهِ الحَقِيقِيِّ؛ إلى باطِنٍ؛ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ وهَذا هو طَرِيقُ اللُغْزِ الَّذِي بَرِئَ القُرْآنُ مِنهُ؛ والنُورُ أيْضًا هُنا لِلْجِنْسِ؛ فَإفْرادُهُ بِمَثابَةِ جَمْعِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ"؛ دالَّةٌ عَلى قُبْحِ فِعْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّ خَلْقَهُ السَماواتِ والأرْضَ؛ وغَيْرَهُما؛ قَدْ تَقَرَّرَ؛ وآياتِهِ قَدْ سَطَعَتْ؛ وإنْعامَهُ بِذَلِكَ قَدْ تَبَيَّنَ؛ ثُمَّ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ عَدَلُوا بِرَبِّهِمْ؛ فَهَذا كَما تَقُولُ: "يا فُلانُ؛ أعْطَيْتُكَ؛ وأكْرَمْتُكَ؛ وأحْسَنْتُ إلَيْكَ؛ ثُمَّ تَشْتُمُنِي؟"؛ أيْ: بَعْدَ مُهْلَةٍ مِن وُقُوعِ هَذا كُلِّهِ؛ ولَوْ وقَعَ العَطْفُ في هَذا ونَحْوِهِ بِالواوِ لَمْ يَلْزَمِ التَوْبِيخُ كَلُزُومِهِ بِـ "ثُمَّ".

والَّذِينَ كَفَرُوا ؛ في هَذا المَوْضِعِ هم كُلُّ مَن عَبَدَ شَيْئًا سِوى اللهِ ؛ قالَ قَتادَةُ: هم أهْلُ الشِرْكِ خاصَّةً؛ ومَن خَصَّصَ مِنَ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ؛ فَلَمْ يُصِبْ؛ إلّا أنَّ السابِقَ مِن حالِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّ الإشارَةَ إلى عَبَدَةِ الأوثانِ؛ لِمُجاوَرَتِهِمْ لَهُ؛ ولَفْظُ الآيَةِ أيْضًا يُشِيرُ إلى المانَوِيَّةِ؛ ويُقالُ: اَلْمانَنِيَّةِ؛ العابِدِينَ لِلنُّورِ؛ القائِلِينَ: إنَّ الخَيْرَ مِن فِعْلِ النُورِ؛ والشَرَّ مِن فِعْلِ الظَلامِ؛ وقَوْلُابْنِ أبْزى: "إنَّ المُرادَ أهْلُ الكِتابِ"؛ بَعِيدٌ.

و"يَعْدِلُونَ"؛ مَعْناهُ: يُسَوُّونَ؛ ويُمَثِّلُونَ؛ وعِدْلُ الشَيْءِ: قَرِينُهُ ومَثِيلُهُ؛ والمانَوِيَّةُ مَجُوسٌ؛ ووَرَدَ في مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ حَدِيثٌ؛ وهُوَ: « "اَلْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ"؛» ومَعْناهُ الإغْلاظُ عَلَيْهِمْ؛ والذَمُّ لَهم في تَشْبِيهِهِمْ بِالمَجُوسِ؛ ومَوْضِعُ الشَبَهِ هو أنَّ المَجُوسَ تَقُولُ: اَلْأفْعالُ خَيْرُها خَلْقُ النُورِ؛ وشَرُّها خَلْقُ الظُلْمَةِ؛ فَجَعَلُوا خالِقًا غَيْرَ اللهِ ؛ والقَدَرِيَّةُ تَقُولُ: اَلْإنْسانُ يَخْلُقُ أفْعالَهُ؛ فَجَعَلُوا خالِقًا غَيْرَ اللهِ تَعالى؛ عن قَوْلِهِمْ؛ وذَهَبَ أبُو المَعالِي إلى أنَّ التَشْبِيهَ بِالمَجُوسِ إنَّما هو قَوْلُ القَدَرِيَّةِ: إنَّ الخَيْرَ مِنَ اللهِ ؛ وإنَّ الشَرَّ مِنهُ؛ ولا يُرِيدُهُ؛ وإنَّما قُلْنا في الحَدِيثِ: إنَّهُ تَغْلِيظٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ أنَّهم مِنَ الأُمَّةِ؛ ولَوْ جَعَلَهم مَجُوسًا حَقِيقَةً لَمْ يُضِفْهم إلى الأُمَّةِ؛ وهَذا كُلُّهُ إنْ لَوْ صَحَّ الحَدِيثُ؛ واللهُ المُوَفِّقُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ ؛ وغَيْرُهُمْ: اَلْمَعْنى: خَلَقَ آدَمَ مِن طِينٍ؛ والبَشَرُ مِن آدَمَ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ خَلَقَكم مِن طِينٍ ﴾ ؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: بَلِ المَعْنى أنَّ النُطْفَةَ الَّتِي يُخْلَقُ مِنها الإنْسانُ أصْلُها مِن طِينٍ؛ ثُمَّ يَقْلِبُها اللهُ نُطْفَةً؛ وذَكَرَهُ مَكِّيٌّ والزَهْراوِيُّ ؛ والقَوْلُ الأوَّلُ ألْيَقُ بِالشَرِيعَةِ؛ لِأنَّ القَوْلَ الثانِيَ إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ بِأنَّ الطِينَ يَرْجِعُ بَعْدَ التَوَلُّدِ والِاسْتِحالاتِ الكَثِيرَةِ نُطْفَةً؛ وذَلِكَ مَرْدُودٌ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذَيْنِ الأجَلَيْنِ؛ فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وقَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ: "أجَلًا": أجْلَ الإنْسانِ مِن لَدُنْ وِلادَتِهِ إلى مَوْتِهِ؛ و"اَلْأجَلُ المُسَمّى عِنْدَهُ": مِن وقْتِ مَوْتِهِ إلى حَشْرِهِ؛ ووَصَفَهُ بِـ "مُسَمًّى عِنْدَهُ"؛ لِأنَّهُ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِ وقْتِ القِيامَةِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "أجَلًا": اَلدُّنْيا؛ و"أجَلٌ مُسَمًّى": اَلْآخِرَةُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "أجَلًا": اَلْآخِرَةَ؛ و"أجَلٌ مُسَمًّى": اَلدُّنْيا؛ بِعَكْسِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "أجَلًا": وفاةَ الإنْسانِ بِالنَوْمِ؛ و"أجَلٌ مُسَمًّى": وفاتُهُ بِالمَوْتِ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: اَلْأجَلُ الأوَّلُ هو في وقْتِ أخْذِ المِيثاقِ عَلى بَنِي آدَمَ؛ حِينَ اسْتَخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ ؛ وبَقِيَ "أجَلٌ" واحِدٌ مُسَمًّى في هَذِهِ الحَياةِ الدُنْيا؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ عن فِرْقَةٍ: "أجَلًا": ما عَرَفَ الناسُ مِن آجالِ الأهِلَّةِ؛ والسِنِينِ؛ والكَوائِنِ؛ و"أجَلٌ مُسَمًّى": قِيامُ الساعَةِ؛ وحُكِيَ أيْضًا عن فِرْقَةٍ: "أجَلًا": ما عَرَفْناهُ مِن أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ و"أجَلٌ مُسَمًّى": اَلْآخِرَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَنْبَغِي أنْ تَتَأمَّلَ لَفْظَةَ "قَضى"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَإنَّها تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ فَإنْ جُعِلَتْ بِمَعْنى: "قَدَّرَ"؛ و"كَتَبَ"؛ ورَجَعَتْ إلى سابِقِ عِلْمِهِ وقَدَرِهِ؛ فَنَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ - ولا بُدَّ - قَبْلَ خَلْقِهِ آدَمَ مِن طِينٍ؛ وتُخْرَجُ "ثُمَّ"؛ مِن مَعْهُودِها في تَرْتِيبِ زَمَنَيْ وُقُوعِ القَضِيَّتَيْنِ؛ ويَبْقى لَها تَرْتِيبُ زَمَنَيِ الإخْبارِ عنهُ؛ كَأنَّهُ قالَ: "أخْبَرَكم أنَّهُ خَلَقَكم مِن طِينٍ؛ ثُمَّ أخْبَرَكم أنَّهُ قَضى أجَلًا"؛ وإنْ جُعِلَتْ "قَضى"؛ بِمَعْنى: "أوجَدَ"؛ و"أظْهَرَ"؛ ويَرْجِعُ ذَلِكَ إلى صِفَةِ فِعْلٍ؛ فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَلَقَ آدَمَ مِن طِينٍ قَبْلَ إظْهارِ هَذا الأجَلِ وإبْدائِهِ؛ وتَكُونَ "ثُمَّ"؛ عَلى بابِها؛ في تَرْتِيبِ زَمَنَيْ وُقُوعِ القَضِيَّتَيْنِ.

و ﴿ "تَمْتَرُونَ"؛ ﴾ مَعْناهُ: تَشُكُّونَ؛ و"اَلْمِرْيَةُ": اَلشَّكُّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "ثُمَّ أنْتُمْ"؛ ﴾ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ ؛ في التَوْبِيخِ عَلى سُوءِ الفِعْلِ؛ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِن وُضُوحِ الحُجَجِ.

<div class="verse-tafsir"

وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ٣ وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍۢ مِّنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ٤ فَقَدْ كَذَّبُوا۟ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنۢبَـٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ٥

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَهُوَ اللهُ في السَماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلا كانُوا عنها مُعْرِضِينَ ﴾ ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ قاعِدَةُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ حُلُولَ اللهِ تَعالى في الأماكِنِ مُسْتَحِيلٌ؛ وكَذَلِكَ مُماسَّتُهُ لِلْأجْرامِ؛ أو مُحاذاتُهُ لَها؛ أو تَحَيُّزُهُ في جِهَةٍ؛ لِامْتِناعِ جَوازِ ذَلِكَ عَلَيْهِ - تَبارَكَ وتَعالى-؛ فَإذا تَقَرَّرَ هَذا فَبَيِّنٌ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ اللهُ في السَماواتِ وفي الأرْضِ ﴾ ؛ لَيْسَ عَلى حَدِّ قَوْلِنا: "زَيْدٌ في الدارِ"؛ بَلْ هو عَلى وجْهٍ مِنَ التَأْوِيلِ آخَرَ؛ قالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ صِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ مِنَ اللَفْظِ؛ ثابِتَةٍ في المَعْنى؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ اللهُ المَعْبُودُ في السَماواتِ وفي الأرْضِ"؛ وعَبَّرَ بَعْضُهم بِأنْ قَدَّرَ: "هُوَ اللهُ المُدَبِّرُ لِلْأمْرِ في السَماواتِ وفي الأرْضِ"؛ وقالَ الزَجّاجُ: "فِي"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَضَمَّنَهُ اسْمُ اللهِ تَعالى مِنَ المَعانِي؛ كَما يُقالُ: " أمِيرُ المُؤْمِنِينَ الخَلِيفَةُ في المَشْرِقِ والمَغْرِبِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عِنْدِي أفْضَلُ الأقْوالِ؛ وأكْثَرُها إحْرازًا لِفَصاحَةِ اللَفْظِ؛ وجَزالَةِ المَعْنى؛ وإيضاحُهُ أنَّهُ أرادَ أنْ يَدُلَّ عَلى خَلْقِهِ؛ وإيثارِ قُدْرَتِهِ؛ وإحاطَتِهِ؛ واسْتِيلائِهِ؛ ونَحْوِ هَذِهِ الصِفاتِ؛ فَجَمَعَ هَذِهِ كُلَّها في قَوْلِهِ: "وَهُوَ اللهُ"؛ أيْ: "اَلَّذِي لَهُ هَذِهِ كُلُّها في السَماواتِ وفي الأرْضِ"؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ الخالِقُ؛ الرازِقُ؛ المُحْيِي؛ المُحِيطُ؛ في السَماواتِ؛ وفي الأرْضِ"؛ كَما تَقُولُ: "زَيْدٌ السُلْطانُ في الشامِ؛ والعِراقِ"؛ فَلَوْ قَصَدْتَ ذاتَ "زَيْدٍ" لَقُلْتَ مُحالًا؛ وإذا كانَ مَقْصِدُ قَوْلِكَ: "زَيْدٌ الآمِرُ الناهِي؛ المُبْرِمُ؛ الَّذِي يَعْزِلُ ويُوَلِّي؛ في الشامِ؛ والعِراقِ"؛ فَأقَمْتَ "اَلسُّلْطانُ"؛ مَقامَ هَذِهِ؛ كانَ فَصِيحًا؛ صَحِيحًا؛ فَكَذَلِكَ في الآيَةِ؛ أقامَ لَفْظَةَ "اَللَّهُ"؛ مَقامَ تِلْكَ الصِفاتِ المَذْكُورَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ وَهُوَ اللهُ ﴾ ؛ اِبْتِداءٌ؛ وخَبَرٌ؛ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَهُ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ؛ وتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿ فِي السَماواتِ ﴾ ؛ بِمَفْعُولِ "يَعْلَمُ"؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ اللهُ؛ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ؛ وجَهْرَكُمْ؛ في السَماواتِ؛ وفي الأرْضِ"؛ فَلا يَجُوزُ - مَعَ هَذا التَعْلِيقِ - أنْ يَكُونَ "هُوَ" ضَمِيرَ أمْرٍ وشَأْنٍ؛ لِأنَّهُ يَرْفَعُ "اللهُ"؛ بِالِابْتِداءِ؛ و"يَعْلَمُ"؛ في مَوْضِعِ الخَبَرِ؛ وقَدْ فَرَّقَ ﴿ فِي السَماواتِ وفي الأرْضِ ﴾ ؛ بَيْنَ الِابْتِداءِ والخَبَرِ؛ وهو ظَرْفٌ غَرِيبٌ مِنَ الجُمْلَةِ؛ ويَلْزَمُ قائِلِي هَذِهِ المَقالَةِ أنْ تَكُونَ المُخاطَبَةُ في الكافِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ ﴾ ؛ لِجَمِيعِ المَخْلُوقِينَ؛ الإنْسِ والمَلائِكَةِ؛ لِأنَّ الإنْسَ لا سِرَّ ولا جَهْرَ لَهم في السَماءِ؛ فَتَرْتِيبُ الكَلامِ عَلى هَذا القَوْلِ: "وَهُوَ اللهُ؛ يَعْلَمُ يا جَمِيعَ المَخْلُوقِينَ سِرَّكم وجَهْرَكم في السَماواتِ؛ وفي الأرْضِ".

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "وَهُوَ"؛ ضَمِيرُ الأمْرِ والشَأْنِ؛ و ﴿ اللهُ في السَماواتِ ﴾ ؛ اِبْتِداءٌ؛ وخَبَرٌ؛ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَهُ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَيَعْلَمُ في الأرْضِ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ"؛ وهَذا القَوْلُ؛ إذْ قَدْ تَخَلَّصَ مِن لُزُومِ مُخاطَبَةِ المَلائِكَةِ؛ فَهو مُخَلِّصٌ مِن شُبْهَةِ الكَوْنِ في السَماءِ؛ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ "اَلْمَعْبُودُ"؛ أو "اَلْمُدَبِّرُ"؛ عَلى ما تَقَدَّمَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ﴾ ؛ خَبَرٌ؛ في ضِمْنِهِ تَحْذِيرٌ؛ وزَجْرٌ؛ و"تَكْسِبُونَ"؛ لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ الِاعْتِقاداتِ؛ والأفْعالِ؛ والأقْوالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَأْتِيهِمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "ما"؛ نافِيَةٌ؛ و"مِن"؛ اَلْأُولى؛ هي الزائِدَةُ؛ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى الأجْناسِ بَعْدَ النَفْيِ؛ فَكَأنَّها تَسْتَغْرِقُ الجِنْسَ؛ و"مِن"؛ اَلثّانِيَةُ؛ لِلتَّبْعِيضِ؛ و"اَلْآيَةُ": اَلْعَلامَةُ؛ والدَلالَةُ؛ والحُجَّةُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في وزْنِها؛ في صَدْرِ الكِتابِ؛ وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَذَمَّةَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ بِاللهِ سِواهُ؛ بِأنَّهم يُعْرِضُونَ عن كُلِّ آيَةٍ تَرِدُ عَلَيْهِمْ؛ ثُمَّ اقْتَضَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ "فَقَدْ"؛ أنَّ إعْراضَهم عَنِ الآياتِ قَدْ أعْقَبَ أنْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ؛ وهو مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وما جاءَ بِهِ؛ ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِأنْ يَأْتِيَهم عِقابُ اسْتِهْزائِهِمْ؛ و"ما"؛ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً؛ وفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "يَأْتِيهِمْ مُضَمَّنُ أنْباءِ القُرْآنِ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ"؛ وإنْ جُعِلَتْ "ما"؛ مَصْدَرِيَّةً؛ فالتَقْدِيرُ: "يَأْتِيهِمْ نَبَأُ كَوْنِهِمْ مُسْتَهْزِئِينَ"؛ أيْ: "عِقابٌ يُخْبَرُونَ أنَّهُ عَلى ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءِ"؛ وهَذِهِ العُقُوباتُ الَّتِي تُوُعِّدُوا بِها تَعُمُّ عُقُوباتِ الدُنْيا؛ كَبَدْرٍ؛ وغَيْرِها؛ وعُقُوباتِ الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍۢ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًۭا وَجَعَلْنَا ٱلْأَنْهَـٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَـٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ ٦

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم وأرْسَلْنا السَماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴾ هَذا حَضٌّ عَلى العِبْرَةِ؛ والرُؤْيَةُ هُنا رُؤْيَةُ القَلْبِ؛ و"كَمْ"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "أهْلَكْنا".

و"اَلْقَرْنُ": اَلْأُمَّةُ المُقْتَرِنَةُ في مُدَّةٍ مِنَ الزَمانِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "خَيْرُ الناسِ قَرْنِي"؛» اَلْحَدِيثَ؛ واخْتَلَفَ الناسُ في مُدَّةِ القَرْنِ: كَمْ هِيَ؟

فالأكْثَرُ عَلى أنَّها مِائَةُ سَنَةٍ؛ ويُرَجِّحُ ذَلِكَ الحَدِيثُ الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "أرَأيْتُمْ لَيْلَتَكم هَذِهِ؟

فَإنَّ عَلى رَأْسِ مِائَةٍ مِنها لا يَبْقى مِمَّنْ هو اليَوْمَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ"؛» قالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: يُرِيدُ أنَّها تَخْرِمُ ذَلِكَ القَرْنَ؛ ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ بَشِيرٍ: "تَعِيشُ قَرْنًا"؛ فَعاشَ مِائَةَ سَنَةٍ.» وقِيلَ: اَلْقَرْنُ: ثَمانُونَ سَنَةً؛ وقِيلَ: سَبْعُونَ؛ وقِيلَ: سِتُّونَ؛ وتَمَسَّكَ هَؤُلاءِ بِالمُعْتَرَكِ؛ وحَكى النَقّاشُ أرْبَعِينَ؛ وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ في ذَلِكَ أنَّهُ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وحَكى النَقّاشُ أيْضًا ثَلاثِينَ؛ وحَكى عِشْرِينَ؛ وحَكى ثَمانِيَةَ عَشَرَ؛ وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ؛ وهَذِهِ طَبَقاتٌ؛ ولَيْسَتْ بِقُرُونٍ؛ إنَّما القَرْنُ أنْ يَكُونَ وفاةَ الأشْياخِ؛ ثُمَّ وِلادَةَ الأطْفالِ؛ ويَظْهَرُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ  ﴾ ؛ وإلى مُراعاةِ الطَبَقاتِ وانْقِراضِ الناسِ بِها أشارَ ابْنُ الماجِشُونِ في "اَلْواضِحَةُ"؛ في تَجْوِيزِ شَهادَةِ السَماعِ؛ في تَقادُمِ خَمْسَةَ عَشَرَ عامًا؛ فَصاعِدًا؛ وقِيلَ: اَلْقَرْنُ: اَلزَّمَنُ نَفْسُهُ؛ وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "مِن أهْلِ قَرْنٍ"؛ والضَمِيرُ في "مَكَّنّاهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى القَرْنِ؛ والمُخاطَبَةُ في "لَكُمْ"؛ هي لِلْمُؤْمِنِينَ ولِجَمِيعِ المُعاصِرِينَ لَهُمْ؛ مِن سائِرِ الناسِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "ما لَمْ نُمَكِّنْ يا أهْلَ العَصْرِ لَكُمْ"؛ فَهَذا أبْيَنُ ما فِيهِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ في الآيَةِ مَعْنى القَوْلِ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ؛ كَأنَّهُ قالَ: يا مُحَمَّدُ قُلْ لَهُمْ: ﴿ ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ﴾ ؛ وإذا أخْبَرْتَ أنَّكَ قُلْتَ لِغائِبٍ؛ أو قِيلَ لَهُ؛ أو أمَرْتَ أنْ يُقالَ؛ فَلَكَ في فَصِيحِ كَلامِ العَرَبِ أنْ تَحْكِيَ الألْفاظَ المَقُولَةَ بِعَيْنِها؛ فَتَجِيءَ بِلَفْظِ المُخاطَبَةِ؛ ولَكَ أنْ تَأْتِيَ بِالمَعْنى في الألْفاظِ بِذِكْرِ غائِبٍ؛ دُونَ مُخاطَبَةٍ.

و"اَلسَّماءَ": اَلْمَطَرَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إذا نَزَلَ السَماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ ∗∗∗ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا و"مِدْرارًا"؛ بِناءُ تَكْثِيرٍ؛ كَـ "مِذْكارٌ"؛ و"مِئْناثٌ"؛ ومَعْناهُ: يَدِرُّ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ المَنفَعَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما سِياقُها تَعْدِيدُ النِعَمِ؛ وإلّا فَظاهِرُها يَحْتَمِلُ النِعْمَةَ؛ ويَحْتَمِلُ الإهْلاكَ؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ تُرادَ السَماءُ المَعْرُوفَةُ؛ عَلى تَقْدِيرِ: "وَأرْسَلْنا مَطَرَ السَماءِ"؛ لِأنَّ "مِدْرارًا"؛ لا يُوصَفُ بِهِ إلّا المَطَرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَأهْلَكْناهُمْ"؛ ﴾ مَعْناهُ: "فَعَصَوْا؛ وكَفَرُوا؛ فَأهْلَكْناهُمْ".

﴿ "وَأنْشَأْنا"؛ ﴾ اِخْتَرَعْنا؛ وخَلَقْنا؛ وجُمِعَ "آخَرِينَ"؛ حَمْلًا عَلى مَعْنى القَرْنِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَـٰبًۭا فِى قِرْطَاسٍۢ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ ٧ وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌۭ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًۭا لَّقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ٨ وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكًۭا لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلًۭا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ ٩

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ﴾ لَمّا أخْبَرَ عنهم - عَزَّ وجَلَّ - بِأنَّهم كَذَّبُوا بِكُلِّ ما جاءَهم مِن آيَةٍ؛ تَبِعَ ذَلِكَ إخْبارٌ فِيهِ مُبالَغَةٌ مُضَمَّنَهٌ أنَّهُ لَوْ جاءَهم أشْنَعُ مِمّا جاءَ لَكَذَّبُوا أيْضًا؛ والمَعْنى: ﴿ "وَلَوْ نَزَّلْنا" ﴾ بِمَرْأًى مِنهم ﴿ "عَلَيْكَ كِتابًا" ﴾ - أيْ كَلامًا مَكْتُوبًا - ﴿ "فِي قِرْطاسٍ" ﴾ - أيْ في صَحِيفَةٍ؛ ويُقالُ: "قُرْطاسٌ"؛ بِضَمِّ القافِ - ﴿ "فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ" ﴾ - يُرِيدُ أنَّهم بالَغُوا في مَيْزِهِ وتَقْلِيبِهِ - لِيَرْتَفِعَ كُلُّ ارْتِيابٍ؛ لَعانَدُوا فِيهِ؛ وتابَعُوا كُفْرَهُمْ؛ وقالُوا: هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ".

ويُشْبِهُ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ اقْتِراحُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ؛ وتَعَنُّتُهُ؛ إذْ قالَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "لا أُؤْمِنُ لَكَ حَتّى تَصْعَدَ إلى السَماءِ؛ ثُمَّ تَنْزِلَ بِكِتابٍ؛ فِيهِ: مِن رَبِّ العِزَّةِ إلى عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ؛ يَأْمُرُنِي بِتَصْدِيقِكَ؛ وما أرانِي مَعَ هَذا كُنْتُ أُصَدِّقُكَ"؛ ثُمَّ أسْلَمَ؛ بَعْدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ ؛ وقُتِلَ شَهِيدًا في الطائِفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ حِكايَةٌ عَمَّنْ تَشَطَّطَ مِنَ العَرَبِ؛ بِأنْ طَلَبَ أنْ يَنْزِلَ مَلَكٌ يُصَدِّقُ مُحَمَّدًا في نُبُوءَتِهِ؛ ويُعْلِمَ عَنِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ حَقٌّ؛ فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ﴾ ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: لَقامَتِ القِيامَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ.

وقالَ قَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: في الكَلامِ حَذْفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا فَكَذَّبُوا بِهِ؛ لَقُضِيَ الأمْرُ بِعَذابِهِمْ؛ ولَمْ يُنْظَرُوا؛ حَسْبَما سَلَفَ في كُلِّ أُمَّةٍ اقْتَرَحَتْ بِآيَةٍ؛ وكَذَّبَتْ بَعْدَ أنْ أُظْهِرَتْ إلَيْها"؛ وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ "لَقُضِيَ الأمْرُ"؛ ﴾ أيْ: لَماتُوا مِن هَوْلِ رُؤْيَةِ المَلَكِ في صُورَتِهِ؛ ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ﴾ ؛ فَإنَّ أهْلَ التَأْوِيلِ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ ذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يُطِيقُونَ رُؤْيَةَ المَلَكِ في صُورَتِهِ؛ فالأولى في قَوْلِهِ: "لَقُضِيَ الأمْرُ"؛ أيْ: لَماتُوا مِن هَوْلِ رُؤْيَتِهِ.

و"يُنْظَرُونَ"؛ مَعْناهُ: يُؤَخَّرُونَ؛ و"اَلنَّظِرَةُ": اَلتَّأْخِيرُ.

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ "وَلَوْ جَعَلْناهُ"؛ ﴾ اَلْآيَةَ؛ اَلْمَعْنى: "إنّا لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ - ولا بُدَّ - في خَلْقِ رَجُلٍ؛ لِأنَّهم لا طاقَةَ لَهم عَلى رُؤْيَةِ المَلَكِ في صُورَتِهِ"؛ وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ وابْنُ زَيْدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى الحَدِيثُ الوارِدُ عَنِ الرَجُلَيْنِ اللَذَيْنِ صَعِدا عَلى الجَبَلِ يَوْمَ بَدْرٍ؛ لِيَرَيا ما يَكُونُ في حَرْبِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - لِلْمُشْرِكِينَ؛ فَسَمِعا حِسَّ المَلائِكَةِ؛ وقائِلًا يَقُولُ في السَماءِ: "أقْدِمْ حَيْزُومُ"؛ فَماتَ أحَدُهُما لِهَوْلِ ذَلِكَ؛ فَكَيْفَ بِرُؤْيَةِ مَلَكٍ في خِلْقَتِهِ؟

ولا يُعارَضُ هَذا بِرُؤْيَةِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - لِجِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وغَيْرِهِ في صُوَرِهِمْ؛ لِأنَّ النَبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أُعْطِيَ قُوَّةً غَيْرَ هَذِهِ كُلِّها - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

﴿ "وَلَلَبَسْنا"؛ ﴾ أيْ: "لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ؛ وعَلى ضَعَفَتِهِمْ"؛ أيْ: لَفَعَلْنا لَهم في ذَلِكَ فِعْلًا مُلْبِسًا يُطَرِّقُ لَهم إلى أنْ يُلْبَسُوا بِهِ؛ وذَلِكَ لا يَحْسُنُ؛ ويَحْتَمِلُ الكَلامُ مَقْصِدًا آخَرَ؛ أيْ: "لَلَبَسْنا نَحْنُ عَلَيْهِمْ كَما يَلْبِسُونَ هم عَلى ضَعَفَتِهِمْ؛ فَكُنّا نَنْهاهم عَنِ التَلْبِيسِ؛ ونَفْعَلُهُ بِهِمْ"؛ ويُقالُ: "لَبَسَ الرَجُلُ الأمْرَ؛ يَلْبِسُهُ؛ لَبْسًا"؛ إذا خَلَطَهُ؛ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَلَبَّسْنا"؛ بِفَتْحِ اللامِ؛ وشَدِّ الباءِ.

وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ؛ وسِياقُ الكَلامِ ومَعانِيهِ يَقْتَضِي أنَّها في كُفّارِ العَرَبِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُوا۟ مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ١٠ قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ ٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ١١

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ﴿ قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ﴾ قُرِئَ: "وَلَقَدُ"؛ بِضَمِّ الدالِ؛ لِلضَّمَّةِ بَعْدَ الساكِنِ الَّذِي بَعْدَ الدالِ؛ وقُرِئَ بِكَسْرِ الدالِ؛ عَلى عُرْفِ الِالتِقاءِ؛ وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِالأُسْوَةِ في الرُسُلِ؛ وتَقْوِيَةٌ لِنَفْسِهِ عَلى مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ؛ وإخْبارٌ يَتَضَمَّنُ وعِيدَ مُكَذِّبِيهِ؛ والمُسْتَهْزِئِينَ.

و"فَحاقَ"؛ مَعْناهُ: نَزَلَ؛ وأحاطَ؛ وهي مَخْصُوصَةٌ في الشَرِّ؛ يُقالُ: "حاقَ؛ يَحِيقُ؛ حَيْقًا"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَأوطَأ جُرْدَ الخَيْلِ عُقْرَ دِيارِهِمْ ∗∗∗ وحاقَ بِهِمْ مِن بَأْسِ ضَبَّةَ حائِقُ وقالَ قَوْمٌ: أصْلُ "حاقَ": "حَقَّ"؛ فَبُدِّلَتِ القافُ الواحِدَةُ؛ كَما بُدِّلَتِ النُونُ فِي: "تَظَنَّنْتُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ.

و"ما" في قَوْلِهِ: ﴿ ما كانُوا  ﴾ ؛ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "اِسْتِهْزاؤُهُمْ"؛ وهَذِهِ كِنايَةٌ عَنِ العُقُوبَةِ؛ كَما تُهَدِّدُ إنْسانًا؛ فَتَقُولُ: "سَيَلْحَقُكَ عَمَلُكَ"؛ والمَعْنى: عاقِبَتُهُ؛ و"سَخِرُوا"؛ مَعْناهُ: اِسْتَهْزَؤُوا.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ سِيرُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ حَضٌّ عَلى الِاعْتِبارِ بِآثارِ مَن مَضى؛ مِمَّنْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ؛ وقالَ: "كانَ"؛ ولَمْ يَقُلْ: "كانَتْ"؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ العاقِبَةِ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ؛ وهي بِمَعْنى: "اَلْآخِرُ"؛ و"اَلْمَآلُ".

ومَعْنى الآيَةِ: "سِيرُوا وتَلَقَّوْا مِمَّنْ سارَ"؛ لِأنَّ تَحْصِيلَ العِبْرَةِ بِآثارِ مَن مَضى إنَّما يَسْتَنِدُ إلى حِسِّ العَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

قُل لِّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ١٢ ۞ وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِى ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ١٣

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ لِمَن ما في السَماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَلَهُ ما سَكَنَ في اللَيْلِ والنَهارِ وهو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ قالَ بَعْضُ أهْلِ التَأْوِيلِ: في الكَلامِ حَذْفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "قُلْ لِمَن ما في السَماواتِ والأرْضِ؟

فَإذا تَحَيَّرُوا ولَمْ يُجِيبُوا فَـ "قُلْ لِلَّهِ".

وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمَعْنى أنَّهُ أُمِرَ بِهَذا السُؤالِ؛ فَكَأنَّهم لَمّا لَمْ يُجِيبُوا؛ ولا تَيَقَّنُوا؛ سَألُوا؛ فَقِيلَ لَهُ: "قُلْ لِلَّهِ"؛ والصَحِيحُ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - أمَرَ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بِقَطْعِهِمْ بِهَذِهِ الحُجَّةِ الساطِعَةِ؛ والبُرْهانِ القَطْعِيِّ الَّذِي لا مُدافَعَةَ فِيهِ عِنْدَهُمْ؛ ولا عِنْدَ أحَدٍ؛ لِيَعْتَقِدَ هَذا المُعْتَقَدَ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَهُمْ؛ ثُمَّ يَتَرَكَّبُ احْتِجاجُهُ عَلَيْهِ؛ وجاءَ ذَلِكَ بِلَفْظِ اسْتِفْهامٍ؛ وتَقْرِيرٍ؛ في قَوْلِهِ: ﴿ لِمَن ما في السَماواتِ والأرْضِ ﴾ ؛ والوَجْهُ في المُحاجَّةِ إذا سَألَ الإنْسانُ خَصْمَهُ بِأمْرٍ لا يُدافِعُهُ الخَصْمُ فِيهِ؛ أنْ يَسْبِقَهُ بَعْدَ التَقْرِيرِ إلَيْهِ؛ مُبادَرَةً إلى الحُجَّةِ؛ كَما تَقُولُ لِمَن تُرِيدُ غَلَبَتَهُ بِآيَةٍ تَحْتَجُّ بِها عَلَيْهِ: كَيْفَ قالَ اللهُ تَعالى في كَذا؟

ثُمَّ تَسْبِقُهُ أنْتَ إلى الآيَةِ؛ فَتَنُصُّها عَلَيْهِ؛ فَكَأنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ لَهُمْ: "يا أيُّها الكافِرُونَ العادِلُونَ بِرَبِّهِمْ؛ لِمَن ما في السَماواتِ والأرْضِ؟"؛ ثُمَّ سَبَقَهم فَقالَ: "لِلَّهِ"؛ أيْ: لا مُدافَعَةَ في هَذا عِنْدَكُمْ؛ ولا عِنْدَ أحَدٍ.

ثُمَّ ابْتَدَأ يُخْبِرُ عنهُ تَعالى ﴿ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَحْمَةَ ﴾ ؛ مَعْناهُ: قَضاها؛ وأنْفَذَها؛ وفي هَذا المَعْنى أحادِيثُ عَنِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - تَتَضَمَّنُ كَتْبَ الرَحْمَةِ؛ ومَعْلُومٌ مِن غَيْرِ ما مَوْضِعٍ مِنَ الشَرِيعَةِ أنْ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ؛ ولِجَمِيعِ الناسِ في الدُنْيا؛ مِنها: « "إنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ مِائَةَ رَحْمَةٍ؛ فَوَضَعَ مِنها واحِدَةً في الأرْضِ؛ فَبِها تَتَعاطَفُ البَهائِمُ؛ وتَرْفَعُ الفَرَسُ رِجْلَها لِئَلّا تَطَأ ولَدَها؛ وبِها تَتَعاطَفُ الطَيْرُ؛ والحِيتانُ؛ وعِنْدَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ رَحْمَةً؛ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ صَيَّرَ تِلْكَ الرَحْمَةَ مَعَ التِسْعَةِ والتِسْعِينَ؛ وبَثَّها في عِبادِهِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَما أشْقى مَن لَمْ تَسَعْهُ هَذِهِ الرَحَماتُ!

تَغَمَّدَنا اللهُ تَعالى بِفَضْلٍ مِنهُ.

وَمِنها حَدِيثٌ آخَرُ: « "إنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - كَتَبَ عِنْدَهُ كِتابًا؛ فَهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ؛ أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"؛ ويُرْوى: "نالَتْ غَضَبِي"؛» ومَعْناهُ: سَبَقَتْ؛ وأنْشَدَ عَلَيْهِ ثابِتُ بْنُ قاسِمٍ: أبَنِي كُلَيْبٍ إنَّ عَمَّيّا اللَذا ∗∗∗ نالا المُلُوكَ وفَكَّكا الأغْلالا ويَتَضَمَّنُ هَذا الإخْبارَ عَنِ اللهِ تَعالى بِأنَّهُ كَتَبَ الرَحْمَةَ؛ لِتَأْنِيسِ الكُفّارِ؛ ونَفْيِ يَأْسِهِمْ مِن رَحْمَةِ اللهِ تَعالى إذا تابُوا؛ وأنَّ بابَ تَوْبَتِهِمْ مَفْتُوحٌ؛ قالَ الزَجّاجُ: اَلرَّحْمَةُ هُنا إمْهالُ الكُفّارِ؛ وتَعْمِيرُهم لِيَتُوبُوا؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ جَماعَةً مِنَ النَحْوِيِّينَ قالَتْ: إنَّ "لَيَجْمَعَنَّكُمْ"؛ هو تَفْسِيرُ الرَحْمَةِ؛ تَقْدِيرُهُ: "أنْ يَجْمَعَكُمْ"؛ فَيَكُونُ "لَيَجْمَعَنَّكُمْ"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن "اَلرَّحْمَةَ"؛ وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ  ﴾ ؛ اَلْمَعْنى: "أنْ يَسْجُنُوهُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يَلْزَمُ عَلى هَذا القَوْلِ أنْ تَدْخُلَ النُونُ الثَقِيلَةُ في الإيجابِ؛ وهو مَرْدُودٌ؛ وإنَّما تَدْخُلُ في الأمْرِ والنَهْيِ؛ وبِاخْتِصاصٍ مِنَ الواجِبِ في القَسَمِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ - وهو الأظْهَرُ -: إنَّ اللامَ لامُ قَسَمٍ؛ والكَلامُ مُسْتَأْنَفٌ؛ ويُتَخَرَّجُ ذَلِكَ فِي: "لَيَسْجُنُنَّهُ"؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "إلى"؛ بِمَعْنى "فِي"؛ وقِيلَ: عَلى بابِها؛ غايَةٌ؛ وهو الأرْجَحُ.

و ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ ؛ أيْ: هو في نَفْسِهِ وذاتِهِ لا رَيْبَ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قِيلَ: إنَّ "اَلَّذِينَ"؛ مُنادى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهو فاسِدٌ؛ لِأنَّ حَرْفَ النِداءِ لا يَسْقُطُ مَعَ المُبْهَماتِ.

وقِيلَ: هو نَعْتُ "اَلْمُكَذِّبِينَ"؛ اَلَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ؛ وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ في "لَيَجْمَعَنَّكُمْ"؛ قالَ المُبَرِّدُ: ذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ كَما لا يَجُوزُ: "مَرَرْتُ بِكَ زَيْدُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُهُ في الآيَةِ: "لَيَجْمَعَنَّكُمْ"؛ مُخالِفٌ لِهَذا المِثالِ؛ لِأنَّ الفائِدَةَ في البَدَلِ مُتَرَقَّبَةٌ مِنَ الثانِي؛ وإذا قُلْتَ: "مَرَرْتُ بِكَ زَيْدُ"؛ فَلا فائِدَةَ في الثانِي؛ وقَوْلُهُ: "لَيَجْمَعَنَّكُمْ"؛ يَصْلُحُ لِمُخاطَبَةِ الناسِ كافَّةً؛ فَيُفِيدُنا "اَلَّذِينَ"؛ مِنَ الضَمِيرِ؛ أنَّهم هُمُ المُخْتَصُّونَ بِالخِطابِ هُنا؛ وخُصُّوا عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ؛ ويَتَّضِحُ فِيها الوَعِيدُ إذا جَعَلْنا "اَللّامَ" لِلْقَسَمِ؛ وهو القَوْلُ الصَحِيحُ؛ ويَجِيءُ هَذا بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ.

وقالَ الزَجّاجُ: "اَلَّذِينَ"؛ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ وخَبَرُهُ ﴿ فَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ؛ وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ؛ والفاءُ في قَوْلِهِ: "فَهُمْ"؛ جَوابٌ عَلى القَوْلِ بِأنَّ "اَلَّذِينَ"؛ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ حاصِلٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "مَن خَسِرَ نَفْسَهُ فَهو لا يُؤْمِنُ".

وعَلى القَوْلِ بِأنَّ "اَلَّذِينَ"؛ بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ؛ هي عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ و"خَسِرُوا"؛ مَعْناهُ: "غَبَنُوا أنْفُسَهم بِأنْ وجَبَ عَلَيْها عَذابُ اللهِ تَعالى وسُخْطُهُ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لا يَأْخُذُ الرِشْوَةَ في حُكْمِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا يُبالِي غَبَنَ الخاسِرِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَهُ ما سَكَنَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "وَلَهُ"؛ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: "لِلَّهِ"؛ واللامُ لِلْمِلْكِ؛ و"ما" بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ و"سَكَنَ"؛ هي مِنَ السُكْنى؛ ونَحْوِها؛ أيْ: ما ثَبَتَ؛ وتَقَرَّرَ؛ قالَهُ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِنَ السُكُونِ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: لِأنَّ الساكِنَ مِنَ الأشْياءِ أكْثَرُ مِنَ المُتَحَرِّكِ؛ إلى غَيْرِ هَذا مِنَ القَوْلِ الَّذِي هو تَخْلِيطٌ؛ والمَقْصِدُ في الآيَةِ عُمُومُ كُلِّ شَيْءٍ؛ وذَلِكَ لا يَتَرَتَّبُ إلّا أنْ يَكُونَ "سَكَنَ"؛ بِمَعْنى: "اِسْتَقَرَّ؛ وثَبَتَ"؛ وإلّا فالمُتَحَرِّكُ مِنَ الأشْياءِ المَخْلُوقاتِ أكْثَرُ مِنَ السَواكِنِ؛ ألا تَرى إلى الفَلَكِ؛ والشَمْسِ؛ والقَمَرِ؛ والنُجُومِ السابِحَةِ؛ والمَلائِكَةِ؛ وأنْواعِ الحَيَوانِ؟

واللَيْلُ والنَهارُ حاصِرانِ لِلزَّمانِ.

﴿ وَهُوَ السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ ؛ هاتانِ صِفَتانِ تَلِيقانِ بِنَمَطِ الآيَةِ مِن قِبَلِ أنَّ ما ذُكِرَ قَبْلُ مِنَ الأقْوالِ الرَدِيَّةِ عَنِ الكَفَرَةِ العادِلِينَ؛ هو سَمِيعٌ لَها؛ عَلِيمٌ بِمَواقِعِها؛ مُجازٍ عَلَيْها؛ فَفي الضَمِيرِ وعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّۭا فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ١٤ قُلْ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ ١٥ مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍۢ فَقَدْ رَحِمَهُۥ ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ ١٦

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ أغَيْرَ اللهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَماواتِ والأرْضِ وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعِمُ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ولا تَكُونَنَّ مَن المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ مَن يُصْرَفْ عنهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: أُمِرَ أنْ يَقُولَ هَذِهِ المَقالَةَ لِلْكَفَرَةِ الَّذِينَ دَعَوْهُ إلى عِبادَةِ أوثانِهِمْ؛ فَتَجِيءُ الآيَةُ - عَلى هَذا - جَوابًا لِكَلامِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَأْوِيلُ يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ في أنَّ هَذا نَزَلَ جَوابًا؛ وإلّا فَظاهِرُ الآيَةِ لا يَتَضَمَّنُهُ؛ والفَصِيحُ هو أنَّهُ لَمّا قَرَّرَ مَعَهم أنَّ اللهَ تَعالى لَهُ ما في السَماواتِ والأرْضِ؛ ولَهُ ما سَكَنَ في اللَيْلِ والنَهارِ؛ وأنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ؛ أُمِرَ أنْ يَقُولَ لَهم - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ؛ والتَوْقِيفِ -: أغَيْرَ هَذا الَّذِي هَذِهِ صِفاتُهُ أتَّخِذُ ولِيًّا؟

بِمَعْنى أنَّ هَذا خَطَأٌ؛ لَوْ فَعَلْتُهُ؛ بَيِّنٌ؛ وتُعْطِي قُوَّةُ الكَلامِ أنَّ مَن فَعَلَهُ مِن سائِرِ الناسِ بَيِّنُ الخَطَإ؛ و"أتَّخِذُ"؛ عامِلٌ في قَوْلِهِ: "أغَيْرَ"؛ وفي قَوْلِهِ: "وَلِيًّا"؛ تَقَدَّمَ أحَدُ المَفْعُولَيْنِ.

والوَلِيُّ: لَفْظٌ عامٌّ لِمَعْبُودٍ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ الواصِلَةِ بَيْنَ العَبْدِ؛ ورَبِّهِ تَعالى ؛ ثُمَّ أخَذَ في صِفاتِ اللهِ تَعالى ؛ فَقالَ: "فاطِرِ"؛ بِخَفْضِ الراءِ؛ نَعْتٌ لِلَّهِ تَعالى ؛ و"فَطَرَ"؛ مَعْناهُ: اِبْتَدَعَ؛ وخَلَقَ؛ وأنْشَأ؛ و"فَطَرَ" - أيْضًا في اللُغَةِ -: شَقَّ؛ ومِنهُ: ﴿ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ  ﴾ ؛ أيْ: مِن شُقُوقٍ؛ ومِن هَذا انْفِطارُ السَماءِ؛ وفي هَذِهِ الجِهَةِ يَتَمَكَّنُ قَوْلُهُمْ: "فَطَرَ نابُ البَعِيرِ"؛ إذا خَرَجَ؛ لِأنَّهُ يَشُقُّ اللِثَةَ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: ما كُنْتُ أعْرِفُ مَعْنى: ﴿ فاطِرِ السَماواتِ ﴾ ؛ حَتّى اخْتَصَمَ إلَيَّ أعْرابِيّانِ في بِئْرٍ؛ فَقالَ أحَدُهُما: "أنا فَطَرْتُها"؛ أيْ: اِخْتَرَعْتُها؛ وأنْشَأْتُها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَحَمَلَهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى هَذِهِ الجِهَةِ؛ ويَصِحُّ حَمْلُهُ عَلى الجِهَةِ الأُخْرى؛ أنَّهُ شَقَّ الأرْضَ؛ والبِئْرَ؛ حِينَ احْتَفَرَها.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فاطِرُ"؛ بِرَفْعِ الراءِ؛ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ؛ أو عَلى الِابْتِداءِ.

﴿ يُطْعِمُ ولا يُطْعِمُ ﴾ : اَلْمَقْصُودُ بِهِ: يَرْزُقُ؛ ولا يُرْزَقُ؛ وخَصَّ الإطْعامَ مِن أنْواعِ الرِزْقِ؛ لِمَسِّ الحاجَةِ إلَيْهِ؛ وشُهْرَتِهِ؛ واخْتِصاصِهِ بِالإنْسانِ؛ وقَرَأ يَمانُ العَمّانِيُّ؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يُطْعِمُ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وكَسْرِ العَيْنِ؛ في الثانِي مِثْلَ الأوَّلِ؛ يَعْنِي الوَثَنَ أنَّهُ لا يُطْعِمُ؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ والأعْمَشُ ؛ وأبُو حَيْوَةَ؛ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ؛ وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ - في رِوايَةٍ عنهُ - في الثانِي: "وَلا يَطْعَمُ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ عَلى مُسْتَقْبَلِ "طَعِمَ"؛ فَهي صِفَةٌ تَتَضَمَّنُ التَبْرِيَةَ؛ أيْ: لا يَأْكُلُ؛ ولا يُشْبِهُ المَخْلُوقِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ ﴾ ؛ إلى ﴿ عَظِيمٍ ﴾ ؛ قالَ المُفَسِّرُونَ: اَلْمَعْنى: "أوَّلَ مَن أسْلَمَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ؛ وبِهَذِهِ الشَرِيعَةِ"؛ ولا يَتَضَمَّنُ الكَلامُ إلّا ذَلِكَ؛ قالَ طائِفَةٌ: في الكَلامِ حَذْفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَقِيلَ لِي: ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وَتَلْخِيصُ هَذا أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أُمِرَ؛ فَقِيلَ لَهُ: "كُنْ أوَّلَ مَن أسْلَمَ؛ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ"؛ فَلَمّا أُمِرَ في الآيَةِ أنْ يَقُولَ ما أُمِرَ بِهِ؛ جاءَ بَعْضُ ذَلِكَ عَلى المَعْنى؛ وبَعْضُهُ بِاللَفْظِ بِعَيْنِهِ.

ولَفْظَةُ "عَصَيْتُ"؛ عامَّةٌ في أنْواعِ المَعاصِي؛ ولَكِنَّها هَهُنا إنَّما تُشِيرُ إلى الشِرْكِ الَّذِي نُهِيَ عنهُ؛ واليَوْمُ العَظِيمُ هو يَوْمُ القِيامَةِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وعاصِمٌ: "مَن يُصْرَفْ عنهُ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وفَتْحِ الراءِ؛ والمَفْعُولُ الَّذِي أُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلُ هو الضَمِيرُ العائِدُ عَلى العَذابِ؛ فَهو مُقَدَّرٌ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ - أيْضًا -: "مَن يَصْرِفْ عنهُ"؛ فَيُسْنِدُ الفِعْلَ إلى الضَمِيرِ العائِدِ إلى "رَبِّي"؛ ويَعْمَلُ في ضَمِيرِ العَذابِ المَذْكُورِ آنِفًا؛ لَكِنَّهُ مَفْعُولٌ مَحْذُوفٌ؛ وحُكِيَ أنَّهُ ظَهَرَ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ ؛ وهِيَ: "مَن يَصْرِفْهُ عنهُ يَوْمَئِذٍ"؛ وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "مَن يَصْرِفْهُ اللهُ عنهُ"؛ وقِيلَ: إنَّها "مَن يَصْرِفِ اللهُ عنهُ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحَذْفُ هَذا الضَمِيرِ لا يَحْسُنُ؛ كَما يَحْسُنُ حَذْفُ الضَمِيرِ مِنَ الصِلَةِ؛ كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولا  ﴾ ؛ وكَقَوْلِهِ: ﴿ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى  ﴾ ؛ مَعْناهُ: "بَعَثَهُ"؛ و"اِصْطَفاهُمْ"؛ فَحَسُنَ هَذا لِلطُّولِ؛ كَما عَلَّلَهُ سِيبَوَيْهِ ؛ ولا يَحْسُنُ هَذا لِعَدَمِ الصِلَةِ؛ قالَ بَعْضُ الناسِ: اَلْقِراءَةُ بِفَتْحِ الياءِ "مَن يَصْرِفْ"؛ أحْسَنُ؛ لِأنَّهُ يُناسِبُ: ﴿ فَقَدْ رَحِمَهُ ﴾ ؛ وكانَ الأولى - عَلى القِراءَةِ الأُخْرى - "فَقَدْ رُحِمَ"؛ لِيَتَناسَبَ الفِعْلانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَوْجِيهٌ لَفْظِيٌّ تَعَلُّقُهُ خَفِيفٌ؛ وأمّا بِالمَعْنى فالقِراءَتانِ واحِدٌ؛ ورَجَّحَ قَوْمٌ قِراءَةَ ضَمِّ الياءِ؛ لِأنَّها أقَلُّ إضْمارًا؛ وأشارَ أبُو عَلِيٍّ إلى تَحْسِينِ القِراءَةِ بِفَتْحِ الياءِ بِما ذَكَرْناهُ؛ وأما مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَحِمَهُ اللهُ - فَتَخَبَّطَ في كِتابِ "اَلْهِدايَةُ"؛ في تَرْجِيحِ القِراءَةِ بِفَتْحِ الياءِ؛ ومَثَّلَ في احْتِجاجِهِ بِأمْثِلَةٍ فاسِدَةٍ؛ واللهُ تَعالى ولِيُّ التَوْفِيقِ.

وَ"رَحِمَ"؛ عامِلٌ في الضَمِيرِ المُتَّصِلِ؛ وهو ضَمِيرُ "مَن"؛ ومُسْتَنِدٌ إلى الضَمِيرِ العائِدِ إلى "رَبِّي"؛ وقَوْلُهُ: "وَذَلِكَ"؛ إشارَةٌ إلى صَرْفِ العَذابِ؛ وإلى الرَحْمَةِ؛ والفَوْزِ؛ والنَجاةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّۢ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍۢ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ١٧ وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ ١٨

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ ﴾ "يَمْسَسْكَ"؛ مَعْناهُ: "يُصِبْكَ؛ ويَنَلْكَ"؛ وحَقِيقَةُ المَسِّ هي بِتَلاقِي جِسْمَيْنِ؛ فَكَأنَّ الإنْسانَ والضُرَّ يَتَماسّانِ.

والضُرُّ - بِضَمِّ الضادِ -: سُوءُ الحالِ في الجِسْمِ؛ وغَيْرِهِ؛ والضَرُّ - بِفَتْحِ الضادِ -: ضِدُّ النَفْعِ؛ ونابَ الضُرُّ في هَذِهِ الآيَةِ مَنابَ الشَرِّ - وإنْ كانَ الشَرُّ أعَمَّ مِنهُ -؛ فَقابَلَ الخَيْرَ؛ وهَذا مِنَ الفَصاحَةِ عُدُولٌ عن قانُونِ التَكَلُّفِ والصَنْعَةِ؛ فَإنَّ بابَ التَكَلُّفِ وتَرْصِيعِ الكَلامِ أنْ يَكُونَ الشَيْءُ مُقْتَرِنًا بِالَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ؛ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الِاخْتِصاصِ؛ مُوافَقَةً؛ أو مُضادَّةً؛ فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى  ﴾ ﴿ وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى  ﴾ ؛ فَجَعَلَ الجُوعَ مَعَ العُرْيِ؛ وبابُهُ أنْ يَكُونَ مَعَ الظَمَإ؛ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: كَأنِّيَ لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ ∗∗∗ ولَمْ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخالِ ولَمْ أسْبَإ الزِقَّ الرَوِيَّ ولَمْ أقُلْ ∗∗∗ ∗∗∗ لِخَيْلِيَ كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ وَهَذا كَثِيرٌ.

قالَ السُدِّيُّ: اَلضُّرُّ هَهُنا: اَلْمَرَضُ؛ والخَيْرُ: اَلْعافِيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مِثالٌ؛ ومَعْنى الآيَةِ الإخْبارُ عن أنَّ الأشْياءَ كُلَّها بِيَدِ اللهِ؛ إنْ ضَرَّ فَلا كاشِفَ لِضُرِّهِ غَيْرُهُ؛ وإنْ أصابَ بِخَيْرٍ فَكَذَلِكَ أيْضًا لا رادَّ لَهُ؛ ولا مانِعَ مِنهُ؛ هَذا تَقْرِيرُ الكَلامِ؛ ولَكِنْ وضَعَ بَدَلَ هَذا المُقَدَّرِ لَفْظًا أعَمَّ مِنهُ؛ يَسْتَوْعِبُهُ وغَيْرَهُ؛ وهو قَوْلُهُ: ﴿ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ؛ ودَلَّ ظاهِرُ الكَلامِ عَلى المُقَدَّرِ فِيهِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ؛ أيْ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ جائِزٍ أنْ يُوصَفَ اللهُ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَهُوَ القاهِرُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أيْ وهو - عَزَّ وجَلَّ - المُسْتَوْلِي المُقْتَدِرُ؛ و"فَوْقَ"؛ نُصِبَ عَلى الظَرْفِ؛ لا في المَكانِ؛ بَلْ في المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَهُ لَفْظُ "اَلْقاهِرُ"؛ كَما تَقُولُ: "زِيدٌ فَوْقَ عَمْرٍو في المَنزِلَةِ"؛ وحَقِيقَةُ "فَوْقَ"؛ في الأماكِنِ؛ وهي في المَعانِي مُسْتَعارَةٌ؛ شُبِّهَ بِها مَن هو أرْفَعُ رُتْبَةً في مَعْنًى ما؛ لَمّا كانَتْ في الأماكِنِ تُنْبِئُ حَقِيقَةً عَنِ الأرْفَعِ؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّها بِتَقْدِيرِ الحالِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ القاهِرُ غالِبًا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا لا يَسْلَمُ مِنَ الاعْتِراضِ أيْضًا؛ والأوَّلُ عِنْدِي أصْوَبُ.

والعِبادُ: بِمَعْنى: "اَلْعَبِيدُ"؛ وهُما جَمْعانِ لِـ "اَلْعَبْدُ"؛ أما إنّا نَجِدُ وُرُودَ لَفْظَةِ "اَلْعِبادُ"؛ في القُرْآنِ؛ وغَيْرِهِ؛ في مَواضِعِ تَفْخِيمٍ؛ أو تَرْفِيعٍ؛ أو كَرامَةٍ؛ ووُرُودُ لَفْظَةِ "اَلْعَبِيدُ"؛ في تَحْقِيرٍ؛ أوِ اسْتِضْعافٍ؛ أو تَصَدِّي ذَمٍّ؛ ألا تَرى قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: قُولا لِدُودانَ عَبِيدِ العَصا ∗∗∗ ∗∗∗................

ولا يَسْتَقِيمُ أنْ يُقالَ هُنا: عِبادُ العَصا؛ وكَذَلِكَ الَّذِينَ سُمُّوا "اَلْعِبادَ"؛ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يُقالَ لَهُمْ: "اَلْعَبِيدُ"؛ لِأنَّهم أفْخَمُ مِن ذَلِكَ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُ حَمْزَةَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "وَهَلْ أنْتُمْ إلّا عَبِيدٌ لِأبِي؟"؛ لا يَسْتَقِيمُ فِيهِ "عِبادٌ".

وَ"اَلْحَكِيمُ"؛ بِمَعْنى "اَلْمُحْكِمُ"؛ و"اَلْخَبِيرُ"؛ دالَّةٌ عَلى مُبالَغَةِ العِلْمِ؛ وهُما وصْفانِ مُناسِبانِ لِنَمَطِ الآيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَـٰدَةًۭ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ شَهِيدٌۢ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُل لَّآ أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ وَإِنَّنِى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ١٩

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلْ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكم وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ أإنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللهُ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أشْهَدُ قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ ﴾ "أيُّ": اِسْتِفْهامٌ؛ وهي مُعْرَبَةٌ مَعَ إبْهامِها؛ وإنَّما كانَ ذَلِكَ لِأنَّها تَلْتَزِمُ الإضافَةَ؛ ولِأنَّها تَتَضَمَّنُ عِلْمَ جُزْءٍ مِنَ المُسْتَفْهَمِ عنهُ غَيْرِ مُعَيَّنٍ؛ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: "أيُّ الرَجُلَيْنِ جاءَنا؟"؛ فَقَدْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أحَدَهُما جاءَ؛ غَيْرَ مُعَيَّنٍ؛ فَأخْرَجَها هَذانِ الوَجْهانِ عن غَمْرَةِ الإبْهامِ فَأُعْرِبَتْ.

وتَتَضَمَّنُ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - يُقالُ عَلَيْهِ: "شَيْءٍ"؛ كَما يُقالُ عَلَيْهِ: "مَوْجُودٌ"؛ ولَكِنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى - شَيْءٌ.

و"شَهادَةً"؛ نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ؛ ويَصِحُّ عَلى المَفْعُولِ؛ بِأنْ يُحْمَلَ "أكْبَرُ" عَلى التَشْبِيهِ بِالصِفَةِ المُشَبَّهَةِ بِاسْمِ الفاعِلِ.

وهَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ قُلْ لِمَن ما في السَماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ  ﴾ ؛ في أنِ اسْتَفْهَمَ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ؛ والتَقْرِيرِ؛ ثُمَّ بادَرَ إلى الجَوابِ؛ إذْ لا تُتَصَوَّرُ فِيهِ مُدافَعَةٌ؛ وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن تُخاصِمُهُ؛ وتَتَظَلَّمُ مِنهُ: "مَن أقْدَرُ مَن في البَلَدِ؟"؛ ثُمَّ تُبادِرُ وتَقُولُ: "اَلسُّلْطانُ؛ فَهو يَحُولُ بَيْنَنا"؛ ونَحْوِ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ؛ فَتَقْدِيرُ الآيَةِ أنَّهُ قالَ لَهُمْ: "أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً؟

اَللَّهُ أكْبَرُ شَهادَةً؛ فَهو شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ"؛ فَـ "اَللَّهُ"؛ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ وخَبَرُهُ مُضْمَرٌ؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الكَلامِ؛ كَما قَدَّرْناهُ؛ و"شَهِيدٌ"؛ خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٌ.

وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى قالَ لِنَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: "قُلْ لَهُمْ: أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً؟

وقُلْ لَهُمْ: اَللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ؛ لَمّا عَيُّوا عَنِ الجَوابِ"؛ فَـ "شَهِيدٌ"؛ عَلى هَذا التَأْوِيلِ خَبَرٌ لِـ "اَللَّهُ"؛ ولَيْسَ في هَذا التَأْوِيلِ مُبادَرَةٌ مِنَ السائِلِ إلى الجَوابِ المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ﴾ ؛ أيْ: في تَبْلِيغِي.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَأوحى إلَيَّ هَذا القُرْآنَ"؛ عَلى الفِعْلِ الماضِي؛ ونَصْبِ "اَلْقُرْآنَ"؛ وفي "وَأوحى"؛ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى ؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿ قُلِ اللهُ ﴾ ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَأُوحِيَ"؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ؛ "اَلْقُرْآنُ"؛ رَفْعًا.

"لِأُنْذِرَكُمْ"؛ مَعْناهُ: لِأُخَوِّفَكم بِهِ العِقابَ؛ والآخِرَةَ؛ و"وَمَن"؛ عُطِفَ عَلى الكافِ والمِيمِ في قَوْلِهِ: "لِأُنْذِرَكُمْ"؛ "وَبَلَغَ"؛ مَعْناهُ - عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ -: بَلاغُ القُرْآنِ؛ أيْ: لِأُنْذِرَكُمْ؛ وأُنْذِرَ مَن بَلَغَهُ؛ فَفي "بَلَغَ"؛ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّهُ في صِلَةِ "وَمَن"؛ فَحُذِفَ لِطُولِ الكَلامِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "وَمَن بَلَغَ الحُلُمَ"؛ فَفي "بَلَغَ" - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - ضَمِيرٌ مُقَدَّرٌ راجِعٌ إلى "وَمَن".

ورُوِيَ في مَعْنى التَأْوِيلِ الأوَّلِ أحادِيثُ؛ مِنها أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "يا أيُّها الناسُ؛ بَلِّغُوا عَنِّي ولَوْ آيَةً؛ فَإنَّهُ مَن بُلِّغَ آيَةً مِن كِتابِ اللهِ تَعالى فَقَدْ بَلَغَهُ أمْرُ اللهِ تَعالى أخَذَهُ أو تَرَكَهُ"؛» ونَحْوُ هَذا مِنَ الأحادِيثِ؛ كَقَوْلِهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "مَن بَلَغَهُ هَذا القُرْآنُ فَأنا نَذِيرُهُ".» وَقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "آيِنَّكُمْ"؛ بِزِيادَةِ ألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَةِ الأُولى والثانِيَةِ المُسَهَّلَةِ؛ عامِلَةٍ بَعْدَ هَذا التَسْهِيلِ المُعامَلَةَ قَبْلَ التَسْهِيلِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أيِنَّكُمْ"؛ بِهَمْزَتَيْنِ؛ الثانِيَةُ مُسَهَّلَةٌ؛ دُونَ ألِفٍ بَيْنَهُما؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "آئِنَّكُمْ"؛ اِسْتَثْقَلَتِ اجْتِماعَ الهَمْزَتَيْنِ؛ فَزادَتْ ألِفًا بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إنَّكُمْ"؛ بِالإيجابِ؛ دُونَ تَقْدِيرٍ.

وهَذِهِ الآيَةُ مَقْصِدُها التَوْبِيخُ؛ وتَسْفِيهُ الرَأْيِ.

و"أُخْرى"؛ صِفَةٌ لِـ "آلِهَةً"؛ وصِفَةُ جَمْعِ ما لا يَعْقِلُ تُجْرى في الإفْرادِ مُجْرى الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ؛ كَقَوْلِهِ: "مَآرِبُ أُخْرى"؛ وكَذَلِكَ مُخاطَبَتُهُ جَمْعَ ما لا يَعْقِلُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ  ﴾ ؛ ونَحْوَ هَذا؛ ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآلِهَةُ حِجارَةً؛ وعِيدانًا؛ أُجْرِيَتْ هَذا المُجْرى.

ثُمَّ أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالتَبَرِّي مِن شَهادَتِهِمْ؛ والإعْلانِ بِالتَوْحِيدِ لِلَّهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ والتَبَرِّي مِن إشْراكِهِمْ.

و"وَإنَّنِي"؛ إيجابٌ أُلْحِقَ فِيهِ النُونُ الَّتِي تَلْحَقُ الفِعْلَ؛ لِتَبْقى حَرَكَتُهُ عِنْدَ اتِّصالِ الضَمِيرِ بِهِ؛ في قَوْلِكَ: "وَضَرَبَنِي"؛ ونَحْوِهِ.

وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها في عَبَدَةِ الأصْنامِ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّهُ قَدْ ورَدَ مِن وجْهٍ لَمْ تَثْبُتْ صِحَّتُهُ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ؛ وأُسْنِدَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - قالَ: «جاءَ النَحّامُ بْنُ زَيْدٍ؛ وقَرْدَمُ بْنُ كَعْبٍ ؛ وبَحْرِيُّ بْنُ عُمَيْرٍ؛ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ؛ ما تَعْلَمُ مَعَ اللهِ إلَهًا غَيْرَهُ؟

فَقالَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَهُمْ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ؛ بِذَلِكَ أُمِرْتُ"؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ.» <div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ۘ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ٢٠ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِهِۦٓ ۗ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٢١

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ ﴾ "اَلَّذِينَ"؛ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ وخَبَرُهُ "يَعْرِفُونَهُ"؛ و"اَلْكِتابَ"؛ مَعْناهُ: اَلتَّوْراةُ؛ والإنْجِيلُ؛ وهو لَفْظٌ مُفْرَدٌ؛ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ؛ والضَمِيرُ في "يَعْرِفُونَهُ"؛ عائِدٌ - في بَعْضِ الأقْوالِ - عَلى التَوْحِيدِ؛ لِقُرْبِ قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ  ﴾ ؛ وهَذا اسْتِشْهادٌ في ذَلِكَ عَلى كَفَرَةِ قُرَيْشٍ؛ والعَرَبِ؛ بِأهْلِ الكِتابِ.

و ﴿ "الَّذِينَ خَسِرُوا" ﴾ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - مُنْقَطِعٌ؛ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ؛ ولَيْسَ مِن صِفَةِ "اَلَّذِينَ"؛ اَلْأُولى؛ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يُسْتَشْهَدَ بِأهْلِ الكِتابِ ويُذَمُّونَ في آيَةٍ واحِدَةٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ يَصِحُّ ذَلِكَ؛ لِاخْتِلافِ ما اسْتُشْهِدَ فِيهِ بِهِمْ؛ وما ذُمُّوا فِيهِ؛ وأنَّ الذَمَّ والِاسْتِشْهادَ لَيْسا مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ؛ وقالَ قَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ: اَلضَّمِيرُ عائِدٌ في "يَعْرِفُونَهُ"؛ عَلى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ ورِسالَتِهِ؛ وذَلِكَ عَلى ما في قَوْلِهِ: ﴿ وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ  ﴾ ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "وَأهْلُ الكِتابِ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ مِن إنْذارِي؛ والوَحْيِ إلَيَّ"؛ وتَأوَّلَ هَذا التَأْوِيلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ: إنَّ اللهَ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ بِمَكَّةَ أنَّكم تَعْرِفُونَهُ كَما تَعْرِفُونَ أبْناءَكُمْ؛ فَكَيْفَ هَذِهِ المَعْرِفَةُ؟

فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ: نَعَمْ أعْرِفُهُ بِالصِفَةِ الَّتِي وصَفَهُ اللهُ في التَوْراةِ؛ فَلا أشُكُّ فِيهِ؛ وأمّا ابْنِي فَلا أدْرِي ما أحْدَثَتْ أُمُّهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَأوَّلَ ابْنُ سَلامٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - المَعْرِفَةَ بِالِابْنِ: تَحَقُّقَ صِحَّةِ نَسَبِهِ؛ وغَرَضُ الآيَةِ إنَّما هو الوُقُوفُ عَلى صُورَتِهِ؛ فَلا يُخْطِئُ الأبُ فِيها.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلضَّمِيرُ مِن "يَعْرِفُونَهُ"؛ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ المَذْكُورِ قَبْلُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَصِحُّ أنْ نُعِيدَ الضَمِيرَ عَلى هَذِهِ كُلِّها دُونَ اخْتِصاصٍ؛ كَأنَّهُ وصَفَ أشْياءَ كَثِيرَةً؛ ثُمَّ قالَ: "أهْلُ الكِتابِ يَعْرِفُونَهُ"؛ أيْ: ما قُلْنا؛ وما قَصَصْنا.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا  ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ "اَلَّذِينَ"؛ نَعْتًا تابِعًا لِـ "اَلَّذِينَ" قَبْلَهُ؛ والفاءُ مِن قَوْلِهِ: "فَهُمْ"؛ عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ وهَذا يَحْسُنُ عَلى تَأْوِيلِ مَن رَأى في الآيَةِ قَبْلَها أنَّ أهْلَ الكِتابِ مُتَوَعَّدُونَ؛ مَذْمُومُونَ؛ لا مُسْتَشْهَدٌ بِهِمْ؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "اَلَّذِينَ"؛ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ؛ عَلى اسْتِئْنافِ الكَلامِ؛ وخَبَرُهُ: ﴿ فَهم لا يُؤْمِنُونَ  ﴾ ؛ والفاءُ عَلى هَذا جَوابٌ؛ و"خَسِرُوا"؛ مَعْناهُ: غَبَنُوها؛ وقَدْ تَقَدَّمَ.

ورُوِيَ أنَّ كُلَّ عَبْدٍ لَهُ مَنزِلٌ في الجَنَّةِ؛ ومَنزِلٌ في النارِ؛ فالمُؤْمِنُونَ يُنْزَلُونَ مَنازِلَ أهْلِ الكُفْرِ في الجَنَّةِ؛ والكافِرُونَ يُنْزَلُونَ مَنازِلَ أهْلِ الجَنَّةِ في النارِ؛ فَهَهُنا هي الخَسارَةُ بَيِّنَةً؛ والرِبْحُ لِلْآخَرِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَمَن أظْلَمُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "مَن"؛ اِسْتِفْهامٌ؛ مُضَمَّنَةٌ التَوْقِيفَ؛ والتَقْرِيرَ؛ أيْ: "لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى"؛ و"اِفْتَرى"؛ مَعْناهُ: اِخْتَلَقَ؛ والمُكَذِّبُ بِالآياتِ مُفْتَرٍ؛ كَذّابٌ؛ ولَكِنَّهُما مُنَحَّيانِ مِنَ الكُفْرِ؛ فَلِذَلِكَ نُصّا مُفَسَّرَيْنِ.

والآياتُ: اَلْعَلاماتُ؛ والمُعْجِزاتُ؛ ونَحْوُ ذَلِكَ؛ ثُمَّ أوجَبَ أنَّهُ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ؛ والفَلاحُ: بُلُوغُ الأمَلِ والإرادَةِ؛ والنَجاحُ؛ ومِنهُ قَوْلُ عُبَيْدٍ: ؎ أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُبْلَغُ بِالضْـ ∗∗∗ ـضَعْفِ وقَدْ يُخَدَّعُ الأرِيبُ <div class="verse-tafsir"

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ٢٢ ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ٢٣ ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ٢٤

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ  ﴾ ؛ كَلامٌ تامٌّ؛ مَعْناهُ: "لا يُفْلِحُونَ جُمْلَةً؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: "واذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ"؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: اَلْمَعْنى: "لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ اليَوْمَ في الدُنْيا؛ ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ"؛ عَطْفًا عَلى الظَرْفِ المُقَدَّرِ؛ والكَلامُ مُتَّصِلٌ.

وقَرَأتْ طائِفَةٌ: "نَحْشُرُهُمْ"؛ و"نَقُولُ" بِالنُونِ؛ وقَرَأ حُمَيْدٌ؛ ويَعْقُوبُ فِيهِما بِالياءِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ - هُنا وفي "يُونُسَ"؛ قَبْلَ الثَلاثِينَ -: "نَحْشُرُهُمْ"؛ و"نَقُولُ"؛ بِالنُونِ؛ وقَرَأ في باقِي القُرْآنِ بِالياءِ؛ وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ "نَحْشِرُهُمْ"؛ بِكَسْرِ الشِينِ؛ فَيَجِيءُ الفِعْلُ - عَلى هَذا -: "حَشَرَ؛ يَحْشُرُ؛ ويَحْشِرُ".

وأضافَ الشُرَكاءَ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ لا شَرِكَةَ لَهم في الحَقِيقَةِ بَيْنَ الأصْنامِ وبَيْنَ شَيْءٍ؛ وإنَّما وقَعَ عَلَيْها اسْمُ الشَرِيكِ بِمُجَرَّدِ تَسْمِيَةِ الكَفَرَةِ؛ فَأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِهَذِهِ النِسْبَةِ.

و"تَزْعُمُونَ"؛ مَعْناهُ: تَدَّعُونَ أنَّهم [شُرَكاءُ] لِلَّهِ تَعالى ؛ والزَعْمُ: اَلْقَوْلُ الأمْيَلُ إلى الباطِلِ؛ والكَذِبِ؛ في أكْثَرِ كَلامِهِمْ؛ وقَدْ يُقالُ: "زَعَمَ"؛ بِمَعْنى: "ذَكَرَ"؛ دُونَ مَيْلٍ إلى الكَذِبِ؛ وعَلى هَذا الحَدِّ يَقُولُ سِيبَوَيْهِ ؛ زَعَمَ الخَلِيلُ؛ ولَكِنَّ ذَلِكَ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في الشَيْءِ الغَرِيبِ؛ الَّذِي تَبْقى عُهْدَتُهُ عَلى قائِلِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ - في رِوايَةِ شِبْلٍ عنهُ -؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ -؛ وابْنُ عامِرٍ: " تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ"؛ بِرَفْعِ الفِتْنَةِ؛ و"إلّا أنْ قالُوا"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الخَبَرِ؛ التَقْدِيرُ: "إلّا قَوْلَهُمْ"؛ وهَذا مُسْتَقِيمٌ؛ لِأنَّهُ أنَّثَ العَلامَةَ في الفِعْلِ حِينَ أسْنَدَهُ إلى مُؤَنَّثٍ؛ وهي الفِتْنَةُ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا: "تَكُنْ فِتْنَتَهُمْ"؛ بِنَصْبِ الفِتْنَةِ؛ واسْمُ "كانَ": "أنْ قالُوا"؛ وفي هَذِهِ القِراءَةِ تَأْنِيثُ "أنْ قالُوا"؛ وساغَ إلى ذَلِكَ مِن حَيْثُ الفِتْنَةُ مُؤَنَّثَةٌ في المَعْنى؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها  ﴾ ؛ فَأنَّثَ الأمْثالَ؛ لَمّا كانَتِ الحَسَناتِ بِالمَعْنى؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يَكُنْ"؛ بِالياءِ؛ "فِتْنَتَهُمْ"؛ بِالنَصْبِ؛ واسْمُ "كانَ": ﴿ إلا أنْ قالُوا ﴾ ؛ وهَذا مُسْتَقِيمٌ؛ لِأنَّهُ ذَكَّرَ عَلامَةَ الفِعْلِ حِينَ أسْنَدَهُ إلى مُذَكَّرٍ؛ قالَ الزَهْراوِيُّ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَكُنْ فِتْنَتُهُمْ"؛ بِرَفْعِ الفِتْنَةِ؛ وفي هَذِهِ القِراءَةِ إسْنادُ فِعْلٍ مُذَكَّرٍ إلى مُؤَنَّثٍ؛ وجاءَ ذَلِكَ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ الفِتْنَةَ بِمَعْنى الِاخْتِبارِ؛ أوِ المَوَدَّةِ في الشَيْءِ؛ والإعْجابِ؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ وكِيعٍ ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والأعْمَشُ: "وَما كانَ فِتْنَتُهُمْ"؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "ثُمَّ كانَ فِتْنَتُهُمْ".

والفِتْنَةُ في كَلامِ العَرَبِ: لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ؛ تُقالُ بِمَعْنى حُبِّ الشَيْءِ والإعْجابِ بِهِ؛ كَما تَقُولُ "فُتِنْتُ بِكَذا"؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ هُنا هَذا المَعْنى؛ أيْ: "لَمْ يَكُنْ حُبُّهم لِلْأصْنامِ؛ وإعْجابُهم بِها؛ واتِّباعُهم لَها لَمّا سُئِلُوا عنها؛ ووَقَفُوا عَلى عَجْزِها؛ إلّا التَبَرِّي مِنها؛ والإنْكارَ لَها"؛ وهَذا تَوْبِيخٌ لَهُمْ؛ كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ كانَ يَدَّعِي مَوَدَّةَ آخَرَ؛ ثُمَّ انْحَرَفَ عنهُ وعاداهُ: "يا فُلانُ؛ لَمْ تَكُنْ مَوَدَّتُكَ لِفُلانٍ إلّا أنْ شَتَمْتَهُ وعادَيْتَهُ"؛ ويُقالُ: "اَلْفِتْنَةُ"؛ في كَلامِ العَرَبِ؛ بِمَعْنى الِاخْتِبارِ؛ كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ - لِمُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -: ﴿ وَفَتَنّاكَ فُتُونًا  ﴾ ؛ وكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا  ﴾ ؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ هَهُنا هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ سُؤالَهم عَنِ الشُرَكاءِ؛ وتَوْقِيفَهُمُ اخْتِبارٌ؛ فالمَعْنى: "ثُمَّ لَمْ يَكُنِ اخْتِبارُنا لَهم - إذْ لَمْ يُفِدْ ولا أثْمَرَ - إلّا إنْكارَهُمُ الإشْراكَ".

وتَجِيءُ الفِتْنَةُ في اللُغَةِ عَلى مَعانٍ غَيْرِ هَذَيْنِ؛ لا مَدْخَلَ لَها في الآيَةِ؛ ومَن قالَ: "إنَّ أصْلَ الفِتْنَةِ الِاخْتِبارُ؛ مِن "فَتَنْتُ الذَهَبَ في النارِ"؛ ثُمَّ يُسْتَعارُ بَعْدَ ذَلِكَ في غَيْرِ ذَلِكَ"؛ فَقَدْ أخْطَأ؛ لِأنَّ الِاسْمَ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِمَعْنى الِاسْتِعارَةِ حَتّى يُقْطَعَ بِاسْتِحالَةِ حَقِيقَتِهِ في المَوْضِعِ الَّذِي اسْتُعِيرَ لَهُ؛ كَقَوْلِ ذِي الرُمَّةِ: .................

∗∗∗ ولَفَّ الثُرَيّا في مَلاءَتِهِ الفَجْرُ ونَحْوِهِ؛ والفِتْنَةُ لا يَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ حَقِيقَةً في كُلِّ مَوْضِعٍ قِيلَتْ عَلَيْهِ.

وَقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وابْنُ عُمَرَ: "واللهِ رَبِّنا"؛ خُفِضَ عَلى النَعْتِ لِاسْمِ اللهِ تَعالى ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "رَبَّنا"؛ نُصِبَ عَلى النِداءِ؛ ويَجُوزُ فِيهِ تَقْدِيرُ المَدْحِ؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ ؛ وسَلّامُ بْنُ مِسْكِينٍ: "واللهُ رَبُّنا"؛ بِرَفْعِ الِاسْمَيْنِ؛ وهَذا عَلى تَقْدِيرِ تَقْدِيمٍ؛ وتَأْخِيرٍ؛ كَأنَّهم قالُوا: "ما كُنّا مُشْرِكِينَ؛ واللهُ رَبُّنا"؛ و"ما كُنّا مُشْرِكِينَ"؛ مَعْناهُ جُحُودُ إشْراكِهِمْ في الدُنْيا؛ فَرُوِيَ أنَّهم إذا رَأوا إخْراجَ مَن في النارِ مِن أهْلِ الإيمانِ؛ ضَجُّوا؛ فَيُوقَفُونَ؛ ويُقالُ لَهُمْ: "أيْنَ شُرَكاؤُكُمْ"؛ فَيُنْكِرُونَ؛ طَماعِيَةً مِنهم أنْ يُفْعَلَ بِهِمْ ما فُعِلَ بِأهْلِ الإيمانِ؛ وأتى رَجُلٌ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: سَمِعْتُ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ ؛ وفي أُخْرى: ﴿ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا  ﴾ ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "لَمّا رَأوا أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مُؤْمِنٌ؛ قالُوا: تَعالَوْا فَلْنَجْحَدْ؛ وقالُوا: "ما كُنّا مُشْرِكِينَ"؛ فَخَتَمَ اللهُ تَعالى عَلى أفْواهِهِمْ؛ وتَكَلَّمَتْ جَوارِحُهُمْ؛ فَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَنِ الفِتْنَةِ هُنا بِأنْ قالُوا: "مَعْذِرَتُهُمْ"؛ قالَهُ قَتادَةُ ؛ وقالَ آخَرُونَ: "كَلامُهُمْ"؛ قالَهُ الضَحّاكُ ؛ وقِيلَ غَيْرُ هَذا؛ مِمّا هو كُلُّهُ في ضِمْنِ ما ذَكَرْناهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الخِطابُ لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والنَظَرُ نَظَرُ القَلْبِ؛ وقالَ: "كَذَبُوا" في أمْرٍ لَمْ يَقَعْ؛ إذْ هي حِكايَةُ يَوْمِ القِيامَةِ؛ فَلا إشْكالَ في اسْتِعْمالِ الماضِي فِيها مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ؛ ويُفِيدُنا اسْتِعْمالُ الماضِي تَحْقِيقًا ما في الفِعْلِ؛ وإثْباتًا لَهُ؛ وهَذا مَهْيَعٌ في اللُغَةِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الرَبِيعِ بْنِ ضَبُعٍ الفَزارِيِّ: أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِلاحَ ولا ∗∗∗ ∗∗∗ أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا يُرِيدُ: "إنْ يَنْفِرْ".

﴿ "وَضَلَّ عنهُمْ"؛ ﴾ مَعْناهُ: "ذَهَبَ افْتِراؤُهم في الدُنْيا؛ وكَذِبُهم بِادِّعائِهِمْ لِلَّهِ - تَبارَكَ وتَعالى - الشُرَكاءَ".

<div class="verse-tafsir"

وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًۭا ۚ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍۢ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَـٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٢٥

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ اَلضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَمِنهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ الَّذِينَ تَضَمَّنَهم قَبْلُ قَوْلُهُ: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا  ﴾ ؛ وأفْرَدَ "يَسْتَمِعُ"؛ وهو فِعْلُ جَماعَةٍ؛ حَمْلًا عَلى لَفْظِ "مَن"؛ و"أكِنَّةً"؛ جَمْعُ "كِنانٌ"؛ وهو الغِطاءُ الجامِعُ؛ ومِنهُ كِنانَةُ السِهامِ؛ والَكِنُّ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ بَيْضٌ مَكْنُونٌ  ﴾ ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إذا ما انْتَضَوْها في الوَغى مِن أكِنَّةٍ ∗∗∗ حَسِبْتَ بُرُوقَ الغَيْثِ هاجَتْ غُيُومُها و"فِعالٌ" و"أفْعِلَةٌ"؛ مَهْيَعٌ في كَلامِهِمْ.

و"أنْ يَفْقَهُوهُ"؛ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ؛ أيْ: "كَراهِيَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ"؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "ألّا يَفْقَهُوهُ"؛ ويَلْزَمُ هَذا القَوْلَ إضْمارُ حَرْفِ النَفْيِ؛ و"يَفْقَهُوهُ"؛ مَعْناهُ: "يَفْهَمُوهُ"؛ ويُقالُ: "فَقِهَ الرَجُلُ"؛ بِكَسْرِ القافِ؛ إذا فَهِمَ الشَيْءَ؛ و"فُقُهَ"؛ بِضَمِّها؛ إذا صارَ فَقِيهًا لَهُ مَلَكَةٌ؛ و"فَقَهَ"؛ إذا غَلَبَ في الفِقْهِ غَيْرَهُ.

والوَقْرُ: اَلثِّقْلُ في السَمْعِ؛ يُقالُ: "وَقِرَتْ أُذُنُهُ"؛ و"وَقَرَتْ"؛ بِكَسْرِ القافِ؛ وفَتْحِها؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وكَلامٍ سَيِّئٍ قَدْ وقِرَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ أُذُنِي مِنهُ وما بِي مِن صَمَمْ وقَدْ سُمِعَ: "أُذُنٌ مَوْقُورَةٌ"؛ فالفِعْلُ عَلى هَذا "وُقِرَتْ"؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "وِقْرًا"؛ بِكَسْرِ الواوِ؛ كَأنَّهُ ذَهَبَ إلى آذانِهِمْ؛ وقُرَّتْ بِالصَمَمِ؛ كَما تُوقَرُ الدابَّةُ مِنَ الحَمْلِ؛ وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ؛ وهَذا عِبارَةٌ عَمّا جَعَلَ اللهُ تَعالى في نُفُوسِ هَؤُلاءِ القَوْمِ مِنَ الغَلَطِ والبُعْدِ عن قَبُولِ الخَيْرِ؛ لا أنَّهم لَمْ يَكُونُوا سامِعِينَ لِأقْوالِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلرُّؤْيَةُ هُنا: رُؤْيَةُ العَيْنِ؛ يُرِيدُ كانْشِقاقِ القَمَرِ؛ وشِبْهِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم في أعْجَزِ دَرَجَةٍ؛ وحاوَلُوا رَدَّ الحَقِّ بِالدَعْوى المُجَرَّدَةِ؛ والواوُ في قَوْلِهِ: "وَجَعَلْنا"؛ واوُ الحالِ؛ والبابُ أنْ يُصَرَّحَ مَعَها بِـ "قَدْ"؛ وقَدْ تَجِيءُ أحْيانًا مُقَدَّرَةً؛ وإيضاحُ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ومِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ مَن يَسْتَمِعُكَ وهو مِنَ الغَباوَةِ في حَدِّ قَلْبِهِ في كِنانٍ؛ وأُذُنُهُ صَمّاءُ؛ وهو يَرى الآياتِ فَلا يُؤْمِنُ بِها؛ لَكِنَّهُ مَعَ بُلُوغِهِ الغايَةَ مِن هَذا القُصُورِ إذا جاءَ لِلْمُجادَلَةِ قابَلَ بِدَعْوًى مُجَرَّدَةٍ.

والمُجادَلَةُ: اَلْمُقابَلَةُ في الِاحْتِجاجِ؛ مَأْخُوذٌ مِن "اَلْجَدَلُ"؛ و"هَذا"؛ في قَوْلِهِمْ: إشارَةٌ إلى القُرْآنِ.

و"اَلْأساطِيرُ": جَمْعُ "أسْطارٌ"؛ كَـ "أقْوالٌ"؛ و"أقاوِيلُ"؛ ونَحْوِهِ؛ و"أسْطارٌ": جَمْعُ "سَطْرٌ"؛ أو "سَطَرٌ"؛ وقِيلَ: اَلْأساطِيرُ: جَمْعُ "إسْطارَةٌ"؛ وهي التُرَّهاتُ؛ وقِيلَ: جَمْعُ "أُسْطُورَةٌ"؛ كَـ "أُعْجُوبَةٌ"؛ و"أُضْحُوكَةٌ"؛ وقِيلَ: هو اسْمُ جَمْعٍ؛ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ؛ كَـ "عَبابِيدُ"؛ و"شَمامِيطُ"؛ والمَعْنى: "أخْبارُ الأوَّلِينَ؛ وأقاصِيصُهُمْ؛ وأحادِيثُهُمُ الَّتِي تُسَطَّرُ؛ وتُحْكى؛ ولا تُحَقَّقُ؛ كالتَوارِيخِ؛ وإنَّما شَبَّهَها الكُفّارُ بِأحادِيثِ النَضْرِ بْنِ الحارِثِ ؛ وأبِي عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ؛ عن رُسْتُمَ؛ والسِنْدِبادِ؛ ومُجادَلَةُ الكُفّارِ كانَتْ مُرادَّتَهم نُورَ اللهِ بِأفْواهِهِمُ المُبْطِلَةِ؛ وقَدْ ذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ مَثَّلَ مِن ذَلِكَ قَوْلَهُمْ: "إنَّكم أيُّها المُتَّبِعُونَ مُحَمَّدًا تَأْكُلُونَ ما قَتَلْتُمْ بِذَبْحِكُمْ؛ ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَ اللهُ"؛ ونَحْوَ هَذا مِنَ التَخْلِيطِ الَّذِي لا تَتَرَكَّبُ مِنهُ حُجَّةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا جِدالٌ في حُكْمٍ؛ والَّذِي في الآيَةِ إنَّما هو جِدالٌ في مُدافَعَةِ القُرْآنِ؛ فَلا تُتَفَسَّرُ الآيَةُ عِنْدِي بِأمْرِ الذَبْحِ.

<div class="verse-tafsir"

وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْـَٔوْنَ عَنْهُ ۖ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ٢٦ وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُوا۟ يَـٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٢٧

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَهم يَنْهَوْنَ عنهُ ويَنْأونَ عنهُ وإنْ يُهْلِكُونَ إلا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ اَلضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى المَذْكُورِينَ قَبْلُ؛ والضَمِيرُ في "عنهُ"؛ قالَ قَتادَةُ ؛ ومُجاهِدٌ: يَعُودُ عَلى القُرْآنِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: "أنْ يَفْقَهُوهُ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وابْنُ الحَنَفِيَّةِ ؛ والضَحّاكُ: هو عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والمَعْنى أنَّهم يَنْهَوْنَ غَيْرَهُمْ؛ ويَبْعُدُونَ هم بِأنْفُسِهِمْ؛ و"اَلنَّأْيُ": اَلْبُعْدُ.

"وَإنْ يُهْلِكُونَ"؛ مَعْناهُ: ما يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ الَّذِي يُدْخِلُهم جَهَنَّمَ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ والقاسِمُ ؛ وحَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ؛ وعَطاءُ بْنُ دِينارٍ: اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَهم يَنْهَوْنَ عنهُ ﴾ ؛ أبُو طالِبٍ؛ ومَن كانَ مَعَهُ؛ عَلى حِمايَةِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وعَلى الدَوامِ في الكُفْرِ؛ والمَعْنى: "وَهم يَنْهَوْنَ عنهُ مَن يُرِيدُ إذايَتَهُ؛ ويَنْأونَ عنهُ بِإيمانِهِمْ؛ واتِّباعِهِمْ؛ فَهم يَفْعَلُونَ الشَيْءَ وخِلافَهُ"؛ ويُقْلِقُ هَذا القَوْلَ رَدُّ قَوْلِهِ: "وَهُمْ"؛ عَلى جَماعَةِ الكُفّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها؛ لِأنَّ جَمِيعَهم لَمْ يَكُنْ يَنْهى عن إذايَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُتَخَرَّجُ ذَلِكَ؛ ويَحْسُنُ عَلى أنْ تُقَدِّرَ القَصْدَ ذِكْرَ ما يُنْعى عَلى فَرِيقٍ مِنَ الجَماعَةِ الَّتِي هي كُلُّها مُجْمِعَةٌ عَلى الكُفْرِ؛ فَخَرَجَتِ العِبارَةُ عن فَرِيقٍ مِنَ الجَماعَةِ بِلَفْظٍ يَعُمُّ الجَماعَةَ؛ لِأنَّ التَوْبِيخَ عَلى هَذِهِ الصُورَةِ أغْلَظُ عَلَيْهِمْ؛ كَما تَقُولُ - إذا شَنَّعْتَ عَلى جَماعَةٍ فِيها زُناةٌ؛ وسَرَقَةٌ؛ وشَرَبَةُ خَمْرٍ -: "هَؤُلاءِ يَزْنُونَ؛ ويَسْرِقُونَ؛ ويَشْرَبُونَ الخَمْرَ"؛ وحَقِيقَةُ كَلامِكَ أنَّ بَعْضَهم يَفْعَلُ هَذا؛ وبَعْضَهم يَفْعَلُ هَذا؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ مَن يَسْتَمِعُ وهم يَنْهَوْنَ عن إذايَتِهِ؛ ولا يُؤْمِنُونَ بِهِ"؛ أيْ: "مِنهم مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ".

"وَما يَشْعُرُونَ"؛ مَعْناهُ: "ما يَعْلَمُونَ عِلْمَ حِسٍّ"؛ وهو مَأْخُوذٌ مِن "اَلشِّعارُ"؛ اَلَّذِي يَلِي بَدَنَ الإنْسانِ؛ و"اَلشِّعارُ": مَأْخُوذٌ مِن "اَلشَّعْرُ"؛ ونَفْيُ الشُعُورِ مَذَمَّةٌ بالِغَةٌ؛ إذِ البَهائِمُ تَشْعُرُ؛ وتُحِسُّ؛ فَإذا قُلْتَ: "فُلانٌ لا يَشْعُرُ"؛ فَقَدْ نَفَيْتَ عنهُ العِلْمَ؛ النَفْيَ العامَّ الَّذِي يَقْتَضِي أنَّهُ لا يَعْلَمُ؛ ولا المَحْسُوساتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَرَأ الحَسَنُ: "وَيَنَوْنَ عنهُ"؛ أُلْقِيَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ عَلى النُونِ؛ عَلى التَسْهِيلِ القِياسِيِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النارِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْمُخاطَبَةُ فِيهِ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وجَوابُ "وَلَوْ" مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ: "لَرَأيْتَ هَوْلًا؛ أو مَشَقّاتٍ"؛ أو نَحْوُ هَذا؛ وحَذْفُ جَوابِها في مِثْلِ هَذا أبْلَغُ؛ لِأنَّ المُخاطَبَ يُتْرَكُ مَعَ غايَةِ تَخَيُّلِهِ.

ووَقَعَتْ "إذْ"؛ في مَوْضِعِ "إذا"؛ اَلَّتِي هي لِما يُسْتَقْبَلْ؛ وجازَ ذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ المُتَيَقَّنَ وُقُوعُهُ يُعَبَّرُ عنهُ كَما يُعَبَّرُ عَنِ الماضِي الوُقُوعِ؛ و"وُقِفُوا"؛ مَعْناهُ: "حُبِسُوا"؛ ولَفْظُ هَذا الفِعْلِ مُتَعَدِّيًا؛ وغَيْرَ مُتَعَدٍّ؛ سَواءٌ؛ تَقُولُ: "وَقَفْتُ أنا"؛ و"وَقَفْتُ غَيْرِي"؛ وقالَ الزَهْراوِيُّ: وقَدْ فُرِّقَ بَيْنَهُما بِالمَصْدَرِ؛ فَفي المُتَعَدِّي: "وَقَفْتُهُ وقْفًا"؛ وفي غَيْرِ المُتَعَدِّي: "وَقَفْتُ وُقُوفًا"؛ قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: لَمْ أسْمَعْ في شَيْءٍ مِن كَلامِ العَرَبِ "أوقَفْتُ فُلانًا"؛ إلّا أنِّي لَوْ لَقِيتُ رَجُلًا واقِفًا؛ فَقُلْتُ لَهُ: "ما أوقَفَكَ هَهُنا؟"؛ لَكانَ عِنْدِي حَسَنًا؛ ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿ وُقِفُوا عَلى النارِ ﴾ ؛ أنْ يَكُونَ: "دَخَلُوها"؛ فَكانَ وُقُوفُهم عَلَيْها؛ أيْ: فِيها؛ قالَهُ الطَبَرِيُّ ؛ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ: "أشْرَفُوا عَلَيْها؛ وعايَنُوها".

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "وَلا نُكَذِّبُ"؛ "وَنَكُونُ"؛ بِالرَفْعِ في كُلِّها؛ وذَلِكَ عَلى نِيَّةِ الِاسْتِئْنافِ والقَطْعِ في قَوْلِهِ: "وَلا نُكَذِّبُ"؛ و"وَنَكُونُ" أيْ: "يا لَيْتَنا نُرَدُّ؛ ونَحْنُ عَلى كُلِّ حالٍ لا نُكَذِّبُ؛ ونَكُونُ"؛ فَأخْبَرُوا أنْفُسَهم بِهَذا؛ ولِهَذا الإخْبارِ صَحَّ تَكْذِيبُهم بَعْدَ هَذا؛ ورَجَّحَ هَذا سِيبَوَيْهِ ؛ ومَثَّلَهُ بِقَوْلِكَ: "دَعْنِي؛ ولا أعُودُ"؛ أيْ: "وَأنا لا أعُودُ عَلى كُلِّ حالٍ"؛ ويُخْرَجُ ذَلِكَ عَلى قَوْلٍ آخَرَ؛ وهو أنْ يَكُونَ: "وَلا نُكَذِّبُ"؛ و"وَنَكُونُ"؛ داخِلًا في التَمَنِّي؛ عَلى حَدِّ ما دَخَلَتْ فِيهِ "نُرَدُّ"؛ كَأنَّهم قالُوا: "يا لَيْتَنا نُرَدُّ؛ ولَيْتَنا لا نُكَذِّبُ؛ ولَيْتَنا نَكُونُ"؛ ويُعْتَرَضُ هَذا التَأْوِيلُ بِأنَّ مَن تَمَنّى شَيْئًا لا يُقالُ: "إنَّهُ كاذِبٌ"؛ وإنَّما يَكْذِبُ مَن أخْبَرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُنْفَصَلُ عن هَذا الِاعْتِراضِ بِأنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ وَإنَّهم لَكاذِبُونَ  ﴾ ؛ حِكايَةً عن حالِهِمْ في الدُنْيا؛ كَلامًا مَقْطُوعًا مِمّا قَبْلَهُ؛ وبِوَجْهٍ آخَرَ؛ وهو أنَّ المُتَمَنِّيَ إذا كانَتْ سَجِيَّتُهُ وطَرِيقَتُهُ مُخالِفَةً لِما تَمَنّى؛ بَعِيدَةً مِنهُ؛ يَصِحُّ أنْ يُقالَ لَهُ: "كَذَبْتَ"؛ عَلى تَجَوُّزٍ؛ وذَلِكَ أنَّ مَن تَمَنّى شَيْئًا فَتَمَنِّيهِ يَتَضَمَّنُ إخْبارًا أنَّ تِلْكَ الأُمْنِيَّةَ تَصْلُحُ لَهُ؛ ويَصْلُحُ لَها؛ فَيَقَعُ التَكْذِيبُ في ذَلِكَ الإخْبارِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ التَمَنِّي؛ ومِثالُ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ رَجُلٌ شِرِّيرٌ: "لَيْتَنِي أحُجُّ؛ وأُجاهِدُ؛ وأقُومُ اللَيْلَ"؛ فَجائِزٌ أنْ يُقالَ لِهَذا - عَلى تَجَوُّزٍ -: "كَذَبْتَ"؛ أيْ: "أنْتَ لا تَصْلُحُ لِهَذا؛ ولا يَصْلُحُ لَكَ".

ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ أدْغَمَ باءَ "نُكَذِّبَ"؛ في الباءِ الَّتِي بَعْدَها؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ -: "وَلا نُكَذِّبَ"؛ و"وَنَكُونَ"؛ بِنَصْبِ الفِعْلَيْنِ؛ وذَلِكَ كَما تَنْصِبُ الفاءُ في جَوابِ التَمَنِّي؛ فالواوُ في ذَلِكَ؛ والفاءُ؛ بِمَنزِلَةٍ؛ وهَذا عَلى تَقْدِيرِ ذِكْرِ مَصْدَرِ الفِعْلِ الأوَّلِ؛ كَأنَّهم قالُوا: "يا لَيْتَنا كانَ لَنا رَدٌّ؛ وعَدَمُ تَكْذِيبٍ؛ وكَوْنٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ - في رِوايَةِ هِشامِ بْنِ عَمّارٍ ؛ عن أصْحابِهِ؛ عَنِ ابْنِ عامِرٍ -: "وَلا نُكَذِّبُ"؛ بِالرَفْعِ؛ "وَنَكُونَ"؛ بِالنَصْبِ؛ ويُتَوَجَّهُ ذَلِكَ عَلى ما تَقَدَّمَ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "يا لَيْتَنا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا وتَكُونَ"؛ بِالتاءِ؛ وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "يا لَيْتَنا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا أبَدًا ونَكُونَ"؛ وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ في قِراءَةِ أُبَيٍّ: "بِآياتِ رَبِّنا ونَحْنُ نَكُونُ".

وقَوْلُهُ: "نُرَدُّ"؛ في هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها؛ مَعْناهُ: إلى الدُنْيا؛ وحَكى الطَبَرِيُّ تَأْوِيلًا آخَرَ؛ وهُوَ: "يا لَيْتَنا نُرَدُّ إلى الآخِرَةِ"؛ أيْ: "نُبْعَثُ؛ ونُوقَفُ عَلى النارِ الَّتِي وقَفْنا عَلَيْها مُكَذِّبِينَ؛ لَيْتَ ذَلِكَ ونَحْنُ في حالَةٍ لا نُكَذِّبُ؛ ونَكُونُ"؛ فالمَعْنى: "يا لَيْتَنا نُوقَفُ هَذا الوُقُوفَ غَيْرَ مُكَذِّبِينَ بِآياتِ رَبِّنا كائِنِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَأْوِيلُ يَضْعُفُ مِن غَيْرِ وجْهٍ؛ ويُبْطِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عنهُ  ﴾ ؛ ولا يَصِحُّ أيْضًا التَكْذِيبُ في هَذا التَمَنِّي؛ لِأنَّهُ تَمَنِّي ما قَدْ مَضى؛ وإنَّما يَصِحُّ التَكْذِيبُ الَّذِي ذَكَرْناهُ قَبْلَ هَذا عَلى تَجَوُّزٍ في تَمَنِّي المُسْتَقْبَلاتِ.

<div class="verse-tafsir"

بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا۟ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ ٢٨ وَقَالُوٓا۟ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ٢٩ وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ قَالَ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ ۚ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ٣٠

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عنهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴾ ﴿ وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ اَلضَّمِيرُ في "لَهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى مَن ذُكِرَ في قَوْلِهِ: "وُقِفُوا"؛ و"قالُوا"؛ وهَذا الكَلامُ يَتَضَمَّنُ أنَّهم كانُوا يُخْفُونَ شَيْئًا ما في الدُنْيا؛ فَظَهَرَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ؛ أو ظَهَرَ لَهم وبالُهُ وعاقِبَتُهُ؛ فَحُذِفَ المُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَكى الزَهْراوِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: اَلْآيَةُ في المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهم كانُوا يُخْفُونَ الكُفْرَ؛ فَبَدا لَهم وبالُهُ يَوْمَ القِيامَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتُقْلَقُ العِبارَةُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ؛ لِأنَّهُ قالَ: "وُقِفُوا"؛ يُرِيدُ جَماعَةَ كُفّارٍ؛ ثُمَّ قالَ: "بَدا لَهُمْ"؛ يُرِيدُ المُنافِقِينَ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ؛ والكَلامُ لا يُعْطِي هَذا؛ إلّا عَلى تَحامُلٍ؛ قالَ الزَهْراوِيُّ: وقِيلَ: إنَّ الكُفّارَ كانُوا إذا وعَظَهُمُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خافُوا؛ وأخْفَوْا ذَلِكَ الخَوْفَ؛ لِئَلّا يَشْعُرُ بِهِ أتْباعُهُمْ؛ فَظَهَرَ لَهم ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَقْصِدُ الآيَةِ الإخْبارَ عن هَوْلِ ما لَقُوهُ؛ والتَعْظِيمِ لِما شَقُوا بِهِ؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِأنَّهم ظَهَرَتْ لَهم مَسْتُوراتُهم في الدُنْيا؛ مِن مَعاصٍ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَكَيْفَ الظَنُّ - عَلى هَذا - بِما كانُوا يُعْلِنُونَ؛ مِن كُفْرٍ؛ ونَحْوِهِ؟

ويُنَظِّرُ إلى هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى - في تَعْظِيمِ شَأْنِ يَوْمِ القِيامَةِ -: ﴿ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ  ﴾ ؛ ويَصِحُّ أنْ يُقَدَّرَ الشَيْءُ الَّذِي كانُوا يُخْفُونَهُ في الدُنْيا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وأقْوالَهُ؛ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا "يُخْفُونَ" ذَلِكَ في الدُنْيا؛ بِأنْ يُحَقِّرُوهُ عِنْدَ مَن يَرِدُ عَلَيْهِمْ؛ ويَصِفُوهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ؛ ويَتَلَقَّوُا الناسَ عَلى الطُرُقِ فَيَقُولُونَ لَهُمْ: "هُوَ ساحِرٌ؛ هو يُفَرِّقُ بَيْنَ الأقارِبِ"؛ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إخْفاءَ أمْرِهِ؛ وإبْطالَهُ؛ فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ - عَلى هَذا -: "بَلْ بَدا لَهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْرُكَ؛ وصِدْقُكَ؛ وتَحْذِيرُكَ؛ وإخْبارُكَ بِعِقابِ مَن كَفَرَ؛ الَّذِي كانُوا يُخْفُونَهُ في الدُنْيا"؛ ويَكُونَ الإخْفاءُ عَلى ما وصَفْناهُ.

وقالَ الزَجّاجُ: اَلْمَعْنى: "ظَهَرَ لِلَّذِينِ اتَّبَعُوا الغُواةَ ما كانَ الغُواةُ يُخْفُونَ مِنَ البَعْثِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالضَمِيرانِ عَلى هَذا لَيْسا لِشَيْءٍ واحِدٍ؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَ هَذا.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ والنَخَعِيُّ ؛ والأعْمَشُ: "وَلَوْ رِدُّوا"؛ بِكَسْرِ الراءِ؛ عَلى نَقْلِ حَرَكَةِ الدالِ؛ مِن "رُدِدُوا"؛ إلَيْها.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا ﴾ ؛ إخْبارٌ عن أمْرٍ لا يَكُونُ كَيْفَ كانَ يُوجَدُ؛ وهَذا النَوْعُ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللهُ تَعالى بِعِلْمِهِ؛ فَإنْ أعْلَمَ بِشَيْءٍ مِنهُ عُلِمَ؛ وإلّا لَمْ يُتَكَلَّمْ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَإنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ ؛ إمّا أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالكَلامِ؛ ويَكُونَ التَكْذِيبُ في إخْبارِهِمْ؛ عَلى مَعْنى أنَّ الأمْرَ في نَفْسِهِ بِخِلافِ ما قَصَدُوا؛ لِأنَّهم قَصَدُوا الكَذِبَ؛ أو يَكُونَ التَكْذِيبُ في التَمَنِّي عَلى التَجَوُّزِ الَّذِي ذَكَرْناهُ؛ وإمّا أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا؛ إخْبارًا مُسْتَأْنَفًا عَمّا هم عَلَيْهِ في وقْتِ مُخاطَبَةِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والأوَّلُ أصْوَبُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَقالُوا إنْ هي إلا حَياتُنا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذا - عَلى تَأْوِيلِ الجُمْهُورِ - ابْتِداءُ كَلامٍ؛ وإخْبارٌ عنهم بِهَذِهِ المَقالَةِ؛ ويَحْسُنُ مَعَ هَذا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ قَبْلُ: ﴿ وَإنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ ؛ مُسْتَأْنَفًا مَقْطُوعًا؛ خَبَرًا عن حالِهِمْ في الدُنْيا؛ الَّتِي مِن قَوْلِهِمْ فِيها: ﴿ إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا ﴾ ؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ و"إنْ"؛ نافِيَةٌ؛ ومَعْنى الآيَةِ التَكْذِيبُ بِالحَشْرِ؛ والعَوْدَةِ إلى اللهِ تَعالى ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَوْلُهُ: "وَقالُوا"؛ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "لَعادُوا"؛ أيْ: "لَعادُوا لِما نُهُوا عنهُ مِنَ الكُفْرِ؛ وقالُوا: إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُنْيا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَوْقِيفُ اللهِ تَعالى لَهم في الآيَةِ بَعْدَها عَلى البَعْثِ؛ والإشارَةُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ ﴾ ؛ [يَرُدّانِ] عَلى هَذا التَأْوِيلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ بِمَعْنى: "وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا"؛ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا مِن حَذْفِ جَوابِ "لَوْ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى رَبِّهِمْ ﴾ ؛ مَعْناهُ: عَلى حُكْمِهِ؛ وأمْرِهِ؛ فَفي الكَلامِ - ولا بُدَّ - حَذْفُ مُضافٍ.

وقَوْلُهُ: "هَذا"؛ إشارَةٌ إلى البَعْثِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ في الدُنْيا؛ و"بَلى"؛ هي الَّتِي تَقْتَضِي الإقْرارَ بِما اسْتُفْهِمَ عنهُ مَنفِيًّا؛ ولا تَقْتَضِي نَفْيَهُ وجَحْدَهُ؛ و"نَعَمْ"؛ تَصْلُحُ لِلْإقْرارِ بِهِ؛ كَما ورَدَ ذَلِكَ في قَوْلِ الأنْصارِ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - حِينَ عاتَبَهم في الحَظِيرَةِ؛ عَقِبَ غَزْوَةِ "حُنَيْنٍ"؛ وتَصْلُحُ أيْضًا "نَعَمْ"؛ لَجَحْدِهِ؛ فَلِذَلِكَ لا تُسْتَعْمَلُ؛ وأمّا قَوْلُ الزَجّاجِ وغَيْرِهِ: "إنَّها إنَّما تَقْتَضِي جَحْدَهُ؛ وإنَّهم لَوْ قالُوا: "نَعَمْ"؛ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ  ﴾ ؛ لَكَفَرُوا"؛ فَقَوْلٌ خَطَأٌ؛ واللهُ تَعالى المُسْتَعانُ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ "بَلى ورَبِّنا"؛ ﴾ إيمانٌ؛ ولَكِنَّهُ حِينَ لا يَنْفَعُ؛ وقَوْلُهُ: "فَذُوقُوا"؛ اِسْتِعارَةٌ بَلِيغَةٌ؛ والمَعْنى: "باشِرُوهُ مُباشَرَةَ الذائِقِ"؛ إذْ هي مِن أشَدِّ المُباشَراتِ.

<div class="verse-tafsir"

قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةًۭ قَالُوا۟ يَـٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٣١

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ الساعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وهم يَحْمِلُونَ أوزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ ﴾ هَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عن خَسارَةِ المُكَذِّبِينَ؛ يَتَضَمَّنُ تَعْظِيمَ المُصابِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ؛ وتُسْتَعْمَلُ الخَسارَةُ في مِثْلِ هَذا؛ لِأنَّهُ مَن أخَذَ الكُفْرَ واتَّبَعَهُ؛ فَكَأنَّهُ قَدْ أعْطى الإيمانَ واطَّرَحَهُ؛ فَأشْبَهَتْ صَفْقَةَ أخْذٍ وإعْطاءٍ.

والإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى الَّذِينَ قالُوا: "إنَّما هي حَياتُنا الدُنْيا"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "بِلِقاءِ اللهِ"؛ ﴾ مَعْناهُ: بِالرُجُوعِ إلَيْهِ؛ وإلى أحْكامِهِ؛ وقُدْرَتِهِ؛ كَما تَقُولُ: "لَقِيَ فُلانٌ أعْمالَهُ"؛ أيْ: "لَقِيَ عَواقِبَها؛ ومَآلَها"؛ و"اَلسّاعَةُ": يَوْمُ القِيامَةِ؛ وأُدْخِلَ عَلَيْها تَعْرِيفُ العَهْدِ دُونَ تَقَدُّمِ ذِكْرِها لِشُهْرَتِها؛ واسْتِقْرارِها في النُفُوسِ؛ وذُيُوعِ أمْرِها؛ وأيْضًا فَقَدْ تَضَمَّنَها قَوْلُهُ تَعالى ﴿ "بِلِقاءِ اللهِ".

﴾ و"بَغْتَةً"؛ مَعْناهُ: فَجْأةً؛ تَقُولُ: "بَغَتَنِي الأمْرُ"؛ أيْ: "فَجَأنِي"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولَكِنَّهم تابُوا ولَمْ أخْشَ بَغْتَةً ∗∗∗ وأفْظَعُ شَيْءٍ حِينَ يَفْجَؤُكَ البَغْتُ ونَصْبُها عَلى المَصْدَرِ؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ كَما تَقُولُ: "قَتَلْتُهُ صَبْرًا"؛ ولا يُجِيزُ سِيبَوَيْهِ القِياسَ عَلَيْهِ؛ ولا تَقُولُ: "جاءَ فُلانٌ سُرْعَةً"؛ ونَحْوَهُ.

وَنِداءُ الحَسْرَةِ عَلى تَعْظِيمِ الأمْرِ وتَشْنِيعِهِ؛ قالَ سِيبَوَيْهِ: وكَأنَّ الَّذِي يُنادِي الحَسْرَةَ؛ أوِ العَجَبَ؛ أوِ السُرُورَ؛ أوِ الوَيْلَ؛ يَقُولُ: "اِقْرَبِي؛ أوِ احْضَرِي؛ فَهَذا وقْتُكِ؛ وزَمَنُكِ"؛ وفي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لِلْأمْرِ عَلى نَفْسِ المُتَكَلِّمِ؛ وعَلى سامِعِهِ؛ إنْ كانَ ثَمَّ سامِعٌ؛ وهَذا التَعْظِيمُ عَلى النَفْسِ والسامِعِ هو المَقْصُودُ أيْضًا بِنِداءِ الجَماداتِ؛ كَقَوْلِكَ: "يا دارُ"؛ و"يا رَبْعُ"؛ وفي نِداءِ ما لا يَعْقِلُ؛ كَقَوْلِهِمْ: "يا جَمَلُ"؛ ونَحْوِ هَذا.

و"فَرَّطْنا"؛ مَعْناهُ: قَصَّرْنا مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَرْكِ التَقْصِيرِ؛ وهَذِهِ حَقِيقَةُ التَفْرِيطِ؛ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فِيها"؛ عائِدٌ عَلى الساعَةِ؛ أيْ: في التَقْدِمَةِ لَها؛ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: يَعُودُ عَلى الصَفْقَةِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها ذِكْرُ الخَسارَةِ في أوَّلِ الآيَةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى الدُنْيا؛ إذِ المَعْنى يَقْتَضِيها؛ وتَجِيءَ الظَرْفِيَّةُ أمْكَنَ؛ بِمَنزِلَةِ: "زَيْدٌ في الدارِ"؛ وعَوْدُهُ عَلى الساعَةِ إنَّما مَعْناهُ: في أُمُورِها؛ والِاسْتِعْدادِ لَها؛ بِمَنزِلَةِ: "زِيدٌ في العِلْمِ مُشْتَغِلٌ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَهم يَحْمِلُونَ أوزارَهُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الواوُ واوُ الحالِ؛ والأوزارُ: جَمْعُ " وِزْرٌ "؛ بِكَسْرِ الواوِ؛ وهو الثِقْلُ مِنَ الذُنُوبِ؛ تَقُولُ مِنهُ: " وزَرَ ؛ يَزِرُ"؛ إذا حَمَلَ؛ قالَ اللهُ تَعالى ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ؛ وتَقُولُ: " وزَرَ الرَجُلُ؛ فَهو مَوْزُورٌ"؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والعامَّةُ تَقُولُ: "مَأْزُورٌ"؛ وأمّا إذا اقْتَرَنَ ذَلِكَ بِمَأْجُورٍ فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "مَأْزُورٌ"؛ وقَدْ «قالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِنِساءٍ لَقِيَهُنَّ مُقْبِلاتٍ مِنَ المَقابِرِ: "اِرْجِعْنَ مَأْزُوراتٍ؛ غَيْرَ مَأْجُوراتٍ"؛» قالَ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ: فَهَذا لِلْإتْباعِ اللَفْظِيِّ؛ والوِزْرُ هُنا تَجَوُّزٌ وتَشْبِيهٌ بِثِقْلِ الأحْمالِ؛ وقَوّى التَشْبِيهَ بِأنْ جَعْلَهُ عَلى الظُهُورِ؛ إذْ هي في العادَةِ مَوْضِعُ حَمْلِ الأثْقالِ؛ ومَن قالَ إنَّهُ مِن "اَلْوَزَرُ"؛ وَهُوَ الجَبَلُ الَّذِي يُلْتَجَأُ إلَيْهِ؛ ومِنهُ: "اَلْوَزِيرُ"؛ وهو "اَلْمُعِينُ"؛ فَهي مَقالَةٌ غَيْرُ بَيِّنَةٍ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: هَذا عَلى جِهَةِ الحَقِيقَةِ؛ ورَوَوْا في ذَلِكَ خَبَرًا أنَّ المُؤْمِنَ يَلْقاهُ عَمَلُهُ في أحْسَنِ صُورَةٍ؛ وأفْوَحِها؛ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ؛ ويَقُولُ لَهُ: "طالَما رَكِبْتُكَ في الدُنْيا؛ وأجْهَدْتُكَ؛ فارْكَبْنِي اليَوْمَ"؛ قالَ فَيَحْمِلُهُ تِمْثالُ العَمَلِ؛ وأنَّ الكافِرَ يَلْقاهُ عَمَلُهُ في أقْبَحِ صُورَةٍ؛ وأنْتَنِها؛ فَيَشْتُمُهُ؛ ويَقُولُ: "أنا عَمَلُكَ الخَبِيثُ؛ طالَما رَكِبْتَنِي في الدُنْيا بِشَهَواتِكَ؛ فَأنا أرْكَبُكَ اليَوْمَ"؛ قالَ: فَيَحْمِلُ تِمْثالَ عَمَلِهِ وأوزارِهِ عَلى ظَهْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ ﴾ ؛ إخْبارٌ عن سُوءٍ ما يَأْثَمُونَ؛ مُضَمَّنٌ التَعْظِيمَ لِذَلِكَ؛ والإشادَةَ بِهِ؛ وهَذا كَقَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -:« "ألا فَلْيُبَلِّغِ الشاهِدُ الغائِبَ"؛» وقَوْلِهِ: « "ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟"؛» فَإنَّما أرادَ الإشادَةَ؛ والتَشْهِيدَ؛ وهَذا كُلُّهُ يَتَضَمَّنُهُ "ألا"؛ وأمّا ﴿ "ساءَ ما يَزِرُونَ"؛ ﴾ فَهو خَبَرٌ مُجَرَّدٌ؛ كَقَوْلِ الشاعِرِ: رَضِيتُ خُطَّةَ خَسْفٍ غَيْرَ طائِلَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ فَساءَ هَذا رِضًا يا قَيْسُ عِيلانا و"ساءَ"؛ فِعْلٌ ماضٍ؛ و"ما"؛ فاعِلَةٌ بِهِ؛ كَما تَقُولُ: "ساءَنِي أمْرُ كَذا"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تُجْرى "ساءَ" هُنا مُجْرى "بِئْسَ"؛ ويُقَدَّرَ لَها ما يُقَدَّرُ لِـ "بِئْسَ"؛ إذْ قَدْ جاءَ في كِتابِ اللهِ تَعالى ﴿ ساءَ مَثَلا القَوْمُ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَعِبٌۭ وَلَهْوٌۭ ۖ وَلَلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ٣٢ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ٣٣

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَما الحَياةُ الدُنْيا إلا لَعِبٌ ولَهْوٌ ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ ﴾ هَذا ابْتِداءُ خَبَرٍ عن حالِ الدُنْيا؛ والمَعْنى: "إنَّها إذا كانَتْ فانِيَةً؛ مُنْقَضِيَةً؛ لا طائِلَ لَها؛ أشْبَهَتِ اللَعِبَ واللهْوَ الَّذِي لا طائِلَ لَهُ إذا انْقَضى.

وقَرَأ السِتَّةُ مِنَ القُرّاءِ: "وَلَلدّارُ"؛ بِلامَيْنِ؛ و"اَلْآخِرَةُ"؛ نَعْتٌ لِلدّارِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "وَلَدارُ"؛ بِلامٍ واحِدَةٍ؛ وكَذَلِكَ وقَعَ في مَصاحِفِ الشامِ؛ بِإضافَةِ "اَلدّارُ"؛ إلى "اَلْآخِرَةِ"؛ وهَذا نَحْوُ: "مَسْجِدُ الجامِعِ"؛ أيْ: "مَسْجِدُ اليَوْمِ الجامِعِ"؛ فَكَذَلِكَ هَذا: "وَلَدارُ الحَياةِ الآخِرَةِ".

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وأبُو بَكْرٍ ؛ عن عاصِمٍ: "يَعْقِلُونَ"؛ عَلى إرادَةِ الغائِبِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَفْصٌ ؛ عن عاصِمٍ: "تَعْقِلُونَ"؛ عَلى إرادَةِ المُخاطَبِينَ؛ وكَذَلِكَ في "اَلْأعْرافِ"؛ وفي آخِرِ "يُوسُفَ"؛ ووافَقَهم أبُو بَكْرٍ في آخِرِ "يُوسُفَ"؛ فَأمّا "أفَلا يَعْقِلُونَ"؛ في "يـس" فَقَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ ذَكْوانَ بِتاءٍ؛ والباقُونَ بِياءٍ.

وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ الرَدَّ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿ إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا  ﴾ ؛ وهو المَقْصُودُ بِها؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ؛ عَلى مَعْنى: "فَقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ؛ إذِ الحالُ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ: أفَلا تَعْقِلُونَ؟".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "قَدْ نَعْلَمُ"؛ ﴾ اَلْآيَةَ؛ "قَدْ"؛ اَلْمُلازِمُ لِلْفِعْلِ؛ حَرْفٌ يَجِيءُ مَعَ التَوَقُّعِ؛ إمّا عِنْدَ المُتَكَلِّمِ؛ وإمّا عِنْدَ السامِعِ؛ أو مُقَدَّرًا عِنْدَهُ؛ فَإذا كانَ الفِعْلُ خالِصًا لِلِاسْتِقْبالِ؛ كانَ التَوَقُّعُ مِنَ المُتَكَلِّمِ؛ كَقَوْلِكَ: "قَدْ يَقُومُ زَيْدٌ"؛ و"قَدْ يَنْزِلُ المَطَرُ في شَهْرِ كَذا"؛ وإذا كانَ الفِعْلُ ماضِيًا؛ أو فِعْلَ حالٍ بِمَعْنى المُضِيِّ؛ مِثْلَ آيَتِنا هَذِهِ؛ فَإنَّ التَوَقُّعَ لَيْسَ مِنَ المُتَكَلِّمِ؛ بَلِ المُتَكَلِّمُ مُوجِبٌ ما أخْبَرَ بِهِ؛ وإنَّما كانَ التَوَقُّعُ عِنْدَ السامِعِ؛ فَيُخْبِرُهُ المُتَكَلِّمُ بِأحَدِ المُتَوَقَّعَيْنِ.

و"نَعْلَمُ"؛ تَتَضَمَّنُ - إذا كانَتْ مِنَ اللهِ تَعالى - اسْتِمْرارَ العِلْمِ؛ وقِدَمَهُ؛ فَهي تَعُمُّ الماضِي؛ والحالَ؛ والِاسْتِقْبالَ؛ ودَخَلَتْ "أنَّ"؛ لِلْمُبالَغَةِ في التَأْكِيدِ.

وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "لَيُحْزِنُكَ"؛ مِن "أحْزَنَ"؛ وقَرَأ الباقُونَ: "لَيَحْزُنُكَ"؛ مِن "حَزِنَ الرَجُلُ"؛ وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "لِيُحْزِنْكَ" بِكَسْرِ اللامِ والزايِ؛ وجَزْمِ النُونِ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ "يَحْزُنُكَ"؛ بِغَيْرِ لامٍ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقُولُ العَرَبُ: "حَزِنَ الرَجُلُ"؛ بِكَسْرِ الزايِ؛ "يَحْزَنُ؛ حَزَنًا وحُزْنًا"؛ و"حَزَنْتُهُ أنا"؛ وحُكِيَ عَنِ الخَلِيلِ أنَّ قَوْلَهُمْ: "حَزَنْتُهُ"؛ لَيْسَ هو تَغْيِيرَ "حَزِنَ"؛ عَلى نَحْوِ "دَخَلَ"؛ و"أدْخَلْتُهُ"؛ ولَكِنَّهُ بِمَعْنى: "جَعَلْتُ فِيهِ حُزْنًا"؛ كَما تَقُولُ: "كَحَلْتُهُ"؛ و"دَهَنْتُهُ"؛ قالَ الخَلِيلُ: ولَوْ أرَدْتَ تَغْيِيرَ "حَزِنَ"؛ لَقُلْتَ: "أحْزَنْتُهُ"؛ وحَكى أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ - في كِتابِ "خَبْأةٌ"؛ عَنِ العَرَبِ: "أحْزَنْتُ الرَجُلَ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: و"حَزَنْتُ الرَجُلَ"؛ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا عِنْدَهم مِن "أحْزَنْتُهُ"؛ فَمَن قَرَأ: "لَيُحْزِنُكَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ فَهو عَلى القِياسِ في التَغْيِيرِ؛ ومَن قَرَأ: "لَيَحْزُنُكَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وضَمِّ الزايِ؛ فَهو عَلى كَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ.

و"اَلَّذِي يَقُولُونَ"؛ لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ أقْوالِهِمُ الَّتِي تَتَضَمَّنُ الرَدَّ عَلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والدَفْعَ في صَدْرِ نُبُوَّتِهِ؛ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: "إنَّهُ كَذّابٌ؛ مُفْتَرٍ؛ ساحِرٌ"؛ وقَوْلِ بَعْضِهِمْ: "إنَّهُ مَجْنُونٌ؛ مَسْحُورٌ"؛ وقَوْلِ بَعْضِهِمْ: "لَهُ رَئِيٌّ مِنَ الجِنِّ"؛ ونَحْوِ هَذا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ: "لا يُكَذِّبُونَكَ"؛ بِتَشْدِيدِ الذالِ؛ وفَتْحِ الكافِ؛ وقَرَأها ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ورَدَّها عَلى قارِئٍ عَلَيْهِ: "يُكَذِّبُونَكَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وقالَ: إنَّهم كانُوا يُسَمُّونَهُ الأمِينَ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ والكِسائِيُّ ؛ بِسُكُونِ الكافِ؛ وتَخْفِيفِ الذالِ؛ وقَرَأها عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وهُما قِراءَتانِ مَشْهُورَتانِ؛ صَحِيحَتانِ؛ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْناهُما؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ؛ كَما تَقُولُ: "سَقَيْتُ" و"أسْقَيْتُ"؛ و"قَلَّلْتُ"؛ و"أقْلَلْتُ"؛ و"كَثَّرْتُ"؛ و"أكْثَرْتُ"؛ وحَكى الكِسائِيُّ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "كَذَّبْتُ الرَجُلَ"؛ إذا وجَدَتْهُ كَذّابًا؛ كَما تَقُولُ: "أحْمَدْتُهُ"؛ إذا وجَدَتْهُ مَحْمُودًا؛ فالمَعْنى عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "يُكَذِّبُونَكَ"؛ بِتَشْدِيدِ الذالِ؛ أيْ: "لا تَحْزَنْ؛ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ تَكْذِيبًا يَضُرُّكَ؛ إذْ لَسْتَ بِكاذِبٍ في حَقِيقَتِكَ؛ فَتَكْذِيبُهم كَلا تَكْذِيبَ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ﴿ "فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ" ﴾ عَلى جِهَةِ الإخْبارِ عنهم أنَّهم لا يُكَذِّبُونَ؛ وأنَّهم يَعْلَمُونَ صِدْقَهُ؛ ونُبُوَّتَهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ولَكِنَّهم يَجْحَدُونَ عِنادًا مِنهُمْ؛ وظُلْمًا؛ والآيَةُ عَلى هَذا لا تَتَناوَلُ جَمِيعَ الكُفّارِ؛ بَلْ تَخُصُّ الطائِفَةَ الَّتِي حَكى عنها أنَّها كانَتْ تَقُولُ: "إنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ؛ ولَكِنْ إذا آمَنّا بِهِ فَضَلَتْنا بَنُو هاشِمٍ بِالنُبُوَّةِ؛ فَنَحْنُ لا نُؤْمِنُ بِهِ أبَدًا"؛ رُوِيَتْ هَذِهِ المَقالَةُ عن أبِي جَهْلٍ؛ ومَن جَرى مُجْراهُ؛ وحَكى النَقّاشُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ؛ فَإنَّهُ كانَ يُكَذِّبُ في العَلانِيَةِ؛ ويُصَدِّقُ في السِرِّ؛ ويَقُولُ: "نَخافُ أنْ تَتَخَطَّفَنا العَرَبُ؛ وَنَحْنُ أكَلَةُ رَأْسٍ"؛ والمَعْنى - عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "يُكْذِبُونَكَ"؛ بِتَخْفِيفِ الذالِ - يَحْتَمِلُ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا في "يُكَذِّبُونَكَ"؛ أيْ: "لا يَجِدُونَكَ كاذِبًا في حَقِيقَتِكَ"؛ ويَحْتَمِلُ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْتُ في "يُكَذِّبُونَكَ"؛ بِشَدِّ الذالِ.

وآياتُ اللهِ: عَلاماتُهُ؛ وشَواهِدُ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ و"يَجْحَدُونَ"؛ حَقِيقَتُهُ في كَلامِ العَرَبِ: اَلْإنْكارُ بَعْدَ مَعْرِفَةٍ؛ وهو ضِدُّ الإقْرارِ؛ ومَعْناهُ - عَلى تَأْوِيلِ مَن رَأى الآيَةَ في المُعانِدِينَ - مُتَرَتِّبٌ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ وهو قَوْلُ قَتادَةَ ؛ والسُدِّيِّ ؛ وغَيْرِهِما؛ وعَلى قَوْلِ مَن رَأى أنَّ الآيَةَ في الكُفّارِ قاطِبَةً؛ دُونَ تَخْصِيصِ أهْلِ العِنادِ؛ يَكُونُ في اللَفْظَةِ تَجَوُّزٌ؛ وذَلِكَ أنَّهم لَمّا أنْكَرُوا نُبُوَّتَهُ؛ ورامُوا تَكْذِيبَهُ بِالدَعْوى الَّتِي لا تُعَضِّدُها حُجَّةٌ؛ عَبَّرَ عن إنْكارِهِمْ بِأقْبَحِ وُجُوهِ الإنْكارِ؛ وهو الجَحْدُ؛ تَغْلِيظًا عَلَيْهِمْ؛ وتَقْبِيحًا لِفِعْلِهِمْ؛ إذْ مُعْجِزاتُهُ؛ وآياتُهُ نَيِّرَةٌ؛ يَلْزَمُ كُلَّ مَفْطُورٍ أنْ يَعْلَمَها؛ ويُقِرَّ بِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجَمِيعُ ما في هَذِهِ التَأْوِيلاتِ؛ مِن نَفْيِ التَكْذِيبِ؛ إنَّما هو عَنِ اعْتِقادِهِمْ؛ وأمّا أقْوالُهم جَمِيعِهِمْ؛ فَمُكَذِّبَةٌ؛ إمّا لَهُ؛ وإمّا لِلَّذِي جاءَ بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكُفْرُ العِنادِ جائِزُ الوُقُوعِ؛ بِمُقْتَضى النَظَرِ؛ وظَواهِرُ القُرْآنِ تُعْطِيهِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ  ﴾ ؛ وغَيْرِها؛ وذَهَبَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ إلى المَنعِ مِن جَوازِهِ؛ وذَهَبُوا إلى أنَّ المَعْرِفَةَ تَقْتَضِي الإيمانَ؛ والجَحْدَ يَقْتَضِي الكُفْرَ؛ ولا سَبِيلَ إلى اجْتِماعِهِما؛ وتَأوَّلُوا ظَواهِرَ القُرْآنِ؛ فَقالُوا - في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "وَجَحَدُوا بِها"  ﴾ -: "إنَّها في أحْكامِ التَوْراةِ الَّتِي بَدَّلُوها؛ كَآيَةِ الرَجْمِ؛ وغَيْرِها".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وَدَفْعُ ما يُتَصَوَّرُ ويُعْقَلُ مِن جَوازِ كُفْرِ العِنادِ عَلى هَذِهِ الطَرِيقَةِ صَعْبٌ؛ أما إنَّ كُفْرَ العِنادِ مِنَ العارِفِ بِاللهِ تَعالى وبِالنُبُوَّةِ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لا داعِيَةَ إلى كُفْرِ العِنادِ إلّا الحَسَدُ؛ ومَن عَرَفَ اللهَ تَعالى والنُبُوَّةَ؛ وأنَّ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَجِيئُهُ مَلَكٌ مِنَ السَماءِ؛ فَلا سَبِيلَ إلى بَقاءِ الحَسَدِ مَعَ ذَلِكَ؛ أما إنَّهُ جائِزٌ؛ فَقَدْ رَأى أبُو جَهْلٍ عَلى رَأْسِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَحْلًا عَظِيمًا مِنَ الإبِلِ قَدْ هَمَّ بِأبِي جَهْلٍ؛ ولَكِنَّهُ كَفَرَ مَعَ ذَلِكَ؛ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ «أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وجَدَ النَبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - حَزِينًا؛ فَسَألَهُ؛ فَقالَ: "كَذَّبَنِي هَؤُلاءِ"؛ فَقالَ: "إنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ؛ بَلْ يَعْلَمُونَ أنَّكَ صادِقٌ؛ ولَكِنَّ الظالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ".» والَّذِي عِنْدِي في كُفْرِ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ؛ ومَن جَرى مُجْراهُ؛ أنَّهم كانُوا يَرَوْنَ صِفاتِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ويَعْرِفُونَها؛ أو أكْثَرَها؛ ثُمَّ يَرَوْنَ مِن آياتِهِ زائِدًا عَلى ما عِنْدَهُمْ؛ فَيَتَعَلَّقُونَ في مُغالَطَةِ أنْفُسِهِمْ بِكُلِّ شُبْهَةٍ؛ بِأضْعَفِ سَبَبٍ؛ وتَتَخالَجُ ظُنُونُهُمْ؛ فَيَقُولُونَ مَرَّةً: "هُوَ ذاكَ"؛ ومَرَّةً: "عَساهُ لَيْسَهُ"؛ ثُمَّ يَنْضافُ إلى هَذا حَسَدُهُمْ؛ وفَقْدُهُمُ الرِياسَةَ؛ فَيَتَزَيَّدُ؛ ويَتَمَكَّنُ إعْراضُهُمْ؛ وكُفْرُهُمْ؛ فَهم عَلى هَذا؛ وإنْ عَرَفُوا أشْياءَ وعانَدُوا فِيها؛ فَقَدْ قَطَعُوا في ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ عَنِ الوُصُولِ إلى غايَةِ المَعْرِفَةِ؛ وبَقُوا في ظُلْمَةِ الجَهْلِ؛ فَهم جاهِلُونَ بِأشْياءَ؛ مُعانِدُونَ في أشْياءَ غَيْرِها؛ وأنا أسْتَبْعِدُ العِنادَ مَعَ المَعْرِفَةِ التامَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا۟ عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا۟ وَأُوذُوا۟ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِى۟ ٱلْمُرْسَلِينَ ٣٤ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقًۭا فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًۭا فِى ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُم بِـَٔايَةٍۢ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ ٣٥

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أو سُلَّمًا في السَماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ ولَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَضَمَّنَتْ عَرْضَ الأُسْوَةِ الَّتِي يَنْبَغِي الِاقْتِداءُ بِها عَلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وتَرْجِيَتُهُ أنْ يَأْتِيَهُ مِثْلُ ما أتاهم مِنَ النَصْرِ إذا امْتَثَلَ ما امْتَثَلُوهُ مِنَ الصَبْرِ؛ قالَ الضَحّاكُ ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ: عَزّى اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ: "وَأُذُوا"؛ بِغَيْرِ واوٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ.

ثُمَّ قَوّى ذَلِكَ الرَجاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ ﴾ ؛ أيْ: لا رادَّ لِأمْرِهِ؛ وكَلِماتِهِ السابِقاتِ بِما يَكُونُ؛ ولا مُكَذِّبَ لِما أخْبَرَ بِهِ؛ فَكَأنَّ المَعْنى: "فاصْبِرْ كَما صَبَرُوا؛ وانْتَظِرْ ما يَأْتِي؛ وثِقْ بِهَذا الإخْبارِ؛ فَإنَّهُ لا مُبَدِّلَ لَهُ"؛ فالقَصْدُ هُنا هَذا الخَبَرُ؛ وجاءَ اللَفْظُ عامًّا جَمِيعَ كَلِماتِ اللهِ تَعالى السابِقاتِ؛ وأمّا كَلامُ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - في التَوْراةِ؛ والإنْجِيلِ؛ فَمَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ لا مُبَدِّلَ لَها؛ وإنَّما حَرَّفَها اليَهُودُ بِالتَأْوِيلِ؛ لا بِبَدَلِ حُرُوفٍ وألْفاظٍ؛ وجَوَّزَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ أنْ يَكُونُوا بَدَّلُوا الألْفاظَ؛ لِأنَّهُمُ اسْتُحْفِظُوها؛ وهو الأظْهَرُ؛ وأمّا القُرْآنُ فَإنَّ اللهَ تَعالى تَضَمَّنَ حِفْظَهُ؛ فَلا يَجُوزُ فِيهِ التَبْدِيلُ؛ قالَ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ  ﴾ ؛ وقالَ في أُولَئِكَ: ﴿ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللهِ  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ ﴾ ؛ أيْ فِيما أنْزَلْناهُ؛ وقَصَصْناهُ عَلَيْكَ؛ ما يَقْضِي هَذا الَّذِي أخْبَرْناكَ بِهِ؛ وفاعِلُ "جاءَكَ"؛ مُضْمَرٌ؛ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَبَرِيُّ ؛ والرُمّانِيُّ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلَقَدْ جاءَكَ نَبَأٌ؛ أو أنْباءُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والصَوابُ عِنْدِي في المَعْنى أنْ يُقَدَّرَ: "جَلاءٌ"؛ أو "بَيانٌ".

وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ ﴾ ؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ "جاءَ"؛ ودَخَلَ حَرْفُ الجَرِّ عَلى الفاعِلِ؛ وهَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في تَجْوِيزِهِ دُخُولَ "مِن" في الواجِبِ؛ ووَجْهُ قَوْلِ الرُمّانِيِّ أنَّ "مِن"؛ لا تُزادُ في الواجِبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ آيَةٌ فِيها إلْزامُ الحُجَّةِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وتَقْسِيمُ الأحْوالِ عَلَيْهِ؛ حَتّى يَتَبَيَّنَ أنْ لا وجْهَ إلّا الصَبْرُ؛ والمُضِيُّ لِأمْرِ اللهِ تَعالى ؛ والمَعْنى: "إنْ كُنْتَ تُعْظِمُ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم عَلى نَفْسِكَ؛ وتَلْتَزِمُ الحُزْنَ عَلَيْهِ؛ فَإنْ كُنْتَ تَقْدِرُ عَلى دُخُولِ سَرْبٍ في أعْماقِ الأرْضِ؛ أو عَلى ارْتِقاءِ سُلَّمٍ في السَماءِ؛ فَدُونَكَ وشَأْنَكَ بِهِ"؛ أيْ: "إنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن هَذا؛ ولا بُدَّ لَكَ مِنَ التِزامِ الصَبْرِ؛ واحْتِمالِ المَشَقَّةِ؛ ومُعارَضَتِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي نَصَبَها اللهُ تَعالى لِلنّاظِرِينَ المُتَأمِّلِينَ؛ إذْ هو - لا إلَهَ إلّا هو - لَمْ يُرِدْ أنْ يَجْمَعَهم عَلى الهُدى؛ وإنَّما أرادَ أنْ يَنْصُبَ مِنَ الآياتِ ما يَهْتَدِي بِالنَظَرِ فِيهِ قَوْمٌ؛ ويَضِلُّ آخَرُونَ؛ إذْ خَلَقَهم عَلى الفِطْرَةِ؛ وهَدى السَبِيلَ؛ وسَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ؛ ولَهُ ذَلِكَ كُلُّهُ بِحَقِّ مِلْكِهِ تَعالى ؛ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ في أنْ تَأْسَفَ؛ وتَحْزَنَ عَلى أمْرٍ أرادَهُ اللهُ تَعالى وأمْضاهُ؛ وعَلِمَ المَصْلَحَةَ فِيهِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا أُسْلُوبُ مَعْنى الآيَةِ.

واسْمُ "كانَ"؛ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الأمْرَ؛ والشَأْنَ؛ و ﴿ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ ﴾ ؛ خَبَرُها؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "إعْراضُهُمْ"؛ هو اسْمَ "كانَ"؛ ويُقَدَّرَ في "كَبُرَ"؛ ضَمِيرٌ؛ وتَكُونَ "كَبُرَ"؛ في مَوْضِعِ الخَبَرِ؛ والأوَّلُ مِنَ الوَجْهَيْنِ أقْيَسُ.

و"اَلنَّفَقُ": اَلسَّرْبُ في الأرْضِ؛ ومِنهُ: "نافِقاءُ اليَرْبُوعِ"؛ و"اَلسُّلَّمُ": اَلشَّيْءُ الَّذِي يُصْعَدُ عَلَيْهِ؛ ويُرْتَقى؛ ويُمْكِنُ أنْ يُشْتَقَّ اسْمُهُ مِن "اَلسَّلامَةُ"؛ لِأنَّهُ سَبَبُها؛ وجَمْعُهُ: "سَلالِيمُ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لا يَحْجِزُ المَرْءَ أحْجاءُ البِلادِ ولا ∗∗∗ تُبْنى لَهُ في السَماواتِ السَلالِيمُ و"فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ"؛ أيْ: بِعَلامَةٍ؛ ويُرِيدُ: إمّا في فِعْلِكَ ذَلِكَ؛ أيْ: تَكُونُ الآيَةُ نَفْسَ دُخُولِكَ في الأرْضِ؛ أوِ ارْتِقائِكَ في السَماءِ؛ وإمّا أنْ تَأْتِيَهم بِالآيَةِ مِن إحْدى الجِهَتَيْنِ؛ وحُذِفَ جَوابُ الشَرْطِ قَبْلُ في قَوْلِهِ: "فَإنِ اسْتَطَعْتَ"؛ إيجازًا؛ لِفَهْمِ السامِعِ بِهِ؛ تَقْدِيرُهُ: "فافْعَلْ؛ أو فَدُونَكَ"؛ كَما تَقَدَّمَ.

و"لَجَمَعَهُمْ"؛ يَحْتَمِلُ: إمّا بِأنْ يَخْلُقَهم مُؤْمِنِينَ؛ وإمّا بِأنْ يُكْسِبَهُمُ الإيمانَ بَعْدَ كُفْرِهِمْ؛ بِأنْ يَشْرَحَ صُدُورَهُمْ؛ و"اَلْهُدى": اَلْإرْشادُ؛ وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى القَدَرِيَّةِ المُغْرِضَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: "إنَّ القُدْرَةَ لا تَقْتَضِي أنْ يُؤْمِنَ الكافِرُ؛ وإنَّ ما يَأْتِيهِ الإنْسانُ مِن جَمِيعِ أفْعالِهِ لا خَلْقَ لِلَّهِ تَعالى فِيهِ"؛ تَعالى اللهُ عن قَوْلِهِمْ.

و"مِنَ الجاهِلِينَ"؛ يُحْتَمَلُ في ألّا يَعْلَمُ أنَّ اللهَ تَعالى لَوْ شاءَ لَجَمَعَهُمْ؛ ويُحْتَمَلُ في أنْ تَهْتَمَّ بِوُجُودِ كُفْرِهِمُ الَّذِي قَدَّرَهُ؛ وأرادَهُ؛ وتَذْهَبَ بِهِ لِنَفْسِكَ إلى ما لَمْ يُقَدِّرْهُ اللهُ تَعالى.

يَظْهَرُ تَبايُنٌ ما بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ ؛ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -: ﴿ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ  ﴾ ؛ وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أفْضَلُ الأنْبِياءِ؛ قالَ مَكِّيٌّ والمَهْدِيُّ: "والخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ ؛ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ"؛ وهَذا ضَعِيفٌ؛ لا يَقْتَضِيهِ اللَفْظُ؛ وقالَ قَوْمٌ: وُقِّرَ نُوحٌ لِسِنِّهِ؛ وشَيْبَتِهِ؛ وقالَ قَوْمٌ: جاءَ الحَمْلُ أشَدَّ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِقُرْبِهِ مِنَ اللهِ تَعالى ؛ ومَكانَتِهِ عِنْدَهُ؛ كَما يَحْمِلُ المُعاتِبُ عَلى قَرِيبِهِ أكْثَرَ مِن حَمْلِهِ عَلى الأجانِبِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والوَجْهُ القَوِيُّ عِنْدِي في الآيَةِ هو أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَجِئْ بِحَسَبِ النَبِيَّيْنِ؛ وإنَّما جاءَ بِحَسَبِ الأمْرَيْنِ اللَذَيْنِ وقَعَ النَهْيُ عنهُما؛ والعِتابُ فِيهِما؛ وبَيِّنٌ أنَّ الأمْرَ الَّذِي نُهِيَ عنهُ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أكْبَرُ قَدْرًا وأخْطَرُ مُواقَعَةً مِنَ الأمْرِ الَّذِي واقَعَهُ نُوحٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

<div class="verse-tafsir"

۞ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ٣٦ وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةًۭ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٣٧ وَمَا مِن دَآبَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا طَـٰٓئِرٍۢ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ٣٨

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ هَذا مِنَ النَمَطِ المُتَقَدِّمِ في التَسْلِيَةِ؛ أيْ: "لا تَحْفَلْ بِمَن أعْرَضَ؛ فَإنَّما يَسْتَجِيبُ لِداعِي الإيمانِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الآياتِ؛ ويَتَلَقَّوْنَ البَراهِينَ بِالقَبُولِ"؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ كُلِّهِ بِـ "يَسْمَعُونَ"؛ إذْ هو طَرِيقُ العِلْمِ بِالنُبُوَّةِ؛ والآياتِ المُعْجِزَةِ؛ وهَذِهِ لَفْظَةٌ تَسْتَعْمِلُها الصُوفِيَّةُ؛ إذا بَلَغَتِ المَوْعِظَةُ مِن أحَدٍ مَبْلَغًا شافِيًا؛ قالُوا: "سَمِعَ".

ثُمَّ قالَ تَعالى "والمَوْتى"؛ يُرِيدُ الكُفّارَ؛ فَعَبَّرَ عنهم بِضِدِّ ما عَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ؛ وبِالصِفَةِ الَّتِي تُشْبِهُ حالَهم في العَمى عن نُورِ اللهِ تَعالى ؛ والصَمَمِ عن وعْيِ كَلِماتِهِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والحَسَنُ.

و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: يَبْعَثُهُمُ اللهُ تَعالى بِأنْ يُؤْمِنُوا حِينَ يُوقِفُهُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَتَجِيءُ الِاسْتِعارَةُ في هَذا التَأْوِيلِ؛ في الوَجْهَيْنِ؛ في تَسْمِيَتِهِمْ "مَوْتى"؛ وفي تَسْمِيَةِ إيمانِهِمْ وهِدايَتِهِمْ "بَعْثًا"؛ والواوُ عَلى هَذا مُشْرِكَةٌ في العامِلِ؛ عَطَفَتْ "والمَوْتى"؛ عَلى "اَلَّذِينَ"؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ وكَأنَّ مَعْنى الآيَةِ: "إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يُرْشَدُونَ؛ حِينَ يَسْمَعُونَ؛ فَيُؤْمِنُونَ؛ والكُفّارُ حِينَ يُرْشِدُهُمُ اللهُ تَعالى بِمَشِيئَتِهِ؛ فَلا تَتَأسَّفْ أنْتَ؛ ولا تَسْتَعْجِلْ ما لَمْ يُقَدَّرْ".

وقَرَأ الحَسَنُ: "ثُمَّ إلَيْهِ يَرْجِعُونَ"؛ فَتَناسَبَتِ الآيَةُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ: "والمَوْتى": يُرِيدُ: "اَلْكُفّارُ"؛ أيْ: "هم بِمَثابَةِ المَوْتى حِينَ لا يَرَوْنَ هُدًى؛ ولا يَسْمَعُونَ فَيَعُونَ"؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ أيْ: "يَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ"؛ "ثُمَّ إلَيْهِ"؛ أيْ: "إلى سَطْوَتِهِ؛ وعِقابِهِ؛ يُرْجَعُونَ"؛ وقَرَأتْ هَذِهِ الطائِفَةُ "يُرْجَعُونَ"؛ بِياءٍ؛ والواوُ عَلى هَذا عاطِفَةُ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ و"اَلْمَوْتى"؛ مُبْتَدَأٌ؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ خَبَرُهُ؛ فَكَأنَّ مَعْنى الآيَةِ: "إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ فَيَعُونَ؛ والكُفّارُ سَيَبْعَثُهُمُ اللهُ تَعالى ؛ ويَرُدُّهم إلى عِقابِهِ"؛ فالآيَةُ عَلى هَذا مُتَضَمِّنَةٌ الوَعِيدَ لِلْكُفّارِ؛ والعائِدُ عَلى "اَلَّذِينَ"؛ هو الضَمِيرُ في "يَسْمَعُونَ"؛ والضَمِيرُ في "وَقالُوا"؛ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ؛ و"لَوْلا"؛ تَحْضِيضٌ بِمَعْنى: "هَلّا"؛ قالَ الشاعِرُ: تَعُدُّونَ عَقْرَ النِيبِ أفْضَلَ مَجْدِكم ∗∗∗ بَنِي ضَوْطَرى لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعا وَمَعْنى الآيَةِ: "هَلّا أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بَيانٌ واضِحٌ؛ لا يَقَعُ مَعَهُ تَوَقُّفٌ مِن أحَدٍ؛ كَمَلَكٍ يَشْهَدُ لَهُ؛ أو أكْثَرَ - أو غَيْرِ ذَلِكَ مِن تَشَطُّطِهِمُ المَحْفُوظِ في هَذا -؟"؛ فَأُمِرَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بِالرَدِّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَهُ القُدْرَةُ عَلى إنْزالِ تِلْكَ الآيَةِ؛ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ أنَّها لَوْ نَزَلَتْ؛ ولَمْ يُؤْمِنُوا؛ لَعُوجِلُوا بِالعَذابِ؛ ويَحْتَمِلُ ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ؛ أنَّ اللهَ تَعالى إنَّما جَعَلَ المَصْلَحَةَ في آياتٍ مُعَرَّضَةٍ لِلنَّظَرِ؛ والتَأمُّلِ؛ لِيَهْتَدِيَ قَوْمٌ؛ ويَضِلَّ آخَرُونَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَما مِن دابَّةٍ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ التَنْبِيهُ عَلى آياتِ اللهِ تَعالى المَوْجُودَةِ في أنْواعِ مَخْلُوقاتِهِ؛ أيْ: "قُلْ لَهُمْ: إنَّ اللهَ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً؛ إلّا أنَّكم لا تَعْلَمُونَ وجْهَ الحِكْمَةِ في ألّا يُنَزِّلَ آيَةً مُجَهَّزَةً؛ وإنَّما يُحِيلُ عَلى الآياتِ المَنصُوبَةِ لِمَن فَكَّرَ واعْتَبَرَ؛ كالدَوابِّ؛ والطَيْرِ الَّتِي قَدْ حَصَرَتْ جَمِيعَ الحَيَوانِ؛ وهي أُمَمٌ؛ أيْ جَماعاتٌ مُماثِلَةٌ لِلنّاسِ في الخَلْقِ؛ والرِزْقِ؛ والحَياةِ؛ والمَوْتِ؛ والحَشْرِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالمُماثَلَةِ أنَّها في كَوْنِها أُمَمًا؛ لا غَيْرُ؛ كَما تُرِيدُ بِقَوْلِكَ: "مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مِثْلِكَ"؛ أيْ: في أنَّهُ رَجُلٌ؛ ويَصِحُّ في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأوصافِ؛ إلّا أنَّ الفائِدَةَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما تَقَعُ بِأنْ تَكُونَ المُماثَلَةُ في أوصافٍ غَيْرِ كَوْنِها أُمَمًا؛ قالَ الطَبَرِيُّ ؛ وغَيْرُهُ: والمُماثَلَةُ في أنَّها يُهْتَبَلُ بِأعْمالِها؛ وتُحاسَبُ؛ ويُقْتَصُّ لِبَعْضِها مِن بَعْضٍ؛ عَلى ما رُوِيَ في الأحادِيثِ؛ أيْ: فَإذا كانَ يَفْعَلُ هَذا بِالبَهائِمِ؛ فَأنْتُمْ أحْرى؛ إذْ أنْتُمْ مُكَلَّفُونَ عُقَلاءُ؛ ورَوى أبُو ذَرٍّ «أنَّهُ انْتَطَحَتْ عنزانِ بِحَضْرَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: "أتَعْلَمُونَ فِيمَ انْتَطَحَتا؟"؛ قُلْنا: لا؛ قالَ: "فَإنَّ اللهَ يَعْلَمُ؛ وسَيَقْضِي بَيْنَهُما"؛» وقَدْ قالَ مَكِّيٌّ: "اَلْمُماثَلَةُ في أنَّها تَعْرِفُ اللهَ تَعالى ؛ وتَعْبُدُهُ"؛ وهَذا قَوْلُ خُلْفٍ.

وَ"دابَّةٌ"؛ وزْنُها: "فاعِلَةٌ"؛ وهي صِفَةٌ وُضِعَتْ مَوْضِعَ الِاسْمِ؛ كَما قالُوا: " اَلْأعْرَجُ "؛ و"اَلْأبْرَقُ"؛ وأُزِيلَ مِنهُ مَعْنى الصِفَةِ؛ ولَيْسَتْ بِالصِفَةِ الغالِبَةِ في قَوْلِنا: " اَلْعَبّاسُ "؛ و"اَلْحارِثُ "؛ لِأنَّ مَعْنى الصِفَةِ باقٍ في الصِفَةِ الغالِبَةِ.

وقَرَأتْ طائِفَةٌ: "وَلا طائِرٍ"؛ عَطْفًا عَلى اللَفْظِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَلا طائِرٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ عَطْفًا عَلى المَعْنى؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلا طَيْرٍ"؛ وهو جَمْعُ "طائِرٌ".

وقَوْلُهُ: ﴿ "بِجَناحَيْهِ"؛ ﴾ تَأْكِيدٌ؛ وبَيانٌ؛ وإزالَةٌ لِلِاسْتِعارَةِ المُتَعاهَدَةِ في هَذِهِ اللَفْظَةِ؛ فَقَدْ يُقالُ: "طائِرُ السَعْدِ؛ والنَحْسِ"؛ وقالَ تَعالى ﴿ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ  ﴾ ؛ أيْ: عَمَلَهُ؛ ويُقالُ: "طارَ لِفُلانٍ طائِرُ كَذا"؛ أيْ: سَهْمُهُ في المُقْتَسَماتِ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى "بِجَناحَيْهِ"؛ إخْراجٌ لِلطّائِرِ عن هَذا كُلِّهِ.

وقَرَأ عَلْقَمَةُ ؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: "فَرَطْنا في الكِتابِ"؛ بِتَخْفِيفِ الراءِ؛ والمَعْنى واحِدٌ؛ وقالَ النَقّاشُ: "فَرَطْنا" - مُخَفَّفَةً -: أخَّرْنا؛ كَما قالُوا: "فَرَطَ اللهُ عنكَ المَرَضَ"؛ أيْ: أزالَهُ؛ والأوَّلُ أصْوَبُ؛ والتَفْرِيطُ: اَلتَّقْصِيرُ في الشَيْءِ؛ مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَرْكِ التَقْصِيرِ؛ و"اَلْكِتابُ": اَلْقُرْآنُ؛ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ نِظامُ المَعْنى في هَذِهِ الآياتِ؛ وقِيلَ: اَللَّوْحُ المَحْفُوظُ؛ و"مِن شَيْءٍ" - عَلى هَذا القَوْلِ - عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ؛ وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ القُرْآنُ؛ خاصٌّ في الأشْياءِ الَّتِي فِيها مَنافِعُ لِلْمُخاطَبِينَ؛ وطَرائِقُ هِدايَتِهِمْ؛ و"يُحْشَرُونَ": قالَتْ فِرْقَةٌ: حَشْرُ البَهائِمِ: مَوْتُها؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: حَشْرُها: بَعْثُها؛ واحْتَجُّوا بِالأحادِيثِ المُضَمَّنَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ؛ [والقَوْلُ في الأحادِيثِ المُتَضَمِّنَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ]: "إنَّما هي كِنايَةٌ عَنِ العَدْلِ؛ ولَيْسَتْ بِحَقِيقَةٍ"؛ فَهو قَوْلٌ مَرْدُودٌ؛ يَنْحُو إلى القَوْلِ بِالرُمُوزِ؛ ونَحْوِها.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا صُمٌّۭ وَبُكْمٌۭ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ ۗ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ٣٩ قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٤٠ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ٤١

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُلُماتِ مَن يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأِ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللهِ أو أتَتْكُمُ الساعَةُ أغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ ﴾ كَأنَّهُ قالَ: "وَما مِن دابَّةٍ؛ ولا طائِرٍ؛ ولا شَيْءٍ إلّا فِيهِ آيَةٌ مَنصُوبَةٌ عَلى وحْدانِيَّةِ اللهِ تَعالى ؛ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا صُمٌّ؛ وبُكْمٌ؛ لا يَتَلَقَّوْنَ ذَلِكَ؛ ولا يَقْبَلُونَهُ"؛ وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها تَعُمُّ كُلَّ مُكَذِّبٍ؛ وقالَ النَقّاشُ: نَزَلَتْ في بَنِي عَبْدِ الدارِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ بِمَشِيئَتِهِ في خَلْقِهِ؛ فَقالَ مُبْتَدِئًا الكَلامَ: ﴿ مَن يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ ﴾ ؛ شَرْطٌ وجَوابُهُ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ فِي الظُلُماتِ ﴾ ؛ يَنُوبُ عن "عُمْيٌ"؛ و ﴿ فِي الظُلُماتِ ﴾ ؛ أهْوَلُ عِبارَةً؛ وأفْصَحُ وأوقَعُ في النَفْسِ؛ و"اَلصِّراطُ": اَلطَّرِيقُ الواضِحُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ أرَأيْتَكُمْ ﴾ ؛ اِبْتِداءُ احْتِجاجٍ عَلى الكُفّارِ الجاعِلِينَ لِلَّهِ شُرَكاءَ؛ والمَعْنى: "أرَأيْتُمْ إذا خِفْتُمْ عَذابَ اللهِ تَعالى ؛ أو خِفْتُمْ هَلاكًا؛ أو خِفْتُمُ الساعَةَ؛ أتَدْعُونَ أصْنامَكُمْ؛ وتَلْجَؤُونَ إلَيْها في كَشْفِ ذَلِكَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قَوْلِكُمْ: إنَّها آلِهَةٌ؟

بَلْ تَدْعُونَ اللهَ الخالِقَ الرَزّاقَ؛ فَيَكْشِفُ ما خِفْتُمُوهُ؛ إنْ شاءَ؛ وتَنْسَوْنَ أصْنامَكم - أيْ تَتْرُكُونَهُمْ"؛ فَعَبَّرَ عَنِ التَرْكِ بِأعْظَمِ وُجُوهِهِ؛ الَّذِي هو مَعَ التَرْكِ ذُهُولٌ؛ وإغْفالٌ؛ فَكَيْفَ يُجْعَلُ إلَهًا مَن هَذِهِ حالُهُ في الشَدائِدِ؛ والأزَماتِ؟

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ: "أرَأيْتَكُمْ"؛ بِألِفٍ مَهْمُوزَةٍ؛ عَلى الأصْلِ؛ لِأنَّ الهَمْزَةَ عَيْنُ الفِعْلِ؛ وقَرَأ نافِعٌ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ بَيْنَ بَيْنَ؛ عَلى عُرْفِ التَخْفِيفِ وقِياسِهِ؛ ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأها بِألِفٍ ساكِنَةٍ؛ وحَذْفِ الهَمْزَةِ؛ وهَذا تَخْفِيفٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ والكافُ فِي: "أرَأيْتَكَ زَيْدًا؟"؛ و"أرَأيْتَكُمْ؟"؛ لَيْسَتْ بِاسْمٍ؛ وإنَّما هي مُجَرَّدَةٌ لِلْخِطابِ؛ كَما هي في "ذَلِكَ"؛ و"أبْصِرْكَ زَيْدًا"؛ ونَحْوِهِ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنْ "رَأيْتَ"؛ بِمَعْنى العِلْمِ؛ إنَّما تَدْخُلُ عَلى الِابْتِداءِ؛ والخَبَرِ؛ فالأوَّلُ مِن مَفْعُولَيْها؛ هو الثانِي بِعَيْنِهِ؛ والكافُ في "أرَأيْتَكَ زَيْدًا"؛ لَيْسَتِ المَفْعُولَ الثانِيَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ  ﴾ ؛ فَإذا لَمْ تَكُنِ اسْمًا صَحَّ أنَّها مُجَرَّدَةٌ لِلْخِطابِ؛ وإذا تَجَرَّدَتْ لِلْخِطابِ صَحَّ أنَّ التاءَ لَيْسَتْ لِلْخِطابِ؛ كَما هي في "أنْتَ"؛ لِأنَّ عَلامَتَيْ خِطابٍ لا تَجْتَمِعانِ عَلى كَلِمَةٍ؛ كَما لا تَجْتَمِعُ عَلامَتا تَأْنِيثٍ؛ ولا عَلامَتا اسْتِفْهامٍ؛ فَلَمّا تَجَرَّدَتِ التاءُ مِنَ الخِطابِ؛ وبَقِيَتْ عَلامَةُ الفاعِلِ فَقَطِ اسْتُغْنِيَ عن إظْهارِ تَغْيِيرِ الجَمْعِ فِيها؛ والتَأْنِيثِ؛ لِظُهُورِ ذَلِكَ في الكَلامِ؛ وبَقِيَتِ التاءُ عَلى حَدٍّ واحِدٍ في الإفْرادِ؛ والتَثْنِيَةِ؛ والجَمْعِ؛ والتَأْنِيثِ؛ ورُوِيَ عن بَعْضِ بَنِي كِلابٍ أنَّهُ قالَ: "أتَعْلَمُكَ كانَ أحَدٌ أشْعَرَ مِن ذِي الرُمَّةِ ؟".

فَهَذِهِ الكافُ صِلَةٌ في الخِطابِ.

و ﴿ أتاكم عَذابُ اللهِ ﴾ ؛ مَعْناهُ: أتاكم خَوْفُهُ؛ وأماراتُهُ؛ وأوائِلُهُ؛ مِثْلُ الجُدْبِ؛ والبَأْساءِ؛ والأمْراضِ؛ ونَحْوِها؛ الَّتِي يُخافُ مِنها الهَلاكُ؛ ويَدْعُو إلى هَذا التَأْوِيلِ أنّا لَوْ قَدَّرْنا إتْيانَ العَذابِ؛ وحُلُولَهُ؛ لَمْ يَتَرَتَّبْ أنْ يَقُولَ - بَعْدَ ذَلِكَ - ﴿ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ ﴾ ؛ لِأنَّ ما قَدْ صَحَّ حُلُولُهُ ومَضى عَلى البَشَرِ؛ لا يَصِحُّ كَشْفُهُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ "اَلسّاعَةُ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ مَوْتُ الإنْسانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْمَعْنى: بَلْ لا مَلْجَأ لَكم إلّا اللهُ تَعالى ؛ وأصْنامُكم مُطَّرَحَةٌ؛ مَنسِيَّةٌ؛ و"ما"؛ بِمَعْنى: "اَلَّذِي تَدْعُونَ إلَيْهِ مِن أجْلِهِ"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" ظَرْفِيَّةً؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً؛ عَلى حَذْفٍ في الكَلامِ؛ قالَ الزَجّاجُ: هو مِثْلُ: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ  ﴾ ؛ والضَمِيرُ في "إلَيْهِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى اللهِ تَعالى ؛ بِتَقْدِيرِ: "فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ فِيهِ إلى اللهِ تَعالى "؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "ما"؛ بِتَقْدِيرِ: "فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ"؛ و"إنْ شاءَ"؛ اِسْتِثْناءٌ؛ لِأنَّ المِحْنَةَ إذا أظَلَّتْ عَلَيْهِمْ؛ فَدَعَوْا إلَيْهِ في كَشْفِها؛ وصَرْفِها؛ فَهو - لا إلَهَ إلّا هو - كاشِفٌ؛ إنْ شاءَ؛ ومُصِيبٌ؛ إنْ شاءَ؛ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ وتَقَدَّمَ مَعْنى: "تَنْسَوْنَ"؛ و"إيّاهُ"؛ اِسْمٌ مُضْمَرٌ؛ أُجْرِيَ مُجْرى المُظْهَراتِ في أنَّهُ يُضافُ أبَدًا؛ وقِيلَ: هو مُبْهَمٌ؛ ولَيْسَ بِالقَوِيِّ؛ لِأنَّ الأسْماءَ المُبْهَمَةَ مُضَمَّنَةٌ الإشارَةَ إلى حاضِرٍ؛ نَحْوَ: "ذاكَ"؛ و"تِلْكَ"؛ و"هَؤُلاءِ"؛ و"إيّا"؛ لَيْسَ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ٤٢ فَلَوْلَآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا۟ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٤٣ فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا۟ بِمَآ أُوتُوٓا۟ أَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةًۭ فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ ٤٤ فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ۚ وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٤٥

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ ﴾ ﴿ فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ ﴾ ﴿ فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ فِي الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ؛ تَقْدِيرُهُ: "فَكَذَّبُوا فَأخَذْناهُمْ"؛ ومَعْناهُ: "لازَمْناهُمْ؛ وتابَعْناهُمُ الشَيْءَ بَعْدَ الشَيْءِ".

و"اَلْبَأْساءُ": اَلْمَصائِبُ في الأمْوالِ؛ و"اَلضَّرّاءُ": في الأبْدانِ؛ هَذا قَوْلُ الأكْثَرِ؛ وقِيلَ: قَدْ يُوضَعُ كُلُّ واحِدٍ بَدَلَ الآخَرِ؛ ويُؤَدِّبُ اللهُ تَعالى عِبادَهُ بِالبَأْساءِ؛ والضَرّاءِ؛ ومِن هُنالِكَ أدَّبَ العُبّادُ نُفُوسَهم بِالبَأْساءِ؛ في تَفْرِيقِ المالِ؛ والضَرّاءِ؛ في الحَمْلِ عَلى البَدَنِ؛ في جُوعٍ؛ وعُرْيٍ.

والتَرَجِّي في "لَعَلَّ"؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ إنَّما هو عَلى مُعْتَقَدِ البَشَرِ؛ أيْ: "لَوْ رَأى أحَدٌ ذَلِكَ لَرَجا تَضَرُّعَهم بِسَبَبِهِ"؛ و"اَلتَّضَرُّعُ": اَلتَّذَلُّلُ؛ والِاسْتِكانَةُ؛ وفي المَثَلِ: "إنَّ الحُمّى أضْرَعَتْنِي لَكَ"؛ ومَعْنى الآيَةِ تَوَعُّدُ الكُفّارِ؛ وضَرْبُ المَثَلِ لَهُمْ؛ و"فَلَوْلا"؛ تَحْضِيضٌ؛ وهي الَّتِي تَلِي الفِعْلَ بِمَعْنى "هَلّا"؛ وهَذا عَلى جِهَةِ المُعاتَبَةِ لِمُذْنِبٍ غائِبٍ؛ وإظْهارِ سُوءِ فِعْلِهِ؛ مَعَ تَحَسُّرٍ ما عَلَيْهِ؛ والمَعْنى: "إذا جاءَهم أوائِلُ البَأْسِ؛ وعَلاماتُهُ؛ وهو تَرَدُّدُ البَأْساءِ؛ والضَرّاءِ؛ و"قَسَتْ"؛ مَعْناهُ: صَلُبَتْ؛ وهي عِبارَةٌ عَنِ الكُفْرِ؛ ونَسَبَ التَزْيِينَ إلى الشَيْطانِ؛ وقَدْ قالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ  ﴾ ؛ لِأنَّ تَسَبُّبَ الشَيْطانِ ووَسْوَسَتَهُ؛ تَجْلِبُ حُسْنَ الكُفْرِ في قُلُوبِهِمْ؛ وذَلِكَ المَجْلُوبُ؛ اللهُ يَخْلُقُهُ؛ فَإنْ نُسِبَ إلى اللهِ تَعالى فَبِأنَّهُ خالِقُهُ؛ وإلى الشَيْطانِ فَبِأنَّهُ مُسَبِّبُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَلَمّا نَسُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ عَبَّرَ عَنِ التَرْكِ بِالنِسْيانِ؛ إذا بَلَغَ وُجُوهَ التَرْكِ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ نِسْيانٌ؛ وزَوالُ المَتْرُوكِ عَنِ الذِهْنِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ فِيما رُوِيَ عنهُ: "فَتَّحْنا"؛ بِتَشْدِيدِ التاءِ؛ و"كُلِّ شَيْءٍ"؛ مَعْناهُ: "مِمّا كانَ سُدَّ عَلَيْهِمْ بِالبَأْساءِ؛ والضَرّاءِ؛ مِنَ النِعَمِ الدُنْيَوِيَّةِ"؛ فَهو عُمُومٌ مَعْناهُ خُصُوصٌ؛ و"فَرِحُوا"؛ مَعْناهُ: بَطَرُوا؛ وأشَرُوا؛ وأُعْجِبُوا؛ وظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ لا يَبِيدُ؛ وأنَّهُ دالٌّ عَلى رِضا اللهِ تَعالى عنهُمْ"؛ وهو اسْتِدْراجٌ مِنَ اللهِ تَعالى ؛ وقَدْ رُوِيَ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: "رَحِمَ اللهُ عَبْدًا تَدَبَّرَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً ﴾ "؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ النَضْرِ الحارِثِيِّ: "أُمْهِلَ القَوْمُ عِشْرِينَ سَنَةً"؛ ورَوى عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "إذا رَأيْتُمُ اللهَ تَعالى يُعْطِي العِبادَ ما يَشاؤُونَ عَلى مَعاصِيهِمْ؛ فَذَلِكَ اسْتِدْراجٌ"؛» ثُمَّ تَلا ﴿ فَلَمّا نَسُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ كُلَّها.

و"أخَذْناهُمْ"؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ مَعْناهُ: اِسْتَأْصَلْناهُمْ؛ وسَطَوْنا بِهِمْ؛ و"بَغْتَةً"؛ مَعْناهُ: فَجْأةً؛ والعامِلُ فِيهِ: "أخَذْناهُمْ"؛ وهو مَصْدَرٌ؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ لا يُقاسُ عَلَيْهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ و"اَلْمُبْلِسُ": اَلْحَزِينُ؛ الباهِتُ؛ اليائِسُ مِنَ الخَيْرِ؛ الَّذِي لا يُحِيرُ جَوابًا؛ لِشِدَّةِ ما نَزَلَ بِهِ مِن سُوءِ الحالِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "اَلدّابِرُ": آخِرُ الأمْرِ؛ الَّذِي يَدْبُرُهُ؛ أيْ: يَأْتِي مِن خَلْفِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَأُهْلِكُوا بِعَذابٍ حَصَّ دابِرَهم ∗∗∗ فَما اسْتَطاعُوا لَهُ دَفْعًا ولا انْتَصَرُوا وقَوْلُ الآخَرِ: وقَدْ زَعَمَتْ عُلْيا بَغِيضٍ ولِفُّها ∗∗∗ ∗∗∗ بِأنِّي وحِيدٌ قَدْ تَقَطَّعَ دابِرِي وهَذِهِ كِنايَةٌ عَنِ اسْتِئْصالِ شَأْفَتِهِمْ؛ ومَحْوِ آثارِهِمْ؛ كَأنَّهم ورَدُوا العَذابَ حَتّى ورَدَ آخِرُهُمُ الَّذِي دَبَرَهُمْ؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "فَقَطَعَ"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ والطاءِ؛ "دابِرَ"؛ بِالنَصْبِ.

وحَسُنَ الحَمْدُ عَقِبَ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِجَمالِ الأفْعالِ المُتَقَدِّمَةِ؛ في أنْ أرْسَلَ تَعالى الرُسُلَ؛ وتَلَطَّفَ في الأخْذِ بِالبَأْساءِ؛ والضَرّاءِ؛ لِيُتَضَرَّعَ إلَيْهِ؛ فَيَرْحَمَ؛ ويُنْعِمَ؛ وقَطَعَ في آخِرِ الأمْرِ دابِرَ ظُلْمِهِمْ؛ وذَلِكَ حَسَنٌ في نَفْسِهِ؛ ونِعْمَةٌ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ فَحَسُنَ الحَمْدُ بِعَقِبِ هَذِهِ الأفْعالِ؛ وبِحَمْدِ اللهِ تَعالى يَنْبَغِي أنْ يُخْتَمَ كُلُّ فِعْلٍ؛ وكُلُّ مَقالَةٍ؛ لا رَبَّ غَيْرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَـٰرَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَـٰتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ٤٦ قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٤٧ وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۖ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٤٨ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ٤٩

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللهُ سَمْعَكم وأبْصارَكم وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكم مَن إلَهٌ غَيْرُ اللهُ يَأْتِيكم بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللهِ بَغْتَةً أو جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الظالِمُونَ ﴾ ﴿ وَما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ هَذا ابْتِداءُ احْتِجاجٍ عَلى الكُفّارِ؛ و"أخَذَ اللهُ"؛ مَعْناهُ: أذْهَبَهُ؛ وانْتَزَعَهُ بِقُدْرَتِهِ تَعالى ؛ ووَحَّدَ السَمْعَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُفْرَدٌ؛ يَدُلُّ عَلى جَمْعٍ؛ والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ عائِدٌ عَلى المَأْخُوذِ؛ وقِيلَ: عَلى السَمْعِ؛ وقِيلَ: عَلى الهُدى الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ المَعْنى؛ وقَرَأ الأعْرَجُ وغَيْرُهُ: "بِهُ انْظُرْ"؛ بِضَمِّ الهاءِ؛ ورَواها المُسَيَّبِيُّ؛ وأبُو وجْزَةَ؛ عن نافِعٍ ؛ و"يَصْدِفُونَ"؛ مَعْناهُ: يُعْرِضُونَ؛ ويَنْفِرُونَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إذا ذَكَرْنَ حَدِيثًا قُلْنَ أحْسَنَهُ ∗∗∗ وهُنَّ عن كُلِّ سُوءٍ يُتَّقى صُدُفُ قالَ النَقّاشُ: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى تَفْضِيلِ السَمْعِ عَلى البَصَرِ؛ لَتَقْدِمَتِهِ هُنا؛ ثُمَّ احْتَجَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ  ﴾ ؛ وبِغَيْرِ ذَلِكَ.

والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: "مَن إلَهٌ"؛ مَعْناهُ التَوْقِيفُ؛ أيْ: "لَيْسَ ثَمَّةَ إلَهٌ سِواهُ؛ فَما بالُ تَعَلُّقِكم بِالأصْنامِ؛ وتَمَسُّكِكم بِها؛ وهي لا تَدْفَعُ ضَرَرًا؛ ولا تَأْتِي بِخَيْرٍ؟"؛ وتَصْرِيفُ الآياتِ هو نَصْبُ العِبَرِ؛ ومَجِيءُ آياتِ القُرْآنِ بِالإنْذارِ؛ والإعْذارِ؛ والبِشارَةِ؛ ونَحْوِها.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ أرَأيْتَكُمْ  ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ؛ و"بَغْتَةً"؛ مَعْناهُ: لا يَتَقَدَّمُ عِنْدَكم مِنها عِلْمٌ؛ و"جَهْرَةً"؛ مَعْناهُ: تَبْدُو لَكم مَخايِلُهُ؛ ومَبادِيهِ؛ ثُمَّ تَتَوالى؛ حَتّى تَنْزِلَ؛ قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بَغْتَةً": فَجْأةً؛ و"جَهْرَةً": نَهارًا؛ قالَ مُجاهِدٌ: "بَغْتَةً": فَجْأةً؛ آمِنِينَ؛ و"جَهْرَةً": وهم يَنْظُرُونَ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "هَلْ يَهْلِكُ"؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ؛ والمَعْنى: "هَلْ تَهْلِكُونَ إلّا أنْتُمْ؟؛ لِأنَّ الظُلْمَ قَدْ تَبَيَّنَ في حَيِّزِكُمْ"؛ و"هَلْ"؛ ظاهِرُها الِاسْتِفْهامُ؛ ومَعْناها التَسْوِيَةُ المُضَمَّنَةُ لِلنَّفْيِ؛ ولا تَكُونُ التَسْوِيَةُ بِها إلّا في النَفْيِ؛ وتَكُونُ بِالألِفِ في نَفْيٍ؛ وفي إيجابٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْمَعْنى: "إنَّما نُرْسِلُ الأنْبِياءَ المَخْصُوصِينَ بِالرِسالَةِ؛ لِيُبَشِّرُوا بِإنْعامِنا؛ ورَحْمَتِنا لِمَن آمَنَ؛ ويُنْذِرُوا بِعَذابِنا وعِقابِنا مَن كَذَّبَ وكَفَرَ؛ ولَسْنا نُرْسِلُهم لِيُقْتَرَحَ عَلَيْهِمُ الآياتُ؛ ويُتابِعُوا شُذُوذَ كُلِّ مُتَعَسِّفٍ مُتَعَمِّقٍ"؛ ثُمَّ وعَدَ مَن سَلَكَ طَرِيقَ البِشارَةِ فَآمَنَ؛ وأصْلَحَ؛ في امْتِثالِ الطاعاتِ؛ وأوعَدَ الَّذِينَ سَلَكُوا طَرِيقَ النَذارَةِ؛ فَكَذَّبَ بِآياتِ اللهِ تَعالى ؛ وفَسَقَ؛ أيْ: خَرَجَ عَنِ الحَدِّ في كُفْرانِهِ؛ وعِصْيانِهِ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "كُلُّ فِسْقٍ في القُرْآنِ فَمَعْناهُ الكَذِبُ"؛ ذَكَرَهُ عنهُ الطَبَرِيُّ مُسْنَدًا؛ و"يَمَسُّهُمُ"؛ أيْ: يُباشِرُهُمْ؛ ويُلْصَقُ بِهِمْ؛ وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ: "اَلْعَذابِّما"؛ بِإدْغامِ الباءِ في الباءِ؛ ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ والأعْمَشُ: "يَفْسِقُونَ"؛ بِكَسْرِ السِينِ؛ وهي لُغَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ٥٠ وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِىٌّۭ وَلَا شَفِيعٌۭ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ٥١

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ هَذا مِنَ الرَدِّ عَلى القائِلِينَ: "لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ"؛ والطالِبِينَ أنْ يُنْزَلَ مَلَكٌ؛ أو تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ؛ أو أكْثَرُ؛ أو نَحْوَ هَذا؛ والمَعْنى: "لَسْتُ بِهَذِهِ الصِفاتِ؛ فَيَلْزَمُنِي أنْ أُجِيبَكم بِاقْتِراحاتِكُمْ".

وقَوْلُهُ: ﴿ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ﴾ ؛ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أظْهَرُهُما أنَّهُ يُرِيدُ أنَّهُ بَشَرٌ؛ لا شَيْءَ عِنْدَهُ مِن خَزائِنِ اللهِ تَعالى ؛ ولا مِن قُدْرَتِهِ؛ ولا يَعْلَمُ شَيْئًا مِمّا غُيِّبَ عنهُ؛ والآخَرُ أنَّهُ لَيْسَ بِإلَهٍ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "لا أقُولُ لَكُمْ: إنِّي أتَّصِفُ بِأوصافِ إلَهٍ؛ في أنَّ عِنْدِي خَزائِنَهُ؛ وأنِّي أعْلَمُ الغَيْبَ"؛ وهَذا هو قَوْلُ الطَبَرِيِّ.

وتُعْطِي قُوَّةُ اللَفْظِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ؛ ولَيْسَ ذَلِكَ بِلازِمٍ مِن هَذا المَوْضِعِ؛ وإنَّما الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ المَلَكَ أعْظَمُ مَوْقِعًا في نُفُوسِهِمْ؛ وأقْرَبُ إلى اللهِ تَعالى ؛ والتَفْضِيلُ يُعْطِيهِ المَعْنى عَطاءً خَفِيًّا؛ وهو ظاهِرٌ مِن آياتٍ أُخَرَ؛ وهي مَسْألَةُ خِلافٍ.

و"ما يُوحى"؛ يُرِيدُ: "اَلْقُرْآنَ"؛ وسائِرَ ما يَأْتِي بِهِ المَلَكُ؛ أيْ: وفي ذَلِكَ عِبَرٌ وآيَةٌ لِمَن تَأمَّلَ ونَظَرَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي"؛ ﴾ اَلْآيَةَ؛ أيْ: "قُلْ لَهُمْ: إنَّهُ لا يَسْتَوِي الناظِرُ المُفَكِّرُ في الآياتِ؛ مَعَ المُعْرِضِ الكافِرِ؛ المُهْمِلِ لِلنَّظَرِ"؛ فالأعْمى والبَصِيرُ مِثالانِ لِلْمُؤْمِنِ؛ والكافِرِ؛ أيْ: "فَفَكِّرُوا أنْتُمْ وانْظُرُوا"؛ وجاءَ الأمْرُ بِالفِكْرَةِ في عِبارَةِ العَرْضِ والتَحْضِيضِ.

و"أنْذِرْ"؛ عُطِفَ عَلى "قُلْ"؛ والنَبِيُّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - مَأْمُورٌ بِإنْذارِ جَمِيعِ الخَلائِقِ؛ وإنَّما وقَعَ التَحْضِيضُ هُنا بِحَسَبِ المَعْنى الَّذِي قُصِدَ؛ وذَلِكَ أنَّ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ نَوْعًا مِنَ اليَأْسِ في الأغْلَبِ عن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ؛ الَّذِينَ قَدْ قالَ فِيهِمْ أيْضًا: ﴿ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ  ﴾ ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ هُنا: "قُلْ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُعْرِضِينَ: كَذا..

ودَعْهم ورَأْيَهم لِأنْفُسِهِمْ؛ وأنْذِرْ بِالقُرْآنِ هَؤُلاءِ الآخَرِينَ الَّذِينَ هم مَظِنَّةُ الإيمانِ؛ وأهْلٌ لِلِانْتِفاعِ"؛ ولَمْ يُرِدْ أنَّهُ لا يُنْذِرُ سِواهُمْ؛ بَلِ الإنْذارُ العامُّ ثابِتٌ مُسْتَقِرٌّ؛ والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ عائِدٌ عَلى "ما يُوحى"؛ و"يَخافُونَ"؛ عَلى بابِها في الخَوْفِ؛ أيْ: "اَلَّذِينَ يَخافُونَ ما تَحَقَّقُوهُ - مِن أنْ يُحْشَرُوا - ويَسْتَعِدُّونَ لِذَلِكَ؛ ورُبَّ مُتَحَقِّقٍ لِشَيْءٍ مَخُوفٍ؛ وهو - لِقِلَّةِ النَظَرِ والحَزْمِ - لا يَخافُهُ؛ ولا يَسْتَعِدُّ لَهُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَ الطَبَرِيُّ: وقِيلَ: "يَخافُونَ"؛ هُنا؛ بِمَعْنى: "يَعْلَمُونَ"؛ وهَذا غَيْرُ لازِمٍ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ ﴾ ؛ يَعُمُّ بِنَفْسِ اللَفْظِ كُلَّ مُؤْمِنٍ بِالبَعْثِ؛ مِن مُسْلِمٍ ؛ ويَهُودِيٍّ؛ ونَصْرانِيٍّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ ﴾ ؛ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ فَإنْ جَعَلْناهُ داخِلًا في الخَوْفِ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ أيْ: "يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا في حالِ مَن لا ولِيَّ لَهُ؛ ولا شَفِيعَ"؛ فَهي مُخْتَصَّةٌ بِالمُؤْمِنِينَ المُسْلِمِينَ؛ ولِأنَّ اليَهُودَ والنَصارى يَزْعُمُونَ أنَّ لَهم شُفَعاءَ؛ وأنَّهم أبْناءُ اللهِ تَعالى ؛ ونَحْوَ هَذا مِنَ الأباطِيلِ؛ وإنْ جَعَلْنا قَوْلَهُ: ﴿ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ ﴾ ؛ إخْبارًا مِنَ اللهِ تَعالى عن صِفَةِ الحالِ يَوْمَئِذٍ؛ فَهي عامَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ وأهْلِ الكِتابِ؛ و"لَعَلَّهم يَتَّقُونَ"؛ تَرَجٍّ؛ عَلى حَسَبِ ما يَرى البَشَرُ؛ ويُعْطِيهِ نَظَرُهم.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍۢ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍۢ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٥٢ وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لِّيَقُولُوٓا۟ أَهَـٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنۢ بَيْنِنَآ ۗ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ ٥٣

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِن الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مَنَّ بَيْنِنا ألَيْسَ اللهُ بِأعْلَمَ بِالشاكِرِينَ ﴾ اَلْمُرادُ بَـ "اَلَّذِينَ"؛ ضَعَفَةُ المُؤْمِنِينَ؛ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ في أُمُورِ الدُنْيا: بِلالٌ ؛ وعَمّارٌ ؛ وابْنُ أُمِّ عَبْدٍ؛ ومَرْثَدٌ الغَنَوِيُّ؛ وخَبّابٌ ؛ وصُهَيْبٌ ؛ وصُبَيْحٌ؛ وذُو الشِمالَيْنِ؛ والمِقْدادُ ؛ ونَحْوُهم.

وسَبَبُ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ قالَ بَعْضُهم لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "نَحْنُ لِشَرَفِنا؛ وأقْدارِنا؛ لا يُمْكِنُنا أنْ نَخْتَلِطَ بِهَؤُلاءِ؛ فَلَوْ طَرَدْتَهم لاتَّبَعْناكَ؛ وجالَسْناكَ"؛ ورَدَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وقِيلَ: إنَّما قالَ هَذِهِ المَقالَةَ أبُو طالِبٍ؛ عَلى جِهَةِ النُصْحِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ قالَ لَهُ: "لَوْ أزَلْتَ هَؤُلاءِ لاتَّبَعَكَ أشْرافُ قَوْمِكَ"؛ ورُوِيَ أنَّ مَلَأ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا إلى أبِي طالِبٍ في ذَلِكَ؛ وظاهِرُ الأمْرِ أنَّهم أرادُوا بِذَلِكَ الخَدِيعَةَ؛ فَصَوَّبَ هَذا الرَأْيَ مِن أبِي طالِبٍ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - وغَيْرُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: إنَّ بَعْضَ الكُفّارِ إنَّما طَلَبَ أنْ يُؤَخَّرَ هَؤُلاءِ عَنِ الصَفِّ الأوَّلِ في الصَلاةِ؛ ويَكُونُوا هم مَوْضِعَهُمْ؛ ويُؤْمِنُوا إذا طَرَدَ هَؤُلاءِ مِنَ الصَفِّ الأوَّلِ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ؛ أسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ «أنَّ الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ؛ ومَن شابَهَهُ مِن أشْرافِ العَرَبِ؛ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "اِجْعَلْ لَنا مِنكَ مَجْلِسًا لا يُخالِطُنا فِيهِ العُبُدُ؛ والحُلَفاءُ؛ واكْتُبْ لَنا كِتابًا"؛ فَهَمَّ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ في نُزُولِ الآيَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ؛ وهَؤُلاءِ الأشْرافُ لَمْ يَفِدُوا إلّا في المَدِينَةِ؛ وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ هَذا القَوْلُ مِنهُمْ؛ ولَكِنَّهُ إنْ كانَ وقَعَ فَبَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ بِمُدَّةٍ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَدَنِيَّةً؛ قالَ خَبّابٌ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿ وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ  ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ فَكُنّا نَأْتِي فَيَقُولُ لَنا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "سَلامٌ عَلَيْكُمْ"؛ ونَقْعُدُ مَعَهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَإذا أرادَ أنْ يَقُومَ قامَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وتَرَكَنا؛ فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى ﴿ واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ  ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ فَكانَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَقْعُدُ مَعَنا؛ فَإذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي يَقُومُ فِيهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قُمْنا وتَرَكْناهُ حَتّى يَقُومَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

و ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ ﴾ ؛ قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: اَلْمُرادُ بِهِ صَلاةُ مَكَّةَ؛ الَّتِي كانَتْ مَرَّتَيْنِ في اليَوْمِ؛ بُكْرَةً؛ وعَشِيًّا؛ وقِيلَ: بَلْ قَوْلُهُ: ﴿ بِالغَداةِ والعَشِيِّ ﴾ ؛ عِبارَةٌ عَنِ اسْتِمْرارِ الفِعْلِ؛ وأنَّ الزَمَنَ مَعْمُورٌ بِهِ؛ كَما تَقُولُ: "اَلْحَمْدُ لِلَّهِ بُكْرَةً وأصِيلًا"؛ فَإنَّما تُرِيدُ: "اَلْحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى في كُلِّ وقْتٍ"؛ والمُرادُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - قِيلَ: هو الصَلَواتُ الخَمْسُ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وإبْراهِيمُ؛ وقِيلَ: اَلدُّعاءُ؛ وذِكْرُ اللهِ تَعالى ؛ واللَفْظَةُ عَلى وجْهِها؛ وقالَ بَعْضُ القُصّاصِ: إنَّهُ الِاجْتِماعُ إلَيْهِمْ غُدْوَةً وعَشِيًّا؛ فَأنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ المُسَيِّبِ ؛ وعَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي عَمْرَةَ؛ وغَيْرُهُما؛ وقالُوا: إنَّما الآيَةُ في الصَلَواتِ في الجَماعَةِ؛ وقِيلَ: قِراءَةُ القُرْآنِ؛ وتَعَلُّمُهُ؛ قالَ أبُو جَعْفَرٍ: ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ ؛ وقِيلَ: اَلْعِبادَةُ؛ قالَهُ الضَحّاكُ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ ؛ والحَسَنُ ؛ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ ؛ وابْنُ عامِرٍ: "بِالغُدْوَةِ والعَشِيِّ"؛ ورُوِيَ عن أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ: "بِالغُدُوِّ"؛ بِغَيْرِ تاءٍ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "بِالغُدُواتِ والعَشِيّاتِ"؛ بِألِفٍ فِيهِما؛ عَلى الجَمْعِ؛ و"غُدْوَةٌ": مَعْرِفَةٌ؛ لِأنَّها جُعِلَتْ عَلَمًا لِوَقْتٍ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ بِعَيْنِهِ؛ وجازَ إدْخالُ الألِفِ واللامِ عَلَيْها؛ كَما حَكى أبُو زَيْدٍ: "لَقِيتُهُ فَيْنَةَ"؛ غَيْرَ مَصْرُوفٍ؛ و"اَلْفَيْنَةَ بَعْدَ الفَيْنَةِ"؛ فَألْحَقُوا لامَ المَعْرِفَةِ ما اسْتُعْمِلَ مَعْرِفَةً؛ وحَمْلًا عَلى ما حَكاهُ الخَلِيلُ أنَّهُ يُقالُ: "لَقِيتُهُ اليَوْمَ غَدْوَةً"؛ مُنَوَّنًا؛ ولِأنَّ فِيها مَعَ تَعْيِينِ اليَوْمِ إمْكانُ تَقْدِيرِ مَعْنى الشَياعِ؛ ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.

و"وَجْهَهُ"؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ مَعْناهُ: جِهَةَ التَزَلُّفِ إلَيْهِ؛ كَما تَقُولُ: "خَرَجَ فُلانٌ في وجْهِ كَذا"؛ أيْ: "فِي مَقْصِدٍ؛ وجِهَةٍ".

و ﴿ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ ؛ مَعْناهُ: لَمْ تُكَلَّفْ شَيْئًا غَيْرَ دُعائِهِمْ؛ فَتُقَدِّمَ أنْتَ وتُؤَخِّرَ؛ ويَظْهَرُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "حِسابِهِمْ"؛ و"عَلَيْهِمْ"؛ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ أرادُوا طَرْدَ المُؤْمِنِينَ؛ أيْ: "ما عَلَيْكَ مِنهُمْ؛ آمَنُوا أو كَفَرُوا؛ فَتَطْرُدَ هَؤُلاءِ رَعْيًا لِذَلِكَ"؛ والضَمِيرُ في "فَتَطْرُدَهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى الضَعَفَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّ ما بَعْدَ الفاءِ - أبَدًا - سَبَبُ ما قَبْلَها؛ وذَلِكَ لا يَبِينُ إذا كانَتِ الضَمائِرُ كُلُّها لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ الحِسابَ؛ هُنا؛ إنَّما هو في رِزْقِ الدُنْيا؛ أيْ: "لا تَرْزُقُهُمْ؛ ولا يَرْزُقُونَكَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَعَلى هَذا تَجِيءُ الضَمائِرُ كُلُّها لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ؛ وذَكَرَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ مِن حِسابِ عَمَلِهِمْ؛ كَما قالَ الجُمْهُورُ؛ و"مِن"؛ اَلْأُولى لِلتَّبْعِيضِ؛ والثانِيَةُ زائِدَةٌ؛ مُؤَكِّدَةٌ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "فَتَطْرُدَهُمْ"؛ ﴾ جَوابُ النَفْيِ في قَوْلِهِ: ﴿ "ما عَلَيْكَ"؛ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ "فَتَكُونَ"؛ ﴾ جَوابُ النَهْيِ في قَوْلِهِ: ﴿ "وَلا تَطْرُدِ"؛ ﴾ و ﴿ "مِنَ الظالِمِينَ"؛ ﴾ مَعْناهُ: "اَلَّذِينَ يَضَعُونَ الشَيْءَ غَيْرَ مَواضِعِهِ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "فَتَنّا"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ مَعْناهُ: اِبْتَلَيْنا؛ فابْتِلاءُ المُؤْمِنِينَ بِالمُشْرِكِينَ هو ما يَلْقَوْنَ مِنهم مِنَ الأذى؛ وابْتِلاءُ المُشْرِكِينَ بِالمُؤْمِنِينَ هو أنْ يَرى الرَجُلُ الشَرِيفُ مِنَ المُشْرِكِينَ قَوْمًا لا شَرَفَ لَهم قَدْ عَظَّمَهم هَذا الدِينُ؛ وجَعَلَ لَهم عِنْدَ نَبِيِّهِ قَدْرًا ومَنزِلَةً؛ والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ"؛ إلى ما ذُكِرَ مِن طَلَبِهِمْ أنْ يَطْرُدَ الضَعَفَةَ؛ و"لِيَقُولُوا"؛ مَعْناهُ: "لِيَصِيرَ بِحُكْمِ القَدَرِ أمْرُهم إلى أنْ يَقُولُوا..."؛ فَهي لامُ الصَيْرُورَةِ؛ كَما قالَ تَعالى ﴿ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا  ﴾ ؛ أيْ: لِيَصِيرَ مِثالُهُ أنْ يَكُونَ لَهم عَدُوًّا؛ وقَوْلُ المُشْرِكِينَ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ -: ﴿ أهَؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مَنَّ بَيْنِنا ﴾ ؛ هو عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ والهَزْءِ؛ ويَحْتَمِلُ الكَلامُ مَعْنًى آخَرَ؛ وهو أنْ تَكُونَ اللامُ في "لِيَقُولُوا"؛ عَلى بابِها في لامِ "كَيْ"؛ وتَكُونَ المَقالَةُ مِنهُمُ اسْتِفْهامًا لِأنْفُسِهِمْ؛ ومُباحَثَةً لَها؛ وتَكُونَ سَبَبَ إيمانِ مَن سَبَقَ إيمانُهُ مِنهُمْ؛ فَمَعْنى الآيَةِ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ -: "وَكَذَلِكَ ابْتَلَيْنا أشْرافَ الكُفّارِ بِضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ؛ لِيَتَعَجَّبُوا في نُفُوسِهِمْ مِن ذَلِكَ؛ ويَكُونَ سَبَبَ نَظَرٍ لِمَن هُدِيَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أسْبَقُ؛ والثانِي يُتَخَرَّجُ؛ و"مَنَّ"؛ عَلى كِلا التَأْوِيلَيْنِ إنَّما هي عَلى مُعْتَقَدِ المُؤْمِنِينَ؛ أيْ: "هَؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ؛ بِزَعْمِهِمْ أنَّ دِينَهم مِنَّةٌ".

وقَوْلُهُ: ﴿ ألَيْسَ اللهُ بِأعْلَمَ بِالشاكِرِينَ ﴾ ؛ أيْ: "يا أيُّها المُسْتَخِفُّونَ - أوِ المُتَعَجِّبُونَ؛ عَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ - لَيْسَ الأمْرُ أمْرَ اسْتِخْفافٍ؛ ولا تَعَجُّبٍ؛ فاللهُ تَعالى أعْلَمُ بِمَن يَشْكُرُ نِعْمَتَهُ؛ وبِالمَواضِعِ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يُوضَعَ فِيها؛ فَجاءَ إعْلامُهم بِذَلِكَ في لَفْظِ التَقْدِيرِ؛ إذْ ذَلِكَ بَيِّنٌ؛ لا تُمْكِنُهم فِيهِ مُعانَدَةٌ".

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِنَا فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُۥ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوٓءًۢا بِجَهَـٰلَةٍۢ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٥٤ وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ ٥٥

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَحْمَةَ أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مَن بَعْدِهِ وأصْلَحَ فَأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ ﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: "اَلَّذِينَ"؛ يُرادُ بِهِمُ القَوْمُ الَّذِينَ كانَ عُرِضَ طَرْدُهُمْ؛ فَنَهى اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - عن طَرْدِهِمْ؛ وشَفَعَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَ بِأنْ يُسَلِّمَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلَيْهِمْ؛ ويُؤْنِسَهم.

وقالَ عِكْرِمَةُ ؛ وعَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: "اَلَّذِينَ"؛ يُرادُ بِهِمُ القَوْمُ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ صَوَّبُوا رَأْيَ أبِي طالِبٍ في طَرْدِ الضَعَفَةِ؛ فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ؛ ويُعْلِمَهم أنَّ اللهَ تَعالى يَغْفِرُ لَهُمْ؛ مَعَ تَوْبَتِهِمْ مِن ذَلِكَ السُوءِ؛ وغَيْرِهِ.

وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن ماهانَ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ اسْتَفْتَوُا النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في ذُنُوبٍ سَلَفَتْ مِنهُمْ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهي - عَلى هَذا - تَعُمُّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ؛ دُونَ أنْ تُشِيرَ إلى فِرْقَةٍ.

وقالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: «قالَ قَوْمٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: إنّا قَدْ أصَبْنا ذُنُوبًا؛ فاسْتَغْفِرْ لَنا؛ فَأعْرَضَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عنهُمْ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.» وقَوْلُهُ: ﴿ "بِآياتِنا"؛ ﴾ يَعُمُّ آياتِ القُرْآنِ؛ وأيْضًا عَلاماتِ النُبُوَّةِ كُلَّها؛ و ﴿ "سَلامٌ عَلَيْكُمْ"؛ ﴾ اِبْتِداءٌ؛ والتَقْدِيرُ: "سَلامٌ ثابِتٌ - أو واجِبٌ - عَلَيْكُمْ"؛ والمَعْنى: "أمَنَةٌ لَكم مِن عَذابِ اللهِ تَعالى في الدُنْيا؛ والآخِرَةِ"؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "إنَّ اللهَ تَعالى يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مَعْنًى لا يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الآيَةِ؛ حَكاهُ المَهْدَوِيُّ؛ ولَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ؛ وهو في مَعْنى الدُعاءِ؛ وهَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي جازَ فِيها الِابْتِداءُ بِالنَكِرَةِ؛ إذْ قَدْ تَخَصَّصَتْ؛ و"كَتَبَ"؛ بِمَعْنى "أوجَبَ"؛ واللهُ تَعالى لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ عَقْلًا؛ إلّا إذا أعْلَمَنا أنَّهُ قَدْ حَتَّمَ بِشَيْءٍ ما؛ فَذَلِكَ الشَيْءُ واجِبٌ؛ وفي "أيْنَ هَذا الكِتابُ؟"؛ اِخْتِلافٌ؛ قِيلَ: في اللَوْحِ المَحْفُوظِ؛ وقِيلَ: في كِتابٍ غَيْرِهِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - في صَحِيحِ البُخارِيِّ: « "إنَّ اللهَ - تَبارَكَ وتَعالى - كَتَبَ كِتابًا - فَهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ -: إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي".» وَقَرَأ عاصِمٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ: "أنَّهُ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ في الأُولى؛ والثانِيَةِ؛ فَـ "أنَّهُ"؛ اَلْأُولى بَدَلٌ مِن "اَلرَّحْمَةَ"؛ و"أنَّهُ"؛ اَلثّانِيَةُ خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "فَأمْرُهُ أنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ"؛ هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ ؛ وقالَ أبُو حاتِمٍ: "فَأنَّهُ"؛ اِبْتِداءٌ؛ ولا يَجُوزُ هَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ وقالَ النَحّاسُ: هي عَطْفٌ عَلى الأُولى؛ وتَكْرِيرٌ لَها؛ لِطُولِ الكَلامِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ "مَن"؛ لا يَخْلُو أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً؛ بِمَعْنى: "اَلَّذِي"؛ فَتَحْتاجَ إلى خَبَرٍ؛ أو تَكُونَ شَرْطِيَّةً؛ فَتَحْتاجَ إلى جَوابٍ؛ وإذا جَعَلْنا "فَأنَّهُ"؛ تَكْرِيرًا لِلْأُولى؛ عَطْفًا عَلَيْها؛ بَقِيَ المُبْتَدَأُ بِلا خَبَرٍ؛ أوِ الشَرْطُ بِلا جَوابٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "إنَّهُ"؛ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ في الأُولى؛ والثانِيَةِ؛ وهَذا عَلى جِهَةِ التَفْسِيرِ لِـ "اَلرَّحْمَةَ"؛ في الأُولى؛ والقَطْعِ فِيها؛ وفي الثانِيَةِ: إمّا في مَوْضِعِ الخَبَرِ؛ أو مَوْضِعِ جَوابِ الشَرْطِ؛ وحُكْمُ ما بَعْدَ الفاءِ إنَّما هو الِابْتِداءُ؛ وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِ الأُولى؛ وكَسْرِ الثانِيَةِ؛ وهَذا عَلى أنْ أبْدَلَ مِن "اَلرَّحْمَةَ"؛ واسْتَأْنَفَ بَعْدَ الفاءِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِكَسْرِ الأُولى؛ وفَتْحِ الثانِيَةِ؛ حَكاهُ الزَهْراوِيُّ عَنِ الأعْرَجِ ؛ وأظُنُّهُ وهْمًا؛ لِأنَّ سِيبَوَيْهِ حَكاهُ عَنِ الأعْرَجِ مِثْلَ قِراءَةِ نافِعٍ ؛ وقالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: قِراءَةُ الأعْرَجِ ضِدُّ قِراءَةِ نافِعٍ.

والجَهالَةُ - في هَذا المَوْضِعِ - تَعُمُّ الَّتِي تُضادُّ العِلْمَ؛ والَّتِي تُشَبَّهُ بِها؛ وذَلِكَ أنَّ المُتَعَمِّدَ لِفِعْلِ الشَيْءِ الَّذِي قَدْ نُهِيَ عنهُ تَشْمَلُ مَعْصِيَتُهُ تِلْكَ جَهالَةً؛ إذْ قَدْ فَعَلَ ما يَفْعَلُهُ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ عِلْمٌ؛ قالَ مُجاهِدٌ: "مِنَ الجَهالَةِ ألّا يَعْلَمَ حَلالًا مِن حَرامٍ؛ ومِن جَهالَتِهِ أنْ يَرْكَبَ الأمْرَ"؛ ومِن هَذا الَّذِي لا يُضادُّ العِلْمَ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في اسْتِعاذَتِهِ: "أنْ أجْهَلَ؛ أو يُجْهَلَ عَلَيَّ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا ∗∗∗ فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا والجَهالَةُ المُشَبَّهَةُ لَيْسَتْ بِعُذْرٍ في الشَرْعِ جُمْلَةً؛ والجَهالَةُ الحَقِيقِيَّةُ يُعْذَرُ بِها في بَعْضِ ما يَخِفُّ مِنَ الذُنُوبِ؛ ولا يُعْذَرُ بِها في كَبِيرَةٍ.

و"اَلتَّوْبَةُ": اَلرُّجُوعُ؛ وصِحَّتُها مَشْرُوطَةٌ بِاسْتِدامَةِ الإصْلاحِ بَعْدَها في الشَيْءِ الَّذِي تِيبَ مِنهُ.

والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "وَكَذَلِكَ"؛ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ النَهْيِ عن طَرْدِ المُؤْمِنِينَ؛ وبَيانِ فَسادِ مَنزَعِ العارِضِينَ لِذَلِكَ؛ وتَفْصِيلُ الآياتِ: تَبْيِينُها؛ وشَرْحُها؛ وإظْهارُها؛ واللامُ في قَوْلِهِ: "وَلِتَسْتَبِينَ"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ فَصَّلْناها".

وقَرَأ نافِعٌ: "وَلِيَسْتَبِينَ"؛ بِالياءِ؛ أيِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ "سَبِيلَ"؛ بِالنَصْبِ؛ حَكاهُ مَكِّيٌّ في "اَلْمُشْكِلُ"؛ لَهُ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ"؛ بِرَفْعِ "اَلسَّبِيلُ"؛ وتَأْنِيثِها؛ وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَـهُ عنهُ -؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "وَلِيَسْتَبِينَ سَبِيلُ"؛ بِرَفْعِ "اَلسَّبِيلُ"؛ وتَذْكِيرِها؛ وعَرَبُ الحِجازِ تُؤَنِّثُ "اَلسَّبِيلُ"؛ وتَمِيمٌ وأهْلُ نَجْدٍ يُذَكِّرُونَها؛ وخُصَّ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أثارُوا ما تَقَدَّمَ مِنَ الأقْوالِ؛ وهم أهَمُّ في هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّها آياتُ رَدٍّ عَلَيْهِمْ؛ وأيْضًا فَتَبْيِينُ سَبِيلِهِمْ يَتَضَمَّنُ بَيانَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ؛ وتَأوَّلَ ابْنُ زَيْدٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ "المُجْرِمِينَ"؛ ﴾ يَعْنِي بِهِ الآمِرِينَ بِطَرْدِ الضَعَفَةِ.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۚ قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ ۙ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًۭا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ ٥٦ قُلْ إِنِّى عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَكَذَّبْتُم بِهِۦ ۚ مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦٓ ۚ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَـٰصِلِينَ ٥٧ قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦ لَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّـٰلِمِينَ ٥٨

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكم قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِن المُهْتَدِينَ ﴾ ﴿ قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وهو خَيْرُ الفاصِلِينَ ﴾ ﴿ قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكم واللهُ أعْلَمُ بِالظالِمِينَ ﴾ أمَرَ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى - نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُجاهِرَهم بِالتَبَرِّي مِمّا هم فِيهِ؛ و"أنْ أعْبُدَ"؛ هو بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ؛ والتَقْدِيرُ: "عن عِبادَةِ"؛ ثُمَّ حُذِفَ الجارُّ؛ فَتَسَلَّطَ الفِعْلُ؛ ثُمَّ وُضِعَ "أنْ أعْبُدَ"؛ مَوْضِعَ المَصْدَرِ؛ وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِـ "اَلَّذِينَ"؛ عَلى زَعْمِ الكُفّارِ؛ حِينَ أنْزَلُوها مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ؛ و"تَدْعُونَ"؛ مَعْناهُ: تَعْبُدُونَ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: تَدْعُونَ في أُمُورِكُمْ؛ وذَلِكَ مِن مَعْنى العِبادَةِ واعْتِقادِها آلِهَةً.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "قَدْ ضَلَلْتُ"؛ ﴾ بِفَتْحِ اللامِ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ ؛ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "ضَلِلْتُ"؛ بِكَسْرِها؛ وهُما لُغَتانِ؛ و"إذًا"؛ في هَذا المَوْضِعِ مُتَوَسِّطَةٌ؛ وما بَعْدَها مُعْتَمِدٌ عَلى ما قَبْلَها؛ فَهي غَيْرُ عامِلَةٍ؛ إلّا أنَّها تَتَضَمَّنُ مَعْنى الشَرْطِ؛ فَهي بِتَقْدِيرِ: "إنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ"؛ و"أهْواءَ": جَمْعُ "هَوًى"؛ وهو الإرادَةُ والمَحَبَّةُ في المُرْدِياتِ مِنَ الأُمُورِ؛ هَذا غالِبُ اسْتِعْمالِ الهَوى؛ وقَدْ تَقَدَّمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: هَذِهِ الآيَةُ تَمادٍ في إيضاحِ مُبايَنَتِهِ لَهُمْ؛ والمَعْنى: "قُلْ إنِّي عَلى أمْرٍ بَيِّنٍ"؛ فَحُذِفَ المَوْصُوفُ؛ ثُمَّ دَخَلَتْ هاءُ المُبالَغَةِ؛ كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ  ﴾ ؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ الهاءُ في "بَيِّنَةٍ"؛ مُجَرَّدَةً لِلتَّأْنِيثِ؛ ويَكُونَ بِمَعْنى البَيانِ؛ كَما قالَ: ﴿ وَيَحْيا مَن حَيَّ عن بَيِّنَةٍ  ﴾ ؛ والمُرادُ بِالآيَةِ: "إنِّي أيُّها المُكَذِّبُونَ؛ في اعْتِقادِي؛ ويَقِينِي؛ وما حَصَلَ في نَفْسِي مِنَ العِلْمِ؛ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي".

"وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما"؛ اَلضَّمِيرُ في "بِهِ"؛ عائِدٌ عَلى "بَيِّنٍ"؛ في تَقْدِيرِ هاءِ المُبالَغَةِ؛ أو عَلى "اَلْبَيانِ"؛ اَلَّتِي هي "بَيِّنَةٍ"؛ بِمَعْناهُ في التَأْوِيلِ الآخَرِ؛ أو عَلى الرَبِّ؛ وقِيلَ: عَلى القُرْآنِ؛ وهو - وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ جَلِيٌّ - فَإنَّهُ بَعْضُ البَيانِ الَّذِي مِنهُ حَصَلَ الِاعْتِقادُ واليَقِينُ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ فَيَصِحُّ عَوْدُ الضَمِيرِ عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أُمُورٌ أُخَرُ؛ غَيْرُ القُرْآنِ؛ وقَعَ لَهُ العِلْمُ أيْضًا مِن جِهَتِها؛ كَتَكْلِيمِ الحِجارَةِ لَهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ورُؤْيَتِهِ لِلْمَلَكِ قَبْلَ الوَحْيِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: اَلضَّمِيرُ في "بِهِ"؛ عائِدٌ عَلى "ما"؛ والمُرادُ بِها الآياتُ المُقْتَرَحَةُ - عَلى ما قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ -؛ وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِها العَذابُ؛ وهَذا يَتَرَجَّحُ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما مِن جِهَةِ المَعْنى؛ وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: "وَكَذَّبْتُمْ بِهِ"؛ يَتَضَمَّنُ أنَّكم واقَعْتُمْ ما تَسْتَوْجِبُونَ بِهِ العَذابَ؛ إلّا أنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي؛ والآخَرُ مِن جِهَةِ اللَفْظِ؛ وهو الِاسْتِعْجالُ الَّذِي لَمْ يَأْتِ في القُرْآنِ "اِسْتِعْجالُهُمْ"؛ إلّا لِلْعَذابِ؛ لِأنَّ اقْتِراحَهم بِالآياتِ لَمْ يَكُنْ بِاسْتِعْجالٍ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ ﴾ ؛ أيِ القَضاءُ والإنْفاذُ؛ "يَقُصُّ الحَقَّ"؛ أيْ يُخْبِرُ بِهِ؛ والمَعْنى: يَقُصُّ القَصَصَ الحَقَّ.

وهَذِهِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ؛ وعاصِمٍ ؛ ونافِعٍ ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ "يَقْضِ الحَقَّ"؛ أيْ: يُنْفِذُهُ؛ وتُرَجَّحُ هَذِهِ القِراءَةُ بِقَوْلِهِ: "اَلْفاصِلِينَ"؛ لِأنَّ الفَصْلَ مُناسِبٌ لِلْقَضاءِ؛ وقَدْ جاءَ أيْضًا الفَصْلَ والتَفْصِيلَ مَعَ القَصَصِ؛ وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "وَهُوَ أسْرَعُ الفاصِلِينَ"؛ قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: وقَرَأ عَبْدُ اللهِ ؛ وأُبَيٌّ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ وطَلْحَةُ ؛ والأعْمَشُ: "يَقْضِي بِالحَقِّ"؛ بِزِيادَةِ باءِ الجَرِّ؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "يَقْضِي الحَقَّ وهو خَيْرُ الفاصِلِينَ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المَعْنى: "لَوْ كانَ عِنْدِي الآياتُ المُقْتَرَحَةُ - أوِ العَذابُ؛ عَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ - لَقُضِيَ الأمْرُ"؛ أيْ: "لَوَقَعَ الِانْفِصالُ؛ وتَمَّ النِزاعُ؛ لِظُهُورِ الآيَةِ المُقْتَرَحَةِ؛ أو لِنُزُولِ العَذابِ"؛ بِحَسَبِ التَأْوِيلَيْنِ؛ وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّ المَعْنى: "لَقامَتِ القِيامَةُ"؛ ورَواهُ النَقّاشُ عن عِكْرِمَةَ ؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: مَعْنى "لَقُضِيَ الأمْرُ"؛ أيْ: لَذُبِحَ المَوْتُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ قائِلَهُ سَمِعَ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ  ﴾ ؛ وذَبْحُ المَوْتِ هُنا لائِقٌ؛ فَنَقَلَهُ إلى هَذا المَوْضِعِ دُونَ شَبَهٍ؛ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ إلى ابْنِ جُرَيْجٍ ؛ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِهَذِهِ السُورَةِ؛ والظَنُّ بِابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ إنَّما فَسَّرَ الَّذِي في يَوْمِ الحَسْرَةِ؛ ﴿ واللهُ أعْلَمُ بِالظالِمِينَ ﴾ ؛ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ والتَهْدِيدَ.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍۢ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍۢ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍۢ ٥٩ وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰٓ أَجَلٌۭ مُّسَمًّۭى ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٦٠

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلا هو ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكم ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ "مَفاتِحُ": جَمْعُ "مِفْتَحٌ"؛ وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ؛ عِبارَةٌ عَنِ التَوَصُّلِ إلى الغُيُوبِ؛ كَما يُتَوَصَّلُ في الشاهِدِ بِالمِفْتاحِ إلى المُغَيَّبِ عَنِ الإنْسانِ؛ ولَوْ كانَ جَمْعَ "مِفْتاحٌ"؛ لَقالَ: "مَفاتِيحُ"؛ ويَظْهَرُ أيْضًا أنَّ "مَفاتِحُ"؛ جَمْعُ "مَفْتَحٌ"؛ بِفَتْحِ المِيمِ؛ أيْ: مَواضِعُ تُفَتَّحُ عَنِ المُغَيَّباتِ؛ ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُ السُدِّيِّ ؛ وغَيْرِهِ: "مَفاتِحُ الغَيْبِ": خَزائِنُ الغَيْبِ؛ فَأمّا "مِفْتَحٌ"؛ بِالكَسْرِ؛ فَهو بِمَعْنى "مِفْتاحٌ"؛ وقالَ الزَهْراوِيُّ: و"مِفْتَحٌ"؛ أفْصَحُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرُهُ: اَلْإشارَةُ بَـ "مَفاتِحُ الغَيْبِ"؛ هي إلى الخَمْسَةِ الَّتِي في آخِرِ "لُقْمانَ": ﴿ إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ الساعَةِ  ﴾ ؛ اَلْآيَةِ؛ لِأنَّها تَعُمُّ جَمِيعَ الأشْياءِ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ بَعْدُ؛ ثُمَّ قَوّى البَيانَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَيَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ ﴾ ؛ تَنْبِيهًا عَلى أعْظَمِ المَخْلُوقاتِ المُجاوِرَةِ لِلْبَشَرِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "مِن ورَقَةٍ"؛ ﴾ عَلى حَقِيقَتِهِ في ورَقِ النَباتِ؛ و"مِن"؛ زائِدَةٌ؛ و ﴿ "إلا يَعْلَمُها"؛ ﴾ يُرِيدُ: عَلى الإطْلاقِ؛ وقَبْلَ السُقُوطِ؛ ومَعَهُ؛ وبَعْدَهُ؛ و ﴿ وَلا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ﴾ ؛ يُرِيدُ: في أشَدِّ حالِ التَغَيُّبِ؛ وهَذا كُلُّهُ - وإنْ كانَ داخِلًا في قَوْلِهِ: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ ﴾ ؛ عِنْدَ مَن رَآها في الخَمْسَةِ؛ وغَيْرِها - فَفِيهِ البَيانُ؛ والإيضاحُ؛ والتَنْبِيهُ عَلى مَواضِعِ العِبَرِ؛ أيْ: "إذا كانَتْ هَذِهِ المَحْقُوراتُ مَعْلُومَةً؛ فَغَيْرُها مِنَ الجَلائِلِ أحْرى".

﴿ وَلا رَطْبٍ ولا يابِسٍ ﴾ ؛ عُطِفَ عَلى اللَفْظِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ: "وَلا رَطْبٌ ولا يابِسٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ عَطْفًا عَلى المَوْضِعِ في "وَرَقَةٍ"؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: "وَما تَسْقُطُ ورَقَةٌ"؛ و ﴿ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ ؛ قِيلَ: يَعْنِي "كِتابًا"؛ عَلى الحَقِيقَةِ؛ ووَجْهُ الفائِدَةِ فِيهِ امْتِحانُ ما يَكْتُبُهُ الحَفَظَةُ؛ وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ الحَفَظَةَ يَرْفَعُونَ ما كَتَبُوهُ؛ ويُعارِضُونَهُ بِهَذا الكِتابِ المُشارِ إلَيْهِ؛ لِيَتَحَقَّقُوا صِحَّةَ ما كَتَبُوهُ؛ وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إلا في كِتابٍ ﴾ ؛ عِلْمُ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ وحَكى النَقّاشُ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَوْلًا: "إنَّ الوَرَقَةَ يُرادُ بِها السَقْطُ مِن أولادِ بَنِي آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ والحَبَّةَ يُرادُ بِها الَّذِي لَيْسَ يَسْقُطُ؛ والرَطْبَ يُرادُ بِهِ الحَيُّ؛ واليابِسَ يُرادُ بِهِ المَيْتُ".

وهَذا قَوْلٌ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ الرُمُوزِ؛ ولا يَصِحُّ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ ولا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَيْلِ ويَعْلَمُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ فِيها إيضاحُ الآياتِ المَنصُوبَةِ لِلنَّظَرِ؛ وفِيها ضَرْبُ مَثَلٍ لِلْبَعْثِ مِنَ القُبُورِ؛ أنَّ هَذا أيْضًا إماتَةٌ وبَعْثٌ عَلى نَحْوٍ ما.

والتَوَفِّي هو اسْتِيفاءُ عَدَدٍ؛ قالَ الشاعِرُ: إنَّ بَنِي الأدْرَمِ لَيْسُوا مِن أحَدْ ∗∗∗ ولا تَوَفّاهم قُرَيْشٌ في العَدَدْ وصارَتِ اللَفْظَةُ عُرْفًا في المَوْتِ؛ وهي في النَوْمِ عَلى بَعْضِ التَجَوُّزِ.

و"جَرَحْتُمْ" مَعْناهُ: كَسَبْتُمْ؛ ومِنهُ جَوارِحُ الصَيْدِ؛ أيْ: كَواسِبُهُ؛ ومِنهُ جَوارِحُ البَدَنِ؛ لِأنَّها كَواسِبُ النَفْسِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "جَرَحْتُمْ"؛ هُنا؛ مِن "اَلْجَرْحُ"؛ كَأنَّ الذَنْبَ جَرْحٌ في الدِينِ؛ والعَرَبُ تَقُولُ: "جَرْحُ اللِسانِ كَجَرْحِ اليَدِ"؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - أو سَلْمانَ - شَكَّ ابْنُ دِينارٍ - أنَّهُ قالَ: "إنَّ هَذِهِ الذُنُوبَ جِراحاتٌ؛ فَمِنها شَوًى؛ ومِنها مَقْتَلَةٌ؛ ألا وإنَّ الشِرْكَ بِاللهِ تَعالى مَقْتَلَةٌ".

و"يَبْعَثُكُمْ"؛ يُرِيدُ الإيقاظَ؛ فَفي "فِيهِ"؛ عائِدٌ عَلى النَهارِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وذَكَرَ النَوْمَ مَعَ اللَيْلِ؛ واليَقَظَةَ مَعَ النَهارِ؛ بِحَسَبِ الأغْلَبِ؛ وإنْ كانَ النَوْمُ يَقَعُ بِالنَهارِ؛ واليَقَظَةُ بِاللَيْلِ؛ فَنادِرٌ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى التَوَفِّي؛ أيْ: "يُوقِظُكم في التَوَفِّي"؛ أيْ: "فِي خِلالِهِ؛ وتَضاعِيفِهِ"؛ قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ ؛ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَيْلِ؛ وهَذا قَلَقٌ في اللَفْظِ؛ وهو في المَعْنى نَحْوٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ وأبُو رَجاءٍ: "لِيَقْضِيَ أجَلًا مُسَمًّى"؛ والمُرادُ بِالأجَلِ آجالُ بَنِي آدَمَ؛ ﴿ ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ﴾ ؛ يُرِيدُ: بِالبَعْثِ؛ والنُشُورِ؛ ﴿ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ ﴾ ؛ أيْ: يُعْلِمُكم إعْلامَ تَوْقِيفٍ؛ ومُحاسَبَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ٦١ ثُمَّ رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ ٱلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَـٰسِبِينَ ٦٢

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وهم لا يُفَرِّطُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إلى اللهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ألا لَهُ الحُكْمُ وهو أسْرَعُ الحاسِبِينَ ﴾ "اَلْقاهِرُ": إنْ أخَذَ صِفَةَ فِعْلٍ - أيْ مَظْهَرَ القَهْرِ بِالصَواعِقِ؛ والرِياحِ؛ والعَذابِ - فَيَصِحُّ أنْ يُجْعَلَ "فَوْقَ"؛ ظَرْفِيَّةً لِلْجِهَةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ إنَّما تَعاهَدَها العِبادُ مِن فَوْقِهِمْ؛ وإنْ أخَذَ "اَلْقاهِرُ"؛ صِفَةَ ذاتٍ - بِمَعْنى القُدْرَةِ؛ والِاسْتِيلاءِ - فَـ "فَوْقَ"؛ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْجِهَةِ؛ وإنَّما هي لِعُلُوِّ القَدْرِ؛ والشَأْنِ؛ عَلى حَدِّ ما تَقُولُ: "اَلْياقُوتُ فَوْقَ الحَدِيدِ".

﴿ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "يَبُثُّهم فِيكُمْ"؛ و"حَفَظَةً"؛ جَمْعُ "حافِظٌ"؛ مِثْلُ "كاتِبٌ"؛ و"كَتَبَةٌ"؛ والمُرادُ بِذَلِكَ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِكَتْبِ الأعْمالِ؛ ورُوِيَ أنَّهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمُ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "تَتَعاقَبُ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَهارِ"؛» وقالَهُ السُدِّيُّ ؛ وقَتادَةُ ؛ وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "حَفَظَةً يَحْفَظُونَ الإنْسانَ مِن كُلِّ شَيْءٍ؛ حَتّى يَأْتِيَ أجَلُهُ"؛ والأوَّلُ أظْهَرُ؛ وكُلُّهم - غَيْرَ حَمْزَةَ - قَرَأ: "تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا"؛ عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ الجَمْعِ؛ كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ  ﴾ ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ: "تَوَفّاهُ رُسُلُنا"؛ وحُجَّتُهُ أنَّ التَأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ؛ وظاهِرُ الفِعْلِ أنَّهُ ماضٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى "وَقالَ نِسْوَةٌ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: "تَتَوَفّاهُ"؛ فَتَكُونَ العَلامَةُ مُؤَنِّثَةً؛ وأمالَ حَمْزَةُ مِن حَيْثُ خَطُّ المُصْحَفِ بِغَيْرِ ألِفٍ؛ فَكَأنَّها إنَّما كُتِبَتْ عَلى الإمالَةِ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "يَتَوَفّاهُ رُسُلُنا"؛ بِزِيادَةِ ياءٍ في أوَّلِهِ؛ والتَذْكِيرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى "رُسُلُنا" يُرِيدُ بِهِ - عَلى ما ذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وجَمِيعُ أهْلِ التَأْوِيلِ - مَلائِكَةً مُقْتَرِنِينَ بِمَلَكِ المَوْتِ؛ يُعاوِنُونَهُ؛ ويَأْتَمِرُونَ لَهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لا يُفَرِّطُونَ"؛ بِالتَشْدِيدِ؛ وقَرَأ الأعْرَجُ: "يُفْرِطُونَ"؛ بِالتَخْفِيفِ؛ وَمَعْناهُ: "يُجاوِزُونَ الحَدَّ مِمّا أُمِرُوا بِهِ"؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: فَكَما أنَّ المَعْنى في قِراءَةِ العامَّةِ: "لا يُقَصِّرُونَ"؛ فَكَذَلِكَ هو في هَذِهِ: "لا يَزِيدُونَ عَلى ما أُمِرُوا بِهِ".

ورَجَعَ اللَفْظُ في قَوْلِهِ: "رُدُّوا"؛ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ؛ والضَمِيرُ في "رُدُّوا"؛ عائِدٌ عَلى المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ؛ ويَظْهَرُ أنْ يَعُودَ عَلى العِبادِ؛ فَهو إعْلامٌ بِرَدِّ الكُلِّ؛ وجاءَتِ المُخاطَبَةُ بِالكافِ في قَوْلِهِ: "عَلَيْكُمْ"؛ تَقْرِيبًا لِلْمَوْعِظَةِ مِن نُفُوسِ السامِعِينَ؛ و"مَوْلاهُمُ"؛ لَفْظٌ عامٌّ لِأنْواعِ الوَلايَةِ؛ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ اللهِ تَعالى ؛ وبَيْنَ عَبِيدِهِ؛ مِنَ الرِزْقِ؛ والنُصْرَةِ؛ والمُحاسَبَةِ؛ والمِلْكِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وقَوْلُهُ: "اَلْحَقِّ"؛ نَعْتٌ لِـ "مَوْلاهُمُ"؛ ومَعْناهُ: اَلَّذِي لَيْسَ بِباطِلٍ؛ ولا مَجازِيٍّ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ والأعْمَشُ: "اَلْحَقَّ"؛ بِالنَصْبِ؛ وهو عَلى المَدْحِ؛ ويَصِحُّ عَلى المَصْدَرِ.

﴿ ألا لَهُ الحُكْمُ ﴾ ؛ اِبْتِداءُ كَلامٍ مُضَمَّنُهُ التَنْبِيهُ؛ وهَزُّ نَفْسِ السامِعِ؛ و"اَلْحُكْمُ"؛ تَعْرِيفُهُ لِلْجِنْسِ؛ أيْ: "جَمِيعُ أنْواعِ التَصَرُّفاتِ في العِبادِ"؛ و ﴿ أسْرَعُ الحاسِبِينَ ﴾ ؛ مُتَوَجِّهٌ عَلى أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - حِسابُهُ لِعَبِيدِهِ صادِرٌ عن عِلْمِهِ بِهِمْ؛ فَلا يَحْتاجُ في ذَلِكَ إلى إعْدادٍ؛ ولا تَكَلُّفٍ؛ سُبْحانَهُ؛ لا رَبَّ غَيْرُهُ؛ وقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: كَيْفَ يُحاسِبُ اللهُ تَعالى العِبادَ في حالٍ واحِدَةٍ؟

قالَ: "كَما يَرْزُقُهم في حالٍ واحِدَةٍ في الدُنْيا".

<div class="verse-tafsir"

قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُۥ تَضَرُّعًۭا وَخُفْيَةًۭ لَّئِنْ أَنجَىٰنَا مِنْ هَـٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ ٦٣ قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍۢ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ ٦٤

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكم مَن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً لَئِنْ أنْجانا مَن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مَن الشاكِرِينَ ﴾ ﴿ قُلِ اللهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴾ هَذا تَمادٍ في تَوْبِيخِ العادِلِينَ بِاللهِ تَعالى الأوثانَ؛ وتَوْقِيفِهِمْ عَلى سُوءِ الفِعْلِ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ؛ وتَرْكِهِمُ الَّذِي يُنْجِي مِنَ المُهْلِكاتِ؛ ويُلْجَأُ إلَيْهِ في الشَدائِدِ.

و"مَن"؛ اِسْتِفْهامٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "مَن يُنَجِّيكُمْ"؛ "قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ"؛ بِتَشْدِيدِ الجِيمِ؛ وفَتْحِ النُونِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ؛ عنهُ؛ وحُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ؛ ويَعْقُوبَ: "يُنْجِيكُمْ"؛ بِتَخْفِيفِ الجِيمِ؛ وسُكُونِ النُونِ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ بِالتَشْدِيدِ في الأُولى؛ والتَخْفِيفِ في الثانِيَةِ؛ فَجَمَعُوا بَيْنَ التَعْدِيَةِ بِالألِفِ؛ والتَعْدِيَةِ بِالتَضْعِيفِ؛ كَما جاءَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا  ﴾ .

وَ ﴿ ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ﴾ ؛ يُرادُ بِهِ شَدائِدُها؛ فَهو لَفْظٌ عامٌّ؛ يَسْتَغْرِقُ ما كانَ مِنَ الشَدائِدِ بِظُلْمَةٍ حَقِيقِيَّةٍ؛ وما كانَ بِغَيْرِ ظُلْمَةٍ؛ والعَرَبُ تَقُولُ: "عامٌ أسْوَدُ"؛ و"يَوْمٌ مُظْلِمٌ"؛ و"يَوْمٌ ذُو كَواكِبَ"؛ ونَحْوَ هَذا؛ يُرِيدُونَ بِهِ الشِدَّةَ؛ قالَ قَتادَةُ: اَلْمَعْنى: "مِن كَرْبِ البَرِّ والبَحْرِ"؛ وقالَهُ الزَجّاجُ ؛ و"تَدْعُونَهُ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ و"تَضَرُّعًا"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ والعامِلُ فِيهِ "تَدْعُونَهُ"؛ والتَضَرُّعُ صِفَةٌ بادِيَةٌ عَلى الإنْسانِ؛ و"وَخُفْيَةً"؛ مَعْناهُ: اَلِاخْتِفاءُ؛ والسِرُّ؛ فَكَأنَّ نَسَقَ القَوْلِ: "تَدْعُونَهُ جَهْرًا؛ وسِرًّا"؛ هَذِهِ العِبارَةُ بِمَعانٍ زائِدَةٍ.

وقَرَأ الجَمِيعُ - غَيْرَ عاصِمٍ -: "وَخُفْيَةً"؛ بِضَمِّ الخاءِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "وَخِفْيَةً"؛ بِكَسْرِ الخاءِ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَخِيفَةً"؛ مِن "اَلْخَوْفُ"؛ وقَرَأ الحِجازِيُّونَ؛ وأهْلُ الشامِ: "أنْجَيْتَنا"؛ وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: "أنْجانا"؛ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ؛ وأمالَ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ الجِيمَ؛ و"مِنَ الشاكِرِينَ"؛ أيْ: عَلى الحَقِيقَةِ؛ والشُكْرُ عَلى الحَقِيقَةِ يَتَضَمَّنُ الإيمانَ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ - في قَوْلِهِ: "ظُلُماتِ" - أنَّهُ ضَلالُ الطُرُقِ في الظُلُماتِ؛ ونَحْوُهُ؛ وحَكى السُدِّيُّ أنَّهُ ظَلامُ اللَيْلِ؛ والغَيْمِ؛ والبَحْرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَخْصِيصُ كُلُّهُ لا وجْهَ لَهُ؛ وإنَّما هو لَفْظٌ عامٌّ لِأنْواعِ الشَدائِدِ في المَعْنى؛ وخُصَّ لَفْظُ "اَلظُّلُماتِ"؛ بِالذِكْرِ؛ لِما تَقَرَّرَ في النُفُوسِ مِن هَوْلِ الظُلْمَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ ﴾ ؛ سَبَقَ في المُجادَلَةِ إلى الجَوابِ؛ إذْ لا مَحِيدَ عنهُ؛ ﴿ وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ﴾ ؛ لَفْظٌ عامٌّ أيْضًا؛ لِيَتَّضِحَ العُمُومُ الَّذِي في الظُلُماتِ؛ ويَصِحُّ أنْ يُتَأوَّلَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ﴾ ؛ تَخْصِيصُ الظُلُماتِ قَبْلُ؛ ونُصَّ عَلَيْها لِهَوْلِها؛ وعُطِفَ في هَذا المَوْضِعِ بِـ "ثُمَّ"؛ لِلْمُهْلَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ قُبْحَ فِعْلِهِمْ؛ أيْ: "ثُمَّ بَعْدَ مَعْرِفَتِكم بِهَذا كُلِّهِ وتَحَقُّقِهِ بِهِ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ".

<div class="verse-tafsir"

قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًۭا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًۭا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ٦٥ وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ ۚ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍۢ ٦٦ لِّكُلِّ نَبَإٍۢ مُّسْتَقَرٌّۭ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ٦٧

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أو مِن تَحْتِ أرْجُلِكم أو يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ ﴾ ﴿ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ ﴾ ﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ هَذا إخْبارٌ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ؛ والأظْهَرُ مِن نَسَقِ الآياتِ أنَّ هَذا الخِطابَ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ؛ وهو مَذْهَبُ الطَبَرِيِّ ؛ وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؛ وأبُو العالِيَةِ ؛ وجَماعَةٌ مَعَهُما: هي لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وهُمُ المُرادُ؛ قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: هي أرْبَعُ خِلالٍ؛ وكُلُّهُنَّ عَذابٌ؛ وكُلُّهُنَّ واقِعٌ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ؛ فَمَضَتِ اثْنَتانِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِخَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً؛ ثُمَّ لُبِسُوا شِيَعًا؛ وأُذِيقَ بَعْضُهم بِأْسَ بَعْضٍ؛ واثْنَتانِ واقِعَتانِ لا مَحالَةَ: اَلْخَسْفُ والرَجْمُ؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: بَعْضُها لِلْكُفّارِ؛ وبَعْضُها لِلْمُؤْمِنِينَ؛ بَعْثُ العَذابِ مِن فَوْقُ؛ وتَحْتُ؛ لِلْكُفّارِ؛ وسائِرُها لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وهَذا الِاخْتِلافُ إنَّما هو بِحَسَبِ ما يَظْهَرُ مِن أنَّ الآيَةَ تَتَناوَلُ مَعانِيها المُشْرِكِينَ؛ والمُؤْمِنِينَ.

ورُوِيَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ ؛ وخالِدٍ الخُزاعِيِّ؛ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكُمْ ﴾ ؛ قالَ: "أعُوذُ بِوَجْهِكَ"؛ فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿ أو مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ ﴾ ؛ قالَ: "أعُوذُ بِوَجْهِكَ"؛ فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿ أو يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ ؛ قالَ: "هَذِهِ أهْوَنُ"؛ أو: "هَذِهِ أيْسَرُ"؛» فاحْتَجَّ بِهَذا مَن قالَ إنَّها نَزَلَتْ في المُؤْمِنِينَ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: وغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أنْ يَكُونُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَعَوَّذَ لِأُمَّتِهِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي تُوُعِّدَ بِها الكُفّارُ؛ وهَوَّنَ الثالِثَةَ لِأنَّها بِالمَعْنى هي الَّتِي دَعا بِها - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَمُنِعَ؛ حَسَبَ حَدِيثِ المُوَطَّإ وغَيْرِهِ؛ وقَدْ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: إنَّها أسْوَأُ الثَلاثِ؛ وهَذا عِنْدِي عَلى جِهَةِ الإغْلاظِ في المَوْعِظَةِ؛ والحَقُّ أنَّها أيْسَرُها؛ كَما قالَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

ومِن فَوْقِكم ومِن تَحْتِ أرْجُلِكم ؛ لَفْظٌ عامٌّ لِلْمُنْطَبِقَيْنِ عَلى الإنْسانِ؛ وقالَ السُدِّيُّ عن أبِي مالِكٍ: ﴿ مِن فَوْقِكُمْ ﴾ : اَلرَّجْمُ؛ و ﴿ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ ﴾ : اَلْخَسْفُ؛ وقالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: ﴿ مِن فَوْقِكُمْ ﴾ : وُلاةُ الجَوْرِ؛ و ﴿ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ ﴾ ؛ سِفْلَةُ السُوءِ؛ وخَدَمَةُ السُوءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ كُلُّها أمْثِلَةٌ؛ لا أنَّها هي المَقْصُودُ؛ إذْ هي وغَيْرُها مِنَ القُحُوطِ والغَرَقِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ داخِلٌ في عُمُومِ اللَفْظِ.

و"يَلْبِسَكُمْ"؛ عَلى قِراءَةِ السِتَّةِ؛ مَعْناهُ: "يَخْلِطَكُمْ"؛ "شِيَعًا"؛ فِرَقًا؛ يَتَشَيَّعُ بَعْضُها لِبَعْضٍ؛ واللَبْسُ: اَلْخَلْطُ؛ وقالَ المُفَسِّرُونَ: هو افْتِراقُ الأهْواءِ؛ والقِتالُ بَيْنَ الأُمَّةِ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ اللهِ المَدَنِيُّ: "يُلْبِسَكُمْ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ مِن "ألْبَسَ"؛ فَهو عَلى هَذِهِ اسْتِعارَةٌ مِن "اَللِّباسُ"؛ فالمَعْنى: "أو يُلْبِسَكُمُ الفِتْنَةَ شِيَعًا"؛ و"شِيَعًا"؛ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ؛ وقَدْ قالَ الشاعِرُ: لَبِسْتُ أُناسًا فَأفْنَيْتُهم ∗∗∗...............

فَهَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ الخُلْطَةِ؛ والمُقاساةِ؛ وإلْباسِ القَتْلِ؛ وما أشْبَهَهُ مِنَ المَكارِهِ.

"وَيُذِيقَ"؛ اِسْتِعارَةٌ؛ إذْ هي مِن أجَلِّ حَواسِّ الِاخْتِبارِ؛ وهي اسْتِعارَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ في كَثِيرٍ مِن كَلامِ العَرَبِ؛ وفي القُرْآنِ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَنُذِيقَ"؛ بِنُونِ الجَماعَةِ؛ وهي نُونُ العَظَمَةِ في جِهَةِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وتَقُولُ: "أذَقْتُ فُلانًا العَلْقَمَ"؛ تُرِيدُ كَراهِيَةَ شَيْءٍ صَنَعْتَهُ بِهِ؛ ونَحْوَ هَذا.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ اِسْتِرْجاعٌ لَهُمْ؛ وإنْ كانَ لَفْظُها لَفْظَ تَعْجِيبٍ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَمُضَمَّنُها أنَّ هَذِهِ الآياتِ والدَلائِلَ إنَّما هي لِاسْتِصْرافِهِمْ عن طَرِيقِ غَيِّهِمْ؛ و"اَلْفَقْهُ": اَلْفَهْمُ.

والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ عائِدُ عَلى القُرْآنِ الَّذِي فِيهِ جاءَ تَصْرِيفُ الآياتِ؛ قالَهُ السُدِّيُّ ؛ وهَذا هو الظاهِرُ؛ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهَذا بَعِيدٌ؛ لِقُرْبِ مُخاطَبَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِالكافِ في قَوْلِهِ: "قَوْمُكَ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى الوَعِيدِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ؛ ونَحا إلَيْهِ الطَبَرِيُّ ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَكَذَّبَتْ بِهِ قَوْمُكَ"؛ بِزِيادَةِ تاءٍ؛ و"بِوَكِيلٍ"؛ مَعْناهُ: بِمَدْفُوعٍ إلى أخْذِكم بِالإيمانِ؛ والهُدى؛ و"اَلْوَكِيلُ"؛ بِمَعْنى: "اَلْحَفِيظُ"؛ وهَذا كانَ قَبْلَ نُزُولِ الجِهادِ والأمْرِ بِالقِتالِ؛ ثُمَّ نُسِخَ؛ وقِيلَ: لا نَسْخَ في هَذا؛ إذْ هو خَبَرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والنَسْخُ فِيهِ مُتَوَجَّهٌ؛ لِأنَّ اللازِمَ مِنَ اللَفْظِ: "لَسْتَ الآنَ"؛ ولَيْسَ فِيهِ أنَّهُ لا يَكُونُ في المُسْتَأْنَفِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ﴾ ؛ أيْ غايَةٌ؛ يُعْرَفُ عِنْدَها صِدْقُهُ مِن كَذِبِهِ؛ ﴿ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ ؛ تَهْدِيدٌ مَحْضٌ؛ ووَعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٦٨ وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍۢ وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ٦٩

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عنهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِكْرى مَعَ القَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ولَكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ لَفْظُ هَذا الخِطابِ مُجَرَّدٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وحْدَهُ؛ واخْتُلِفَ في مَعْناهُ؛ فَقِيلَ: إنَّ المُؤْمِنِينَ داخِلُونَ في الخِطابِ مَعَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو الصَحِيحُ؛ لِأنَّ عِلَّةَ النَهْيِ - وهي سَماعُ الخَوْضِ في آياتِ اللهِ تَعالى - تَشْمَلُهم وإيّاهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقِيلَ: بَلِ المَعْنى أيْضًا أُرِيدَ بِهِ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وحْدَهُ؛ لِأنَّ قِيامَهُ عَنِ المُشْرِكِينَ كانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ؛ وفِراقَهُ لَهم عَلى مُغاضَبَةٍ؛ وإنْ لَمْ يَكُنِ المُؤْمِنُونَ عِنْدَهم كَذَلِكَ؛ فَأُمِرَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُنابِذَهم بِالقِيامِ عنهم إذا اسْتَهْزَؤُوا وخاضُوا؛ لِيَتَأدَّبُوا بِذَلِكَ؛ ويَدَعُوا الخَوْضَ والِاسْتِهْزاءَ؛ وهَذا التَأْوِيلُ يَتَرَكَّبُ عَلى كَلامِ ابْنِ جَرِيرٍ - يَرْحَمُهُ اللهُ.

والخَوْضُ أصْلُهُ في الماءِ؛ ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ بَعْدُ في غَمَراتِ الأشْياءِ الَّتِي هي مَجاهِلُ؛ تَشْبِيهًا بِغَمَراتِ الماءِ.

"وَإمّا": شَرْطٌ؛ وتَلْزَمُها النُونُ الثَقِيلَةُ في الأغْلَبِ؛ وقَدْ لا تَلْزَمُ؛ كَما قالَ: إمّا يُصِبْكَ عَدُوٌّ في مُناوَأةٍ ∗∗∗................

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ "يُنَسِّيَنَّكَ"؛ بِتَشْدِيدِ السِينِ؛ وفَتْحِ النُونِ؛ والمَعْنى واحِدٌ؛ إلّا أنَّ التَشْدِيدَ أكْثَرُ مُبالَغَةً.

والذِكْرى؛ والذِكْرُ واحِدٌ في المَعْنى؛ وإنَّما هو تَأْنِيثٌ لَفْظِيٌّ؛ ووَصْفُهم هُنا بِـ "اَلظّالِمِينَ"؛ مُتَمَكِّنٌ؛ لِأنَّهم وضَعُوا الشَيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ و"أعْرِضْ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى المُفارَقَةِ؛ عَلى حَقِيقَةِ الإعْراضِ؛ وأكْمَلِ وُجُوهِهِ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ: "فَلا تَقْعُدْ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المُرادُ بِـ "اَلَّذِينَ"؛ هُمُ المُؤْمِنُونَ؛ والضَمِيرُ في "حِسابِهِمْ"؛ عائِدٌ عَلى "اَلَّذِينَ يَخُوضُونَ"؛ ومَن قالَ: إنَّ المُؤْمِنِينَ داخِلُونَ في قَوْلِهِ: "فَأعْرِضْ"؛ قالَ: إنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - داخِلٌ في هَذا القَصْدِ بِـ "اَلَّذِينَ يَتَّقُونَ"؛ والمَعْنى عِنْدَهم - عَلى ما رُوِيَ - أنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا - لَمّا نَزَلَتْ: "فَلا تَقْعُدْ" - مَعَهُمْ: "إذا كُنّا لا نَقْرَبُ المُشْرِكِينَ؛ ولا نَسْمَعُ أقْوالَهُمْ؛ فَما يُمْكِنُنا طَوافٌ؛ ولا قَضاءُ عِبادَةٍ في الحَرَمِ"؛ فَنَزَلَتْ لِذَلِكَ: ﴿ وَما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالإباحَةُ في هَذا هي في القَدْرِ الَّذِي يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ التَصَرُّفِ بَيْنَ المُشْرِكِينَ؛ في عِبادَةٍ؛ ونَحْوِها؛ وقالَ بَعْضُ مَن يَقُولُ: "إنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - داخِلٌ فِي: ﴿ الَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ ؛ وإنَّ المُؤْمِنِينَ داخِلُونَ في الخِطابِ الأوَّلِ": إنَّ هَذِهِ الآيَةَ الأخِيرَةَ لَيْسَتْ إباحَةً بِوَجْهٍ؛ وإنَّما مَعْناها: "لا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ؛ ولا تَقْرَبُوهُمْ؛ حَتّى لا تَسْمَعُوا اسْتِهْزاءَهُمْ؛ وخَوْضَهُمْ؛ ولَيْسَ نَهْيُكم عَنِ القُعُودِ لِأنَّ عَلَيْكم شَيْئًا مِن حِسابِهِمْ؛ وإنَّما هو ذِكْرى لَكُمْ"؛ ويَحْتَمِلُ المَعْنى أنْ يَكُونَ لَهُمْ: "لَعَلَّهم إذا جانَبْتُمُوهم يَتَّقُونَ بِالإمْساكِ عَنِ الاسْتِهْزاءِ"؛ وأمّا مَن قالَ: "إنَّ الخِطابَ الأوَّلَ هو مُجَرَّدٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِثِقَلِ مُفارَقَتِهِ مُغْضَبًا عَلى الكُفّارِ"؛ فَإنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ الثانِيَةِ: إنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالمُؤْمِنِينَ؛ ومَعْناها الإباحَةُ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "فَلا تَقْعُدْ مَعَهم يا مُحَمَّدُ؛ وأمّا المُؤْمِنُونَ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِمْ مِن حِسابِهِمْ؛ فَإنْ قَعَدُوا فَلْيُذَكِّرُوهم لَعَلَّهم يَتَّقُونَ اللهَ تَعالى في تَرْكِ ما هم فِيهِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا القَوْلُ أشارَ إلَيْهِ النَقّاشُ ؛ ولَمْ يُوَضِّحْهُ؛ وفِيهِ عِنْدِي نَظَرٌ؛ وقالَ قائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ: إنَّ هَذِهِ الإباحَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ نُسِخَتْ بِآيَةِ "اَلنِّساءِ"؛ قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ  ﴾ ؛ وكَذَلِكَ أيْضًا مَن قالَ أوَّلًا: "إنَّ الإباحَةَ كانَتْ بِحَسَبِ العِباداتِ"؛ يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي في "اَلنِّساءِ" ناسِخَةٌ لِذَلِكَ؛ إذْ هي مَدَنِيَّةٌ؛ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "وَقَدْ نَزَّلَ"؛ إلَيْها بِنَفْسِها؛ فَتَأمَّلْهُ؛ وإلّا فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ الناسِخُ غَيْرَها؛ و"ذِكْرى"؛ عَلى هَذا القَوْلِ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: "ذَكِّرُوهم ذِكْرى"؛ ويُحْتَمَلُ: "وَلَكِنْ أعْرِضُوا مَتى أعْرَضْتُمْ في غَيْرِ وقْتِ العِبادَةِ ذِكْرى"؛ و"ذِكْرى"؛ عَلى كُلِّ قَوْلٍ؛ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ بِإضْمارِ فِعْلٍ؛ أو رَفْعٍ بِإضْمارِ مُبْتَدَإٍ.

ويَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَمْتَثِلَ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ مَعَ المُلْحِدِينَ؛ وأهْلِ الجِدالِ والخَوْضِ فِيهِ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي جَعْفَرٍ أنَّهُ قالَ: "لا تُجالِسُوا أهْلَ الخُصُوماتِ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِ اللهِ تَعالى ".

<div class="verse-tafsir"

وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَعِبًۭا وَلَهْوًۭا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِۦٓ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌۢ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِىٌّۭ وَلَا شَفِيعٌۭ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍۢ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَآ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُوا۟ بِمَا كَسَبُوا۟ ۖ لَهُمْ شَرَابٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ ٧٠

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ وإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ هَذا أمْرٌ بِالمُتارَكَةِ؛ وكانَ ذَلِكَ بِحَسَبِ قِلَّةِ أتْباعِ الإسْلامِ حِينَئِذٍ؛ قالَ قَتادَةُ: ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ؛ وما جَرى مُجْراهُ بِالقِتالِ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْآيَةُ إنَّما هي لِلتَّهْدِيدِ؛ والوَعِيدِ؛ فَهي كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا  ﴾ ؛ ولَيْسَ فِيها نَسْخٌ لِأنَّها مُتَضَمِّنَةٌ خَبَرًا؛ وهو التَهْدِيدُ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ لَعِبًا ولَهْوًا ﴾ ؛ يُرِيدُ: "إذْ يَعْتَقِدُونَ أنْ لا بَعْثَ؛ فَهم يَتَصَرَّفُونَ بِشَهَواتِهِمْ تَصَرُّفَ اللاعِبِ اللاهِي".

﴿ وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا ﴾ ؛ أيْ: خَدَعَتْهُمْ؛ مِن "اَلْغُرُورُ"؛ وهو الإطْماعُ بِما لا يُتَحَصَّلُ؛ فاغْتَرُّوا بِنِعَمِ اللهِ تَعالى ورِزْقِهِ؛ وإمْهالِهِ؛ وطَمَعُهم ذَلِكَ فِيما لا يُتَحَصَّلُ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُتَخَرَّجُ في "غَرَّتْهُمُ"؛ هُنا؛ وجْهٌ آخَرُ؛ مِن "اَلْغَرُورُ"؛ بِفَتْحِ الغَيْنِ؛ أيْ: "مَلَأْتُ أفْواهَهُمْ؛ وأشْبَعْتُهُمْ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولَمّا التَقَيْنا بِالحُلَيْبَةِ غَرَّنِي ∗∗∗ بِمَعْرُوفِهِ حَتّى خَرَجْتُ أفُوقُ ومِنهُ: "غَرَّ الطائِرُ فَرْخَهُ"؛ ولا يُتَّجَهُ هَذا المَعْنى في تَفْسِيرِ "غَرَّ"؛ في كُلِّ مَوْضِعٍ.

وأضافَ الدِينَ إلَيْهِمْ؛ عَلى مَعْنى أنَّهم جَعَلُوا اللَعِبَ واللهْوَ دِينًا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "اِتَّخَذُوا دِينَهُمُ؛ الَّذِي كانَ يَنْبَغِي لَهُمْ؛ لَعِبًا ولَهْوًا"؛ والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ عائِدٌ عَلى الدِينِ؛ وقِيلَ: عَلى القُرْآنِ.

وَ"أنْ تُبْسَلَ"؛ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ؛ أيْ: "لِئَلّا تُبْسَلَ؛ أو كَراهِيَةَ أنْ تُبْسَلَ؛ ومَعْناهُ: "تُسْلَمَ"؛ قالَ الحَسَنُ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ وقالَ قَتادَةُ: "تُحْبَسَ؛ وتُرْتَهَنَ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "تُفْضَحَ"؛ وقالَ الكَلْبِيُّ ؛ وابْنُ زَيْدٍ: "تُجْزى"؛ وهَذِهِ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ بِالمَعْنى؛ ومِنهُ قَوْلُ الشَنْفَرى: هُنالِكَ لا أرْجُو حَياةً تَسُرُّنِي ∗∗∗ ∗∗∗ سَمِيرَ اللَيالِي مُبْسَلًا بِالجَرائِرِ وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو مَأْخُوذٌ مِن "اَلْبَسْلُ"؛ أيْ مِن "اَلْحَرامُ"؛ كَما قالَ الشاعِرُ: بَكَرَتْ تَلُومُكَ بَعْدَ وهْنٍ في النَدى ∗∗∗ ∗∗∗ بَسْلٌ عَلَيْكِ مَلامَتِي وعِتابِي قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا بَعِيدٌ.

و"نَفْسٌ"؛ تَدُلُّ عَلى الجِنْسِ؛ ومَعْنى الآيَةِ: "وَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ؛ والدِينِ؛ وادْعُ إلَيْهِ؛ لِئَلّا تُبْسَلَ نَفْسُ التارِكِ لِلْإيمانِ بِما كَسَبَتْ مِنَ الكُفْرِ؛ وآثَرَتْهُ مِن رَفْضِ الإسْلامِ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللهِ ﴾ ؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ و"مِن"؛ لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ زائِدَةً؛ و"دُونِ"؛ ظَرْفُ مَكانٍ؛ وهي لَفْظَةٌ تُقالُ بِاشْتِراكٍ؛ وهي - في هَذِهِ الآيَةِ - الدالَّةُ عَلى زَوالِ مَن أُضِيفَتْ إلَيْهِ مِن نازِلَةِ القَوْلِ؛ كَما في المَثَلِ: "وَأُمِرَّ دُونَ عُبَيْدَةَ الوَذَمُ".

والوَلِيُّ؛ والشَفِيعُ هُما طَرِيقا الحِمايَةِ والغَوْثِ في جَمِيعِ الأُمُورِ؛ ﴿ وَإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ ﴾ ؛ أيْ: "وَإنْ تُعْطِ كُلَّ فِدْيَةٍ؛ وإنْ عَظُمَتْ؛ فَتَجْعَلْها عَدْلًا لَها؛ لا يُقْبَلْ مِنها"؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن قائِلٍ: إنَّ المَعْنى: "وَإنْ تَعْدِلْ": مِن "اَلْعَدْلُ"؛ اَلْمُضادِّ لِلْجَوْرِ؛ ورَدَّ عَلَيْهِ؛ وضَعَّفَهُ بِالإجْماعِ عَلى أنَّ تَوْبَةَ الكافِرِ مَقْبُولَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا يَلْزَمُ هَذا الرَدُّ؛ لِأنَّ الأمْرَ إنَّما هو يَوْمَ القِيامَةِ؛ ولا تُقْبَلُ فِيهِ تَوْبَةٌ؛ ولا عَمَلٌ؛ والقَوْلُ نَصٌّ لِأبِي عُبَيْدَةَ ؛ و"اَلْعِدْلُ"؛ في اللُغَةِ مُماثِلُ الشَيْءِ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ؛ وقِيلَ: "اَلْعِدْلُ"؛ بِالكَسْرِ: اَلْمِثْلُ؛ و"اَلْعَدْلُ"؛ بِالفَتْحِ: اَلْقِيمَةُ؛ و"أُولَئِكَ"؛ إشارَةٌ إلى الجِنْسِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: "تُبْسَلَ نَفْسٌ"؛ و"أُبْسِلُوا"؛ مَعْناهُ: أُسْلِمُوا بِما اجْتَرَحُوهُ مِنَ الكُفْرِ؛ والحَمِيمُ: اَلْماءُ الحارُّ؛ ومِنهُ "اَلْحَمّامُ"؛ و"اَلْحَمَّةُ"؛ ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: .................

∗∗∗ ∗∗∗ إلّا الحَمِيمَ فَإنَّهُ يَتَبَصَّعُ و"ألِيمٌ": "فَعِيلٌ"؛ بِمَعْنى "مُفْعِلٌ"؛ أيْ: "مُؤْلِمٌ".

<div class="verse-tafsir"

قُلْ أَنَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ فِى ٱلْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُۥٓ أَصْحَـٰبٌۭ يَدْعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٧١

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللهِ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَياطِينُ في الأرْضِ حَيْرانَ لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا قُلْ إنَّ هُدى اللهِ هو الهُدى وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ اَلْمَعْنى: "قُلْ في احْتِجاجِكَ: أنْطِيعَ رَأْيَكم في أنْ نَدْعُوَ مِن دُونِ اللهِ...؟"؛ والدُعاءُ يَعُمُّ العِبادَةَ وغَيْرَها؛ لِأنَّ مَن جَعَلَ شَيْئًا مَوْضِعَ دُعائِهِ؛ فَإيّاهُ يَعْبُدُ؛ وعَلَيْهِ يَتَّكِلُ.

﴿ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ﴾ ؛ يَعْنِي الأصْنامَ؛ إذْ هي جَماداتٌ؛ حِجارَةٌ؛ وخَشَبٌ؛ ونَحْوُهُ؛ وضَرَرُ الأصْنامِ في الدِينِ لا يَفْهَمُهُ الكُفّارُ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ "وَلا يَضُرُّنا"؛ ﴾ إنَّما الضَرَرُ الَّذِي يَفْهَمُونَهُ مِن نُزُولِ المَكارِهِ الدُنْيَوِيَّةِ.

ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا ؛ تَشْبِيهٌ؛ وذَلِكَ أنَّ المَرْدُودَ عَلى العَقِبِ هو أنْ يَكُونَ الإنْسانُ يَمْشِي قُدُمًا - وهي المِشْيَةُ الجَيِّدَةُ -؛ فَيُرَدُّ يَمْشِي القَهْقَرى - وهي المِشْيَةُ الدَنِيَّةُ -؛ فاسْتُعْمِلَ المَثَلُ بِها فِيمَن رَجَعَ مِن خَيْرٍ إلى شَرٍّ؛ ووَقَعَتْ في هَذِهِ الآيَةِ؛ في تَمْثِيلِ الراجِعِ مِنَ الهُدى إلى عِبادَةِ الأصْنامِ؛ و"هَدانا"؛ بِمَعْنى: أرْشَدَنا؛ قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: اَلرَّدُّ عَلى العَقِبِ يُسْتَعْمَلُ فِيمَن أمَّلَ أمْرًا؛ فَخابَ أمَلُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ قَلِقٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَياطِينُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "رَدًّا كَرَدِّ الَّذِي..."؛ و"اِسْتَهْوَتْهُ": "اِسْتَفْعَلَتْهُ"؛ بِمَعْنى: "اِسْتَدْعَتْ هَواهُ؛ وأمالَتْهُ"؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ويُحْتَمَلُ هُوِيُّهُ؛ وهو جِدُّهُ؛ ورُكُوبُ رَأْسِهِ في النُزُوعِ إلَيْهِمْ؛ و"اَلْهَوى" - مِن "هَوى؛ يَهْوِي" - يُسْتَعْمَلُ في السُقُوطِ مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: هَوى ابْنِي مِن ذُرى شَرَفٍ ∗∗∗ فَزَلَّتْ رِجْلُهُ ويَدُهْ وهَذا المَعْنى لا مَدْخَلَ لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا أنْ تُتَأوَّلَ اللَفْظَةُ بِمَعْنى: "ألْقَتْهُ الشَياطِينُ في هُوَّةٍ"؛ وقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ ؛ وقالَ: هو بِمَعْنى: "أهْوى"؛ كَما أنَّ "اِسْتَزَلَّ"؛ بِمَعْنى: "أزَلَّ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والتَحْرِيرُ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "هَوى"؛ و"أهْواهُ غَيْرُهُ"؛ و"اِسْتَهْواهُ"؛ بِمَعْنى: "طَلَبِ مِنهُ أنْ يَهْوِيَ هُوَ"؛ أو: "طَلَبَ مِنهُ أنْ يُهْوِيَ شَيْئًا"؛ ويُسْتَعْمَلُ الهَوى أيْضًا في رُكُوبِ الرَأْسِ؛ في النُزُوعِ إلى الشَيْءِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ الناسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ  ﴾ ؛ ومِنهُ قَوْلُ شاعِرِ الجِنِّ: تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ∗∗∗ ما مُؤْمِنُ الجِنِّ كَأنْجاسِها وَهَذا المَعْنى هو الَّذِي يَلِيقُ بِالآيَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ الناسِ: "اِسْتَهْوَتْهُ الشَياطِينُ"؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "اِسْتَهْوَتْهُ الشَياطُونَ"؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو لَحْنٌ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ هو شاذٌّ قَبِيحٌ؛ وإنَّما هو مَحْمُولٌ عَلى قَوْلِهِمْ: "سُنُونَ"؛ و"أرْضُونَ"؛ إلّا أنَّ هَذِهِ في جَمْعٍ مُسَلَّمٍ ؛ و"شَياطُونَ"؛ في جَمْعٍ مُكَسَّرٍ؛ فَهَذا مَوْضِعُ الشُذُوذِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ: "اِسْتَهْواهُ الشَياطِينُ"؛ وأمالَ "اِسْتَهْواهُ"؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ ؛ والأعْمَشُ ؛ وطَلْحَةُ: "اِسْتَهْوِيهِ الشَيْطانُ"؛ بِالياءِ؛ وإفْرادِ "اَلشَّيْطانُ"؛ وذَكَرَ الكِسائِيُّ أنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "فِي الأرْضِ"؛ ﴾ يَحْكُمُ بِأنَّ "اِسْتَهْوَتْهُ"؛ إنَّما هو بِمَعْنى: "اِسْتَدْعَتْ هُوِيَّهُ؛ الَّذِي هو الجِدُّ في النُزُوعِ"؛ و"حَيْرانَ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ ومُؤَنَّثُهُ "حَيْرى"؛ فَهو لا يَنْصَرِفُ في مَعْرِفَةٍ؛ ولا نَكِرَةٍ؛ ومَعْناهُ: "ضالًّا؛ مُتَحَيِّرًا"؛ وهو حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "اِسْتَهْوَتْهُ"؛ والعامِلُ فِيهِ: "اِسْتَهْوَتْهُ"؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن "كالَّذِي"؛ والعامِلُ فِيهِ المُقَدَّرُ بَعْدَ الكافِ؛ وقَوْلُهُ: "اِسْتَهْوَتْهُ"؛ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ عَلى طَرِيقٍ؛ فاسْتَدْعَتْهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَسِياقُ هَذا المَثَلِ كَأنَّهُ قالَ: "أيَصْلُحُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ الهُدى نَعْبُدُ الأصْنامَ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ مِنّا ارْتِدادًا عَلى العَقِبِ؛ فَيَكُونَ كَرَجُلٍ عَلى طَرِيقٍ واضِحٍ؛ فاسْتَهْوَتْهُ عنهُ الشَياطِينُ؛ فَخَرَجَ عنهُ إلى دَعْوَتِهِمْ؛ فَبَقِيَ حائِرًا؟"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ لَهُ أصْحابٌ ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "لَهُ أصْحابٌ عَلى الطَرِيقِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ"؛ فَيُشَبَّهُ بِالأصْحابِ - عَلى هَذا - المُؤْمِنُونَ؛ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَنِ ارْتَدَّ إلى الرُجُوعِ إلى الهُدى؛ وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "لَهُ أصْحابٌ؛ أيْ مِنَ الشَياطِينِ الدُعاةِ؛ أو لا يَدْعُونَهُ إلى الهُدى؛ بِزَعْمِهِمْ؛ وإنَّما يُوهِمُونَهُ"؛ فَيُشَبَّهُ بِالأصْحابِ - عَلى هَذا - الكَفَرَةُ؛ الَّذِينَ يُثَبِّتُونَ مَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ عَلى ارْتِدادِهِ؛ ورُوِيَ هَذا التَأْوِيلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا.

و"اِئْتِنا"؛ مِن "اَلْإتْيانُ"؛ بِمَعْنى: "اَلْمَجِيءُ"؛ وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "إلى الهُدى بَيِّنًا"؛ وَهَذِهِ تُؤَيِّدُ تَأْوِيلَ مَن تَأوَّلَ "اَلْهُدى"؛ حَقِيقَةَ إخْبارٍ مِنَ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ وحَكى مَكِّيٌّ ؛ وغَيْرُهُ؛ أنَّ المُرادَ بِـ "كالَّذِي"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وبِالأصْحابِ أبُوهُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وأُمُّهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ في الصَحِيحِ أنَّ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها - لَمّا سَمِعَتْ قَوْلَ قائِلٍ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما  ﴾ ؛ نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ قالَتْ: "كَذَبُوا واللهِ؛ ما نَزَلَ فِينا مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ إلّا بَراءَتِي".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: حَدَّثَنِي أبِي - رَحِمَهُ اللهُ - قالَ: سَمِعْتُ الفَقِيهَ الإمامَ أبا عَبْدِ اللهِ ؛ المَعْرُوفِ بِـ "اَلنَّحْوِيُّ"؛ اَلْمُجاوِرَ بِمَكَّةَ يَقُولُ: مَن نازَعَ أحَدًا مِنَ المُلْحِدَةِ فَإنَّما يَنْبَغِي أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ؛ ويُنازِعَهُ بِالقُرْآنِ؛ والحَدِيثِ؛ فَيَكُونَ كَمَن يَدْعُو إلى الهُدى بِقَوْلِهِ: "اِئْتِنا"؛ ومَن يُنازِعْهم بِالجَدَلِ؛ ويُحَلِّقْ عَلَيْهِمْ بِهِ؛ فَكَأنَّهُ بَعُدَ عَنِ الطَرِيقِ الواضِحِ أكْثَرَ؛ لِيَرُدَّ هَذا الزائِغَ؛ فَهو يَخافُ عَلَيْهِ أنْ يَضِلَّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا انْتِزاعٌ حَسَنٌ جِدًّا.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ إنَّ هُدى اللهِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ مَن قالَ: "إنَّ الأصْحابَ هم مِنَ الشَياطِينِ المُسْتَهْزِئِينَ"؛ وتَأوَّلَ: ﴿ إلى الهُدى ﴾ : "بِزَعْمِهِمْ"؛ قالَ: "إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ قُلْ إنَّ هُدى اللهِ هو الهُدى ﴾ ؛ رَدٌّ عَلَيْهِمْ في زَعْمِهِمْ؛ فَلَيْسَ ما زَعَمُوهُ صَحِيحًا؛ ولَيْسَ بِهَدْيٍ؛ بَلْ هو نَفْسُهُ كُفْرٌ؛ وضَلالٌ؛ وإنَّما الهُدى هُدى اللهِ تَعالى ؛ وهو الإيمانُ"؛ ومَن قالَ: "إنَّ الأصْحابَ هم عَلى الطَرِيقِ المَدْعُوِّ إلَيْها؛ وإنَّ المُؤْمِنِينَ الداعِينَ لِلْمُرْتَدِّينَ شُبِّهُوا بِهِمْ؛ وإنَّ الهُدى هو هُدًى عَلى حَقِيقَتِهِ"؛ يَجِيءُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ إنَّ هُدى اللهِ ﴾ ؛ بِمَعْنى: "إنَّ دُعاءَ الأصْحابِ؛ وإنْ كانَ إلى هُدًى؛ فَلَيْسَ بِنَفْسِ دُعائِهِمْ تَقَعُ الهِدايَةُ؛ وإنَّما يَهْتَدِي بِذَلِكَ الدُعاءِ مَن هَداهُ اللهُ تَعالى بِهُداهُ".

﴿ وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ ﴾ ؛ اَللّامُ لامُ "كَيْ"؛ ومَعَها "أنْ"؛ مُقَدَّرَةٌ؛ ويُقَدَّرُ مَفْعُولٌ لِـ "أُمِرْنا"؛ مُضْمَرٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَأُمِرْنا بِالإخْلاصِ"؛ أو "بِالإيمانِ"؛ ونَحْوُ هَذا؛ فَتَقْدِيرُ الجُمْلَةِ كُلِّها: "وَأُمِرْنا بِالإخْلاصِ لِأنْ نُسْلِمَ"؛ ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ في هَذا أنَّ "لِنُسْلِمَ"؛ هو مَوْضِعُ المَفْعُولِ؛ وأنَّ قَوْلَكَ: "أُمِرْتُ لِأقُومَ"؛ و"أُمِرْتُ أنْ أقُومَ"؛ يَجْرِيانِ سَواءً؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أرَدْتُ لِأنْسى ذِكْرَها [فَكَأنَّما] ∗∗∗ ∗∗∗................

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ؛ و"لِنُسْلِمَ"؛ يَعُمُّ الدِينَ؛ والِاسْتِسْلامَ.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّقُوهُ ۚ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ٧٢ وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ ۚ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ ۚ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ ٧٣

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَأنْ أقِيمُوا الصَلاةَ واتَّقُوهُ وهو الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُورِ عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ ﴾ "وَأنْ أقِيمُوا"؛ يُتَّجَهُ أنْ يَكُونَ بِتَأْوِيلِ "وَإقامَةَ"؛ فَهو عُطِفَ عَلى المَفْعُولِ المُقَدَّرِ في "وَأُمِرْنا"؛ وقِيلَ: بَلْ هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "لِنُسْلِمَ"؛ تَقْدِيرُهُ: "لِأنْ نُسْلِمَ؛ وأنْ أقِيمُوا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلُ الزَجّاجِ ؛ واللَفْظُ يُمانِعُهُ؛ وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: "لِأنْ نُسْلِمَ"؛ مُعْرَبٌ؛ وقَوْلَهُ: "أنْ أقِيمُوا"؛ مَبْنِيٌّ؛ وعَطْفُ المَبْنِيِّ عَلى المُعْرَبِ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي التَشْرِيكَ في العامِلِ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ تَجْعَلَ العَطْفَ في "أنْ"؛ وحْدَها؛ وذَلِكَ قَلِقٌ؛ وإنَّما يُتَخَرَّجُ عَلى أنْ يُقَدَّرَ قَوْلُهُ: "وَأنْ أقِيمُوا"؛ بِمَعْنى: "لِنُقِيمَ"؛ ثُمَّ خَرَجَتْ بِلَفْظِ الأمْرِ؛ لِما في ذَلِكَ مِن جَزالَةِ اللَفْظِ؛ فَجازَ العَطْفُ عَلى أنْ يُلْغى حُكْمُ اللَفْظِ؛ ويُعَوَّلَ عَلى المَعْنى؛ ويُشْبِهُ هَذا مِن جِهَةِ ما حَكاهُ يُونُسُ عَنِ العَرَبِ: "اُدْخُلُوا الأوَّلُ فالأوَّلُ"؛ بِرَفْعِ لَفْظِ "اَلْأوَّلُ"؛ فَإنَّما هو بِأنْ يُقَدَّرَ "اُدْخُلُوا"؛ بِمَعْنى: "لِيَدْخُلِ الأوَّلُ"؛ وإلّا فَلَيْسَ يَجُوزُ إلّا: "اُدْخُلُوا الأوَّلَ فالأوَّلَ"؛ بِالنَصْبِ؛ وقالَ الزَجّاجُ أيْضًا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "وَأنْ أقِيمُوا"؛ مَعْطُوفًا عَلى "اِئْتِنا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفِيهِ بُعْدٌ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "واتَّقُوهُ" عائِدٌ عَلى "لِرَبِّ العالَمِينَ"؛ و"وَهُوَ"؛ اِبْتِداءٌ؛ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ؛ وهو لَفْظُ خَبَرٍ يَتَضَمَّنُ التَنْبِيهَ؛ والتَخْوِيفَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "خَلَقَ": اِبْتَدَعَ؛ وأخْرَجَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ؛ و"بِالحَقِّ"؛ أيْ: "لَمْ يَخْلُقْها باطِلًا؛ بِغَيْرِ مَعْنًى؛ بَلْ لِمَعانٍ مُفِيدَةٍ؛ ولِحَقائِقَ بَيِّنَةٍ؛ مِنها ما يُحِسُّهُ البَشَرُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى الصانِعِ؛ ونُزُولِ الأرْزاقِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ"؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "بِأنْ حَقٌّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ"؛ وقِيلَ: "بِالحَقِّ"؛ مَعْناهُ: "بِكَلامِهِ في قَوْلِهِ لِلْمَخْلُوقاتِ "كُنْ"؛ وفي قَوْلِهِ: ﴿ ائْتِيا طَوْعًا أو كَرْهًا  ﴾ ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَحْرِيرُ القَوْلِ أنَّ المَخْلُوقاتِ إنَّما إيجادُها بِالقُدْرَةِ؛ لا بِالكَلامِ؛ واقْتِرانُ "كُنْ"؛ بِحالَةِ إيجادِ المَخْلُوقِ فائِدَتُهُ إظْهارُ العِزَّةِ؛ والعَظَمَةِ؛ ونُفُوذِ الأوامِرِ؛ وإعْلانُ القَصْدِ؛ ومِثالُ ذَلِكَ في الشاهِدِ أنْ يَضْرِبَ إنْسانٌ شَيْئًا؛ فَيَكْسِرَهُ؛ ويَقُولَ في حالِ الكَسْرِ؛ بِلِسانِهِ: "اِنْكَسِرْ"؛ فَإنَّ ذَلِكَ إنْفاذُ عَزْمٍ؛ وإظْهارُ قَصْدٍ؛ ولِلَّهِ تَعالى المَثَلُ الأعْلى؛ لا تَشْبِيهَ؛ ولا حَرْفَ؛ ولا صَوْتَ؛ ولا تَغَيُّرَ؛ أمْرُهُ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ؛ فَكَأنَّ مَعْنى الآيَةِ - عَلى هَذا القَوْلِ -: "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ؛ والأرْضَ؛ بِقَوْلِهِ: "كُنْ"؛ اَلْمُقْتَرِنَةِ بِالقُدْرَةِ الَّتِي بِها يَقَعُ إيجادُ المَخْلُوقِ بَعْدَ عَدَمِهِ"؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِـ "اَلْحَقِّ".

﴿ "وَيَوْمَ يَقُولُ"؛ ﴾ نُصِبَ عَلى الظَرْفِ؛ وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَعْمُولِ فِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرِ الخَلْقَ؛ والإعادَةَ؛ يَوْمَ...".

وتَحْتَمِلُ الآيَةُ - مَعَ هَذا - أنْ يَكُونَ مَعْناها: "واذْكُرِ الإعادَةَ يَوْمَ يَقُولُ اللهُ تَعالى لِلْأجْسادِ: "كُنْ"؛ [فَتَكُونُ] مُعادَةً"؛ ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنْ يَتِمَّ الكَلامُ هُنا؛ ثُمَّ يَبْدَأ بِإخْبارِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ الحَقُّ؛ الَّذِي كانَ في الدُنْيا؛ إخْبارًا بِالإعادَةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَمامُ الكَلامِ في قَوْلِهِ: "فَيَكُونُ"؛ ويَكُونَ "قَوْلُهُ الحَقُّ"؛ اِبْتِداءً؛ وخَبَرًا؛ أو عَلى الِاحْتِمالِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ فَـ "قَوْلُهُ"؛ فاعِلٌ؛ قالَ الزَجّاجُ: قَوْلُهُ: "يَوْمَ"؛ مَعْطُوفٌ عَلى الضَمِيرِ مِن قَوْلِهِ: "واتَّقُوهُ"؛ فالتَقْدِيرُ - هُنا؛ عَلى هَذا القَوْلِ -: "واتَّقُوا العِقابَ؛ أوِ الأهْوالَ؛ والشَدائِدَ يَوْمَ..."؛ وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ "خَلَقَ السَماواتِ"؛ ﴾ والتَقْدِيرُ - عَلى هَذا -: "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ؛ والمُعاداتِ إلى الحَشْرِ يَوْمَ..."؛ ولا يَجُوزُ أنْ تَعْمَلَ هَذِهِ الأفْعالَ - لا تَقْدِيرَكَ: "اُذْكُرْ"؛ ولا "اِتَّقُوا"؛ ولا "خَلَقَ" - في "يَوْمَ"؛ لِأنَّ أسْماءَ الزَمانِ إذا بُنِيَتْ مَعَ الأفْعالِ؛ لا يَجُوزُ أنْ تُنْصَبَ إلّا عَلى الظَرْفِ؛ ولا يَجُوزَ أنْ يَتَعَلَّقَ "وَيَوْمَ"؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ "قَوْلُهُ الحَقُّ"؛ ﴾ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يَعْمَلُ فِيما تَقَدَّمَهُ؛ وقَدْ أطْلَقَ قَوْمٌ أنَّ العامِلَ: "اُذْكُرْ"؛ أو "خَلَقَ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "يَقُولُ"؛ مَعْنى المُضِيِّ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يَوْمَ يَقُولُ..."؛ بِمَعْنى: "قالَ لَها: كُنْ"؛ فَـ "وَيَوْمَ"؛ ظَرْفٌ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: "اَلْحَقُّ"؛ إذْ هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ ويَجِيءُ تَمامُ الكَلامِ في قَوْلِهِ: "فَيَكُونُ"؛ ويَجِيءُ "قَوْلُهُ الحَقُّ"؛ اِبْتِداءً؛ وخَبَرًا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَتِمَّ الكَلامُ في "كُنْ"؛ ويُبْتَدَأ بِـ ﴿ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ ﴾ ؛ وتَكُونَ "فَيَكُونُ"؛ تامَّةً؛ بِمَعْنى "يَظْهَرُ"؛ و"اَلْحَقُّ"؛ صِفَةً لِلْقَوْلِ؛ و"قَوْلُهُ"؛ فاعِلًا.

وقَرَأ الحَسَنُ: "قُولُهُ"؛ بِضَمِّ القافِ.

و"لَهُ المُلْكُ"؛ اِبْتِداءٌ؛ وخَبَرٌ؛ و ﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُورِ ﴾ : "وَيَوْمَ"؛ بَدَلٌ مِنَ الأُولى؛ عَلى أنَّ "يَقُولُ"؛ مُسْتَقْبَلٌ؛ لا عَلى تَقْدِيرِ مُضِيِّهِ؛ وقِيلَ: بَلْ مُتَعَلِّقٌ بِما تَضَمَّنَ "اَلْمُلْكُ"؛ مِن مَعْنى الفِعْلِ؛ أو بِتَقْدِيرِ: "ثابِتٌ"؛ أو: "مُسْتَقِرٌّ يَوْمَ..."؛ و"فِي الصُورِ"؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو جَمْعُ "صُورَةٌ"؛ فالمَعْنى: "يَوْمَ تُعادُ العَوالِمُ"؛ وقالَ الجُمْهُورُ: هو الصُورُ؛ القَرْنُ الَّذِي قالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - [عنهُ] أنَّهُ يُنْفَخُ فِيهِ لِلصَّعْقِ؛ ثُمَّ لِلْبَعْثِ؛ ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ بِقَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "إنَّ إسْرافِيلَ قَدِ التَقَمَ الصُورَ؛ وحَنى جَبْهَتَهُ يَنْظُرُ مَتى يُؤْمَرُ؛ فَيَنْفُخُ".» وقَرَأ الحَسَنُ: "فِي الصُوَرِ"؛ بِفَتْحِ الواوِ؛ وهَذِهِ تُؤَيِّدُ التَأْوِيلَ الأوَّلَ؛ وحَكاهُ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ؛ عن عِياضٍ.

"عالِمُ"؛ رُفِعَ بِإضْمارِ مُبْتَدَإٍ؛ وقِيلَ: نَعْتٌ لِـ "اَلَّذِي"؛ وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ: "عالِمِ"؛ بِالخَفْضِ؛ عَلى النَعْتِ لِلضَّمِيرِ الَّذِي في "وَلَهُ"؛ أو عَلى البَدَلِ مِنهُ؛ مِن قَوْلِهِ "لَهُ المُلْكُ"؛ وقَدْ رُوِيَتْ عن عاصِمٍ ؛ وقِيلَ: اِرْتَفَعَ "عالِمُ"؛ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِن لَفْظِ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ تَقْدِيرُهُ: "يَنْفُخُ فِيهِ عالِمُ"؛ عَلى ما أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: لِيُبْكَ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ∗∗∗ وآخَرُ مِمَّنْ طَوَّحَتْهُ الطَوائِحُ اَلتَّقْدِيرُ: يَبْكِيهِ ضارِعٌ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ هَذا التَأْوِيلَ الَّذِي يُشْبِهُ "لِيُبْكَ يَزِيدُ"؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ ونَظِيرُها مِنَ القُرْآنِ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلُ أولادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ"؛ بِضَمِّ الزايِ؛ ورَفْعِ الشُرَكاءِ؛ ورُوِيَ عن عَبْدِ الوارِثِ ؛ عن أبِي عَمْرٍو: "يَوْمَ نَنْفُخُ في الصُورِ"؛ بِنُونِ العَظَمَةِ.

و"اَلْغَيْبِ والشَهادَةِ"؛ مَعْناهُ: ما غابَ عَنّا؛ وما حَضَرَ؛ وهَذا يَعُمُّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ٧٤ وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ ٧٥

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ ﴾ اَلْعامِلُ في "وَإذْ"؛ فِعْلٌ مُضْمَرٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرْ"؛ أو: "قُصَّ"؛ قالَ الطَبَرِيُّ: نَبَّهَ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى - مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى الِاقْتِداءِ بِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ في مُحاجَّتِهِ قَوْمَهُ؛ إذْ كانُوا أهْلَ أصْنامٍ؛ وكانَ قَوْمُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أهْلَ أصْنامٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَيْسَ يَلْزَمُ هَذا مِن لَفْظِ الآيَةِ؛ أما إنَّ جَمِيعَ ما يَجِيءُ مِن مِثْلِ هَذا عُرْضَةٌ لِلِاقْتِداءِ.

وقَرَأ السَبْعَةُ؛ وجُمْهُورُ الناسِ: "آزَرَ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ الَّتِي قَبْلَ الألِفِ؛ وفَتْحِ الزايِ؛ والراءِ؛ قالَ السُدِّيُّ ؛ وابْنُ إسْحاقَ ؛ وسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: هو اسْمُ أبِي إبْراهِيمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ ثَبَتَ أنَّ اسْمَهُ "تارَحُ"؛ فَلَهُ عَلى هَذا القَوْلِ اسْمانِ؛ كَـ "يَعْقُوبُ"؛ و"إسْرائِيلُ"؛ وهو في الإعْرابِ - عَلى هَذا - بَدَلٌ مِنَ الأبِ المُضافِ؛ في مَوْضِعِ خَفْضٍ؛ وهو اسْمُ عَلَمٍ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: بَلْ هو اسْمُ صَنَمٍ؛ وهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "أتَتَّخِذُ آزَرَ؟

أتَتَّخِذُ أصْنامًا؟".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا ضَعْفٌ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هو صِفَةٌ؛ ومَعْناهُ هُوَ: اَلْمُعْوَجُّ؛ المُخْطِئُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُعْتَرَضُ هَذا بِأنَّ "آزَرَ"؛ إذا كانَ صِفَةً؛ فَهو نَكِرَةٌ؛ ولا يَجُوزُ أنْ تَنْعَتَ المَعْرِفَةَ بِالنَكِرَةِ؛ ويُوَجَّهُ ذَلِكَ عَلى تَحامُلٍ بِأنْ يُقالَ: زِيدَتْ فِيهِ الألِفُ واللامُ؛ وإنْ لَمْ يُلْفَظْ بِها؛ وإلى هَذا أشارَ الزَجّاجُ ؛ لِأنَّهُ قَدَّرَ ذَلِكَ؛ فَقالَ: "لِأبِيهِ المُخْطِئِ"؛ وبِأنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ مَقْطُوعٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "أذُمُّ المُعْوَجَّ"؛ أو: "اَلْمُخْطِئَ"؛ ولا تَبْقى فِيهِ الصِفَةُ بِهَذِهِ الحالُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ وقِيلَ: نَصْبُهُ عَلى الحالِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ؛ وهو في حالِ عِوَجٍ؛ وخَطَإٍ".

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ والحَسَنُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُمْ؛ بِضَمِّ الراءِ؛ عَلى النِداءِ؛ ويَصِحُّ - مَعَ هَذا - أنْ يَكُونَ "آزَرَ"؛ اِسْمَ أبِي إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: "اَلْمُعْوَجُّ"؛ و"اَلْمُخْطِئُ"؛ وقالَ الضَحّاكُ: "آزَرَ"؛ بِمَعْنى: "شَيْءٌ"؛ ولا يَصِحُّ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ "آزَرَ"؛ صِفَةً؛ وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "يا آزَرُ"؛ بِثُبُوتِ حَرْفِ النِداءِ؛ "اِتَّخَذْتَ أصْنامًا"؛ بِالفِعْلِ الماضِي؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ - فِيما رُوِيَ عنهُ أيْضًا -: "أأزْرًا تَتَّخِذُ"؛ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ؛ وفَتْحِ الهَمْزَةِ مِن "أزْرًا"؛ وسُكُونِ الزايِ؛ ونَصْبِ الراءِ؛ وتَنْوِينِها؛ وإسْقاطِ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ مِن "أتَتَّخِذُ"؛ ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: "أعَضُدًا؛ وقُوَّةً؛ ومُظاهَرَةً عَلى اللهِ تَعالى ؛ تَتَّخِذُ...؟"؛ وهو مِن نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ اشْدُدْ بِهِ أزْرِي  ﴾ ؛ وقَرَأ أبُو إسْماعِيلَ - رَجُلٌ مِن أهْلِ الشامِ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن هَذا التَرْتِيبِ؛ ذَكَرَها أبُو الفُتُوحِ؛ ومَعْناها أنَّها مُبْدَلَةٌ مِن واوٍ؛ كَـ "وِسادَةٌ"؛ و"إسادَةٌ"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "أوِزْرًا ومَأْثَمًا تَتَّخِذُ أصْنامًا؟"؛ ونَصْبُهُ - عَلى هَذا - بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ ورُوِيَتْ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "إزْرًا تَتَّخِذُ"؛ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ وسُكُونِ الزايِ؛ دُونَ ألِفِ تَوْقِيفٍ؛ و"أصْنامًا آلِهَةً"؛ مَفْعُولانِ.

وذُكِرَ أنَّ آزَرَ؛ أبا إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - كانَ نَجّارًا مُحْسِنًا؛ ومُهَنْدِسًا؛ وكانَ نَمْرُودُ يَتَعَلَّقُ بِالهَنْدَسَةِ والنُجُومِ؛ فَحَظِيَ عِنْدَهُ آزَرُ لِذَلِكَ؛ وكانَ عَلى خُطَّةِ عَمَلِ الأصْنامِ؛ تُعْمَلُ بِأمْرِهِ وتَدْبِيرِهِ؛ ويَطْبَعُ هو في الصَنَمِ بِخَتْمٍ مَعْلُومٍ عِنْدَهُ؛ وحِينَئِذٍ يُعْبَدُ ذَلِكَ الصَنَمُ؛ فَلَمّا نَشَأ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - ابْنُهُ - عَلى الصِفَةِ الَّتِي تَأْتِي بَعْدُ؛ كانَ أبُوهُ يُكَلِّفُهُ بِبَيْعِها؛ فَكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - يُنادِي عَلَيْها: "مَن يَشْتَرِي ما يَضُرُّهُ ولا يَنْفَعُهُ؟"؛ ويَسْتَخِفُّ بِها؛ ويَجْعَلُها في الماءِ مَنكُوسَةً؛ ويَقُولُ: "اِشْرَبِي"؛ فَلَمّا شُهِرَ أمْرُهُ بِذَلِكَ؛ وأخَذَ - عَلَيْهِ السَلامُ - في الدُعاءِ إلى اللهِ تَعالى ؛ قالَ لِأبِيهِ هَذِهِ المَقالَةَ.

و"أراكَ" - في هَذا المَوْضِعِ - يَشْتَرِكُ فِيها البَصَرُ؛ والقَلْبُ؛ لِأنَّها رُؤْيَةُ قَلْبٍ؛ ومَعْرِفَتُهُ؛ وهي مُتَرَكِّبَةٌ عَلى رُؤْيَةِ بَصَرٍ؛ و"مُبِينٍ"؛ بِمَعْنى: واضِحٍ؛ ظاهِرٍ؛ وهو مِن "أبانَ الشَيْءُ"؛ إذا ظَهَرَ؛ لَيْسَ بِالفِعْلِ المُتَعَدِّي المَنقُولِ مِن: "بانَ؛ يَبِينُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَنقُولَ؛ ويَكُونَ المَفْعُولُ مُقَدَّرًا؛ تَقْدِيرُهُ: "فِي ضَلالٍ مُبِينٍ كُفْرَكُمْ".

وَقِيلَ: كانَ آزَرُ رَجُلًا مِن أهْلِ "كَوْثًا"؛ مِن سَوادِ الكُوفَةِ؛ قالَ النَقّاشُ: وبِها وُلِدَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقِيلَ: كانَ مِن أهْلِ "حَرّانَ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ ؛ اَلْآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ تَقْضِي بِهِدايَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ والإشارَةُ هُنا بِـ "ذَلِكَ"؛ هي إلى تِلْكَ الهِدايَةِ؛ أيْ: "وَكَما هَدَيْناهُ إلى الدُعاءِ إلى اللهِ تَعالى وإنْكارِ الكُفْرِ؛ أرَيْناهُ مَلَكُوتَ..."؛ و"نُرِي"؛ لَفْظُها الِاسْتِقْبالُ؛ ومَعْناها المُضِيُّ؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ المَعْنى: "وَكَما هَدَيْناكَ يا مُحَمَّدُ؛ فَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ...".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا بَعِيدٌ؛ إذِ اللَفْظُ لا يُعْطِيهِ؛ و"نُرِي"؛ هُنا مُتَعَدِّيَةٌ إلى مَفْعُولَيْنِ؛ لا غَيْرُ؛ فَهي إمّا مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ؛ وإمّا مِن "أرى"؛ اَلَّتِي هي بِمَعْنى "عَرَّفَ"؛ ولَوْ كانَتْ مِن "أرى"؛ بِمَعْنى "أعْلَمَ"؛ وجَعَلَنا "أعْلَمَ" مَنقُولَةً مِن "عَلِمَ"؛ اَلَّتِي تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ؛ لَوَجَبَ أنْ تَتَعَدّى "أرى"؛ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ الثالِثَ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ؛ إذْ هو الخَبَرُ في الجُمْلَةِ الَّتِي يَدْخُلُ عَلَيْها "عَلِمْتُ"؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ وإنَّما هي مِن "عَلِمَ"؛ بِمَعْنى "عَرَفَ"؛ ثُمَّ نُقِلَتِ الهَمْزَةِ؛ فَتَعَدَّتْ إلى مَفْعُولَيْنِ؛ ثُمَّ جُعِلَتْ "أرى"؛ بِمَنزِلَتِها؛ في هَذِهِ الحالِ.

وهَذِهِ الرُؤْيَةُ: قِيلَ: رُؤْيَةُ البَصَرِ؛ ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - فَرَجَ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - السَماواتِ والأرْضِينَ؛ حَتّى رَأى بِبَصَرِهِ المَلَكُوتَ الأعْلى؛ والمَلَكُوتَ الأسْفَلَ؛ فَإنْ صَحَّ هَذا المَنقُولُ؛ فَفِيهِ تَخْصِيصٌ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ بِما لَمْ يُدْرِكْهُ غَيْرُهُ قَبْلَهُ؛ ولا بَعْدَهُ؛ وهَذا هو قَوْلُ مُجاهِدٍ ؛ قالَ: "تَفَرَّجَتْ لَهُ السَماواتُ والأرْضُونَ؛ فَرَأى مَكانَهُ في الجَنَّةِ"؛ وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وسَلْمانُ الفارِسِيُّ ؛ وقِيلَ: هي رُؤْيَةُ بَصَرٍ في ظاهِرِ المَلَكُوتِ؛ وقَعَ لَهُ مَعَها مِنَ الِاعْتِبارِ؛ ورُؤْيَةِ القَلْبِ؛ ما لَمْ يَقَعْ لِأحَدٍ مِن أهْلِ زَمَنِهِ؛ الَّذِينَ بُعِثَ - عَلَيْهِ السَلامُ - إلَيْهِمْ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وغَيْرُهُ؛ فَفي هَذا تَخْصِيصٌ ما؛ عَلى جِهَةِ التَقْيِيدِ بِأهْلِ زَمَنِهِ؛ وقِيلَ: هي رُؤْيَةُ قَلْبٍ؛ رَأى بِها مَلَكُوتَ السَماواتِ والأرْضِ؛ بِفِكْرَتِهِ؛ ونَظَرِهِ؛ وذَلِكَ - ولا بُدَّ - مُتَرَكِّبٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن رُؤْيَتِهِ - عَلَيْهِ السَلامُ - بِبَصَرِهِ؛ وإدْراكِهِ في الجُمْلَةِ بِحَواسِّهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذانِ القَوْلانِ الأخِيرانِ يُناسِبانِ الآيَةَ؛ لِأنَّ الغايَةَ الَّتِي نُصِبَتْ لَهُ إنَّما هي أنْ يُؤْمِنَ؛ ويَكُونَ مِن جُمْلَةِ مُوقِنِينَ كَثَرَةٍ؛ والإشارَةُ - لا مَحالَةَ - إلى مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ؛ والمُؤْمِنِينَ؛ وبَعْدَهُ؛ واليَقِينُ يَقَعُ لَهُ - عَلَيْهِ السَلامُ - ولِغَيْرِهِ بِالرُؤْيَةِ في ظاهِرِ المَلَكُوتِ؛ والِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى الصانِعِ؛ والخالِقِ؛ لا إلَهَ إلّا هو.

و"مَلَكُوتَ"؛ بِناءُ مُبالَغَةٍ؛ كَـ "جَبَرُوتٌ"؛ و"رَهَبُوتٌ"؛ و"رَحَمُوتٌ"؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: هو "مَلَكُوثى"؛ بِاليُونانِيَّةِ؛ أو بِالنَبَطِيَّةِ؛ وقَرَأ "مَلَكُوثَ"؛ بِالثاءِ مُثَلَّثَةً؛ وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "مَلْكُوتَ"؛ بِإسْكانِ اللامِ؛ وهي لُغَةٌ؛ و"مَلَكُوتٌ": بِمَعْنى: "اَلْمُلْكُ"؛ والعَرَبُ تَقُولُ: "لِفُلانٍ مَلَكُوتُ اليَمَنِ"؛ أيْ: مُلْكُهُ.

واللامُ في "وَلِيَكُونَ"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُؤَخَّرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ أرَيْناهُ"؛ و"اَلْمُوقِنُ": اَلْعالِمُ بِالشَيْءِ عِلْمًا لا يُمْكِنُ أنْ يَطْرَأ لَهُ فِيهِ شَكٌّ؛ وقالَ الضَحّاكُ ؛ ومُجاهِدٌ أيْضًا: إنَّ الإشارَةَ هَهُنا بِـ "مَلَكُوتَ السَماواتِ"؛ هي إلى الكَواكِبِ؛ والشَمْسِ؛ والقَمَرِ؛ وهَذا راجِعٌ وداخِلٌ فِيما قَدَّمْناهُ مِن أنَّها رُؤْيَةُ بَصَرٍ في ظاهِرِ المَلَكُوتِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - في تَفْسِيرِ ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ ﴾ - قالَ: جَلّى لَهُ الأُمُورَ؛ سِرَّها وعَلانِيَتَها؛ فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِ الخَلائِقِ؛ فَلَمّا جَعَلَ يَلْعَنُ أصْحابَ الذُنُوبِ؛ قالَ اللهُ تَعالى "إنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ هَذا"؛ فَرَدَّهُ لا يَرى أعْمالَهم.

<div class="verse-tafsir"

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًۭا ۖ قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْـَٔافِلِينَ ٧٦ فَلَمَّا رَءَا ٱلْقَمَرَ بَازِغًۭا قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلِّينَ ٧٧

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴾ ﴿ فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضالِّينَ ﴾ هَذِهِ الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى "فَلَمّا"؛ رابِطَةُ جُمْلَةِ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها؛ وهي تُرَجِّحُ أنَّ المُرادَ بِالمَلَكُوتِ هو هَذا التَفْصِيلُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ؛ و"جَنَّ اللَيْلُ": سَتَرَ وغَطّى بِظَلامِهِ؛ ويُقالُ: "أجَنَّ"؛ والأوَّلُ أكْثَرُ؛ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ "اَلْجِنُّ"؛ و"اَلْمِجَنُّ"؛ و"اَلْجَنَّةُ"؛ و"اَلْجَنَنُ" - وهو القَبْرُ -؛ مُشْتَقَّةً مِن "جَنَّ"؛ إذا سَتَرَ.

ولَفْظُ هَذِهِ القِصَّةِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ وقَعَتْ لَهُ - عَلَيْهِ السَلامُ - في حالِ صِباهُ؛ وقَبْلَ بُلُوغِهِ؛ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ فَإنَّهُ قالَ: رَأى كَوْكَبًا فَعَبَدَهُ؛ وقالَ ناسٌ كَثِيرٌ: إنَّ النازِلَةَ قَبْلَ البُلُوغِ؛ والتَكْلِيفِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ وقَعَتْ لَهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ؛ وكَوْنِهِ مُكَلَّفًا؛ وحَكى الطَبَرِيُّ هَذا عن فِرْقَةٍ؛ وقالَتْ: إنَّهُ اسْتَفْهَمَ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ؛ بِغَيْرِ ألِفٍ؛ قالَ: وهَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ: رَفَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ: هُمُ هُمُ؟

يُرِيدُ: "أهم هُمْ؟"؛ وكَما قالَ الآخَرُ: لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنْ كُنْتُ دارِيًا ∗∗∗ ∗∗∗ شُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ أمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنقَرِ؟

يُرِيدُ: "أشُعَيْثُ؟".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والبَيْتُ الأوَّلُ لا حُجَّةَ فِيهِ عِنْدِي.

وقَدْ حُكِيَ أنَّ نَمْرُودَ؛ جَبّارَ ذَلِكَ الزَمَنِ؛ رَأى مُنَجِّمُوهُ أنَّ مَوْلُودًا يُولَدُ في سَنَةِ كَذا؛ في عَمَلِهِ يَكُونُ خَرابُ المُلْكِ عَلى يَدَيْهِ؛ فَجَعَلَ يَتْبَعُ الحَبالى؛ ويُوكِلُ بِهِنَّ حُرّاسًا؛ فَمَن وضَعَتْ أُنْثى تُرِكَتْ؛ ومَن وضَعَتْ ذَكَرًا حُمِلَ إلى المَلِكِ فَذَبَحَهُ؛ وأنَّ أُمَّ إبْراهِيمَ حَمَلَتْ - وكانَتْ شابَّةً قَوِيَّةً - فَسَتَرَتْ حَمْلَها؛ فَلَمّا قَرُبَتْ وِلادَتُها بَعَثَتْ تارَحَ؛ أبا إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ إلى سَفَرٍ؛ وتَحَيَّلَتْ لِمُضِيِّهِ إلَيْهِ؛ ثُمَّ خَرَجَتْ هي إلى غارٍ؛ فَوَلَدَتْ فِيهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وتَرَكَتْهُ في الغارِ؛ وقَدْ هَيَّأتْ عَلَيْهِ؛ وكانَتْ تَتَفَقَّدُهُ؛ فَتَجِدُهُ يَغْتَذِي بِأنْ يَمُصَّ أصابِعَهُ؛ فَيَخْرُجُ لَهُ مِنها عَسَلٌ؛ وسَمْنٌ؛ ونَحْوُهُما؛ وحُكِيَ: بَلْ كانَ يُغَذِّيهِ مَلَكٌ؛ وحُكِيَ: بَلْ كانَتْ تَأْتِيهِ بِألْبانِ النِساءِ اللاتِي ذُبِحَ أبْناؤُهُنَّ؛ فَشَبَّ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - أضْعافَ ما يَشِبُّ غَيْرُهُ؛ والمَلِكُ في خِلالِ ذَلِكَ يُحِسُّ بِوِلادَتِهِ؛ ويُشَدِّدُ في طَلَبِهِ؛ فَمَكَثَ في الغارِ عَشَرَةَ أعْوامٍ؛ وقِيلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً؛ وأنَّهُ نَظَرَ - أوَّلَ ما عَقَلَ - مِنَ الغارِ؛ فَرَأى الكَوْكَبَ؛ وجَرَتْ قِصَّةُ الآيَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجَلَبْتُ هَذِهِ القِصَصَ بِغايَةِ الِاخْتِصارِ في اللَفْظِ؛ وقَصَدْتُ اسْتِيفاءَ المَعانِي الَّتِي تَخُصُّ الآيَةَ؛ ويَضْعُفُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ في الغارِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَلامُ - في آخِرِها: ﴿ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ  ﴾ ؛ وهي ألْفاظٌ تَقْتَضِي مُحاجَّةً؛ ورَدًّا عَلى قَوْمٍ؛ وحالُهُ في الغارِ بَعِيدَةٌ عن مِثْلِ هَذا؛ اللهُمَّ إلّا أنْ يُتَأوَّلَ في ذَلِكَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَلامُ - قالَها بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ؛ أيْ قالَ في نَفْسِهِ مَعْنى العِبارَةِ عنهُ: ﴿ قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ  ﴾ ؛ وهَذا كَما قالَ الشاعِرُ: ثُمَّ انْثَنى وقالَ في التَفْكِيرِ ∗∗∗ ∗∗∗ إنَّ الحَياةَ اليَوْمَ في الكُرُورِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَعَ هَذا فالمُخاطَبَةُ تُبْعِدُهُ؛ ولَوْ قالَ: "يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِنَ الإشْراكِ"؛ لَصَحَّ هَذا التَأْوِيلُ؛ وقَوِيَ؛ فَإنْ قُلْنا بِأنَّهُ وقَعَتْ لَهُ القِصَّةُ في الغارِ؛ في حالِ الصَبْوَةِ؛ وعَدَمِ التَكْلِيفِ؛ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ؛ ويَحْتَمِلُهُ اللَفْظُ؛ فَذَلِكَ يَنْقَسِمُ عَلى وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: "هَذا رَبِّي"؛ تَصْمِيمًا واعْتِقادًا؛ وهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ التَصْمِيمَ لَمْ يَقَعْ مِنَ الأنْبِياءِ - صَلَواتُ اللهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ -؛ وإمّا أنْ يُجْعَلَ تَعْرِيضًا لِلنَّظَرِ؛ والِاسْتِدْلالِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "هَذا المُنِيرُ البَهِيُّ رَبِّي"؛ إنْ عَضَّدَتْ ذَلِكَ الدَلائِلُ؛ ويَجِيءُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - كَما قالَ اللهُ تَعالى لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿ وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى  ﴾ ؛ أيْ: مُهْمَلَ المُعْتَقَدِ؛ وإنْ قُلْنا بِأنَّ القِصَّةَ وقَعَتْ لَهُ في حالِ كُفْرِهِ؛ وهو مُكَلَّفٌ؛ فَلا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: "هَذا رَبِّي"؛ مُصَمِّمًا؛ ولا مُعَرِّضًا لِلنَّظَرِ؛ لِأنَّها رُتْبَةُ جَهْلٍ؛ أو شَكٍّ؛ وهو - عَلَيْهِ السَلامُ - مُنَزَّهٌ؛ مَعْصُومٌ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ؛ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَقُولَها - عَلَيْهِ السَلامُ - عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ لِقَوْمِهِ؛ والتَوْبِيخِ لَهُمْ؛ وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ في عِبادَةِ الأصْنامِ؛ كَأنَّهُ قالَ لَهُمْ: "أهَذا المُنِيرُ رَبِّي؟"؛ أو "هَذا رَبِّي"؛ وهو يُرِيدُ: "عَلى زَعْمِكُمْ"؛ كَما قالَ تَعالى ﴿ أيْنَ شُرَكائِيَ  ﴾ ؛ فَإنَّما المَعْنى: "عَلى زَعْمِكُمْ"؛ ثُمَّ عَرَّضَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - عَلَيْهِمْ؛ مِن حَرَكَتِهِ؛ وأُفُولِهِ؛ أمارَةَ الحُدُوثِ؛ وأنَّهُ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ رَبًّا؛ ثُمَّ في آخَرَ أعْظَمَ مِنهُ؛ وأحْرى كَذَلِكَ؛ ثُمَّ في الشَمْسِ كَذَلِكَ؛ فَكَأنَّهُ يَقُولُ: "فَإذا بانَ في هَذِهِ المُنِيراتِ الرَفِيعَةِ أنَّها لا تَصْلُحُ لِلرُّبُوبِيَّةِ؛ فَأصْنامُكُمُ الَّتِي هي خَشَبٌ؛ وحِجارَةٌ؛ أحْرى أنَّ يَبِينَ ذَلِكَ فِيها"؛ ويُعَضِّدُ عِنْدِي هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ: ﴿ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ  ﴾ .

ومَثَّلَ لَهم - عَلَيْهِ السَلامُ - بِهَذِهِ الأُمُورِ لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ عِلْمِ نُجُومٍ؛ ونَظَرٍ في الأفْلاكِ؛ وهَذا الأمْرُ كُلُّهُ إنَّما وقَعَ في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ؛ أيِ الكَوْكَبَ - وهو "اَلزُّهْرَةُ"؛ في قَوْلِ قَتادَةَ ؛ وقالَ السُدِّيُّ: وهو "اَلْمُشْتَرِي" - جانِحًا لِلْغُرُوبِ؛ فَلَمّا أفَلَ بَزَغَ القَمَرُ؛ وهو أوَّلُ طُلُوعِهِ؛ فَسَرى اللَيْلُ أجْمَعُ؛ فَلَمّا بَزَغَتِ الشَمْسُ زالَ ضَوْءُ القَمَرِ قَبْلَها؛ لِانْتِشارِ الصَباحِ؛ وخَفِيَ نُورُهُ؛ ودَنا أيْضًا مِن مَغْرِبِهِ؛ فَسُمِّيَ ذَلِكَ "أُفُولًا"؛ لِقُرْبِهِ مِنَ الأُفُولِ التامِّ؛ عَلى تَجَوُّزٍ في التَسْمِيَةِ؛ ثُمَّ بَزَغَتِ الشَمْسُ عَلى ذَلِكَ؛ وهَذا التَرْتِيبُ يَسْتَقِيمُ في اللَيْلَةِ الخامِسَةَ عَشَرَةَ مِنَ الشَهْرِ؛ إلى عِشْرِينَ؛ ولَيْسَ يَتَرَتَّبُ في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ - كَما أجْمَعَ أهْلُ التَفْسِيرِ - إلّا في هَذِهِ اللَيالِي؛ وبِذَلِكَ التَجَوُّزِ في أُفُولِ القَمَرِ؛ و"أفَلَ"؛ في كَلامِ العَرَبِ؛ مَعْناهُ: "غابَ"؛ يُقالُ: "أيْنَ أفَلْتَ عَنّا يا فُلانُ"؛ وقِيلَ: مَعْناهُ "ذَهَبَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا خِلافٌ في عِبارَةٍ فَقَطْ؛ وقالَ ذُو الرُمَّةِ: مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَواتِي تَقُودُها ∗∗∗ ∗∗∗ نُجُومٌ ولا بِالآفِلاتِ الدَوالِكِ وَقالَ: "اَلْآفِلِينَ"؛ فَجَمَعَ بِالياءِ؛ والنُونِ؛ لَمّا قَصَدَ الأرْبابَ؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ وعَلى هَذا يُخَرَّجُ قَوْلُهُ في الشَمْسِ: "هَذا رَبِّي"؛ فَذَكَّرَ الإشارَةَ إلَيْها لَمّا قَصَدَ رَبَّهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ -: "رَأى"؛ بِفَتْحِ الراءِ؛ والهَمْزَةِ؛ وقَرَأ نافِعٌ بَيْنَ الفَتْحِ؛ والكَسْرِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ بِكَسْرِهِما؛ وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ بِفَتْحِ الراءِ؛ وكَسْرِ الهَمْزَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "اَلْبُزُوغُ"؛ في هَذِهِ الأنْوارِ: أوَّلُ الطُلُوعِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيما تَدْعُو إلَيْهِ ألْفاظُ الآيَةِ؛ وكَوْنِ هَذا التَرْتِيبِ في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ؛ مِنَ التَجَوُّزِ في أُفُولِ القَمَرِ؛ لِأنَّ أُفُولَهُ لَوْ قَدَّرْناهُ "مَغِيبَهُ في المَغْرِبِ"؛ لَكانَ ذَلِكَ بَعْدَ بُزُوغِ الشَمْسِ؛ وجَمِيعُ ما قُلْناهُ يُعْطِيهِ الِاعْتِبارُ.

و"يَهْدِنِي": "يُرْشِدْنِي"؛ وهَذا اللَفْظُ يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: اَلنّازِلَةُ في حالِ الصِغَرِ؛ والقَوْمُ الضالُّونَ: عَبَدَةُ المَخْلُوقاتِ؛ كالأصْنامِ؛ وغَيْرِها؛ وإنْ كانَ الضَلالُ أعَمَّ مِن هَذا؛ فَهَذا هو المَقْصُودُ في هَذا المَوْضِعِ.

<div class="verse-tafsir"

فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةًۭ قَالَ هَـٰذَا رَبِّى هَـٰذَآ أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَـٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ٧٨ إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٧٩ وَحَآجَّهُۥ قَوْمُهُۥ ۚ قَالَ أَتُحَـٰٓجُّوٓنِّى فِى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنِ ۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْـًۭٔا ۗ وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ٨٠

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فَلَمّا رَأى الشَمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللهِ وقَدْ هَدانِي ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أفَلا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ لَمّا قَصَدَ رَبَّهُ قالَ: "هَذا"؛ فَذَكَّرَ؛ أيْ: هَذا المَرْئِيُّ؛ أوِ المُنِيرُ؛ ونَحْوُ هَذا؛ "فَلَمّا أفَلَتْ"؛ اَلشَّمْسُ؛ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يُمَثِّلُ لَهم بِهِ؛ فَظَهَرَتْ حُجَّتُهُ؛ وقَوِيَ بِذَلِكَ عَلى مُنابَذَتِهِمْ؛ والتَبَرِّي مِن إشْراكِهِمْ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ ﴾ ؛ يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: اَلنّازِلَةُ في حالِ الكِبَرِ والتَكْلِيفِ؛ و ﴿ وَجَّهْتُ وجْهِيَ ﴾ ؛ أيْ: أقْبَلْتُ بِقَصْدِي؛ وعِبادَتِي؛ وتَوْحِيدِي؛ وإيمانِي؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعُمُّهُ المَعْنى المُعَبَّرُ عنهُ بِـ "وَجْهِيَ"؛ و"فَطَرَ"؛ مَعْناهُ: اِبْتَدَعَ في أجْرامٍ؛ و"حَنِيفًا"؛ مَعْناهُ: مُسْتَقِيمًا؛ و"اَلْحَنَفُ": "اَلْمَيْلُ"؛ في كَلامِ العَرَبِ؛ وأصْلُهُ في الأشْخاصِ؛ وهو في المَعانِي مُسْتَعارٌ؛ فالمُعْوَجُّ في الأجْرامِ أحْنَفُ؛ عَلى الحَقِيقَةِ؛ أيْ مائِلٌ؛ والمُسْتَقِيمُ فِيها أحْنَفُ؛ عَلى تَجَوُّزٍ؛ كَأنَّهُ مالَ عن كُلِّ جِهَةٍ إلى القَوامِ.

"وَحاجَّهُ": "فاعَلَهُ"؛ مِن "اَلْحُجَّةُ"؛ قالَ: "أتُراجِعُونَنِي في الحُجَّةِ في تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى ؟"؛ وقَرَأ قَوْمٌ: "أتُحاجُّونَنِي"؛ بِإظْهارِ النُونَيْنِ؛ وهو الأصْلُ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "أتُحاجُّونِّي"؛ بِإدْغامِ النُونِ الأُولى في الثانِيَةِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ: "أتُحاجُّونِي"؛ بِحَذْفِ النُونِ الواحِدَةِ؛ فَقِيلَ: هي الثانِيَةُ؛ وقِيلَ: هي الأُولى؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّها بَقِيَتْ مَكْسُورَةً؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ تُحْذَفَ الأُولى؛ لِأنَّها لِلْإعْرابِ؛ وإنَّما حُذِفَتِ الثانِيَةُ الَّتِي هي تَوْطِئَةٌ لِياءِ المُتَكَلِّمِ؛ كَما حُذِفَتْ في "لَيْتِي"؛ وفي قَوْلِ الشاعِرِ: ...............

∗∗∗ يَسُوءُ الغالِياتِ إذا فَلَيْنِي وكُسِرَتْ - بَعْدَ ذَلِكَ - الأُولى الباقِيَةُ؛ لِمُجاوَرَتِها لِلْياءِ.

"وَقَدْ هَدانِ"؛ أيْ: أرْشَدَنِي إلى مَعْرِفَتِهِ وتَوْحِيدِهِ؛ وأمالَ الكِسائِيُّ: "هَدانِ"؛ والإمالَةُ في ذَلِكَ حَسَنَةٌ؛ وإذا جازَتِ الإمالَةُ في "غَزا"؛ و"دَعا" - وهُما مِن ذَواتِ الواوِ - فَهي في "هَدانِ" - الَّتِي هي مِن ذَواتِ الياءِ - أجْوَزُ؛ وأحْسَنُ؛ وحُكِيَ أنَّ الكُفّارَ قالُوا لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -: خَفْ أنْ تُصِيبَكَ آلِهَتُنا بِبَرَصٍ؛ أو داءٍ؛ لِإذايَتِكَ لَها؛ وتَنَقُّصِكَ؛ فَقالَ لَهم - عَلَيْهِ السَلامُ -: "لَسْتُ أخافُ الَّذِي تُشْرِكُونَ بِهِ؛ لِأنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ؛ ولا غَناءَ عِنْدَهُ"؛ و"ما"؛ في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فَيَكُونَ - عَلى هَذا - في قَوْلِهِ: "تُشْرِكُونَ"؛ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "ما"؛ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: "وَلا أخافُ الأصْنامَ الَّتِي تُشْرِكُونَها بِاللهِ تَعالى في الرُبُوبِيَّةِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى "ما"؛ فَلا يُحْتاجُ إلى غَيْرِهِ؛ كَأنَّ التَقْدِيرَ: "ما تُشْرِكُونَ بِسَبَبِهِ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا ﴾ ؛ اِسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ؛ و"شَيْئًا"؛ مَنصُوبٌ بِـ "يَشاءَ"؛ ولَمّا كانَتْ قُوَّةُ الكَلامِ أنَّهُ لا يَخافُ ضُرًّا؛ اسْتَثْنى مَشِيئَةَ رَبِّهِ تَعالى في أنْ يُرِيدَهُ بِضُرٍّ؛ و"عِلْمًا"؛ نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ؛ وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ؛ كَما تَقُولُ العَرَبُ: "تَصَبَّبَ زَيْدٌ عَرَقًا"؛ والمَعْنى: "تَصَبَّبَ عَرَقُ زَيْدٍ"؛ فَكَذَلِكَ المَعْنى هُنا: وسِعَ عِلْمُ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ؛ ﴿ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ ؛ تَوْقِيفٌ؛ وتَنْبِيهٌ؛ وإظْهارٌ لِمَوْضِعِ التَقْصِيرِ مِنهم.

<div class="verse-tafsir"

وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰنًۭا ۚ فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ٨١ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ٨٢ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَـٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ ٨٣

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ ﴾ ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ - إلى "تَعْلَمُونَ" - هي كُلُّها مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ وهي حُجَّتُهُ القاطِعَةُ لَهُمْ؛ والمَعْنى: "وَكَيْفَ أخافُ الأصْنامَ الَّتِي لا خَطْبَ لَها؛ وهي حِجارَةٌ؛ وخَشَبٌ؛ إذا أنا نَبَذْتُها ولَمْ أُعَظِّمْها؛ ولا تَخافُونَ أنْتُمُ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وقَدْ أشْرَكْتُمْ بِهِ في الرُبُوبِيَّةِ أشْياءَ لَمْ يُنَزِّلْ بِها عَلَيْكم حُجَّةً؟"؛ و"اَلسُّلْطانُ": اَلْحُجَّةُ.

ثُمَّ اسْتَفْهَمَ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ: "فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ؟"؛ أيْ: "مَن لَمْ يُشْرِكْ بِالقادِرِ العالِمِ تَعالى أحَقُّ أنْ يَأْمَنَ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "اَلَّذِينَ"؛ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ و"يَلْبِسُوا"؛ مَعْناهُ: يَخْلِطُوا؛ و"اَلظُّلْمُ" - في هَذِهِ الآيَةِ -: اَلشِّرْكُ؛ تَظاهَرَتْ بِذَلِكَ الأحادِيثُ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وعن جَماعَةٍ مِنَ الصَحابَةِ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أشْفَقَ أصْحابُ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟

فَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "إنَّما ذَلِكَ كَما قالَ لُقْمانُ: ﴿ إنَّ الشِرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  ﴾ "؛» ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - قَرَأ فِي المُصْحَفِ؛ فَلَمّا أتى عَلَيْها عَظُمَتْ عَلَيْهِ؛ فَلَبِسَ رِداءَهُ؛ ومَرَّ إلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ؛ فَقالَ: "يا أبا المُنْذِرِ "؛ وسَألَهُ عنها؛ فَقالَ لَهُ: "إنَّهُ الشِرْكُ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ "؛ فَسُرِّيَ عن عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وجَرى لِزَيْدِ بْنِ صُوحانَ؛ مَعَ سَلْمانَ نَحْوٌ مِمّا جَرى لِعُمَرَ ؛ مَعَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهم.

وقَرَأ مُجاهِدٌ: "وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِشِرْكٍ"؛ وقَرَأ عِكْرِمَةٌ: "يُلْبِسُوا"؛ بِضَمِّ الياءِ.

و"اَلْأمْنُ"؛ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ وخَبَرُهُ في المَجْرُورِ؛ والجُمْلَةُ خَبَرُ "أُولَئِكَ"؛ "وَهم مُهْتَدُونَ"؛ أيْ: راشِدُونَ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "اَلْمُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - خاصَّةً"؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: "نَزَلَتْ في مُهاجِرِي أصْحابِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - خاصَّةً"؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ فَهي مِنَ الحُجَّةِ الَّتِي أُوتِيَها؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هي مِن قَوْلِ قَوْمِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ويَجِيءُ هَذا مِنَ الحُجَّةِ أيْضًا؛ أنْ أقَرُّوا بِالحَقِّ وهم قَدْ ظَلَمُوا في الإشْراكِ؛ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ ؛ وابْنُ زَيْدٍ ؛ وغَيْرُهُما: بَلْ ذَلِكَ قَوْلٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ابْتِداءُ حُكْمٍ فُصِّلَ؛ عامٌّ لِوَقْتِ مُحاجَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وغَيْرِهِ؛ ولِكُلِّ مُؤْمِنٍ؛ تَقَدَّمَ أو تَأخَّرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو البَيِّنُ الفَصِيحُ الَّذِي يَرْتَبِطُ بِهِ مَعْنى الآيَةِ؛ ويُحْسِنُ رَصْفَها؛ وهو خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى.

و"تِلْكَ"؛ إشارَةٌ إلى هَذِهِ الحُجَّةِ المُتَقَدِّمَةِ؛ وهي رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ؛ و"حُجَّتُنا"؛ خَبَرُهُ؛ و"آتَيْناها"؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "حُجَّتُنا"؛ بَدَلًا مِن "تِلْكَ"؛ و"آتَيْناها"؛ خَبَرَ "وَتِلْكَ"؛ و"إبْراهِيمَ"؛ مَفْعُولٌ بِـ "آتَيْنا"؛ والضَمِيرُ مَفْعُولٌ أيْضًا بِـ "آتَيْنا"؛ مُقَدَّمٌ؛ و"عَلى"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: "حُجَّتُنا"؛ وفي ذَلِكَ فَصْلٌ كَثِيرٌ؛ ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ "عَلى" بِـ "آتَيْناها"؛ عَلى المَعْنى؛ إذِ المَعْنى: "أظْهَرْناها لِإبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ"؛ ونَحْوُ هَذا.

وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "نَرْفَعُ دَرَجاتِ مَن نَشاءُ"؛ بِإضافَةِ الدَرَجاتِ إلى "مَن"؛ وقَرَأ عامِرٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهُما مَأْخَذانِ مِنَ الكَلامِ؛ والمَعْنى المَقْصُودُ بِهِما واحِدٌ؛ و"دَرَجاتٍ"؛ عَلى قِراءَةِ مَن نَوَّنَ؛ نُصِبَ عَلى الظَرْفِيَّةِ؛ "حَكِيمٌ عَلِيمٌ"؛ صِفَتانِ [تَلِيقانِ] بِهَذا المَوْضِعِ؛ إذْ هو مَوْضِعُ مَشِيئَةٍ؛ واخْتِيارٍ؛ فَيَحْتاجُ ذَلِكَ إلى العِلْمِ؛ والإحْكامِ؛ والدَرَجاتُ أصْلُها في الأجْسامِ؛ ثُمَّ تُسْتَعْمَلُ في المَراتِبِ؛ والمَنازِلِ المَعْنَوِيَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَـٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ٨٤ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّۭ مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ٨٥ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًۭا ۚ وَكُلًّۭا فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ ٨٦

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنا ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ وَزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصالِحِينَ ﴾ ﴿ وَإسْماعِيلَ واليَسَعَ ويُونُسَ ولُوطًا وكُلا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ ﴾ "وَوَهَبْنا"؛ عُطِفَ عَلى "آتَيْناها"؛ وإسْحاقُ: اِبْنُهُ مِن سارَةَ؛ ويَعْقُوبُ هو ابْنُ إسْحاقَ ؛ و"كُلًّا"؛ و"نُوحًا"؛ مَنصُوبانِ عَلى المَفْعُولِ؛ مُقَدَّمانِ عَلى الفِعْلِ؛ وقَوْلُهُ: "مِن قَبْلُ"؛ لِقِدَمِهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقَوْلُهُ: "وَمِن ذُرِّيَّتِهِ"؛ اَلْمَعْنى: "وَهَدَيْنا مِن ذُرِّيَّتِهِ..."؛ والضَمِيرُ في "ذُرِّيَّتِهِ": قالَ الزَجّاجُ: جائِزٌ أنْ يَعُودَ عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ويُعْتَرَضَ هَذا بِذِكْرِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وهو لَيْسَ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ بَلْ هو ابْنُ أخِيهِ؛ وقِيلَ: اِبْنُ أُخْتِهِ؛ ويُتَخَرَّجُ عِنْدَ مَن يَرى الخالَ أبًا؛ وقِيلَ: يَعُودُ الضَمِيرُ عَلى نُوحٍ؛ وهَذا هو الجَيِّدُ.

وداوُدُ: يُقالُ: هو ابْنُ أيْشى؛ وسُلَيْمانُ: اِبْنُهُ؛ وأيُّوبُ هو - فِيما يُقالُ - أيُّوبُ بْنُ رازِحَ بْنِ عِيصُو بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ويُوسُفُ هو ابْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ؛ ومُوسى؛ وهارُونُ - عَلَيْهِما السَلامُ - هُما ابْنا عِمْرانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ؛ ونَصْبُ "داوُدَ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِـ "وَوَهَبْنا"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِـ "هَدَيْنا".

وهَذِهِ الأسْماءُ كُلُّها فِيها العُجْمَةُ والتَعْرِيفُ؛ فَهي غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ؛ ومُوسى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وزْنُهُ "مُفْعِلٌ"؛ فَعَلى هَذا يَنْصَرِفُ في النَكِرَةِ؛ وقِيلَ: وزْنُهُ "فُعْلى"؛ فَعَلى هَذا لا يَنْصَرِفُ في مَعْرِفَةٍ ولا نَكِرَةٍ.

﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ ؛ وعْدٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِمَن أحْسَنَ في عَمَلِهِ؛ وتَرْغِيبٌ في الإحْسانِ؛ وزَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَلامُ - فِيما يُقالُ - هو ابْنُ آذَنَ بْنِ بَرْكَنا؛ " وعِيسى " - عَلَيْهِ السَلامُ - ابْنُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ بْنِ ياشَهْمَ بْنِ آمُونَ بْنِ حَزْقِياءَ؛ وإلْياسُ - عَلَيْهِ السَلامُ - هو ابْنُ نَسْمى بْنِ فِنْحاصَ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ بْنِ عِمْرانَ ؛ ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّهُ قالَ: إدْرِيسُ هو إلْياسُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ورَدَّ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ بِأنَّ إدْرِيسَ هو جَدُّ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ تَظاهَرَتْ بِذَلِكَ الرِواياتُ؛ و"زَكَرِيّاءُ"؛ قَرَأتْهُ طائِفَةٌ بِالمَدِّ؛ وقَرَأتْهُ طائِفَةٌ بِالقَصْرِ "زَكَرِيّا"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ - بِاخْتِلافٍ عنهُ -؛ والحَسَنُ ؛ وقَتادَةُ ؛ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ مِن "إلْياسَ".

وفِي هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ؛ أو إبْراهِيمَ - عَلَيْهِما السَلامُ -؛ بِحَسَبِ الِاخْتِلافِ في عَوْدِ الضَمِيرِ مِن "ذُرِّيَّتِهِ"؛ وهو ابْنُ ابْنَتِهِ؛ وبِهَذا يُسْتَدَلُّ في الأحْباسِ عَلى أنَّ ولَدَ البِنْتِ مِنَ الذُرِّيَّةِ؛ وإسْماعِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ - هو أكْبَرُ ولَدَيْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وهو مِن "هاجَرَ"؛ واليَسَعُ: قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: وهو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ؛ وقالَ: غَيْرُهُ: هو اليَسَعُ بْنُ أخُطُوبَ بْنِ العَجُوزِ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "واليَسَعَ"؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "واللَيْسَعَ"؛ كَأنَّ الألِفَ واللامَ دَخَلَتْ عَلى "فَيْعَلَ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: فالألِفُ واللامُ في "اَلْيَسَعَ"؛ زائِدَةٌ لا تُؤْثِرُ مَعْنى تَعْرِيفٍ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ لِلْعَهْدِ؛ كَـ "اَلرَّجُلُ"؛ و"اَلْغُلامُ"؛ ولا لِلْجِنْسِ؛ كَـ "اَلْإنْسانُ"؛ و"اَلْبَهائِمُ"؛ ولا صِفَةً غالِبَةً؛ كَـ " اَلْعَبّاسُ "؛ و" اَلْحارِثُ "؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ "اَلْيَسَعَ" فِعْلًا؛ وحِينَئِذٍ يَجْرِي صِفَةً؛ وإذا كانَ فِعْلًا وجَبَ أنْ يَلْزَمَهُ الفاعِلُ؛ ووَجَبَ أنْ يُحْكى؛ إذْ هي جُمْلَةٌ؛ ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِحاقُ اللامِ لَهُ؛ إذِ اللامُ لا تَدْخُلُ عَلى الفِعْلِ؛ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ تَكُونَ الألِفُ واللامُ زائِدَةً؛ كَما هي زائِدَةٌ في قَوْلِهِمْ: "اَلْخَمْسَةَ العَشَرَ دِرْهَمًا"؛ وفي قَوْلِ الشاعِرِ: يا لَيْتَ أُمَّ العَمْرِ كانَتْ صاحِبِي بِالعَيْنِ؛ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ؛ وفي قَوْلِهِ: وجَدْنا الوَلِيدَ بْنَ اليَزِيدِ مُبارَكًا ∗∗∗ ∗∗∗ شَدِيدًا بِأعْباءِ الخِلافَةِ كاهِلُهْ وأمّا "اَللَّيْسَعَ"؛ فالألِفُ واللامُ فِيهِ بِمَنزِلَتِها في " اَلْحارِثُ "؛ و" اَلْعَبّاسُ "؛ لِأنَّهُ مِن أبْنِيَةِ الصِفاتِ؛ لَكِنَّها بِمَنزِلَةِ "اَلْيَسَعَ"؛ في أنَّهُ خارِجٌ عَمّا عَلَيْهِ الأسْماءُ الأعْجَمِيَّةُ؛ إذْ لَمْ يَجِئْ فِيها شَيْءٌ هو عَلى هَذا الوَزْنِ؛ كَما لَمْ يَجِئْ مِنها شَيْءٌ فِيهِ لامُ تَعْرِيفٍ؛ فَهُما مِنَ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ؛ إلّا أنَّهُما مُخالِفانِ لِلْأسْماءِ فِيما ذُكِرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وأمّا "اَلْيَزِيدَ"؛ فَإنَّهُ لَمّا سُمِّيَ بِهِ أُزِيلَ مِنهُ مَعْنى الفِعْلِ؛ وأُفْرِدَتْ فِيهِ الِاسْمِيَّةُ؛ فَحَصَلَ فِيهِ العَلَمِيَّةُ؛ وزِيدَتْ فِيهِ الألِفُ واللامُ لا لِتَعْرِيفٍ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: دَخَلَتِ الألِفُ واللامُ إتْباعًا لِلَفْظِ "اَلْوَلِيدُ".

ويُونُسُ هو ابْنُ مَتّى؛ ويُقالُ: "يُونُسُ"؛ و"يُونَسُ"؛ و"يُونِسُ"؛ وكَذَلِكَ: "يُوسُفُ"؛ و"يُوسَفُ"؛ و"يُوسِفُ"؛ وبِكَسْرِ النُونِ مِن "يُونِسَ"؛ والسِينِ مِن "يُوسِفَ"؛ قَرَأ الحَسَنُ؛ وابْنُ مُصَرِّفٍ؛ وابْنُ وثّابٍ ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ والأعْمَشُ ؛ في جَمِيعِ القُرْآنِ؛ و"العالَمِينَ"؛ مَعْناهُ: عالَمِي زَمانِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

وَمِنْ ءَابَآئِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ وَإِخْوَٰنِهِمْ ۖ وَٱجْتَبَيْنَـٰهُمْ وَهَدَيْنَـٰهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ٨٧ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٨٨ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ۚ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰٓؤُلَآءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًۭا لَّيْسُوا۟ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ ٨٩ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ ۗ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ ٩٠

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَمِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ ذَلِكَ هُدى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عنهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُبُوَّةَ فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ هو إلا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ ﴾ والمَعْنى: "وَهَدَيْنا مِن آبائِهِمْ؛ وذُرِّيّاتِهِمْ؛ وإخْوانِهِمْ؛ جَماعاتٍ"؛ فَـ "مِن"؛ لِلتَّبْعِيضِ؛ والمُرادُ: "مَن آمَنَ مِنهُمْ؛ نَبِيًّا كانَ؛ أو غَيْرَ نَبِيٍّ"؛ ويَدْخُلُ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - في ضَمِيرِ قَوْلِهِ: "وَمِن آبائِهِمْ"؛ ولِهَذا قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: اَلْخالُ أبٌ؛ والخالَةُ أُمٌّ.

"واجْتَبَيْناهُمْ"؛ مَعْناهُ: تَخَيَّرْناهُمْ؛ وأرْشَدْناهُمْ؛ وضَمَمْناهم إلى خاصَّتِنا؛ وأرْشَدْناهم إلى الإيمانِ؛ والفَوْزِ بِرِضا اللهِ تَعالى ؛ قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: أخْلَصْناهم.

و"اَلذُّرِّيَّةُ": اَلْأبْناءُ؛ ويُطْلَقُ عَلى جَمِيعِ البَشَرِ "ذُرِّيَّةٌ"؛ لِأنَّهم أبْناءٌ؛ وقالَ قَوْمٌ: "اَلذُّرِّيَّةُ"؛ تَقَعُ عَلى الآباءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ  ﴾ ؛ يُرادُ بِهِ نَوْعُ البَشَرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ذَلِكَ هُدى اللهِ يَهْدِي بِهِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "ذَلِكَ": إشارَةٌ إلى النِعْمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ "واجْتَبَيْناهُمْ"؛ ﴾ وإضافَةُ الهُدى إلى اللهِ تَعالى إضافَةُ مِلْكٍ؛ و"لَحَبِطَ"؛ مَعْناهُ: تَلَفَ؛ وذَهَبَ؛ لِسُوءٍ غَلَبَ عَلَيْهِ.

و"أُولَئِكَ": إشارَةٌ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ و"الكِتابَ"؛ يُرادُ بِهِ المُصْحَفُ؛ والتَوْراةُ؛ والإنْجِيلُ؛ والزَبُورُ؛ "والحُكْمَ"؛ يُرادُ بِهِ اللُبُّ؛ والفِطْنَةُ؛ والفَقْهُ في دِينِ اللهِ تَعالى ؛ و"هَؤُلاءِ": إشارَةٌ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ المُعادِينَ لِرَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وإلى كُلِّ كُفّارٍ في ذَلِكَ العَصْرِ؛ قالَهُ قَتادَةُ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ؛ و"قَوْمًا"؛ يُرادُ بِهِ مُؤْمِنُو أهْلِ المَدِينَةِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ؛ فالآيَةُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - وإنْ كانَ القَصْدُ في نُزُولِها هَذَيْنِ الصِنْفَيْنِ - فَهي تَعُمُّ الكَفَرَةَ والمُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ وقالَ قَتادَةُ أيْضًا؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: اَلْمُرادُ بِالقَوْمِ: مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ؛ والمُؤْمِنِينَ؛ وقالَ أبُو رَجاءٍ: اَلْمُرادُ: اَلْمَلائِكَةُ؛ والباءُ في "بِها"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: "بِكافِرِينَ"؛ والباءُ في "بِكافِرِينَ"؛ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللهُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الظاهِرُ في الإشارَةِ؛ بِـ "أُولَئِكَ"؛ أنَّها إلى المَذْكُورِينَ قَبْلُ مِنَ الأنْبِياءِ؛ ومَن مَعَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ المَهْدِيِّينَ؛ ومَعْنى الِاقْتِداءِ: اِتِّباعُ الأثَرِ في القَوْلِ؛ والفِعْلِ؛ والسِيرَةِ؛ وإنَّما يَصِحُّ اقْتِداؤُهُ بِجَمِيعِهِمْ في العُقُودِ؛ والأيْمانِ والتَوْحِيدِ؛ الَّذِي لَيْسَ بَيْنَهم فِيهِ اخْتِلافٌ؛ وأمّا أعْمالُ الشَرائِعِ فَمُخْتَلِفَةٌ؛ وقَدْ قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا  ﴾ ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ بِـ "أُولَئِكَ"؛ إلى قَوْلِهِ: "قَوْمًا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَلِكَ يَتَرَتَّبُ عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ في المُرادِ بِالقَوْمِ؛ ويُقْلِقُ بَعْضَها.

قالَ القاضِي ابْنُ الباقِلّانِيِّ: واخْتَلَفَ الناسُ: هَلْ كانَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَبْلَ مَبْعَثِهِ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَن كانَ قَبْلَهُ؟

فَقالَتْ طائِفَةٌ: كانَ مُتَعَبِّدًا؛ واخْتُلِفَ: بِشَرْعِ مَن؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: بِشَرْعِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وفِرْقَةٌ: بِشَرْعِ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وفِرْقَةٌ: بِشَرْعِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقالَتْ طائِفَةٌ بِالوَقْفِ في ذَلِكَ؛ وقالَتْ طائِفَةٌ: لَمْ يَكُنْ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَن كانَ قَبْلَهُ؛ وهو الَّذِي يُتَرَجَّحُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا يُحْمَلُ كَلامُ القاضِي عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَن كانَ قَبْلَهُ في تَوْحِيدٍ؛ ولا مُعْتَقَدٍ؛ لِأنّا نَجِدُ شَرْعَنا يُنَبِّئُ أنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - كَأبَوَيْهِ؛ وغَيْرِهِما - في النارِ؛ ولا يُدْخِلُ اللهُ تَعالى أحَدًا النارَ إلّا بِتَرْكِ ما كُلِّفَ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا  ﴾ ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وقاعِدَةُ المُتَكَلِّمِينَ أنَّ العَقْلَ لا يُوجِبُ؛ ولا يُكَلِّفُ؛ وإنَّما يُوجِبُ الشَرْعُ؛ فالوَجْهُ في هَذا أنْ يُقالَ: إنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فَمَن بَعْدَهُ؛ دَعا إلى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى دُعاءً عامًّا؛ واسْتَمَرَّ ذَلِكَ عَلى العالَمِ؛ فَواجِبٌ عَلى الآدَمِيِّ البالِغِ أنْ يَبْحَثَ عَلى الشَرْعِ الآمِرِ بِتَوْحِيدِ اللهِ تَعالى ؛ ويَنْظُرَ في الأدِلَّةِ المَنصُوبَةِ عَلى ذَلِكَ؛ بِحَسَبِ إيجابِ الشَرْعِ النَظَرَ فِيها؛ ولا يَعْبُدَ غَيْرَ اللهِ تَعالى ؛ فَمَن فَرَضْناهُ لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إلى العِلْمِ بِشَرْعٍ آمِرٍ بِتَوْحِيدِ اللهِ تَعالى ؛ وهو مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَكْفُرْ؛ ولا عَبَدَ صَنَمًا؛ بَلْ تَخَلّى؛ فَأُولَئِكَ أهْلُ الفَتْراتِ؛ الَّذِينَ أطْلَقَ عَلَيْهِمْ أهْلُ العِلْمِ أنَّهم في الجَنَّةِ؛ وهم بِمَنزِلَةِ الأطْفالِ؛ والمَجانِينِ؛ ومَن قَصَّرَ في النَظَرِ؛ والبَحْثِ؛ فَعَبَدَ صَنَمًا؛ وكَفَرَ؛ فَهَذا تارِكٌ لِلْواجِبِ عَلَيْهِ؛ مُسْتَوْجِبٌ العِقابَ بِالنارِ؛ فالنَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَبْلَ المَبْعَثِ؛ ومَن كانَ مَعَهُ مِنَ الناسِ؛ وقَبْلَهُ؛ مُخاطَبُونَ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَلامُ - قَبْلُ بِتَوْحِيدِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وغَيْرُ مُخاطَبِينَ بِفُرُوعِ شَرائِعِهِمْ؛ إذْ هي مُخْتَلِفَةٌ؛ وإذْ لَمْ يَدْعُهم إلَيْها نَبِيٌّ؛ وأمّا بَعْدَ مَبْعَثِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَهَلْ هو وأُمَّتُهُ مُخاطَبُونَ بِشَرْعِ مَن تَقَدَّمَ؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: لَسْنا مُخاطَبِينَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَحْنُ مُخاطَبُونَ بِشَرْعِ مَن قَبْلَنا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَن قالَ مِن هَذِهِ الطائِفَةِ: إنَّ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - وأُمَّتَهُ مُخاطَبُونَ بِكُلِّ شَرائِعِ مَن تَقَدَّمَ؛ عَلى الإطْلاقِ؛ فَقَدْ أحالَ؛ لِأنَّ أحْكامَ الشَرائِعِ تَأْتِي مُخْتَلِفَةً؛ وإنَّما يَتَّخِذُونَ قَوْلَ مَن قالَ مِنها: إنّا مُتَعَبِّدُونَ بِما صَحَّ نَقْلُهُ مِن شَرائِعِ مَن قَبْلَنا؛ ولَمْ تَخْتَلِفْ فِيهِ الشَرائِعُ؛ وبِالآخِرِ مِمّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ؛ لِأنَّهُ الناسِخُ المُتَقَدِّمُ؛ ويُرْتَكَزُ في صِحَّةِ نَقْلِ ذَلِكَ إلى ما وقَعَ في القُرْآنِ؛ وفي حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن حِكايَةِ أحْكامٍ سالِفَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ  ﴾ ؛ وكَقَوْلِهِ: أقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي؛ وكَحِكايَةِ تَزْوِيجِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - ابْنَتَهُ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وكَحَدِيثِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في قَضِيَّةِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَلامُ - بَيْنَ المَرْأتَيْنِ في الوَلَدِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ.

ولا يَقْتَضِي قَوْلُهم أكْثَرَ مِن جَوازِ أنْ يُتَعَبَّدَ بِذَلِكَ؛ وأمّا وُجُوبُ أنْ يُتَعَبَّدَ [بِهِ] فَغَيْرُ لازِمٍ؛ ولا يَتَعَلَّقَ عِنْدِي أشْبَهَ في ذَلِكَ مِن أنْ يُقالَ: اَلنَّبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - شَرَعَ لِأُمَّتِهِ أنْ يُصَلِّيَ [الواحِدُ مِنَ] الناسِ صَلاتَهُ إذا ذَكَرَها؛ ثُمَّ مَثَّلَ في ذَلِكَ - لا عَلى طَرِيقِ التَعْلِيلِ - بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِمُوسى: ﴿ وَأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي  ﴾ ؛ فَنَنْقُلُ نَحْنُ هَذا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النَوازِلِ؛ ونَقُولُ: إنَّهُ كَما شَرَعَ عِنْدَنا المِثالَ في نِسْيانِ الصَلاةِ؛ كَذَلِكَ نُشَرِّعُ هَذِهِ الأمْثِلَةَ كُلَّها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قِياسٌ ضَعِيفٌ؛ ولَوْ ذَكَرَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَوْلَهُ تَعالى ﴿ وَأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي  ﴾ ؛ عَلى جِهَةِ التَعْلِيلِ؛ لَكانَتِ الحُجَّةُ بِهِ قَوِيَّةً؛ ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: يَصِحُّ عِنْدَنا نَقْلُ ما في الشَرائِعِ مِن جِهَةِ مَن أسْلَمَ مِنهُمْ؛ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ ؛ وغَيْرِهِ؛ صِحَّةً نَنْقُلُها؛ وكَذَلِكَ ما شَرَعَهُ الحَوارِيُّونَ لا سَبِيلَ إلى صِحَّةِ شَرْعِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لَهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأهْلُ مَكَّةَ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وأهْلُ المَدِينَةِ؛ وعاصِمٌ: "اِقْتَدِهْ"؛ بِهاءِ السَكْتِ؛ ثابِتَةً في الوَصْلِ؛ والوَقْفِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "اِقْتَدِ"؛ قالَ: بِحَذْفِ الهاءِ في الوَصْلِ؛ وإثْباتِها في الوَقْفِ؛ وهَذا هو القِياسُ؛ وهي تُشْبِهُ ألِفَ الوَصْلِ في أنَّها تُقْطَعُ في الِابْتِداءِ؛ وتُوصَلُ غَيْرَ مُبْتَدَإٍ بِها؛ فَكَذَلِكَ هَذِهِ؛ تَثْبُتُ في الوَقْفِ؛ وتُحْذَفُ في الوَصْلِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "اِقْتَدِهِ"؛ بِكَسْرِ الهاءِ؛ دُونَ بُلُوغِ الياءِ؛ قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: وهَذا غَلَطٌ لِأنَّها هاءُ وقْفٍ؛ لا تُعْرَبُ عَلى حالٍ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ووَجْهُ ذَلِكَ أنْ تَكُونَ ضَمِيرَ المَصْدَرِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "اِقْتَدِ الِاقْتِداءَ"؛ وقَرَأ ابْنُ ذِكْوانَ عَلى هَذِهِ: "اِقْتَدِهِ"؛ بِإشْباعِ الياءِ بَعْدَ الهاءِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ كَسْرَ الهاءِ إنَّما هو في هاءِ السَكْتِ؛ كَما قَدْ تُسَكَّنُ هاءُ الضَمِيرِ أحْيانًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ ولا تَجُوزُ عَلَيْهِ القِراءَةُ بِإشْباعِ الياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ لا أسْألُكُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المَعْنى: "قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُعانِدِينَ: لا أسْألُكم عَلى دُعائِي إيّاكم بِالقُرْآنِ إلى عِبادَةِ اللهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ؛ أسْتَكْثِرُ بِها؛ وأُخْتَصُّ بِدُنْياها؛ إنِ القُرْآنُ إلّا مَوْعِظَةٌ؛ وذِكْرى؛ ودُعاءٌ لِجَمِيعِ العالَمِينَ".

<div class="verse-tafsir"

وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ إِذْ قَالُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍۢ مِّن شَىْءٍۢ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًۭا وَهُدًۭى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًۭا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنتُمْ وَلَآ ءَابَآؤُكُمْ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ٩١

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللهَ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ قُلْ مِن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وهُدًى لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكم قُلْ اللهَ ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾ اَلضَّمِيرُ في "قَدَرُوا"؛ و"قالُوا"؛ قِيلَ يُرادُ بِهِ العَرَبُ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُ؛ وقِيلَ: يُرادُ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وقِيلَ: رَجُلٌ مَخْصُوصٌ مِنهُمْ؛ يُقالُ لَهُ: مالِكُ بْنُ الصَيْفِ؛ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وقِيلَ: في فِنْحاصَ؛ قالَهُ السُدِّيُّ.

و"قَدَرُوا"؛ هو مِن تَوْفِيَةِ القَدْرِ والمَنزِلَةِ؛ فَهي عامَّةٌ يَدْخُلُ تَحْتَها مَن لَمْ يَعْرِفْ؛ ومَن لَمْ يُعَظِّمْ؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ غَيْرَ أنَّ تَعْلِيلَهُ بِقَوْلِهِمْ: "ما أنْزَلَ اللهُ"؛ يَقْضِي بِأنَّهم جَهِلُوا؛ ولَمْ يَعْرِفُوا اللهَ تَعالى حَقَّ مَعْرِفَتِهِ؛ إذْ أحالُوا عَلَيْهِ تَعالى بَعْثَهُ الرُسُلَ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -؛ و"حَقَّ"؛ نُصِبَ عَلى المُقَدَّرِ؛ ومَن قالَ "إنَّ المُرادَ كُفّارُ العَرَبِ"؛ فَيَجِيءُ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى ﴾ ؛ اِحْتِجاجًا بِأمْرٍ مَشْهُورٍ؛ مَنقُولٍ بِكافَّةِ قَوْمٍ لَمْ تَكُنِ العَرَبُ مُكَذِّبَةً لَهُمْ؛ ومَن قالَ: "إنَّ المُرادَ بَنُو إسْرائِيلَ"؛ فَيَجِيءُ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ مُسْتَقِيمًا؛ لِأنَّهم يَلْتَزِمُونَ صِحَّةَ نُزُولِ الكِتابِ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ.

ورُوِيَ «أنَّ مالِكَ بْنَ الصَيْفِ كانَ سَمِينًا؛ فَجاءَ يُخاصِمُ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِزَعْمِهِ؛ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "أنْشُدُكَ اللهَ؛ ألَسْتَ تَقْرَأُ فِيما أُنْزِلَ عَلى مُوسى أنَّ اللهَ يُبْغِضُ الحَبْرَ السَمِينَ؟"؛ فَغَضِبَ؛ وقالَ: "واللهِ ما أنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ".» والآيَةُ - عَلى قَوْلِ مَن قالَ: نَزَلَتْ في قَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ - تَلْزَمُ أنْ تَكُونَ مَدَنِيَّةً؛ وكَذَلِكَ حَكى النَقّاشُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وعِيسى الثَقَفِيُّ ؛ وغَيْرُهُما: "وَما قَدَّرُوا"؛ بِتَشْدِيدِ الدالِ؛ "اللهَ حَقَّ قَدَرِهِ"؛ بِفَتْحِ الدالِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ في الأوَّلِ بِالتَخْفِيفِ؛ وفي الثانِي بِإسْكانِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَسْتَفْهِمَ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ عَلى مَوْضِعِ الحُجَّةِ؛ والمُرادُ بِـ "اَلْكِتابَ"؛ التَوْراةُ؛ و"نُورًا وهُدًى"؛ اِسْمانِ في مَوْضِعِ الحالِ؛ بِمَعْنى: "نَيِّرًا؛ وهادِيًا"؛ فَإنْ جَعَلْناهُ حالًا مِن "اَلْكِتابَ"؛ فالعامِلُ فِيهِ "أنْزَلَ"؛ وإنْ جَعَلْناهُ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "بِهِ"؛ فالعامِلُ فِيهِ "جاءَ".

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ"؛ بِالتاءِ مِن فَوْقُ؛ في الأفْعالِ الثَلاثَةِ؛ فَمَن رَأى أنَّ الِاحْتِجاجَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ اسْتَقامَتْ لَهُ هَذِهِ القِراءَةُ؛ وتَناسَقَتْ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا ﴾ ؛ ومَن رَأى أنَّ الِاحْتِجاجَ إنَّما هو عَلى كُفّارِ العَرَبِ؛ فَيَضْطَرُّ في هَذِهِ القِراءَةِ - إذْ لا يُمْكِنُ رَفْعُها - إلى أنْ يَقُولَ: إنَّهُ خَرَجَ مِن مُخاطَبَةِ قُرَيْشٍ في اسْتِفْهامِهِمْ؛ وتَقْرِيرِهِمْ؛ إلى مُخاطَبَةِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ بِتَوْبِيخِهِمْ؛ وتَوْبِيخِ أفْعالِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مَعَ بُعْدِهِ أسْهَلُ مِن دَفْعِ القِراءَةِ؛ فَكَأنَّهُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - قالَ لِقُرَيْشٍ: "مَن أنْزَلَ الكِتابَ عَلى مُوسى؟"؛ ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَقالَ لَهم - خِلالَ الكَلامِ -: "تَجْعَلُونَهُ أنْتُمْ يا بَنِي إسْرائِيلَ قَراطِيسَ"؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "يَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ يُبْدُونَها ويُخْفُونَ كَثِيرًا"؛ بِالياءِ في الأفْعالِ الثَلاثَةِ؛ فَمَن رَأى الِاحْتِجاجَ عَلى قُرَيْشٍ رَآهُ إخْبارًا مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِما فَعَلَتْهُ اليَهُودُ في الكِتابِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإخْبارُ بِذَلِكَ لِقُرَيْشٍ؛ أو لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وحْدَهُ؛ وما أُخْبِرَ بِهِ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في القُرْآنِ؛ فَأُمَّتُهُ مُتَلَقِّيَةٌ ذَلِكَ.

و"قَراطِيسَ"؛ جَمْعُ قِرْطاسٍ؛ أيْ بَطائِقَ؛ وأوراقًا؛ والمَعْنى يَجْعَلُونَهُ ذا قَراطِيسَ؛ مِن حَيْثُ يُكْتَبُ فِيها؛ وتَوْبِيخُهم بِالإبْداءِ؛ والإخْفاءِ؛ هو عَلى إخْفائِهِمْ آياتِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والإخْبارِ بِنُبُوَّتِهِ؛ وجَمِيعِ ما عَلَيْهِمْ فِيهِ حُجَّةٌ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكُمْ ﴾ ؛ قالَ مُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُ: هي مُخاطَبَةٌ لِلْعَرَبِ؛ فالمَعْنى - عَلى هَذا - قَصْدُ ذِكْرِ مِنَّةِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ؛ أيْ: "عُلِّمْتُمْ يا مَعْشَرَ العَرَبِ مِنَ الهِداياتِ؛ والتَوْحِيدِ؛ والإرْشادِ إلى الحَقِّ؛ ما لَمْ تَكُونُوا عالِمِينَ بِهِ؛ ولا آباؤُكُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا ﴾ ؛ يَصْلُحُ - عَلى هَذا المَعْنى - لِمُخاطَبَةِ مَنِ انْتَفَعَ بِالتَعْلِيمِ؛ ومَن لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ؛ ويَصِحُّ الِامْتِنانُ بِتَعْلِيمِ الصِنْفَيْنِ؛ ولَيْسَ مِن شَرْطِ مَن عُلِّمَ أنْ يُعَلِّمَ ولا بُدَّ؛ أما إنَّ التَعْلِيمَ الكامِلَ هو الَّذِي يَقَعُ مَعَهُ التَعَلُّمُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هي مُخاطَبَةٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ؛ والمَعْنى - عَلى هَذا - يَتَرَتَّبُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُقْصَدَ بِهِ الِامْتِنانُ عَلَيْهِمْ وعَلى آبائِهِمْ؛ بِأنْ عُلِّمُوا مِن دِينِ اللهِ تَعالى وهِداياتِهِ ما لَمْ يَكُونُوا عالِمِينَ بِهِ؛ لِأنَّ آباءَ المُخاطَبِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا عُلِّمُوا أيْضًا؛ وعَلِمَ بَعْضُهُمْ؛ ولَيْسَ ذَلِكَ في آباءِ العَرَبِ؛ والوَجْهُ الآخَرُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ ذَمُّهُمْ؛ أيْ: "وَعُلِّمْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم ما لَمْ تَعْلَمُوهُ بَعْدَ التَعْلِيمِ؛ ولا انْتَفَعْتُمْ بِهِ؛ لِإعْراضِكُمْ؛ وضَلالِكُمْ".

ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالمُبادَرَةِ إلى مَوْضِعِ الحُجَّةِ؛ أيْ: "قُلْ لَهُمْ: اَللَّهُ تَعالى هو الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ عَلى مُوسى"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "فَإنْ جَهِلُوا؛ أو تَحَيَّرُوا؛ أو سَألُوا؛ أو نَحْوَ هَذا؛ فَقُلْ: اَللَّهُ"؛ ثُمَّ أمَرَهُ بِتَرْكِ مَن كَفَرَ وأعْرَضَ.

وهَذِهِ آيَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ؛ إنْ تُؤُوِّلَتْ مُوادَعَةً؛ وقَدْ يُحْتَمَلُ ألّا يَدْخُلَها نَسْخٌ إذا جُعِلَتْ تَتَضَمَّنُ تَهْدِيدًا؛ ووَعِيدًا مُجَرَّدًا مِن مُوادَعَةٍ.

والخَوْضُ: اَلذَّهابُ فِيما لا تُسْبَرُ حَقائِقُهُ؛ وأصْلُهُ في الماءِ؛ ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في المَعانِي المُشْكِلَةِ المُلْتَبِسَةِ؛ و"يَلْعَبُونَ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ.

<div class="verse-tafsir"

وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌۭ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ۚ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ٩٢

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى "وَهَذا"؛ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ؛ و"مُبارَكٌ"؛ صِفَةٌ لَهُ؛ و"مُصَدِّقُ"؛ كَذَلِكَ؛ وحُذِفَ التَنْوِينُ مِن "مُصَدِّقُ"؛ لِلْإضافَةِ؛ وهي إضافَةٌ غَيْرُ مَحْضَةٍ؛ لَمْ يُتَعَرَّفْ بِها "مُصَدِّقُ"؛ ولِذَلِكَ ساغَ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِنَكِرَةٍ؛ و"اَلَّذِي"؛ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ؛ والعامِلُ فِيهِ مَصْدَرٌ؛ ولا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ "مُصَدِّقُ" - مَعَ حَذْفِ التَنْوِينِ مِنهُ - يَتَسَلَّطُ عَلى "اَلَّذِي"؛ ويُقَدَّرَ حَذْفُ التَنْوِينِ لِلِالتِقاءِ؛ وإنَّما جاءَ ذَلِكَ شاذًّا في الشِعْرِ؛ في قَوْلِهِ: فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ∗∗∗ ولا ذاكِرَ اللهَ إلّا قَلِيلا ولا يُقاسُ عَلَيْهِ؛ و"بَيْنَ يَدَيْهِ"؛ هي حالُ التَوْراةِ؛ والإنْجِيلِ؛ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ فَهو بَيْنَ يَدَيْ ما تَأخَّرَ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ القِيامَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأنَّ القُرْآنَ هو بَيْنَ يَدَيِ القِيامَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى"؛ أيْ: "أنْتَ يا مُحَمَّدُ"؛ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عن عاصِمٍ: "وَلِيُنْذِرَ"؛ أيِ اَلْقُرْآنَ؛ بِمَواعِظِهِ؛ وأوامِرِهِ؛ واللامُ في "وَلِتُنْذِرَ"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُتَأخِّرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى؛ ومَن حَوْلَها؛ أنْزَلْناهُ".

وأُمُّ القُرى: مَكَّةُ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِوُجُوهٍ أرْبَعَةٍ: مِنها أنَّها مَنشَأُ الدِينِ؛ والشَرْعِ؛ ومِنها ما رُوِيَ أنَّ الأرْضَ مِنها دُحِيَتْ؛ ومِنها أنَّها وسَطُ الأرْضِ؛ ومِنها ما لَحِقَ عَنِ الشَرْعِ مِن أنَّها قِبْلَةُ كُلِّ قَرْيَةٍ؛ فَهي - لِهَذا كُلِّهِ - أمٌّ؛ وسائِرُ القُرى بَناتٌ؛ وتَقْدِيرُ الآيَةِ: "لِتُنْذِرَ أهْلَ أُمِّ القُرى"؛ و"وَمَن حَوْلَها"؛ يُرِيدُ أهْلَ سائِرِ الأرْضِ؛ و"حَوْلَها"؛ ظَرْفٌ؛ اَلْعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "وَمَنِ اسْتَقَرَّ حَوْلَها".

ثُمَّ ابْتَدَأ - تَبارَكَ وتَعالى - مَدْحَ قَوْمٍ وصَفَهم وأخْبَرَ عنهم أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ؛ والبَعْثِ والنُشُورِ؛ ويُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ؛ ويُصَدِّقُونَ بِحَقِيقَتِهِ؛ ثُمَّ قَوّى - تَبارَكَ وتَعالى - مَدْحَهم بِأنَّهم يُحافِظُونَ عَلى صَلاتِهِمُ الَّتِي هي قاعِدَةُ العِباداتِ؛ وأُمُّ الطاعاتِ.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وأبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عن عاصِمٍ: "صَلَواتِهِمْ"؛ بِالجَمْعِ؛ ومَن قَرَأ بِالإفْرادِ فَإنَّهُ مُفْرَدٌ يَدُلُّ عَلى الجَمْعِ؛ وإذا انْضافَتِ الصَلاةُ إلى ضَمِيرٍ لَمْ تُكْتَبْ إلّا بِالألِفِ ولا تُكْتَبُ في المُصْحَفِ بِواوٍ إلّا إذا لَمْ تَنْضَفْ إلى ضَمِيرٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌۭ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۗ وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِى غَمَرَٰتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓا۟ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوٓا۟ أَنفُسَكُمُ ۖ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَـٰتِهِۦ تَسْتَكْبِرُونَ ٩٣

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللهِ ولَوْ تَرى إذِ الظالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلى اللهِ غَيْرَ الحَقِّ وكُنْتُمْ عن آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ هَذِهِ ألْفاظٌ عامَّةٌ؛ فَكُلُّ مَن واقَعَ شَيْئًا مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ هَذِهِ الألْفاظِ فَهو داخِلٌ في الظُلْمِ الَّذِي قَدْ عَظَّمَهُ اللهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: "وَمَن أظْلَمُ"؛ أيْ: "لا أحَدَ أظْلَمُ..."؛ وقالَ قَتادَةُ ؛ وغَيْرُهُ: اَلْمُرادُ بِهَذِهِ الآياتِ مُسَيْلِمَةُ؛ والأسْوَدُ العنسِيُّ ؛ وذَكَرُوا رُؤْيَةَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِلسُّوارَيْنِ؛ وقالَ السُدِّيُّ: اَلْمُرادُ بِها «عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ العامِرِيِّ؛ وكانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الوَحْيَ؛ وكانَ أخا عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - مِنَ الرَضاعَةِ؛ فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ  ﴾ ﴿ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ  ﴾ ﴿ ثُمَّ خَلَقْنا النُطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ  ﴾ ؛ فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدٍ - مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ -: ﴿ فَتَبارَكَ اللهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ  ﴾ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "اُكْتُبْها؛ فَهَكَذا أُنْزِلَتْ"؛ فَتَوَهَّمَ عَبْدُ اللهِ ؛ ولَحِقَ بِمَكَّةَ مُرْتَدًّا؛ وقالَ: أنا أُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللهُ؛» ورُوِيَ عنهُ أيْضًا «أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رُبَّما أمْلى عَلَيْهِ: "واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ"؛ فَبَدَّلَها هُوَ: "واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"؛ فَقالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "ذَلِكَ سَواءٌ"؛» ونَحْوُ هَذا.

وَقالَ عِكْرِمَةُ: أوَّلُها في مُسَيْلِمَةَ؛ والآخِرُ في عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ ؛ وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ ؛ والمَهْدَوِيُّ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَضْرِ بْنِ الحارِثِ ؛ لِأنَّهُ عارَضَ القُرْآنَ بِقَوْلِهِ: "والزارِعاتِ زَرْعًا؛ والخابِزاتِ خَبْزًا"؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ السَخافاتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَخَصَّصَ المُتَأوِّلُونَ في هَذِهِ الآياتِ ذِكْرَ قَوْمٍ قَدْ يُمْكِنُ أنْ كانُوا أسْبابَ نُزُولِها؛ ثُمَّ هي إلى يَوْمِ القِيامَةِ تَتَناوَلُ مَن تَعَرَّضَ شَيْئًا مِن مَعانِيها؛ كَطُلَيْحَةَ الأسَدِيِّ؛ والمُخْتارِ بْنِ أبِي عُبَيْدٍ ؛ وسِواهُما؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ ﴾ ؛ بِتَخْفِيفٍ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "سَأُنَزِّلُ"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ وتَشْدِيدِ الزايِ.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَوْ تَرى إذِ الظالِمُونَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ جَوابُ "وَلَوْ"؛ مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: لَرَأيْتَ عَجَبًا؛ أو هَوْلًا؛ ونَحْوَ هَذا؛ وحَذْفُ هَذا الجَوابِ أبْلَغُ مِن نَصِّهِ؛ لِأنَّ السامِعَ إذا لَمْ يُنَصَّ لَهُ الجَوابُ يُتْرَكُ مَعَ غايَةِ تَخَيُّلِهِ؛ و"اَلظّالِمُونَ"؛ لَفْظٌ عامٌّ لِمَن واقَعَ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الظُلْمِ الَّذِي هو كُفْرٌ؛ والغَمَراتُ: جَمْعُ "غَمْرَةٌ"؛ وهي المُصِيبَةُ المُبْهَمَةُ المُذْهِلَةُ؛ وهي مُشَبَّهَةٌ بِغَمْرَةِ الماءِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولا يُنْجِي مِنَ الغَمَراتِ إلّا ∗∗∗ بَراكاءُ القِتالِ أوِ الفِرارُ "والمَلائِكَةُ"؛ مَلائِكَةُ قَبْضِ الرُوحِ؛ و ﴿ باسِطُو أيْدِيهِمْ ﴾ ؛ كِنايَةٌ عن مَدِّها بِالمَكْرُوهِ؛ كَما قالَ تَعالى - حِكايَةً عَنِ ابْنَيْ آدَمَ -: ﴿ لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي  ﴾ ؛ وهَذا المَكْرُوهُ هو - لا مَحالَةَ - أوائِلُ عَذابٍ؛ وأماراتُهُ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ؛ وأمّا البَسْطُ لِمُجَرَّدِ قَبْضِ النَفْسِ فَإنَّهُ يَشْتَرِكُ فِيهِ الصالِحُونَ؛ والكَفَرَةُ؛ وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بَسْطُ الأيْدِي في جَهَنَّمَ؛ والغَمَراتِ كَذَلِكَ؛ لَكِنَّهم لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ ﴾ ؛ حِكايَةٌ لِما تَقُولُهُ المَلائِكَةُ؛ والتَقْدِيرُ: "يَقُولُونَ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمْ"؛ ويَحْتَمِلُ قَوْلُ المَلائِكَةِ ذَلِكَ أنْ يُرِيدُوا: "فَأخْرِجُوا أنْفُسَكم مِن هَذِهِ المَصائِبِ؛ والمِحَنِ؛ وخَلِّصُوها؛ إنْ كانَ ما زَعَمْتُمُوهُ حَقًّا في الدُنْيا"؛ وفي ذَلِكَ تَوْبِيخٌ؛ وتَوْقِيفٌ عَلى سالِفِ فِعْلِهِمُ القَبِيحِ؛ قالَ الحَسَنُ: هَذا التَوْبِيخُ - عَلى هَذا الوَجْهِ - هو في جَهَنَّمَ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى مَعْنى الزَجْرِ؛ والإهانَةِ؛ كَما يَقُولُ الرَجُلُ لِمَن يَقْهَرُهُ بِنَفْسِهِ عَلى أمْرٍ ما: "اِفْعَلْ كَذا"؛ لِذَلِكَ الأمْرِ الَّذِي هو يَتَناوَلُهُ بِنَفْسِهِ مِنهُ عَلى جِهَةِ الإهانَةِ؛ وإدْخالِ الرُعْبِ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذِهِ حِكايَةٌ عن قَوْلِ المَلائِكَةِ لِلْكَفَرَةِ عِنْدَ قَبْضِ أرْواحِهِمْ؛ و"اَلْهُونُ": اَلْهَوانُ؛ ومِنهُ قَوْلُ ذِي الإصْبَعِ: إلَيْكَ عَنِّي فَما أُمِّي بِراعِيَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ تَرْعى المَخاضَ ولا أُغْضِي عَلى الهُونِ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ؛ وعِكْرِمَةُ: "عَذابَ الهَوانِ"؛ بِالألِفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ تَقُولُونَ عَلى اللهِ غَيْرَ الحَقِّ ﴾ ؛ لَفْظٌ جامِعٌ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الكُفْرِ؛ ولَكِنَّهُ يَظْهَرُ مِنهُ؛ ومِن قَوْلِهِ: ﴿ وَكُنْتُمْ عن آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ ؛ اَلْإنْحاءُ عَلى مَن قَرُبَ ذِكْرُهُ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ ادَّعَوُا الوَحْيَ؛ وأنْ يُنْزِلُوا مِثْلَ ما أنْزَلَ اللهُ تَعالى ؛ فَإنَّها أفْعالٌ بَيِّنٌ فِيها قَوْلُ غَيْرِ الحَقِّ عَلى اللهِ تَعالى ؛ وبَيِّنٌ فِيها الِاسْتِكْبارُ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَـٰٓؤُا۟ ۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ٩٤

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكم وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم وضَلَّ عنكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ هَذِهِ حِكايَةٌ عَمّا يُقالُ لَهم بَعْدَ قَبْضِ أرْواحِهِمْ؛ فَإمّا عِنْدَ خُرُوجِها مِنَ الأجْسادِ؛ وإمّا يَوْمَ القِيامَةِ؛ كُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ.

و"فُرادى"؛ مَعْناهُ: فَرْدًا فَرْدًا؛ والألِفُ في آخِرِهِ ألِفُ تَأْنِيثٍ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَرى النُعَراتِ الزُرْقَ تَحْتَ لَبانِهِ ∗∗∗ فُرادى ومَثْنى أضْعَفَتْها صَواهِلُهْ وَقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فُرادًا"؛ مُنَوَّنًا؛ عَلى وزْنِ "فُعالًا"؛ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ؛ "وَفُرادى"؛ قِيلَ: هو جَمْعُ "فَرَدٌ"؛ بِفَتْحِ الراءِ؛ وقِيلَ: جَمْعُ "فَرْدٌ"؛ بِإسْكانِ الراءِ؛ والمَقْصِدُ في الآيَةِ تَوْقِيفُ الكُفّارِ عَلى انْفِرادِهِمْ؛ وقِلَّةِ النَصِيرِ؛ واحْتِياجِهِمْ إلى اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِفَقْدِ الخَوَلِ؛ والشُفَعاءِ؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ ؛ تَشْبِيهًا بِالِانْفِرادِ الأوَّلِ؛ في وقْتِ الخِلْقَةِ؛ ويُتَوَجَّهُ مَعْنًى آخَرُ؛ وهُوَ: أنْ يَتَضَمَّنَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ كَما خَلَقْناكُمْ ﴾ ؛ زِيادَةَ مَعانٍ عَلى الِانْفِرادِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى؛ وبِأحْوالِ كَذا"؛ والإشارَةُ - عَلى هَذا - بِقَوْلِهِ تَعالى "كَما"؛ هي إلى ما قالَهُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في صِفَةِ مَن يُحْشَرُ [مِن] أنَّهم يُحْشَرُونَ حُفاةً؛ عُراةً؛ غُرْلًا.

و"خَوَّلْناكُمْ"؛ مَعْناهُ: أعْطَيْناكُمْ؛ وكانَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ يُنْشِدُ بَيْتَ زُهَيْرٍ: هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخْوِلُوا ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ يُسْألُوا يُعْطُوا وإنْ يَيْسِرُوا يُغْلُوا "وَراءَ ظُهُورِكُمْ"؛ إشارَةٌ إلى الدُنْيا؛ لِأنَّهم يَتْرُكُونَ ذَلِكَ مَوْجُودًا.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَوْقِيفٌ عَلى الخَطَإ في عِبادَةِ الأصْنامِ؛ وتَعْظِيمِها؛ قالَ الطَبَرِيُّ: ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَضْرِ بْنِ الحارِثِ ؛ لِأنَّهُ قالَ: سَوْفَ تَشْفَعُ لِيَ اللاتُ والعُزّى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَن كانَ مِنَ العَرَبِ يَعْتَقِدُ أنَّها تَشْفَعُ؛ وتُقَرِّبُ إلى اللهِ تَعالى زُلْفى؛ ويَرى شَرِكَتَها بِهَذا الوَجْهِ؛ فَمُخاطَبَتُهم بِالآيَةِ مُتَمَكِّنَةٌ؛ وهَكَذا كانَ الأكْثَرُ؛ ومَن كانَ مِنهم لا يُقِرُّ بِإلَهِ غَيْرِها فَلَيْسَ هو في هَذِهِ الآيَةِ.

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ: "بَيْنُكُمْ"؛ بِالرَفْعِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ والكِسائِيُّ: "بَيْنَكُمْ"؛ بِالنَصْبِ؛ أمّا الرَفْعُ فَعَلى وُجُوهٍ: أوَّلُها أنَّ الظَرْفَ اسْتُعْمِلَ اسْمًا؛ وأُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلَ؛ كَما قَدِ اسْتَعْمَلُوهُ اسْمًا في قَوْلِهِ تَعالى مِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ ؛ وكَقَوْلِهِمْ فِيما حَكى سِيبَوَيْهِ: "أحْمَرُ بَيْنَ العَيْنَيْنِ"؛ ورَجَّحَ هَذا القَوْلَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ ؛ والوَجْهُ الآخَرُ أنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ - مِنهُمُ الزَهْراوِيُّ ؛ والمَهْدَوِيُّ؛ وأبُو الفَتْحِ؛ وسِواهم - حَكَوْا أنَّ "اَلْبَيْنَ"؛ في اللُغَةِ يُقالُ عَلى الِافْتِراقِ؛ وعَلى الوَصْلِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "لَقَدْ تَقَطَّعَ وصْلُكُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا عِنْدِي اعْتِراضٌ لِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يُرْوَ مَسْمُوعًا عَنِ العَرَبِ؛ وإنَّما انْتُزِعَ مِنَ الآيَةِ؛ والآيَةُ مُحْتَمَلَةٌ؛ قالَ الخَلِيلُ في "اَلْعَيْنُ": "والبَيْنُ: اَلْوَصْلُ؛ لِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ "؛ فَعَلَّلَ سَوْقَ اللَفْظَةِ بِالآيَةِ؛ والآيَةُ مُعَرَّضَةٌ لِغَيْرِ ذَلِكَ؛ أما إنَّ أبا الفَتْحِ قَوّى أنَّ البَيْنَ: اَلْوَصْلُ؛ وقالَ: "وَقَدْ أتْقَنَ ذَلِكَ بَعْضُ المُحَدِّثِينَ بِقَوْلِهِ: قَدْ أنْصَفَ البَيْنُ مِنَ البَيْنِ"؛ والوَجْهُ الثالِثُ مِن وُجُوهِ الرَفْعِ أنْ يَكُونَ "اَلْبَيْنُ"؛ عَلى أصْلِهِ في الفُرْقَةِ؛ مِن: "بانَ؛ يَبِينُ"؛ إذا بَعُدَ؛ ويَكُونَ في قَوْلِهِ تَعالى "تَقَطَّعَ"؛ تَجَوُّزٌ عَلى نَحْوِ ما يُقالُ في الأمْرِ البَعِيدِ في المَسافَةِ: "تَقَطَّعَتِ الفِجاجُ بَيْنَ كَذا؛ وكَذا"؛ عِبارَةً عن بُعْدِ ذَلِكَ؛ ويَكُونَ المَقْصِدُ: "لَقَدْ تَقَطَّعَتِ المَسافَةُ بَيْنَكم لِطُولِها"؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِالبَيْنِ؛ الَّذِي هو الفُرْقَةُ.

وأمّا وجْهُ قِراءَةِ النَصْبِ فَأنْ يَكُونَ ظَرْفًا؛ ويَكُونَ الفِعْلُ مُسْتَنِدًا إلى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ؛ وتَقْدِيرُهُ: "لَقَدْ تَقَطَّعَ الِاتِّصالُ؛ أو الِارْتِباطُ بَيْنَكُمْ"؛ أو نَحْوُ هَذا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا وجْهٌ واضِحٌ؛ وعَلَيْهِ فَسَّرَهُ الناسُ: مُجاهِدٌ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُما؛ ووَجْهٌ آخَرُ يَراهُ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ ؛ وهو أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مُسْنَدًا إلى الظَرْفِ؛ ويَبْقى الظَرْفُ عَلى حالِ نَصْبِهِ؛ وهو في النِيَّةِ مَرْفُوعٌ؛ ومِثْلُ هَذا عِنْدَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَأنّا مِنّا الصالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ  ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ والأعْمَشُ: "تَقَطَّعَ ما بَيْنَكُمْ"؛ بِزِيادَةِ "ما"؛ "وَضَلَّ"؛ مَعْناهُ: تَلَفَ؛ وذَهَبَ؛ و ﴿ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ ؛ يُرِيدُ دَعْواهم أنَّها تَشْفَعُ؛ وتُشارِكُ اللهَ تَعالى في الأُلُوهِيَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

۞ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ ۖ يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَىِّ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ٩٥ فَالِقُ ٱلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَنًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَانًۭا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ٩٦

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ إنَّ اللهَ فالِقُ الحَبِّ والنَوى يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيَّ ذَلِكُمُ اللهَ فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ ﴿ فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَيْلَ سَكَنًا والشَمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ ﴾ هَذا ابْتِداءُ تَنْبِيهٍ عَلى العِبْرَةِ والنَظَرِ؛ ويَتَّصِلُ المَعْنى بِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ القَصْدَ: "إنَّ اللهَ..."؛ لا هَذِهِ الأصْنامُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وأبُو مالِكٍ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى الشَقِّ الَّذِي في حَبَّةِ البُرِّ؛ ونَواةِ التَمْرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والعِبْرَةُ - عَلى هَذا القَوْلِ - مَخْصُوصَةٌ في بَعْضِ الحَبِّ وبَعْضِ النَوى؛ ولَيْسَ لِذَلِكَ وجْهٌ؛ وقالَ الضَحّاكُ ؛ وقَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى فِعْلِ اللهِ تَعالى في أنْ يَشُقَّ جَمِيعَ الحَبِّ عن جَمِيعِ النَباتِ الَّذِي يَكُونُ مِنهُ؛ ويَشُقُّ النَوى عن جَمِيعِ الأشْجارِ الكائِنَةِ عنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو الظاهِرُ الَّذِي يُعْطِي العِبْرَةَ التامَّةَ؛ فَسُبْحانَ الخَلّاقِ العَلِيمِ.

وقالَ الضَحّاكُ: "فالِقُ"؛ بِمَعْنى: "خالِقُ"؛ وقالَ السُدِّيُّ: وأبُو مالِكٍ: ﴿ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى إخْراجِ النَباتِ الأخْضَرِ؛ والشَجَرِ الأخْضَرِ مِنَ الحَبِّ اليابِسِ؛ والنَوى اليابِسِ؛ فَكَأنَّهُ جَعَلَ الخُضْرَةَ والنَضارَةَ حَياةً؛ واليُبْسَ مَوْتًا؛ ﴿ وَمُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى إخْراجِ اليابِسِ مِنَ النَباتِ والشَجَرِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرُهُ: بَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ إشارَةٌ إلى إخْراجِ الإنْسانِ الحَيِّ مِنَ النُطْفَةِ المَيِّتَةِ؛ وإخْراجِ النُطْفَةِ المَيِّتَةِ مِنَ الإنْسانِ الحَيِّ؛ وكَذَلِكَ سائِرُ الحَيَوانِ؛ والطَيْرِ؛ مِنَ البَيْضِ؛ والحُوتِ؛ وجَمِيعِ الحَيَوانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا القَوْلُ أرْجَحُ؛ وإنَّما تَعَلَّقَ قائِلُو القَوْلِ الأوَّلِ بِتَناسُبِ تَأْوِيلِهِمْ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فالِقُ الحَبِّ والنَوى ﴾ ؛ وهُما عَلى هَذا التَأْوِيلِ الراجِحِ مَعْنَيانِ مُتَبايِنانِ؛ فِيهِما مُعْتَبَرٌ؛ وقالَ الحَسَنُ: اَلْمَعْنى: يُخْرِجُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ؛ والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ذَلِكُمُ اللهُ ﴾ ؛ اِبْتِداءٌ وخَبَرٌ؛ مُتَضَمِّنٌ التَنْبِيهَ؛ ﴿ فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ ؛ أيْ: تُصْرَفُونَ؛ وتُصَدُّونَ.

و ﴿ فالِقُ الإصْباحِ ﴾ ؛ أيْ: شاقُّهُ؛ ومُظْهِرُهُ؛ والفَلَقُ: اَلصُّبْحُ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فالِقُ الإصْباحِ"؛ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ وأبُو رَجاءٍ: "فالِقُ الأصْباحِ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ جَمْعُ "صُبْحٌ"؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فالِقُ الإصْباحِ"؛ بِحَذْفِ التَنْوِينِ مِن "فالِقُ"؛ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ؛ ونَصْبِ "اَلْإصْباحَ"؛ بِـ "فالِقُ"؛ كَأنَّهُ أرادَ: "فالِقٌ الإصْباحَ"؛ بِتَنْوِينِ القافِ؛ وهَذِهِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ؛ وإنَّما جَوَّزَ سِيبَوَيْهِ مِثْلَ هَذا في الشِعْرِ؛ وأنْشَدَ عَلَيْها: فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ∗∗∗ ولا ذاكِرَ اللهَ إلّا قَلِيلًا وحَكى النَحّاسُ عَنِ المُبَرِّدِ جَوازَ ذَلِكَ في الكَلامِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "فَلَقَ الإصْباحَ"؛ بِفِعْلٍ ماضٍ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "وَجاعِلُ اللَيْلِ"؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "وَجَعَلَ اللَيْلَ"؛ وهَذا لَمّا كانَ "فالِقُ"؛ بِمَعْنى الماضِي؛ فَكَأنَّ اللَفْظَ "فَلَقَ الإصْباحَ؛ وجَعَلَ"؛ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ نَصْبُ "والشَمْسَ والقَمَرَ"؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سَكَنًا"؛ ورُوِيَ عن يَعْقُوبَ: "ساكِنًا"؛ قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عنهُ؛ ونَصْبُهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ إذا قَرَأْنا: "وَجاعِلُ"؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى المُضِيِّ؛ وتَقْدِيرُ الفِعْلِ المُضْمَرِ: "وَجاعِلُ اللَيْلِ يَجْعَلُهُ سَكَنًا"؛ وهَذا مِثْلُ قَوْلِكَ: "هَذا مُعْطِي زَيْدٍ أمْسِ دِرْهَمًا"؛ والَّذِي حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ في هَذا أنْ يَنْتَصِبَ بِما في الكَلامِ مِن مَعْنى: "مُعْطِي"؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "والشَمْسِ والقَمَرِ"؛ بِالخَفْضِ؛ عَطْفًا عَلى لَفْظِ "اَللَّيْلِ".

و"حُسْبانًا"؛ جَمْعُ "حِسابٌ"؛ كَـ "شُهْبانٌ"؛ في جَمْعِ "شِهابٌ"؛ أيْ: تَجْرِي بِحِسابٍ؛ هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيِّ ؛ وقَتادَةَ ؛ ومُجاهِدٍ ؛ وقالَ مُجاهِدٌ - في صَحِيحِ البُخارِيِّ -: اَلْمُرادُ: حُسْبانٌ كَحُسْبانِ الرَحى؛ وهو الدُولابُ؛ والعُودُ الَّذِي عَلَيْهِ دَوَرانُهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُوا۟ بِهَا فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ ٩٧ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ فَمُسْتَقَرٌّۭ وَمُسْتَوْدَعٌۭ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَفْقَهُونَ ٩٨

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾ هَذِهِ المُخاطَبَةُ تَعُمُّ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ؛ فالحُجَّةُ بِها عَلى الكافِرِينَ قائِمَةٌ؛ والعِبْرَةُ بِها لِلْمُؤْمِنِينَ مُمْكِنَةٌ مُتَعَرِّضَةٌ؛ و"جَعَلَ"؛ هُنا بِمَعْنى "خَلَقَ"؛ لِدُخُولِها عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ؛ وقَدْ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "صَيَّرَ"؛ ويُقَدَّرُ المَفْعُولُ الثانِي في "لِتَهْتَدُوا"؛ لِأنَّهُ يُقَدَّرُ: "وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُجُومَ هِدايَةً"؛ و"فِي ظُلُماتِ"؛ هي هَهُنا عَلى حَقِيقَتِها؛ في ظُلْمَةِ اللَيْلِ؛ بِقَرِينَةِ "اَلنُّجُومِ"؛ اَلَّتِي لا تَكُونُ إلّا بِاللَيْلِ؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ الظُلُماتُ هُنا الشَدائِدَ؛ في المَواضِعِ الَّتِي يَتَّفِقُ أنْ يُهْتَدى فِيها بِالشَمْسِ.

وذَكَرَ اللهُ تَعالى النُجُومَ في ثَلاثِ مَنافِعَ؛ وهي قَوْلُهُ: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنّا السَماءَ الدُنْيا بِمَصابِيحَ  ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ  ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ﴾ ؛ فالواجِبُ أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ ما عَدا هَذِهِ الوُجُوهِ مِن قَوْلِ أهْلِ التَأْثِيرِ باطِلٌ؛ واخْتِلاقٌ عَلى اللهِ تَعالى وكُفْرٌ بِهِ.

و"فَصَّلْنا"؛ مَعْناهُ: "بَيَّنّا؛ وقَسَّمْنا"؛ و"اَلْآياتِ": اَلدَّلائِلَ؛ و ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ؛ تَخْصِيصٌ لَهم بِالذِكْرِ؛ وتَنْبِيهٌ مِنهم لِتَحْصِيلِهِمُ الآياتِ المُفَصَّلَةِ المَنصُوبَةِ؛ وغَيْرُهم تَمُرُّ عَلَيْهِمُ الآياتُ وهم مُعْرِضُونَ عنها.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْإنْشاءُ: فِعْلُ الشَيْءِ؛ و ﴿ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ ؛ يُرِيدُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ.

وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "فَمُسْتَقَرُّ"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ عَلى أنَّهُ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "فَمُسْتَقِرٌّ"؛ بِكَسْرِ القافِ؛ عَلى أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ؛ وأجْمَعُوا عَلى فَتْحِ الدالِ مِن "مُسْتَوْدَعٌ"؛ بِأنْ يُقَدَّرَ: "مَوْضِعُ اسْتِيداعٍ"؛ وأنْ يُقَدَّرَ أيْضًا مَفْعُولًا؛ ولا يَصِحُّ ذَلِكَ في "مُسْتَقَرٌّ"؛ لِأنَّ "اِسْتَقَرَّ"؛ لا يَتَعَدّى؛ فَيُبْنى مِنهُ مَفْعُولٌ؛ أما إنَّهُ رَوى هارُونُ الأعْوَرُ؛ عن أبِي عَمْرٍو: "وَمُسْتَوْدِعٌ"؛ بِكَسْرِ الدالِ؛ فَمَن قَرَأ: "فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ" - عَلى أنَّها مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ؛ ومَوْضِعُ اسْتِيداعٍ - عَلَّقَها بِمَجْرُورٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "فَلَكم مُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ"؛ ومَن قَرَأ: "فَمُسْتَقِرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ" - عَلى اسْمِ الفاعِلِ في "مُسْتَقِرٌّ"؛ واسْمِ المَفْعُولِ في "مُسْتَوْدَعٌ" - عَلَّقَها بِمَجْرُورٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "فَمِنكم مُسْتَقِرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ"؛ واضْطَرَبَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى هَذا الِاسْتِقْرارِ والِاسْتِيداعِ؛ فَقالَ الجُمْهُورُ: "مُسْتَقَرٌّ في الرَحِمِ؛ ومُسْتَوْدَعٌ في ظُهُورِ الآباءِ؛ حَتّى يَقْضِيَ اللهُ تَعالى بِخُرُوجِهِمْ"؛ وقالَ ابْنُ عَوْنٍ: "مَشَيْتُ إلى مَنزِلِ إبْراهِيمَ النَخَعِيِّ ؛ وهو مَرِيضٌ؛ فَقالُوا: قَدْ تُوُفِّيَ؛ فَأخْبَرَنِي بَعْضُهم أنَّ عَبْدَ الرَحْمَنِ بْنَ الأسْوَدِ سَألَهُ عن "مُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ"؛ فَقالَ: مُسْتَقَرٌّ في الرَحِمِ؛ ومُسْتَوْدَعٌ في الصُلْبِ"؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "مُسْتَقَرٌّ في القُبُورِ؛ ومُسْتَوْدَعٌ في الدُنْيا"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "اَلْمُسْتَقَرُّ الأرْضُ؛ والمُسْتَوْدَعُ عِنْدَ الرَحِمِ"؛ وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: "اَلْمُسْتَوْدَعُ في الصُلْبِ؛ والمُسْتَقَرُّ في الآخِرَةِ"؛ والَّذِي يَقْتَضِيهِ النَظَرُ أنَّ ابْنَ آدَمَ هو مُسْتَوْدَعٌ في ظَهْرِ أبِيهِ؛ ولَيْسَ بِمُسْتَقِرٍّ فِيهِ اسْتِقْرارًا مُطْلَقًا؛ لِأنَّهُ يَنْتَقِلُ لا مَحالَةَ؛ يَنْتَقِلُ إلى الرَحِمِ؛ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلى الدُنْيا؛ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلى القَبْرِ؛ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلى المَحْشَرِ؛ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلى الجَنَّةِ؛ أوِ النارِ؛ فَيَسْتَقِرُّ في إحْداهُما؛ اسْتِقْرارًا مُطْلَقًا؛ ولَيْسَ فِيها مُسْتَوْدَعٌ؛ لِأنَّهُ لا نَقْلَةَ لَهُ بَعْدُ؛ وهو في كُلِّ رُتْبَةٍ مُتَوَسِّطَةٍ بَيْنَ هَذَيْنِ الظَرْفَيْنِ مُسْتَقِرٌّ؛ بِالإضافَةِ إلى الَّتِي قَبْلَها؛ ومُسْتَوْدَعٌ؛ بِالإضافَةِ إلى الَّتِي بَعْدَها؛ لِأنَّ لَفْظَ الوَدِيعَةِ يَقْتَضِي فِيها نَقْلَةً ولا بُدَّ.

وَ"يَفْقَهُونَ" مَعْناهُ: يَفْهَمُونَ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا آنِفًا.

<div class="verse-tafsir"

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍۢ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًۭا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّۭا مُّتَرَاكِبًۭا وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌۭ دَانِيَةٌۭ وَجَنَّـٰتٍۢ مِّنْ أَعْنَابٍۢ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهًۭا وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ ۗ ٱنظُرُوٓا۟ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكُمْ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ٩٩

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا مُتَراكِبًا ومِنَ النَخْلِ مِنَ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وجَنّاتٍ مِنَ أعْنابٍ والزَيْتُونَ والرُمّانَ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ ويَنْعِهِ إنَّ في ذَلِكم لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ "اَلسَّماءُ" - في هَذا المَوْضِعِ -: اَلسَّحابُ؛ وكُلُّ ما أظَلَّكَ فَهو سَماءٌ؛ و"ماءٌ"؛ أصْلُهُ "مَوَهٌ"؛ تَحَرَّكَتِ الواوُ؛ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها؛ فَجاءَ "ماهٌ"؛ فَبُدِّلَتِ الهاءُ بِالهَمْزَةِ؛ لِجَلَدِ الهَمْزَةِ؛ لِأنَّ الألِفَ والهاءَ ضَعِيفانِ؛ مَهْمُوسانِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ؛ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: أيْ: مِمّا يَنْبُتُ؛ وحَسُنَ إطْلاقُ العُمُومِ في "كُلِّ شَيْءٍ"؛ لِأنَّ ذِكْرَ النَباتِ قَبْلَهُ قَدْ قَيَّدَ المَقْصِدَ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: والمُرادُ بِـ "كُلِّ شَيْءٍ": ما يَنْمُو مِن جَمِيعِ الحَيَواناتِ؛ والنَباتِ؛ والمَعادِنِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَتَغَذّى؛ ويَنْمُو بِنُزُولِ الماءِ مِنَ السَماءِ؛ والضَمِيرُ في "مِنهُ"؛ يَعُودُ عَلى النَباتِ؛ وفي الثانِي يَعُودُ عَلى الخَضِرِ؛ و"خَضِرًا"؛ بِمَعْنى "أخْضَرَ"؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "اَلدُّنْيا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ"؛» بِمَعْنى: "خَضْراءُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكَأنَّ "خَضِرًا"؛ إنَّما يَأْتِي أبَدًا لِمَعْنى النَضارَةِ؛ ولَيْسَ لِلَّوْنِ فِيهِ مَدْخَلٌ؛ و"أخْضَرُ" إنَّما تَمَكُّنُهُ في اللَوْنِ؛ وهو في النَضارَةِ تَجَوُّزٌ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ حَبًّا مُتَراكِبًا ﴾ ؛ يَعُمُّ جَمِيعَ السَنابِلِ؛ وما شاكَلَها؛ كالصَنَوْبَرِ؛ والرُمّانِ؛ وغَيْرِهِما مِن جَمِيعِ النَباتِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَمِنَ النَخْلِ ﴾ ؛ تَقْدِيرُهُ: ونُخْرِجُ مِنَ النَخْلِ؛ و ﴿ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ ﴾ ؛ اِبْتِداءٌ؛ خَبَرُهُ مُقَدَّمٌ؛ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِـ "نُخْرِجُ"؛ و"اَلطَّلْعُ": أوَّلُ ما يَخْرُجُ مِنَ النَخْلَةِ في أكْمامِهِ؛ و"قِنْوانٌ"؛ جَمْعُ "قِنْوٌ"؛ وهو العِذْقُ؛ بِكَسْرِ العَيْنِ؛ وهي الكِباسَةُ؛ و"اَلْعُرْجُونُ": عُودُهُ الَّذِي يَنْتَظِمُ التَمْرَ.

قَرَأ الأعْرَجُ: "قَنْوانٌ"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ وقالَ أبُو الفَتْحِ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْجَمْعِ؛ غَيْرَ مُكَسَّرٍ؛ لِأنَّ "فَعْلانٌ"؛ لَيْسَ مِن أمْثِلَةِ الجَمْعِ؛ قالَ المَهْدَوِيُّ: ورُوِيَ عَنِ الأعْرَجِ ضَمُّ القافِ؛ وذَلِكَ أنَّهُ جَمْعُ "قُنْوٌ"؛ بِضَمِّ القافِ؛ قالَ الفَرّاءُ: وهي لُغَةُ قَيْسٍ وأهْلِ الحِجازِ؛ والكَسْرُ أشْهَرُ في العَرَبِ؛ و"قِنْوٌ"؛ يُثَنّى "قَنْوانِ"؛ مُنْصَرِفَةَ النُونِ؛ و"دانِيَةٌ"؛ مَعْناهُ: قَرِيبَةٌ مِنَ المُتَناوَلِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والبَراءُ بْنُ عازِبٍ ؛ والضَحّاكُ ؛ وقِيلَ: قَرِيبَةٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَجَنّاتٍ"؛ بِنَصْبِ "وَجَنّاتٍ"؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى "نَباتَ"؛ وقَرَأ الأعْمَشُ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ أبِي لَيْلى؛ ورُوِيَتْ عن أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عن عاصِمٍ: "وَجَنّاتٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ عَلى تَقْدِيرِ: "وَلَكم جَنّاتٌ"؛ أو نَحْوِ هَذا؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: وهو عُطِفَ عَلى "قِنْوانٌ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُهُ ضَعِيفٌ.

﴿ والزَيْتُونَ والرُمّانَ ﴾ ؛ بِالنَصْبِ؛ إجْماعًا؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى "حَبًّا"؛ و ﴿ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ ﴾ ؛ قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: تَتَشابَهُ في اللَوْنِ؛ وتَتَبايَنُ في الثَمَرِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: جائِزٌ أنْ تَتَشابَهَ في الثَمَرِ؛ وتَتَبايَنَ في الطَعْمِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: تَتَشابَهُ في الطَعْمِ؛ وتَتَبايَنُ في المَنظَرِ؛ وهَذِهِ الأحْوالُ مَوْجُودَةٌ بِالِاعْتِبارِ في أنْواعِ الثَمَراتِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "انْظُرُوا"؛ ﴾ هو نَظَرُ بَصَرٍ؛ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فِكْرَةُ قَلْبٍ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ ونافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وعاصِمٌ: ﴿ "إلى ثَمَرِهِ"؛ ﴾ بِفَتْحِ الثاءِ؛ والمِيمِ؛ وهو جَمْعُ "ثَمَرَةٌ"؛ كَـ "بَقَرَةٌ"؛ و"بَقَرٌ"؛ و"شَجَرَةٌ"؛ و"شَجَرٌ"؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ ومُجاهِدٌ: "ثُمُرِهِ"؛ قالا: وهي أصْنافُ المالِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّ المَعْنى: "اُنْظُرُوا إلى الأمْوالِ الَّتِي تُتَحَصَّلُ مِنهُ"؛ وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ ؛ والكِسائِيِّ ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: والأحْسَنُ فِيهِ أنْ يَكُونَ جَمْعَ "ثَمَرَةٌ"؛ كَـ "خَشَبَةٌ"؛ و"خُشُبٌ"؛ و"أكَمَةٌ"؛ و"أُكَمٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ..............

∗∗∗ تَرى الأُكْمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ ونَظِيرُهُ في المُعْتَلِّ: "لابَةٌ"؛ و"لُوبٌ"؛ و"ناقَةٌ"؛ و"نُوقٌ"؛ و"ساحَةٌ"؛ و"سُوحٌ"؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ جَمْعٍ؛ فَتَقُولَ: "ثَمَرَةٌ"؛ و"ثِمارٌ"؛ و"ثُمُرٌ"؛ مِثْلَ "حِمارٌ"؛ و"حُمُرٌ"؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إلى ثُمْرِهِ"؛ بِضَمِّ الثاءِ؛ وإسْكانِ المِيمِ؛ كَأنَّها ذَهَبَتْ إلى طَلَبِ الخِفَّةِ في تَسْكِينِ المِيمِ؛ و"اَلثَّمَرُ"؛ في اللُغَةِ: جَنى الشَجَرِ؛ وما يَطْلُعُ؛ وإنْ سُمِّيَ الشَجَرُ "ثِمارًا"؛ فَتَجَوُّزٌ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَيَنْعِهِ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وهو مَصْدَرُ "يَنَعَ؛ يَيْنَعُ"؛ إذا نَضِجَ؛ يُقالُ: "يَنَعَ"؛ و"أيْنَعَ"؛ وبِالنُضْجِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - هَذِهِ الآيَةَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الحَجّاجِ: "إنِّي لِأرى رُؤُوسًا قَدْ أيْنَعَتْ"؛ ويُسْتَعْمَلُ "يَنَعَ"؛ بِمَعْنى: "اِسْتَقَلَّ؛ واخْضَرَّ ناضِرًا"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: في قِبابٍ حَوْلَ دَسْكَرَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ حَوْلَها الزَيْتُونُ قَدْ يَنَعا وقِيلَ في "يَنْعِهِ": إنَّهُ جَمْعُ "يانِعٌ"؛ مِثْلُ: "تاجِرٌ"؛ و"تَجْرٌ"؛ و"راكِبٌ"؛ و"رَكْبٌ"؛ ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ؛ وقَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ: "وَيُنْعِهِ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ أيْ: نُضْجِهِ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ؛ واليَمانِيُّ: "وَيانِعِهِ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ في ذَلِكم لآياتٍ ﴾ إيجابُ تَنْبِيهٍ؛ وتَذْكِيرٍ؛ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ۖ وَخَرَقُوا۟ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَـٰتٍۭ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ ١٠٠ بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٌۭ وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ صَـٰحِبَةٌۭ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ ١٠١ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ فَٱعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌۭ ١٠٢

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهم وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ ﴾ ﴿ بَدِيعُ السَماواتِ والأرْضِ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعْبُدُوهُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ ﴾ "جَعَلُوا"؛ بِمَعْنى: "صَيَّرُوا"؛ و"اَلْجِنَّ"؛ مَفْعُولٌ؛ و"شُرَكاءَ"؛ مَفْعُولٌ ثانٍ مُقَدَّمٌ؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى "شُرَكاءَ"؛ مَفْعُولًا أوَّلَ؛ و"لِلَّهِ"؛ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثانِي؛ و"اَلْجِنَّ"؛ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ "شُرَكاءَ"؛ ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ مُشِيرَةٌ إلى العادِلِينَ بِاللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ والقائِلِينَ: إنَّ الجِنَّ تَعْلَمُ الغَيْبَ؛ العابِدِينَ لِلْجِنِّ؛ وكانَتْ طَوائِفُ مِنَ العَرَبِ تَفْعَلُ ذَلِكَ؛ وتَسْتَجِيرُ بِجِنِّ الأودِيَةِ في أسْفارِها؛ ونَحْوِ هَذا.

أمّا الَّذِينَ خَرَقُوا البَنِينَ فاليَهُودُ؛ في ذِكْرِ عُزَيْرٍ؛ والنَصارى؛ في ذِكْرِ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وأمّا ذاكِرُو البَناتِ فالعَرَبُ الَّذِينَ قالُوا لِلْمَلائِكَةِ: بَناتُ اللهِ تَعالى ؛ فَكَأنَّ الضَمِيرَ في "جَعَلُوا"؛ و"خَرَقُوا"؛ لِجَمِيعِ الكُفّارِ؛ إذْ فَعَلَ بَعْضُهم هَذا؛ وبَعْضُهم هَذا؛ وبِنَحْوِ هَذا فَسَّرَ السُدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ ؛ وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: "شُرَكاءَ الجِنِّ"؛ بِخَفْضِ النُونِ؛ وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ؛ وأبُو حَيْوَةَ "اَلْجِنِّ"؛ و"اَلْجِنُّ"؛ بِالخَفْضِ؛ والرَفْعِ؛ عَلى تَقْدِيرِ: "هُمُ الجِنُّ".

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَخَلَقَهُمْ"؛ بِفَتْحِ اللامِ؛ عَلى مَعْنى: "وَهُوَ خَلَقَهُمْ"؛ وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "وَهُوَ خَلَقَهُمْ"؛ والضَمِيرُ في "وَخَلَقَهُمْ"؛ يَحْتَمِلُ العَوْدَةَ عَلى الجاعِلِينَ؛ ويَحْتَمِلُها عَلى المَجْعُولِينَ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "وَخَلْقَهُمْ"؛ بِسُكُونِ اللامِ؛ عَطْفًا عَلى "اَلْجِنَّ"؛ أيْ: "جَعَلُوا خَلْقَهُمُ الَّذِي يَنْحِتُونَهُ أصْنامًا شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى.

وقَرَأ السَبْعَةُ - سِوى نافِعٍ -: ﴿ "وَخَرَقُوا"؛ ﴾ بِتَخْفِيفِ الراءِ؛ وهو بِمَعْنى: "اِخْتَلَقُوا وافْتَرَوْا"؛ وقَرَأ نافِعٌ: "وَخَرَّقُوا"؛ بِتَشْدِيدِ الراءِ؛ عَلى المُبالَغَةِ؛ وقَرَأ ابْنُ عُمَرَ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "وَحَرَّفُوا"؛ مِن "اَلتَّحْرِيفُ"؛ كَذا قالَ أبُو الفَتْحِ؛ قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "حَرَفُوا"؛ خَفِيفَةَ الراءِ؛ وابْنُ عُمَرَ "حَرَّفُوا"؛ مُشَدَّدَةَ الراءِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى "بِغَيْرِ عِلْمٍ"؛ نَصٌّ عَلى قُبْحِ تَقَحُّمِهِمُ المَجْهَلَةَ؛ وافْتِرائِهِمُ الباطِلَ عَلى عَمًى؛ "سُبْحانَهُ"؛ أيْ: "تَنَزَّهَ عن وصْفِهِمُ الفاسِدِ المُسْتَحِيلِ عَلَيْهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ و"بَدِيعُ"؛ بِمَعْنى: "مُبْدِعٌ؛ ومُخْتَرِعٌ؛ وخالِقٌ"؛ فَهو بِناءُ اسْمِ فاعِلٍ؛ كَما جاءَ "سَمِيعٌ"؛ بِمَعْنى "مُسْمِعٌ"؛ و"أنّى"؛ بِمَعْنى: "كَيْفَ؟"؛ و"مِن أيْنَ؟"؛ فَهي اسْتِفْهامٌ في مَعْنى التَوْقِيفِ والتَقْرِيرِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَلَمْ تَكُنْ"؛ بِالتاءِ؛ عَلى تَأْنِيثِ عَلامَةِ الفِعْلِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ بِالياءِ؛ عَلى تَذْكِيرِها؛ وتَذْكِيرُ "كانَ"؛ وأخَواتِها؛ مَعَ تَأْنِيثِ اسْمِها؛ أسْهَلُ مِن ذَلِكَ في سائِرِ الأفْعالِ؛ فَقَوْلُكَ: "كانَ في الدارِ هِنْدٌ"؛ أسْوَغُ مِن: "قامَ في الدارِ هِنْدٌ"؛ وحَسَّنَ القِراءَةَ الفَصْلُ بِالظَرْفِ؛ الَّذِي هو الخَبَرُ؛ ويُتَّجَهُ في القِراءَةِ المَذْكُورَةِ أنْ يَكُونَ في "يَكُنْ"؛ ضَمِيرُ اسْمِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ وتَكُونَ الجُمْلَةُ - الَّتِي هي "لَهُ صاحِبَةٌ" - خَبَرَ "كانَ"؛ ويُتَّجَهُ أنْ يَكُونَ في "يَكُنْ"؛ ضَمِيرُ أمْرٍ وشَأْنٍ؛ وتَكُونَ الجُمْلَةُ بَعْدُ تَفْسِيرًا لَهُ؛ وخَبَرًا؛ وهَذِهِ الآيَةُ رَدٌّ عَلى الكُفّارِ؛ بِقِياسِ الغائِبِ عَلى الشاهِدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ ؛ لَفْظٌ عامٌّ لِكُلِّ ما يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ تَحْتَهُ؛ ولا يَجُوزَ أنْ يَدْخُلَ تَحْتَهُ صِفاتُ اللهِ تَعالى وكَلامُهُ؛ فَلَيْسَ هو عُمُومًا مُخَصَّصًا؛ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ قَوْمٌ؛ لِأنَّ العُمُومَ المُخَصَّصَ هو أنْ يَتَناوَلَ العُمُومُ شَيْئًا؛ ثُمَّ يُخْرِجُهُ التَخْصِيصُ؛ وهَذا لَمْ يَتَناوَلْ قَطُّ هَذِهِ الَّتِي ذَكَرْناها؛ وإنَّما هَذا بِمَنزِلَةِ قَوْلِ الإنْسانِ: "قَتَلْتُ كُلَّ فارِسٍ؛ وأفْحَمْتُ كُلَّ خَصْمٍ"؛ فَلَمْ يُدْخِلِ القائِلُ قَطُّ في هَذا العُمُومِ الظاهِرَ مِن لَفْظِهِ؛ وأمّا قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ؛ فَهَذا عُمُومٌ عَلى الإطْلاقِ؛ ولِأنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ؛ لا رَبَّ غَيْرُهُ؛ ولا مَعْبُودَ سِواهُ.

ولَمّا تَقَرَّرَتِ الحُجَجُ وبانَتِ الوَحْدانِيَّةُ؛ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يَتَضَمَّنُ تَقْرِيرًا؛ وحُكْمًا؛ إخْلاصًا؛ وأمْرًا بِالعِبادَةِ؛ وإعْلامًا بِأنَّهُ حَفِيظٌ رَقِيبٌ عَلى كُلِّ فِعْلٍ وقَوْلٍ؛ وفي هَذا الإعْلامِ تَخْوِيفٌ؛ وتَحْذِيرٌ.

<div class="verse-tafsir"

لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ ۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ ١٠٣ قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍۢ ١٠٤ وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَـٰتِ وَلِيَقُولُوا۟ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُۥ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ ١٠٥

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارُ وهو اللَطِيفُ الخَبِيرُ ﴾ ﴿ قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكم فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ومَن عَمِيَ فَعَلَيْها وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ ولِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أجْمَعَ أهْلُ السُنَّةِ عَلى أنَّ اللهَ - تَبارَكَ وتَعالى - يُرى يَوْمَ القِيامَةِ؛ يَراهُ المُؤْمِنُونَ؛ وقالَهُ ابْنُ وهْبٍ عن مالِكِ بْنِ أنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ والوَجْهُ أنْ يَبِينَ جَوازُ ذَلِكَ عَقْلًا؛ ثُمَّ يُسْنَدُ إلى وُرُودِ السَمْعِ بِوُقُوعِ ذَلِكَ الجائِزِ؛ واخْتِصارُ تَبْيِينِ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ بِعِلْمِنا بِاللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فَمِن حَيْثُ جازَ أنْ نَعْلَمَهُ لا في مَكانٍ؛ ولا مُتَحَيَّزًا؛ ولا مُتَقابَلًا؛ ولَمْ يَتَعَلَّقْ عِلْمُنا بِأكْثَرَ مِنَ الوُجُودِ؛ جازَ أنْ نَراهُ غَيْرَ مُقابَلٍ؛ ولا مُحازٍ؛ ولا مُكَيَّفٍ؛ ولا مَحْدُودٍ؛ وكانَ الإمامُ أبُو عَبْدِ اللهِ النَحْوِيُّ يَقُولُ: مَسْألَةُ العِلْمِ حَلَقَتْ لِحى المُعْتَزِلَةِ؛ ثُمَّ ورَدَ الشَرْعُ بِذَلِكَ؛ وهو قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ  ﴾ ﴿ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ  ﴾ ؛ وتَعْدِيَةُ النَظَرِ بِـ "إلى"؛ إنَّما هو في كَلامِ العَرَبِ لِمَعْنى الرُؤْيَةِ؛ لا لِمَعْنى الِانْتِظارِ؛ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ؛ وذُكِرَ هَذا المَذْهَبَ لِمالِكٍ ؛ فَقالَ: "فَأيْنَ هم عن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ كَلا إنَّهم عن رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ  ﴾ ؟".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَقالَ بِدَلِيلِ الخِطابِ؛ ذَكَرَهُ النَقّاشُ ؛ ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيما صَحَّ عنهُ؛ وتَواتَرَ؛ وكَثُرَ نَقْلُهُ -: « "إنَّكم تَرَوْنَ رَبَّكم يَوْمَ القِيامَةِ كَما تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ"؛» ونَحْوُهُ مِنَ الأحادِيثِ؛ عَلى اخْتِلافِ تَرْتِيبِ ألْفاظِها.

وَذَهَبَتِ المُعْتَزِلَةُ إلى المَنعِ مِن جَوازِ رُؤْيَةِ اللهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ؛ واسْتَحالَةِ ذَلِكَ؛ بِآراءٍ مُجَرَّدَةٍ؛ وتَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ ؛ وانْفَصَلَ أهْلُ السُنَّةِ عن تَمَسُّكِهِمْ بِأنَّ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ في الدُنْيا؛ ورُؤْيَةَ الآخِرَةِ ثابِتَةٌ بِأخْبارِها.

وانْفِصالٌ آخَرُ؛ وهو أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَعْنى الإدْراكِ؛ ومَعْنى الرُؤْيَةِ؛ ونَقُولُ: إنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - تَراهُ الأبْصارُ؛ ولا تُدْرِكُهُ؛ وذَلِكَ الإدْراكُ يَتَضَمَّنُ الإحاطَةَ بِالشَيْءِ؛ والوُصُولَ إلى أعْماقِهِ؛ وحَوْزِهِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ؛ وذَلِكَ كُلُّهُ مُحالٌ في أوصافِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ والرُؤْيَةُ لا تَفْتَقِرُ إلى أنْ يُحِيطَ الرائِي بِالمَرْئِيِّ؛ ويَبْلُغَ غايَتَهُ؛ وعَلى هَذا التَأْوِيلِ يَتَرَتَّبُ العَكْسُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ ﴾ ؛ ويُحَسِّنُ مَعْناهُ؛ ومِثْلُ هَذا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةَ ؛ وعَطِيَّةَ العَوْفِيِّ ؛ فَرَّقُوا بَيْنَ الرُؤْيَةِ؛ والإدْراكِ؛ وأمّا الطَبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - فَفَرَّقَ بَيْنَ الرُؤْيَةِ؛ والإدْراكِ؛ واحْتَجَّ بِقَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ: "إنّا لَمُدْرَكُونَ"؛ فَقالَ: إنَّهم رَأوهم ولَمْ يُدْرِكُوهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ خَطَأٌ؛ لِأنَّ هَذا الإدْراكَ لَيْسَ بِإدْراكِ البَصَرِ؛ بَلْ هو مُسْتَعارٌ مِنهُ؛ أو بِاشْتِراكٍ؛ قالَ: وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ اللهَ تَعالى بِحاسَّةٍ سادِسَةٍ تُخْلَقُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ وتَبْقى هَذِهِ الآيَةُ في مَنعِ الإدْراكِ بِالأبْصارِ عامَّةً؛ سَلِيمَةً؛ قالَ: وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ في الكافِرِينَ؛ أيْ: "إنَّهُ لا تُدْرِكُهُ أبْصارُهُمْ؛ لِأنَّهم مَحْجُوبُونَ عنهُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها ضَعِيفَةٌ؛ ودَعاوى لا تَسْتَنِدُ إلى قُرْآنٍ؛ ولا إلى حَدِيثٍ.

و"اَللَّطِيفُ": اَلْمُتَلَطِّفُ في خَلْقِهِ؛ واخْتِراعِهِ؛ وإتْقانِهِ؛ وبِخَلْقِهِ وعِبادِهِ؛ و"اَلْخَبِيرُ": اَلْمُخْتَبِرُ لِباطِنِ أُمُورِهِمْ؛ وظاهِرِها.

و"اَلْبَصائِرُ": جَمْعُ "بَصِيرَةٌ"؛ وهي ما يَتَّفِقُ عن تَحْصِيلِ العَقْلِ لِلْأشْياءِ المَنظُورِ فِيها بِالِاعْتِبارِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "قَدْ جاءَكم في القُرْآنِ والآياتِ طَرائِقُ إبْصارِ الحَقِّ؛ والمُعِينَةُ عَلَيْهِ".

والبَصِيرَةُ لِلْقَلْبِ مُسْتَعارَةٌ مِن إبْصارِ العَيْنِ؛ والبَصِيرَةُ أيْضًا هي المُعْتَقَدُ المُحَصَّلُ في قَوْلِ الشاعِرِ: راحُوا بَصائِرُهم عَلى أكْتافِهِمْ ∗∗∗ وبَصِيرَتِي يَعْدُو بِها عَتَدٌ وأى وقالَ بَعْضُ الناسِ في هَذا البَيْتِ: اَلْبَصِيرَةُ: طَرِيقَةُ الدَمِ؛ والشاعِرُ إنَّما يَصِفُ جَماعَةً مَشَوْا بِهِ في طَلَبِ دَمٍ؛ فَفَتَرُوا؛ فَجَعَلُوا الأمْرَ وراءَ ظُهُورِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "فَمَن أبْصَرَ"؛ ﴾ ﴿ "وَمَن عَمِيَ"؛ ﴾ عِبارَةٌ مُسْتَعارَةٌ فِيمَنِ اهْتَدى؛ ومَن ضَلَّ؛ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ ﴾ ؛ كانَ في أوَّلِ الأمْرِ؛ وقَبْلَ ظُهُورِ الإسْلامِ؛ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كانَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حَفِيظًا عَلى العالَمِ؛ آخِذًا لَهم بِالإسْلامِ؛ والسَيْفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الكافُ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ "وَكَذَلِكَ"؛ ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "نُصَرِّفُ"؛ أيْ: ومِثْلَما بَيَّنّا البَصائِرَ؛ وغَيْرَ ذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ؛ أيْ نُرَدِّدُها؛ ونُوَضِّحُها؛ وقَرَأتْ طائِفَةٌ: "وَلْيَقُولُوا دَرَسْتَ"؛ بِسُكُونِ اللامِ؛ عَلى جِهَةِ الأمْرِ؛ ويَتَضَمَّنُ التَوْبِيخَ؛ والوَعِيدَ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلِيَقُولُوا"؛ بِكَسْرِ اللامِ؛ عَلى أنَّها لامُ "كَيْ"؛ وهي - عَلى هَذا - لامُ الصَيْرُورَةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا  ﴾ ؛ أيْ: "لَمّا صارَ أمْرُهم إلى ذَلِكَ"؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "دَرَسْتَ"؛ أيْ: "يا مُحَمَّدُ؛ دَرَسْتَ في الكُتُبِ القَدِيمَةِ ما تُجِيبُنا بِهِ"؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "دارَسْتَ"؛ أيْ: "أنْتَ يا مُحَمَّدُ دارَسْتَ غَيْرَكَ في هَذِهِ الأشْياءِ"؛ أيْ: "قارَأْتَهُ؛ وناظَرْتَهُ"؛ وهَذا إشارَةٌ مِنهم إلى سَلْمانَ ؛ وغَيْرِهِ مِنَ الأعاجِمِ واليَهُودِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ؛ وجَماعَةٌ مِن غَيْرِ السَبْعَةِ: "دَرَسَتْ"؛ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الآياتِ؛ كَأنَّهم أشارُوا إلى أنَّها تَرَدَّدَتْ عَلى أسْماعِهِمْ حَتّى بَلِيَتْ في نُفُوسِهِمْ؛ وامَّحَتْ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: واللامُ في "لِيَقُولُوا"؛ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ؛ بِمَعْنى: "لِئَلّا يَقُولُوا"؛ أيْ: "صُرِّفَتِ الآياتُ وأُحْكِمَتْ؛ لِئَلّا يَقُولُوا: هَذِهِ الأساطِيرُ قَدِيمَةٌ؛ قَدْ بَلِيَتْ؛ وتَكَرَّرَتْ عَلى الأسْماعِ"؛ واللامُ عَلى سائِرِ القِراءاتِ لامُ الصَيْرُورَةِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "دارَسَتْ"؛ كَأنَّهم أرادُوا: "دارَسَتْكَ يا مُحَمَّدُ"؛ أيِ الجَماعَةَ المُشارَ إلَيْها قَبْلُ؛ مِن سَلْمانَ واليَهُودِ وغَيْرِهِمْ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "دَرُسَتْ"؛ بِضَمِّ الراءِ؛ وكَأنَّها في مَعْنى: "دَرَسَتْ"؛ أيْ: بَلِيَتْ؛ وقَرَأ قَتادَةُ: "دُرِسَتْ"؛ بِضَمِّ الدالِ؛ وكَسْرِ الراءِ؛ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ بِخِلافٍ عنهُ؛ ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: في "دُرِسَتْ"؛ ضَمِيرُ "اَلْآياتِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: "عُفِيَتْ؛ وتُنُوسِيَتْ"؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "دَرَسَ"؛ وهي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ ؛ قالَ المَهْدَوِيُّ: وفي بَعْضِ مَصاحِفِ عَبْدِ اللهِ "دَرَسْنَ"؛ ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "دَرَّسْنَ"؛ بِتَشْدِيدِ الراءِ؛ عَلى المُبالَغَةِ في "دَرَسْنَ"؛ وهَذِهِ الثَلاثَةُ الأخِيرَةُ مُخالِفَةٌ لِخَطِّ المُصْحَفِ.

واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى "وَلِيَقُولُوا"؛ وفي قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "وَلِنُبَيِّنَهُ"؛ مُتَعَلِّقانِ بِفِعْلٍ مُتَأخِّرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "صَرَّفْناها"؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَلِتُبَيِّنَهُ"؛ بِالتاءِ؛ عَلى مُخاطَبَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلِيُبَيِّنَهُ"؛ بِياءٍ؛ أيْ: اَللَّهُ تَعالى ؛ وذَهَبَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ إلى أنَّ "لا" مُضْمَرَةٌ بَعْدَ "أنْ"؛ اَلْمُقَدَّرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى "وَلِيَقُولُوا"؛ فَتَقْدِيرُ الكَلامِ عِنْدَهُمْ: "وَلِئَلّا يَقُولُوا"؛ كَما أضْمَرُوها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ يُبَيِّنُ اللهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَلِقٌ؛ ولا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ إضْمارَ "لا"؛ في مَوْضِعٍ مِنَ المَواضِعِ.

<div class="verse-tafsir"

ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ١٠٦ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُوا۟ ۗ وَمَا جَعَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًۭا ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍۢ ١٠٧ وَلَا تَسُبُّوا۟ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّوا۟ ٱللَّهَ عَدْوًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍۢ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٠٨

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ لا إلَهَ إلا هو وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أشْرَكُوا وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ ﴿ وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهِ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهم ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهم فَيُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ هَذانِ أمْرانِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُضَمَّنُهُما الِاقْتِصارُ عَلى اتِّباعِ الوَحْيِ؛ ومُوادَعَةِ الكُفّارِ؛ وذَلِكَ كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ؛ ثُمَّ نُسِخَ الإعْراضُ عنهم بِالقِتالِ؛ والسَوْقِ إلى الدِينِ طَوْعًا؛ أو كَرْهًا.

وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أشْرَكُوا ﴾ ؛ في ظاهِرِها رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ: إنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ اللهِ تَعالى لُطْفٌ يُؤْمِنُ بِهِ الكافِرُ؛ وإنَّ الكافِرَ؛ والإنْسانَ؛ في الجُمْلَةِ؛ يَخْلُقُ أفْعالَهُ؛ وهي مُتَضَمِّنَةٌ أنَّ إشْراكَهم وغَيْرَهُ وقْفٌ عَلى مَشِيئَةِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ ؛ كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ؛ وكَذَلِكَ: ﴿ وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ مُخاطَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ ولِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَسَبَبُها أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِأبِي طالِبٍ: إمّا أنْ يَنْتَهِيَ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ عن سَبِّ آلِهَتِنا؛ والغَضِّ مِنها؛ وإمّا أنْ نَسُبَّ إلَهَهُ؛ ونَهْجُوَهُ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ"؛ وحُكْمُها عَلى كُلِّ حالٍ باقٍ في الأُمَّةِ؛ فَمَتى كانَ الكافِرُ في مَنَعَةٍ؛ وخِيفَ أنْ يَسُبَّ الإسْلامَ؛ أوِ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ أوِ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فَلا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ أنْ يَسُبَّ دِينَهُمْ؛ ولا صُلْبانَهُمْ؛ ولا يَتَعَرَّضَ إلى ما يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ؛ أو نَحْوِهِ؛ وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ - وهي لا تَعْقِلُ - بِـ "اَلَّذِينَ"؛ وذَلِكَ عَلى مُعْتَقَدِ الكَفَرَةِ فِيها؛ وفي هَذِهِ الآيَةِ ضَرْبٌ مِنَ المُوادَعَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عَدْوًا"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وسُكُونِ الدالِ؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وأبُو رَجاءٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ ويَعْقُوبُ؛ وسَلامٌ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ: "عُدُوًّا"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ والدالِ؛ وتَشْدِيدِ الواوِ؛ وهَذا أيْضًا نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ وهو مِن "اَلِاعْتِداءُ"؛ وقَرَأ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: "عَدُوًّا"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وضَمِّ الدالِ؛ نُصِبَ عَلى الحالِ؛ أيْ في حالِ عَداوَةٍ لِلَّهِ تَعالى ؛ وهو لَفْظٌ مُفْرَدٌ؛ يَدُلُّ عَلى الجَمْعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "بِغَيْرِ عِلْمٍ"؛ ﴾ بَيانٌ لِمَعْنى الِاعْتِداءِ المُتَقَدِّمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى ما زَيَّنَ اللهُ تَعالى لِهَؤُلاءِ؛ عَبَدَةِ الأصْنامِ؛ مِنَ التَمَسُّكِ بِها؛ والذَبِّ عنها؛ وتَزْيِينُ اللهِ تَعالى عَمَلَ الأُمَمِ هو ما يَخْلُقُهُ؛ ويَخْتَرِعُهُ في النُفُوسِ مِنَ المَحَبَّةِ لِلْخَيْرِ؛ أوِ الشَرِّ؛ والِاتِّباعُ لِطُرُقِهِ؛ وتَزْيِينُ الشَيْطانِ هو بِما يَقْذِفُهُ في النُفُوسِ مِنَ الوَسْوَسَةِ؛ وخَطَراتِ السُوءِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهم فَيُنَبِّئُهُمْ ﴾ ؛ يَتَضَمَّنُ وعَدًا جَمِيلًا لِلْمُحْسِنِينَ؛ ووَعِيدًا ثَقِيلًا لِلْمُسِيئِينَ.

<div class="verse-tafsir"

وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌۭ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا ٱلْـَٔايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ١٠٩ وَنُقَلِّبُ أَفْـِٔدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ١١٠

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللهِ وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ اَلضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "وَأقْسَمُوا"؛ ﴾ عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ؛ و"جَهْدَ"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ والعامِلُ فِيهِ: ﴿ "وَأقْسَمُوا"؛ ﴾ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ ؛ لِأنَّهُ في مَعْناهُ؛ وعَلى مَذْهَبِ أبِي العَبّاسِ المُبَرِّدِ فِعْلٌ مِن لَفْظِهِ؛ واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى "لَئِنْ"؛ لامٌ مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ؛ مُؤْذِنَةٌ بِهِ؛ وأمّا اللامُ المُتَلَقِّيَةُ لِلْقَسَمِ؛ فَهي قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: "لَيُؤْمِنُنَّ"؛ و"آيَةٌ" يُرِيدُ: عَلامَةٌ.

وحُكِيَ «أنَّ الكُفّارَ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ  ﴾ ؛ أقْسَمُوا حِينَئِذٍ أنَّها إنْ نَزَلَتْ آمَنُوا؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛» وحُكِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا أنْ يَعُودَ "اَلصَّفا" ذَهَبًا؛ وأقْسَمُوا عَلى ذَلِكَ؛ فَقامَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَدْعُو في ذَلِكَ؛ فَجاءَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فَقالَ لَهُ: "إنْ شِئْتَ أصْبَحَ ذَهَبًا؛ فَإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا هَلَكُوا عن آخِرِهِمْ مُعاجَلَةً؛ كَما فُعِلَ بِالأُمَمِ إذْ لَمْ تُؤْمِن بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ؛ وإنْ شِئْتَ أُخِّرُوا حَتّى يَتُوبَ تائِبُهُمْ"؛ فَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "بَلْ حَتّى يَتُوبَ تائِبُهُمْ"؛ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ: "لَيُؤْمَنَنْ"؛ بِفَتْحِ المِيمِ؛ والنُونِ؛ وبِالنُونِ الخَفِيفَةِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى "قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ - عَلى جِهَةِ الرَدِّ والتَخْطِئَةِ -: إنَّما الآياتُ بِيَدِ اللهِ تَعالى ؛ وعِنْدَهُ؛ لَيْسَتْ عِنْدِي؛ فَتُقْتَرَحَ عَلَيَّ"؛ ثُمَّ قالَ - سُبْحانَهُ -: "وَما يُشْعِرُكُمْ"؛ فاخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِي: مَنِ المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى "وَما يُشْعِرُكُمْ"؟

ومَنِ المُسْتَفْهِمُ بِـ "وَما"؛ اَلَّتِي يَعُودُ عَلَيْها الضَمِيرُ الفاعِلُ في "يُشْعِرُكُمْ"؟

فَقالَ مُجاهِدٌ ؛ وابْنُ زَيْدٍ: اَلْمُخاطَبُ بِذَلِكَ الكُفّارُ؛ وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: اَلْمُخاطَبُ بِها المُؤْمِنُونَ؛ "وَما يُشْعِرُكُمْ"؛ مَعْناهُ: "وَما يُعْلِمُكُمْ؟"؛ و"وَما يُدْرِيكُمْ؟"؛ وقَرَأ قَوْمٌ: "يُشْعِرْكُمْ"؛ بِسُكُونِ الراءِ؛ وهي عَلى التَخْفِيفِ؛ ويُحَسِّنُها أنَّ الخُرُوجَ مِن كَسْرَةٍ إلى ضَمَّةٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ داوُدَ الإيادِيِّ -: "إنَّها"؛ بِكَسْرِ الألِفِ؛ عَلى القَطْعِ؛ واسْتِئْنافِ الإخْبارِ؛ فَمَن قَرَأ: "تُؤْمِنُونَ"؛ بِالتاءِ - وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةَ -؛ اسْتَقامَتْ لَهُ المُخاطَبَةُ أوَّلًا وآخِرًا لِلْكُفّارِ؛ ومَن قَرَأ: "يُؤْمِنُونَ" بِالياءِ - وهي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٍ ؛ وأبِي عَمْرٍو ؛ والكِسائِيِّ -؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُخاطِبَ أوَّلًا وآخِرًا المُؤْمِنِينَ؛ ويُحْتَمَلَ أنْ يُخاطِبَ بِقَوْلِهِ تَعالى "وَما يُشْعِرُكُمْ"؛ اَلْكُفّارَ؛ ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الإخْبارَ عنهم لِلْمُؤْمِنِينَ؛ ومَفْعُولُ "يُشْعِرُكُمْ"؛ اَلثّانِي مَحْذُوفٌ؛ ويَخْتَلِفُ تَقْدِيرُهُ بِحَسَبِ كُلِّ تَأْوِيلٍ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ -؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وابْنُ عامِرٍ: "أنَّها"؛ بِفَتْحِ الألِفِ؛ فَمِنهم مَن جَعَلَها "أنَّ" اَلَّتِي تَدْخُلُ عَلى الجُمَلِ؛ وتَأْتِي بَعْدَ الأفْعالِ؛ كَـ "عَلِمْتُ"؛ و"ظَنَنْتُ"؛ وأعْمَلَ فِيها "يُشْعِرُكُمْ"؛ والتَزَمَ بَعْضُهم أنَّ "لا"؛ زائِدَةٌ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ "لا يُؤْمِنُونَ"؛ ﴾ وأنَّ مَعْنى الكَلامِ: "وَما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ"؛ أو: "تُؤْمِنُونَ"؛ فَزِيدَتْ "لا"؛ كَما زِيدَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ  ﴾ ؛ لِأنَّ المَعْنى: "وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ مُهْلَكَةٍ رُجُوعُهُمْ"؛ وكَما جاءَتْ في قَوْلِ الشاعِرِ: أبى جُودُهُ لا البُخْلَ واسْتَعْجَلَتْ بِهِ ∗∗∗ "نَعَمْ" مِن فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ قاتِلَهْ قالَ الزَجّاجُ: أرادَ: "أبى جُودُهُ البُخْلَ"؛ كَما جاءَتْ زائِدَةً في قَوْلِ الشاعِرِ: أفَمِنكَ لا بَرْقٌ كَأنَّ ومِيضَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ غابٌ تَسَنَّمَهُ ضِرامٌ مُثَقَّبُ ودَعا إلى التِزامِ هَذا حِفْظُ المَعْنى؛ لِأنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ زائِدَةً لَعادَ الكَلامُ عُذْرًا لِلْكُفّارِ؛ وفَسَدَ المُرادُ بِالآيَةِ؛ وضَعَّفَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ زِيادَةَ "لا"؛ وقالَ: هَذا غَلَطٌ؛ ومِنهم مَن جَعَلَ "أنَّها"؛ بِمَعْنى: "لَعَلَّها"؛ وحَكاها سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ؛ وهو تَأْوِيلٌ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى تَقْدِيرِ زِيادَةِ "لا"؛ وحَكى الكِسائِيُّ أنَّهُ كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَما أدْراكم لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ"؛ ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: قُلْتُ لَشَيْبانَ ادْنُ مِن لِقائِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ أنَّ تُغَذِّي القَوْمُ مِن شِوائِهِ فَهَذِهِ كُلُّها بِمَعْنى "لَعَلَّ"؛ وضَعَّفَ أبُو عَلِيٍّ هَذا؛ بِأنَّ التَوَقُّعَ الَّذِي فِيهِ لا يُناسِبُ الآيَةَ بَعْدُ؛ الَّتِي حَكَمَتْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ؛ وتَرَجَّحَ عِنْدَهُ في الآيَةِ أنْ تَكُونَ "أنَّ"؛ عَلى بابِها؛ وأنْ يَكُونَ المَعْنى: "قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللهِ لِأنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ"؛ فَهو لا يَأْتِي بِها لِإصْرارِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ"؛ وتَكُونَ الآيَةُ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ  ﴾ ؛ أيْ: "بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَتَرَتَّبُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ أنْ تَكُونَ "وَما"؛ نافِيَةً؛ ذَكَرَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ ؛ فَتَأمَّلْ؛ وتَرَجَّحَ عِنْدَهُ أيْضًا أنْ تَكُونَ "لا"؛ زائِدَةً؛ وبَسَطَ شَواهِدَهُ في ذَلِكَ؛ وحَكى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ في آخِرِ الآيَةِ حَذْفًا يُسْتَغْنى بِهِ عن زِيادَةِ "لا"؛ وعن تَأْوِيلِها بِمَعْنى "لَعَلَّ"؛ وتَقْدِيرُهُ عِنْدَهُمْ: "أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ أو يُؤْمِنُونَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لا يُعَضِّدُهُ لَفْظُ الآيَةِ؛ ولا يَقْتَضِيهِ؛ وَتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى يَتَضَمَّنُ الإخْبارَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ؛ وقِيلَ لَهُمْ: "وَما يُشْعِرُكم بِهَذِهِ الحَقِيقَةِ؟"؛ أيْ: "لا سَبِيلَ إلى شُعُورِكم بِها؛ وهي حَقٌّ في نَفْسِها؛ وهم لا يُؤْمِنُونَ أنْ لَوْ جاءَتْ"؛ و"وَما"؛ اِسْتِفْهامٌ؛ عَلى هَذا التَأْوِيلِ؛ وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَما يُشْعِرُكم إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا ﴾ ؛ اَلْمَعْنى عَلى ما قالَتْ فِرْقَةٌ: "وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم في النارِ؛ وفي لَهِيبِها؛ في الآخِرَةِ؛ لَمّا لَمْ يُؤْمِنُوا في الدُنْيا"؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ عَلى هَذا: "وَنَذَرُهُمْ"؛ في الدُنْيا؛ "فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ".

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما المُرادُ بِالتَقْلِيبِ: اَلتَّحْوِيلُ عَنِ الحَقِّ؛ والهُدى؛ والتَرْكُ في الضَلالَةِ؛ والكُفْرِ؛ ومَعْنى الآيَةِ: "إنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا أنَّهم يُؤْمِنُونَ إنْ جاءَتْ آيَةٌ؛ نَحْنُ نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ؛ أنْ لَوْ جاءَتْ فَلا يُؤْمِنُونَ بِها؛ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا أوَّلَ مَرَّةٍ؛ بِما دُعُوا إلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللهِ تَعالى "؛ فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - بِصُورَةِ فِعْلِهِ بِهِمْ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "يَذَرُهُمْ"؛ بِالياءِ؛ ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "وَيُقَلِّبُ"؛ "وَيَذَرُهُمْ"؛ بِالياءِ؛ فِيهِما؛ كِنايَةً عَنِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ وقَرَأ أيْضًا - فِيما رَوى عنهُ مُغِيرَةُ -: "وَتَقَلَّبُ"؛ بِفَتْحِ التاءِ؛ واللامِ؛ بِمَعْنى: "وَتَتَقَلَّبُ أفْئِدَتُهم وأبْصارُهُمْ"؛ بِالرَفْعِ فِيهِما؛ "وَيَذَرْهُمْ"؛ بِالياءِ؛ وجَزْمِ الراءِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ تَعالى "كَما"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ إنَّما بِمَعْنى المُجازاةِ؛ أيْ: "لَمّا لَمْ يُؤْمِنُوا أوَّلَ مَرَّةٍ؛ نُجازِيهِمْ بِأنْ نُقَلِّبَ أفْئِدَتَهم عَنِ الهُدى؛ ونَطْبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ"؛ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: "وَنَحْنُ نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهُمْ؛ وأبْصارَهُمْ؛ جَزاءً؛ لَمّا لَمْ يُؤْمِنُوا أوَّلَ مَرَّةٍ؛ بِما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ الشَرْعِ".

والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ أو عَلى القُرْآنِ؛ أو عَلى النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ "وَنَذَرُهُمْ"؛ مَعْناهُ: نَتْرُكُهُمْ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ ؛ والهَمَذانِيُّ: "وَيَذَرْهُمْ"؛ بِالياءِ؛ وجَزْمِ الراءِ؛ عَلى وجْهِ التَخْفِيفِ.

و"اَلطُّغْيانُ": اَلتَّخَبُّطُ في الشَرِّ؛ والإفْراطُ فِيما يَتَناوَلُهُ المَرْءُ؛ و"اَلْعَمى": اَلتَّرَدُّدُ؛ والحَيْرَةُ.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍۢ قُبُلًۭا مَّا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ١١١ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّۭا شَيَـٰطِينَ ٱلْإِنسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُورًۭا ۚ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ١١٢

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلا أنْ يَشاءَ اللهُ ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ ﴾ أخْبَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَوْ أتى بِجَمِيعِ ما اقْتَرَحُوهُ؛ مِن إنْزالِ المَلائِكَةِ؛ وإحْياءِ سَلَفِهِمْ؛ حَسْبَما كانَ مِنَ اقْتِراحِ بَعْضِهِمْ أنْ يُحْشَرَ قُصَيٌّ ؛ وغَيْرُهُ؛ فَيُخْبِرَ بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ؛ أو يُجْمَعَ عَلَيْهِمْ كُلُّ شَيْءٍ يُعْقَلُ أنْ يُحْشَرَ عَلَيْهِمْ؛ ما آمَنُوا؛ إلّا بِالمَشِيئَةِ؛ واللُطْفِ الَّذِي يَخْلُقُهُ تَعالى ؛ ويَخْتَرِعُهُ في نَفْسِ مَن شاءَ؛ لا رَبَّ غَيْرُهُ؛ وهَذا يَتَضَمَّنُ الرَدَّ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي تَضْطَرُّ الكُفّارَ إلى الإيمانِ؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُسْتَهْزِئِينَ؛ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: لا يَثْبُتُ إلّا بِسَنَدٍ.

وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وغَيْرُهُما: "قِبَلًا"؛ بِكَسْرِ القافِ؛ وفَتْحِ الباءِ؛ ومَعْناهُ: "مُواجَهَةً؛ ومُعايَنَةً"؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وغَيْرُهُ؛ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ؛ وقالَ المُبَرِّدُ: اَلْمَعْنى: "ناحِيَةً"؛ كَما تَقُولُ: "لِي قِبَلَ فُلانٍ دَيْنٌ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَنَصْبُهُ - عَلى هَذا - هو عَلى الظَرْفِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ: "قُبُلًا"؛ بِضَمِّ القافِ؛ والباءِ؛ وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ هُنا؛ وقَرَأ: "اَلْعَذابَ قِبَلًا"؛ مَكْسُورَةَ القافِ؛ واخْتُلِفَ في مَعْناهُ؛ فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وابْنُ زَيْدٍ: "قُبُلٌ": جَمْعُ "قَبِيلٌ"؛ أيْ: صِنْفًا صِنْفًا؛ ونَوْعًا نَوْعًا؛ كَما يُجْمَعُ "قَضِيبٌ"؛ عَلى "قُضُبٌ"؛ وغَيْرُهُ؛ وقالَ الفَرّاءُ ؛ والزَجّاجُ: هو جَمْعُ "قَبِيلٌ"؛ وهُوَ: "اَلْكَفِيلُ"؛ أيْ: "وَحَشَرَنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ كُفَلاءَ بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ"؛ وذَكَرَهُ الفارِسِيُّ ؛ وضَعَّفَهُ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: "قُبُلٌ"؛ بِالضَمِّ؛ بِمَعْنى: "قِبَلٌ"؛ بِكَسْرِ القافِ؛ أيْ: "مُواجَهَةً"؛ كَما تَقُولُ: "قُبُلَ"؛ و"دُبُرَ"؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُدَّ مِن قُبُلٍ  ﴾ ؛ ومِنهُ قِراءَةُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ"؛ أيْ لِاسْتِقْبالِها؛ ومُواجَهَتِها في الزَمَنِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وأبُو رَجاءٍ ؛ وأبُو حَيْوَةَ: "قُبْلًا"؛ بِضَمِّ القافِ؛ وسُكُونِ الباءِ؛ وذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَخْفِيفِ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "قَبْلًا"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ وإسْكانِ الباءِ؛ وقَرَأ أُبَيٌّ؛ والأعْمَشُ: "قَبِيلًا"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ وكَسْرِ الباءِ؛ وزِيادَةِ ياءٍ؛ والنَصْبُ في هَذا كُلِّهِ عَلى الحالِ.

وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ ﴾ ؛ اَلضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكُفّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ؛ والمَعْنى: "يَجْهَلُونَ أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي إيمانَهُمْ؛ ولا بُدَّ"؛ فَيَقْتَضِي اللَفْظُ أنَّ الأقَلَّ لا يَجْهَلُ؛ فَكانَ فِيهِمْ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ الآيَةَ لَوْ جاءَتْ لَمْ يُؤْمِن إلّا أنْ يَشاءَ اللهُ تَعالى لَهُ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يَتَضَمَّنُ تَسْلِيَةَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وعَرْضَ القُدْوَةِ عَلَيْهِ؛ أيْ: "إنَّ هَذا الَّذِي امْتُحِنْتَ بِهِ يا مُحَمَّدُ؛ مِنَ الأعْداءِ؛ قَدِ امْتُحِنَ بِهِ غَيْرُكَ مِنَ الأنْبِياءِ؛ لِيَبْتَلِيَ اللهُ تَعالى أُولِي العَزْمِ مِنهُمْ"؛ و"عَدُوًّا"؛ مُفْرَدٌ في مَعْنى الجَمْعِ؛ ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ لِـ "جَعَلْنا"؛ والمَفْعُولُ الثانِي في قَوْلِهِ: "لِكُلِّ نَبِيٍّ"؛ و"شَياطِينَ"؛ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "عَدُوًّا"؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ "شَياطِينَ"؛ والثانِي "عَدُوًّا"؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ ﴾ ؛ يُرِيدُ بِهِ المُتَمَرِّدِينَ - مِنَ النَوْعَيْنِ - الَّذِينَ هم مِن شِيَمِ السُوءِ؛ كالشَياطِينِ؛ وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ؛ ويُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «أبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّهُ صَلّى يَوْمًا؛ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "تَعَوَّذْ يا أبا ذَرٍّ مِن شَياطِينِ الجِنِّ والإنْسِ"؛ قالَ: وإنَّ مِنَ الإنْسِ لِشَياطِينَ؟

قالَ: "نَعَمْ"؛» قالَ السُدِّيُّ ؛ وعِكْرِمَةُ: اَلْمُرادُ بِالشَياطِينِ: اَلْمُوَكَّلُونَ بِالإنْسِ؛ والشَياطِينُ المُوَكَّلُونَ بِمُؤْمِنِي الجِنِّ؛ وزَعَما أنَّ لِلْجِنِّ شَياطِينَ مُوَكَّلِينَ بِغَوايَتِهِمْ؛ وأنَّهم يُوحُونَ إلى شَياطِينِ الإنْسِ بِالشَرِّ؛ والوَسْوَسَةِ؛ يَتَعَلَّمُها بَعْضُهم مِن بَعْضٍ؛ قالا: ولا شَياطِينَ مِنَ الإنْسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ لا يَسْتَنِدُ إلى خَبَرٍ؛ ولا إلى نَظَرٍ.

و"يُوحِي"؛ مَعْناهُ: يُلْقِيهِ في اخْتِفاءٍ؛ فَهو كالمُناجاةِ؛ والسِرارِ؛ و ﴿ زُخْرُفَ القَوْلِ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "مُحَسِّنَهُ؛ ومُزَيِّنَهُ بِالأباطِيلِ"؛ قالَهُ عِكْرِمَةُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ والزَخْرَفَةُ أكْثَرُ ذَلِكَ؛ إنَّما تُسْتَعْمَلُ في الشَرِّ والباطِلِ؛ و"غُرُورًا"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ ومَعْناهُ أنَّهم يُغْرُونَ بِهِ المُضَلِّلِينَ؛ ويُوهِمُونَ لَهم أنَّهم عَلى شَيْءٍ؛ والأمْرُ بِخِلافٍ؛ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى "فَعَلُوهُ"؛ عائِدٌ عَلى اعْتِقادِهِمُ العَداوَةَ؛ ويُحْتَمَلُ عَلى الوَحْيِ؛ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ "يُوحِي"؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ ﴾ ؛ لَفْظٌ يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِالمُوادَعَةِ؛ مَنسُوخٌ بِآياتِ القِتالِ؛ قالَ قَتادَةُ: كُلُّ "ذَرْ"؛ في كِتابِ اللهِ تَعالى فَهو مَنسُوخٌ بِالقِتالِ؛ و"يَفْتَرُونَ"؛ مَعْناهُ: "يَخْتَلِفُونَ؛ ويَشْتَقُّونَ"؛ وهو مِن "اَلْفِرْيَةُ"؛ تَشْبِيهًا بِفَرْيِ الأدِيمِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلِتَصْغَىٰٓ إِلَيْهِ أَفْـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا۟ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ ١١٣ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًۭا وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مُفَصَّلًۭا ۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٌۭ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ١١٤

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ولِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ ﴾ ﴿ أفَغَيْرَ اللهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلا والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِن المُمْتَرِينَ ﴾ ﴿ وَلِتَصْغى إلَيْهِ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "لِتَمِيلَ"؛ يُقالُ: "صَغى؛ يَصْغى"؛ وأصْلُها "يُصْغِي"؛ بِكَسْرِ الغَيْنِ؛ لَكِنْ رُدَّ حَرْفُ الحَلْقِ إلى الفَتْحِ؛ ويُقالُ: "صَغا؛ يَصْغُو"؛ و"أصْغى؛ يُصْغِي"؛ و"صَغِيَ؛ يَصْغى".

وَ"أفْئِدَةُ": جَمْعُ "فُؤادٌ"؛ و"يَقْتَرِفُونَ"؛ مَعْناهُ: "يُواقِعُونَ؛ ويَجْتَرِحُونَ"؛ وهي مُسْتَعْمَلَةٌ أكْثَرَ ذَلِكَ في الشَرِّ؛ والذُنُوبِ؛ ونَحْوِها.

والقُرّاءُ عَلى كَسْرِ اللامِ في الثَلاثَةِ الأفْعالِ؛ عَلى أنَّها لامُ "كَيْ"؛ فَإمّا أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى "غُرُورًا"؛ وإمّا أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ مُؤَخَّرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "فَعَلُوا ذَلِكَ"؛ أو: "جَعَلَنا ذَلِكَ"؛ فَهي لامُ صَيْرُورَةٍ؛ قالَهُ الزَجّاجُ ؛ ولا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللاماتُ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - لامَ الأمْرِ؛ وضِمْنَها الوَعِيدُ؛ وتَبْقى في "وَلِتَصْغى"؛ عَلى نَحْوِ ما جاءَ مِن ذَلِكَ في قَوْلِ الشاعِرِ: ألَمْ يَأْتِيكَ............

∗∗∗..................؟

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا قَدْ قُرِئَ بِهِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: قَرَأها الحَسَنُ بِالتَسْكِينِ في الثَلاثَةِ؛ وهي لامُ "كَيْ"؛ وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى "غُرُورًا"؛ والتَقْدِيرُ: "لِأجْلِ الغُرُورِ؛ ولِتَصْغى..."؛ وإسْكانُ هَذِهِ اللامِ شاذٌّ في الِاسْتِعْمالِ؛ قَوِيٌّ في القِياسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَظْهَرُ أنْ تُحْمَلَ قِراءَةُ الحَسَنِ - بِسُكُونِ اللاماتِ الثَلاثَةِ - عَلى أنَّها لامُ الأمْرِ المُضَمَّنِ الوَعِيدَ والتَهْدِيدَ؛ والخَطُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ: "وَلْتَصْغَ"؛ ذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ أنَّ تَسْكِينَهُ في اللاماتِ الثَلاثَةِ؛ وكَذَلِكَ قالَ أبُو الفَتْحِ؛ وذَكَرَ أنَّ الحَسَنَ إنَّما يُسَكِّنُ اللامَيْنِ الثانِيَةَ والثالِثَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَلِكَ يُخالِفُهُ خَطُّ المُصْحَفِ فِي: "وَلِتَصْغى".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُتَحَصَّلُ أنْ تُسَكَّنَ اللامُ في "وَلِتَصْغى"؛ عَلى ما ذَكَرْناهُ في قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ قالَ أبُو عَمْرٍو: وقِراءَةُ الحَسَنِ إنَّما هِيَ: "لِتَصْغِيَ"؛ بِكَسْرِ الغَيْنِ؛ وقِراءَةُ إبْراهِيمَ النَخَعِيُّ "لِتُصْغِيَ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ وكَسْرِ الغَيْنِ؛ مِن: "أصْغى؛ يُصْغِي"؛ وكَذَلِكَ قَرَأ الجَرّاحُ بْنُ عَبْدِ اللهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى "أفَغَيْرَ"؛ نُصِبَ بِـ "أبْتَغِي"؛ و"حَكَمًا"؛ نُصِبَ عَلى البَيانِ؛ والتَمْيِيزِ؛ و"مُفَصَّلًا"؛ مَعْناهُ: مُزالَ الإشْكالِ؛ قَدْ فُصِّلَتْ آياتُهُ؛ وهَذِهِ الآيَةُ - وإنْ كانَ مَعْناها يَعُمُّ في أنَّ اللهَ تَعالى لا يُبْتَغى سِواهُ حَكَمًا في كُلِّ شَيْءٍ؛ وفي كُلِّ قَضِيَّةٍ - فَإنّا نَحْتاجُ في وصْفِ الكَلامِ؛ واتِّساقِ المَعانِي؛ أنْ نَنْظُرَ إلى قَضِيَّةٍ فِيما تَقَدَّمَ تَكُونُ سَبَبًا إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ أفَغَيْرَ اللهِ أبْتَغِي حَكَمًا ﴾ ؛ فَهي - واللهُ أعْلَمُ - حُكْمُهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ؛ ولَوْ بَعَثَ إلَيْهِمْ كُلَّ الآياتِ؛ وحُكْمُهُ بِأنْ جَعَلَ لِلْأنْبِياءِ أعْداءَ مِنَ الجِنِّ؛ والإنْسِ؛ و"حَكَمًا"؛ أبْلَغُ مِن "حاكِمًا"؛ إذْ هي صِيغَةٌ لِلْعَدْلِ مِنَ الحُكّامِ؛ و" اَلْحاكِمُ "؛ جارٍ عَلى الفِعْلِ؛ فَقَدْ يُقالُ لِلْجائِرِ؛ و"حَكَمًا"؛ نُصِبَ عَلى البَيانِ؛ أوِ الحالِ.

وبِهَذِهِ الآيَةِ خاصَمَتِ الخَوارِجُ عَلِيًّا - رَضِيَ اللهُ عنهُ - في تَكْفِيرِهِ بِالتَحْكِيمِ؛ ولا حُجَّةَ لَها؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى حَكَمَ في الصَيْدِ؛ وبَيْنَ الزَوْجَيْنِ؛ فَتَحْكِيمُ المُؤْمِنِينَ مِن حُكْمِهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ ﴾ ؛ يَتَضَمَّنُ الِاسْتِشْهادَ بِمُؤْمِنِيهِمْ؛ والطَعْنَ والتَنْبِيهَ عَلى مُشْرِكِيهِمْ؛ وحَسَدَتِهِمْ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ؛ وحَفْصٌ ؛ عن عاصِمٍ: "مُنَزَّلٌ"؛ بِالتَشْدِيدِ؛ والباقُونَ بِالتَخْفِيفِ؛ و"اَلْكِتابَ"؛ أوَّلًا هو القُرْآنُ؛ وثانِيًا اسْمُ جِنْسٍ: اَلتَّوْراةُ؛ والإنْجِيلُ؛ والزَبُورُ؛ والصُحُفُ؛ ووَصْفُهُ أهْلَ الكِتابِ بِالعِلْمِ عُمُومٌ بِمَعْنى الخُصُوصِ؛ وإنَّما يُرِيدُ عُلَماءَهُمْ؛ وأحْبارَهم.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ﴾ ؛ تَثْبِيتٌ؛ ومُبالَغَةٌ؛ وطَعْنٌ عَلى المُمْتَرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًۭا وَعَدْلًۭا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ١١٥ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ١١٦ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ١١٧

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عن سَبِيلِ اللهِ إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَنَّ وإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عن سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ﴾ ﴿ "وَتَمَّتْ" ﴾ - في هَذا المَوْضِعِ - بِمَعْنى: "اِسْتَمَرَّتْ؛ وصَحَّتْ في الأزَلِ صِدْقًا؛ وعَدْلًا"؛ ولَيْسَ بِتَمامٍ مِن نَقْصٍ؛ ومِثْلُهُ ما وقَعَ في السِيرَةِ مِن قَوْلِهِمْ: "وَتَمَّ حَمْزَةُ عَلى إسْلامِهِ"؛ في الحَدِيثِ مَعَ أبِي جَهْلٍ.

و"اَلْكَلِماتُ": ما نَزَلَ عَلى عِبادِهِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "كَلِمَةُ"؛ بِالإفْرادِ؛ هُنا؛ وفي "يُونُسَ"؛ في المَوْضِعَيْنِ؛ وفي "حـم اَلْمُؤْمِنُ"؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ جَمِيعَ ذَلِكَ "كَلِماتُ"؛ بِالجَمْعِ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ هُنا فَقَطْ؛ "كَلِماتُ"؛ بِالجَمْعِ؛ وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّهُ القُرْآنُ؛ كَما يُقالُ: "كَلِمَةُ فُلانٍ"؛ في قَصِيدَةِ الشِعْرِ؛ والخُطْبَةِ البَلِيغَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عِنْدِي بَعِيدٌ مُعْتَرَضٌ؛ وإنَّما القَصْدُ العِبارَةُ عن نُفُوذِ قَوْلِهِ تَعالى "صِدْقًا"؛ فِيما تَضَمَّنَهُ مِن خَبَرٍ؛ و"عَدْلًا"؛ فِيما تَضَمَّنَهُ مِن حُكْمٍ؛ وهُما مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: "نُصِبا عَلى التَمْيِيزِ"؛ وهَذا غَيْرُ صَوابٍ؛ و ﴿ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ﴾ ؛ مَعْناهُ: في مَعانِيها؛ بِأنْ يُبَيِّنَ أحَدٌ أنَّ خَبَرَهُ بِخِلافِ ما أخْبَرَ بِهِ؛ أو يُبَيِّنَ أنَّ أمْرَهُ لا يُنَفَّذُ؛ والمِثالُ مِن هَذا أنَّ اللهَ تَعالى قالَ لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿ فَإنْ رَجَعَكَ اللهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ  ﴾ ؛ إلى: ﴿ الخالِفِينَ  ﴾ ؛ فَقالَ المُنافِقُونَ بَعْدَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ولِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿ "ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ"؛  ﴾ فَقالَ اللهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذَلِكم قالَ اللهِ مِن قَبْلُ  ﴾ ؛ أو في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا  ﴾ ؛ لِأنَّ مُضَمَّنَهُ الخَبَرَ بِألّا يُباحَ لَهم خُرُوجٌ؛ وأمّا الألْفاظُ فَقَدْ بَدَّلَتْها بَنُو إسْرائِيلَ؛ وغَيَّرَتْها؛ هَذا مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهم إنَّما بَدَّلُوا بِالتَأْوِيلِ؛ والأوَّلُ أرْجَحُ؛ وفي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ اَلْمَعْنى: "فامْضِ يا مُحَمَّدُ لِما أُمِرْتَ بِهِ؛ وانْفُذْ لِرِسالَتِكَ؛ فَإنَّكَ إنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ"؛ وذَكَرَ - سُبْحانَهُ -: "أكْثَرَ"؛ لِأنَّ أهْلَ الأرْضِ حِينَئِذٍ كانَ أكْثَرُهم كافِرِينَ؛ ولَمْ يَكُنِ المُؤْمِنُونَ إلّا قِلَّةً.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "اَلْأرْضِ"؛ هُنا: اَلدُّنْيا؛ وحُكِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ جادَلُوا رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ في أمْرِ الذَبائِحِ؛ وقالُوا: تَأْكُلُ ما تَقْتُلُ؛ وتَتْرُكُ ما قَتَلَ اللهُ؟

فَنَزَلَتِ الآيَةُ؛ ووَصَفَهم - عَزَّ وجَلَّ - بِأنَّهم يَقْتَدُونَ بِظُنُونِهِمْ؛ ويَتَّبِعُونَ تَخَرُّصَهُمْ؛ و"اَلْخَرْصُ": اَلْحَزْرُ؛ والظَنُّ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَضِلُّ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "يُضِلُّ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ ورَواهُ أحْمَدُ بْنُ أبِي شُرَيْحٍ عَنِ الكِسائِيِّ ؛ و"مَن" في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "مَن يَضِلُّ"؛ ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "يَعْلَمُ مَن"؛ وقِيلَ: في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ كَأنَّهُ قالَ: "أيٌّ يَضِلُّ عن سَبِيلِهِ"؛ ذَكَرَهُ أبُو الفَتْحِ؛ وضَعَّفَهُ أبُو عَلِيٍّ ؛ وقِيلَ: في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِإضْمارِ باءِ الجَرِّ؛ كَأنَّهُ قالَ: "بِمَن يَضِلُّ عن سَبِيلِهِ"؛ وهَذا ضَعِيفٌ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا هو المُرادُ؛ فَحُذِفَتْ باءُ الجَرِّ؛ ووَصَلَ "أعْلَمُ"؛ بِنَفْسِهِ؛ قالَ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "أعْلَمُ"؛ مُضافًا إلى "مَن"؛ لِأنَّ أفْعَلَ التَفْضِيلِ بَعْضُ ما يُضافُ إلَيْهِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ خَبَرٌ في ضِمْنِهِ وعِيدٌ لِلضّالِّينَ؛ ووَعْدٌ لِلْمُهْتَدِينَ.

<div class="verse-tafsir"

فَكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَـٰتِهِۦ مُؤْمِنِينَ ١١٨ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًۭا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَآئِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ ١١٩

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَما لَكم ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ وإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ ﴾ اَلْقَصْدُ بِهَذِهِ الآيَةِ النَهْيُ عَمّا ذُبِحَ لِلنُّصُبِ وغَيْرِها؛ وعَنِ المَيْتَةِ وأنْواعِها؛ فَجاءَتِ العِبارَةُ أمْرًا بِما يُضادُّ ما قُصِدَ النَهْيُ عنهُ؛ ولا قَصْدَ في الآيَةِ إلى ما نَسِيَ فِيهِ المُؤْمِنَ التَسْمِيَةَ؛ أو تَعَمَّدَها بِالتَرْكِ؛ وقالَ عَطاءٌ: هَذِهِ الآيَةُ أمْرٌ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ تَعالى عَلى الشَرابِ؛ والطَعامِ؛ والذَبْحِ؛ وكُلِّ مَطْعُومٍ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ أيْ: "إنْ كُنْتُمْ بِأحْكامِهِ؛ وأوامِرِهِ آخِذِينَ"؛ فَإنَّ الإيمانَ بِها يَتَضَمَّنُ ويَقْتَضِي الأخْذَ بِها؛ والِانْقِيادَ لَها.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَما لَكم ألا تَأْكُلُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ "وَما"؛ اِسْتِفْهامٌ يَتَضَمَّنُ التَقْرِيرَ؛ وَتَقْدِيرُ هَذا الكَلامِ: "وَأيُّ شَيْءٍ لَكم في ألّا تَأْكُلُوا؟"؛ فَـ "أنْ"؛ في مَوْضِعِ خَفْضٍ؛ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ عَلى ألّا يُقَدَّرَ حَرْفُ جَرٍّ؛ ويَكُونَ الناصِبُ مَعْنى الفِعْلِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "وَما لَكُمْ"؛ ﴾ تَقْدِيرُهُ: "ما يَجْعَلُكُمْ؛ وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ؛ أيْ: قَدْ بُيِّنَ لَكُمُ الحَرامُ مِنَ الحَلالِ؛ وأُزِيلُ عنكُمُ اللَبْسُ والشَكُّ؟".

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "وَقَدْ فُصِّلَ لَكم ما حُرِّمَ عَلَيْكُمْ"؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ في الفِعْلَيْنِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "وَقَدْ فَصَّلَ"؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ في الفِعْلَيْنِ؛ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عن عاصِمٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "وَقَدْ فَصَّلَ"؛ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ؛ "لَكم ما حُرِّمَ عَلَيْكُمْ"؛ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى المَفْعُولِ"؛ وقَرَأ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: "وَقَدْ فَصَلَ"؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ؛ وفَتْحِ الصادِ؛ وتَخْفِيفِها؛ "ما حُرِّمَ"؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ؛ والمَعْنى: قَدْ فَصَّلَ الحَرامَ مِنَ الحَلالِ؛ وانْتَزَعَهُ بِالتَبْيِينِ؛ و"وَما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إلا ما اضْطُرِرْتُمْ ﴾ ؛ يُرِيدُ بِها: مِن جَمِيعِ ما حُرِّمَ؛ كالمَيْتَةِ وغَيْرِها؛ وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالِاسْتِثْناءِ؛ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَإنَّ كَثِيرًا"؛ ﴾ يُرِيدُ الكَفَرَةَ المُحادِّينَ؛ المُجادِلِينَ في المَطاعِمِ؛ بِما ذَكَرْناهُ مِن قَوْلِهِمْ: "تَأْكُلُونَ ما تَذْبَحُونَ؛ ولا تَأْكُلُونَ ما ذَبَحَ اللهُ؟"؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "لَيَضِلُّونَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ عَلى مَعْنى إسْنادِ الضَلالِ إلَيْهِمْ في هَذِهِ السُورَةِ؛ وفي "يُونُسَ": ﴿ رَبَّنا لِيُضِلُّوا  ﴾ ؛ وفي سُورَةِ "إبْراهِيمَ": ﴿ أنْدادًا لِيُضِلُّوا  ﴾ ؛ وفي "اَلْحَجِّ": ﴿ ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ  ﴾ ؛ وفي "لُقْمانَ": ﴿ لِيُضِلَّ عن سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ  ﴾ ؛ وفي "اَلزَّمَرِ": ﴿ أنْدادًا لِيُضِلَّ  ﴾ ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ كَذَلِكَ في هَذِهِ؛ وفي "يُونُسَ"؛ وفي الأرْبَعَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ يَضُمّانِ الياءَ؛ عَلى مَعْنى إسْنادِ إضْلالِ غَيْرِهِمْ إلَيْهِمْ؛ وهَذِهِ أبْلَغُ في ذَمِّهِمْ؛ لِأنَّ كُلَّ مُضِلٍّ ضالٌّ؛ ولَيْسَ كُلُّ ضالٍّ مُضِلًّا؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ في المَواضِعِ السِتَّةِ: "لَيُضِلُّونَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ عَلى مَعْنى إسْنادِ إضْلالِ غَيْرِهِمْ إلَيْهِمْ؛ ثُمَّ بَيَّنَ - عَزَّ وجَلَّ - في ضَلالِهِمْ أنَّهُ عَلى أقْبَحِ الوُجُوهِ؛ وأنَّهُ بِالهَوى؛ لا بِالنَظَرِ؛ والتَأمُّلِ؛ و"بِغَيْرِ عِلْمٍ"؛ مَعْناهُ: في غَيْرِ نَظَرٍ؛ فَإنَّ لِمَن يَضِلُّ بِنَظَرٍ ما بَعْضَ عُذْرٍ؛ لا يَنْفَعُ في أنَّهُ اجْتَهَدَ.

ثُمَّ تَوَعَّدَهم - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَذَرُوا۟ ظَـٰهِرَ ٱلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا۟ يَقْتَرِفُونَ ١٢٠

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمِ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ ﴾ هَذا نَهْيٌ عامٌّ مِن طَرَفَيْهِ؛ لِأنَّ الإثْمَ يَعُمُّ الأحْكامَ والنِسَبَ اللاحِقَةَ لِلْعُصاةِ عن جَمِيعِ المَعاصِي؛ والظاهِرُ والباطِنُ يَسْتَوْفِيانِ جَمِيعَ المَعاصِي؛ وقَدْ ذَهَبَ المُتَأوِّلُونَ إلى أنَّ الآيَةَ مِن ذَلِكَ في مُخَصَّصٍ؛ فَقالَ السُدِّيُّ: ظاهِرُهُ الزِنا الشَهِيرُ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ؛ وباطِنُهُ اتِّخاذُ الأخْدانِ؛ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اَلظّاهِرُ ما نَصَّ اللهُ تَعالى عَلى تَحْرِيمِهِ مِنَ النِساءِ؛ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ  ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ  ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ والباطِنُ الزِنا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يُرِيدُ التَعَرِّيَ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ في طَوافِها؛ قالَ قَوْمٌ: اَلظّاهِرُ الأعْمالُ؛ والباطِنُ المُعْتَقَدُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا حَسُنَ؛ لِأنَّهُ عامٌّ.

ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى كَسَبَةَ الإثْمِ بِالمُجازاةِ عَلى ما اكْتَسَبُوهُ مِن ذَلِكَ؛ وتَحَمَّلُوا ثِقْلَهُ؛ و"اَلِاقْتِرافُ": اَلِاكْتِسابُ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسْقٌۭ ۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَـٰدِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ١٢١

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ وإنَّ الشَياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أولِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنَّ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ ﴾ اَلْمَقْصِدُ بِهَذِهِ الآيَةِ النَهْيُ عَنِ المَيْتَةِ؛ إذْ هي جَوابٌ لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ: "تَتْرُكُونَ ما قَتَلَ اللهُ؟"؛ والنَهْيُ أيْضًا عَمّا ذُبِحَ لِلْأنْصابِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَلَفْظُها يَعُمُّ ما تُرِكَتِ التَسْمِيَةُ عَلَيْهِ مِن ذَبائِحِ الإسْلامِ؛ وبِهَذا العُمُومِ تَعَلَّقَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ؛ ونافِعٌ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ الخَطْمِيُّ؛ والشَعْبِيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ؛ فَما تُرِكَتِ التَسْمِيَةُ عَلَيْهِ - نِسْيانًا؛ أو عَمْدًا - لَمْ يُؤْكَلْ؛ وقالَتْ طائِفَةٌ عَظِيمَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: يُؤْكَلُ ما ذُبِحَ ولَمْ يُسَمَّ عَلَيْهِ نِسْيانًا؛ ولا يُؤْكَلُ ما لَمْ يُسَمَّ عَلَيْهِ عَمْدًا؛ وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ وحَكى الزَهْراوِيُّ عن مالِكِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ قالَ: تُؤْكَلُ الذَبِيحَةُ الَّتِي تُرِكَتِ التَسْمِيَةُ عَلَيْها عَمْدًا؛ أو نِسْيانًا؛ وعن رَبِيعَةَ أيْضًا؛ قالَ عَبْدُ الوَهّابِ: اَلتَّسْمِيَةُ سُنَّةٌ؛ فَإذا تَرَكَها الذابِحُ ناسِيًا أُكِلَتِ الذَبِيحَةُ؛ في قَوْلِ مالِكٍ وأصْحابِهِ؛ وإذا تَرَكَها عَمْدًا؛ فَقالَ مالِكٌ: لا تُؤْكَلُ؛ فَحَمَلَ بَعْضُ أصْحابِهِ قَوْلَهُ: "لا تُؤْكَلُ"؛ عَلى التَحْرِيمِ؛ وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى الكَراهِيَةِ؛ وقالَ أشْهَبُ: تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ تارِكِ التَسْمِيَةِ عَمْدًا؛ إلّا أنْ يَكُونَ مُسْتَخِفًّا؛ وقالَ نَحْوَهُ الطَبَرِيُّ.

وذَبائِحُ أهْلِ الكِتابِ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ في حُكْمِ ما ذُكِرَ اسْمُ اللهِ تَعالى عَلَيْهِ؛ مِن حَيْثُ لَهم دِينٌ وشَرْعٌ؛ وقالَ قَوْمٌ: نُسِخَ مِن هَذِهِ الآيَةِ ذَبائِحُ أهْلِ الكِتابِ؛ قالَهُ عِكْرِمَةُ ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ.

والضَمِيرُ في "وَإنَّهُ"؛ مِن: ﴿ وَإنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ ؛ عائِدٌ عَلى الأكْلِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الفِعْلُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَلا تَأْكُلُوا ﴾ ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "تَرْكِ الذِكْرِ"؛ اَلَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى "لَمْ يُذْكَرِ"؛ و"اَلْفِسْقُ": اَلْخُرُوجُ عَنِ الطاعَةِ؛ هَذا عُرْفُهُ في الشَرْعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَإنَّ الشَياطِينَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ عِكْرِمَةُ: عَنى بِالشَياطِينِ في هَذِهِ الآيَةِ مَرَدَةَ الإنْسِ؛ مِن مَجُوسِ "فارِسَ"؛ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يُوالُونَ قُرَيْشًا عَلى عَداوَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَخاطَبُوهم مُنَبِّهِينَ عَلى الحُجَّةِ الَّتِي ذَكَرْناها في أمْرِ الذَبْحِ؛ مِن قَوْلِهِمْ: "تَأْكُلُونَ ما قَتَلْتُمْ؛ ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَ اللهُ؟"؛ فَذَلِكَ مِن مُخاطَبَتِهِمْ هو الوَحْيُ الَّذِي عَنى؛ والأولِياءُ قَرائِنُ؛ والمُجادَلَةُ هي تِلْكَ الحُجَّةُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ: بَلِ الشَياطِينُ: اَلْجِنُّ؛ واللَفْظَةُ عَلى وجْهِها؛ وكَفَرَةُ الجِنِّ أولِياءُ لِكَفَرَةِ قُرَيْشٍ؛ ووَحْيُهم إلَيْهِمْ كانَ بِالوَسْوَسَةِ؛ حَتّى ألْهَمُوهم تِلْكَ الحُجَّةَ؛ أو عَلى ألْسِنَةِ الكُهّانِ؛ وقالَ أبُو زُمَيْلٍ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ فَجاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: إنَّ أبا إسْحاقَ - يَعْنِي المُخْتارَ - زَعَمَ أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ اللَيْلَةَ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "صَدَقَ"؛ فَنَفَرْتُ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ "وَإنَّ الشَياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أولِيائِهِمْ".

﴾ ثُمَّ نَهى اللهُ تَعالى عن طاعَتِهِمْ؛ بِلَفْظٍ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ؛ وعَرَضَ أصْعَبَ مِثالٍ في أنْ يُشَبِّهَ المُؤْمِنَ بِمُشْرِكٍ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - قَوْلًا: إنَّ الَّذِينَ جادَلُوا بِتِلْكَ الحُجَّةِ هم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ.

قالَ القاضِي أبُو سَعِيدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ اليَهُودَ لا تَأْكُلُ المَيْتَةَ؛ أما إنَّ ذَلِكَ يُتَّجَهُ مِنهم عَلى جِهَةِ المُغالَطَةِ؛ كَأنَّهم يَحْتَجُّونَ عَنِ العَرَبِ.

<div class="verse-tafsir"

أَوَمَن كَانَ مَيْتًۭا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًۭا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍۢ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَـٰفِرِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٢٢ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا۟ فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ١٢٣

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في الناسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وما يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ وما يَشْعُرُونَ ﴾ تَقَدَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ السالِفَةِ ذِكْرُ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ أُمِرُوا بِتَرْكِ ظاهِرِ الإثْمِ وباطِنِهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وذِكْرُ قَوْمٍ كافِرِينَ يَضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَمَثَّلَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - في الطائِفَتَيْنِ؛ بِأنْ شَبَّهَ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ كُفْرِهِمْ بِأمْواتٍ أُحْيُوا؛ هَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ ومُجاهِدٍ ؛ وغَيْرِهِما؛ وشَبَّهَ الكافِرِينَ وحَيْرَةَ جَهْلِهِمْ بِقَوْمٍ في ظُلُماتٍ يَتَرَدَّدُونَ فِيها ولا يُمْكِنُهُمُ الخُرُوجُ مِنها؛ لِيُبَيِّنَ - عَزَّ وجَلَّ - الفارِقَ بَيْنَ الطائِفَتَيْنِ؛ والبَوْنَ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أوَمَن"؛ بِفَتْحِ الواوِ؛ فَهي ألِفُ اسْتِفْهامٍ؛ دَخَلَتْ عَلى واوِ عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ و"مَن"؛ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أفَمَن"؛ بِالفاءِ؛ والمَعْنى قَرِيبٌ مِن مَعْنى الواوِ؛ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "فَأحْيَيْناهُ"؛ ﴾ عاطِفَةٌ؛ و ﴿ "نُورًا"؛ ﴾ أمْكَنُ ما يُعْنى بِهِ: اَلْإيمانُ؛ و ﴿ "يَمْشِي بِهِ"؛ ﴾ يُرادُ بِهِ جَمِيعُ التَصَرُّفِ في الأفْعالِ؛ والأقْوالِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ النُورُ الَّذِي يُؤْتاهُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَ القِيامَةِ؛ و ﴿ "فِي الناسِ"؛ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَمْشِي"؛ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ "كانَ مَيْتًا"؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "كَمَن مَثَلُهُ"؛ ﴾ بِمَنزِلَةِ: "كَمَن هُوَ"؛ والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ كَذَلِكَ زُيِّنَ ﴾ ؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ؛ يَدُلُّ ظاهِرُ الكَلامِ عَلَيْهِ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَكَما أحْيَيْنا المُؤْمِنِينَ وجَعَلْنا لَهم نُورًا؛ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ..."؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعالى "كَمَن مَثَلُهُ"؛ أيْ: "كَهَذِهِ الحالِ هو التَزْيِينُ".

وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "مَيِّتًا"؛ بِكَسْرِ الياءِ؛ وشَدِّها؛ وقَرَأ الباقُونَ: "مَيْتًا"؛ بِسُكُونِ الياءِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: اَلتَّخْفِيفُ كالتَشْدِيدِ؛ والياءُ المَحْذُوفَةُ هي الثانِيَةُ المُنْقَلِبَةُ عن واوٍ؛ أُعِلَّتْ بِالحَذْفِ؛ كَما أُعِلَّتْ بِالقَلْبِ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ هَذِهِ الألْفاظَ الَّتِي مُثِّلَ بِها؛ وإنْ كانَتْ تَعُمُّ كُلَّ مُؤْمِنٍ وكُلَّ كافِرٍ؛ فَإنَّما نَزَلَتْ في مَخْصُوصِينَ؛ فَقالَ الضَحّاكُ: اَلْمُؤْمِنُ الَّذِي كانَ مَيْتًا فَأُحْيِيَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وقالَ الزَجّاجُ: جاءَ في التَفْسِيرِ أنَّهُ يَعْنِي بِهِ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: واتَّفَقُوا عَلى أنَّ الَّذِي في الظُلُماتِ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ ؛ وإلى حالِهِ وحالِ أمْثالِهِ هي الإشارَةُ؛ والتَشْبِيهُ؛ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ ﴾ ؛ وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ إنْذارًا بِفَسادِ حالِ الكَفَرَةِ؛ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ؛ لِأنَّهُ مُقْتَضى حالِ مَن تَقَدَّمَهم مِن نَظائِرِهِمْ؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُسْتَهْزِئِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يَعْنِي أنَّ التَمْثِيلَ لَهُمْ؛ و"جَعَلْنا"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ بِمَعْنى "صَيَّرْنا"؛ فَهي تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ؛ فالمَفْعُولُ الأوَّلُ: ﴿ "مُجْرِمِيها"؛ ﴾ والثانِي: "أكابِرَ"؛ وفي الكَلامِ - عَلى هَذا - تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ مُجْرِمِيها أكابِرَ"؛ وقَدَّمَ الأهَمَّ؛ إذْ لِعِلَّةِ كِبَرِهِمْ أجْرَمُوا؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ: "أكابِرَ"؛ و"مُجْرِمِيها"؛ مُضافًا؛ والمَفْعُولُ الثانِي قَوْلَهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ ﴾ ؛ و"لِيَمْكُرُوا"؛ نُصِبَ بِلامِ الصَيْرُورَةِ.

والأكابِرُ جَمْعُ "أكْبَرُ"؛ كَما "اَلْأفاضِلُ"؛ جَمْعُ "أفْضَلُ"؛ ويُقالُ: "أكابِرَةٌ"؛ كَما يُقالُ: "أحْمَرُ"؛ و"أحامِرَةٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إنَّ الأحامِرَةَ الثَلاثَةَ أتْلَفَتْ ∗∗∗ مالِي وكُنْتُ بِهِنَّ قِدْمًا مُولَعا يُرِيدُ: اَلْخَمْرَ؛ واللَحْمَ؛ والزَعْفَرانَ؛ و"اَلْمَكْرُ": اَلتَّحَيُّلُ بِالباطِلِ؛ والخَدِيعَةُ؛ ونَحْوُهُما؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَما يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ ﴾ ؛ يُرِيدُ: لِرُجُوعِ وبالِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؛ "وَما يَشْعُرُونَ"؛ أيْ: ما يَعْلَمُونَ؛ وهي لَفْظَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشِعارِ؛ وهو الشَيْءُ الَّذِي يَلِي البَدَنَ؛ فَكَأنَّ الَّذِي لا يَشْعُرُ نُفِيَ عنهُ أنْ يَعْلَمَ عِلْمَ حِسٍّ؛ وفي ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في صِفَةِ جَهْلِهِ؛ إذِ البَهائِمُ تَعْلَمُ عُلُومَ الحِسِّ؛ وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّما نُفِيَ فِيها الشُعُورُ في نازِلَةٍ مَخْصُوصَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌۭ قَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ ۘ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُۥ ۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌۭ شَدِيدٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَمْكُرُونَ ١٢٤ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُۥ يَجْعَلْ صَدْرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجًۭا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ١٢٥

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهِ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ وعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ ﴾ ﴿ فَمَن يُرِدِ اللهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ومَن يُرِدِ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَماءِ كَذَلِكَ يَجْعَلْ اللهُ الرِجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ آيَةُ ذَمٍّ لِلْكُفّارِ؛ وتَوَعُّدٍ لَهُمْ؛ يَقُولُ: "وَإذا جاءَتْهم عَلامَةٌ ودَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ الشَرْعِ تَشَطَّطُوا؛ وتَسَحَّبُوا؛ وقالُوا: إنَّما يُفْلَقُ لَنا البَحْرُ؛ إنَّما يُحْيى لَنا المَوْتى"؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ فَرَدَّ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ اللهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ﴾ ؛ أيْ: فِيمَنِ اصْطَفاهُ؛ وانْتَخَبَهُ؛ لا فِيمَن كَفَرَ؛ وجَعَلَ يَتَشَطَّطُ عَلى اللهِ تَعالى ؛ قالَ الزَجّاجُ: قالَ بَعْضُهُمْ: اَلْأبْلَغُ في تَصْدِيقِ الرُسُلِ ألّا يَكُونُوا قَبْلَ المَبْعَثِ مُطاعِينَ في قَوْمِهِمْ؛ و"أعْلَمُ"؛ مُعَلَّقُ العَمَلِ؛ والعامِلُ في "حَيْثُ"؛ فِعْلٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "يَعْلَمُ حَيْثُ...".

ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى بِأنَّ هَؤُلاءِ المُجْرِمِينَ الأكابِرَ في الدُنْيا سَيُصِيبُهم عِنْدَ اللهِ تَعالى صَغارٌ؛ وذِلَّةٌ؛ و"عِنْدَ اللهِ"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "سَيُصِيبُ"؛ ويَصِحُّ أنْ تَتَعَلَّقَ بِـ "صَغارٌ"؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ؛ قالَ الزَجّاجُ: اَلتَّقْدِيرُ: صَغارٌ ثابِتٌ عِنْدَ اللهِ تَعالى ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ "صَغارٌ"؛ دُونَ تَقْدِيرِ: "ثابِتٌ"؛ ولا شَيْءٍ غَيْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَمَن يُرِدِ اللهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ "وَمَن": أداةُ شَرْطٍ؛ و"يَشْرَحْ"؛ جَوابُ الشَرْطِ؛ والآيَةُ نَصٌّ في أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - يُرِيدُ هُدى المُؤْمِنِ؛ وضَلالَ الكافِرِ؛ وهَذا عِنْدَ جَمِيعِ أهْلِ السُنَّةِ بِالإرادَةِ القَدِيمَةِ؛ الَّتِي هي صِفَةُ ذاتِهِ - تَبارَكَ وتَعالى.

و"اَلْهُدى"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ هو خَلْقُ الإيمانِ في القَلْبِ؛ واخْتِراعُهُ؛ وشَرْحُ الصَدْرِ هو تَسْهِيلُ الإيمانِ؛ وتَحْبِيبُهُ؛ وإعْدادُ القَلْبِ لِقَبُولِهِ؛ وتَحْصِيلِهِ؛ و"اَلْهُدى"؛ لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ؛ تَأْتِي بِمَعْنى: "اَلدُّعاءُ"؛ كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ  ﴾ ؛ وتَأْتِي بِمَعْنى إرْشادِ المُؤْمِنِينَ إلى مَسالِكِ الجِنانِ؛ والطُرُقِ والأعْمالِ المُفْضِيَةِ إلَيْها؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ  ﴾ ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ  ﴾ ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ إلّا أنَّها في هَذِهِ الآيَةِ؛ وفي قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ مَن يَهْدِ اللهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ  ﴾ ؛ وفي قَوْلِهِ: ﴿ إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ  ﴾ ؛ ونَحْوِها؛ لا يُتَّجَهُ حَمْلُها إلّا عَلى خَلْقِ الإيمانِ واخْتِراعِهِ؛ إذِ الوُجُوهُ مِنَ الهُدى تَدْفَعُها قَرائِنُ الكَلامِ مِمّا قَبْلُ؛ وبَعْدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ يَشْرَحْ صَدْرَهُ ﴾ ؛ ألْفاظٌ مُسْتَعارَةٌ هَهُنا؛ إذِ الشَرْحُ: اَلتَّوْسِعَةُ؛ والبَسْطُ في الأجْسامِ؛ وإذا كانَ الجِرْمُ مَشْرُوحًا مُوَسَّعًا؛ كانَ مُعَدًّا لِيُحَلَّ فِيهِ؛ فَشَبَّهَ تَوْطِئَةَ القَلْبِ وتَنْوِيرَهُ؛ وإعْدادَهُ لِلْقَبُولِ؛ بِالشَرْحِ؛ والتَوْسِيعِ؛ وشَبَّهَ قَبُولَهُ وتَحْصِيلَهُ لِلْإيمانِ بِالحُلُولِ في الجِرْمِ المَشْرُوحِ؛ والصَدْرُ عِبارَةٌ عَنِ القَلْبِ؛ وهو المَقْصُودُ؛ إذِ الإيمانُ مِن خِصالِهِ؛ وكَذَلِكَ الإسْلامُ عِبارَةٌ عَنِ الإيمانِ؛ إذِ الإسْلامُ أعَمُّ مِنهُ؛ وإنَّما المَقْصُودُ هُنا الإيمانُ فَقَطْ؛ بِدَلِيلِ قَرِينَةِ الشَرْحِ والهُدى؛ ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِالإسْلامِ؛ إذْ هو أعَمُّ؛ وأدْنى الهُدى حُبُّ الأعْمالِ؛ وامْتِثالُ العِباداتِ؛ وفي "يَشْرَحْ"؛ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى الهُدى؛ قالَ: وعَوْدُهُ عَلى اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أبْيَنُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والقَوْلُ بِأنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى المَهْدِيِّ قَوْلٌ يَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ مَذْهَبُ القَدَرِيَّةِ؛ في خَلْقِ الأفْعالِ؛ ويَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ ضَعْفُهُ؛ وأنَّ الضَمِيرَ إنَّما هو عائِدٌ عَلى اسْمِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فَإنَّ هَذا يُعَضِّدُهُ اللَفْظُ والمَعْنى: ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ؛ كَيْفَ يُشْرَحُ الصَدْرُ؟

قالَ: "إذا نَزَلَ النُورُ في القَلْبِ انْشَرَحَ لَهُ الصَدْرُ؛ وانْفَسَحَ"؛ قالُوا: وهَلْ لِذَلِكَ عَلامَةٌ يا رَسُولَ اللهِ؟

قالَ: "نَعَمٌ؛ الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ؛ والتَجافِي عن دارِ الغُرُورِ؛ والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ الفَوْتِ".» والقَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَمَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ ﴾ ؛ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ فَمَن يُرِدِ اللهُ أنْ يَهْدِيَهُ ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ﴾ ؛ ألْفاظٌ مُسْتَعارَةٌ تُضادُّ شَرْحَ الصَدْرِ لِلْإسْلامِ؛ و"يَجْعَلْ" - في هَذا المَوْضِعِ - تَكُونُ بِمَعْنى: "يَحْكم لَهُ بِهَذا الحُكْمِ"؛ كَما تَقُولُ: "هَذا يَجْعَلُ البَصْرَةَ مِصْرًا"؛ أيْ: يَحْكُمُ لَها بِحُكْمِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا المَعْنى يَقْرُبُ مِن: "صَيَّرَ"؛ وحَكاهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ ؛ وقالَ أيْضًا: يَصِحُّ أنْ يَكُونَ "جَعَلَ"؛ بِمَعْنى "سَمّى"؛ كَما قالَ تَعالى ﴿ وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَحْمَنِ إناثًا  ﴾ ؛ أيْ: "سَمَّوْهُمْ"؛ قالَ: وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذا المَعْنى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا الوَجْهُ يَضْعُفُ في هَذِهِ الآيَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ؛ والسَبْعَةُ - سِوى ابْنِ كَثِيرٍ -: "ضَيِّقًا"؛ بِكَسْرِ الياءِ؛ وتَشْدِيدِها؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "ضَيْقًا"؛ بِسُكُونِ الياءِ؛ وكَذَلِكَ قَرَأ في "اَلْفُرْقانِ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهُما بِمَنزِلَةِ: "اَلْمَيِّتُ"؛ و"اَلْمَيْتُ"؛ قالَ الطَبَرِيُّ: وبِمَنزِلَةِ: "اَلْهَيِّنُ"؛ و"اَللَّيِّنُ"؛ و"اَلْهَيْنُ"؛ و"اَللَّيْنُ"؛ قالَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "اَلضَّيْقُ"؛ مَصْدَرًا؛ مِن قَوْلِكَ: "ضاقَ الأمْرُ؛ يَضِيقُ؛ ضَيْقًا؛ وضِيقًا"؛ وحُكِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: "اَلضِّيقُ"؛ بِشَدِّ الضادِ؛ وكَسْرِها: في الأجْرامِ؛ والمَعاشِ؛ و"اَلضَّيْقُ"؛ بِفَتْحِ الضادِ: في الأُمُورِ والمَعانِي.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "حَرَجًا"؛ بِفَتْحِ الراءِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "حَرِجًا"؛ بِكَسْرِها؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَمَن فَتَحَ الراءَ كانَ وصْفًا بِالمَصْدَرِ؛ كَما تَقُولُ: "رَجُلٌ قَمَنٌ بِكَذا"؛ و"حَرَيٌ بِكَذا"؛ و"دَنَفٌ"؛ ومَن كَسَرَ الراءَ فَهو كَـ "دَنِفٌ"؛ و"قَمِنٌ"؛ و"فَرِقٌ"؛ ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - قَرَأها يَوْمًا بِفَتْحِ الراءِ؛ فَقَرَأها لَهُ بَعْضُ الصَحابَةِ بِكَسْرِ الراءِ؛ فَقالَ: "اُبْغُونِي رَجُلًا مِن كِنانَةَ ؛ ولْيَكُنْ راعِيًا مِن بَنِي مُدْلِجٍ"؛ فَلَمّا جاءَهُ قالَ لَهُ: "يا فَتى؛ ما الحَرَجَةُ عِنْدَكُمْ؟"؛ قالَ: اَلشَّجَرَةُ تَكُونُ بَيْنَ الأشْجارِ لا تَصِلُ إلَيْها راعِيَةٌ؛ ولا وحْشِيَّةٌ؛ قالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "كَذَلِكَ قَلْبُ المُنافِقِ؛ لا يَصِلُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَماءِ ﴾ ؛ أيْ: كَأنَّ هَذا الضَيِّقَ الصَدْرِ يُحاوِلُ الصُعُودَ في السَماءِ مَتى حاوَلَ الإيمانَ؛ أو فَكَّرَ فِيهِ؛ ويَجِدُ صُعُوبَتَهُ عَلَيْهِ كَصُعُوبَةِ الصُعُودِ في السَماءِ؛ قالَ بِهَذا التَأْوِيلِ ابْنُ جُرَيْجٍ ؛ وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: اَلْمَعْنى: لا يَجِدُ مَسْلَكًا إلّا صَعَدًا مِن شِدَّةِ التَضايُقِ.

وَقَرَأ نافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يَصَّعَّدُ"؛ بِإدْغامِ التاءِ؛ مِن "يَتَصَعَّدُ"؛ في الصادِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "يَصّاعَدُ"؛ بِإدْغامِ التاءِ؛ مِن "يَتَصاعَدُ في السَماءِ"؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "يَصْعَدُ"؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والأعْمَشُ ؛ وابْنُ مُصَرِّفٍ: "يَتَصَعَّدُ"؛ بِزِيادَةِ تاءٍ.

و"فِي السَماءِ"؛ يُرِيدُ: مِن سُفْلٍ إلى عُلُوٍّ في الهَواءِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَمْ يُرِدِ السَماءَ المُظِلَّةَ بِعَيْنِها؛ وإنَّما هو كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: "والقَيْدُودُ: اَلطَّوِيلُ في غَيْرِ سَماءٍ"؛ يُرِيدُ: في غَيْرِ ارْتِفاعٍ صَعَدًا؛ قالَ: ومِن هَذا قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَماءِ  ﴾ ؛ أيْ في جِهاتِ الجَوِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عَلى غَيْرِ مَن تَأوَّلَ "تَقَلُّبَ الوَجْهِ"؛ أنَّهُ الدُعاءُ إلى اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ في الهِدايَةِ إلى قِبْلَةٍ؛ فَإنَّ مَعَ الدُعاءِ يَسْتَقِيمُ أنْ يُقَلِّبَ وجْهَهُ في السَماءِ المُظِلَّةِ؛ حَسَبَ عادَةِ الداعِينَ؛ إذْ قَدْ ألِفُوا مَجِيءَ النِعَمِ والآلاءِ مِن تِلْكَ الجِهَةِ؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ التَشْبِيهُ بِالصاعِدِ في عَقَبَةٍ كَؤُودٍ؛ كَأنَّهُ يَصْعَدُ بِها الهَواءَ؛ و"يَصْعَدُ"؛ مَعْناهُ: يَعْلُو؛ و"يَصَّعَّدُ"؛ مَعْناهُ: يَتَكَلَّفُ مِن ذَلِكَ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "ما تَصَعَّدَنِي شَيْءٌ كَما تَصَعَّدَنِي خِطْبَةُ النِكاحِ"؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَواهِدِ؛ و"يَصّاعَدُ"؛ في المَعْنى؛ مِثْلُ "يَصَّعَّدُ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِجْسَ ﴾ ؛ أيْ: وكَما كانَ هَذا كُلُّهُ مِنَ الهُدى والضَلالِ بِإرادَةِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ومَشِيئَتِهِ؛ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِجْسَ؛ قالَ أهْلُ اللُغَةِ: اَلرِّجْسَ يَأْتِي بِمَعْنى العَذابِ؛ ويَأْتِي بِمَعْنى النَجَسِ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: اَلرِّجْسَ كُلُّ ما لا خَيْرَ فِيهِ؛ وقالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: اَلرِّجْسُ والنَجَسُ لُغَتانِ بِمَعْنًى؛ و"يَجْعَلْ" - في هَذا المَوْضِعِ - يَحْسُنُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "يُلْقِي"؛ كَما تَقُولُ: "جَعَلْتُ مَتاعَكَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ"؛ وكَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا المَعْنى في "جَعَلَ"؛ حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ ؛ ويَحْسُنُ أنَّ تَكُونَ "يَجْعَلْ" - في هَذِهِ الآيَةِ - بِمَعْنى: "يُصَيِّرْ"؛ ويَكُونَ المَفْعُولُ الثانِي في ضِمْنِ ﴿ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ؛ كَأنَّهُ قالَ - سُبْحانَهُ -: "قَرِينَ الَّذِينَ"؛ أو: "لَزِيمَ الَّذِينَ"؛ ونَحْوَ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

وَهَـٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًۭا ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَذَّكَّرُونَ ١٢٦ ۞ لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٢٧

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَهَذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ ﴿ لَهم دارُ السَلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وهو ولِيُّهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ "وَهَذا"؛ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ؛ والشَرْعِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ و"اَلصِّراطُ": اَلطَّرِيقُ؛ وإضافَةُ الصِراطِ إلى الرَبِّ عَلى جِهَةِ أنَّهُ مِن عِنْدِهِ تَعالى ؛ وبِأمْرِهِ؛ و"مُسْتَقِيمًا"؛ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ ولَيْسَتْ كالحالِ في قَوْلِكَ: "جاءَ زَيْدٌ راكِبًا"؛ بَلْ هَذِهِ المُؤَكِّدَةُ تَتَضَمَّنُ المَعْنى المَقْصُودَ.

و"فَصَّلْنا"؛ مَعْناهُ: بَيِّنّا؛ وأوضَحْنا؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ ؛ أيْ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُعِدُّونَ أنْفُسَهم لِلنَّظَرِ؛ ويَسْلُكُونَ طَرِيقَ الِاهْتِداءِ؛ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى "لَهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى القَوْمِ المُتَذَكِّرِينَ؛ و"اَلسَّلامِ"؛ يُتَّجَهُ فِيهِ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما أنَّ "اَلسَّلامِ"؛ اِسْمٌ مِن أسْماءِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فَأضافَ الدارَ إلَيْهِ تَعالى ؛ وهي مِلْكُهُ؛ وخَلْقُهُ؛ والثانِي أنَّهُ المَصْدَرُ؛ بِمَعْنى "اَلسَّلامَةُ"؛ كَما تَقُولُ: "اَلسَّلامُ عَلَيْكَ"؛ وكَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ  ﴾ ؛ يُرِيدُ: في الآخِرَةِ؛ بَعْدَ الحَشْرِ؛ و"وَلِيُّهُمْ"؛ أيْ: ولِيُّ الإنْعامِ عَلَيْهِمْ؛ و ﴿ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ؛ أيْ: بِسَبَبِ ما كانُوا يُقَدِّمُونَ مِنَ الخَيْرِ؛ ويَفْعَلُونَ مِنَ الطاعَةِ والبِرِّ.

<div class="verse-tafsir"

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلْإِنسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلْإِنسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍۢ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِىٓ أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَىٰكُمْ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ ١٢٨ وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّى بَعْضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ١٢٩

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ وقالَ أولِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا قالَ النارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلا ما شاءَ اللهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ "وَيَوْمَ"؛ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرْ يَوْمَ..."؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ: "وَلِيُّهُمْ"؛ والعَطْفُ عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: "بِما كانُوا"؛ والضَمِيرُ في "يَحْشُرُهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى الطائِفَتَيْنِ: اَلَّذِينَ يَجْعَلُ اللهُ تَعالى الرِجْسَ عَلَيْهِمْ؛ وهم جَمِيعُ الكُفّارِ؛ جِنًّا؛ وإنْسًا؛ والَّذِينَ لَهم دارُ السَلامِ؛ جِنًّا؛ وإنْسًا؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَأْكِيدُ العامُّ بِقَوْلِهِ تَعالى "جَمِيعًا".

وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ: "يَحْشُرُهُمْ"؛ بِالياءِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِالنُونِ؛ وكُلٌّ مُتَّجَهٌ.

ثُمَّ ذَكَرَ - عَزَّ وجَلَّ - ما يُقالُ لِلْجِنِّ الكَفَرَةِ؛ وفي الكَلامِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الكَلامِ؛ تَقْدِيرُهُ: "نَقُولُ يا مَعْشَرَ الجِنِّ..."؛ وقَوْلُهُ تَعالى "قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ"؛ مَعْناهُ: "فَرَّطْتُمْ"؛ و"مِنَ الإنْسِ"؛ يُرِيدُ في إغْوائِهِمْ؛ وإضْلالِهِمْ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ وقالَ الكُفّارُ مِنَ الإنْسِ؛ وهم أولِياءُ الجِنِّ المُوَبَّخِينَ؛ عَلى جِهَةِ الِاعْتِذارِ عَنِ الجِنِّ: ﴿ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ ﴾ ؛ أيْ: اِنْتَفَعَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَلِكَ في وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ: حَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ الإنْسَ كانَتْ تَسْتَعِيذُ بِالجِنِّ في الأودِيَةِ؛ ومَواضِعِ الخَوْفِ؛ وكانَتِ الجِنُّ تَتَعَظَّمُ عَلى الإنْسِ؛ وتَسُودُها؛ كَما يَفْعَلُ العَرَبِيُّ بِالكاهِنِ؛ والمُجِيرُ بِالمُسْتَجِيرِ؛ إذْ كانَ العَرَبِيُّ إذا نَزَلَ وادِيًا يُنادِي: "يا رَبَّ الوادِي؛ إنِّي أسْتَجِيرُ بِكَ هَذِهِ اللَيْلَةَ"؛ ثُمَّ يَرى أنَّ سَلامَتَهُ إنَّما هي بِحِفْظِ جِنِّيِّي ذَلِكَ الوادِي؛ فَهَذا اسْتِمْتاعُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مِثالٌ في الِاسْتِمْتاعِ؛ ولَوْ تُتُبِّعَ لَتَبَيَّنَتْ لَهُ وُجُوهٌ أُخَرُ؛ كُلُّها دُنْيَوِيَّةٌ.

وبُلُوغُ الأجَلِ المُؤَجَّلِ؛ قالَ السُدِّيُّ: هو المَوْتُ الَّذِي انْتَهى الكُلُّ مِنهم إلَيْهِ؛ وقِيلَ: هو الحَشْرُ؛ وقِيلَ: هو الغايَةُ الَّتِي انْتَهى جَمِيعُهم إلَيْها مِنَ الِاسْتِمْتاعِ؛ كَأنَّهم أشارُوا إلى أنَّ ذَلِكَ بِقَدَرِكَ وقَضائِكَ؛ إذْ لِكُلِّ كِتابٍ أجَلٌ؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "وَبَلِّغْنا أجَلَنا"؛ بِكَسْرِ اللامِ؛ مُشَدَّدَةً.

وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قالَ النارُ مَثْواكُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ إخْبارٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَمّا يَقُولُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ؛ إثْرَ كَلامِهِمُ المُتَقَدِّمِ؛ وجاءَ الفِعْلُ بِلَفْظِ الماضِي - وهو في الحَقِيقَةِ مُسْتَقْبَلٌ - لِصِحَّةِ وُقُوعِهِ؛ وهَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ؛ وفَصِيحِ الكَلامِ؛ و"مَثْواكُمْ"؛ أيْ مَوْضِعُ ثَوابِكُمْ؛ كَمُقامِكُمُ؛ الَّذِي هو مَوْضِعُ الإقامَةِ؛ هَذا قَوْلُ الزَجّاجِ وغَيْرِهِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ في "اَلْإغْفالُ": اَلْمَثْوى عِنْدِي: مَصْدَرٌ لا مَوْضِعَ لَهُ؛ وذَلِكَ لِعَمَلِهِ في الحالِ الَّتِي هي "خالِدِينَ"؛ والمَوْضِعِ لَيْسَ فِيهِ مَعْنى فِعْلٍ؛ فَيَكُونُ عامِلًا؛ والتَقْدِيرُ: "اَلنّارُ ذاتُ ثُوائِكُمْ"؛ والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إلا ما شاءَ اللهُ ﴾ ؛ قالَتْ فِرْقَةٌ: "ما"؛ بِمَعْنى "مَن"؛ فالمُرادُ: "إلّا مَن شاءَ تَعالى ؛ مِمَّنْ آمَنَ في الدُنْيا؛ بَعْدَ أنْ آمَنَ؛ مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَمّا كانَ هَؤُلاءِ صِنْفًا؛ ساغَتْ في العِبارَةِ عنهم "ما"؛ وقالَ الفَرّاءُ: "إلّا"؛ بِمَعْنى "سِوى"؛ والمُرادُ: "سِوى ما يَشاءُ تَعالى ؛ مِن زِيادَةٍ في العَذابِ"؛ ونَحا إلَيْهِ الزَجّاجُ ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: إنَّ المُسْتَثْنى هي المُدَّةُ الَّتِي بَيْنَ حَشْرِهِمْ؛ إلى دُخُولِهِمُ النارَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وساغَ هَذا مِن حَيْثُ العِبارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ النارُ مَثْواكُمْ ﴾ ؛ لا تَخُصُّ بِصِيغَتِها مُسْتَقْبَلَ الزَمانِ دُونَ غَيْرِهِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّهُ كانَ يَتَناوَلُ في هَذا الِاسْتِثْناءِ أنَّهُ مَبْلَغُ حالِ هَؤُلاءِ في عِلْمِ اللهِ تَعالى ؛ ثُمَّ أُسْنِدَ إلَيْهِ أنَّهُ قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ آيَةٌ لا يَنْبَغِي [بِها] لِأحَدٍ أنْ يَحْكُمَ عَلى اللهِ تَعالى في خَلْقِهِ؛ لا يُنْزِلَهم جَنَّةً؛ ولا نارًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والإجْماعُ عَلى التَخْلِيدِ الأبَدِيِّ في الكُفّارِ؛ ولا يَصِحُّ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُتَّجَهُ عِنْدِي في هَذا الِاسْتِثْناءِ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةً لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأُمَّتِهِ؛ ولَيْسَ مِمّا يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ والمُسْتَثْنى هو مَن كانَ مِنَ الكَفَرَةِ يَوْمَئِذٍ يُؤْمِنُ في عِلْمِ اللهِ تَعالى ؛ كَأنَّهُ لَمّا أخْبَرَهم أنَّهُ قالَ لِلْكُفّارِ: ﴿ النارُ مَثْواكُمْ ﴾ ؛ اِسْتَثْنى لَهم مَن يُمْكِنُ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم.

و ﴿ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ ؛ صِفَتانِ مُناسِبَتانِ لِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ تَخْلِيدَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ في النارِ فِعْلٌ صادِرٌ عن حُكْمٍ وعِلْمٍ بِمَواقِعِ الأشْياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي ﴾ ؛ قالَ قَتادَةُ: "نُوَلِّي"؛ مَعْناهُ: "نَجْعَلُ بَعْضَهم ولِيَّ بَعْضٍ في الكُفْرِ والظُلْمِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَأْوِيلُ يُؤَيِّدُهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الجِنِّ؛ والإنْسِ؛ واسْتِمْتاعِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ؛ وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: مَعْنى: "نُوَلِّي": "نُتْبِعُ بَعْضَهم بَعْضًا في دُخُولِ النارِ"؛ أيْ: "نَجْعَلُ بَعْضَهم يَلِي بَعْضًا"؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: "نُسَلِّطُ بَعْضَ الظالِمِينَ عَلى بَعْضٍ؛ ونَجْعَلُهم أولِياءَ النَقَمَةِ مِنهُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَأْوِيلُ لا تُؤَيِّدُهُ ألْفاظُ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةُ؛ أما إنَّهُ حُفِظَ في اسْتِعْمالِ الصَحابَةِ والتابِعِينَ؛ مِن ذَلِكَ ما رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُبَيْرِ لَمّا بَلَغَهُ أنَّ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ قَتَلَ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ الأشْدَقَ؛ صَعِدَ المِنبَرَ فَقالَ: "إنَّ فَمَ الذِبّانِ قَتَلَ لَطِيمَ الشَيْطانِ"؛ و ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌۭ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِى وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ۚ قَالُوا۟ شَهِدْنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰفِرِينَ ١٣٠ ذَٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍۢ وَأَهْلُهَا غَـٰفِلُونَ ١٣١ وَلِكُلٍّۢ دَرَجَـٰتٌۭ مِّمَّا عَمِلُوا۟ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ١٣٢

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ ﴾ ﴿ ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ ﴾ ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ ؛ داخِلٌ في القَوْلِ يَوْمَ الحَشْرِ؛ والضَمِيرُ في "مِنكُمْ"؛ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عُمِّمَ بِظاهِرِهِ الطائِفَتَيْنِ؛ والمُرادُ الواحِدَةُ تَجَوُّزًا؛ وهَذا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ يَخْرُجُ مِنهُما اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ  ﴾ ؛ وذَلِكَ إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ؛ وقالَ الضَحّاكُ: اَلضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الطائِفَتَيْنِ؛ وفي الجِنِّ رُسُلٌ مِنهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اَلضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الطائِفَتَيْنِ؛ ولَكِنَّ رُسُلَ الجِنِّ هم رُسُلُ الإنْسِ؛ فَهم رُسُلُ اللهِ تَعالى بِواسِطَةٍ؛ إذْ هم رُسُلُ رُسُلِهِ؛ وهُمُ النُذُرُ؛ و"يَقُصُّونَ"؛ مِن "اَلْقَصَصُ"؛ وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ الأعْرَجُ: "ألَمْ تَأْتِكُمْ"؛ بِالتاءِ؛ عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ الرُسُلِ.

وقَوْلُهُمْ: "شَهِدْنا"؛ إقْرارٌ مِنهم بِالكُفْرِ؛ واعْتِرافٌ؛ أيْ: "شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا بِالتَقْصِيرِ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا ﴾ ؛ اِلْتِفاتَةٌ فَصِيحَةٌ تَضَمَّنَتْ أنَّ كُفْرَهم كانَ بِأذَمِّ الوُجُوهِ لَهُمْ؛ وهو الِاغْتِرارُ الَّذِي لا يُواقِعُهُ عاقِلٌ؛ ويَحْتَمِلُ "وَغَرَّتْهُمُ"؛ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: "أشْبَعَتْهُمْ؛ وأطْعَمَتْهم بِحَلْوائِها"؛ كَما يُقالُ: "غَرَّ الطائِرُ فَرْخَهُ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ ﴾ ؛ تَظْهَرُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما في القُرْآنِ مِنَ الآياتِ الَّتِي تَقْتَضِي إنْكارَ المُشْرِكِينَ الإشْراكَ؛ مُناقَضَةٌ؛ والجَمْعُ بَيْنَهُما هو إمّا طَوائِفُ؛ وإمّا طائِفَةٌ واحِدَةٌ في مَواطِنَ شَتّى؛ وإمّا أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ هَهُنا: ﴿ وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ ؛ شَهادَةَ الأيْدِي؛ والأرْجُلِ؛ والجُلُودِ؛ بَعْدَ إنْكارِهِمْ بِالألْسِنَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: واللَفْظُ هَهُنا يَبْعُدُ مِن هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ "ذَلِكَ"؛ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ عَلى الِابْتِداءِ؛ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "ذَلِكَ الأمْرُ..."؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ بِتَقْدِيرِ: "فَعَلْنا"؛ و"أنْ"؛ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ؛ و"اَلْقُرى": اَلْمُدُنُ؛ والمُرادُ أهْلُ القُرى؛ و"بِظُلْمٍ"؛ يُتَوَجَّهُ فِيهِ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَمْ يَكُنْ لِيُهْلِكَ المُدُنَ دُونَ نَذارَةٍ؛ فَيَكُونَ ظُلْمًا لَهم إذا لَمْ يُنْذِرْهُمْ؛ واللهُ تَعالى لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ؛ والآخَرُ أنَّ اللهَ - عَزَّ وَجَلَّ - لَمْ يُهْلِكْ أهْلَ القُرى بِظُلْمٍ؛ إذْ ظَلَمُوا؛ دُونَ أنْ يُنْذِرَهُمْ؛ وهَذا هو البَيِّنُ القَوِيُّ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - التَأْوِيلَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ إخْبارٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ عَلى دَرَجاتٍ مِنَ التَفاضُلِ؛ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ؛ وتَفَضُّلِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ؛ والمُشْرِكِينَ أيْضًا عَلى دَرَجاتٍ مِنَ العَذابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَكِنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ قَدْ رَضِيَ بِما أُعْطِيَ غايَةَ الرِضا.

وقَرَأتِ الجَماعَةُ - سِوى ابْنِ عامِرٍ -: "يَعْمَلُونَ"؛ عَلى لَفْظِ "كُلٍّ"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "تَعْمَلُونَ"؛ عَلى المُخاطَبَةِ بِالتاءِ.

<div class="verse-tafsir"

وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنۢ بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ ١٣٣ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَـَٔاتٍۢ ۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ١٣٤ قُلْ يَـٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَامِلٌۭ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَـٰقِبَةُ ٱلدَّارِ ۗ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ١٣٥

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَرَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَحْمَةِ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ﴾ ﴿ إنَّ ما تُوعَدُونَ لآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ ﴿ قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ ﴾ "اَلْغَنِيُّ"؛ صِفَةُ ذاتٍ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِأنَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - لا يَفْتَقِرُ إلى شَيْءٍ مِن جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ؛ ثُمَّ تُلِيَتْ هَذِهِ الصِفَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى "ذُو الرَحْمَةِ"؛ فَأرْدَفَ الِاسْتِغْناءَ بِالتَفَضُّلِ؛ وهَذا أجْمَلُ تَناسُقٍ؛ ثُمَّ عَقَّبَ بِهَذِهِ الألْفاظِ المُضَمَّنَةِ الوَعِيدَ؛ المُحَذِّرَةِ مِن بَطْشِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - في التَعْجِيلِ بِذَلِكَ؛ وإمّا مَعَ المُهْلَةِ؛ ومُرُورِ الجَدِيدَيْنِ؛ فَكَذَلِكَ عادَةُ اللهِ تَعالى في الخَلْقِ؛ وأمّا الِاسْتِخْلافُ؛ فَكَما أوجَدَ اللهُ تَعالى هَذا العالَمَ الآدَمِيَّ بِالنَشْأةِ مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ مُتَقَدِّمِينَ؛ أصْلُهم آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ.

وقَرَأتِ الجَماعَةُ: "ذُرِّيَّةِ"؛ بِضَمِّ الذالِ؛ وشَدِّ الراءِ المَكْسُورَةِ؛ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ بِكَسْرِ الذالِ؛ وكَذَلِكَ في سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ "؛ وحَكى أبُو حاتِمٍ عن أبانَ بْنِ عُثْمانَ أنَّهُ قَرَأ: "ذَرِيَّةِ"؛ بِفَتْحِ الذالِ؛ وتَخْفِيفِ الراءِ المَكْسُورَةِ؛ وحَكى عنهُ أبُو الزِنادِ أنَّهُ قَرَأ عَلى المِنبَرِ: "ذَرْيَةِ"؛ بِفَتْحِ الذالِ؛ وسُكُونِ الراءِ؛ عَلى وزْنِ "فَعْلَةِ"؛ قالَ: فَسَألْتُهُ؛ فَقالَ: أقْرَأنِيها زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ.

و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى "مِن ذُرِّيَّةِ"؛ لِلتَّبْعِيضِ؛ وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّها بِمَعْنى قَوْلِكَ: "أخَذْتُ مِن ثَوْبِي دِينارًا"؛ بِمَعْنى: "عنهُ؛ وعِوَضَهُ"؛ و"تُوعَدُونَ"؛ مَأْخُوذٌ مِن "اَلْوَعِيدُ"؛ بِقَرِينَةٍ: ﴿ وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ ؛ والإشارَةُ إلى هَذا الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ خُصُوصًا؛ وأمّا أنْ يَكُونَ العُمُومُ مُطْلَقًا؛ فَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ إنْفاذَ الوَعِيدِ؛ والعَقائِدُ تَرُدُّ ذَلِكَ؛ و"بِمُعْجِزِينَ"؛ مَعْناهُ: "بِناجِينَ هَرَبًا"؛ أيْ: "يُعْجِزُونَ طالِبَهُمْ".

ثُمَّ أمَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَتَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: "اِعْمَلُوا"؛ أيْ: "فَسَتَرَوْنَ عاقِبَةَ عَمَلِكُمُ الفاسِدِ"؛ وصِيغَةُ "اِفْعَلْ"؛ هَهُنا بِمَعْنى الوَعِيدِ والتَهْدِيدِ؛ و ﴿ عَلى مَكانَتِكُمْ ﴾ ؛ مَعْناهُ: عَلى حالِكُمْ؛ وطَرِيقَتِكُمْ؛ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عن عاصِمٍ: "عَلى مَكاناتِكُمْ"؛ بِجَمْعِ المَكانَةِ؛ في كُلِّ القُرْآنِ؛ وقَرَأ الجَمِيعُ بِالإفْرادِ في كُلِّ القُرْآنِ؛ و"مَن" يُتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ فَتَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "تَعْلَمُونَ"؛ ويُتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ؛ والخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى "تَكُونُ لَهُ"؛ و ﴿ عاقِبَةُ الدارِ ﴾ أيْ: مَآلُ الآخِرَةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مَآلُ الدُنْيا؛ بِالنَصْرِ؛ والظُهُورِ؛ فَفي الآيَةِ إعْلامٌ بِغَيْبٍ.

ثُمَّ جَزَمَ الحُكْمَ بِأنَّهُ: ﴿ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ ﴾ ؛ أيْ: يَنْجَحُ سَعْيُهُمْ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "مَن يَكُونُ"؛ بِالياءِ؛ هَهُنا؛ وفي "اَلْقَصَصِ"؛ عَلى تَذْكِيرِ مَعْنى العاقِبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ نَصِيبًۭا فَقَالُوا۟ هَـٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ ۗ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ١٣٦

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ اَلضَّمِيرُ في "وَجَعَلُوا"؛ عائِدٌ عَلى كُفّارِ العَرَبِ العادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الأوثانَ؛ الَّذِينَ تَقَدَّمَ الرَدُّ عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ السُورَةِ.

و"ذَرَأ"؛ مَعْناهُ: "خَلَقَ؛ وأنْشَأ؛ وبَثَّ في الأرْضِ"؛ يُقالُ: "ذَرَأ اللهُ تَعالى الخَلْقَ؛ يَذْرَؤُهُمْ؛ ذَرْءًا؛ وذُرُوءًا"؛ أيْ: "خَلَقَهُمْ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى "وَجَعَلُوا - مِن كَذا وكَذا - نَصِيبًا"؛ يَتَضَمَّنُ بَقاءَ نَصِيبٍ آخَرَ؛ لَيْسَ بِداخِلٍ في حُكْمِ الأوَّلِ؛ فَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: "فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا"؛ ثُمَّ اعْتَرَضَهم أثْناءَ القَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ زَعْمٌ؛ وتَقَوُّلٌ؛ و"اَلزَّعْمُ"؛ في كَثِيرِ كَلامِ العَرَبِ أقْرَبُ إلى غَيْرِ اليَقِينِ والحَقِّ؛ يُقالُ: "زَعْمٌ"؛ بِفَتْحِ الزايِ؛ وبِهِ قَرَأتِ الجَماعَةُ؛ و"زُعْمٌ"؛ بِضَمِّها؛ و[بِها] قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ و"زِعْمٌ" بِكَسْرِ الزايِ؛ ولا أحْفَظُ أحَدًا قَرَأ بِهِ.

و"اَلْحَرْثُ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ يُرِيدُ بِهِ الزَرْعَ والأشْجارَ؛ وما يَكُونُ مِنَ الأرْضِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "لِشُرَكائِنا"؛ يُرِيدُ بِهِ الأصْنامَ والأوثانَ؛ وسَمَّوْهم "شُرَكاءَ" عَلى مُعْتَقَدِهِمْ فِيهِمْ أنَّهم يُساهِمُونَهم في الخَيْرِ؛ والشَرِّ؛ ويُكْسِبُونَهم ذَلِكَ.

وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَجْعَلُ مِن غَلّاتِها؛ وزَرْعِها؛ وثِمارِها؛ ومِن أنْعامِها؛ جُزْءًا تُسَمِّيهِ لِلَّهِ تَعالى ؛ وجُزْءًا تُسَمِّيهِ لِأصْنامِها؛ وكانَتْ عادَتُها التَحَفِّي؛ والِاهْتِبالَ بِنَصِيبِ الأصْنامِ أكْثَرَ مِنها بِنَصِيبِ اللهِ تَعالى إذْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ الأصْنامَ بِها فَقْرٌ؛ ولَيْسَ ذَلِكَ بِاللهِ تَعالى ؛ فَكانُوا إذا جَمَعُوا الزَرْعَ فَهَبَّتِ الرِيحُ فَحَمَلَتْ مِنَ الذِي لِلَّهِ تَعالى إلى الَّذِي لِشُرَكائِهِمْ أقَرُّوهُ؛ وإذا حَمَلَتْ مِنَ الذِي لِشُرَكائِهِمْ إلى اللهِ تَعالى رَدُّوهُ؛ وإذا تَفَجَّرَ مِن سَقْيِ ما جَعَلُوا لِلَّهِ تَعالى في نَصِيبِ شُرَكائِهِمْ تَرَكُوهُ؛ وإنْ بِالعَكْسِ سَدُّوهُ؛ وإذا لَمْ يُصِيبُوا في نَصِيبِ شُرَكائِهِمْ شَيْئًا قالُوا: لا بُدَّ لِلْآلِهَةِ مِن نَفَقَةٍ؛ فَيَجْعَلُونَ نَصِيبَ اللهِ تَعالى في ذَلِكَ؛ قالَ هَذا المَعْنى ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ ومُجاهِدٌ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ: إنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ هَذا ونَحْوَهُ مِنَ الفِعْلِ؛ وكَذَلِكَ في الأنْعامِ؛ وكانُوا إذا أصابَتْهُمُ السَنَةُ أكَلُوا نَصِيبَ اللهِ تَعالى وتَحامَوْا نَصِيبَ شُرَكائِهِمْ.

وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى "فَلا يَصِلُ"؛ وقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "يَصِلُ"؛ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ مِن حِمايَتِهِمْ نَصِيبَ آلِهَتِهِمْ في هُبُوبِ الرِيحِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّما ذَلِكَ في أنَّهم كانُوا إذا ذَبَحُوا لِلَّهِ تَعالى ذَكَرُوا آلِهَتَهم عَلى ذَلِكَ الذَبْحِ؛ وإذا ذَبَحُوا لِآلِهَتِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ تَعالى ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "فَلا يَصِلُ إلى ذِكْرِ اللهِ تَعالى "؛ وقالَ: "فَهُوَ يَصِلُ إلى ذِكْرِ شُرَكائِهِمْ"؛ و"ما"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ كَأنَّهُ قالَ: "ساءَ الَّذِي يَحْكُمُونَ"؛ ولا يُتَّجَهُ عِنْدِي أنْ يُجْرى هُنا "ساءَ"؛ مُجْرى "نِعْمَ"؛ و"بِئْسَ"؛ لِأنَّ المُفَسَّرَ هُنا مُضْمَرٌ؛ ولا بُدَّ مِن إظْهارِهِ بِاتِّفاقٍ مِنَ النُحاةِ؛ وإنَّما اتُّجِهَ أنْ تُجْرى مُجْرى "بِئْسَ"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ساءَ مَثَلا القَوْمُ  ﴾ ؛ لِأنَّ المُفَسَّرَ ظاهِرٌ في الكَلامِ.

<div class="verse-tafsir"

وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍۢ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَـٰدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا۟ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ۖ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ١٣٧

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أولادِهِمْ شُرَكاؤُهم لِيُرْدُوهم ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهم ولَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ ﴾ اَلْكَثِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِهِ مَن كانَ يَئِدُ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ؛ والشُرَكاءُ هَهُنا الشَياطِينُ الآمِرُونَ بِذَلِكَ؛ المُزَيِّنُونَ لَهُ؛ والحامِلُونَ عَلَيْهِ أيْضًا مِن بَنِي آدَمَ؛ الناقِلِينَ لَهُ عَصْرًا بَعْدَ عَصْرٍ؛ إذْ كُلُّهم مُشْتَرِكُونَ في قُبْحِ هَذا الفِعْلِ؛ وتَبْعاتِهِ في الآخِرَةِ؛ ومَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ الذَمُّ لِلْوَأْدِ والإنْحاءِ عَلى فِعْلَتِهِ.

واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ؛ فَقَرَأتِ الجَماعَةُ - سِوى ابْنِ عامِرٍ -: "وَكَذَلِكَ زَيَّنَ"؛ بِفَتْحِ الزايِ؛ "قَتْلَ"؛ بِالنَصْبِ؛ "أولادِهِمْ"؛ بِكَسْرِ الدالِ؛ "شُرَكاؤُهُمْ"؛ وهَذِهِ أبْيَنُ قِراءَةٍ؛ وحَكى سِيبَوَيْهِ أنَّهُ قَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَكَذَلِكَ زُيِّنَ"؛ بِضَمِّ الزايِ؛ "قَتْلُ"؛ بِالرَفْعِ؛ "أولادِهِمْ" بِكَسْرِ الدالِ؛ "شُرَكاؤُهُمْ"؛ بِالرَفْعِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيِّ ؛ والحَسَنِ ؛ وأبِي عَبْدِ المَلِكِ - قاضِي الجُنْدِ؛ صاحِبِ ابْنِ عامِرٍ -؛ كَأنَّهُ قالَ: "زَيَّنَهُ شُرَكاؤُهُمْ"؛ قالَ سِيبَوَيْهِ: وهَذا كَما قالَ الشاعِرُ: لِيُبْكَ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ∗∗∗ ومُخْتَبِطٌ مِمّا يُطِيعُ الطَوائِحُ كَأنَّهُ قالَ: "يَبْكِيهِ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ"؛ وأجازَ قُطْرُبٌ أنْ يَكُونَ الشُرَكاءُ في هَذِهِ القِراءَةِ ارْتَفَعُوا بِالقَتْلِ؛ كَأنَّ المَصْدَرَ أُضِيفَ إلى المَفْعُولِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ الفاعِلَ؛ كَأنَّهُ قالَ: "أنْ قَتَلَ أولادَهم شُرَكاؤُهُمْ"؛ كَما تَقُولُ: "حَبَّبَ إلَيَّ رُكُوبَ الفَرَسِ زِيدٌ"؛ أيْ: "أنْ رَكِبَ زَيْدٌ الفَرَسَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والصَحِيحُ إذا أُضِيفَ مَصْدَرٌ إلى مَفْعُولٍ ألّا يُذْكَرَ الفاعِلُ؛ وأيْضًا فالجُمْهُورُ - في هَذِهِ الآيَةِ - عَلى أنَّ الشُرَكاءَ مُزَيِّنُونَ؛ لا قاتِلُونَ؛ والتَوْجِيهُ الَّذِي ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ هو الصَحِيحُ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "يُسَبَّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ رِجالٌ"؛ بِفَتْحِ الباءِ المُشَدَّدَةِ؛ أيْ: "يُسَبِّحُ رِجالٌ".

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَكَذَلِكَ زُيِّنَ"؛ بِضَمِّ الزايِ؛ "قَتْلُ"؛ بِالرَفْعِ؛ "أولادَهُمْ"؛ بِنَصْبِ الدالِ؛ "شُرَكائِهِمْ"؛ بِخَفْضِ الشُرَكاءِ؛ وهَذِهِ قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ في اسْتِعْمالِ العَرَبِ؛ ورُؤَساءُ العَرَبِيَّةِ لا يُجِيزُونَ الفَصْلَ بِالظُرُوفِ في مِثْلِ هَذا؛ إلّا في الشِعْرِ؛ كَقَوْلِهِ: كَما خُطَّ الكِتابُ بِكَفِّ يَوْمًا ∗∗∗ ∗∗∗ يَهُودِيٍّ يُقارِبُ أو يُزِيلُ فَكَيْفَ بِالمَفْعُولِ في أفْصَحِ الكَلامِ؟

ولَكِنَّ وجْهَها - عَلى ضَعْفِها - أنَّها ورَدَتْ شاذَّةً في بَيْتٍ أنْشَدَهُ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ ؛ وهُوَ: فَزَجَّجْتُها بِمِزَجَّةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ زَجَّ القَلُوصَ أبِي مَزادَةَ وفِي بَيْتِ الطِرِمّاحِ؛ وهو قَوْلُهُ: يَطُفْنَ بِحُوزِيِّ المَراتِعِ لَمْ تَرُعْ ∗∗∗ ∗∗∗ بِوادِيهِ مِن قَرْعِ القِسِيِّ الكَنائِنِ والشُرَكاءُ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - هُمُ الَّذِينَ يَتَأوَّلُونَ وأْدَ بَناتِ الغَيْرِ؛ فَهُمُ القاتِلُونَ؛ والصَحِيحُ مِنَ المَعْنى أنَّهُمُ المُزَيِّنُونَ؛ لا القاتِلُونَ؛ وذَلِكَ مُضَمَّنٌ قِراءَةَ الجَماعَةِ.

وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ الشامِ - ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عامِرٍ -: "زِينَ"؛ بِكَسْرِ الزايِ؛ وسُكُونِ الياءِ؛ عَلى الرُتْبَةِ المُتَقَدِّمَةِ؛ مِنَ الفَصْلِ بِالمَفْعُولِ؛ وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّهُ قَرَأتْ فِرْقَةٌ مِن أهْلِ الشامِ: "وَكَذَلِكَ زُيِّنَ"؛ بِضَمِّ الزايِ؛ "قَتْلُ"؛ بِالرَفْعِ؛ "أولادِهِمْ"؛ بِكَسْرِ الدالِ؛ "شُرَكائِهِمْ"؛ بِالخَفْضِ؛ والشُرَكاءُ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - هُمُ الأولادُ المَوْؤُودُونَ؛ لِأنَّهم شُرَكاءُ في النَسَبِ والمَوارِيثِ؛ وكَأنَّ وصْفَهم بِأنَّهم شُرَكاءُ يَتَضَمَّنُ حُرْمَةً لَهُمْ؛ وفِيها بَيانٌ لِفَسادِ الفِعْلِ؛ إذْ هو قَتْلُ مَن لَهُ حُرْمَةٌ.

و"لِيُرْدُوهُمْ"؛ مَعْناهُ: لِيُهْلِكُوهم.

مِن "اَلرَّدى"؛ و"وَلِيَلْبِسُوا"؛ مَعْناهُ: لِيَخْلِطُوا؛ والجَماعَةُ عَلى كَسْرِ الباءِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "وَلِيَلْبَسُوا"؛ بِفَتْحِ الباءِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: هي اسْتِعارَةٌ مِن "اَللِّباسُ"؛ عِبارَةٌ عن شِدَّةِ المَخالِطِ؛ وهَذانِ الفِعْلانِ يُؤَيِّدانِ أوَّلَ قِراءَةٍ في تَرْتِيبِنا؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ ﴾ ؛ يَقْتَضِي أنْ لا شَيْءَ إلّا بِمَشِيئَةِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وفِيها رَدٌّ عَلى مَن قالَ بِأنَّ المَرْءَ يَخْلُقُ أفْعالَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "فَذَرْهُمْ"؛ ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ و ﴿ "يَفْتَرُونَ"؛ ﴾ مَعْناهُ: يَخْتَلِقُونَ مِنَ الكَذِبِ في تَشَرُّعِهِمْ بِذَلِكَ؛ واعْتِقادِهِمْ أنَّها مُباحاتٌ لَهم.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالُوا۟ هَـٰذِهِۦٓ أَنْعَـٰمٌۭ وَحَرْثٌ حِجْرٌۭ لَّا يَطْعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَـٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَـٰمٌۭ لَّا يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ ۚ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ١٣٨

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إلا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْها افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ تَعْدِيدَ ما شَرَعُوهُ لِأنْفُسِهِمْ؛ والتَزَمُوهُ عَلى جِهَةِ القُرْبَةِ؛ كَذِبًا مِنهم عَلى اللهِ تَعالى ؛ وافْتِراءً عَلَيْهِ؛ فَوَصَفَ تَعالى أنَّهم عَمَدُوا إلى بَعْضِ أنْعامِهِمْ؛ وهِيَ: اَلْإبِلُ؛ والبَقَرُ؛ والغَنَمُ؛ أوِ الإبِلُ بِانْفِرادِها؛ وأمّا غَيْرُها إذا انْفَرَدَ فَلا يُقالُ لَهُ أنْعامٌ؛ وإلى بَعْضِ زُرُوعِهِمْ وثِمارِها؛ وسُمِّيَ ذَلِكَ "حَرْثًا"؛ إذْ عَنِ الحَرْثِ يَكُونُ؛ وقالُوا: هَذِهِ حِجْرٌ؛ أيْ: حَرامٌ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "حِجْرٌ"؛ بِكَسْرِ الحاءِ؛ وسُكُونِ الجِيمِ؛ وقَرَأ قَتادَةُ ؛ والحَسَنُ ؛ والأعْرَجُ: "حُجْرٌ"؛ بِضَمِّ الحاءِ؛ وسُكُونِ الجِيمِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأُبَيٌّ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ ؛ وابْنُ الزُبَيْرِ ؛ والأعْمَشُ ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ: "حِرْجٌ"؛ بِكَسْرِ الحاءِ؛ وتَقْدِيمِ الراءِ عَلى الجِيمِ؛ وسُكُونِها؛ فالأُولى والثانِيَةُ بِمَعْنى: "اَلتَّحْجِيرُ"؛ وهو المَنعُ؛ والتَحْرِيمُ؛ والأخِيرَةُ مِن "اَلْحِرْجُ"؛ وهو التَضْيِيقُ؛ والتَحْرِيمُ.

وكانَتْ هَذِهِ الأنْعامُ - عَلى ما قالَ ابْنُ زَيْدٍ - مُحَلَّلَةً لِلرِّجالِ؛ مُحَرَّمَةً عَلى النِساءِ؛ وقِيلَ: كانَتْ وقْفًا لِمَطْعَمِ سَدَنَةِ بُيُوتِ الأصْنامِ وخَدَمَتِها؛ حَكاهُ المَهْدَوِيُّ؛ فَذَلِكَ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ مَن نَشاءُ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "بِزَعْمِهِمْ"؛ ﴾ أيْ: بِتَقَوُّلِهِمُ الَّذِي هو أقْرَبُ إلى الباطِلِ مِنهُ إلى الحَقِّ؛ وزَعْمُهم هُنا هو في قَوْلِهِمْ: "حِجْرٌ"؛ وتَحْرِيمُهم بِذَلِكَ ما لَمْ يُحَرِّمِ اللهُ تَعالى ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "بِزَعَمِهِمْ"؛ بِفَتْحِ الزايِ؛ والعَيْنِ؛ وكَذَلِكَ في الَّذِي تَقَدَّمَ.

﴿ وَأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها ﴾ ؛ كانَتْ لِلْعَرَبِ سُنَنٌ؛ إذا فَعَلَتِ الناقَةُ كَذا مِن جَوْدَةِ النَسْلِ؛ والمُواصَلَةِ بَيْنَ الإناثِ؛ ونَحْوَهُ؛ حُرِّمَ ظُهُورُها فَلَمْ تُرْكَبْ؛ وإذا فَعَلَ الفَحْلُ كَذا؛ وكَذا؛ حُرِّمَ ظَهْرُهُ؛ فَعَدَّدَ اللهُ تَعالى ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الرَدِّ عَلَيْهِمْ؛ إذْ شَرَعُوا ذَلِكَ بِرَأْيِهِمْ وكَذِبِهِمْ.

﴿ وَأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْها ﴾ ؛ قِيلَ: كانَتْ لَهم سُنَّةٌ في أنْعامٍ ما؛ ألّا يُحَجَّ عَلَيْها؛ فَكانَتْ تُرْكَبُ في كُلِّ وجْهٍ؛ إلّا في الحَجِّ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْها ﴾ ؛ هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ؛ ويُرْوى ذَلِكَ عن أبِي وائِلٍ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ ذَلِكَ في الذَبائِحِ؛ يُرِيدُ أنَّهم جَعَلُوا لِآلِهَتِهِمْ مِنها نَصِيبًا؛ لا يَذْكُرُونَ اللهَ تَعالى عَلى ذَبْحِها؛ وقَوْلُهُ تَعالى "اِفْتِراءً"؛ مَصْدَرٌ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ؛ أو عَلى إضْمارِ فِعْلٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "يَفْتَرُونَ ذَلِكَ"؛ و ﴿ "سَيَجْزِيهِمْ"؛ ﴾ وعِيدٌ بِمُجازاةِ الآخِرَةِ؛ والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ"؛ عائِدٌ عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى ؛ و ﴿ "يَفْتَرُونَ"؛  ﴾ أيْ: "يَكْذِبُونَ ويَخْتَلِقُونَ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالُوا۟ مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلْأَنْعَـٰمِ خَالِصَةٌۭ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِنَا ۖ وَإِن يَكُن مَّيْتَةًۭ فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ ۚ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ ١٣٩

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ تَعْدِيدَ مَذاهِبِهِمُ الفاسِدَةِ؛ وكانَتْ سُنَّتُهم في بَعْضِ الأنْعامِ أنْ يُحَرِّمُوا ما ولَدَتْ عَلى نِسائِهِمْ؛ ويُخَصِّصُونَهُ لِذُكُورِهِمْ؛ والهاءُ في "خالِصَةٌ"؛ قِيلَ: هي لِلْمُبالَغَةِ؛ كَما هي في "راوِيَةٌ"؛ وغَيْرِها؛ وهَذا كَما تَقُولُ: "فُلانٌ خالِصَتِي"؛ وإنْ كانَ بابُ هاءِ المُبالَغَةِ أنْ يَلْحَقَ بِناءَ مُبالَغَةٍ كَـ "عَلّامَةٌ"؛ و"نَسّابَةٌ"؛ و"بَصِيرَةٌ"؛ ونَحْوِهُ؛ وقِيلَ: هي لِتَأْنِيثِ الأنْعامِ؛ إذْ ما في بُطُونِها أنْعامٌ أيْضًا؛ وقِيلَ: هي عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ "ما"؛ لِأنَّ "ما"؛ واقِعَةٌ في هَذا المَوْضِعِ مَوْقِعَ قَوْلِكَ: "جَماعَةً"؛ و"جُمْلَةً".

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسِ: "خالِصَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ؛ والأعْمَشُ: "خالِصٌ"؛ دُونَ هاءٍ؛ ورَفْعُ هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - بِخِلافٍ - والأعْرَجُ ؛ وقَتادَةُ ؛ وسُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ: "خالِصَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - فِيما ذَكَرَ أبُو الفَتْحِ -: "خالِصًا"؛ ونَصْبُ هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ عَلى أنَّ الحالَ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "فِي بُطُونِ"؛ ﴾ وذَلِكَ أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: "وَقالُوا: ما اسْتَقَرَّ هو في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ..."؛ فَحُذِفَ الفِعْلُ وحُمِّلَ المَجْرُورُ الضَمِيرَ؛ والحالُ مِنَ الضَمِيرِ؛ والعامِلُ فِيها مَعْنى الِاسْتِقْرارِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ حالًا مِن "ما"؛ عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ في إجازَتِهِ تَقْدِيمَ الحالِ عَلى العامِلِ فِيها؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ وأبُو حَيْوَةَ؛ والزُهْرِيُّ: "خالِصُهُ"؛ بِإضافَةِ "خالِصُ"؛ إلى ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى "ما"؛ ومَعْناهُ: "ما خَلُصَ وخَرَجَ حَيًّا"؛ والخَبَرُ - عَلى قِراءَةِ مَن نَصَبَ "خالِصَةً"؛ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "لِذُكُورِنا"؛ والمَعْنى المُرادُ بِـ "ما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى "ما في بُطُونِ"؛ قالَ السُدِّيُّ: هي الأجِنَّةُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ والشَعْبِيُّ: هو اللَبَنُ؛ قالَ الطَبَرِيُّ ؛ واللَفْظُ يَعُمُّهُما.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَمُحَرَّمٌ"؛ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهاءَ في "خالِصَةٌ"؛ لِلْمُبالَغَةٍ؛ ولَوْ كانَتْ لِتَأْنِيثٍ لَقالَ: "وَمُحَرَّمَةٌ"؛ و"أزْواجِنا"؛ يُرِيدُ بِهِ جَماعَةَ النِساءِ؛ الَّتِي هي مُعَدَّةٌ أنْ تَكُونَ أزْواجًا؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ المُرادَ بِـ "أزْواجِنا": اَلْبَناتُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا يَبْعُدُ تَحْلِيقُهُ عَلى المَعْنى؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَإنْ يَكُنْ مَيْتَةً ﴾ ؛ كانَ مِن سُنَّتِهِمْ أنَّ ما خَرَجَ مِنَ الأجِنَّةِ مَيْتًا مِن تِلْكَ الأنْعامِ المَوْقُوفَةِ؛ فَهو حَلالٌ لِلرِّجالِ والنِساءِ جَمِيعًا؛ وكَذَلِكَ ما ماتَ مِنَ الأنْعامِ المَوْقُوفَةِ نَفْسِها.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَإنْ يَكُنْ"؛ بِالياءِ؛ "مَيْتَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ فَلَمْ يُلْحِقِ الفِعْلَ عَلامَةَ التَأْنِيثِ؛ لَمّا كانَ تَأْنِيثُ الفاعِلِ المُسْنَدِ إلَيْهِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ؛ والمَعْنى: "وَإنْ وقَعَ مَيْتَةٌ أو حَدَثَ مَيْتَةٌ"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَإنْ تَكُنْ"؛ بِالتاءِ؛ "مَيْتَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ فَألْحَقَ الفِعْلَ عَلامَةَ التَأْنِيثِ؛ لَمّا كانَ الفاعِلُ في اللَفْظِ مُؤَنَّثًا؛ وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى المَيْتَةِ؛ كَما فَعَلَ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عنهُ: "تَكُنْ"؛ بِالتاءِ؛ "مَيْتَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ فَأنَّثَ؛ وإنْ كانَ المُتَقَدِّمُ مُذَكَّرًا؛ لِأنَّهُ حَمَلَهُ عَلى المَعْنى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالتَقْدِيرُ: "وَإنْ تَكُنِ النَسَمَةُ - أو نَحْوُها - مَيْتَةً"؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "يَكُنْ"؛ بِالياءِ؛ "مَيْتَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ فَذَكَّرُوا الفِعْلَ؛ لِأنَّهم أسْنَدُوهُ إلى ضَمِيرِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ ﴾ ؛ وهو مُذَكَّرٌ؛ وانْتَصَبَتِ المَيْتَةُ عَلى الخَبَرِ؛ قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: ويُقَوِّي هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ "فَهم فِيهِ"؛ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: "فِيها"؛ وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ: "وَإنْ تَكُنْ مَيِّتَةً"؛ بِالتَشْدِيدِ؛ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "فَهم فِيهِ سَواءٌ".

ثُمَّ أعْقَبَ تَعالى بِوَعِيدِهِمْ عَلى ما وصَفُوا أنَّهُ مِنَ القُرُباتِ إلى اللهِ تَعالى ؛ وشَرَعُوهُ مِنَ الباطِلِ؛ والإفْكِ؛ "إنَّهُ حَكِيمٌ"؛ أيْ: "فِي عَذابِهِمْ؛ عَلى ذَلِكَ"؛ "عَلِيمٌ"؛ بِقَلِيلِ ما تَقَوَّلُوهُ مِن ذَلِكَ؛ وكَثِيرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَهُمْ سَفَهًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍۢ وَحَرَّمُوا۟ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا۟ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ ١٤٠ ۞ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَ جَنَّـٰتٍۢ مَّعْرُوشَـٰتٍۢ وَغَيْرَ مَعْرُوشَـٰتٍۢ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَـٰبِهًۭا وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍۢ ۚ كُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ ۖ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ ١٤١

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أولادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِراءً عَلى اللهُ قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ والنَخْلَ والزَرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ والزَيْتُونَ والرُمّانَ مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ ﴾ هَذا لَفْظٌ يَتَضَمَّنُ التَشْنِيعَ بِقُبْحِ فِعْلِهِمْ؛ والتَعَجُّبَ مِن سُوءِ حالِهِمْ؛ في وأْدِهِمُ البَناتِ؛ وحَجْرِهِمُ الأنْعامَ والحَرْثَ؛ قالَ عِكْرِمَةُ: وكانَ الوَأْدُ في رَبِيعَةَ ومُضَرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكانَ جُمْهُورُ العَرَبِ لا يَفْعَلُهُ؛ ثُمَّ إنَّ فاعِلِيهِ كانَ مِنهم مَن يَفْعَلُهُ خَوْفَ العَيْلَةِ والإقْتارِ؛ وكانَ مِنهم مَن يَفْعَلُهُ غَيْرَةً؛ مَخافَةَ السِباءِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: "قَتَّلُوا"؛ بِتَشْدِيدِ التاءِ؛ عَلى المُبالَغَةِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "قَتَلُوا"؛ بِتَخْفِيفِها.

و ﴿ ما رَزَقَهُمُ اللهُ ﴾ ؛ هي تِلْكَ الأنْعامُ؛ والغَلّاتُ الَّتِي تُوقَفُ بِغَيْرِ شَرْعٍ؛ ولا مَثُوبَةٍ في مَعادٍ؛ بَلْ بِالِافْتِراءِ عَلى اللهِ تَعالى ؛ والكَذِبِ؛ و"قَدْ ضَلُّوا"؛ إخْبارٌ عنهم بِالحَيْرَةِ؛ وهو مِنَ التَعْجِيبِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى "قَدْ خَسِرَ"؛ "وَما كانُوا"؛ يُرِيدُ: "فِي هَذِهِ الفِعْلَةِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "وَما كانُوا قَبْلَ ضَلالِهِمْ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ مُهْتَدِينَ"؛ ولَكِنَّهم زادُوا بِهَذِهِ الفِعْلَةِ ضَلالًا.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى مَواضِعِ الِاعْتِبارِ؛ و"أنْشَأ"؛ مَعْناهُ: خَلَقَ؛ واخْتَرَعَ؛ والجَنَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِن "جَنَّ"؛ إذا سَتَرَ؛ و"مَعْرُوشاتٍ"؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِكَ في ثَمَرِ العِنَبِ؛ ومِنها ما عُرِّشَ وسُمِّكَ؛ ومِنها ما لَمْ يُعَرَّشْ؛ وقالَ السُدِّيُّ: اَلْمَعْرُوشاتُ؛ ما عَرَّشَ -كَهَيْئَةِ الكَرْمِ؛ وغَيْرِهِ - البَساتِينَ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْرُوشُ هو ما يَعْتَرِشُهُ بَنُو آدَمَ مِن أنْواعِ الشَجَرِ؛ وغَيْرُ المَعْرُوشِ: ما يَحْدُثُ في الجِبالِ؛ والصَحْراءِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْرُوشُ: ما حُلِّقَ بِحائِطٍ؛ وغَيْرُ المَعْرُوشِ: ما لَمْ يُحَلَّقْ؛ و"مُخْتَلِفًا"؛ نُصِبَ عَلى الحالِ؛ عَلى تَقْدِيرِ حُصُولِ الِاخْتِلافِ في ثَمَرِها؛ لِأنَّها حِينَ الإنْشاءِ لا ثَمَرَةَ فِيها؛ فَهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ تَجِيءُ بَعْدَ الإنْشاءِ.

وَ"مُتَشابِهًا"؛ يُرِيدُ: في المَنظَرِ؛ و"غَيْرَ مُتَشابِهٍ"؛ في المَطْعَمِ؛ قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ؛ وغَيْرُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ ﴾ ؛ نَفْسُ الإباحَةِ؛ وهو مُضَمَّنٌ الإشارَةَ إلى النِعْمَةِ بِذَلِكَ؛ ويُقْرَأُ: "مِن ثُمُرِهِ"؛ بِضَمِّ الثاءِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ.

﴿ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ﴾ ؛ قالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: هي في الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ؛ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وطاوُسٌ ؛ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ؛ وقَتادَةُ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ ؛ والضَحّاكُ ؛ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ ؛ وابْنُهُ؛ وقالَهُ مالِكُ بْنُ أنَسٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ مُعْتَرَضٌ بِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ؛ وهَذِهِ الآيَةُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ غَيْرُ مُسْتَثْناةٍ؛ وحَكى الزَجّاجُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قِيلَ فِيها: إنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ؛ ومُعْتَرَضٌ أيْضًا بِأنَّهُ لا زَكاةَ فِيما ذُكِرَ مِنَ الرُمّانِ؛ وجَمِيعِ ما هو في مَعْناهُ.

وقالَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ أيْضًا؛ وعَطاءٌ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهم مِن أهْلِ العِلْمِ: بَلْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَآتُوا حَقَّهُ ﴾ ؛ نَدْبٌ إلى إعْطاءِ حُقُوقٍ مِنَ المالِ؛ غَيْرَ الزَكاةِ؛ والسُنَّةُ أنْ يُعْطِيَ الرَجُلُ مِن زَرْعِهِ عِنْدَ الحَصادِ؛ وعِنْدَ الذَرْوِ؛ وعِنْدَ تَكْدِيسِهِ في البَيْدَرِ؛ فَإذا صَفّى؛ وكالَ؛ أخْرَجَ مِن ذَلِكَ الزَكاةَ؛ وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: حَقُّهُ: إباحَةُ لَقْطِ السُنْبُلِ؛ وقالَتْ طائِفَةٌ: كانَ هَذا حُكْمَ صَدَقاتِ المُسْلِمِينَ؛ حَتّى نَزَلَتِ الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ؛ فَنَسَخَتْها؛ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ وابْنِ الحَنَفِيَّةِ ؛ وإبْراهِيمَ؛ والحَسَنِ ؛ وقالَ السُدِّيُّ ؛ في هَذِهِ السُورَةِ: مَكِّيَّةٌ؛ نَسَخَتْها الزَكاةُ؛ فَقالَ لَهُ سُفْيانُ: عَمَّنْ؟

قالَ: عَنِ العُلَماءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والنَسْخُ غَيْرُ مُتَرَتِّبٍ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ؛ وآيَةَ الزَكاةِ؛ لا [تَتَعارَضانِ]؛ بَلْ تَنْبَنِي هَذِهِ عَلى النَدْبِ؛ وتِلْكَ عَلى الفَرْضِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "حِصادِهِ"؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "حَصادِهِ"؛ بِفَتْحِ الحاءِ؛ وهُما لُغَتانِ في المَصْدَرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلا تُسْرِفُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ مَن قالَ إنَّ الآيَةَ في الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ؛ جَعَلَ هَذا النَهْيَ عَنِ الإسْرافِ؛ إمّا لِلنّاسِ عَنِ التَمَنُّعِ عن أدائِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ إسْرافٌ مِنَ الفِعْلِ؛ وقالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ؛ وإمّا لِلْوُلاةِ عَنِ التَشَطُّطِ عَلى الناسِ؛ والإذايَةِ لَهُمْ؛ فَذَلِكَ إسْرافٌ مِنَ الفِعْلِ؛ وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ؛ ومَن جَعَلَ الآيَةَ عَلى جِهَةِ النَدْبِ إلى حُقُوقٍ غَيْرِ الزَكاةِ؛ تَرَتَّبَ لَهُ النَهْيُ عَنِ الإسْرافِ في تِلْكَ الحُقُوقِ؛ لِما في ذَلِكَ مِنَ الإجْحافِ بِالمالِ؛ وإضاعَتِهِ.

ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ حَصَدَ غَلَّةً لَهُ؛ فَقالَ: "واللهِ لا جاءَنِي اليَوْمَ أحَدٌ إلّا أطْعَمْتُهُ"؛ فَأمْسى ولَيْسَ عِنْدَهُ ثَمَرَةٌ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ وقالَ أبُو العالِيَةِ: كانُوا يُعْطُونَ شَيْئًا عِنْدَ الحَصادِ؛ ثُمَّ تَبارَوْا؛ وأسْرَفُوا؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ؛ ومَن قالَ إنَّها مَنسُوخَةٌ؛ تَرَتَّبَ لَهُ النَهْيُ في وقْتِ حُكْمِ الآيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَمِنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ حَمُولَةًۭ وَفَرْشًۭا ۚ كُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ ١٤٢ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍۢ ۖ مِّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ ۗ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۖ نَبِّـُٔونِى بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ١٤٣

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَمِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ ﴿ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ "حَمُولَةً"؛ عُطِفَ عَلى ﴿ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ  ﴾ ؛ واَلتَّقْدِيرُ: "وَأنْشَأْنا مِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً"؛ والحَمُولَةُ: ما تَحْمِلُ الأثْقالَ مِنَ الإبِلِ؛ والبَقَرِ؛ عِنْدَ مَن عادَتُهُ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْها؛ والهاءُ في "حَمُولَةً"؛ لِلْمُبالَغَةِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: هو اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ؛ والفَرْشُ: ما لا يَحْمِلُ ثِقْلًا؛ كالغَنَمِ؛ وصِغارِ البَقَرِ والإبِلِ؛ هَذا هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ والحَسَنِ ؛ وغَيْرِهِمْ؛ يُقالُ لَهُ: "اَلْفَرْشُ"؛ و"اَلْفَرِيشُ"؛ وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ تَسْمِيَتَهُ "فَرْشًا"؛ إنَّما هي لِوَطاءَتِهِ؛ وأنَّهُ مِمّا يُمْتَهَنُ ويُتَوَطَّأُ؛ ويُتَمَكَّنُ مِنَ التَصَرُّفِ فِيهِ؛ إذْ قَرُبَ جِسْمُهُ مِنَ الأرْضِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: اَلْحَمُولَةُ: اَلْإبِلُ؛ والخَيْلُ؛ والبِغالُ؛ والحَمِيرُ؛ ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مِنهُ تَفْسِيرٌ لِنَفْسِ اللَفْظَةِ؛ لا مِن حَيْثُ هي في هَذِهِ الآيَةِ؛ ولا تَدْخُلُ في الآيَةِ لِغَيْرِ الأنْعامِ؛ وإنَّما خُصَّتْ بِالذِكْرِ مِن جِهَةِ ما شَرَعَتْ فِيها العَرَبُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ مِمّا رَزَقَكُمُ ﴾ نَصُّ إباحَةِ وإزالَةِ ما سَنَّهُ الكُفّارُ مِنَ البَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ثُمَّ تابَعَ النَهْيَ عن تِلْكَ السُنَنِ؛ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَيْطانِ ﴾ ؛ وهي جَمْعُ "خُطْوَةٌ"؛ أيْ: "لا تَمْشُوا في طُرُقِهِ المُضِلَّةِ"؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ" اِخْتِلافُ القُرّاءِ في "خُطُواتِ"؛ ومِن شاذِّها قِراءَةُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ والأعْرَجُ ؛ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "خُطُؤاتِ"؛ بِضَمِّ الخاءِ؛ والطاءِ؛ وبِالهَمْزَةِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: وذَلِكَ جَمْعُ "خَطْأةٌ"؛ مِن "اَلْخَطَأُ"؛ ومِنَ الشاذِّ قِراءَةُ أبِي السَمّالِ: "خَطَواتِ"؛ بِالواوِ دُونَ هَمْزَةٍ؛ وهو جَمْعُ "خَطْوَةٌ"؛ وهي ذَرْعُ ما بَيْنَ قَدَمَيِ الماشِيَةِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ النَهْيَ عن ذَلِكَ بِتَقْرِيرِ عَداوَةِ الشَيْطانِ لِابْنِ آدَمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى "ثَمانِيَةَ"؛ اِخْتُلِفَ في نَصْبِها؛ فَقالَ الأخْفَشُ؛ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "كُلُوا لَحْمَ ثَمانِيَةِ أزْواجٍ..."؛ فَحُذِفَ الفِعْلُ؛ والمُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وقِيلَ نُصِبَ عَلى البَدَلِ مِن "ما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ ﴾ ؛ وقِيلَ: نُصِبَتْ عَلى الحالِ؛ وقِيلَ: نُصِبَتْ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ حَمُولَةً وفَرْشًا ﴾ ؛ وهَذا أصْوَبُ الأقْوالِ؛ وأجْراها مَعَ مَعْنى الآيَةِ؛ وقالَ الكِسائِيُّ: نَصَبَها "أنْشَأ"؛ و"اَلزَّوْجُ": اَلذَّكَرُ؛ و"اَلزَّوْجُ": اَلْأُنْثى؛ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما زَوْجُ صاحِبِهِ؛ وهي أرْبَعَةُ أنْواعٍ؛ فَتَجِيءُ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ.

و"اَلضَّأْنُ": جَمْعُ "ضائِنَةٌ"؛ و"ضائِنٌ"؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ والحَسَنُ: "مِنَ الضَأنِ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيِّ: "وَمِنَ المَعْزِ"؛ بِسُكُونِ العَيْنِ؛ وهو جَمْعُ "ماعِزٌ"؛ و"ماعِزَةٌ"؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "وَمِنَ المَعَزِ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ فَـ "ضَأْنٌ"؛ و"مَعْزٌ"؛ كَـ "راكِبٌ"؛ و"رَكْبٌ"؛ و"تاجِرٌ"؛ و"تَجْرٌ"؛ و"ضَأنٌ"؛ و"مَعَزٌ"؛ كَـ "خادِمٌ"؛ و"خَدَمٌ"؛ ونَحْوِهِ؛ وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ: "مِنَ الضَأْنِ اثْنانِ"؛ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ المُقَدَّمِ؛ ويُقالُ في جَمْعِ "ماعِزٌ": "مَعْزٌ"؛ و"مَعَزٌ"؛ و"مَعِيزٌ"؛ و"مِعْزى"؛ و"أمْعُوزٌ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ ﴾ ؛ هَذا تَقْسِيمٌ عَلى الكُفّارِ؛ حَتّى يَتَبَيَّنَ كَذِبُهم عَلى اللهِ تَعالى ؛ أيْ: "لا بُدَّ أنْ يَكُونَ حَرَّمَ الذَكَرَيْنِ؛ فَيَلْزَمُكم تَحْرِيمُ جَمِيعِ الذُكُورِ؛ أوِ الأُنْثَيَيْنِ؛ فَيَلْزَمُكم تَحْرِيمُ جَمِيعِ الإناثِ؛ أمْ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ؛ فَيَلْزَمُكم تَحْرِيمُ الجَمِيعِ؛ وأنْتُمْ لَمْ تَلْتَزِمُوا شَيْئًا مِمّا يُوجِبُهُ هَذا التَقْسِيمُ"؛ وفي هَذِهِ السُؤالاتِ تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ.

ثُمَّ أتْبَعَ تَقْرِيرَهُمْ؛ وتَوْبِيخَهُمْ؛ بِقَوْلِهِ تَعالى "نَبِّئُونِي"؛ أخْبِرُونِي؛ "بِعِلْمٍ"؛ أيْ: مِن جِهَةِ نُبُوءَةٍ؛ أو كِتابٍ مِن كُتُبِ اللهِ تَعالى ؛ ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ؛ و"إنْ"؛ شَرْطٌ؛ وجَوابُهُ في "نَبِّئُونِي"؛ وجازَ تَقْدِيمُ جَوابِ هَذا الشَرْطِ؛ لَمّا كانَتْ "إنْ"؛ لا يَظْهَرُ لَها عَمَلٌ في الماضِي؛ ولَوْ كانَتْ ظاهِرَةَ العَمَلِ لَما جازَ تَقَدُّمُ الجَوابِ.

<div class="verse-tafsir"

وَمِنَ ٱلْإِبِلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ ۗ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۖ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّىٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا لِّيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٤٤

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَمِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ أمِ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللهُ بِهَذا فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهُ كَذِبًا لِيُضِلَّ الناسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ اللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ اَلْقَوْلُ في هَذِهِ الآيَةِ - في المَعْنى؛ وتَرْتِيبِ التَقْسِيمِ - كالقَوْلِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ مِنَ الضَأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ  ﴾ ؛ وكَأنَّهُ قالَ: "أأنْتُمُ الَّذِينَ تَدَّعُونَ أنَّ اللهَ حَرَّمَ خَصائِصَ مِن هَذِهِ الأنْعامِ؟

فَلا يَخْلُو تَحْرِيمُهُ مِن أنْ يَكُونَ في الذَكَرَيْنِ؛ أو فِيما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ؛ لا هَذا؛ ولا هَذا؛ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَقَعْ تَحْرِيمٌ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللهُ بِهَذا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ؛ إذْ لَمْ يَبْقَ لَهُمُ الِادِّعاءُ المُحالُ؛ والتَقَوُّلُ أنَّهم شاهَدُوا وصِيَّةَ اللهِ تَعالى لَهم بِهَذا.

و"شُهَداءَ"؛ جَمْعُ "شَهِيدٌ"؛ ثُمَّ تَضَمَّنَ قَوْلُهُ تَعالى "فَمَن أظْلَمُ"؛ ذِكْرَ حالِ مُفْتَرِي الكَذِبِ عَلى اللهِ تَعالى ؛ وتَقْرِيرَ إفْراطِ ظُلْمِهِ.

وقالَ السُدِّيُّ: كانَ الَّذِينَ سَيَّبُوا وبَحَّرُوا يَقُولُونَ: اَللَّهُ تَعالى أمَرَنا بِهَذا؛ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى سُوءَ مَقْصِدِهِمْ بِالِافْتِراءِ؛ لِأنَّهُ لَوِ افْتَرى أحَدٌ فِرْيَةً عَلى اللهِ لِغَيْرِ مَعْنًى لَكانَ ظُلْمًا عَظِيمًا؛ فَكَيْفَ إذا قَصَدَ بِها إضْلالَ أُمَّةٍ؟

وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اللامُ في "لِيُضِلَّ"؛ لامَ صَيْرُورَةٍ.

ثُمَّ جَزَمَ الحُكْمَ - لا رَبَّ غَيْرُهُ - بِأنَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ؛ أيْ: "لا يُرْشِدُهُمْ"؛ وهَذا عُمُومٌ في الظاهِرِ؛ وقَدْ تَبَيَّنَ تَخْصِيصُهُ مِمّا يَقْتَضِيهِ الشَرْعُ مِن أنَّ اللهَ تَعالى يَهْدِي ظَلَمَةً كَثِيرَةً بِالتَوْبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

قُل لَّآ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍۢ يَطْعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًۭا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍۢ فَإِنَّهُۥ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ١٤٥

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أو دَمًا مَسْفُوحًا أو لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أو فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِأنْ يَشْرَعَ لِلنّاسِ جَمِيعًا؛ ويُبَيِّنَ عَنِ اللهِ تَعالى ما أُوحِيَ إلَيْهِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْبِمَكَّةَ؛ ولَمْ يَكُنْ في الشَرِيعَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ شَيْءٌ مُحَرَّمٌ غَيْرُ هَذِهِ الأشْياءِ؛ ثُمَّ نَزَلَتْ سُورَةُ "اَلْمائِدَةِ" بِالمَدِينَةِ؛ وزِيدَ في المُحَرَّماتِ؛ كالمُنْخَنِقَةِ؛ والمَوْقُوذَةِ؛ والمُتَرَدِّيَةِ؛ والنَطِيحَةِ؛ فَإنَّ هَذِهِ - وإنْ كانَتْ في حُكْمِ المَيْتَةِ - فَكانَ في النَظَرِ احْتِمالٌ أنْ تُلْحَقَ بِالمُذَكَّياتِ؛ لِأنَّها بِأسْبابٍ؛ ولَيْسَتْ حَتْفَ الأنْفِ؛ فَلَمّا بَيَّنَ النَصُّ إلْحاقَها بِالمَيْتَةِ؛ كانَتْ زِيادَةً في المُحَرَّماتِ؛ ثُمَّ نَزَلَ النَصُّ عَلى رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في تَحْرِيمِ الخَمْرِ؛ بِوَحْيٍ غَيْرِ مُعْجِزٍ؛ وبِتَحْرِيمِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِباعِ؛ فَهَذِهِ كُلُّها زِياداتٌ في التَحْرِيمِ؛ ولَفْظَةُ التَحْرِيمِ إذا ورَدَتْ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَإنَّها صالِحَةٌ أنْ تَنْتَهِيَ بِالشَيْءِ المَذْكُورِ إلى غايَةِ المَنعِ والحَظْرِ؛ وصالِحَةٌ - بِحَسَبِ اللُغَةِ - أنْ تَقِفَ دُونَ الغايَةِ في حَيِّزِ الكَراهِيَةِ؛ ونَحْوِها؛ فَما اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةُ التَسْلِيمِ مِنَ الصَحابَةِ المُتَأوِّلِينَ؛ وأجْمَعَ عَلَيْهِ الكُلُّ مِنهُمْ؛ ولَمْ يَضْطَرِبْ فِيهِ ألْفاظُ الأحادِيثِ؛ وأمْضاهُ الناسُ عَلى أذْلالِهِ؛ وجَبَ بِالشَرْعِ أنْ يَكُونَ تَحْرِيمُهُ قَدْ وصَلَ الغايَةَ مِنَ الحَظْرِ؛ والمَنعِ؛ ولَحِقَ بِالخِنْزِيرِ؛ والمَيْتَةِ؛ وهَذِهِ صِفَةُ تَحْرِيمِ الخَمْرِ؛ وما اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةُ ألْفاظِ الحَدِيثِ؛ واخْتَلَفَتِ الأُمَّةُ فِيهِ؛ مَعَ عِلْمِهِمْ بِالأحادِيثِ؛ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "كُلُّ ذِي نابٍ مِنَ السِباعِ حَرامٌ"؛» وقَدْ رُوِيَ «نَهْيُ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عن أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِباعِ؛» ثُمَّ اخْتَلَفَ الصَحابَةُ؛ ومَن بَعْدَهُمْ؛ في تَحْرِيمِ ذَلِكَ؛ فَجازَ - لِهَذِهِ الوُجُوهِ - لِمَن يَنْظُرُ أنْ يُجْمِلَ لَفْظَ التَحْرِيمِ عَلى المَنعِ؛ الَّذِي هو الكَراهِيَةُ؛ ونَحْوُها؛ وما اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةُ التَأْوِيلِ كَتَحْرِيمِهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - لُحُومَ الحُمُرِ الإنْسِيَّةِ؛ فَتَأوَّلَ بَعْضُ الصَحابَةِ الحاضِرِينَ ذَلِكَ لِأنَّها نَجَسٌ؛ وتَأوَّلَ بَعْضُهم أنَّ ذَلِكَ لِئَلّا تَفْنى حَمُولَةُ الناسِ؛ وتَأوَّلَ بَعْضُهُمُ التَحْرِيمَ المَحْضَ؛ وثَبَتَ في الأُمَّةِ الِاخْتِلافُ في تَحْرِيمِ لَحْمِها؛ فَجائِزٌ لِمَن يَنْظُرُ مِنَ العُلَماءِ أنْ يَحْمِلَ لَفْظَ التَحْرِيمِ - بِحَسَبِ اجْتِهادِهِ وقِياسِهِ - عَلى كَراهِيَةٍ؛ أو نَحْوِها.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ: "فِيما أوحى إلَيَّ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ والحاءِ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَطْعَمُهُ"؛ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ؛ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: "يَطَّعِمُهُ"؛ بِتَشْدِيدِ الطاءِ؛ وكَسْرِ العَيْنِ؛ وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ ؛ وعائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -؛ وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "طَعِمَهُ"؛ بِفِعْلٍ ماضٍ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ: "إلّا أنْ يَكُونَ"؛ بِالياءِ؛ عَلى تَقْدِيرِ: "إلّا أنْ يَكُونَ المَطْعُومُ..."؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ وأبُو عَمْرٍو أيْضًا: "إلّا أنْ تَكُونَ"؛ بِالتاءِ؛ مِن فَوْقُ؛ "مَيْتَةً"؛ عَلى تَقْدِيرِ: "إلّا أنْ تَكُونَ المَطْعُومَةُ..."؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ - وذَكَرَها مَكِّيٌّ عن أبِي جَعْفَرٍ -: "إلّا أنْ تَكُونَ"؛ بِالتاءِ؛ "مَيْتَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ عَلى أنْ تُجْعَلَ "تَكُونَ"؛ بِمَعْنى "تَقَعَ"؛ ويُحْتاجُ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يُعْطَفَ "دَمًا"؛ عَلى مَوْضِعِ "أنْ تَكُونَ"؛ لِأنَّها في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالِاسْتِثْناءِ؛ و"اَلْمَسْفُوحُ": اَلْجارِي؛ الَّذِي يَسِيلُ؛ وجَعَلَ اللهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - هَذا فارِقًا بَيْنَ القَلِيلِ؛ والكَثِيرِ؛ و"اَلْمَسْفُوحُ": اَلسّائِلُ مِنَ الدَمِ؛ ونَحْوِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ - وهو طَرَفَةُ -: إذا ما عادَهُ مِنّا نِساءٌ ∗∗∗ سَفَحْنَ الدَمْعَ مِن بَعْدِ الرَنِينِ وقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: وإنَّ شِفائِي عَبْرَةٌ إنْ سَفَحْتُها ∗∗∗ ∗∗∗ وهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دارِسٍ مِن مُعَوَّلِ فالدَمُ المُخْتَلِطُ بِاللَحْمِ؛ والدَمُ الخارِجُ مِن مَرَقِ اللَحْمِ؛ وما شاكَلَ هَذا؛ حَلالٌ؛ والدَمُ غَيْرُ المَسْفُوحِ هو هَذا؛ وهو مَعْفُوٌّ عنهُ؛ وقِيلَ لِأبِي مِجْلَزٍ - في القِدْرِ تَعْلُوها الحُمْرَةُ مِنَ الدَمِ - قالَ: إنَّما حَرَّمَ اللهُ المَسْفُوحُ؛ وقالَتْ نَحْوَهُ عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها - وغَيْرُها؛ وعَلَيْهِ إجْماعُ العُلَماءِ؛ وقِيلَ: اَلدَّمُ حَرامٌ؛ لِأنَّهُ إذا زايَلَ فَقَدِ انْسَفَحَ.

وَ"اَلرِّجْسُ": اَلنَّتِنُ؛ والحَرامُ؛ يُوصَفُ بِذَلِكَ الأجْرامُ؛ والمَعانِي؛ كَما قالَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "دَعُوها فَإنَّها مُنْتِنَةٌ"؛» اَلْحَدِيثَ؛ فَكَذَلِكَ قِيلَ في الأزْلامِ: "رِجْسٌ"؛ و"اَلرِّجْسُ"؛ أيْضًا: اَلْعَذابُ؛ لُغَةً بِمَعْنى "اَلرِّجْزُ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "أو فِسْقًا"؛ ﴾ يُرِيدُ ذَبائِحَهُمُ الَّتِي يَخْتَصُّونَ بِها أصْنامَهم.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أباحَ اللهُ تَعالى فِيها - مَعَ الضَرُورَةِ - رُكُوبَ المَحْظُورِ؛ دُونَ بَغْيٍ؛ واخْتَلَفَ الناسُ: فِيمَ ذا؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: دُونَ أنْ يَبْغِيَ الإنْسانُ في أكْلِهِ؛ فَيَأْكُلَ فَوْقَ ما يُقِيمُ رَمَقَهُ؛ ويَنْتَهِيَ إلى حَدِّ الشَبَعِ؛ وفَوْقَهُ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ دُونَ أنْ يَبْغِيَ في أنْ يَكُونَ سَفَرُهُ في قَطْعِ طَرِيقٍ؛ أو قَتْلِ نَفْسٍ؛ أو يَكُونَ تَصَرُّفُهُ في مَعْصِيَةٍ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لا رُخْصَةَ لَهُ؛ وأمّا مَن لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الأحْوالِ فاضْطُرَّ؛ فَلَهُ أنْ يَشْبَعَ؛ ويَتَزَوَّدَ؛ وهَذا مَشْهُورُ قَوْلِ مالِكِ بْنِ أنَسٍ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ وقالَ بِالأوَّلِ؛ الَّذِي هو الِاقْتِصارُ عَلى سَدِّ الرَمَقِ؛ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ - رَحِمَهُ اللهُ تَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ إباحَةٌ تُعْطِيها قُوَّةُ اللَفْظِ.

<div class="verse-tafsir"

وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍۢ ۖ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍۢ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَـٰهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ ١٤٦

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوِ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ وإنّا لَصادِقُونَ ﴾ لَمّا ذَكَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - ما حَرَّمَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ ما حَرَّمَ عَلى اليَهُودِ؛ لِما في ذَلِكَ مِن تَكْذِيبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: "إنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْنا شَيْئًا؛ وإنَّما حَرَّمْنا عَلى أنْفُسِنا ما حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ".

وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ" في "هادُوا"؛ ومَعْنى تَسْمِيَتِهِمْ "يَهُودًا".

و ﴿ كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ ؛ يُرادُ بِهِ الإبِلُ؛ والنَعامُ؛ والإوَزُّ؛ ونَحْوُهُ مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي هو غَيْرُ مُنْفَرِجِ الأصابِعِ؛ ولَهُ ظُفُرٌ؛ وقالَ أبُو زَيْدٍ: "اَلْمُرادُ الإبِلُ خاصَّةً"؛ وهَذا ضَعِيفُ التَخْصِيصِ؛ وذَكَرَ النَقّاشُ عن ثَعْلَبٍ؛ أنَّ كُلَّ ما لا يَصِيدُ فَهو ذُو ظُفُرٍ؛ وما يَصِيدُ فَهو ذُو مِخْلَبٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا غَيْرُ مُطَّرِدٍ؛ لِأنَّ الأسَدَ ذُو ظُفُرٍ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ظُفُرٍ"؛ بِضَمِّ الظاءِ؛ والفاءِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ والأعْرَجُ "ظُفْرٍ"؛ بِسُكُونِ الفاءِ؛ وقَرَأ أبُو السَمّالِ؛ قَعْنَبٌ: "ظِفْرٍ"؛ بِكَسْرِ الظاءِ؛ وسُكُونِ الفاءِ.

وأخْبَرَنا اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - في هَذِهِ الآيَةِ بِتَحْرِيمِ الشُحُومِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ وهِيَ: اَلثُّرُوبُ؛ والكُلى؛ وما كانَ شَحْمًا خالِصًا؛ خارِجًا عن الِاسْتِثْناءِ الَّذِي في الآيَةِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ؛ مِن ذَبائِحِ اليَهُودِ؛ فَحَكى ابْنُ المُنْذِرِ في "اَلْأشْرافُ"؛ عن مالِكٍ وغَيْرِهِ؛ مَنعَ أكْلِ الشَحْمِ مِن ذَبائِحِ اليَهُودِ؛ وهو ظاهِرُ "اَلْمُدَوَّنَةُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عَلى القَوْلِ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ  ﴾ ؛ بِأنَّهُ المَطْعُومُ مِن ذَبائِحِهِمْ؛ وأمّا ما لا يَحِلُّ لَهُمْ؛ فَلا تَقَعُ عَلَيْهِ ذَكاةٌ؛ بَلْ هو كالدَمِ في ذَبائِحِ المُسْلِمِينَ؛ وعَلى هَذا القَوْلِ يَجِيءُ قَوْلُ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللهُ - في "اَلْمُدَوَّنَةُ"؛ فِيما ذَبَحَهُ اليَهُودِيُّ؛ مِمّا لا يَحِلُّ لَهُمْ؛ كالجَمَلِ؛ والأرْنَبِ: إنَّهُ لا يُؤْكَلُ.

وَرُوِيَ عن مالِكٍ - رَحِمَهُ اللهُ - كَراهِيَةُ الشَحْمِ مِن ذَبائِحِ أهْلِ الكِتابِ؛ دُونَ تَحْرِيمٍ؛ وأباحَ بَعْضُ الناسِ الشَحْمَ مِن ذَبائِحِ أهْلِ الكِتابِ؛ وذَبْحِهِمْ ما هو عَلَيْهِمْ حَرامٌ؛ إذا أمَرَهم بِذَلِكَ مُسْلِمٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عَلى أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ  ﴾ ؛ يُرادُ بِهِ الذَبائِحُ؛ فَمَتى وقَعَ الذَبْحُ عَلى صِفَتِهِ؛ وقَعَتِ الإباحَةُ؛ وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ جَرَّدَ لَفْظَةَ "وَطَعامُ"؛ مِن مَعْنى أنْ تَكُونَ "مَطْعُومًا" لِأهْلِ الكِتابِ؛ وخَلَّصَها لِمَعْنى الذَبْحِ؛ وذَلِكَ حَرَجٌ لا يُتَوَجَّهُ.

وأمّا الطَرِيقُ فَحَرَّمَهُ قَوْمٌ؛ وكَرِهَهُ قَوْمٌ؛ وأباحَهُ قَوْمٌ؛ وحَلَّلَهُ مالِكٌ في "اَلْمُدَوَّنَةُ"؛ ثُمَّ رَجَعَ إلى مَنعِهِ؛ وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ما كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ؛ وعَلِمْنا ذَلِكَ مِن كِتابِنا؛ فَلا يَحِلُّ لَنا مِن ذَبائِحِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما ﴾ ؛ يُرِيدُ ما اخْتَلَطَ بِاللَحْمِ؛ في الظَهْرِ؛ والأجْنابِ؛ ونَحْوَهُ؛ قالَ السُدِّيُّ ؛ وأبُو صالِحٍ: اَلْألَياتُ مِمّا حَمَلَتْ ظُهُورُهُما؛ "أوِ الحَوايا"؛ قالَ: هو جَمْعُ "حَوِيَّةٌ"؛ عَلى وزْنِ "فَعِيلَةٌ"؛ فَوَزْنُ "حَوايا"؛ عَلى هَذا: "فَعائِلُ"؛ كَـ "سَفِينَةٌ"؛ و"سَفائِنُ"؛ وقِيلَ: هو جَمْعُ "حاوِيَةٌ"؛ عَلى وزْنِ "فاعِلَةٌ"؛ فَـ "حَوايا"؛ عَلى هَذا: "فَواعِلُ"؛ كَـ "ضارِبَةٌ"؛ و"ضَوارِبُ"؛ وقِيلَ: جَمْعُ "حاوِياءُ"؛ فَوَزْنُها؛ عَلى هَذا أيْضًا: "فَواعِلُ"؛ كَـ "قاصِعاءُ"؛ و"قَواصِعُ"؛ وأمّا "حَوايا"؛ عَلى الوَزْنِ الأوَّلِ؛ فَأصْلُها "حَوائِي"؛ فَقُلِبَتِ الياءُ الأخِيرَةُ ألِفًا؛ فانْفَتَحَتْ لِذَلِكَ الهَمْزَةُ؛ ثُمَّ بُدِّلَتْ ياءً؛ وأمّا عَلى الوَزْنَيْنِ الأخِيرَيْنِ؛ فَأصْلُ "حَوايا"؛ "حَواوِي"؛ وبُدِّلَتِ الواوُ الثانِيَةُ هَمْزَةً؛ و"اَلْحَوِيَّةُ": ما تَحَوّى في البَطْنِ؛ واسْتَدارَ؛ وهي المَصارِينُ؛ والحَشْوَةُ؛ ونَحْوُهُما؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وابْنُ زَيْدٍ: "اَلْحَوايا": اَلْمَباعِرُ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: هي المَرابِطُ الَّتِي تَكُونُ فِيها الأمْعاءُ؛ وهي بَناتُ اللَبَنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أو ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ﴾ ؛ يُرِيدُ في سائِرِ الشُخُصِ.

و"اَلْحَوايا"؛ مَعْطُوفٌ عَلى "ما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إلا ما حَمَلَتْ ﴾ ؛ فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ عَطْفًا عَلى المَنصُوبِ بِالِاسْتِثْناءِ؛ وقالَ الكِسائِيُّ: "اَلْحَوايا"؛ مَعْطُوفٌ عَلى "الظُهُورِ"؛ كَأنَّهُ قالَ: "إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما؛ أو حَمَلَتِ الحَوايا"؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: "اَلْحَوايا"؛ مَعْطُوفٌ عَلى "الشُحُومِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا تَدْخُلُ "اَلْحَوايا" في التَحْرِيمِ؛ وهَذا قَوْلٌ لا يُعَضِّدُهُ اللَفْظُ؛ ولا المَعْنى؛ بَلْ يَدْفَعانِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ ﴾ ؛ "ذَلِكَ"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ و ﴿ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ ﴾ ؛ يَقْتَضِي أنَّ هَذا التَحْرِيمَ إنَّما كانَ عُقُوبَةً لَهم عَلى ذُنُوبِهِمْ؛ وبَغْيِهِمْ؛ واسْتِعْصائِهِمْ عَلى الأنْبِياءِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "وَإنّا لَصادِقُونَ"؛ إخْبارٌ يَتَضَمَّنُ التَعْرِيضَ بِكَذِبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: "ما حَرَّمَ اللهُ عَلَيْنا شَيْئًا؛ وإنَّما اقْتَدَيْنا بِإسْرائِيلَ فِيما حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ"؛ ويَتَضَمَّنُ إدْحاضَ قَوْلِهِمْ؛ ورَدَّهُ عَلَيْهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍۢ وَٰسِعَةٍۢ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُۥ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ ١٤٧ سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍۢ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا۟ بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍۢ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ١٤٨

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَنَّ وإنْ أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ ﴾ يُرِيدُ: "فَإنْ كَذَّبُوكَ فِيما أخْبَرَتْ بِهِ أنَّ اللهَ تَعالى حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ؛ وقالُوا: لَمْ يُحَرِّمِ اللهُ تَعالى عَلَيْنا شَيْئًا؛ وإنَّما حَرَّمْنا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ - قالَ السُدِّيُّ: وهَذِهِ كانَتْ مَقالَتَهم - فَقُلْ يا مُحَمَّدُ - عَلى جِهَةِ التَعَجُّبِ مِن حالِهِمْ؛ والتَعْظِيمِ لِفِرْيَتِهِمْ في تَكْذِيبِهِمْ لَكَ؛ مَعَ عِلْمِهِمْ بِحَقِيقَةِ ما قُلْتَ -: رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ؛ إذْ لا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ؛ مَعَ شِدَّةِ جُرْمِكُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كَما تَقُولُ - عِنْدَ رُؤْيَةِ مَعْصِيَةٍ؛ أو أمْرٍ مَبْغِيٍّ -: "ما أحْلَمَ اللهَ تَعالى !"؛ وأنْتَ تُرِيدُ: "لِإمْهالِهِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ"؛ فَفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ﴾ ؛ قُوَّةُ وصْفِهِمْ بِغايَةِ الِاجْتِرامِ؛ وشِدَّةِ الطُغْيانِ.

ثُمَّ أعْقَبَ هَذِهِ المَقالَةَ بِوَعِيدٍ؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ ﴾ ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "وَلا تَغْتَرُّوا أيْضًا بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ تَعالى ؛ فَإنَّ لَهُ بَأْسًا لا يُرَدُّ عَنِ المُجْرِمِينَ؛ إمّا في الدُنْيا؛ وإمّا في الآخِرَةِ"؛ وهَذِهِ الآيَةُ؛ وما جانَسَها مِن آياتِ مَكَّةَ مُرْتَفِعٌ حُكْمُهُ بِالقِتالِ؛ وأخْبَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنَّ المُشْرِكِينَ سَيَحْتَجُّونَ لِصَوابِ ما هم عَلَيْهِ؛ مِن شِرْكِهِمْ؛ وتَدَيُّنِهِمْ بِتَحْرِيمِ تِلْكَ الأشْياءِ؛ بِإمْهالِ اللهِ تَعالى ؛ وتَقْرِيرِهِ حالَهُمْ؛ وأنَّهُ لَوْ شاءَ غَيْرَ ذَلِكَ لَما تَرَكَهم عَلى تِلْكَ الحالِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وبَيِّنٌ أنَّ المُشْرِكِينَ لا حُجَّةَ لَهم فِيما ذَكَرُوهُ؛ لِأنّا نَحْنُ نَقُولُ: "إنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَوْ شاءَ ما أشْرَكُوا"؛ ولَكِنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - شاءَ إشْراكَهُمْ؛ وأقْدَرَهم عَلى اكْتِسابِ الإشْراكِ؛ والمَعاصِي؛ ومَحَبَّتِهِ؛ والِاشْتِغالِ بِهِ؛ ثُمَّ عَلَّقَ العِقابَ؛ والثَوابَ عَلى تِلْكَ الأشْياءِ؛ والِاكْتِساباتِ؛ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَواهِرُ القُرْآنِ؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ  ﴾ ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ ويَلْزَمُهم عَلى احْتِجاجِهِمْ أنْ تَكُونَ كُلُّ طَرِيقَةٍ؛ وكُلُّ نِحْلَةٍ؛ صَوابًا؛ إذْ كُلُّها - لَوْ شاءَ اللهُ تَعالى - لَمْ تَكُنْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّما هَذِهِ المَقالَةُ مِنَ المُشْرِكِينَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ؛ وهَذا ضَعِيفٌ.

وَتَعَلَّقَتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَتْ: إنَّ اللهَ تَعالى قَدْ ذَمَّ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ؛ وإنَّما ذَمَّها تَعالى لِأنَّ كُفْرَهم لَيْسَ بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعالى ؛ بَلْ هو خَلْقٌ لَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالُوا؛ وإنَّما ذَمَّ اللهُ تَعالى ظَنَّ المُشْرِكِينَ أنَّ ما شاءَ اللهُ تَعالى لا يَقَعُ عَلَيْهِ عِقابٌ؛ وأمّا أنَّهُ ذَمَّ قَوْلَهُمْ: "لَوْلا المَشِيئَةُ لَمْ نَكْفُرْ"؛ فَلا.

ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ ؛ وفي الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَناسُقُ الكَلامِ؛ كَأنَّهُ قالَ تَعالى "سَيَقُولُ المُشْرِكُونَ كَذا؛ وكَذا؛ ولَيْسَ في ذَلِكَ حُجَّةٌ لَهُمْ؛ ولا شَيْءٌ يَقْتَضِي تَكْذِيبَهُمْ؛ ولَكِنْ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ بِنَحْوِ هَذِهِ الشُبْهَةِ؛ مِن ظَنِّهِمْ أنَّ تَرْكَ اللهِ تَعالى لَهم دَلِيلٌ عَلى رِضاهُ تَعالى بِحالِهِمْ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا ﴾ وعِيدٌ بَيِّنٌ؛ ولَيْسَ في الآيَةِ رَدٌّ مَنصُوصٌ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْ شاءَ اللهُ ما أشْرَكْنا ﴾ ؛ وإنَّما تَرَكَ الرَدَّ عَلَيْهِمْ مُقَدَّرًا في الكَلامِ؛ لِوُضُوحِهِ؛ وبَيانِهِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "وَلا آباؤُنا"؛ مَعْطُوفٌ عَلى الضَمِيرِ المَرْفُوعِ في "أشْرَكْنا"؛ والعَطْفُ عَلى الضَمِيرِ المَرْفُوعِ لا يَرُدُّهُ قِياسٌ؛ بِخِلافِ المَنصُوبِ؛ لَكِنَّ سِيبَوَيْهِ قَدْ قَبَّحَ العَطْفَ عَلى الضَمِيرِ المَرْفُوعِ؛ ووَجْهُ قُبْحِهِ أنَّهُ لَمّا بُنِيَ الفِعْلُ صارَ كَحَرْفٍ مِنَ الفِعْلِ؛ فَقَبُحَ العَطْفُ عَلَيْهِ؛ لِشِبْهِهِ بِالحَرْفِ؛ وذَلِكَ كَقَوْلِكَ: "قُمْتُ وزَيْدٌ"؛ لِأنَّ تَأْكِيدَهُ فِيهِ يُبَيِّنُ مَعْنى الِاسْمِيَّةِ؛ ويُذْهِبُ عنهُ شَبَهَ الحَرْفِ؛ وحَسُنَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ العَطْفُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ﴾ ؛ لَمّا طالَ الكَلامُ؛ بِـ "لا"؛ فَكَأنَّ مَعْنى الِاسْمِيَّةِ اتَّضَحَ واقْتَضَتْ "وَلا"؛ ما يُعْطَفُ بَعْدَها.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المَعْنى: "قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْكَفَرَةِ: هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ مِن قِبَلِ اللهِ تَعالى ؛ فَتُبَيِّنُوهُ؛ حَتّى تَقُومَ بِهِ الحُجَّةُ؟"؛ و"مِن"؛ في قَوْلِهِ تَعالى "مِن عِلْمٍ"؛ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ وجاءَتْ زِيادَتُها لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ داخِلٌ في غَيْرِ الواجِبِ.

﴿ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَنَّ ﴾ ؛ أيْ: لا شَيْءَ عِنْدَكم إلّا الظَنُّ؛ وهو أكْذَبُ الحَدِيثِ.

وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَتَّبِعُونَ"؛ عَلى المُخاطَبَةِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ وابْنُ وثّابٍ: "إنْ يَتَّبِعُونَ"؛ بِالياءِ؛ حِكايَةً عنهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ؛ يُضْعِفُها قَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَإنْ أنْتُمْ"؛ ﴾ و ﴿ "تَخْرُصُونَ"؛ ﴾ مَعْناهُ: تُقَدِّرُونَ؛ وتَظُنُّونَ؛ وتَرْجُمُونَ.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ ۖ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ ١٤٩ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا ۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ۚ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ١٥٠

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللهَ حَرَّمَ هَذا فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهم ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ ثُمَّ أعْقَبَ تَعالى أمْرَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِتَوْقِيفِ المُشْرِكِينَ عَلى مَوْضِعِ عَجْزِهِمْ؛ بِأمْرِهِ تَعالى إيّاهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَقُولَ - مُبَيِّنًا؛ مُفْصِحًا -: ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ ﴾ ؛ يُرِيدُ: اَلْبالِغَةُ غايَةَ المَقْصِدِ في الأمْرِ الَّذِي يُحْتَجُّ فِيهِ؛ ثُمَّ اعْلَمْ بِأنَّهُ لَوْ شاءَ تَعالى لَهَدى العالَمَ بِأسْرِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ: إنَّ الهِدايَةَ والإيمانَ إنَّما هي مِنَ العَبْدِ؛ لا مِنَ اللهِ تَعالى ؛ فَإنْ قالُوا: مَعْنى "لَهَداكُمْ": لاضْطَرَّكم إلى الهُدى؛ فَسَدَ ذَلِكَ بِمُعْتَقَدِهِمْ أنَّ الإيمانَ الَّذِي يُرِيدُ اللهُ تَعالى مِن عِبادِهِ؛ ويُثِيبُ عَلَيْهِ؛ لَيْسَ الَّذِي يُضْطَرُّ إلَيْهِ العَبْدُ؛ وإنَّما هو عِنْدَهُمُ الَّذِي يَقَعُ مِنَ العَبْدِ وحْدَهُ.

و"هَلُمَّ"؛ مَعْناها: "هاتِ"؛ وهي حِينَئِذٍ مُتَعَدِّيَةٌ؛ وقَدْ تَكُونُ بِمَعْنى: "أقْبِلْ"؛ فَهي حِينَئِذٍ لا تَتَعَدّى؛ وبَعْضُ العَرَبِ يَجْعَلُها اسْمًا لِلْفِعْلِ؛ كَـ "رُوَيْدَكَ"؛ فَيُخاطِبُ بِها الواحِدَ؛ والجَمِيعَ؛ والمُذَكَّرَ؛ والمُؤَنَّثَ؛ عَلى حَدٍّ واحِدٍ؛ وبَعْضُ العَرَبِ يَجْعَلُها فِعْلًا؛ فَيُرَكِّبُ عَلَيْها الضَمائِرَ؛ فَيَقُولُ: "هَلُمَّ يا زَيْدُ"؛ و"هَلُمُّوا أيُّها الناسُ"؛ و"هَلُمِّي يا هِنْدُ"؛ ونَحْوَ هَذا؛ وذَكَرَ اللُغَتَيْنِ أبُو عَلِيٍّ في "اَلْإغْفالُ"؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اَللُّغَةُ الأُولى لِأهْلِ العالِيَةِ؛ واللُغَةُ الثانِيَةُ لِأهْلِ نَجْدٍ؛ وقالَ سِيبَوَيْهِ ؛ والخَلِيلُ: أصْلُها: "هالُمَّ"؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: أصْلُها "هالُمُمْ"؛ وحُذِفَتِ الألِفُ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ؛ فَجاءَ "هَلُمْمَ"؛ فَحَذَفَ مَن قالَ: أصْلُها: "هالُمَّ"؛ وأدْغَمَ مَن قالَ: أصْلُها "هالُمُمْ"؛ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.

وَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: "قُلْ هاتُوا شُهَداءَكم عَلى تَحْرِيمِ اللهِ تَعالى ما زَعَمْتُمْ أنَّهُ حَرَّمَهُ"؛ ثُمَّ قالَ اللهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: "فَإنْ شَهِدُوا"؛ أيْ: "فَإنِ افْتَرى لَهم أحَدٌ؛ وزَوَّرَ شَهادَةً أو خَبَرًا عن نُبُوَّةٍ؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ فَتَجَنَّبْ أنْتَ ذَلِكَ؛ ولا تَشْهَدُ مَعَهُمْ"؛ وفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ ؛ قُوَّةُ وصْفِ شَهادَتِهِمْ بِنِهايَةِ الزُورِ؛ ﴿ وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَ ﴾ ؛ يُرِيدُ: "لا تَنْحَطَّ في شَهَواتِ الكَفَرَةِ؛ وتُوافِقْهم أقْوالَهُمْ"؛ ﴿ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ؛ عَطْفُ نَعْتٍ عَلى نَعْتٍ؛ كَما تَقُولُ: "جاءَنِي زَيْدٌ الكَرِيمُ والعاقِلُ"؛ هَذا مَذْهَبُ مُعْظَمِ الناسِ؛ وقالَ النَقّاشُ: نَزَلَتْ في الدَهْرِيَّةِ مِنَ الزَنادِقَةِ؛ ﴿ وَهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ ؛ أنْدادًا؛ يُسَوُّونَهم بِهِ؛ وإنْ كانَتْ في الزَنادِقَةِ؛ فَعَدْلُهم غَيْرُ هَذا.

<div class="verse-tafsir"

۞ قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًۭا ۖ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍۢ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ١٥١

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ولا تَقْتُلُوا أولادَكم مِن إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهم ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ولا تَقْتُلُوا النَفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلا بِالحَقِّ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَدْعُوَ جَمِيعَ الخَلْقِ إلى سَماعِ تِلاوَةِ ما حَرَّمَ اللهُ تَعالى بِشَرْعِ الإسْلامِ المَبْعُوثِ بِهِ إلى الأسْوَدِ والأحْمَرِ.

و"تَعالَوْا"؛ مَعْناهُ: أقْبِلُوا؛ وأصْلُهُ مِن "اَلْعُلُوُّ"؛ فَكَأنَّ الدُعاءَ لَمّا كانَ أمْرًا مِنَ الداعِي اسْتُعْمِلَ فِيهِ تَرْفِيعُ المَدْعُوِّ؛ و"تَعالى"؛ هو مُطاوِعُ "عالى"؛ إذْ "تَفاعَلَ"؛ هو مُطاوِعُ "فاعَلَ".

و"أتْلُ"؛ مَعْناهُ: "أسْرُدْ؛ وأنُصَّ"؛ مِن "اَلتِّلاوَةُ"؛ اَلَّتِي هي إتْباعُ بَعْضِ الحُرُوفِ بَعْضًا؛ و"ما"؛ نُصِبَ بِقَوْلِهِ تَعالى "أتْلُ"؛ وهي بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ وقالَ الزَجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى "أتْلُ"؛ مُعَلَّقًا عَنِ العَمَلِ؛ و"ما"؛ نُصِبَ بِـ "حَرَّمَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَلِقٌ: و"أنْ"؛ في قَوْلِهِ تَعالى "ألّا تُشْرِكُوا"؛ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ؛ والتَقْدِيرُ: "اَلْأمْرُ أنْ..."؛ أو: "ذَلِكَ أنْ..."؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ عَلى البَدَلِ مِن "ما"؛ قالَهُ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والمَعْنى يُبْطِلُهُ؛ فَتَأمَّلْهُ.

ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ؛ والتَقْدِيرُ: "إرادَةَ ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا"؛ إلّا أنَّ هَذا التَأْوِيلَ يُخْرِجُ "ألّا تُشْرِكُوا"؛ مِنَ المَتْلُوِّ؛ ويَجْعَلُهُ سَبَبًا لِتِلاوَةِ المُحَرَّماتِ.

و"تُشْرِكُوا"؛ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ "أنْ"؛ ويُتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ مَجْزُومًا بِالنَهْيِ؛ وهو الصَحِيحُ في المَعْنى المَقْصُودِ؛ و"أنْ"؛ قَدْ تُوصَلُ بِما نَصَبَتْهُ؛ وقَدْ تُوصَلُ بِالفِعْلِ المَجْزُومِ بِالأمْرِ والنَهْيِ؛ و"شَيْئًا"؛ عامٌّ يُرادُ بِهِ كُلُّ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللهِ تَعالى.

و"إحْسانًا"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ وناصِبُهُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ مِن لَفْظِهِ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَأحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا".

والمُحَرَّماتُ تَنْفَكُّ مِن هَذِهِ المَذْكُوراتِ بِالمَعْنى؛ وهِيَ: اَلْإشْراكُ؛ والعُقُوقُ؛ وقُرْبُ الفَواحِشِ؛ وقَتْلُ النَفْسِ.

وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: "هَذِهِ الآياتُ مُفْتَتَحُ التَوْراةِ: (بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ ﴾ ؛ إلى آخِرِ الآيَةِ)"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآياتُ هي المُحْكَماتُ الَّتِي ذَكَرَها اللهُ تَعالى في سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ "؛ اِجْتَمَعَتْ عَلَيْها شَرائِعُ الخَلْقِ؛ ولَمْ تُنْسَخْ قَطُّ في مِلَّةٍ؛ وقَدْ قِيلَ: إنَّها العَشْرُ الكَلِماتُ المُنَزَّلَةُ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ.

وإنِ اعْتَرَضَ مَن قالَ: إنَّ "تُشْرِكُوا"؛ مَنصُوبٌ بِـ "أنْ"؛ بِعَطْفِ المَجْزُوماتِ عَلَيْهِ؛ فَذَلِكَ مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ؛ وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ حُجَّةً لِذَلِكَ: حَجَّ وأوصى بِسُلَيْمى الأعْبُدا ∗∗∗ ألّا تَرى ولا تُكَلِّمْ أحَدا ولا يَزَلْ شَرابُها مُبَرَّدا وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أولادَكُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ نَهْيٌ عن عادَةِ العَرَبِ في وأْدِ البَناتِ؛ و"اَلْوَلَدُ"؛ يَعُمُّ الذَكَرَ؛ والأُنْثى؛ مِنَ البَنِينَ؛ و"اَلْإمْلاقُ": اَلْفَقْرُ؛ وعَدَمُ المالِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وغَيْرُهُ؛ يُقالُ: "أمْلَقَ الرَجُلُ"؛ إذا افْتَقَرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: "أمْلَقَ"؛ أيْ: "لَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا المَلَقُ"؛ كَما قالُوا: "أتْرَبَ"؛ إذا لَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا التُرابُ؛ و"أرْمَلَ"؛ إذا لَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا الرَمْلُ؛ و"اَلْمَلَقُ": اَلْحِجارَةُ السُودُ؛ واحِدَتُهُ: "مَلَقَةٌ"؛ وذَكَرَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ أنَّ "اَلْإمْلاقَ": اَلْإنْفاقُ؛ ويُقالُ: "أمْلَقَ مالَهُ"؛ بِمَعْنى: أنْفَقَهُ؛ وذَكَرَ أنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللهُ عنهُ - قالَ لِامْرَأةٍ: "أمْلِقِي مِن مالِكِ ما شِئْتِ"؛ وذَكَرَ النَقّاشُ عن مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ التِرْمِذِيِّ أنَّهُ السَرَفُ في الإنْفاقِ؛ وحَكى أيْضًا النَقّاشُ عن مُؤَرِّجٍ أنَّهُ قالَ: "اَلْإمْلاقُ": اَلْجُوعُ؛ بِلُغَةِ لَخْمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ﴾ ؛ نَهْيٌ عامٌّ عن جَمِيعِ أنْواعِ الفَواحِشِ؛ وهي المَعاصِي؛ و"ظَهَرَ"؛ و"بَطَنَ"؛ حالَتانِ تَسْتَوْفِيانِ أقْسامَ ما جُعِلَتْ لَهُ مِنَ الأشْياءِ؛ وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ القَصْدَ بِهَذِهِ الآيَةِ أشْياءُ مُخَصَّصاتٌ؛ فَقالَ السُدِّيُّ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "ما ظَهَرَ"؛ هو زِنا الحَوانِيتِ الشَهِيرِ؛ و"ما بَطَنَ"؛ هو مُتَّخِذاتُ الأخْدانِ؛ وكانُوا يَسْتَقْبِحُونَ الشَهِيرَ وحْدَهُ؛ فَحَرَّمَ اللهُ تَعالى الجَمِيعَ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "ما ظَهَرَ"؛ هو نِكاحُ حَلائِلِ الآباءِ؛ ونَحْوُ ذَلِكَ؛ و"ما بَطَنَ"؛ هو الزِنا؛ إلى غَيْرِ هَذا مِن تَخْصِيصٍ لا تَقُومُ عَلَيْهِ حُجَّةٌ؛ بَلْ هو دَعْوى مُجَرَّدَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلا تَقْتُلُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ مُتَضَمِّنَةٌ تَحْرِيمَ قَتْلِ النَفْسِ المُسْلِمَةِ؛ والمُعاهَدَةِ؛ ومَعْنى الآيَةِ: "إلّا بِالحَقِّ الَّذِي يُوجِبُ قَتْلَها"؛ وقَدْ بَيَّنَتْهُ الشَرِيعَةُ؛ وهو الكُفْرُ بِاللهِ تَعالى وقَتْلُ النَفْسِ؛ والزِنا بَعْدَ الإحْصانِ؛ والحِرابَةُ؛ وما تَشَعَّبَ مِن ذَلِكَ.

وَ"ذَلِكُمْ"؛ إشارَةٌ إلى هَذِهِ المُحَرَّماتِ؛ و"اَلْوَصِيَّةُ": اَلْأمْرُ المُؤَكَّدُ المُقَرَّرُ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أجِدَّكَ لَمْ تَسْمَعْ وصاةَ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ نَبِيِّ الإلَهِ حِينَ أوصى وأشْهَدا وقَوْلُهُ تَعالى "لَعَلَّكُمْ"؛ تَرَجٍّ؛ بِالإضافَةِ إلَيْنا؛ أيْ: "مَن سَمِعَ هَذِهِ الوَصِيَّةَ تَرَجّى وُقُوعَ أثَرِ العَقْلِ بَعْدَها؛ وتَمْيِيزِ المَنافِعِ؛ والمَضارِّ؛ في الدِينِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ ۖ وَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُوا۟ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُوا۟ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ١٥٢

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ وأوفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى وبِعَهْدِ اللهِ أوفُوا ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ هَذا نَهْيٌ عَنِ القُرْبِ الَّذِي يَعُمُّ وُجُوهُ التَصَرُّفِ؛ وفِيهِ سَدُّ الذَرِيعَةِ؛ ثُمَّ اسْتَثْنى ما يَحْسُنُ؛ وهو التَثْمِيرُ؛ والسَعْيُ في نَمائِهِ؛ قالَ مُجاهِدٌ: اَلَّتِي هي أحْسَنُ: اَلتِّجارَةُ فِيهِ؛ مِمَّنْ كانَ مِنَ الناظِرِينَ لَهُ مالٌ يَعِيشُ بِهِ؛ فالأحْسَنُ - إذا ثَمَرَ مالُ يَتِيمٍ - ألّا يَأْخُذُ مِنهُ نَفَقَةً؛ ولا أُجْرَةً ولا غَيْرَها؛ مَن كانَ مِنَ الناظِرِينَ لا مالَ لَهُ؛ ولا يَتَّفِقُ لَهُ نَظَرٌ إلّا بِأنْ يُنْفِقَ عَلى نَفْسِهِ مِن رِبْحِ نَظَرِهِ؛ وإلّا دَعَتْهُ الضَرُورَةُ إلى تَرْكِ مالِ اليَتِيمِ دُونَ نَظَرٍ؛ فالأحْسَنُ أنْ يَنْظُرَ؛ ويَأْكُلَ بِالمَعْرُوفِ؛ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

و"اَلْأشُدُّ": جَمْعُ "شَدٌّ"؛ وجَمْعُ "شِدَّةٌ"؛ وهو هُنا الحَزْمُ؛ والنَظَرُ في الأُمُورِ؛ وحُسْنُ التَصَرُّفِ فِيها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَيْسَ هَذا بِالأشُدِّ المَقْرُونِ بِبُلُوغِ الأرْبَعِينَ؛ بَلْ هَذا يَكُونُ مَعَ صِغَرِ السِنِّ في ناسٍ كَثِيرٍ؛ وتِلْكَ الأشُدُّ هي التَجارِبُ؛ والعَقْلُ المُحَنَّكُ؛ ولَكِنْ قَدْ خَلَطَهُما المُفَسِّرُونَ؛ وقالَ رَبِيعَةُ؛ والشَعْبِيُّ ؛ ومالِكٌ - فِيما رُوِيَ عنهُ -؛ وأبُو حَنِيفَةَ: بُلُوغُ الأشُدِّ: اَلْبُلُوغُ مَعَ ألّا يَثْبُتَ سَفَهٌ؛ وقالَ السُدِّيُّ: اَلْأشُدُّ: ثَلاثُونَ سَنَةً؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ سَنَةً؛ وحَكى الزَجّاجُ عن فِرْقَةٍ: ثَمانِيَةَ عَشْرَةَ سَنَةً؛ وضَعَّفَهُ؛ ورَجَّحَ البُلُوغَ مَعَ الرُشْدِ؛ وحَكى النَقّاشُ أنَّ الأشُدَّ هُنا: مِن خَمْسَ عَشْرَةَ؛ إلى ثَلاثِينَ؛ والفِقْهُ ما رَجَّحَ الزَجّاجُ ؛ وهو قَوْلُ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: اَلرُّشْدُ؛ وزَوالُ السَفَهِ؛ مَعَ البُلُوغِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ؛ وألْيَقُها بِهَذا المَوْضِعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَأوفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أمْرٌ بِالِاعْتِدالِ في الأخْذِ؛ والإعْطاءِ؛ و"اَلْقِسْطُ": اَلْعَدْلُ؛ وقَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ ؛ يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ الأوامِرَ إنَّما هي فِيما يَقَعُ تَحْتَ قُدْرَةِ البَشَرِ؛ مِنَ التَحَفُّظِ؛ والتَحَرُّزِ؛ لا أنَّهُ مُطالَبٌ بِغايَةِ العَدْلِ في نَفْسِ الشَيْءِ المُتَصَرِّفِ فِيهِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: لَمّا كانَ الَّذِي يُعْطِي ناقِصًا يَتَكَلَّفُ في ذَلِكَ مَشَقَّةً؛ والَّذِي يُعْطِي زائِدًا يَتَكَلَّفُ أيْضًا مِثْلَ ذَلِكَ؛ رَفَعَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - الأمْرَ بِالمُعادَلَةِ؛ حَتّى لا يَتَكَلَّفَ واحِدٌ مِنهُما مَشَقَّةً.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ﴾ ؛ يَتَضَمَّنُ الشَهاداتِ؛ والأحْكامَ؛ والتَوَسُّطَ بَيْنَ الناسِ؛ وغَيْرَ ذَلِكَ؛ أيْ: ولَوْ كانَ مَيْلُ الحَقِّ عَلى قَراباتِكم.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَبِعَهْدِ اللهِ ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ جَمِيعُ ما عَهِدَهُ اللهُ تَعالى إلى عِبادِهِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ جَمِيعُ ذَلِكَ؛ مَعَ جَمِيعِ ما انْعَقَدَ بَيْنَ إنْسانَيْنِ؛ ويُضافُ إلى ذَلِكَ العَهْدُ إلى اللهِ تَعالى ؛ مِن حَيْثُ قَدْ أمَرَ تَعالى بِحِفْظِهِ والوَفاءِ بِهِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "لَعَلَّكُمْ"؛ تَرَجٍّ؛ بِحَسَبِنا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "تَذَّكَّرُونَ"؛ بِتَشْدِيدِ الذالِ؛ والكافِ؛ جَمِيعًا؛ وكَذَلِكَ "يَذَّكَّرُونَ"؛ و"يَذَّكَّرُ الإنْسانُ"؛ وما جَرى مِن ذَلِكَ مُشَدَّدًا كُلُّهُ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وابْنِ عامِرٍ ؛ كُلَّ ذَلِكَ بِالتَشْدِيدِ؛ إلّا قَوْلَهُ تَعالى "أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ"؛ فَإنَّهم خَفَّفُوها؛ ورَوى أبانُ؛ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "تَذْكُرُونَ"؛ خَفِيفَةَ الذالِ؛ في كُلِّ القُرْآنِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "تَذَكَّرُونَ"؛ بِتَخْفِيفِ الذالِ؛ إذا كانَ الفِعْلُ بِالتاءِ؛ وإذا كانَ بِالياءِ قَرَأهُ بِالتَشْدِيدِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ؛ في سُورَةِ "اَلْفُرْقانِ": "لِمَن أرادَ أنْ يَذْكُرَ"؛ بِسُكُونِ الذالِ؛ وتَخْفِيفِ الكافِ؛ وقَرَأ ذَلِكَ الكِسائِيُّ ؛ بِتَشْدِيدِهِما؛ وفَتْحِهِما.

وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًۭا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ١٥٣

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عن سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ اَلْإشارَةُ هي إلى الشَرْعِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِجُمْلَتِهِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: اَلْإشارَةُ هي إلى هَذِهِ الوَصايا الَّتِي تَقَدَّمَتْ؛ مِن قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ  ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "وَأنَّ هَذا"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ وتَشْدِيدِ النُونِ؛ "صِراطِي"؛ ساكِنَ الياءِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "وَإنَّ"؛ بِكَسْرِ الألِفِ؛ وتَشْدِيدِ النُونِ؛ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ مِنَ السَبْعَةِ: "وَأنْ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ وسُكُونِ النُونِ؛ "صِراطِيَ"؛ مَفْتُوحَ الياءِ؛ فَأمّا مَن فَتَحَ الألِفَ فالمَعْنى عِنْدَهُ كَأنَّهُ قالَ: "وَلِأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ"؛ أيْ: "اِتَّبِعُوهُ؛ لِكَوْنِهِ كَذا"؛ وتَكُونُ الواوُ - عَلى هَذا - إنَّما عَطَفَتْ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ؛ ويَصِحُّ غَيْرُ هَذا؛ أنْ يَعْطِفَ عَلى "ألّا تُشْرِكُوا"؛ وكَأنَّ المُحَرَّمَ مِن هَذا اتِّباعُ السُبُلِ؛ والتَنْكِيبُ عَنِ الصِراطِ الأقْوَمِ؛ ومَن قَرَأ بِتَخْفِيفِ النُونِ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ "ألا تُشْرِكُوا"؛  ﴾ ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ؛ وأنَّ التَقْدِيرَ: "وَأنَّهُ هَذا صِراطِي"؛ ومَن قَرَأ بِكَسْرِ الألِفِ وتَشْدِيدِ النُونِ؛ فَكَأنَّهُ اسْتَأْنَفَ الكَلامَ؛ وقَطَعَهُ مِنَ الأوَّلِ؛ وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَهَذا صِراطِي"؛ بِحَذْفِ "أنَّ".

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ طَرِيقًا صِراطًا مُسْتَقِيمًا؛ طَرَفُهُ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وشَرْعُهُ؛ ونِهايَتُهُ الجَنَّةُ؛ وتَتَشَعَّبُ مِنهُ طُرُقٌ؛ فَمَن سَلَكَ الجادَّةَ نَجا؛ ومَن خَرَجَ إلى تِلْكَ الطُرُقِ أفْضَتْ بِهِ إلى النارِ؛ وقالَ أيْضًا: خَطَّ لَنا رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَوْمًا خَطًّا؛ فَقالَ: "هَذا سَبِيلُ اللهِ"؛ ثُمَّ خَطَّ عن يَمِينِ ذَلِكَ الخَطِّ؛ وعن شِمالِهِ؛ خُطُوطًا؛ فَقالَ: "هَذِهِ سُبُلٌ؛ عَلى كُلِّ سَبِيلٍ مِنها شَيْطانٌ يَدْعُو إلَيْها"؛ ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ الآيَةُ تَعُمُّ أهْلَ الأهْواءِ؛ والبِدَعِ؛ والشُذُوذِ؛ في الفُرُوعِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ مِن أهْلِ التَعَمُّقِ في الجَدَلِ؛ والخَوْضِ في الكَلامِ؛ هَذِهِ كُلُّها عُرْضَةٌ لِلزَّلَلِ؛ ومَظِنَّةٌ لِسُوءِ المُعْتَقَدِ.

وتَقَدَّمَ القَوْلُ في ﴿ "ذَلِكم وصّاكُمْ"؛  ﴾ وفي قَوْلِهِ: "لَعَلَّكُمْ"؛ ومِن حَيْثُ كانَتِ المُحَرَّماتُ الأُوَلُ لا يَقَعُ فِيها عاقِلٌ قَدْ نَظَرَ بِعَقْلِهِ؛ جاءَتِ العِبارَةُ: ﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ  ﴾ ؛ والمُحَرَّماتُ الأُخَرُ شَهَواتٍ؛ وقَدْ يَقَعُ فِيها مِنَ العُقَلاءِ مَن لَمْ يَتَذَكَّرْ؛ جاءَتِ العِبارَةُ: ﴿ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ  ﴾ ؛ ثُمَّ لَمّا كانَ رُكُوبُ الجادَّةِ الكامِلَةِ يَتَضَمَّنُ فِعْلَ الفَضائِلِ؛ وتِلْكَ دَرَجَةُ التَقْوى؛ جاءَتِ العِبارَةُ: ﴿ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ١٥٤

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴾ "ثُمَّ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما مُهْلَتُها في تَرْتِيبِ القَوْلِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ كَأنَّهُ قالَ: "ثُمَّ مِمّا قَضَيْناهُ أنّا آتَيْنا مُوسى الكِتابَ"؛ ويَدْعُو إلى ذَلِكَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - مُتَقَدِّمٌ بِالزَمانِ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وتِلاوَتِهِ ما حَرَّمَ اللهُ تَعالى ؛ و"اَلْكِتابَ": اَلتَّوْراةُ؛ و"تَمامًا"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ عَلى الَّذِي أحْسَنَ ﴾ ؛ مُخْتَلَفٌ في مَعْناهُ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "اَلَّذِي"؛ بِمَعْنى: "اَلَّذِينَ"؛ و"أحْسَنَ"؛ فِعْلٌ ماضٍ؛ صِلَةُ "اَلَّذِينَ"؛ وكَأنَّ الكَلامَ: "وَآتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَفَضُّلًا عَلى المُحْسِنِينَ مِن أهْلِ مِلَّتِهِ؛ وإتْمامًا لِلنِّعْمَةِ عِنْدَهُمْ"؛ هَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ ؛ وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "تَمامًا عَلى الَّذِينَ أحْسَنُوا"؛ فَهَذا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ التَأْوِيلَ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "اَلَّذِي"؛ غَيْرُ مَوْصُولَةٍ؛ والمَعْنى: "تَمامًا عَلى ما أحْسَنَ هو مِن عِبادَةِ رَبِّهِ؛ والِاضْطِلاعِ بِأُمُورِ نُبُوَّتِهِ"؛ يُرِيدُ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ هَذا تَأْوِيلُ الرَبِيعِ؛ وقَتادَةَ ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمَعْنى: "تَمامًا - أيْ: تَفَضُّلًا وإكْمالًا - عَلى الَّذِي أحْسَنَ اللهُ تَعالى فِيهِ إلى عِبادِهِ؛ مِنَ النُبُوّاتِ؛ والنِعَمِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَـ "اَلَّذِي"؛ أيْضًا في هَذا التَأْوِيلِ غَيْرُ مَوْصُولَةٍ؛ وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنُ"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ فَجَعَلَها صِفَةَ تَفْضِيلٍ؛ ورَفْعُها عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "عَلى الَّذِي هو أحْسَنُ"؛ وضَعَّفَ أبُو الفَتْحِ هَذِهِ القِراءَةَ؛ لِقُبْحِ حَذْفِ المُبْتَدَإ العائِدِ؛ وقالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الكُوفَةِ: يَصِحُّ أنْ يَكُونَ "أحْسَنَ"؛ صِفَةً لِـ "اَلَّذِي"؛ مِن حَيْثُ قارَبَ المَعْرِفَةَ؛ إذْ لا تَدْخُلُهُ الألِفُ واللامُ؛ كَما تَقُولُ العَرَبُ: "مَرَرْتُ بِالَّذِي خَيْرٍ مِنكَ"؛ ولا يَجُوزُ: "بِالَّذِي عالِمٍ"؛ وخَطَّأ الزَجّاجُ هَذا القَوْلَ الكُوفِيَّ؛ و"وَتَفْصِيلًا"؛ يُرِيدُ: بَيانًا؛ وتَقْسِيمًا؛ و"لَعَلَّهُمْ"؛ تَرَجٍّ؛ بِالإضافَةِ إلى البَشَرِ؛ و"بِلِقاءِ رَبِّهِمْ"؛ أيْ بِالبَعْثِ؛ الَّذِي الإيمانُ بِهِ نِهايَةُ تَصْدِيقِ الأنْبِياءِ - صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ -؛ إذْ لا تُلْزَمُهُ العُقُولُ بِذَواتِها؛ وإنَّما ثَبَتَ بِالسَمْعِ؛ مَعَ تَجْوِيزِ العَقْلِ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌۭ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ١٥٥ أَن تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَـٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَـٰفِلِينَ ١٥٦ أَوْ تَقُولُوا۟ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَـٰبُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ ۚ فَقَدْ جَآءَكُم بَيِّنَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ۗ سَنَجْزِى ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَـٰتِنَا سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْدِفُونَ ١٥٧

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ ﴿ أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عن دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ ﴾ ﴿ أو تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ وصَدَفَ عنها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عن آياتِنا سُوءَ العَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ ﴾ "وَهَذا"؛ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ؛ و"مُبارَكٌ"؛ وصْفٌ بِما فِيهِ مِنَ التَوَسُّعاتِ؛ وإزالَةِ أحْكامِ الجاهِلِيَّةِ؛ وتَحْرِيماتِها؛ وجَمْعِ كَلِمَةِ العَرَبِ؛ ووَحْدَةِ أيْدِي مُتَّبِعِيهِ؛ وفَتَحَ اللهُ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ بِهِ؛ ومَعْناهُ: "مُنَمًّى خَيْرُهُ مُكَثَّرٌ"؛ و"اَلْبَرَكَةُ": اَلزِّيادَةُ؛ والنُمُوُّ؛ و"فاتَّبِعُوهُ"؛ دُعاءٌ إلى الدِينِ؛ و"واتَّقُوا": اَلْأظْهَرُ فِيهِ أنَّهُ أمْرٌ بِالتَقْوى العامَّةِ في جَمِيعِ الأشْياءِ؛ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ .

و"أنْ"؛ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ أنْ تَقُولُوا ﴾ ؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ والعامِلُ فِيهِ "أنْزَلْناهُ"؛ والتَقْدِيرُ: "وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ كَراهِيَةَ أنْ..."؛ وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ؛ وأضْبَطُها لِلْمَعْنى المَقْصُودِ؛ وقِيلَ: اَلْعامِلُ في "أنْ"؛ قَوْلُهُ تَعالى "واتَّقُوا"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "واتَّقُوا أنْ تَقُولُوا..."؛ وهَذا تَأْوِيلٌ يُتَخَرَّجُ عَلى مَعْنى: "واتَّقُوا أنْ تَقُولُوا كَذا؛ لِأنَّهُ لا حُجَّةَ لَكم فِيهِ"؛ ولَكِنْ يَعْرِضُ فِيهِ قَلَقٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى - أثْناءَ ذَلِكَ -: ﴿ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ ؛ وفي التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَتَّسِقُ نَظْمُ الآيَةِ.

والطائِفَتانِ: اَلْيَهُودُ والنَصارى؛ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ؛ والدِراسَةُ: اَلْقِراءَةُ؛ والتَعَلُّمُ بِها؛ و"إنْ"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَإنْ كُنّا ﴾ ؛ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ؛ واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى "لَغافِلِينَ"؛ لامُ تَوْكِيدٍ؛ هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ؛ وحَكى سِيبَوَيْهِ عن بَعْضِ العَرَبِ أنَّهم يُخَفِّفُونَها؛ ويُبْقُونَها عَلى عَمَلِها؛ ومِنهُ قِراءَةُ بَعْضِ أهْلِ المَدِينَةِ: "وَإنْ كُلًّا"؛ وأمّا المَشْهُورُ فَإنَّها إذا خُفِّفَتْ تَرْجِعُ حَرْفَ ابْتِداءٍ؛ لا تَعْمَلُ؛ وأمّا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَـ "إنْ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ بِمَعْنى "ما"؛ النافِيَةِ؛ واللامُ بِمَعْنى "إلّا"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "وَما كُنّا عن دِراسَتِهِمْ إلّا غافِلِينَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ إزالَةُ الحُجَّةِ عن أيْدِي قُرَيْشٍ؛ وسائِرِ العَرَبِ؛ بِأنَّهم لَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "وَهَذا القُرْآنُ يا مَعْشَرَ العَرَبِ أُنْزِلَ حُجَّةً عَلَيْكُمْ؛ لِئَلّا تَقُولُوا: إنَّما أُنْزِلَتِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ بِغَيْرِ لِسانِنا عَلى غَيْرِنا؛ ونَحْنُ لَمْ نَعْرِفْ ذَلِكَ؛ فَهَذا كِتابٌ بِلِسانِكُمْ؛ ومَعَ رَجُلٍ مِنكُمْ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "أو تَقُولُوا"؛ ﴾ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى؛ وهي في غَرَضِها؛ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلى الكُفّارِ؛ وقَطْعِ تَعَلُّقِهِمْ في الآخِرَةِ بِأنَّ الكُتُبَ إنَّما أُنْزِلَتْ عَلى غَيْرِهِمْ؛ وأنَّهم غافِلُونَ عَنِ الدِراسَةِ والنَظَرِ في الشَرْعِ؛ وأنَّهم لَوْ نُزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابٌ لَكانُوا أسْرَعَ إلى الهُدى مِنَ الناسِ كُلِّهِمْ؛ فَقِيلَ لَهُمْ: "قَدْ جاءَكم بَيانٌ مِنَ اللهِ تَعالى وهُدًى ورَحْمَةٌ".

ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّ البَيِّنَةَ قَدْ جاءَتْ؛ والحُجَّةَ قَدْ قامَتْ؛ حَسُنَ - بَعْدَ ذَلِكَ - أنْ يَقَعَ التَقْرِيرُ بِقَوْلِهِ تَعالى "فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِهَذِهِ الآياتِ البَيِّناتِ؟".

و"صَدَفَ"؛ مَعْناهُ: حادَ؛ وراغَ؛ وأعْرَضَ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "كَذَبَ"؛ بِتَخْفِيفِ الذالِ؛ والجُمْهُورُ: "كَذَّبَ"؛ بِتَشْدِيدِ الذالِ؛ و"سَنَجْزِي الَّذِينَ"؛ وعِيدٌ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَصْدِفُونَ"؛ بِكَسْرِ الدالِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَصْدُفُونَ"؛ بِضَمِّ الدالِ.

<div class="verse-tafsir"

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَـٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىٓ إِيمَـٰنِهَا خَيْرًۭا ۗ قُلِ ٱنتَظِرُوٓا۟ إِنَّا مُنتَظِرُونَ ١٥٨

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أو يَأْتِيَ رَبُّكَ أو يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبُّكَ يَوْمَ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبُّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أو كَسَبَتْ في إيمانُها خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ ﴾ اَلضَّمِيرُ في "يَنْظُرُونَ"؛ هو لِلطّائِفَةِ الَّتِي قِيلَ لَها قَبْلُ: ﴿ فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ  ﴾ ؛ وهُمُ العادِلُونَ بِرَبِّهِمْ؛ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ مَضَتْ أكْثَرُ آياتِ السُورَةِ في جِدالِهِمْ؛ و"يَنْظُرُونَ"؛ مَعْناهُ: يَنْتَظِرُونَ؛ و"اَلْمَلائِكَةُ"؛ هُنا؛ يُرادُ بِها مَلائِكَةُ المَوْتِ؛ الَّذِينَ يَصْحَبُونَ "عِزْرائِيلَ"؛ اَلْمَخْصُوصَ بِقَبْضِ الأرْواحِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المَلائِكَةَ الَّذِينَ يَتَصَرَّفُونَ في قِيامِ الساعَةِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ"؛ بِالياءِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "تَأْتِيَهُمُ"؛ بِالتاءِ مِن فَوْقُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أو يَأْتِيَ رَبُّكَ ﴾ ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: "لِمَوْقِفِ الحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ"؛ وأسْنَدَ ذَلِكَ إلى قَتادَةَ وجَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ؛ ويَحْكِي الزَجّاجُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ أو يَأْتِيَ رَبُّكَ ﴾ ؛ أيْ: "اَلْعَذابُ الَّذِي يُسَلِّطُهُ اللهُ تَعالى في الدُنْيا عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ؛ كالصَيْحاتِ؛ والرَجْفاتِ؛ والخَسْفِ؛ ونَحْوِها".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا الكَلامُ - عَلى كُلِّ تَأْوِيلٍ - فَإنَّما هو بِحَذْفِ مُضافٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "أمْرُ رَبِّكَ"؛ أو: "بَطْشُ رَبِّكَ"؛ أو: "حِسابُ رَبِّكَ"؛ وإلّا فالإتْيانُ المَفْهُومُ مِنَ اللُغَةِ مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللهِ تَعالى ؛ ألا تَرى أنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ فَأتاهُمُ اللهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا  ﴾ ؟

فَهَذا إتْيانٌ قَدْ وقَعَ؛ وهو عَلى المَجازِ؛ وحَذْفِ المُضافِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أو يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ﴾ ؛ أمّا ظاهِرُ اللَفْظِ - لَوْ وقَفْنا مَعَهُ - فَيَقْتَضِي أنَّهُ تَوَعَّدَهم بِالشَهِيرِ الفَظِيعِ مِن أشْراطِ الساعَةِ؛ دُونَ أنْ يَخُصَّ مِن ذَلِكَ شَرْطًا؛ يُرِيدُ بِذَلِكَ الإبْهامَ؛ الَّذِي يَتْرُكُ السامِعَ مَعَ أقْوى تَخَيُّلِهِ؛ لَكِنْ لَمّا قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها ﴾ ؛ وبَيَّنَتِ الآثارُ الصِحاحُ؛ في البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ ؛ أنَّ الآيَةَ الَّتِي مَعَها هَذا الشَرْطُ هي طُلُوعُ الشَمْسِ مِنَ المَغْرِبِ؛ وقَوّى أنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أو يَأْتِيَ رَبُّكَ أو يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبُّكَ ﴾ ؛ إنَّما هي إلى طُلُوعِ الشَمْسِ مِن مَغْرِبِها؛ وقالَ بِهَذا التَأْوِيلِ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ؛ ويُقَوِّي أيْضًا أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى غَرْغَرَةِ الإنْسانِ عِنْدَ المَوْتِ؛ أو ما يَكُونُ في مَثابِتِها؛ لِمَن لَمْ يُغَرْغِرْ؛ فَفي الحَدِيثِ أنَّ تَوْبَةَ العَبْدِ تُقْبَلُ؛ ما لَمْ يُغَرْغِرْ؛ وهَذا إجْماعٌ؛ لِأنَّ مَن غَرْغَرَ؛ وعايَنَ؛ فَهو في عِدادِ المَوْتى؛ وكَوْنِ المَرْءِ في هَذِهِ الحالَةِ مِن آياتِ اللهِ تَعالى ؛ وهَذا عَلى مَن يَرى المَلائِكَةَ المُتَصَرِّفِينَ في قِيامِ الساعَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَمَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ تَهْدِيدُ الكافِرِينَ بِأحْوالٍ لا يَخْلُونَ مِنها؛ كَأنَّهُ قالَ: "هَلْ يَنْظُرُونَ - مَعَ إقامَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ - إلّا المَوْتَ الَّذِي لَهم بَعْدَهُ أشَدُّ العَذابِ؛ والأخْذاتِ المَعْهُودَةِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ أوِ الآياتِ الَّتِي تَرْفَعُ التَوْبَةَ؛ وتُعْلِمُ بِقُرْبِ القِيامَةِ؟".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَصِحُّ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أو يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ﴾ ؛ جَمِيعَ ما يُقْطَعُ بِوُقُوعِهِ مِن أشْراطِ الساعَةِ؛ ثُمَّ خَصَّصَ - بَعْدَ ذَلِكَ - بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ أو يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الَّتِي تَرْفَعُ التَوْبَةَ مَعَها؛ وقَدْ بَيَّنَتِ الأحادِيثُ أنَّها طُلُوعُ الشَمْسِ مِن مَغْرِبِها.

وقَرَأ زُهَيْرُ الفُرْقُبِيُّ: "يَوْمُ يَأْتِي"؛ بِالرَفْعِ؛ وهو عَلى الِابْتِداءِ؛ والخَبَرُ في الجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ: "لا يَنْفَعُ"؛ إلى آخِرِ الآيَةِ؛ والعائِدُ مِنَ الجُمْلَةِ مَحْذُوفٌ؛ لِطُولِ الكَلامِ؛ وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو ؛ وأبُو العالِيَةِ: "لا تَنْفَعُ"؛ بِتاءٍ؛ وأنَّثَ الإيمانَ؛ لَمّا أُضِيفَ إلى مُؤَنَّثٍ؛ أو لَمّا نُزِّلَ مَنزِلَةَ التَوْبَةِ؛ وقالَ جُمْهُورُ أهْلِ التَأْوِيلِ - كَما تَقَدَّمَ -: اَلْآيَةُ الَّتِي لا تَنْفَعُ التَوْبَةُ مِنَ الشِرْكِ؛ أو مِنَ المَعاصِي بَعْدَها؛ هي طُلُوعُ الشَمْسِ مِنَ المَغْرِبِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها إحْدى ثَلاثٍ؛ إمّا طُلُوعُ الشَمْسِ مِن مَغْرِبِها؛ وإمّا خُرُوجُ الدابَّةِ؛ وإمّا خُرُوجُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا فِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ الأحادِيثَ تَرُدُّهُ؛ وتُخَصِّصُ الشَمْسَ؛ ورُوِيَ في الحَدِيثِ أنَّ الشَمْسَ تَجْرِي كُلَّ يَوْمٍ حَتّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ؛ وتَسْتَأْذِنُهُ؛ فَيُؤْذَنُ لَها في الطُلُوعِ مِنَ المَشْرِقِ؛ وحَتّى إذا أرادَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - سَدَّ بابِ التَوْبَةِ؛ أمَرَها بِالطُلُوعِ مِن مَغْرِبِها؛ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ «عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "فَتَطْلُعُ هي والقَمَرُ كالبَعِيرَيْنِ القَرِينَيْنِ"؛» ويُقَوِّي النَظَرَ أيْضًا أنَّ الغَرْغَرَةَ هي الآيَةُ الَّتِي تُرْفَعُ مَعَها التَوْبَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أو كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا ﴾ ؛ يُرِيدُ جَمِيعَ أعْمالِ البِرِّ؛ فَرْضَها ونَفْلَها؛ وهَذا الفَصْلُ هو لِلْعُصاةِ المُؤْمِنِينَ؛ كَما أنَّ قَوْلَهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ ﴾ ؛ هو لِلْكُفّارِ؛ والآيَةُ المُشارُ إلَيْها تَقْطَعُ تَوْبَةَ الصِنْفَيْنِ؛ وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ: "أو كَسَبَتْ في إيمانِها صالِحًا".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلِ انْتَظِرُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ؛ أيْ: فَسَتَرَوْنَ مَن يَحِقُّ كَلامُهُ؛ ويَتَّضِحُ ما أخْبَرَ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ وَكَانُوا۟ شِيَعًۭا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ ۚ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ ١٥٩ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ١٦٠

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ إنَّما أمْرُهم إلى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والصَحابَةُ؛ وقَتادَةُ: اَلْمُرادُ بِـ "اَلَّذِينَ": اَلْيَهُودُ والنَصارى؛ أيْ: فَرَّقُوا دِينَ إبْراهِيمَ؛ الحَنِيفِيَّةَ؛ وأُضِيفَ الدِينُ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَلْتَزِمُوهُ؛ إذْ هو دِينُ اللهِ تَعالى الَّذِي ألْزَمَهُ العِبادَ؛ فَهو دِينُ جَمِيعِ الناسِ بِهَذا الوَجْهِ؛ ووَصَفَهم بِالشِيَعِ؛ إذْ كُلُّ طائِفَةٍ مِنهم لَها فِرَقٌ؛ واخْتِلافاتٌ؛ فَفي الآيَةِ حَضٌّ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى الِائْتِلافِ؛ وقِلَّةِ الِاخْتِلافِ؛ وقالَ أبُو الأحْوَصِ ؛ وأُمُّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها -؛ زَوْجُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: اَلْآيَةُ في أهْلِ البِدَعِ؛ والأهْواءِ؛ والفِتَنِ؛ ومَن جَرى مُجْراهم مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ أيْ: فَرَّقُوا دِينَ الإسْلامِ.

وَقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "فارَقُوا"؛ ومَعْناهُ: "تَرَكُوا"؛ ثُمَّ بَيَّنَ قَوْلُهُ: "وَكانُوا شِيَعًا"؛ أنَّهم فَرَّقُوهُ أيْضًا؛ والشِيَعُ: جَمْعُ "شِيعَةٌ"؛ وهي الفِرْقَةُ؛ عَلى مَقْصِدِ ما يَتَشايَعُونَ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ ﴾ ؛ أيْ: "لا تَشْفَعُ لَهُمْ؛ ولا لَهم بِكَ تَعَلُّقٌ"؛ وهَذا عَلى الإطْلاقِ في الكُفّارِ؛ وعَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ في العُصاةِ؛ والمُتَنَطِّعِينَ في الشَرْعِ؛ لِأنَّهم لَهم حَظٌّ مِن تَفْرِيقِ الدِينِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّما أمْرُهم إلى اللهِ ﴾ ؛ إلى آخِرِ الآيَةِ؛ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ والقَرِينَةُ المُتَقَدِّمَةُ تَقْتَضِي أنَّ: ﴿ أمْرُهم إلى اللهِ ﴾ ؛ فِيهِ وعِيدٌ؛ كَما أنَّ القَرِينَةَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وأمْرُهُ إلى اللهِ  ﴾ ؛ تُعْطِي أنَّ في ذَلِكَ الأمْرِ رَجاءً؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَأمْرُهُ في إقْبالٍ؛ وإلى خَيْرٍ".

وقَرَأ النَخَعِيُّ ؛ والأعْمَشُ ؛ وأبُو صالِحٍ: "فَرَّقُوا"؛ بِتَخْفِيفِ الراءِ؛ وقالَ السُدِّيُّ: هَذِهِ آيَةٌ لَمْ يُؤْمَرْ فِيها بِقِتالٍ؛ وهي مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كَلامٌ غَيْرُ مُتْقَنٍ؛ فَإنَّ الآيَةَ خَبَرٌ؛ لا يَدْخُلُهُ نَسْخٌ؛ ولَكِنَّها تَضَمَّنَتْ بِالمَعْنى أمْرًا بِمُوادَعَةٍ؛ فَيُشْبِهُ أنْ يُقالَ: إنَّ النَسْخَ وقَعَ في ذَلِكَ المَعْنى الَّذِي تَقَرَّرَ في آياتٍ أُخَرَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في الأعْرابِ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ الهِجْرَةِ؛ فَضاعَفَ اللهُ حَسَناتِهِمْ؛ لِلْحَسَنَةِ عَشْرٌ؛ وكانَ المُهاجِرُونَ قَدْ ضُوعِفَ لَهُمُ؛ لِلْحَسَنَةِ سَبْعُمِائَةٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَأْوِيلٌ يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ يَقْطَعُ العُذْرَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ؛ أيْ: "إنَّ اللهَ تَعالى يُضاعِفُ الحَسَنَةَ بِعَشْرٍ؛ ثُمَّ بَعْدَ هَذا المَضْمُونِ قَدْ يَزِيدُ ما يَشاءُ؛ وقَدْ يَزِيدُ أيْضًا عَلى بَعْضِ الأعْمالِ كَنَفَقَةِ الجِهادِ؛ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ والقاسِمُ بْنُ أبِي بَزَّةَ؛ وغَيْرُهُمْ: اَلْحَسَنَةُ هَهُنا: "لا إلَهَ إلّا اللهُ"؛ والسَيِّئَةُ: "اَلْكُفْرُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ هي الغايَةُ مِنَ الطَرَفَيْنِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ الحَسَناتِ والسَيِّئاتِ؛ وهَذا هو الظاهِرُ؛ وأُنِّثَ لَفْظُ العَشْرِ لِأنَّ الأمْثالَ هَهُنا بِالمَعْنى حَسَناتٌ؛ ويُحْتَمَلُ أنَّ الأمْثالَ أُنِّثَ لَمّا أُضِيفَ إلى مُؤَنَّثٍ؛ وهو الضَمِيرُ؛ كَما قالَ الشاعِرُ: مَشَيْنَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ ∗∗∗ أعالِيَها مَرُّ الرِياحِ النَواسِمِ فَأنَّثَ.

وقَرَأ الحَسَنُ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ والأعْمَشُ ؛ ويَعْقُوبُ: "فَلَهُ عَشْرٌ"؛ بِالتَنْوِينِ؛ "أمْثالُها"؛ بِالرَفْعِ.

ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "اَلْأعْمالُ سِتٌّ مُوجِبَةٌ ومُوجِبَةٌ؛ ومُضَعَّفَةٌ ومُضَعَّفَةٌ؛ ومِثْلٌ ومِثْلٌ؛ فَلا إلَهَ إلّا اللهُ تُوجِبُ الجَنَّةَ؛ والشِرْكُ يُوجِبُ النارَ؛ ونَفَقَةُ الجِهادِ تُضَعَّفُ سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ؛ والنَفَقَةُ عَلى الأهْلِ حَسَنَتُها بِعَشْرٍ؛ والسَيِّئَةُ جَزاؤُها مِثْلُها؛ ومَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ مِثْلُها".» وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "لا يُظْلَمُونَ"؛ ﴾ أيْ: لا يُوضَعُ في جَزائِهِمْ شَيْءٌ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ وتَقْدِيرُ الآيَةِ: "مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ ثَوابُ عَشْرِ أمْثالِها"؛ والمُماثَلَةُ بَيْنَ الحَسَنَةِ والثَوابِ مُتَرَتِّبَةٌ إذا تَدَبَّرْتَ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: قَوْلُهُ: "مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ"؛ اَلْآيَةَ؛ يُرِيدُ: مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ؛ أيْ: "مَن جاءَ مُؤْمِنًا فَلَهُ الجَنَّةُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والقَصْدُ بِالآيَةِ إلى العُمُومِ في جَمِيعِ العالَمِ ألْيَقُ بِاللَفْظِ.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ إِنَّنِى هَدَىٰنِى رَبِّىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ دِينًۭا قِيَمًۭا مِّلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ١٦١ قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٦٢ لَا شَرِيكَ لَهُۥ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ ١٦٣

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ ﴾ هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِنَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ بِالإعْلانِ بِشَرِيعَتِهِ؛ ونَبْذِ ما سِواها مِن أضالِيلِهِمْ؛ ووَصْفِ الشَرِيعَةِ بِما هي عَلَيْهِ مِنَ الحُسْنِ؛ والفَضْلِ؛ والِاسْتِقامَةِ؛ و"هَدانِي"؛ مَعْناهُ: أرْشَدَنِي بِخَلْقِ الهُدى في قَلْبِي؛ و"اَلرَّبُّ": اَلْمالِكُ؛ ولَفْظُهُ مَصْدَرٌ؛ مِن قَوْلِكَ: "رَبَّهُ؛ يَرُبُّهُ"؛ وإنَّما هو مِثْلُ "عَدْلٌ"؛ و"رِضًا"؛ في أنَّهُ مَصْدَرٌ وصِفَ بِهِ؛ وأصْلُهُ: "ذُو الرَبِّ"؛ ثُمَّ حُذِفَ المُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ فَقِيلَ: "اَلرَّبُّ".

و"اَلصِّراطُ": اَلطَّرِيقُ؛ و"دِينًا"؛ مَنصُوبٌ بِـ "هَدانِي"؛ اَلْمُقَدَّرِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ "هَدانِي"؛ اَلْأوَّلُ؛ وهَذا الضَمِيرُ إنَّما يَصِلُ وحْدَهُ دُونَ أنْ يَحْتاجَ إلى إضْمارِ "إلى"؛ إذْ "هَدى"؛ يَصِلُ بِنَفْسِهِ إلى مَفْعُولِهِ الثانِي؛ وبِحَرْفِ الجَرِّ؛ فَهو فِعْلٌ مُتَرَدِّدٌ؛ وقِيلَ: نَصَبَ "دِينًا"؛ فِعْلٌ مُضْمَرٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "عَرَّفَنِي دِينًا"؛ وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: "فاتَّبِعُوا دِينًا"؛ أو: "فالزَمُوا دِينًا"؛ وقِيلَ: نُصِبَ عَلى البَدَلِ مِن "صِراطٍ"؛ عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: "هَدانِي رَبِّي صِراطًا مُسْتَقِيمًا"؛ و"قِيَمًا"؛ نَعْتٌ لِلدِّينِ؛ ومَعْناهُ: "مُسْتَقِيمًا مُعْتَدِلًا".

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "قَيِّمًا"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ وكَسْرِ الياءِ؛ وشَدِّها؛ وأصْلُهُ: "قَيْوِمًا"؛ عُلِّلَتْ كَتَعْلِيلِ "سَيِّدٌ"؛ و"مَيِّتٌ"؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "قِيَمًا"؛ بِكَسْرِ القافِ؛ وفَتْحِ الياءِ؛ عَلى وزْنِ "فِعَلًا"؛ وكَأنَّ الأصْلَ أنْ يَجِيءَ فِيهِ: "قِوَمًا"؛ كَـ "عِوَضٌ"؛ و"حِوَلٌ"؛ إلّا أنَّهُ شَذَّ كَشُذُوذِ قَوْلِهِمْ: "جِيادٌ"؛ في جَمْعِ "جَوادٌ"؛ و"ثِيرَةٌ"؛ في جَمْعِ "ثَوْرٌ".

و"مِلَّةَ"؛ بَدَلٌ مِنَ الدِينِ؛ و"اَلْمِلَّةُ": اَلشَّرِيعَةُ؛ و"حَنِيفًا"؛ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن "إبْراهِيمَ"؛ و"اَلْحَنَفُ"؛ في كَلامِ العَرَبِ: اَلْمَيْلُ؛ وقَدْ يَكُونُ المَيْلَ إلى فَسادٍ؛ كَـ "حَنَفَ الرَجُلُ"؛ وكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ "فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا"؛  ﴾ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالحاءِ غَيْرِ المَنقُوطَةِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وقَدْ يَكُونُ الحَنَفُ إلى الصَلاحِ؛ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "اَلْحَنِيفِيَّةُ السَمْحَةُ"؛» و"اَلدِّينُ الحَنِيفُ"؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اَلْحَنَفُ: اَلِاسْتِقامَةُ؛ وإنَّما سُمِّيَ " اَلْأحْنَفُ "؛ في الرَجُلِ؛ عَلى جِهَةِ التَفاؤُلِ لَهُ.

﴿ وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ؛ نَفْيٌ لِلنَّقِيصَةِ عنهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ إنَّ صَلاتِي ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يُعْلِنَ بِأنَّ مَقْصِدَهُ في صَلاتِهِ؛ وطاعَتِهِ؛ مِن ذَبِيحَةٍ؛ وغَيْرِها؛ وتَصَرُّفِهِ مُدَّةَ حَياتِهِ؛ وحالِهِ مِنَ الإخْلاصِ والإيمانِ عِنْدَ مَماتِهِ؛ إنَّما هو لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وإرادَةَ وجْهِهِ؛ وطَلَبَ رِضاهُ؛ وفي إعْلانِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِهَذِهِ المَقالَةِ ما يُلْزِمُ المُؤْمِنِينَ التَأسِّي بِهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ حَتّى يَلْتَزِمُوا في جَمِيعِ أعْمالِهِمْ قَصْدَ وجْهِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهَذِهِ المَقالَةِ أنَّ صَلاتَهُ؛ ونُسُكَهُ؛ وحَياتَهُ؛ ومَوْتَهُ؛ بِيَدِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ يُصَرِّفُهُ في جَمِيعِ ذَلِكَ كَيْفَ يَشاءُ؛ وأنَّهُ قَدْ هَداهُ مِن ذَلِكَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ ﴾ ؛ عَلى هَذا التَأْوِيلِ؛ راجِعًا إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لا شَرِيكَ لَهُ ﴾ ؛ فَقَطْ؛ أو راجِعًا إلى القَوْلِ الأوَّلِ؛ وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَرْجِعُ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ مِن صَلاةٍ وغَيْرِها؛ أيْ: أُمِرْتُ بِأنْ أقْصِدَ وجْهَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - في ذَلِكَ؛ وأنْ ألْتَزِمَ العَمَلَ.

وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَنُسُكِي"؛ بِضَمِّ السِينِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ؛ والحَسَنُ بِإسْكانِ السِينِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلنُّسُكُ: في هَذِهِ الآيَةِ: اَلذَّبائِحُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحَسِّنُ تَخْصِيصَ الذَبِيحَةِ بِالذِكْرِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نازِلَةٌ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها؛ والجَدَلُ فِيها؛ في السُورَةِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلنُّسُكُ في هَذِهِ الآيَةِ: جَمِيعُ أعْمالِ الطاعاتِ؛ مِن قَوْلِكَ: "نَسَكَ فُلانٌ؛ فَهو ناسِكٌ"؛ إذا تَعَبَّدَ.

وقَرَأ السَبْعَةُ - سِوى نافِعٍ -: ﴿ وَمَحْيايَ ومَماتِي ﴾ ؛ بِفَتْحِ الياءِ مِن "مَحْيايَ"؛ وسُكُونِها مِن "وَمَماتِي"؛ وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "وَمَحْيايْ"؛ بِسُكُونِ الياءِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وهي شاذَّةٌ في القِياسِ؛ لِأنَّها جَمَعَتْ بَيْنَ ساكِنَيْنِ؛ وشاذَّةٌ في الِاسْتِعْمالِ؛ ووَجْهُها أنَّهُ قَدْ سُمِعَ مِنَ العَرَبِ: "اِلْتَقَتْ حَلْقَتا البِطانِ"؛ و"لِفُلانٍ ثُلُثا المالِ"؛ ورَوى أبُو خُلَيْدٍ عن نافِعٍ: "وَمَحْيايِ"؛ بِكَسْرِ الياءِ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ؛ وعِيسى ؛ والجَحْدَرِيُّ: "وَمَحْيَيَّ"؛ وهَذِهِ لُغَةُ هُذَيْلٍ؛ ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: سَبَقُوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لِهَواهُمُ ∗∗∗ فَتَصَرَّعُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "صَلاتِيَ ونُسُكِيَ ومَحْيايَ ومَماتِيَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ فِيهِنَّ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عن عاصِمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ ﴾ ؛ أيْ: مِن هَذِهِ الأُمَّةِ؛ وقالَ النَقّاشُ: "مِن أهْلِ مَكَّةَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والمَعْنى واحِدٌ؛ بَلِ الأوَّلُ أعَمُّ وأحْسَنُ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَأنا"؛ بِإشْباعِ الألِفِ؛ وجُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى القِراءَةِ "وَأنا"؛ دُونُ إشْباعٍ؛ وهَذا كُلُّهُ في الوَصْلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَرْكُ الإشْباعِ أحْسَنُ؛ لِأنَّها ألِفُ وقْفٍ؛ فَإذا اتَّصَلَ الكَلامُ اسْتُغْنِيَ عنها؛ لا سِيَّما إذا ولِيَتْها هَمْزَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبًّۭا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍۢ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ١٦٤ وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰٓئِفَ ٱلْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍۢ دَرَجَـٰتٍۢ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۢ ١٦٥

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ أغَيْرَ اللهِ أبْغِي رَبًّا وهو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ولا تَكْسِبُ كُلِّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكم إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ حَكى النَقّاشُ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ الكُفّارَ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: اِرْجِعْ يا مُحَمَّدُ إلى دِينِنا؛ واعْبُدْ آلِهَتَنا؛ واتْرُكْ ما أنْتَ عَلَيْهِ؛ ونَحْنُ نَتَكَفَّلُ لَكَ بِكُلِّ تِباعَةٍ تَتَوَقَّعُها في دُنْياكَ؛ وآخِرَتِكَ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ وهي اسْتِفْهامٌ يَقْتَضِي التَقْرِيرَ؛ والتَوْقِيفَ؛ والتَوْبِيخَ؛ و"أبْغِي"؛ مَعْناهُ: أطْلُبُ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "أفَيَحْسُنُ عِنْدَكم أنْ أطْلُبَ إلَهًا غَيْرَ اللهِ تَعالى الَّذِي هو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ؟

وما ذَكَرْتُمْ مِن كَفالَتِكم لا يَتِمُّ؛ لِأنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما تَظُنُّونَهُ؛ وإنَّما كَسْبُ كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الشَرِّ والإثْمِ عَلَيْها وحْدَها؛ "وَلا تَزِرُ"؛ أيْ: لا تَحْمِلُ؛ "وازِرَةٌ"؛ أيْ: حامِلَةُ؛ حِمْلَ أُخْرى؛ وثِقْلَها؛ والوِزْرُ أصْلُهُ الثِقْلُ؛ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإثْمِ؛ لِأنَّهُ يُنْقِضُ الظَهْرَ؛ تَجَوُّزًا واسْتِعارَةً؛ يُقالُ مِنهُ: " وزَرَ الرَجُلُ؛ يَزِرُ؛ فَهو وازِرٌ"؛ و" وزِرَ ؛ يَوْزَرُ؛ فَهو مَوْزُورٌ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ ﴾ ؛ تَهْدِيدٌ؛ ووَعِيدٌ؛ "فَيُنَبِّئُكُمْ"؛ أيْ: فَيُعْلِمُكم أنَّ العِقابَ عَلى الِاعْوِجاجِ تَبْيِينٌ لِمَوْضِعِ الحَقِّ؛ وقَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ ؛ يُرِيدُ - عَلى ما حَكى بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ -: "مِن أمْرِي؛ في قَوْلِ بَعْضِكُمْ: "هُوَ ساحِرٌ"؛ وبَعْضِكُمْ: "هُوَ شاعِرٌ"؛ وبَعْضِكُمْ: "اِفْتَراهُ"؛ وبَعْضِكُمْ: "اِكْتَتَبَهُ"؛ ونَحْوَ هَذا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَأْوِيلُ يَحْسُنُ في هَذا المَوْضِعِ؛ وإنْ كانَ اللَفْظُ يَعُمُّ جَمِيعَ أنْواعِ الِاخْتِلافاتِ؛ مِنَ الأدْيانِ؛ والمِلَلِ؛ والمَذاهِبِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وَ"خَلائِفَ"؛ جَمْعُ "خَلِيفَةٌ"؛ أيْ: يَخْلُفُ بَعْضُكم بَعْضًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا يُتَصَوَّرُ في جَمِيعِ الأُمَمِ؛ وسائِرِ أصْنافِ الناسِ؛ لِأنَّ مَن أتى خَلِيفَةٌ لِمَن مَضى؛ ولَكِنَّهُ يَحْسُنُ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُسَمّى أهْلُها - بِجُمْلَتِهِمْ - خَلائِفَ لِلْأُمَمِ؛ ولَيْسَ لَهم مَن يَخْلُفُهُمْ؛ إذْ هم آخِرُ الأُمَمِ؛ وعَلَيْهِمْ قِيامُ الساعَةِ.

ورَوى الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "تُوَفَّوْنَ سَبْعِينَ أُمَّةً؛ أنْتُمْ خَيْرُها وأكْرَمُها عَلى اللهِ"؛ ويُرْوى: "أنْتُمْ آخِرُها وأكْرَمُها عَلى اللهِ".» وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَرَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ"؛ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ في المالِ؛ والقُوَّةِ؛ والجاهِ؛ وجَوْدَةِ النُفُوسِ؛ والأذْهانِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وكُلُّ ذَلِكَ إنَّما هو لِيَخْتَبِرَ اللهُ تَعالى الخَلْقَ فَيَرى المُحْسِنَ مِنَ المُسِيءِ.

ولَمّا أخْبَرَ - عَزَّ وجَلَّ - بِهَذا؛ فَفَسَحَ لِلنّاسِ مَيْدانَ العَمَلِ؛ وحَضَّهم عَلى الِاسْتِباقِ إلى الخَيْرِ؛ تَوَعَّدَ؛ ووَعَدَ؛ تَخْوِيفًا مِنهُ تَعالى وتَرْجِيَةً؛ فَقالَ: ﴿ إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ ﴾ ؛ وسُرْعَةُ عِقابِهِ إمّا بِأخْذاتِهِ في الدُنْيا؛ وإمّا بِعِقابِ الآخِرَةِ؛ وحَسُنَ أنْ يُوصَفَ عِقابُ الآخِرَةِ بِـ "سَرِيعُ"؛ لَمّا كانَ مُتَحَقَّقًا؛ مَضْمُونَ الإتْيانِ؛ والوُقُوعِ؛ فَكُلُّ آتٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالقُرْبِ؛ ويُوصَفُ بِهِ؛ و ﴿ وَإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ؛ تَرْجِيَةٌ لِمَن أذْنَبَ وأرادَ التَوْبَةَ؛ وهَذا في كِتابِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى - كَثِيرٌ؛ اقْتِرانُ الوَعِيدِ بِالوَعْدِ؛ لُطْفًا مِنَ اللهِ تَعالى بِعِبادِهِ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ "اَلْأنْعامِ"؛ واللهُ المُسْتَعانُ؛ وهو حَسْبِي؛ ونِعْمَ الوَكِيلُ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر