الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٦٢ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 93 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٢ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ) قال ابن جرير : ( ثم ردوا ) يعني : الملائكة ( إلى الله مولاهم الحق ) ونذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد [ عن أبي هريرة في ذكر صعود الملائكة بالروح من سماء إلى سماء حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل ] حيث قال : حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا ابن أبي ذئب ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن سعيد بن يسار ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إن الميت تحضره الملائكة ، فإذا كان الرجل الصالح قالوا : اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ، اخرجي حميدة ، وأبشري بروح وريحان ، ورب غير غضبان ، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها ، فيقال : من هذا؟
فيقال : فلان ، فيقال : مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ، ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان .
فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل .
وإذا كان الرجل السوء ، قالوا : اخرجي أيتها النفس الخبيثة ، كانت في الجسد الخبيث ، اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق ، وآخر من شكله أزواج ، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ، ثم يعرج بها إلى السماء ، فيستفتح لها ، فيقال : من هذا؟
فيقال : فلان ، فيقال : لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ، ارجعي ذميمة ، فإنه لا يفتح لك أبواب السماء .
فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر ، فيجلس الرجل الصالح فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول ، ويجلس الرجل السوء فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول هذا حديث غريب ويحتمل أن يكون المراد بقوله : ( ثم ردوا إلى الله ) يعني : الخلائق كلهم إلى الله يوم القيامة ، فيحكم فيهم بعدله ، كما قال [ تعالى ] ( قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ) [ الواقعة : 49 ، 50 ] ، وقال ( وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا ) إلى قوله : ( ولا يظلم ربك أحدا ) [ الكهف : 47 - 49 ] ; ولهذا قال : ( مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين )
القول في تأويل قوله : ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم ردت الملائكة الذين توفَّوهم فقبضوا نفوسهم وأرواحهم، إلى الله سيدهم الحق، (20) " ألا له الحكم "، يقول: ألا له الحكم والقضاء دون من سواه من جميع خلقه (21) =" وهو أسرعُ الحاسبين "، يقول: وهو أسرع من حسب عددكم وأعمالكم وآجالكم وغير ذلك من أموركم، أيها الناس, وأحصاها، وعرف مقاديرها ومبالغها, (22) لأنه لا يحسب بعقد يد, ولكنه يعلم ذلك ولا يخفى عليه منه خافية, و لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (23) [سورة سبأ: 3].
---------------------------- الهوامش : (20) انظر تفسير"المولى" فيما سلف 6: 141/7 : 278 ، وغيرها من فهارس اللغة مادة (ولي).
(21) انظر تفسير"الحكم" فيما سلف 9: 175 ، 324 ، 462.
(22) انظر تفسير"الحساب" فيما سلف: 207 ، 274 ، 275/6 : 279.
(23) هذا تضمين آية"سورة سبأ": 3.
ثم ردوا إلى الله أي ردهم الله بالبعث للحساب .مولاهم الحق أي خالقهم ورازقهم وباعثهم ومالكهم .
" الحق " بالخفض قراءة الجمهور ، على النعت والصفة لاسم الله تعالى .
وقرأ الحسن " الحق " بالنصب على إضمار : أعني ، أو على المصدر ، أي حقا .ألا له الحكم أي اعلموا وقولوا : له الحكم وحده يوم القيامة ، أي القضاء والفصل .وهو أسرع الحاسبين أي لا يحتاج إلى فكرة وروية ولا عقد يد .
وقد تقدم
{ ثُمَّ } بعد الموت والحياة البرزخية، وما فيها من الخير والشر { رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ } أي: الذي تولاهم بحكمه القدري، فنفذ فيهم ما شاء من أنواع التدبير، ثم تولاهم بأمره ونهيه، وأرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، ثم ردوا إليه ليتولى الحكم فيهم بالجزاء، ويثيبهم على ما عملوا من الخيرات، ويعاقبهم على الشرور والسيئات،وَلهذا قال: { أَلَا لَهُ الْحُكْمُ } وحده لا شريك له { وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ } لكمال علمه وحفظه لأعمالهم، بما أثبتته في اللوح المحفوظ، ثم أثبته ملائكته في الكتاب، الذي بأيديهم، فإذا كان تعالى هو المنفرد بالخلق والتدبير، وهو القاهر فوق عباده، وقد اعتنى بهم كل الاعتناء، في جميع أحوالهم، وهو الذي له الحكم القدري، والحكم الشرعي، والحكم الجزائي، فأين للمشركين العدولُ عن من هذا وصفه ونعته، إلى عبادة من ليس له من الأمر شيء، ولا عنده مثقال ذرة من النفع، ولا له قدرة وإرادة؟!.
أما والله لو علموا حلم الله عليهم، وعفوه ورحمته بهم، وهم يبارزونه بالشرك والكفران، ويتجرءون على عظمته بالإفك والبهتان، وهو يعافيهم ويرزقهم لانجذبت، دواعيهم إلى معرفته، وذهلت عقولهم في حبه.
ولمقتوا أنفسهم أشد المقت، حيث انقادوا لداعي الشيطان، الموجب للخزي والخسران، ولكنهم قوم لا يعقلون.
( ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ) يعني : الملائكة ، وقيل : يعني العباد يردون بالموت إلى الله مولاهم الحق ، فإن قيل الآية في المؤمنين والكفار جميعا وقد قال في آية أخرى : " وأن الكافرين لا مولى لهم " ( محمد ، 11 ) ، فكيف وجه الجمع؟
فقيل : المولى في تلك الآية بمعنى الناصر ولا ناصر للكفار ، والمولى هاهنا بمعنى الملك الذي يتولى أمورهم ، والله عز وجل مالك الكل ومتولي الأمور ، وقيل : أراد هنا المؤمنين خاصة يردون إلى مولاهم ، والكفار فيه تبع ، ( ألا له الحكم ) أي : القضاء دون خلقه ، ( وهو أسرع الحاسبين ) أي : إذا حاسب فحسابه سريع لأنه لا يحتاج إلى فكرة وروية وعقد يد .
«ثم ردُّوا» أي الخلق «إلى الله مولاهم» مالكهم «الحق» الثابت العدل ليجزيهم «ألا له الحكم» القضاء النافذ فيهم «وهو أسرع الحاسبين» يحاسب الخلق كلهم في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك.
ثم أعيد هؤلاء المتوفون إلى الله تعالى مولاهم الحق.
ألا له القضاء والفصل يوم القيامة بين عباده وهو أسرع الحاسبين.
ثم صرح - سبحانه - بأن مصير الخلق جميعا إليه فقال : { ثُمَّ ردوا إلى الله مَوْلاَهُمُ الحق } أى : ثم رد الله - تعالى - هؤلاء الذين توفتهم الملائكة إلى مالكهم الحق الذى لا يشوب ملكه باطل ليتولى حسابهم وجزاءهم على أعمالهم .فالضمير { ردوا } يعود على الخلائق الذين توفتهم الملائكة والمدلول عليهم بأحد .
والسر فى الإفراد أولا الجمع ثانياً وقوع التوفى على الأفراد والرد على الاجتماع .
أى : ردوا بعد البعث فيحكم فيهم بعدله .
قال - تعالى - { قُلْ إِنَّ الأولين والآخرين لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } وقيل إن الضمير فى { ردوا } يعود على الملائكة .
أى : ثم ردوا أولئك الرسل بعد إتمام مهمتهم بإماتة جميع الناس فيموتون هم أيضاً .
وجملة { أَلاَ لَهُ الحكم وَهُوَ أَسْرَعُ الحاسبين } تذييل ولذلك ابتدىء بأداة الاستفتاح المؤذنة بالتنبيه إلى أهمية الخبر .أى : ألا له الحكم النافذ لا لغيره وهو - سبحانه - أسرع الحاسبين لأنه لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه الخلائق من تفكر واشتغال بحساب عن حساب .وبذلك تكون هذه الآيات الثلاث قد أقامت أقوى البراهين وأصحها على كمال قدرة الله ، ونفاذ إرادته ، ومحاسبته لعباده يوم القيامة على ما قدموا وأخروا .
اعلم أن هذا نوع آخر من الدلائل الدالة على كمال قدرة الله تعالى وكمال حكمته.
وتقريره أنا بينا فيما سبق أنه لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية الفوقية بالمكان والجهة بل يجب أن يكون المراد منها الفوقية بالقهر والقدرة، كما يقال أمر فلان فوق أمر فلان بمعنى أنه أعلى وأنفذ ومنه قوله تعالى: ﴿ يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ ومما يؤكد أن المراد ذلك أن قوله: ﴿ وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ مشعر بأن هذا القهر إنما حصل بسبب هذه الفوقية، والفوقية المفيدة لصفة القهر هي الفوقية بالقدرة لا الفوقية بالجهة، إذ المعلوم أن المرتفع في المكان قد يكون مقهوراً.
وتقرير هذا القهر من وجوه: الأول: إنه قهار للعدم بالتكوين والإيجاد، والثاني: أنه قهار للوجود بالإفناء والإفساد فإنه تعالى هو الذي ينقل الممكن من العدم إلى الوجود تارة ومن الوجود إلى العدم أخرى.
فلا وجود إلا بإيجاده ولا عدم إلا بإعدامه في الممكنات.
والثالث: أنه قهار لكل ضد بضده فيقهر النور بالظلمة والظلمة بالنور، والنهار بالليل والليل بالنهار.
وتمام تقريره في قوله: ﴿ قُلِ اللهم مالك الملك تُؤْتِى الملك مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء ﴾ .
وإذا عرفت منهج الكلام.
فاعلم أنه بحر لا ساحل له لأن كل مخلوق فله ضد، فالفوق ضده التحت، والماضي ضده المستقبل، والنور ضده الظلمة، والحياة ضدها الموت، والقدرة ضدها العجز.
وتأمل في سائل الأحوال والصفات لتعرف أن حصول التضاد بينها يقضي عليها بالمقهورية والعجز والنقصان، وحصول هذه الصفات في الممكنات يدل على أن لها مدبراً قادراً قاهراً منزهاً عن الضد والند، مقدساً عن الشبيه والشكل.
كما قال: ﴿ وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ والرابع: أن هذا البدن مؤلف من الطبائع الأربع.
وهي متنافرة متباغضة متباعدة بالطبع والخاصة فاجتماعها لابد وأن يكون بقسر قاسر وأخطأ من قال إن ذلك القاسر هو النفس الإنسانية، وهو الذي ذكره ابن سينا في الإشارات لأن تعلق النفس بالبدن إنما يكون بعد حصول المزاج واعتدال الأمشاج، والقاهر لهذه الطبائع على الاجتماع سابق على هذا الاجتماع، والسابق على حصول الاجتماع مغاير للمتأخر عن حصول الاجتماع.
فثبت أن القاهر لهذه الطبائع على الاجتماع ليس إلا الله تعالى، كما قال: ﴿ وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ وأيضاً فالجسد كثيف سفلي ظلماني فاسد عفن، والروح لطيف علوي نوراني مشرق باق طاهر نظيف، فبينهما أشد المنافرة والمباعدة.
ثم إنه سبحانه جمع بينهما على سبيل القهر والقدرة، وجعل كل واحد منهما مستكملاً بصاحبه منتفعاً بالآخر.
فالروح تصون البدن عن العفونة والفساد والتفرق، والبدن يصير آلة للروح في تحصيل السعادات الأبدية، والمعارف الإلهية، فهذا الاجتماع وهذا الانتفاع ليس إلا بقهر الله تعالى لهذه الطبائع، كما قال: ﴿ وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ وأيضاً فعند دخول الروح في الجسد أعطى الروح قدرة على فعل الضدين، ومكنة من الطرفين إلا أنه يمتنع رجحان الفعل على الترك تارة والترك على الفعل أخرى إلا عند حصول الداعية الجازمة الخالية عن المعارض.
فلما لم تحصل تلك الداعية امتنع الفعل والترك فكان إقدام الفاعل على الفعل تارة وعلى الترك أخرى بسبب حصول تلك الداعية في قلبه من الله يجري مجرى القهر فكان قاهراً لعباده من هذه الجهة، وإذا تأملت هذه الأبواب علمت أن الممكنات والمبدعات والعلويات والسفليات والذوات والصفات كلها مقهورة تحت قهر الله مسخرة تحت تسخير الله تعالى، كما قال: ﴿ وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ .
وأما قوله تعالى: ﴿ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً ﴾ فالمراد أن من جملة قهره لعباده إرسال الحفظة عليهم وهؤلاء الحفظة هم المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿ لَهُ معقبات مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله ﴾ وقوله: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ وقوله: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَٰفِظِينَ كِرَامًا كَٰتِبِينَ ﴾ واتفقوا على أن المقصود من حضور هؤلاء الحفظة ضبط الأعمال.
ثم اختلفوا فمنهم من يقول: إنهم يكتبون الطاعات والمعاصي والمباحات بأسرها بدليل قوله تعالى: ﴿ مَا لهذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا ﴾ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن مع كل إنسان ملكين: أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، فإذا تكلم الإنسان بحسنة كتبها من على اليمين، وإذا تكلم بسيئة قال من على اليمين لمن على اليسار انتظره لعله يتوب منها، فإن لم يتب كتب عليه.
والقول الأول: أقوى لأن قوله تعالى: ﴿ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً ﴾ يفيد حفظة الكل من غير تخصيص.
والبحث الثاني: أن ظاهر هذه الآيات يدل على أن اطلاع هؤلاء الحفظة على الأقوال والأفعال، أما على صفات القلوب وهي العلم والجهل فليس في هذه الآيات ما يدل على اطلاعهم عليها.
أما في الأقوال، فلقوله تعالى: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْل إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ وأما في الأعمال فلقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَٰفِظِينَ كِرَامًا كَٰتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ فأما الإيمان والكفر والإخلاص والإشراك فلم يدل الدليل على اطلاع الملائكة عليها.
البحث الثالث: ذكروا في فائدة جعل الملائكة موكلين على بني آدم وجوهاً: الأول: أن المكلف إذا علم أن الملائكة موكلون به يحصون عليه أعماله ويكتبونها في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة كان ذلك أزجر له عن القبائح.
الثاني: يحتمل في الكتابة أن يكون الفائدة فيها أن توزن تلك الصحائف يوم القيامة لأن وزن الأعمال غير ممكن، أما وزن الصحائف فممكن.
الثالث: يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد.
ويجب علينا الإيمان بكل ما ورد به الشرع سواء عقلنا الوجه فيه أو لم نعقل، فهذا حاصل ما قاله أهل الشريعة وأما أهل الحكمة فقد اختلفت أقوالهم في هذا الباب على وجوه: الوجه الأول: قال المتأخرون منهم: ﴿ وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ ومن جملة ذلك القهر أنه خلط الطبائع المتضادة ومزج بين العناصر المتنافرة، فلما حصل بينها امتزاج استعد ذلك الممتزج بسبب ذلك الامتزاج لقبول النفس المدبرة والقوى الحسية والحركية والنطقية فقالوا المراد من قوله: ﴿ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً ﴾ تلك النفوس والقوى، فإنها هى التي تحفظ تلك الطبائع المقهورة على امتزاجاتها.
والوجه الثاني: وهو قول بعض القدماء أن هذه النفوس البشرية والأرواح الإنسانية مختلفة بجواهرها متباينة بماهياتها، فبعضها خيرة وبعضها شريرة وكذا القول في الذكاء والبلادة والحرية والنذالة والشرف والدناءة وغيرها من الصفات ولكل طائفة من هذه الأرواح السفلية روح سماوي هو لها كالأب الشفيق والسيد الرحيم يعينها على مهماتها في يقظاتها ومناماتها تارة على سبيل الرؤيا، وأخرى على سبيل الإلهامات فالأرواح الشريرة لها مبادئ من عالم الأفلاك، وكذا الأرواح الخيرة وتلك المبادئ تسمى في مصطلحهم بالطباع التام يعني تلك الأرواح الفلكية في تلك الطبائع والأخلاق تامة كاملة، وهذه الأرواح السفلية المتولدة منها أضعف منها لأن المعلول في كل باب أضعف من علته ولأصحاب الطلسمات والعزائم الروحانية في هذا الباب كلام كثير.
والقول الثالث: النفس المتعلقة بهذا الجسد.
لا شك في أن النفوس المفارقة عن الأجساد لما كانت مساوية لهذه في الطبيعة والماهية فتلك النفوس المفارقة تميل إلى هذه النفس بسبب ما بينهما من المشاكلة والموافقة وهي أيضاً تتعلق بوجه ما بهذا البدن وتصير معاونة لهذه النفس على مقتضيات طبيعتها فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن الذي جاءت الشريعة الحقة به ليس للفلاسفة أن يمتنعوا عنها لأن كلهم قد أقروا بما يقرب منه وإذا كان الأمر كذلك كان إصرار الجهال منهم على التكذيب باطلاً والله أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الموت تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ﴾ فهاهنا بحثان: البحث الأول: أنه تعالى قال: ﴿ الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا ﴾ وقال: ﴿ الذى خَلَقَ الموت والحياة ﴾ فهذا النصان يدلان على أن توفي الأرواح ليس إلا من الله تعالى.
ثم قال: ﴿ قُلْ يتوفاكم مَّلَكُ الموت ﴾ وهذا يقتضي أن الوفاة لا تحصل إلا من ملك الموت.
ثم قال في هذه الآية: ﴿ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ﴾ فهذه النصوص الثلاثة كالمتناقضة.
والجواب: أن التوفي في الحقيقة يحصل بقدرة الله تعالى، وهو في عالم الظاهر مفوض إلى ملك الموت، وهو الرئيس المطلق في هذا الباب، وله أعوان وخدم وأنصار، فحسنت إضافة التوفي إلى هذه الثلاثة بحسب الاعتبارات الثلاثة والله أعلم.
البحث الثاني: من الناس من قال: هؤلاء الرسل الذين بهم تحصل الوفاة، وهم أعيان أولئك الحفظة فهم في مدة الحياة يحفظونهم من أمر الله، وعند مجيء الموت يتوفونهم، والأكثرون أن الذين يتولون الحفظ غير الذين يتولون أمر الوفاة، ولا دلالة في لفظ الآية تدل على الفرق، إلا أن الذي مال إليه الأكثرون هو القول الثاني، وأيضاً فقد ثبت بالمقاييس العقلية أن الملائكة الذين هم معادن الرحمة والخير والراحة مغايرون للذين هم أصول الحزن والغم فطائفة من الملائكة هم المسمون بالروحانيين لإفادتهم الروح والراحة والريحان، وبعضهم يسمون بالكروبيين لكونهم مبادئ الكرب والغم والأحزان.
البحث الثالث: الظاهر من قوله تعالى: ﴿ قُلْ يتوفاكم مَّلَكُ الموت ﴾ أنه ملك واحد هو رئيس الملائكة الموكلين بقبض الأرواح، والمراد بالحفظة المذكورين في هذه الآية: أتباعه، وأشياعه عن مجاهد: جعل الأرض مثل الطست لملك الموت يتناول من يتناوله، وما من أهل بيت إلا ويطوف عليهم في كل يوم مرتين، وجاء في الأخبار من صفات ملك الموت ومن كيفية موته عند فناء الدنيا وانقضائها أحوال عجيبة.
والبحث الرابع: قرأ حمزة: توفاه بالألف ممالة والباقون بالتاء، فالأول لتقديم الفعل، ولأن الجمع قد يذكر، والثاني على تأنيث الجمع.
أما قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ لاَ يُفَرّطُونَ ﴾ أي لا يقصرون فيما أمرهم الله تعالى به، وهذا يدل على أن الملائكة الموكلين بقبض الأرواح لا يقصرون فيما أمروا به.
وقوله في صفة ملائكة النار: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ ﴾ يدل على أن ملائكة العذاب لا يقصرون في تلك التكاليف، وكل من أثبت عصمة الملائكة في هذه الأحوال أثبت عصمتهم على الإطلاق، فدلت هذه الآية على ثبوت عصمة الملائكة على الإطلاق.
أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ رُدُّواْ إلى الله مولاهم الحق ﴾ ففيه مباحث: الأول: قيل المردودون هم الملائكة يعني كما يموت بنو آدم يموت أيضاً أولئك الملائكة.
وقيل: بل المردودون البشر، يعني أنهم بعد موتهم يردون إلى الله.
واعلم أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن الإنسان ليس عبارة عن مجرد هذه البنية، لأن صريح هذه الآية يدل على حصول الموت للعبد ويدل على أنه بعد الموت يرد إلى الله، والميت مع كونه ميتاً لا يمكن أن يرد إلى الله لأن ذلك الرد ليس بالمكان والجهة، لكونه تعالى متعالياً عن المكان والجهة، بل يجب أن يكون ذلك الرد مفسراً بكونه منقاداً لحكم الله مطيعاً لقضاء الله، وما لم يكن حياً لم يصح هذا المعنى فيه، فثبت أنه حصل هاهنا موت وحياة أما الموت، فنصيب البدن: فبقي أن تكون الحياة نصيباً للنفس والروح ولما قال تعالى: ﴿ ثُمَّ رُدُّواْ إلى الله ﴾ وثبت أن المرد وهو النفس والروح، ثبت أن الإنسان ليس إلا النفس والروح، وهو المطلوب.
واعلم أن قوله: ﴿ ثُمَّ رُدُّواْ إلى الله ﴾ مشعر بكون الروح موجودة قبل البدن، لأن الرد من هذا العالم إلى حضرة الجلال: إنما يكون لو أنها كانت موجودة قبل التعلق بالبدن، ونظيره قوله تعالى: ﴿ ارجعى إلى رَبّكِ ﴾ وقوله: ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾ ونقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام» وحجة الفلاسفة على إثبات أن النفوس البشرية غير موجودة قبل وجود البدن حجة ضعيفة بينا ضعفها في الكتب العقلية.
البحث الثاني: كلمة إلى تفيد انتهاء الغاية فقوله إلى الله يشعر بإثبات المكان والجهة لله تعالى وذلك باطل فوجب حمله على أنهم ردوا إلى حيث لا مالك ولا حاكم سواه.
البحث الثالث: أنه تعالى سمى نفسه في هذه الآية باسمين: أحدهما المولى، وقد عرفت أن لفظ المولى، ولفظ الولي مشتقان من الولي: أي القرب، وهو سبحانه القريب البعيد الظاهر الباطن لقوله تعالى: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد ﴾ وقوله: ﴿ مَا يَكُونُ مِن نجوى ثلاثة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ ﴾ وأيضاً المعتق يسمى بالمولى، وذلك كالمشعر بأنه أعتقهم من العذاب، وهو المراد من قوله: سبقت رحمتي غضبي وأيضاً أضاف نفسه إلى العبد فقال: ﴿ مولاهم الحق ﴾ وما أضافهم إلى نفسه وذلك نهاية الرحمة، وأيضاً قال: مولاهم الحق، والمعنى أنهم كانوا في الدنيا تحت تصرفات الموالي الباطلة وهي النفس والشهوة والغضب كما قال: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ ﴾ فلما مات الإنسان تخلص من تصرفات الموالي الباطلة، وانتقل إلى تصرفات المولى الحق.
والاسم الثاني الحق: واختلفوا هل هو من أسماء الله تعالى، فقيل: الحق مصدر.
وهو نقيض الباطل، وأسماء المصادر لا تجري على الفاعلين إلا مجازاً كقولنا فلان عدل ورجاء وغياث وكرم وفضل، ويمكن أن يقال: الحق هو الموجود وأحق الأشياء بالموجودية هو الله سبحانه لكونه واجباً لذاته، فكان أحق الأشياء بكونه حقاً هو هو، واعلم أنه قرئ الحق بالنصب على المدح كقولك: الحمد لله الحق.
أما قوله: ﴿ أَلاَ لَهُ الحكم وَهُوَ أَسْرَعُ الحاسبين ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ أَلاَ لَهُ الحكم ﴾ معناه أنه لا حكم إلا لله.
ويتأكد ذلك بقوله: ﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ ، وذلك يوجب أنه لا حكم لأحد على شيء إلا الله، وذلك يوجب أن الخير والشر كله يحكم الله وقضائه، فلولا أن الله حكم للسعيد بالسعادة والشقي بالشقاوة، وإلا لما حصل ذلك.
المسألة الثانية: قال أصحابنا هذه الآية تدل على أن الطاعة لا توجب الثواب والمعصية لا توجب العقاب، إذ لو ثبت ذلك لثبت للمطيع على الله حكم، وهو أخذ الثواب، وذلك ينافي ما دلت الآية عليه أنه لا حكم إلا لله.
المسألة الثالثة: احتج الجبائي بهذه الآية على حدوث كلام الله تعالى.
قال لو كان كلامه قديماً لوجب أن يكون متكلماً بالمحاسبة.
الآن: وقبل خلقه، وذلك محال لأن المحاسبة تقتضي حكاية عمل تقدم وأصحابنا عارضوه بالعلم، فإنه تعالى كان قبل الخلق عالماً بأنه سيوجد، وبعد وجوده صار عالماً بأنه قبل ذلك وجد، فلم يلزم منه تغير العلم، فلم لا يجوز مثله في الكلام.
والله أعلم.
المسألة الرابعة: اختلفوا في كيفية هذا الحساب، فمنهم من قال: إنه تعالى يحاسب الخلق بنفسه دفعة واحدة، لا يشغله كلام عن كلام، ومنهم من قال بل يأمر الملائكة حتى أن كل واحد من الملائكة يحاسب واحداً من العباد، لأنه تعالى لو حاسب الكفار بنفسه لتكلم معهم، وذلك باطل لقوله تعالى في صفة الكفار، ﴿ ولا يكلمهم ﴾ ، وأما الحكماء فلهم كلام في تفسير هذا الحساب، وهو أنه إنما يتخلص بتقديم مقدمتين.
فالمقدمة الأولى: أن كثرة الأفعال وتكررها توجب حدوث الملكات الراسخة القوية الثابتة والاستقراء التام يكشف عن صحة ما ذكرناه.
ألا ترى أن كل من كانت مواظبته على عمل من الأعمال أكثر كان رسوخ الملكة التامة على ذلك العمل منه فيه أقوى.
المقدمة الثانية: إنه لما كان تكرر العمل يوجب حصول الملكة الراسخة، وجب أن يكون لكل واحد من تلك الأعمال أثر في حصول تلك الملكة، بل كان يجب أن يكون لكل جزء من أجزاء العمل الواحد أثر بوجه ما في حصول تلك الملكة، والعقلاء ضربوا لهذا الباب أمثلة.
المثال الأول: أنا لو فرضنا سفينة عظيمة بحيث لو ألقي فيها مائة ألف من فإنها تغوص في الماء بقدر شبر واحد، فلو لم يلق فيها إلا حبة واحدة من الحنطة، فهذا القدر من إلقاء الجسم الثقيل في تلك السفينة يوجب غوصها في الماء بمقدار قليل، وإن قلت وبلغت في القلة إلى حيث لا يدركها الحس ولا يضبطها الخيال.
المثال الثاني: أنه ثبت عند الحكماء أن البسائط أشكالها الطبيعية كرات فسطح الماء يجب أن يكون كرة والقسى المشابهة من الدوائر المحيطة بالمركز الواحد متفاوتة، فإن تحدب القوس الحاصل من الدائرة العظمى يكون أقل من تحدب القوس المشابهة للأولى من الدائرة الصغرى وإذا كان الأمر كذلك فالكوز إذا ملئ من الماء، ووضع تحت الجبل كانت حدبة سطح ذلك الماء أعظم من حدبته عندما يوضع الكوز فوق الجبل، ومتى كانت الحدبة أعظم وأكثر كان احتمال الماء بالكوز أكثر، فهذا يوجب أن احتمال الكوز للماء حال كونه تحت الجبل أكثر من احتماله للماء حال كونه فوق الجبل، إلا أن هذا القدر من التفاوت بحيث لا يفي بإدراكه الحس والخيال لكونه في غاية القلة.
والمثال الثالث: إن الإنسانين اللذين يقف أحدهما بالقرب من الآخر، فإن رجليهما يكونان أقرب إلى مركز العالم من رأسيهما، لأن الأجرام الثقيلة تنزل من فضاء المحيط إلى ضيق المركز، إلا أن ذلك القدر من التفاوت لا يفي بإدراكه الحس والخيال.
فإذا عرفت هذه الأمثلة: وعرفت أن كثرة الأفعال توجب حصول الملكات فنقول: لا فعل من أفعال الخير والشر بقليل ولا كثير، إلا ويفيد حصول أثر في النفس.
إما في السعادة، وإما في الشقاوة، وعند هذا ينكشف بهذا البرهان القاطع صحة قوله تعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ ﴾ ولما ثبت أن الأفعال توجب حصول الملكات والأفعال الصادرة من اليد، فهي المؤثرة في حصول الملكة المخصوصة، وكذلك الأفعال الصادرة من الرجل، فلا جرم تكون الأيدي والأرجل شاهدة يوم القيامة على الإنسان، بمعنى أن تلك الآثار النفسانية، إنما حصلت في جواهر النفوس بواسطة هذه الأفعال الصادرة عن هذه الجوارح، فكان صدور تلك الأفعال من تلك الجارحة المخصوصة جارياً مجرى الشهادة لحصول تلك الآثار المخصوصة في جوهر النفس، وأما الحساب: فالمقصود منه معرفة ما بقي من الدخل والخرج، ولما بينا أن لكل ذرة من أعمال الخير والشر أثراً في حصول هيئة من هذه الهيئات في جوهر النفس، إما من الهيئات الزاكية الطاهرة أو من الهيئات المذمومة الخسيسة، ولا شك أن تلك الأعمال كانت مختلفة.
فلا جرم كان بعضها يتعارض بالبعض، وبعد حصول تلك المعارضات بقي في النفس قدر مخصوص من الخلق الحميد، وقدر آخر من الخلق الذميم، فإذا مات الجسد ظهر مقدار ذلك الخلق الحميد، ومقدار ذلك الخلق الذميم، وذلك الظهور إنما يحصل في الآن الذي لا ينقسم، وهو الآن الذي فيه ينقطع تعلق النفس من البدن، فعبر عن هذه الحالة بسرعة الحساب، فهذه أقوال ذكرت في تطبيق الحكمة النبوية على الحكمة الفلسفية، والله العالم بحقائق الأمور.
<div class="verse-tafsir"
﴿ حَفَظَةً ﴾ ملائكة حافظين لأعمالكم وهم الكرام الكاتبون.
وعن أبي حاتم السجستاني أنه كان يكتب عن الأصمعي كل شيء يلفظ به من فوائد العلم، حتى قال فيه: أنت شبيه الحفظة، تكتب لغط اللفظة: فقال أبو حاتم: وهذا أيضاً مما يكتب.
فإن قلت: الله تعالى غنيّ بعلمه عن كتبة الملائكة، فما فائدتها؟
قلت: فيها لطف للعباد، لأنهم إذا علموا أن الله رقيب عليهم والملائكة الذين هم أشرف خلقه موكلون بهم يحفظون عليهم أعمالهم ويكتبونها في صحائف تعرض على رؤس الأشهاد في مواقف القيامة، كان ذلك أزجر لهم عن القبيح وأبعد عن السوء ﴿ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ﴾ أي استوفت روحه وهم ملك الموت وأعوانه.
وعن مجاهد: جعلت الأرض له مثل الطست يتناول من يتناوله.
وما من أهل بيت إلاّ ويطوف عليهم في كل يوم مرّتين.
وقرئ: ﴿ توفاه ﴾ ، ويجوز أن يكون ماضياً ومضارعاً بمعنى تتوفاه.
و ﴿ يُفَرّطُونَ ﴾ بالتشديد والتخفيف، فالتفريط التواني والتأخير عن الحدّ، والإفراط مجاوزة الحدّ أي لا ينقصون مما أمروا به أو لا يزيدون فيه ﴿ ثُمَّ رُدُّواْ إلى الله ﴾ أي إلى حكمه وجزائه ﴿ مولاهم ﴾ مالكهم الذي يلي عليهم أمورهم ﴿ الحق ﴾ العدل الذي لا يحكم إلاّ بالحق ﴿ أَلاَ لَهُ الحكم ﴾ يومئذ لا حكم فيه لغيره ﴿ وَهُوَ أَسْرَعُ الحاسبين ﴾ لا يشغله حساب عن حساب.
وقرئ: ﴿ الحقَّ ﴾ بالنصب على المدح كقولك: الحمد لله الحقَّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً ﴾ مَلائِكَةً تَحْفَظُ أعَمَلَكُمْ، وهُمُ الكِرامُ الكاتِبُونَ، والحِكْمَةُ فِيهِ أنَّ المُكَلَّفَ إذا عَلِمَ أنَّ أعْمالَهُ تُكْتَبُ عَلَيْهِ وتُعْرَضُ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ كانَ أزْجَرَ عَنِ المَعاصِي، وأنَّ العَبْدَ إذا وثِقَ بِلُطْفِ سَيِّدِهِ واعْتَمَدَ عَلى عَفْوِهِ وسَتْرِهِ لَمْ يَحْتَشِمْ مِنهُ احْتِشامَهُ مِن خَدَمِهِ المُطَّلِعِينَ عَلَيْهِ.
﴿ حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا ﴾ مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ.
وقَرَأ حَمْزَةُ «تَوَفّاهُ» بِالألْفِ مُمالَةٌ.
﴿ وَهم لا يُفَرِّطُونَ ﴾ بِالتَّوانِي والتَّأْخِيرِ.
وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ، والمَعْنى: لا يُجاوِزُونَ ما حُدَّ لَهم بِزِيادَةٍ أوْ نُقْصانٍ.
﴿ ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ ﴾ إلى حُكْمِهِ وجَزائِهِ.
﴿ مَوْلاهُمُ ﴾ الَّذِي يَتَوَلّى أمْرَهم.
﴿ الحَقِّ ﴾ العَدْلِ الَّذِي لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ.
﴿ ألا لَهُ الحُكْمُ ﴾ يَوْمَئِذٍ لا حُكْمَ لِغَيْرِهِ فِيهِ.
﴿ وَهُوَ أسْرَعُ الحاسِبِينَ ﴾ يُحاسِبُ الخَلائِقَ في مِقْدارِ حَلْبِ شاةٍ لا يَشْغَلُهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ.
<div class="verse-tafsir"
ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)
{ثُمَّ رُدُّواْ إلى الله} إلى حكمه وجزائه أي رد المتوفون برد الملائكة {مولاهم} مالكهم الذي يلي عليهم أمورهم {الحق} العدل الذي لا يحكم إلا بالحق وهما صفتان لله {أَلاَ لَهُ الحكم} يومئذ لا حكم فيه لغيره {وَهُوَ أَسْرَعُ الحاسبين} لا يشغله حساب عن حساب يحاسب جميع الخلق في مقدار حلب شاة وقيل الرد إلى من رباك خير من البقاء مع من آذاك
﴿ ثُمَّ رُدُّوا ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ تَوَفَّتْهُ ﴾ والضَّمِيرُ -كَما قِيلَ- لِلْكُلِّ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِأحَدٍ وهو السِّرُّ في مَجِيئِهِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، والإفْرادُ أوَّلًا والجَمْعُ آخِرًا لِوُقُوعِ التَّوَفِّي عَلى الانْفِرادِ والرَّدِّ عَلى الِاجْتِماعِ وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ فِيهِ التِفاتًا مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ ومِنَ المُتَكَلِّمِ إلَيْها لِأنَّ الرَّدَّ يُناسِبُهُ الغَيْبَةُ بِلا شُبْهَةٍ وإنْ لَمْ يَكُنِ الرَّدُّ حَقِيقَةً لِأنَّهم ما خَرَجُوا مِن قَبْضَةِ حُكْمِهِ سُبْحانَهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ونَقَلَ الإمامُ القَوْلَ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى الرُّسُلِ أيْ أنَّهم يَمُوتُونَ كَما يَمُوتُ بَنُو آدَمَ، والأوَّلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ غالِبُ المُفَسِّرِينَ، المُرادُ ﴿ ثُمَّ رُدُّوا ﴾ بَعْدَ البَعْثِ والحَشْرِ أوْ مِنَ البَرْزَخِ ﴿ إلى اللَّهِ ﴾ أيْ إلى حُكْمِهِ وجَزائِهِ أوْ إلى مَوْضِعِ العَرْضِ والسُّؤالِ ﴿ مَوْلاهُمُ ﴾ أيْ مالِكِهِمُ الَّذِي يَلِي أُمُورَهم عَلى الِإطْلاقِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ ﴾ لِأنَّ المَوْلى فِيهِ بِمَعْنى النّاصِرِ (الحَقِّ) أيِ العَدْلِ أوْ مُظْهِرِ الحَقِّ أوِ الصّادِقِ الوَعْدِ وذَكَرَ حُجَّةُ الإسْلامِ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ أنَّ الحَقَّ مُقابِلُ الباطِلِ وكُلَّ ما يُخْبَرُ عَنْهُ فَإمّا باطِلٌ مُطْلَقًا وإمّا حَقٌّ مُطْلَقًا وإمّا حَقٌّ مِن وجْهٍ باطِلٌ مِن وجْهٍ، فالمُمْتَنِعُ بِذاتِهِ هو الباطِلُ مُطْلَقًا والواجِبُ بِذاتِهِ هو الحَقُّ مُطْلَقًا، والمُمْكِنُ بِذاتِهِ الواجِبُ بِغَيْرِهِ حَقٌّ مِن وجْهٍ باطِلٌ مَن وجْهٍ، فَمِن حَيْثُ ذاتِهِ لا وُجُودَ لَهُ فَهو باطِلٌ ومِن جِهَةِ غَيْرِهِ مُسْتَفِيدٌ لِلْوُجُودِ فَهو حَقٌّ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي يَلِي مُفِيدَ الوُجُودِ، فَمَعْنى الحَقَّ المُطْلَقِ هو المَوْجُودُ الحَقِيقِيُّ بِذاتِهِ الَّذِي مِنهُ يُؤْخَذُ كُلُّ حَقِيقَةٍ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ تَعالى، وهَذا هو مُرادُ القائِلِ إنَّ الحَقَّ هو الثّابِتُ الباقِي الَّذِي لا فَناءَ لَهُ، وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ أنَّ لَفْظَ المَوْلى والوَلِيِّ مُشْتَقّانِ مِنَ القُرْبِ وهو سُبْحانُهُ القَرِيبُ ويُطْلَقُ المَوْلى أيْضًا عَلى المُعَتَّقِ، وذَلِكَ كالمُشْعِرِ بِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ أعْتَقَهم مِنَ العَذابِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ”سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي“، وأيْضًا أضافَ نَفْسَهُ إلى العَبِيدِ وما أضافَهم إلى نَفْسِهِ وذَلِكَ نِهايَةُ الرَّحْمَةِ وأيْضًا قالَ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ﴾ والمَعْنى أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا تَحْتَ تَصَرُّفاتِهِ المَوالِي الباطِلَةِ وهي النَّفْسُ والشَّهْوَةُ والغَضَبُ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ ﴾ فَلَمّا ماتَ الإنْسانُ تَخَلَّصَ مِن تَصَرُّفاتِ المَوالِي الباطِلَةِ وانْتَقَلَ إلى تَصَرُّفِ المَوْلى الحَقِّ انْتَهى، وهو كَما تَرى وادَّعى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ مُجَرَّدِ هَذِهِ البِنْيَةِ لِأنَّ صَرِيحَها يَدُلُّ عَلى حُصُولِ المَوْتِ لِلْعَبْدِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ بَعْدَ المَوْتِ يُرَدُّ إلى اللَّهِ تَعالى، والمَيِّتُ مَعَ كَوْنِهِ مَيِّتًا لا يُمْكِنُ أنْ يُرَدَّ إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّ ذَلِكَ الرَّدَّ لَيْسَ بِالمَكانِ والجِهَةِ لِتَعالِيهِ سُبْحانَهُ عَنْهُما بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُفَسَّرًا بِكَوْنِهِ مُنْقادًا لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى مُطِيعًا لِقَضائِهِ، وما لَمْ يَكُنْ حَيًّا لا يَصِحُّ هَذا المَعْنى فِيهِ فَثَبَتَ أنَّهُ حَصَلَ هَهُنا مَوْتٌ وحَياةٌ أمّا المَوْتُ فَنَصِيبُ البَدَنِ فَتَبْقى الحَياةُ نَصِيبَ الرُّوحِ، ولَمّا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ رُدُّوا ﴾ وثَبَتَ أنَّ المَرْدُودَ هو الرُّوحُ ثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ إلّا هي وهو المَطْلُوبُ، وكَذا تُشْعِرُ بِكَوْنِ الرُّوحِ مَوْجُودَةً قَبْلَ التَّعَلُّقِ بِالبَدَنِ لِأنَّ الرَّدَّ مِن هَذا العالَمِ إلى حَضْرَةِ الجَلالِ إنَّما يَكُونُ لَوْ كانَتْ مَوْجُودَةً كَذَلِكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ﴾ ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ، وقُرِئَ (الحَقَّ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَفْعُولِ المُطْلَقِ أيِ الرَّدِّ الحَقِّ فَلا يَكُونُ حِينَئِذٍ المُرادُ بِهِ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ والأوَّلُ أظْهَرُ، ﴿ ألا لَهُ الحُكْمُ ﴾ يَوْمَئِذٍ صُورَةً ومَعْنًى لا لِغَيْرِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الطّاعَةَ لا تُوجِبُ الثَّوابَ والمَعْصِيَةَ لا تُوجِبُ العِقابَ إذْ لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَثَبَتَ لِلْمُطِيعِ عَلى اللَّهِ تَعالى حُكْمٌ وهو أخْذُ الثَّوابِ وهو يُنافِي ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ مِنَ الحَصْرِ ﴿ وهُوَ أسْرَعُ الحاسِبِينَ ﴾ 26 - يُحاسِبُ جَمِيعَ الخَلائِقِ بِنَفْسِهِ في أسْرَعِ زَمانٍ وأقْصَرِهِ، ويَلْزَمُ هَذا أنْ لا يَشْغَلَهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ ولا شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، وفي الحَدِيثِ أنَّهُ تَعالى يُحاسِبُ الكُلَّ في مِقْدارِ حَلْبِ شاةٍ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ في مِقْدارِ نِصْفِ يَوْمٍ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ تَعالى لا يُحاسِبُ الخَلْقَ بِنَفْسِهِ بَلْ يَأْمُرُ سُبْحانَهُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَيُحاسِبُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم واحِدًا مِنَ العِبادِ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ إنَّما يُحاسِبُ المُؤْمِنِينَ بِنَفْسِهِ وأمّا الكُفّارُ فَتُحاسِبُهُمُ المَلائِكَةُ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ حاسَبَهم لَتَكَلَّمَ مَعَهم وذَلِكَ باطِلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى في صِفَتِهِمْ: (ولا يُكَلِّمُهُمْ) وأجابَ الأوَّلُونَ عَنْ هَذا بِأنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى لا يُكَلِّمُهم بِما يَنْفَعُهم فَإنَّ ظَواهِرَ الآياتِ ومِنها ما تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ تَدَلُّ عَلى تَكْلِيمِهِ تَعالى لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ ثُمَّ أنَّ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ الحِسابِ مِمّا لا يُحِيطُ بِتَفْصِيلِها عُقُولُ البَشَرِ مِن طَرِيقِ الكُفْرِ أصْلًا، ولَيْسَ لَنا إلّا الإيمانُ بِهِ مَعَ تَفْوِيضِ الكَيْفِيَّةِ وتَفْصِيلِها إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، وادَّعى الفَلاسِفَةُ أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ وتَكَرُّرَها يُوجِبُ حُدُوثَ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ، وأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ في حُصُولِ تِلْكَ المَلَكَةِ بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ العَمَلِ الواحِدِ أثَرٌ بِوَجْهٍ ما في ذَلِكَ، وحِينَئِذٍ يُقالُ إنَّ الأفْعالَ الصّادِرَةَ مِنَ اليَدِ هي المُؤَثِّرَةُ في حُصُولِ المَلَكَةِ المَخْصُوصَةِ وكَذَلِكَ الأفْعال الصّادِرَةِ مِنَ الرِّجِلِ فَتَكُونُ الأيْدِي والأرْجُلُ شاهِدَةً عَلى الإنْسانِ بِمَعْنى أنَّ تِلْكَ الآثارَ النَّفْسانِيَّةَ إنَّما حَصَلَتْ في جَواهِرِ النُّفُوسِ بِواسِطَةِ هَذِهِ الأفْعالِ الصّادِرَةِ عَنْ هَذِهِ الجَوارِحِ، فَكانَ ذَلِكَ الصُّدُورُ جارِيًا مَجْرى الشَّهادَةِ بِحُصُولِ تِلْكَ الآثارِ في جَواهِرِ النَّفْسِ، وأمّا الحِسابُ فالمَقْصُودُ مِنهُ اسْتِعْلامُ ما بَقِيَ مِنَ الدَّخْلِ والخَرْجِ، ولَمّا كانَ لِكُلِّ ذَرَّةٍ مِنَ الأعْمالِ أثَرٌ حَسَنٌ أوْ قَبِيحٌ حَسَبَ حُسْنِ العَمَلِ وقُبْحِهِ، ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ الأعْمالَ كانَتْ مُخْتَلِفَةً فَلا جَرَمَ كانَ بَعْضُها مُعارَضًا بِالبَعْضِ وبَعْدَ حُصُولِ المُعارَضَةِ يَبْقى في النَّفْسِ قَدْرٌ مَخْصُوصٌ مِنَ الخُلُقِ الحَمِيدِ وقَدْرٌ آخَرُ مِنَ الذَّمِيمِ فَإذا ماتَ الجَسَدُ ظَهَرَ مِقْدارُ ذَلِكَ، وهو إنَّما يَحْصُلُ في الآنِ الَّذِي لا يَنْقَسِمُ وهو الآنُ الَّذِي فِيهِ فَيُقْطَعُ فِيهِ تَعَلُّقُ النَّفْسِ مِنَ البَدَنِ فَعُبِّرَ عَنْ هَذِهِ الحالَةِ بِسُرْعَةِ الحِسابِ، وزَعَمَ مَن نَقَلَ عَنْهم أنَّهُ مِن تَطْبِيقِ الحِكْمَةِ النَّبَوِيَّةِ عَلى الحِكْمَةِ الفَلْسَفِيَّةِ، وأنا أقُولُ: راحَتْ مُشْرِقَةً ورُحْتَ مَغْرِبًا شَتّانَ بَيْنِ مَشْرِقٍ ومَغْرِبٍ.
<div class="verse-tafsir"
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ يعني: القادر الغالب عليهم وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً والحفظة جمع الحافظ، مثل الكتبة والكاتب.
يعني به: الملائكة موكلين ببني آدم، ملكين بالليل، وملكين بالنهار، ويكتب أحدهما الخير، والآخر الشر.
فإذا مشى يكون أحدهما بين يديه، والآخر خلفه، فإذا جلس يكون أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله.
كقوله: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 17- 18] ويقال: لكل إنسان خمسة من الملائكة: اثنان بالليل، واثنان بالنهار، والخامس لا يفارقه لا ليلاً ولا نهاراً.
وقوله تعالى: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ يعني: حضر أحدكم الوفاة عند انقضاء أجله تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا يعني: ملك الموت وأعوانه وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ يعني: لا يؤخرون طرفة عين.
قرأ حمزة توفاه بلفظ التذكير بالإمالة.
وقرأ الباقون: تَوَفَّتْهُ بلفظ التأنيث.
لأن فعل الجماعة إذا تقدم على الاسم جاز أن يذكر ويؤنث.
ويقال: معه سبعون من ملائكة الرحمة وسبعون من ملائكة العذاب، فإذا قبض نفساً مؤمنة دفعها إلى ملائكة الرحمة فيبشرونها بالثواب، ويصعدون بها إلى السماء.
وإذا قبض نفساً كافرة دفعها إلى ملائكة العذاب، فيبشرونها بالعذاب، ويفزعونها، ثم يصعدون بها إلى السماء، ثم ترد إلى سجّين، وروح المؤمن إلى عليين ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ يعني: يرد أمورهم إلى الله تعالى أَلا لَهُ الْحُكْمُ ألا: كلمة التنبيه ومعناه: اعلموا أن الحكم لله تعالى في خلقه ما يشاء، ويقضي بينهم يوم القيامة وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ يعني: إذا حاسب فحسابه سريع.
ويقال: وهو أحكم الحاكمين وأعدل القاضين.
وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان: ٣٤] » انتهى «١» .
وقوله سبحانه: مِنْ وَرَقَةٍ، أي: من وَرَقِ النَّبَاتِ، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ، يريدُ: في أشدِّ حالِ التَّغَيُّبِ، وحكى بعضُ النَّاسِ عن جَعْفَرِ بنِ محمَّد قولاً: / أنَّ الورقَةَ يُرَادُ بها السِّقْطُ مِنْ أولادِ بني آدم، والحَبَّة: يرادُ بها الذي لَيْسَ بِسِقْطٍ، والرَّطْب يرادُ به الحَيُّ، واليابسُ يراد به المَيِّت، وهذا قولٌ جارٍ على طريقةِ الرُّمُوز، ولا يصحُّ عن جعفر بن محمَّد، ولا ينبغي أن يُلْتَفَتَ إلَيْه «٢» .
وقوله تعالى: إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ، قيل: يعني كتاباً على الحقيقةِ، ووجْهُ الفائدة فيه امتحان ما يكتبه الحَفَظَةُ، وذلك أنَّه رُوِيَ أنَّ الحَفَظَةَ يرفَعُونَ مَا كَتَبُوهُ، ويُعَارِضُونَهُ بهذا الكِتَابِ المُشَارِ إلَيْه ليتحقَّقوا صِحَّة ما كتبوه، وقيل: المراد بقوله: إِلَّا فِي كِتابٍ: عِلْمِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ المحيطِ بكلِّ شيءٍ.
قال الفَخْرُ «٣» : وهذا هو الأصْوَبُ، ويجوزُ أنْ يقالَ: ذَكر تعالى ما ذَكَر مِنَ الوَرَقَةِ وَالحَبَّة تنبيهاً للمكلَّفين على أمر الحساب.
انتهى.
قال مَكِّيٌّ: قالَ عبْدُ اللَّه بْنُ الحارِثِ: ما في الأرْض شَجَرٌ، ولا مَغْرَزُ إبرةٍ إلاَّ علَيْها مَلَكٌ، موكَّل، يأتي اللَّه بعلْمها بيَبَسِها إذا يَبِسَتْ، ورُطُوبَتِها إذا رَطِبَتْ «٤» .
وقيل: المعنى في كَتْبِها أنه لتعظيمِ الأمرِ، ومعناه: اعلموا أنَّ هذا الذي لَيْسَ فيه ثوابٌ ولا عقابٌ- مكتوبٌ فكيف ما فِيهِ ثوابٌ أو عقاب.
انتهى من «الهداية» .
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (٦٢) قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤)
وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ، يعني به: النّوم، ويَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ، أي: مَا كَسَبْتم بالنَّهار، ويحتمل أنْ يكون جَرَحْتُمْ هنا من الجرح كأن الذنْبَ جرح في الدِّين، والعربُ تقولُ:
............
...
وَجُرْحُ اللّسان كجرح اليد «١»
ويَبْعَثُكُمْ: يريد به الإيقاظَ، والضميرُ في فِيهِ عائدٌ على النهار قاله مجاهد وغيره «٢» ، ويحتملُ أنْ يعود الضمير على التوفِّي، أي: يوقظُكُم في التوفِّي، أي: في خلالِهِ وتضاعِيفِهِ قاله عبد الله بن «٣» كثير.
ولِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى: المراد به آجالُ بني آدمَ، ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ يريدُ:
بالبَعْثِ والنشورِ، ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ، أي: يُعْلِمُكُمْ إعلامَ توقيفٍ، ومحاسبةٍ، ففي هذه الآية إيضاحُ الآياتِ المنصوبةِ للنَّظَر، وفيها ضَرْبُ مثالٍ للبعْثِ من القبور لأن هذا أيضاً إماتةٌ وبعْثٌ على نَحوٍ مَّا.
وقوله سبحانه: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ: القاهرُ إنْ أُخِذَ صِفَةَ فِعْلٍ، أي: مظهر القَهْر بالصواعقِ والرياحِ والعذابِ، فيصحُّ أنْ تجعل فَوْقَ ظرفيةً للجهةِ لأن هذه الأشياء إنما تعاهَدَها العبادُ مِنْ فوقهم، وإنْ أُخِذَ الْقاهِرُ صفَةَ ذَاتٍ، بمعنى القُدْرة والاستيلاء، ف فَوْقَ: لا يجوزُ أنْ تكون للجهةِ، وإنما هي لعلُوِّ القَدْر والشِّأن على حد ما تقولُ: اليَاقُوتُ فَوْقَ الحديد، والأحرار فوق العبيد، ويُرْسِلُ عَلَيْكُمْ: معناه: يبثّهم فيكم، وحَفَظَةً: جمع حَافِظٍ، والمراد بذلكَ الملائكةُ الموكَّلون بكَتْبِ الأعمال، ورُوِيَ أنهم الملائكةُ الَّذين قالَ فيهِمُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يتعاقب فيكم ملائكة باللّيل وملائكة
بِالنَّهَارِ» «١» وقال السُّدِّيُّ وقتادة «٢» ، وقال بعْض المفسِّرين: حَفَظَةً يَحفظُونَ الإنسانَ مِنْ كلِّ شيءٍ حتى يأتي أجله، والأول أظهر.
وقرأ «٣» حمزةُ وحْده: «تَوَفَّاهُ» .
وقوله تعالى: رُسُلُنا: يريد به على ما ذكر ابنُ عباس، وجميعُ أهل التأويل:
ملائكةً مقترنينَ بمَلَكِ المَوْت، يعاونونه ويَأْتَمِرُونَ له «٤» ، ثُمَّ رُدُّوا، أي: العبادُ، إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ، وقوله: الْحَقِّ: نعْتٌ ل مَوْلاهُمُ، ومعناه: الذي لَيْسَ/ بباطلٍ، ولا مَجَاز، أَلا لَهُ الْحُكْمُ: كلامٌ مضمَّنه التنبيهُ، وهَزُّ النفوسِ، وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ:
قيل لِعَليٍّ (رضي اللَّه عنه) : كَيْفَ يُحَاسِبُ اللَّهُ العِبَادَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ؟!
قَالَ: كَمَا يَرْزُقُهُمْ فِي الدُّنْيَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ» «٥» .
وقوله تعالى: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ...
الآية: هذا تَمَادٍ في توبيخِ العادِلِينَ باللَّه الأوثانَ، وتركِهِمْ عبادَةَ الرَّحْمَنِ الذي يُنْجِي من الهَلَكَاتِ، ويُلْجَأُ إليه في الشّدائد، ودفع الملمّات، وظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ: يريدُ بها شدائِدَهُما، فهو لفظٌ عامٌّ يستغرقُ ما كان مِنَ الشدائدِ بظلمةٍ حقيقيةٍ، وما كان بغَيْر ظلمةٍ، والعَرَبُ تقول: عَامٌ أَسْوَدُ، ويَوْمٌ مُظْلِمٌ، ويَوْمٌ ذو كواكِبَ، يريدُونَ به الشِّدَّة، قال قتادة وغيره: المعنى: مِنْ كَرْبِ البَرِّ والبَحْرِ، وتَدْعُونَهُ: في موضعِ الحالِ، والتَّضَرُّعُ: صفَةٌ باديةٌ على الإنسانِ، وخُفْيَة: معناه: الاختفاء «٦» ، وقرأ عاصمٌ «٧» في رواية أبي بكر: «وخفية»
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ ﴾ يَعْنِي العِبادَ.
وفي مُتَوَلِّي الرَّدِّ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، رَدَّتْهم بِالمَوْتِ إلى اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، رَدَّهم بِالبَعْثِ في الآَخِرَةِ.
وفي مَعْنى رَدِّهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم رُدُّوا إلى المَكانِ الَّذِي لا يَمْلِكُ الحُكْمَ فِيهِ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ.
والثّانِي: أنَّهم رُدُّوا إلى اللَّهِ تَدْبِيرِهِ وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا أنْشَأهم كانَ مُنْفَرِدًا بِتَدْبِيرِهِمْ، فَلَمّا مَكَّنَهم مِنَ التَّصَرُّفِ، صارُوا في تَدْبِيرِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ كَفَّهم عَنْهُ بِالمَوْتِ، فَصارُوا مَرْدُودِينَ.
إلى تَدْبِيرِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا لَهُ الحُكْمُ ﴾ يَعْنِي القَضاءَ.
وبَيانَ سُرْعَةِ الحِسابِ، في [البَقَرَةِ] .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وهم لا يُفَرِّطُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إلى اللهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ألا لَهُ الحُكْمُ وهو أسْرَعُ الحاسِبِينَ ﴾ "اَلْقاهِرُ": إنْ أخَذَ صِفَةَ فِعْلٍ - أيْ مَظْهَرَ القَهْرِ بِالصَواعِقِ؛ والرِياحِ؛ والعَذابِ - فَيَصِحُّ أنْ يُجْعَلَ "فَوْقَ"؛ ظَرْفِيَّةً لِلْجِهَةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ إنَّما تَعاهَدَها العِبادُ مِن فَوْقِهِمْ؛ وإنْ أخَذَ "اَلْقاهِرُ"؛ صِفَةَ ذاتٍ - بِمَعْنى القُدْرَةِ؛ والِاسْتِيلاءِ - فَـ "فَوْقَ"؛ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْجِهَةِ؛ وإنَّما هي لِعُلُوِّ القَدْرِ؛ والشَأْنِ؛ عَلى حَدِّ ما تَقُولُ: "اَلْياقُوتُ فَوْقَ الحَدِيدِ".
﴿ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "يَبُثُّهم فِيكُمْ"؛ و"حَفَظَةً"؛ جَمْعُ "حافِظٌ"؛ مِثْلُ "كاتِبٌ"؛ و"كَتَبَةٌ"؛ والمُرادُ بِذَلِكَ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِكَتْبِ الأعْمالِ؛ ورُوِيَ أنَّهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمُ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "تَتَعاقَبُ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَهارِ"؛» وقالَهُ السُدِّيُّ ؛ وقَتادَةُ ؛ وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "حَفَظَةً يَحْفَظُونَ الإنْسانَ مِن كُلِّ شَيْءٍ؛ حَتّى يَأْتِيَ أجَلُهُ"؛ والأوَّلُ أظْهَرُ؛ وكُلُّهم - غَيْرَ حَمْزَةَ - قَرَأ: "تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا"؛ عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ الجَمْعِ؛ كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ ﴾ ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ: "تَوَفّاهُ رُسُلُنا"؛ وحُجَّتُهُ أنَّ التَأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ؛ وظاهِرُ الفِعْلِ أنَّهُ ماضٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى "وَقالَ نِسْوَةٌ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: "تَتَوَفّاهُ"؛ فَتَكُونَ العَلامَةُ مُؤَنِّثَةً؛ وأمالَ حَمْزَةُ مِن حَيْثُ خَطُّ المُصْحَفِ بِغَيْرِ ألِفٍ؛ فَكَأنَّها إنَّما كُتِبَتْ عَلى الإمالَةِ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "يَتَوَفّاهُ رُسُلُنا"؛ بِزِيادَةِ ياءٍ في أوَّلِهِ؛ والتَذْكِيرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى "رُسُلُنا" يُرِيدُ بِهِ - عَلى ما ذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وجَمِيعُ أهْلِ التَأْوِيلِ - مَلائِكَةً مُقْتَرِنِينَ بِمَلَكِ المَوْتِ؛ يُعاوِنُونَهُ؛ ويَأْتَمِرُونَ لَهُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لا يُفَرِّطُونَ"؛ بِالتَشْدِيدِ؛ وقَرَأ الأعْرَجُ: "يُفْرِطُونَ"؛ بِالتَخْفِيفِ؛ وَمَعْناهُ: "يُجاوِزُونَ الحَدَّ مِمّا أُمِرُوا بِهِ"؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: فَكَما أنَّ المَعْنى في قِراءَةِ العامَّةِ: "لا يُقَصِّرُونَ"؛ فَكَذَلِكَ هو في هَذِهِ: "لا يَزِيدُونَ عَلى ما أُمِرُوا بِهِ".
ورَجَعَ اللَفْظُ في قَوْلِهِ: "رُدُّوا"؛ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ؛ والضَمِيرُ في "رُدُّوا"؛ عائِدٌ عَلى المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ؛ ويَظْهَرُ أنْ يَعُودَ عَلى العِبادِ؛ فَهو إعْلامٌ بِرَدِّ الكُلِّ؛ وجاءَتِ المُخاطَبَةُ بِالكافِ في قَوْلِهِ: "عَلَيْكُمْ"؛ تَقْرِيبًا لِلْمَوْعِظَةِ مِن نُفُوسِ السامِعِينَ؛ و"مَوْلاهُمُ"؛ لَفْظٌ عامٌّ لِأنْواعِ الوَلايَةِ؛ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ اللهِ تَعالى ؛ وبَيْنَ عَبِيدِهِ؛ مِنَ الرِزْقِ؛ والنُصْرَةِ؛ والمُحاسَبَةِ؛ والمِلْكِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وقَوْلُهُ: "اَلْحَقِّ"؛ نَعْتٌ لِـ "مَوْلاهُمُ"؛ ومَعْناهُ: اَلَّذِي لَيْسَ بِباطِلٍ؛ ولا مَجازِيٍّ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ والأعْمَشُ: "اَلْحَقَّ"؛ بِالنَصْبِ؛ وهو عَلى المَدْحِ؛ ويَصِحُّ عَلى المَصْدَرِ.
﴿ ألا لَهُ الحُكْمُ ﴾ ؛ اِبْتِداءُ كَلامٍ مُضَمَّنُهُ التَنْبِيهُ؛ وهَزُّ نَفْسِ السامِعِ؛ و"اَلْحُكْمُ"؛ تَعْرِيفُهُ لِلْجِنْسِ؛ أيْ: "جَمِيعُ أنْواعِ التَصَرُّفاتِ في العِبادِ"؛ و ﴿ أسْرَعُ الحاسِبِينَ ﴾ ؛ مُتَوَجِّهٌ عَلى أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - حِسابُهُ لِعَبِيدِهِ صادِرٌ عن عِلْمِهِ بِهِمْ؛ فَلا يَحْتاجُ في ذَلِكَ إلى إعْدادٍ؛ ولا تَكَلُّفٍ؛ سُبْحانَهُ؛ لا رَبَّ غَيْرُهُ؛ وقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: كَيْفَ يُحاسِبُ اللهُ تَعالى العِبادَ في حالٍ واحِدَةٍ؟
قالَ: "كَما يَرْزُقُهم في حالٍ واحِدَةٍ في الدُنْيا".
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ وهو الذي يتوفَّاكم ﴾ [الأنعام: 60]، وتقدّم تفسير نظيره آنفاً.
والمناسبة هنا أنّ النوم والموت خلقهما الله فغلبا شِدّة الإنسان كيفما بلغت فبيَّن عقب ذكرهما أنّ الله هو القادر الغالب دون الأصنام.
فالنوم قهر، لأنّ الإنسان قد يريد أن لا ينام فيغلبه النوم، والموت قهر وهو أظهر، ومن الكلم الحق: سبحان من قهر العباد بالموت.
﴿ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الموت تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ﴾ .
﴿ ويرسل ﴾ عطف على ﴿ القاهر ﴾ ، فيعتبر المسند إليه مقدّماً على الخبر الفعلي، فيدلّ على التخصيص أيضاً بقرينة المقام، أي هو الذي يرسل عليكم حفظة دون غيره.
والقصر هنا حقيقي، فلا يستدعي ردّ اعتقاد مُخالف.
والمقصود الإعلام بهذا الخبر الحقّ ليحذر السامعون من ارتكاب المعاصي.
ومعنى (على) في قوله ﴿ عليكم ﴾ الاستعلاء المجازي، أي إرسال قهر وإلزام، كقوله: ﴿ بعثنا عليكم عباداً لنا ﴾ [الإسراء: 5]، لأنّ سياق الكلام خطاب للمشركين كما علمتَ، ومثله قوله تعالى: ﴿ كلاّ بل تكذّبون بالدِّين وإنّ عليكم لحافظين ﴾ [الإنفطار: 9، 10].
و ﴿ عليكم ﴾ متعلِّق بِ ﴿ يرسل ﴾ فعلم، أنّ المراد بحفظ الحفظة الإحصاء والضبط من قولهم: حفظتُ عليه فعله كذا.
وهو ضدّ نسيَ.
ومنه قوله تعالى: ﴿ وعندنا كتاب حفيظ ﴾ [ق: 4].
وليس هو من حفظ الرعاية والتعهّد مثل قوله تعالى: ﴿ حافظات للغيب بما حفظ الله ﴾ [النساء: 34].
فالحفظة ملائكة وظيفتهم إحصاء أعمال العباد من خير وشرّ.
وورد في الحديث الصحيح: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار» الحديث.
وقوله: ﴿ إذا جاء أحدَكم الموت ﴾ غاية لما دلّ عليه اسم الحفظة من معنى الإحصاء، أي فينتهي الإحصاء بالموت، فإذا جاء الوقت الذي ينتهي إليه أجل الحياة توفَّاه الملائكة المرسلون لقبض الأرواح.
فقوله: ﴿ رسلُنا ﴾ في قوّة النكرة لأنّ المضاف مشتقّ فهو بمعنى اسم المفعول فلا تفيده الإضافة تعريفاً، ولذلك فالمراد من الرسل التي تتوفَّى رسلٌ غيرُ الحفظة المرسلين على العباد، بناء على الغالب في مجيء نكرة عقب نكرة أنّ الثانية غيرُ الأولى.
وظاهر قوله: ﴿ توفّته رُسُلنا ﴾ أنّ عدداً من الملائكة يتولّى توفّي الواحد من الناس.
وفي الآية الأخرى ﴿ قل يَتوفَّاكم مَلَك الموت الذي وُكِّل بكم ﴾ [السجدة: 11]، وسمِّي في الآثار عزرائيلَ، ونقل عن ابن عباس: أنّ لِملك الموت أعواناً.
فالجمع بين الآيتين ظاهر.
وعُلِّق فعل التوفِّي بضمير ﴿ أحدكم ﴾ الذي هو في معنى الذات.
والمقصود تعليق الفعل بحال من أحوال أحدكم المناسب للتَّوفي، وهو الحياة، أي توفَّت حياتَه وختمتْها، وذلك بقبض روحه.
وقرأ الجمهور ﴿ توفَّته ﴾ بمثناة فوقية بعد الفاء.
وقرأ حمزة وحده ﴿ توفّاه رسلنا ﴾ وهي في المصحف مرسومة بنتْأة بعد الفاء فتصلح لأن تكون مثناة فوقية وأن تكون مثناة تحتية على لغة الإمالة.
وهي التي يرسم بها الألفات المنقلبة عن الياءات.
والوجهان جائزان في إسناد الفعل إلى جمع التكسير.
وجملة: ﴿ وهم لا يفرّطون ﴾ حال.
والتفريط: التقصير في العمل والإضاعة في الذوات.
والمعنى أنَّهم لا يتركون أحداً قد تمّ أجله ولا يؤخّرون توفّيَه.
والضمير في قوله: ﴿ رُدّوا ﴾ عائد إلى ﴿ أحد ﴾ باعتبار تنكيره الصادق بكلّ أحد، أي ثمّ يُردّ المتوفَّوْن إلى الله.
والمراد رجوع الناس إلى أمر الله يوم القيامة، أي ردّوا إلى حكمه من نعيم وعذاب، فليس في الضمير التفات.
والمولى هنا بمعنى السيد، وهو اسم مشترك يطلق على السيد وعلى العبد.
و ﴿ الحقّ ﴾ بالجرّ صفة ل ﴿ مولاهم ﴾ ، لما في ﴿ مولاهم ﴾ من معنى مالكهم، أي مالكهم الحقّ الذي لا يشوب مِلكه باطلٌ يُوهن ملكه.
وأصل الحقّ أنَّه الأمر الثابت فإن كلّ ملك غير ملك الخالقية فهو مشوب باستقلال مملوكه عنه استقلالاً تفاوتاً، وذلك يُوهن المِلك ويضعف حقّيّته.
وجملة: ﴿ ألا لَهُ الحكمُ وهو أسرع الحاسبين ﴾ تذييل ولذلك ابتدئ بأداة الاستفتاح المؤذنة بالتنبيه إلى أهمية الخبر.
والعرب يجعلون التذييلات مشتملة على اهتمام أو عموم أو كلام جامع.
وقدّم المجرور في قوله ﴿ له الحكم ﴾ للاختصاص، أي له لا لغيره، فإن كان المراد من الحكم جنس الحكم فقصره على الله إمَّا حقيقي للمبالغة لعدم الاعتداد بحكم غيره، وإمَّا إضافي للردّ على المشركين، أي ليس لأصنامكم حكم معه، وإن كان المراد من الحكم الحساب، أي الحكم المعهود يوم القيامة، فالقصر حقيقي.
وربَّما ترجَّح هذا الاحتمال بقوله عقبه: ﴿ وهو أسرع الحاسبين ﴾ أي ألاَ له الحساب، وهو أسرع من يحاسب فلا يتأخَّر جزاؤه.
وهذا يتضمَّن وعداً ووعيداً لأنَّه لمَّا أتي بحرف المهلة في الجمل المتقدّمة وكان المخاطبون فريقين: فريق صالح وفريق كافر، وذكر أنَّهم إليه يرجعون كان المقام مقام طماعية ومخالفة؛ فالصالحون لا يحبّون المهلة والكافرون بعكس حالهم، فعُجِّلت المسرّة للصالحين والمساءة للمشركين بقوله: ﴿ وهو أسرع الحاسبين ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ﴾ يَعْنِي بِهِ النَّوْمَ، لِأنَّهُ يَقْبِضُ الأرْواحَ فِيهِ عَنِ التَّصَرُّفِ، كَما يَقْبِضُها بِالمَوْتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ إنَّ بَنِي الأدْرَدِ لَيْسُوا مِن أحَدْ ولاَ تَوَفّاهم قُرَيْشٌ في العَدَدْ أيْ لا تُقَبِّضُهم.
﴿ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ﴾ أيْ ما كَسَبْتُمْ لِأنَّهُ مُسْتَفادٌ بِعَمَلِ الجارِحَةِ، ومِنهُ جَوارِحُ الطَّيْرِ لِأنَّها كَواسِبُ بِجَوارِحِها، وجَرْحُ الشَّهادَةِ هو الطَّعْنُ فِيها لِأنَّهُ مَكْسَبُ الإثْمِ، قالَهُ الأعْشى: وهو الدّافِعُ عَنْ ذِي كُرْبَةٍ ∗∗∗ أيْدِي القَوْمِ إذا الجانِي اجْتَرَحْ ﴿ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ ﴾ يَعْنِي في النَّهارِ بِاليَقَظَةِ، وتُصْرَفُ الرُّوحُ بَعْدَ قَبْضِها بِالنَّوْمِ.
﴿ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ﴾ يَعْنِي اسْتِكْمالَ العُمْرِ وانْقِضاءَ الأجَلِ بِالمَوْتِ.
﴿ ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ﴾ يَعْنِي بِالبَعْثِ والنُّشُورِ في القِيامَةِ.
﴿ ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ في الدُّنْيا مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أعْلى قَهْرًا، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ فَوْقَ عِبادِهِ ﴾ والثّانِي: أنَّ الأقْدَرَ إذا اسْتَحَقَّ صِفَةَ المُبالَغَةِ عُبِّرَ عَنْهُ بِمِثْلِ هَذِهِ العِبارَةِ، فَقِيلَ: هو فَوْقَهُ في القُدْرَةِ أيْ أقْدَرُ، وفَوْقَهُ في العِلْمِ أيْ أعْلَمُ.
﴿ وَيُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَوارِحُهُمُ الَّتِي تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.
والثّانِي: المَلائِكَةُ.
وَيُحْتَمَلُ ﴿ حَفَظَةً ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: حِفْظُ النُّفُوسِ مِنَ الآفاتِ.
والثّانِي: حِفْظُ الأعْمالِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، لِيَكُونَ العِلْمُ بِإتْيانِها أزْجَرَ عَنِ الشَّرِّ، وأبْعَثَ عَلى الخَيْرِ.
﴿ حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ ﴾ يَعْنِي أسْبابَ المَوْتِ، بِانْقِضاءِ الأجَلِ.
فَإنْ قِيلَ: المُتَوَلِّي لِقَبْضِ الرُّوحِ مَلَكُ المَوْتِ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ﴾ فَكَيْفَ قالَ: ﴿ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا ﴾ والرُّسُلُ جَمْعٌ.
قِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ أعانَ مَلَكَ المَوْتِ بِأعْوانٍ مِن عِنْدِهِ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ بِأمْرِهِ، فَصارَ التَّوَفِّي مِن فِعْلِ أعْوانِهِ، وهو مُضافٌ إلَيْهِ لِمَكانِ أمْرِهِ، كَما يُضافُ إلى السُّلْطانِ فِعْلُ أعْوانِهِ مِن قَتْلٍ، أوْ جَلْدٍ، إذا كانَ عَنْ أمْرِهِ.
﴿ وَهم لا يُفَرِّطُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يُؤَخِّرُونَ.
الثّانِي: لا يُضَيِّعُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ﴾ وفي مُتَوَلِّي الرَّدِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ الَّتِي تَوَفَّتْهم.
والثّانِي: أنَّهُ اللَّهُ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ.
وَفي رَدِّهِمْ إلى اللَّهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ رَدُّهم إلى تَدْبِيرِ اللَّهِ وحْدَهُ، لِأنَّ اللَّهَ دَبَّرَهم عِنْدَ خَلْقِهِمْ وإنْشائِهِمْ، مَكَّنَهم مِنَ التَّصَرُّفِ فَصارُوا في تَدْبِيرِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ كَفَّهم عَنْهُ بِالمَوْتِ فَصارُوا في تَدْبِيرِ اللَّهِ كالحالَةِ الأوْلى، فَصارُوا بِذَلِكَ مَرْدُودِينَ إلَيْهِ.
والثّانِي: أنَّهم رُدُّوا إلى المَوْضِعِ الَّذِي لا يَمْلِكُ الحُكْمَ عَلَيْهِمْ فِيهِ إلّا اللَّهُ، فَجُعِلَ الرَّدُّ إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ رَدًّا إلَيْهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قالَ: ﴿ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ﴾ وقَدْ قالَ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ ﴾ .
قِيلَ: عَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ هَذا لِأنَّهم دَخَلُوا في جُمْلَةِ غَيْرِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ المَرْدُودِينَ فَعَمَّهُمُ اللَّفْظُ.
والثّانِي: أنَّ المَوْلى قَدْ يُعَبِّرُ بِهِ عَنِ النّاصِرِ تارَةً وعَنِ السَّيِّدِ أُخْرى، واللَّهُ لا يَكُونُ ناصِرًا لِلْكافِرِينَ، وهو سَيِّدُ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ.
و ﴿ الحَقِّ ﴾ هُنا يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الحَقَّ هو مِن أسْمائِهِ تَعالى.
والثّانِي: لِأنَّهُ مُسْتَحِقٌّ الرَّدَّ عَلَيْهِ.
والثّالِثُ: لِحُكْمِهِ فِيهِمْ بِالرَّدِّ.
﴿ ألا لَهُ الحُكْمُ ﴾ يَعْنِي القَضاءَ بَيْنَ عِبادِهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ جُعِلَ لِغَيْرِهِ الحُكْمُ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ لَهُ الحُكْمَ في يَوْمِ القِيامَةِ وحْدَهُ.
والثّانِي: أنَّ غَيْرَهُ يَحْكُمُ بِأمْرِهِ فَصارَ الحُكْمُ لَهُ.
وَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿ ألا لَهُ الحُكْمُ ﴾ وجْهًا ثانِيًا: أنَّ لَهُ أنْ يَحْكُمَ لِنَفْسِهِ فَصارَ بِهَذا الحُكْمِ مُخْتَصًّا.
﴿ وَهُوَ أسْرَعُ الحاسِبِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْنِي سُرْعَةَ الحُكْمِ بَيْنَ العِبادِ لِتَعْجِيلِ الفَصْلِ، وعَبَّرَ عَنِ الحُكْمِ بِالحِسابِ مِن تَحْقِيقِ المُسْتَوْفِي بِهِما مِن قَلِيلٍ وكَثِيرٍ.
والثّانِي: وهو الظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ سُرْعَةَ مُحاسَبَةِ العِبادِ عَلى أعْمالِهِمْ.
وَيَحْتَمِلُ مُرادُهُ بِسُرْعَةِ حِسابِهِ وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: إظْهارُ قُدْرَتِهِ بِتَعْجِيلِ ما يَعْجِزُ عَنْهُ غَيْرُهُ.
والثّانِي: أنَّهُ يُبَيِّنُ بِهِ تَعْجِيلَ ما يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ مِن ثَوابٍ، وتَعْجِيلَ ما يَسْتَحِقُّ عَلى غَيْرِهِ مِن عِقابٍ جَمْعًا بَيْنَ إنْصافِهِ وانْتِصافِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ ويرسل عليكم حفظة ﴾ قال: هم المعقبات من الملائكة، يحفظونه ويحفظون عمله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ ويرسل عليكم حفظة ﴾ يقول: حفظة يا ابن آدم عليك عملك ورزقك وأجلك، فإذا توفيت ذلك قبضت إلى ربك.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ توفته رسلنا ﴾ قال: اعوان ملك الموت من الملائكة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إبراهيم في قوله: ﴿ توفته رسلنا ﴾ قال: الملائكة تقبض الأنفس، ثم يذهب بها ملك الموت.
وفي لفظ: ثم يقبضها منهم ملك الموت بعد.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: جعلت الأرض لملك الموت مثل الطست يتناول من حيث شاء، وجعلت له أعوان يتوفون الأنفس ثم يقبضها منهم.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ في العظمة عن قتادة في قوله: ﴿ توفته رسلنا ﴾ قال: إن ملك الموت له رسل، فيلي قبضها الرسل، ثم يدفعونها إلى ملك الموت.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن الكلبي قال: إن ملك الموت هو الذي يلي ذلك، فيدفعه إن كان مؤمناً إلى ملائكة الرحمة وإن كافراً إلى ملائكة العذاب.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: ما من أهل بيت شعر ولا مدر إلا وملك الموت يطيف بهم كل يوم مرتين.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس.
أنه سئل عن ملك الموت أهو وحده الذي يقبض الأرواح؟
قال: هو الذي يلي أمر الأرواح وله أعوان على ذلك، ألا تسمع إلى قوله تعالى ﴿ حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم ﴾ [ الأعراف: 37] وقال: ﴿ توفته رسلنا وهم لا يفرطون ﴾ غير أن ملك الموت هو الرئيس، وكل خطوة منه من المشرق إلى المغرب.
قيل: أين تكون أرواح المؤمنين؟
قال: عند السدرة في الجنة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وهم لا يفرطون ﴾ يقول: لا يضيعون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قيس قال: دخل عثمان بن عفان على عبد الله بن مسعود فقال: كيف تجدك؟
قال: مردود إلى مولاي الحق.
فقال: طبت والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾ يعني: العباد يردون بالموت إلى الله ﴿ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ﴾ .
قد مضى الكلام في معنى المولى عند قوله: ﴿ أَنتَ مَوْلَانَا ﴾ ، ﴿ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ ﴾ أي: القضاء فيهم، ﴿ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾ يقول: إذا حاسب فحسابه سريع، ومضى الكلام في معنى سرعة حساب الله تعالى عند قوله: ﴿ والله سَرِيعُ الحِسَابِ ﴾ في سورة البقرة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ حَفَظَةً ﴾ جمع حافظ وهم الملائكة الكاتبون ﴿ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ﴾ أي الملائكة الذين مع ملك الموت ﴿ ثُمَّ ردوا ﴾ خروج من الخطاب إلى الغيبة، والضمير لجميع الخلق ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ ﴾ الآية: إقامة حجة، وظلمات البر والبحر: عبارة عن شدائدهما وأهوالهما كما يقال لليوم الشديد: مظلم ﴿ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾ قيل: الذي من فوق إمطار الحجارة، ومن تحت الخسف، وقيل: من فوقكم: تسليط أكابركم، ومن تحت أرجلكم: تسليط أسافلكم، وهذا بعيد ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ﴾ أي يخلطكم فرقاً مختلفين ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ بالقتال، واختلف هل الخطاب بهذه الآية للكفار أو المؤمنين؟
وروي أنه لما نزلت أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهه، فلما نزلت من تحت أرجلكم قال: أعوذ بوجهك، فلما نزلت أو يلبسكم شيعا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا أهون» ، فقضى الله على هذه الأمة بالفتن والقتال إلى يوم القيامة ﴿ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ ﴾ الضمير عائد على القرآن، أو على الوعيد المتقدم، وقومك هم قريش ﴿ لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾ أي بحفيظ ومتسلط، وفي ذلك كتاركه نسختها آية القتال.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ توفته ﴾ و ﴿ استهوته ﴾ ممالة: حمزة الباقون: بتاء التأنيث ﴿ قل من ينجيكم ﴾ من الإنجاء: سهل ويعقوب وعباس.
الباقون: بالتشديد ﴿ وخفية ﴾ بالكسر حيث كان: أبو بكر وحماد.
الباقون: بالضم ﴿ أنجانا ﴾ ممالة: حمزة وعلي وخلف ﴿ أنجانا ﴾ بدون الإمالة: عاصم.
الباقون ﴿ أنجيتنا ﴾ ﴿ قل الله ينجيكم ﴾ بالتشديد: يزيد وحمزة وخلف وعاصم وهشام.
الباقون: بالتخفيف ﴿ بعضٍ انظر ﴾ وأشباه ذلك بكسر التنوين: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وابن شنبوذ عن أهل مكة، وابن ذكوان ﴿ ينسينك ﴾ بالتشديد: ابن عامر.
الوقوف: ﴿ حفظة ﴾ ط ﴿ لا يفرطون ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ الحاسبين ﴾ ه ﴿ وخفية ﴾ ط لاحتمال الإضمار أي يقولون لئن أنجيتنا، وتعلق "لئن" بمعنى القول في ﴿ تدعونه ﴾ أصح ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ تشركون ﴾ ه ﴿ بأس بعض ﴾ ط ﴿ يفقهون ﴾ ه ﴿ وهو الحق ﴾ ط ﴿ بوكيل ﴾ ه ﴿ مستقر ﴾ ط للإبتداء بــ"سوف" على التهديد مع شدة اتصال المعنى ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ غيره ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ ولا شفيع ﴾ ط للشرط مع العطف ﴿ بما كسبوا ﴾ لا لانقطاع النظم مع اتصال المعنى، أو لاحتمال أن يكون ﴿ الذين ﴾ صفة ﴿ أولئك ﴾ وقوله ﴿ لهم شراب ﴾ خبر ﴿ الهدى ائتنا ﴾ ج ﴿ هو الهدى ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ لا لأن التقدير وأمرنا بأن أقيموا الصلاة ﴿ واتقوه ﴾ ط ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ فيكون ﴾ ط ﴿ في الصور ﴾ ط ﴿ والشهادة ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه.
التفسير: من الدلائل الدالة على كمال قدرته وحكمته قوله ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ والمراد منه الفوقية بالقدرة والتسخير كما يقال: أمر فلان فوق أمر فلان أي أنه أعلى وأنفذ منه، ولا ريب أن الممكنات بأسرها تحت تصرف الواجب ينقلها من حيز العدم إلى حالة الوجود وبالعكس، ويتصرف فيها كيف يشاء، علويات كن أو سفليات، ذوات أو صفات، نفوساً أو أبداناً، أخلاطاً وأركاناً.
ومن جملة قهره إرسال الحفظة - وهي جمع حافظ - على عبيده بضبط أعمالهم من الطاعات والمعاصي والمباحات لأنهم مطلعون على أقوال بني آدم لقوله ﴿ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ﴾ وعلى أفعالهم بقوله ﴿ يعلمون ما تفعلون ﴾ وأما صفات القلوب كالجهل والعلم فليس في الآيات ما يدل على اطلاعهم عليها.
وعن ابن عباس أن مع كل إنسان ملكين: أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، فإذا تكلم الإنسان بحسنة كتبها من على اليمين، وإذا تكلم بسيئة قال من على اليمين لمن على اليسار: انتظر لعله يتوب عنها فإن لم يتوب عنها فإن لم يتب كتب عليه.
قالت العلماء: من فوائد هذه الكتبة أن المكلف إذا علم أن الملائكة الموكلين عليه يكتبون أعماله في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة كان ذلك زجراً له عن القبائح.
ومنها أن توزن تلك الصحائف يوم القيامة فإن وزن الأعمال غير ممكن.
ومنها التعبد فعلى الملكلف أن يؤمن بكل ما ورد به الشرع وإن لم يعرف وجه الحكمة في بعض ذلك.
وقال بعض الحكماء: الحفظة النفوس والقوى الجسمانية التي تحفظ الأركان مع طبائعها المتضادة على امتزاجها.
وقال بعض القدماء: منهم النفوس البشرية والأرواح السفلية مختلفة بجواهرها متباينة بماهياتها، فبعضها خيرة وبعضها شريرة، وكذا القول في الذكاء والبلادة والحرية والنذالة والشرف والخساسة، ولكل طائفة من هذه الأرواح السفلية روح سماوي هو لها كالأب المشفق والسيد الرحيم يعينها على مهماتها في يقظتها ومنامها على سبيل الرؤيا تارة، وعلى سبيل الإلهامات أخرى.
فالأرواح الخيرة لها مبادٍ من عالم الأفلاك وكذا الأرواح الشريرة وتلك المبادىء في مصطلحهم تسمى بالطباع التام لأن تلك الأرواح في تلك الطبائع والأخلاق تامة كلها وهذه الأرواح السفلية المتولدة منها أضعف منها لأن المعلول في كل باب أضعف من علته، لأصحاب الطلسمات والعزائم في هذا الباب كلام كثير.
وقيل: إن النفوس المفارقة تميل إلى ما يناسبها ويساويها في الطبيعة والماهية من النفوس المتعلقة بالأبدان فتحفظها وتعينها ﴿ حتى إذا جاء أحدكم الموت ﴾ أي وقته أو أماراته ﴿ توفته رسلنا ﴾ أي بإذننا وتفويضنا فالمتوفى بالحقيقة هو الله كما قال الله ﴿ يتوفى الأنفس حين موتها ﴾ .
وهؤلاء الرسل أتباع ملك الموت في قوله ﴿ يتوفاكم ملك الموت ﴾ وهل هم الحفظة بأعيانهم أم غيرهم فيه قولان: أشهرهما الثاني لكون ملائكة الروح والريحان وهم الريحانيون غير ملائكة الكرب والأحزان وهم الكروبيون.
وعن مجاهد: جعلت الأرض مثل الطست لملك الموت يتناول من يتناوله، وما من أهل بيت إلا ويطوف عليهم في كل يوم مرتين.
﴿ وهم لا يفرطون ﴾ لا يقصرون فيما أمرهم الله به وفيه مدح لهم بالعصمة ﴿ ثم ردوا إلى الله ﴾ أي إلى حكمه وجزائه ﴿ مولاهم الحق ﴾ صفتان والضمير في ﴿ ردوا ﴾ إما للملائكة يعني كما يموت بنو آدم يموت أولئك الملائكة، أو إلى البشر أي أنهم بعد موتهم يردون إلى الله والمعنى أنهم كانوا في الدنيا تحت تصرفات الموالي الباطلة وهي النفس والشهوة والغضب، فإذا ماتوا انتقلوا إلى تصرف المولى الحق.
وفيه إشعار بأن الإنسان شيء آخر وراء هذا الهيكل المحسوس فإن هذا الهيكل يبقى ميتاً والإنسان مردود إليه .
وفي لفظ الرد إشارة إلى أن الروح كان موجوداً قبل البدن وقد تعلق به زماناً ثم ردّ إلى موضعه الأصلي وهو عالم الأرواح بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ ﴿ ألا له الحكم ﴾ كقوله: ﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ ﴿ وهو أسرع الحاسبين ﴾ حساباً قيل: إنه يحاسب الخلق بنفسه دفعة واحدة فلا يشغله كلام عن كلام.
وقيل: يحاسب كل إنسان واحد من الملائكة بإذن الله تعالى لأنه لو حاسب الكفار بذاته لتكلم معهم وهو محال لقوله ﴿ ولا يكلمهم الله ﴾ وقال الحكيم: معنى سرعة المحاسبة ظهور الملكات في الهيآت على النفس في آن قطع التعلق، قليلة كانت أو كثيرة، حميدة أو ذميمة، وبعد تعارض البعض بالبعض يبقى ما هو أغلب وبحسب ذلك يكون الثواب أو ضده.
وذلك أنه لا يحصل للإنسان لحظة ولا لمحة ولا حركة ولا سكون إلا ويظهر منها في جوهر نفسه أثر من آثار السعادة أو ضدها قل أو كثر وهو المراد بكتبة الأعمال.
قال الجبائي - ههنا: لو كان كلامه قديماً لوجب أن يكون متكلماً بالمحاسبة الآن وقبل خلقه وذلك محال لأن المحاسبة تقتضي حكاية عمل تقدم.
وعورض بالعلم فإنه كان قبل العالم عالماً بأنه سيوجد وبعد وجوده صار عالماً بأنه وجد ولا يلزم منه تغير العلم.
ثم عدّد لطفه وإحسانه بقوله ﴿ قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر ﴾ مجازاً عن مخاوفهما وأهوالهما يقال ليوم الكربة: يوم مظلم وذو كواكب كأنه أظلم عليه وجه الخلاص، ويحتمل أن تكون الظلمات بالحقيقة.
وظلمات البر ظلمة الليل وظلمة السحاب، وظلمات البحر هما مع ظلمة الماء.
﴿ تدعونه ﴾ في موضع الحال ﴿ تضرعاً وخفية ﴾ مفعول لأجلهما أو تمييز أو مصدر خاص.
والمراد أن الإنسان عند حصول هذه الشدائد يأتي بأمور: أحدها الدعاء.
الثاني التضرع.
والثالث: الإخلاص بالقلب وهو المعني بقوله ﴿ وخفية ﴾ ورابعها: التزام الشكر هو المراد من قوله ﴿ لئن أنجيتنا من هذه ﴾ الظلم والشدة ﴿ لنكونن من الشاكرين ﴾ فبين الله أنه إذا شهدت الفطرة السليمة في هذه الحالة بأنه لا ملجأ إلا إلى الله ولا معول إلا عليه وجب أن يبقى هذا الإخلاص عند كل الأحوال والأوقات.
ثم بين أنه ينجيهم من تلك المخاوف ومن سائر موجبات الحزن والكرب، ثم إن ذلك الإنسان يقدم على الشرك الجلي وهو عبادة الأوثان أو الخفي وهو اتباع الهوى.
وبالجملة فعادة أكثر الخلق ذلك إذا شاهدوا الخوف أخلصوا، وإذا انتقلوا إلى الأمن والرفاهية أشركوا.
ثم ذكر نوعاً آخر من دلائل التوحيد مقروناً بنوع من التخويف فقال ﴿ قل هو القادر ﴾ واللام للعهد أو للجنس فيفيد أنه هو الذي عرفتموه قادر، وهو الكامل القدرة ﴿ على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ﴾ كالمطر أو الحجارة مثل ما أمطر على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ كما أغرق فرعون وخسف بقارون.
وقيل: من قبل أكابركم وسلاطينكم أو من جهة سفلتكم وعبيدكم.
وقيل: هو حبس المطر والنبات ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ هي جمع شيعة أي يخلطكم فرقاً مختلفين على أهواء شتى، كل فرقة منكم مشايعة لإمام.
ومعنى خلطهم أن يوقع القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال.
عن رسول الله "سألت الله أن لا يبعث على أمتي عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم فأعطاني ذلك وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني وأخبرني جبريل أن فناء أمتي بالسيف" قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ دلالة على أن الأهواء المختلفة والآراء الفاسدة والبدع كلها من الله وفي قوله ﴿ ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ إشارة إلى أن أن المعاصي وأنواع الظلم مستندة إلى الله وقالت المعتزلة: الآية لا تدل إلا على أنه تعالى قادر على القبيح والنزاع في أنه هل يفعل ذلك أم لا؟
وأجيب بأن الآية دلت على أن القدرة على هذه الأمور تختص به، وهذه الأمور واقعة فيكون هو فاعلها بالضرورة ﴿ انظر كيف نصرف الآيات ﴾ نقرر الدلائل الواضحات.
وقد قال مثل ذلك فيما قبل فالتقدير: انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون فلا نعرض عنهم بل نكررها ﴿ لعلهم يفقهون ﴾ ﴿ وكذب به ﴾ أي بالعذاب المذكور في الآية السابقة ﴿ قومك ﴾ يعني قريشاً ومن دان بدينهم ﴿ وهو الحق ﴾ أي لا بد أن ينزل بهم.
وقيل: أي بالقرآن وهو الحق لأنه كتاب منزل من عند الله.
وقيل: أي بتصريف الآيات لأنهم كذبوا كون هذه الأشياء دلالات.
﴿ قل لست عليكم بوكيل ﴾ أي بحافظ حتى أجازيكم على تكذيبكم وإعراضكم عن قبول الدلائل إنما أنا منذر.
﴿ لكل نبأ لكل ﴾ خبره يخبره الله ﴿ مستقر ﴾ أي استقرار أو موضع استقرار.
والمراد بالنبأ المنبأ به لأن النبأ قد حصل، والمقصود أن لعذاب الله أو لاستيلاء المسلمين على الكفار بالقتل والأسر والقهر وقتاً ومكاناً يحصل فيه من غير خلف ولا تأخير ﴿ وسوف تعلمون ﴾ فيه من التهديد ما فيه.
ثم بين أن أولئك المكذبين إن ضموا إلى كفرهم وتكذيبهم الاستهزاء بالدين والطعن في الرسول فإنه يجب الاحتراز عن مجالستهم فقال ﴿ وإذا رأيت ﴾ أيها السامع ﴿ الذين يخوضون في آياتنا ﴾ والخوض في اللغة عبارة عن المفاوضة على وجه اللغو والعبث، ويقرب منه قول المفسرين إنه في الآية الشروع في آيات الله على سبيل الطعن والاستهزاء وكانت قريش في أنديتهم يفعلون ذلك ﴿ فأعرض عنهم ﴾ بالقيام عنهم لقوله بعد ذلك ﴿ فلا تقعد بعد الذكرى ﴾ وقيل: المطلوب إظهار الإنكار وكل طريق أفاد هذا الغرض وإن كان غير القيام عن مجلسهم فإنه يجوز المصير إليه، هذا عند عدم الخوف، أما مع الخوف فهذا الفرض ساقط والتقية واجبة.
نعم كل ما أوجب على الرسول فعله وجب عليه، سواء ظهر أثر الخوف أو لم يظهر وإلا لم يبق الاعتماد على التكاليف التي يبلغها ﴿ وإما ينسينك الشيطان ﴾ أي يشغلك بوسوسته حتى تنسى النهي عن مجالستهم ﴿ فلا تقعد بعد الذكرى ﴾ بعد أن تذكر النهي ﴿ مع القوم الظالمين ﴾ أي معهم فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم.
قال الليث: الذكرى اسم للتذكرة.
وقال الفراء: هي الذكر.
قال في الكشاف بناء على مذهبه: يجوز أن يراد وإن كان الشيطان ينسيك قبل النهي قبح مجالسة المستهزئين لأنها مما تنكره العقول فلا تقعد بعد الذكرى، بعد أن ذكرناك قبحها ونبهناك عليه معهم.
قال الجبائي: إذا كان عدم العلم بالشيء يوجب سقوط التكليف، فعدم القدرة على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف، فعدم القدرة على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف، وهذا يدل على أن تكليف ما لا يطاق لا يقع، ويدل على أن الاستطاعة حاصلة قبل الفعل لأنها لو لم تحصل إلا مع الفعل لم يكن الكافر قادراً على الإيمان فوجب أن لا يتوجه عليه الأمر بالإيمان.
قال ابن عباس: قال المسلمون: لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت فنزلت الرخصة أن يقعدوا معهم ويذكروهم ويفهموهم بقوله ﴿ وما على الذين يتقون ﴾ أي الشرك والكبائر والفواحش ﴿ من حسابهم ﴾ من ذنوبهم التي يحاسبون عليها ﴿ من شيء ولكن ذكرى ﴾ أي ولكن يذكرونهم تذكيراً، أو ولكن عليهم أن يذكروهم، أو ولكن الذي تأمرونهم به ذكرى.
ولا يجوز أن يكون عطفاً على محل ﴿ من شيء ﴾ كقول القائل: ما في الدار من أحد ولكن زيد لأن قوله ﴿ من حسابهم ﴾ يأبى ذلك فإن الذكرى ليس من حساب المشركين.
ثم أكد الإعراض عنهم بقوله ﴿ وذر الذين ﴾ والمراد ترك معاشرتهم وملاطفتهم والمبالاة بهم لا ترك إنذارهم وتخويفهم كقوله ﴿ فأعرض عنهم وعظهم ﴾ وصفهم بوصفين الأوّل أنهم ﴿ اتخذوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ وفيه وجوه: اتخذوا دينهم الذي كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام لعباً ولهواً حيث سخروا به واستهزؤا، أو أتخذوا ما هو لعب ولهو يعني عبادة الأوثان وغيرها ديناً لهم، أو المراد ما كانوا يحكمون به بمجرد التقليد والهوى كتحريم البحائر والسوائب، أو المراد أن المشركين وأهل الكتاب اتخذوا أعيادهم لعباً ولهواً لا كالمسلمين حيث اتخذوا عيدهم كما شرعه الله .
قال ابن عباس: أو هو إشارة إلى من جعل دين الإسلام وسيلة إلى المناصب والرياسات والغلبة والجلال لا لأنه حق وصدق في نفسه.
ويؤكد هذا الوجه الوصف الثاني وهو قوله ﴿ وغرتهم الحياة الدنيا ﴾ كأنهم أعرضوا عن حقيقة الدين واقتصروا على تزيين الظواهر ليتوسلوا بها إلى حطام الدنيا ﴿ وذكر به ﴾ أي بالقرآن أو بالدين القويم مخافة ﴿ أن تبسل نفس ﴾ قال الحسن ومجاهد: أن تسلم إلى الهلاك والعذاب وترتهن بسوء فعلها وأصله المنع فالمسلم إليه وهو العذاب يمنع المسلم ومنه الباسل الشجاع لامتناعه من قرنه.
وقال قتادة: تحبس في جهنم.
وعن ابن عباس: تفتضح ﴿ ليس لها ﴾ أي النفس ﴿ من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل ﴾ إن تفد كل فداء لأن الفادي يعدل المفدى بمثله ﴿ لا يؤخذ منها ﴾ قال في الكشاف: فاعل ﴿ يؤخذ ﴾ قوله ﴿ منها ﴾ لا ضمير العدل لأن العدل ههنا مصدر فلا يسند إليه الأخذ.
وأما في قوله ﴿ ولا يؤخذ منها عدل ﴾ فبمعنى المفدى به فصح إسناده.
قلت: إن فسر الأخذ بالقبول كما في قوله ﴿ ويأخذ الصدقات ﴾ ارتفع الفرق.
﴿ أولئك ﴾ المتخذون ﴿ هم الذين أبسلوا بما كسبوا ﴾ ثم بين ما به صاروا مرتهنين وعليه محبوسين بقوله ﴿ لهم شراب من حميم ﴾ ثم رد على عبدة الأصنام بقوله ﴿ قل أندعوا من دون الله ﴾ النافع الضار ﴿ ما لا ينفعنا ولا يضرنا ﴾ أي لا يقدر على النفع والضر ﴿ ونرد ﴾ داخل في الاستفهام أي أنرجع إلى الشرك بعد إذ أنقذنا الله منه وهدانا للإسلام، فإن الردة عود إلى الحالة الأولى التي كان الإنسان عليها من الجهل كقوله ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ ﴿ كالذي استهوته ﴾ محله النصب على الحال من الضمير في ﴿ نرد ﴾ أي أننكص على العقبين مشبهين من استهوته وهو استفعال من هوى في الأرض إذا ذهب فيها كأن معناه طلبت هويه أي سقوطه من الموضع العالي إلى الوهدة العميقة كقوله: ﴿ ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء ﴾ وقيل: اشتقاقه من اتباع الهوى و ﴿ حيران ﴾ حال أخرى لكن من الضمير في ﴿ استهوته ﴾ وكذا الجملة بعده.
ومعنى الحيرة التردد في الأمر بحيث لا يهتدي إلى مخرجه منه.
ومنه تحيرت الروضة بالماء إذا امتلأت فتردد فيها الماء.
﴿ له ﴾ أي لهذا المستهوي ﴿ أصحاب ﴾ رفقة ﴿ يدعونه إلى الهدى ﴾ أي إن يهدوه الطريق المستوي فيكون مصدراً.
وسمي الطريق المستقيم بالهدى يقولون له ﴿ ائتنا ﴾ أو الدعاء في معنى القول وهذا بناء على ما تزعمه العرب وتعتقده من أن الجن والغيلان تستهوي الإنسان وتستولي عليه، فشبه به الضال عن طريق الإسلام التابع لخطوات الشيطان، والمسلمون يدعونه إلى الحق وقد اعتسف المهمة تابعاً للجن غير ملتفت اليهم.
وقيل: إن لذلك الكافر أصحاباً يدعونه إلى ذلك الضلال ويسمونه بأنه هو الهدى.
وروي أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فإنه كان يدعو أباه إلى عبادة الأوثان ﴿ قل إن هدى الله ﴾ وهو الإسلام ﴿ هو ﴾ الذي يحق أن يسمى هدى وما وراءه غي وضلال ﴿ وأمرنا لنسلم لرب العالمين وأن أقيموا ﴾ قال الزجاج: لا بد من تأويل ليستقيم العطف فالتقدير: وأمرنا لنسلم ولنقيم، أو أمرنا أن أسلموا وأن أقيموا: قيل: والسر في العدول عن الظاهر أن المكلف كالغائب ما لم يسلم فإذا أسلم صار كالحاضر.
وتقرير الآية أن متعلق الأمر إما أن يكون من باب الأفعال أو من باب التروك.
والأول إما أن يكون من أفعال القلوب أو من أفعال الجوارح، ورئيس أفعال القلوب الإيمان بالله والإسلام وهو قوله ﴿ لنسلم ﴾ ورئيس أعمال الجوارح الصلاة وهو قوله ﴿ وأن أقيموا ﴾ ثم أشار إلى جوامع التروك بقوله ﴿ واتقوه ﴾ ثم قال ﴿ وهو الذي إليه تحشرون ﴾ ليعلم أن منافع هذه الأعمال إنما تظهر في يوم الحشر.
ثم دل على وجود الحاشر بقوله ﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض ﴾ قائما أو ملتبساً ﴿ بالحق ﴾ بالحكم اللطيفة والغايات الصحيحة والأغراض المطابقة، وذلك أنه أودع في هذه الأجرام قوى وخواص وآثاراً تتضمن مصالح الأبدان ومباهج نوع الإنسان وهكذا خلق ﴿ يوم يقول كن فيكون قوله الحق ﴾ فقوله فاعل ﴿ يكون ﴾ و ﴿ يوم ﴾ مفعول ﴿ خلق ﴾ والمعنى أنه خلق العالم من الأفلاك والطبائع والعناصر والمواليد، وخلق يوم القيامة لرد الأرواح إلى الأجساد بطريق "كن فيكون" وعلى هذا يجوز أن يكون قوله ﴿ الحق ﴾ مبتدأ وخبراً مستأنفاً، أو قوله ﴿ الحق ﴾ مبتدأ و ﴿ يوم يقول ﴾ ظرف دال على الخبر مثل "يوم الجمعة القتال" أي القتال واقع يوم الجمعة.
والمراد أن قضاءه في ذلك اليوم حق وصدق خالٍ عن الجور والعبث ﴿ ويوم ينفخ ﴾ ظرف لقوله ﴿ وله الملك ﴾ كقوله ﴿ لمن الملك اليوم ﴾ والمقصود أنه لا ملك في ذلك اليوم إلا له من غير دافع ولا منازع.
والصور باتفاق أكثر أهل الإسلام قرن ينفخ فيه ملك من الملائكة كما جاء في مواضع من القرآن ﴿ ونفخ في الصور فصعق ﴾ ففزع ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة مثل صوف وصوفة.
وخطأه الأئمة فقالوا: كل جمع على لفظ الواحد سبق جمعه واحده فواحده بزيادة هاء فيه كالصوف، أما إذا سبق الواحد الجمع فليس كذلك كغرفة وغرف ولهذا يجمع صورة الإنسان على صور بالفتح كقوله ﴿ فأحسن صوركم ﴾ ومن أسكن فقد أخطأ، ومما يدل على أن الصور هو القرن لا جمع صورة الإنسان أنه لم يضف النفخ إلى نفسه كما قال ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ ﴿ فنفخنا فيها من روحنا ﴾ ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] ثم لما بين كمال قدرته بقوله وله الملك ذكر كمال علمه بقوله ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ أي هو العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات ﴿ وهو الحكيم ﴾ المصيب في أقواله وأفعاله ﴿ الخبير ﴾ النافذ علمه في بواطن الحقائق من غير اشتباه والتباس، فإن أمر البعث لا يتم إلا بقدرة كاملة وعلم تام كيلا يشتبه المطيع والعاصي والصديق والزنديق.
التأويل: ﴿ وهو القاهر ﴾ بوصف الجلال للأولياء، قهار بوصف الجبروت للأعداء.
﴿ ويرسل عليكم حفظة ﴾ من صفات قهره حتى لو أرادت نفسه الخروج عن قيد مجاهدتها قهرتها سطوات العتاب فردتها إلى بذل الجهد، وإن أراد قلبه فرجة عن مطالبات العزة قهرته صدمات الهيبة فردته إلى توديع البهجة، ولو أراد روحه استرواحاً من الحرقات قهرته بوارق التجلي فردته إلى بذل المهجة ﴿ حتى إذا جاء أحدكم الموت ﴾ يعني الفناء عن أوصاف الوجود ﴿ توفته ﴾ رسل صفات قهرنا وهم لا يقصرون في إفناء الأوصاف ﴿ ثم ردوا ﴾ إلى البقاء بالله ﴿ قل الله ينجيكم من ظلمات ﴾ بر الأجسام وبحر الأرواح فإن عالم الأرواح بالنسبة إلى عالم الألوهية ظلمانية.
﴿ تدعونه تضرعا ﴾ بالجسم ﴿ وخفية ﴾ بالروح ﴿ ومن كل كرب ﴾ آفة وفتنة ﴿ ثم أنتم تشركون ﴾ حين يتجلى لكم نور من أنوار صفاته، فبعضكم يقول: أنا الحق وبعضكم يقول: سبحاني ما أعظم شأني ﴿ عذاباً من فوقكم ﴾ بسدل حجاب العزة والغيرة بينه وبينكم ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ حجاباً من أوصاف بشريتكم باستيلاء الهوى عليكم ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ بجعل الخلق فيكم فرقاً.
فمن قائل هم الصديقون، ومن قائل هم الزنديقون ﴿ ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ بالقتل والصلب وقطع الأطراف ﴿ انظر كيف نصرف ﴾ آيات المصارف للسائرين إلى الله ﴿ لعلهم يفقهون ﴾ لشرائط السير ولا يفقهون في مقام دون الفناء عن كلية الوجود بالبقاء بشهود المعبود ﴿ وكذب ﴾ بهذا المقام ﴿ قومك ﴾ المنكرون ﴿ وهو الحق قل لست عليكم بوكيل ﴾ لا أسلك طريق هذا المقام بوكالتكم لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى كما قال ﴿ لكل نبأ مستقر ﴾ أي لكل سائر وواقف مستقر من درجات القرب أو دركات البعد ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون ﴾ في أحوال الرجال ولا حظ لهم منها ﴿ فأعرض عنهم ﴾ ولا تجالسهم ﴿ حتى يخوضوا في حديث ﴾ غير تلك الطامات التي هي ريح في شبح.
﴿ وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ لأن همهم من لبس الخرقة والتزيي بزي الطالبين إنما هو الدنيا وقبول الحق ﴿ أن تبسل نفس ﴾ أي كراهة أن يبطل استعدادها بالكلية ﴿ بما كانوا يكفرون ﴾ بمقامات الرجال من الوصول والوصال ﴿ قل أندعوا من دون الله ﴾ أنطلب غير الله الذي هو النافع الضار.
والنفع الحقيقي هو الفوز بالوصول إليه، والضر الحقيقي هو الانقطاع عنه.
﴿ ونرد على أعقابنا ﴾ إلى مقام الإثنينية التي كنا فيها بعد أن هدانا الله إلى الوحدة كالذي أضلته شياطين الجن والإنس في أرض البشرية باتباع الهوى ﴿ حيران ﴾ من إغوائهم.
﴿ وأمرنا لنسلم ﴾ بترك الوجود كالكرة في ميدان القدرة مستسلماً لصولجان القضاء ﴿ وأن أقيموا الصلاة ﴾ بمحافظة الأسرار عن الأغيار والاتقاء به عن غيره ليحشر إليه لا إلى الجنة أو النار كما قال: ألا من طلبني وجدني.
﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق ﴾ أي لإظهار صفاته، فجعل المخلوقات مرآة لجماله وجلاله وإذا أراد أن يرى عبداً من عباده تلك الصفات يقول له: كن رائياً فيكون، ولن يصير رائياً بمجرد سعيه لأن قوله في حق الإنسان كن رائياً هو الحق وله ملك الإراءة وملك الرؤية، ينفخ الإراءة في صور القلب ﴿ وهو الحكيم ﴾ فيما اختص الإنسان بإراءة الآيات ﴿ الخبير ﴾ بمن يخصه من بين الناس بالإراءة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ ﴾ .
هذا - والله أعلم - يحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ ﴾ ، وصلة قوله: ﴿ مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴾ ؛ كانوا يطلبون منه ويسألونه أشياء من التوسيع في الرزق، وغير ذلك مما كان يعدهم من الكرامة والمنزلة والسعة، وكان يوعدهم بالعذاب ويخوفهم بالهلاك، فيستعجلون ذلك منه ويطلبون منه ما أوعدهم فقال: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ ﴾ ، ليس ذلك عندي، لا يعلم ذلك إلا هو.
ومفاتح: من المفتح، ليس من المفتاح [؛ لأن المفتاح] يكون جمعه مفاتيح، والمفتح: يقال في النصر والمعونة؛ يقال: فتح الله عليه بلدة كذا، أي: نصره وجعله غالباً عليهم، ويقال فيما يحدثه ويستفيد منه: فتح فلان على فلان باب كذا، أي: علمه علم ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ ﴾ .
أي: من عنده يستفاد ذلك ومنه يكون، ومن نصر آخر إنما ينصر به، ومن علم آخر علما إنما يعلمه به، ومن وسع على آخر رزقاً إنما يوسعه بالله، كل هذا يشبه أن يخرج تأويل الآية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ .
هذا يحتمل وجوهاً؛ يحتمل [أي يعلم] ما في البر والبحر من الدواب، وما يسكن فيها من ذي الروح، كثرتها وعددها وصغيرها [وكبيرها] لا يخفى عليه شيء.
والثاني: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ ، أي: يعلم رزق كل ما في البر والبحر من الدواب ويعلم حاجته، ثم يسوق إلى كل من ذلك رزقه.
يذكر هذا - والله أعلم - ليعلموا أنه لما ضمن للخلق لكل منهم رزقه، يسوق إليه رزقه من غير تكلف ولا طلب؛ [كما يسوق أرزاق] كل ما في البر والبحر من غير طلب ولا تكلف، لا تضيق قلوبهم لذلك، فما بالكم تضيق قلوبكم على ذلك، وقد ضمن ذلك لكم كما ضمن لأولئك؟!
والثالث: يعلم ما في البر والبحر من اختلاط الأقطار بعضها ببعض، ومن دخول بعض في بعض، يخرج هذا على الوعيد: أنه لما كان عالماً بهذا كله يعلم بأعمالكم ومقاصدكم.
فإن قيل: هذا الذي ذكر كله في الظاهر دعوى، فما الدليل على أنه كذلك؟
قيل: اتساق التدبير في كل شيء وآثاره فيه يدل على أنه كان بتدبير واحد؛ لأن آثار التدبير في كل شيء واتساقه على سنن واحد ظاهرة بادية، فذلك يدل على ما ذكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ...
﴾ \[الآية\].
يحتمل الكتاب - هاهنا -: التقدير والحكم اختلف فيه؛ قال بعضهم: قوله: ﴿ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: محفوظ كله عنده؛ يقول الرجل لآخر: عملك كله عندي مكتوب، يريد الحفظ، أي: محفوظ عندي، وذلك جائز في الكلام.
وقيل: الكتاب - هاهنا -: [هو] اللوح المحفوظ، أي: كله مبين فيه.
وقال الحسن - رحمه الله -: إن الله يخرج كتاباً في كل ليلة قدر، ويدفعه إلى الملائكة، وفيه مكتوب كل ما يكون في تلك السنة؛ ليحفظوه على ما يكون.
أو كلام نحو هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّٰكُم بِٱلَّيلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ﴾ .
قال بعض أهل الكلام: إن لكل حاسة من هذه الحواس روحاً تقبض عند النوم، ثم ترد إليها، سوى روح الحياة فإنها لا تقبض؛ لأنه يكون أصم بصيراً متكلماً ناطقاً، ويكون أعمى سميعاً، ويكون أخرس سميعاً بصيراً، فثبت أن لكل حاسة من حواس النفس روحاً على حدة تقبض عند النوم، ثم ترد إليها إذا ذهب النوم.
وأما الروح التي بها تحيا النفس: فإنه لا يقبض ذلك منه إلا عند انقضاء أجله وهو الموت.
وقالت الفلاسفة: الحواس هي التي تدرك صور الأشياء بطينتها.
وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّٰكُم بِٱلَّيلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ﴾ .
فيه دلالة أن ليس ذكر الحكم في حال أو تخصيص الشيء في حال دلالة سقوط ذلك في حال أخرى؛ لأنه قال: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ﴾ ، ليس فيه أنه لا يعلم ما جرحنا بالليل، بل يعلم ما يكون منا بالليل والنهار جميعاً، وليس فيه أنه لا يتوفانا بالنهار وألا نجرح بالليل، لكنه ذكر الجرح بالنهار والوفاة بالليل؛ [لما أن الغالب أن يكون النوم بالليل والجرح بالنهار؛ فهو كقوله - : ﴿ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً ﴾ ليس ألا يبصر بالليل، لكن ذكر النهار] لما أن الغالب مما يبصر إنما يكون بالنهار؛ فعلى ذلك الأول.
ثم فيه دلالة أن النائم غير مخاطب في حال نومه؛ حيث ذكر الوعيد فيما يجرحون بالنهار ولم يذكر بالليل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ﴾ .
قال بعضهم: جرحتم، أي: أثمتم بالنهار.
وقيل: يعلم ما كسبتم بالنهار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ﴾ .
يستدل بقوله: ﴿ يَتَوَفَّٰكُم بِٱلَّيلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ﴾ على الإحياء بعد الموت؛ لأنه يذهب أرواح هذه الحواس ثم يردها إليها من غير أن يبقى لها أثر، فكيف تنكرون البعث بعد الموت وإن لم يبق من أثر الحياة [شيء]؟!
ثم القول في الجمع بعد التفرق مما الخلق يفعل ذلك ويقدر عليه؛ نحو ما يجمع من التراب المتفرق فيجعله طيناً، ورفع البناء من مكان، ووضعه في مكان آخر، وغير ذلك من جمع بعض إلى بعض، وتركيب بعض على بعض؛ فدل أن الأعجوبة في ردّ ما ذهب كله حتى لم يبق له أثر، لا في جمع ما تفرق، والله أعلم.
وقوله - عز جل -: ﴿ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ﴾ .
أي: يوقظكم، ويرد إليكم أرواح الحواس.
﴿ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى ﴾ .
أي: مسمى العمر إلى الموت.
﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .
خرج هذا على الوعيد لما ذكرنا؛ ليكونوا على حذر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ .
يعلم كل ما يغيب عن الخلق ولا يخفى عليه شيء؛ لأنه عالم بذاته لا يحجبه شيء، ليس كعلم من يعلم بغيره، فيحول بينه وبين العلم بالأشياء الحجب والأستار، فأما الله - وتعالى - فعالم بذاته لا يعزب عنه شيء، ولا يكون له حجاب عن شيء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً ﴾ : فيه جميع ما يحتاج أهل التوحيد في التوحيد؛ لأنه أخبر أنه قاهر لخلقه وهم مقهورون، ومن البعيد أن يشبه القاهر المقهور بشيء، أو يشبه المقهور القاهر بوجه، أو يكون المقهور شريك القاهر في معنى؛ لأنه لو كان شيء من ذلك لم يكن قاهرا من جميع الوجوه، ولا كان الخلق مقهوراً في الوجوه كلها، فإذا كان الله قاهراً بذاته الخلق كله كانت آثار قهره فيهم ظاهرة، وأعلام سلطانه فيهم بادية؛ دل على تعاليه عن الأشباه والأضداد، وأنه كما وصف ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ .
يكون على وجهين: أحدهما: وهو القاهر وهو فوق عباده.
الثاني: على التقديم والتأخير؛ وهو فوق عباده القاهر.
ويحتمل قوله: ﴿ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ : بالنصر لهم والمعونة والدفع عنهم؛ كقوله: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ ، أي: بالنصر والمعونة، والعظمة والرفعة والجلال، ونفاذ السلطان والربوبية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً ﴾ .
أخبر أنه القاهر فوق عباده، وأنه أرسل عليهم الحفظة؛ ليعلموا أن إرسال الحفظة عليهم لا لحاجة له [في ذلك لما أخبر [أنه] قاهر فوق عباده ولو كان ذلك لحاجة له] لم يكن قاهراً؛ لأن كل من وقعت له حاجة صار مقهوراً تحت قهر آخر، فالله - - يتعالى عن أن تمسه حاجة، أو يصيبه شيء مما يصيب الخلق، بل إنما أرسلهم عليهم لحاجة الخلق: إما امتحاناً منه للحفظة على محافظة أعمال العباد والكتابة عليهم، من غير أن تقع له في ذلك حاجة، يمتحنهم على ذلك، ولله أن يمتحن عباده بما شاء من أنواع المحن، وإن أكرمهم ووصفهم بالطاعة في الأحوال كلها بقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ ، وغير ذلك من الآيات.
والثاني: يرسلهم عليهم بمحافظة أعمالهم والكتابة عليهم؛ ليكونوا على حذر في ذلك [العمل]، [وذلك في الزجر أبلغ وأكثر؛ لأن من علم أن عليه رقيباً في عمله وفعله كان أحذر في ذلك العمل].
وأنظر فيه، وأحفظ له ممن لم يكن عليه ذلك، وإن كان يعلم كل مسلم أن الله عالم الغيب لا يخفى عليه شيء، عالم بما كان منهم وبما يكون أنه كيف يكون؟
ومتى يكون؟
ثم اختلف في الحفظة هاهنا: قال بعضهم: هم الذين قال الله [فيهم]: ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ يكتبون أعمالهم ويحفظونها عليهم.
وقال آخرون: هم الذين يحفظون أنفاس الخلق، ويعدون عليهم إلى وقت انقضائها وفنائها، ثم تقبض منه الروح ويموت؛ ألا ترى أنه قال على أثره: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ﴾ ؛ دل على أن الحفظة - هاهنا - هم الذين سلطوا على حفظ الأنفاس، والعد عليهم إلى وقت الموت، والله أعلم.
ثم في قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ﴾ دلالة خلق أفعال العباد؛ لأنه ذكر مجيء الموت وتوفي الرسل، وقال: ﴿ خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ ﴾ ومجيء الموت هو توفي الرسل وتوفي الرسل هو مجيء الموت.
ثم أخبر أنه خلق الموت دل أنه خلق توفيهم، فاحتال بعض المعتزلة في هذا وقال: إن الملك هو الذي ينزع الروح ويجمعه في [موضع]، ثم إن الله يتلفه ويهلكه.
فلئن كان ما قال، فإذن لا يموت بتوفي الرسل أبداً؛ لأنهم إذا نزعوا وجمعوا في موضع تزداد حياة الموضع الذي جمعوا فيه؛ لأنه اجتمع كل روح النفس في ذلك الموضع، فإن لم يكن دل أن ذلك خيال، والوجه فيه ما ذكرنا من الدلالة، وهو ظاهر بحمد الله، يعرفه كل عاقل يتأمل فيه ولم يعاند، وبالله التوفيق.
ثم اختلف في قوله: ﴿ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ﴾ : قال بعضهم: هو ملك الموت وحده، وإن خرج الكلام مخرج العموم بقوله: ﴿ رُسُلُنَا ﴾ ، والمراد منه الخصوص؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ﴾ ، أخبر أنه هو الموكل والمسلط على ذلك.
وقال آخرون: يتوفاه أعوان ملك الموت، ثم يقبضه ملك الموت ويتوفاه.
وقال قائلون: يكون معه ملائكة تقبض الأنفس، ويتوفاه ملك الموت.
لكن [ذكر] ذلك لا ندري أن كيف هو،؟
ليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة، ولكن إلى معرفة ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ﴾ فيه إخبار عن شدة طاعة الملائكة ربهم، وأن الرأفة لا تأخذهم فيما فيه تأخير أمر الله وتفريطه؛ لأن من دخل على من في النزع، أخذته من الرأفة ما لو ملك حياته لبذل له، فأخبر عز وجل أنهم لا يفرطون فيما أمروا ولا يؤخرونه؛ لتعظيمهم أمر الله وشدة طاعتهم له، وعلى ذلك وصفهم: ﴿ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ ، وقال - عز وجل -: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ ، وقال: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ ﴾ .
ذكر الرد إلى الله، وأنه مولاهم الحق، وإن كانوا في الأحوال كلها مردودين إلى الله، وكان مولاهم الحق في الدنيا والآخرة.
وكذلك قوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ وكذلك قوله: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ﴾ كان الملك له في الدنيا والآخرة، وكانوا بارزين له جميعاً في الأوقات كلها؛ لما كانوا أصحاب الشكوك، فارتفع ذلك عنهم، وخلص بروزهم وردهم إلى الله خالصاً لا شك فيه؛ وكذلك كان الملك [له] في الدنيا والآخرة وهي الأيام كلها، لكن نازعه غيره في الملك في الدنيا، ولا أحد ينازعه في ذلك اليوم في الملك، فقال: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ ﴾ ؛ وعلى ذلك قوله: ﴿ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ ﴾ ، كان مولاهم الحق في الأوقات كلها والأحوال، ولكن عند ذلك يظهر لهم أنه كان مولاهم الحق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل: ردوا إلى ما وعدهم وأوعد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ ﴾ : في تأخير الموت والحياة، وقبض الأرواح، وتوفي الأنفس.
ويحتمل [قوله]: ﴿ أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ ﴾ في التعذيب في النار والثواب والعقاب ليس يدفع ذلك عنهم دافع سواه، ولا ينازعه أحد في الحكم.
﴿ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَاسِبِينَ ﴾ .
عن الحسن قال: هو سريع العقاب؛ لأنه إنما يحاسب ليعذب كما روي: "من نوقش الحساب عذب" وهو أسرع الحاسبين؛ لأنه لا يحاسب عن حفظ ولا تفكر، ولا يشغله شيء، وأما غيره: فإنما يحاسب عن حفظ وتفكر وعن شغل، فهو أسرع الحاسبين؛ إذ لا يشغله شيء.
<div class="verse-tafsir"
ثم رُدَّ جميع من قُبضَتْ أرواحهم إلى الله مالكهم الحق ليجازيهم على أعمالهم، الذي له القضاء النافذ والحكم العدل فيهم، وهو أسرع من عدّكم وأحصى أعمالكم.
<div class="verse-tafsir" id="91.0x4RP"