الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 6 الأنعام > الآيات ٦١-٦٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وهم لا يُفَرِّطُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إلى اللهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ألا لَهُ الحُكْمُ وهو أسْرَعُ الحاسِبِينَ ﴾ "اَلْقاهِرُ": إنْ أخَذَ صِفَةَ فِعْلٍ - أيْ مَظْهَرَ القَهْرِ بِالصَواعِقِ؛ والرِياحِ؛ والعَذابِ - فَيَصِحُّ أنْ يُجْعَلَ "فَوْقَ"؛ ظَرْفِيَّةً لِلْجِهَةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ إنَّما تَعاهَدَها العِبادُ مِن فَوْقِهِمْ؛ وإنْ أخَذَ "اَلْقاهِرُ"؛ صِفَةَ ذاتٍ - بِمَعْنى القُدْرَةِ؛ والِاسْتِيلاءِ - فَـ "فَوْقَ"؛ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْجِهَةِ؛ وإنَّما هي لِعُلُوِّ القَدْرِ؛ والشَأْنِ؛ عَلى حَدِّ ما تَقُولُ: "اَلْياقُوتُ فَوْقَ الحَدِيدِ".
﴿ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "يَبُثُّهم فِيكُمْ"؛ و"حَفَظَةً"؛ جَمْعُ "حافِظٌ"؛ مِثْلُ "كاتِبٌ"؛ و"كَتَبَةٌ"؛ والمُرادُ بِذَلِكَ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِكَتْبِ الأعْمالِ؛ ورُوِيَ أنَّهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمُ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "تَتَعاقَبُ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَهارِ"؛» وقالَهُ السُدِّيُّ ؛ وقَتادَةُ ؛ وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "حَفَظَةً يَحْفَظُونَ الإنْسانَ مِن كُلِّ شَيْءٍ؛ حَتّى يَأْتِيَ أجَلُهُ"؛ والأوَّلُ أظْهَرُ؛ وكُلُّهم - غَيْرَ حَمْزَةَ - قَرَأ: "تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا"؛ عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ الجَمْعِ؛ كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ ﴾ ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ: "تَوَفّاهُ رُسُلُنا"؛ وحُجَّتُهُ أنَّ التَأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ؛ وظاهِرُ الفِعْلِ أنَّهُ ماضٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى "وَقالَ نِسْوَةٌ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: "تَتَوَفّاهُ"؛ فَتَكُونَ العَلامَةُ مُؤَنِّثَةً؛ وأمالَ حَمْزَةُ مِن حَيْثُ خَطُّ المُصْحَفِ بِغَيْرِ ألِفٍ؛ فَكَأنَّها إنَّما كُتِبَتْ عَلى الإمالَةِ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "يَتَوَفّاهُ رُسُلُنا"؛ بِزِيادَةِ ياءٍ في أوَّلِهِ؛ والتَذْكِيرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى "رُسُلُنا" يُرِيدُ بِهِ - عَلى ما ذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وجَمِيعُ أهْلِ التَأْوِيلِ - مَلائِكَةً مُقْتَرِنِينَ بِمَلَكِ المَوْتِ؛ يُعاوِنُونَهُ؛ ويَأْتَمِرُونَ لَهُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لا يُفَرِّطُونَ"؛ بِالتَشْدِيدِ؛ وقَرَأ الأعْرَجُ: "يُفْرِطُونَ"؛ بِالتَخْفِيفِ؛ وَمَعْناهُ: "يُجاوِزُونَ الحَدَّ مِمّا أُمِرُوا بِهِ"؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: فَكَما أنَّ المَعْنى في قِراءَةِ العامَّةِ: "لا يُقَصِّرُونَ"؛ فَكَذَلِكَ هو في هَذِهِ: "لا يَزِيدُونَ عَلى ما أُمِرُوا بِهِ".
ورَجَعَ اللَفْظُ في قَوْلِهِ: "رُدُّوا"؛ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ؛ والضَمِيرُ في "رُدُّوا"؛ عائِدٌ عَلى المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ؛ ويَظْهَرُ أنْ يَعُودَ عَلى العِبادِ؛ فَهو إعْلامٌ بِرَدِّ الكُلِّ؛ وجاءَتِ المُخاطَبَةُ بِالكافِ في قَوْلِهِ: "عَلَيْكُمْ"؛ تَقْرِيبًا لِلْمَوْعِظَةِ مِن نُفُوسِ السامِعِينَ؛ و"مَوْلاهُمُ"؛ لَفْظٌ عامٌّ لِأنْواعِ الوَلايَةِ؛ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ اللهِ تَعالى ؛ وبَيْنَ عَبِيدِهِ؛ مِنَ الرِزْقِ؛ والنُصْرَةِ؛ والمُحاسَبَةِ؛ والمِلْكِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وقَوْلُهُ: "اَلْحَقِّ"؛ نَعْتٌ لِـ "مَوْلاهُمُ"؛ ومَعْناهُ: اَلَّذِي لَيْسَ بِباطِلٍ؛ ولا مَجازِيٍّ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ والأعْمَشُ: "اَلْحَقَّ"؛ بِالنَصْبِ؛ وهو عَلى المَدْحِ؛ ويَصِحُّ عَلى المَصْدَرِ.
﴿ ألا لَهُ الحُكْمُ ﴾ ؛ اِبْتِداءُ كَلامٍ مُضَمَّنُهُ التَنْبِيهُ؛ وهَزُّ نَفْسِ السامِعِ؛ و"اَلْحُكْمُ"؛ تَعْرِيفُهُ لِلْجِنْسِ؛ أيْ: "جَمِيعُ أنْواعِ التَصَرُّفاتِ في العِبادِ"؛ و ﴿ أسْرَعُ الحاسِبِينَ ﴾ ؛ مُتَوَجِّهٌ عَلى أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - حِسابُهُ لِعَبِيدِهِ صادِرٌ عن عِلْمِهِ بِهِمْ؛ فَلا يَحْتاجُ في ذَلِكَ إلى إعْدادٍ؛ ولا تَكَلُّفٍ؛ سُبْحانَهُ؛ لا رَبَّ غَيْرُهُ؛ وقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: كَيْفَ يُحاسِبُ اللهُ تَعالى العِبادَ في حالٍ واحِدَةٍ؟
قالَ: "كَما يَرْزُقُهم في حالٍ واحِدَةٍ في الدُنْيا".
<div class="verse-tafsir"