التسهيل لعلوم التنزيل سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > تفسير > التسهيل > تفسير سورة الأنعام

تفسيرُ سورةِ الأنعام كاملةً من التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) (ابن جزي الكلبي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 99 دقيقة قراءة

تفسير سورة الأنعام كاملةً (ابن جزي الكلبي)

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ١ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍۢ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلًۭا ۖ وَأَجَلٌۭ مُّسَمًّى عِندَهُۥ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ٢

قال كعب: أول الأنعام هو أول التوراة ﴿ وَجَعَلَ الظلمات والنور ﴾ جعل هنا بمعنى خلق، والظلمات: الليل، والنور النهار، والضوء الذي في الشمس والقمر وغيرهما، وإنما أفرد النور لأنه أراد الجنس، وفي الآية رد على المجوس في عبادتهم للنار وغيرها من الأنوار، وقولهم: إن الخير من النور والشر من الظلمة؛ فإن المخلوق لا يكون إلهاً ولا فاعلاً لشيء من الحوادث ﴿ ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ أي يسوون ويمثلون من قولك: عدلت فلاناً بفلان، إذا جعلته نظيره وقرينه.

ودخلت ثم لتدل على استبعاد أن يعدلوا بربهم بعد وضوح آياته في خلق السموات والأرض، والظلمات والنور وكذلك قوله: ﴿ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ استبعاد لأن يمتروا فيه بعد ما ثبت أنه أحياهم وأماتهم، وفي ضمن ذلك تعجيب من فعلهم وتوبيخ لهم ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ هنا عام في كل مشرك.

وقد يختص بالمجوس بدليل الظلمات والنور، وبعبدة الأصنام، لأنهم المجاورون للنبي صلى الله عليه وسلم، وعليهم يقع الردّ في أكثر القرآن ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ﴾ أي خلق أباكم آدم من طين ﴿ ثُمَّ قضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ﴾ الأجل الأول الموت، والثاني يوم القيامة وجعله عنده: لأنه استأثر بعلمه، وقيل: الأوّل النوم، والثاني: الموت، ودخلت ثم هنا لترتيب الأخبار، لا لترتيب الوقوع، لأن القضاء متقدم على الخلق.

<div class="verse-tafsir"

وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ٣

﴿ وَهُوَ الله فِي السماوات وَفِي الأرض ﴾ يتعلق في السموات بمعنى اسم الله، فالمعنى كقوله: ﴿ وَهُوَ الذي فِي السمآء إله وَفِي الأرض إله ﴾ [الزخرف: 84]، كما يقال: أمير المؤمنين الخليفة في المشرق والمغرب، ويحتمل أن يكون المجرور في موضع الخبر: فيتعلق باسم فاعل محذوف، والمعنى على هذا قريب من الأول، وقيل: المعنى أنه في السموات والأرض بعلمه كقوله: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾ [الحديد: 4]، والأول أرجح وأفصح؛ لأن اسم الله جامع للصفات كلها من العلم والقدرة والحكمة، وغير ذلك فقد جمعها مع الإيجاز، ويترجح الثاني بأن سياق الكلام في اطلاع الله تعالى وعلمه، لقوله بعدها: ﴿ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ ﴾ ، وقيل: يتعلق بمحذوف تقديره: المعبود في السموات وفي الأرض وهذا المحذوف صفة لله: واسم الله على هذا القول، وعلى الأول هو خبر المبتدأ، وأما إذا كان المجرور الخبر فاسم الله بدل من الضمير.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍۢ مِّنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ٤ فَقَدْ كَذَّبُوا۟ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنۢبَـٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ٥

﴿ وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيات رَبِّهِمْ ﴾ من الأولى زائدة، والثانية للتبعيض، أو لبيان الجنس ﴿ بالحق ﴾ يعني ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ ﴾ الآية: وعيد بالعذاب والعقاب على استهزائهم.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍۢ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًۭا وَجَعَلْنَا ٱلْأَنْهَـٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَـٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ ٦

﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا ﴾ حض للكفار على الاعتبار بغيرهم، والقرن مائة سنة، وقيل سبعون، وقيل أربعون ﴿ مكناهم فِي الأرض ﴾ الضمير عائد على القرن، لأنه في معنى الجماعة ﴿ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ ﴾ الخطاب لجميع أهل ذلك العصر من المؤمنين والكافرين ﴿ وَأَرْسَلْنَا السمآء عَلَيْهِم مِّدْرَاراً ﴾ السماء هنا المطر والسحاب أو السماء حقيقة، ومدراراً: بناء مبالغة وتكثير من قولك درّ المطر إذا غزر ﴿ فأهلكناهم بِذُنُوبِهِمْ ﴾ التقدير: فكفروا وعصوا فأهلكناهم، وهذا تهديد للكفار أن يصيبهم مثل ما أصاب هؤلاء على حال قوتهم وتمكينهم.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌۭ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًۭا لَّقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ٨ وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكًۭا لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلًۭا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ ٩ وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُوا۟ مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ١٠

﴿ وَقَالُواْ لولا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ حكاية عن طلب بعض العرب، وروي أن العاصي بن وائل، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود والأسود بن عبد يغوث قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، لو كان معك ملك ﴿ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمر ﴾ قال ابن عباس: المعنى؛ لو أنزلنا ملكاً فكفروا بعد ذلك لعجل لهم العذاب، ففي الكلام على هذا حذف، وقضي الأمر على هذا: تعجيل أخذهم، وقيل: المعنى لو أنزلنا ملكاً لماتوا من هول رؤيته، فقضي الأمر على هذا: موتهم ﴿ وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً ﴾ أي لو جعلنا الرسول ملكاً لكان في صورة رجل لأنه لا طاقة لهم على رؤية الملك في صورته ﴿ وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ ﴾ أي لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم وعلى ضعفائهم، فإنهم لو رأوا الملك بصورة إنسان قالوا: هذا إنسان وليس بملك ﴿ وَلَقَدِ استهزىء بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ الآية: إخبار قصد به تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما كان يلقى من قومه ﴿ فَحَاقَ ﴾ أي أحاط بهم، وفي هذا الإخبار تهديد للكفار.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ ٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ١١

﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض ﴾ الآية: حض على الاعتبار بغيرهم إذا رأوا منازل الكفار الذين هلكوا من قبلهم ﴿ ثُمَّ انظروا ﴾ قال الزمخشري: إن قلت أي فرق بين قوله: فانظروا وبين قوله: ثم انظروا؟

قلت: جعل النظر سبباً عن السير في قوله: فانظروا.

كأنه قال: سيروا لأجل النظر، وأما قوله: فسيروا في الأرض ثم أنظروا: فمعناه إباحة السير للتجارة وغيرها من المنافع، وإيجاب النظر في الهالكين رتَّبه على ذلك بثم، لتباعد ما بين الواجب والمباح.

<div class="verse-tafsir"

قُل لِّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ١٢

﴿ قُل لِّمَن مَّا فِي السماوات والأرض قُل للَّهِ ﴾ القصد بالآية إقامة البرهان على صحة التوحيد وإبطال الشرك، وجاء ذلك بصفة الاستفهام لإقامة الحجة على الكفار فسأل أولاً، لمن ما في السموات والأرض؟

ثم أجاب عن السؤال بقوله قل لله، لأن الكفار يوافقون على ذلك بالضرورة، فيثبت بذلك أن الإله الحق هو الله الذي له ما في السموات وما في الأرض، وإنما يحسن أن يكون السائل مجيباً عن سؤاله، إذا علم أن خصمه لا يخالفه في الجواب الذي به يقيم الحجة عليه ﴿ كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة ﴾ أي قضاها، وتفسير ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض، وفيه «إن رحمتي سبقت غضبي» ، وفي رواية: تغلب غضبي ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴾ مقطوع مما قبله، وهو جواب لقسم محذوف، وقيل: هو تفسير الرحمة المذكورة تقديره: أن يجمعكم، وهذا ضعيف لدخول النون الثقيلة في غير موضعها، فإنها لا تدخل إلا في القسم أو غير الواجب ﴿ إلى يَوْمِ القيامة ﴾ قيل: هنا إلى بمعنى في وهو ضعيف، والصحيح أنها للغاية على بابها ﴿ الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ الذين مبتدأ وخبره لا يؤمنون؛ ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط قاله الزجاج وهو حسن، وقال الزمخشري الذين نصب على الذم أو رفع بخبر ابتداء مضمر، وقيل: هو بدل من الضمير في ليجمعنكم وهو ضعيف، وقيل: منادى وهو باطل.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِى ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ١٣ قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّۭا فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ١٤

﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الليل والنهار ﴾ عطف على قوله قل: لله، ومعنى سكن: حل، فهو من السكنى، وقيل: هو من السكون وهو ضعيف لأن الأشياء منها ساكنة ومتحركة فلا يعم، والمقصود عموم ملكه تعالى لكل شيء ﴿ قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً ﴾ إقامة حجة على الكفار، وردٌ عليهم بصفات الله الكريم التي لا يشاركه غيره فيها ﴿ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ﴾ أي من هذه الأمة لأن النبي صلى الله عليه وسلم سابقُ أمته إلى الإسلام ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ ﴾ في الكلام حذف تقديره وقيل لي: ولا تكونن من المشركين، أو يكون معطوفاً على معنى أمرت فلا حذف وتقديره أمرت بالإسلام، ونهيت عن الإشراك.

<div class="verse-tafsir"

مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍۢ فَقَدْ رَحِمَهُۥ ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ ١٦

﴿ مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ﴾ أي من يصرف عنه العذاب يوم القيامة فقد رحمه الله، وقرئ يصرف بفتح الياء وفاعله الله ﴿ وَذَلِكَ ﴾ إشارة إلى صرف العذاب أو إلى الرحمة.

<div class="verse-tafsir"

وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّۢ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍۢ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ١٧

﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ ﴾ معنى يمسسك: يصبك، والضر: المرض وغيره على العموم في جميع المضرات، والخير: العاقبة وغيرها على العموم أيضاً، والآية برهان على الوحدانية لانفراد الله تعالى بالضر والخير، وكذلك ما بعد هذا من الأوصاف براهين ورد على المشركين.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَـٰدَةًۭ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ شَهِيدٌۢ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُل لَّآ أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ وَإِنَّنِى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ١٩

﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شهادة ﴾ سؤال يتقضي جواباً ينبي عليه المقصود، وفيه دليل على أن الله يقال فيه شيء لكن ليس كمثله شيء ﴿ قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ يحتمل وجهين أحدهما أن يكون الله مبتدأ وشهيد خبره، والآخر أن يكون تمام الجواب عند قوله: قل الله، بمعنى أن الله أكبر شهادة، ثم يبتدئ على تقدير: هو شهيد بيني وبينكم، والأول أرجح لعدم الإضمار، والثاني أرجح لمطابقته للسؤال، لأن السؤال بمنزلة من يقول: من أكبر الناس؟

فيقال في الجواب، فلان وتقديره فلان أكبر، والمقصود بالكلام استشهاد بالله الذي هو أكبر شهادة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهادة الله بهذا هي علمه بصحة نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وإظهار معجزته الدالة على نبوته ﴿ وَمَن بَلَغَ ﴾ عطف على ضمير المفعول في لأنذركم والفاعل ببلغ ضمير القرآن، والمفعول محذوف يعود على من تقديره: ومن بلغه والمعنى أوحى إليّ هذا القرآن لأنذر به المخاطبين، وهم أهل مكة، وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم إلى يوم القيامة، قال سعيد بن جبير: من بلغه القرآن فكأنما رأى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: المعنى؛ ومن بلغ الحلم وهو بعيد ﴿ قل إئنكم لتشهدون ﴾ الآية: تقرير المشركين على شركهم، ثم تبرأ من ذلك بقوله: لا أشهد، ثم شهد الله بالوحدانية، وروي أنها نزلت بسبب قوم من الكفار أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد ما تعلم من الله إلهاً آخر.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ۘ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ٢٠ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِهِۦٓ ۗ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٢١ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ٢٢

﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ﴾ تقدّم في [البقرة: 146] ﴿ الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ الذين مبتدأ وخبره فهم لا يؤمنون وقيل: الذين نعت للذين آتيناهم الكتاب وهو فاسد، لأن أتوا الكتاب ما استشهد بهم هنا إلا ليقيم الحجة على الكفار ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ لفظه استفهام ومعناه لا أحد أظلم ﴿ مِمَّنِ افترى عَلَى الله ﴾ وذلك تنصل من الكذب على الله، وإظهار لبراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما نسبوه إليه من الكذب، ويحتمل أن يريد بالافتراء على الله ما نسب إليه الكفار من الشركاء والأولاد ﴿ أَوْ كَذَّبَ بآياته ﴾ أي علاماته وبراهينه ﴿ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ﴾ يقال لهم ذلك على وجه التوبيخ ﴿ تَزْعُمُونَ ﴾ أي تزعمون أنهم آلهة فحذفه لدلالة المعنى عليه، والعامل في يوم نحشرهم محذوف.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ٢٣

﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ ﴾ الفتنة هنا تحتمل أن تكون بمعنى الكفر، أي لم تكن عاقبة كفرهم إلا جحوده والتبرؤ منه، وقيل: فتنتهم معذرتهم، وقيل: كلامهم، وقرئ فتنتهم بالنصب على خبر كان واسمها أن قالوا، وقرئ بالرفع على اسم كان وخبرها أن قالوا ﴿ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ جحود لشركهم، فإن قيل: كيف يجحدونه وقد قال الله ولا يكتمون الله حديثاً؟

فالجواب أن ذلك يختلف باختلاف طوائف الناس واختلاف المواطن، فيكتم قوم ويقر آخرون، ويكتمون في موطن ويقرون في موطن آخر، لأن يوم القيامة طويل وقد قال ابن عباس لما سئل عن هذا السؤال: إنهم جحدوا طمعاً في النجاة، فختم الله على أفواههم، وتكلمت جوارحهم فلا يكتمون الله حديثاً.

<div class="verse-tafsir"

وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًۭا ۚ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍۢ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَـٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٢٥

﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ﴾ الضمير عائد على الكفار، وأفرد يستمع وهو فعل جماعة حملاً على لفظ من ﴿ وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ ﴾ أكنة جمع كنان، وهو الغطاء، وأن يفقهوه في موضع مفعول من أجله تقديره: كراهة أن يفقهوه، ومعنى الآية: أن الله حال بينهم وبين فهم القرآن إذا استمعوه، وعبر بالأكنة والوقر مبالغة، وهي استعارة ﴿ أساطير الأولين ﴾ أي قصصهم وأخبارهم، وهو جمع أسطار وأسطورة قال السهيلي: حيث ما ورد في القرآن أساطير الأولين، فإن قائلها هو النضر بن الحارث، وكان قد دخل بلد فارس وتعلم أخبار ملوكهم، فكان يقول حديثي أحسن من حديث محمد صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْـَٔوْنَ عَنْهُ ۖ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ٢٦

﴿ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ﴾ هم عائد على الكفار، والضمير في عنه عائد على القرآن، والمعنى وهم ينهون الناس عن الإيمان، وينأون هم عنه أي يبعدون، والنأي هو البعد، وقيل الضمير في عنه يعود على النبي صلى الله عليه وسلم، ومعنى ينهون عنه ينهون الناس عن أذاه، وهم مع ذلك يبعدون عنه، والمراد بالآية على هذا هو أبو طالب ومن كان معه: يحمي النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يسلم وفي قوله: ينهون وينأون ضرب من ضروب التجنيس.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُوا۟ يَـٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٢٧ بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا۟ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ ٢٨ وَقَالُوٓا۟ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ٢٩ وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ قَالَ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ ۚ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ٣٠ قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةًۭ قَالُوا۟ يَـٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٣١

﴿ وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار ﴾ جواب لو محذوف هنا، وفي قوله: ﴿ وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبِّهِمْ ﴾ ، وإنما حذف ليكون أبلغ ما يقدره السامع: أي لو ترى لرأيت أمراً شنيعاً هائلاً، ومعنى وقفوا حبسوا، قاله ابن عطية، ويحتمل أن يريد بذلك إذا ادخلوا النار، وإذا عاينوا وأشرفوا عليها، ووضع إذ موضع إذا لتحقيق وقوع الفعل حتى كأنه ماض ﴿ ياليتنا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ ﴾ فرئ برفع نكذبُ ونكونُ على الاستئناف والقطع على التمني، ومّله سيبويه بقولك: دعني ولا أعود أي وأنا لا أعود، ويحتمل أن يكون حالاً تقديره نرد غير مكذبين، أو عطف على نرد، وقرئ بالنصب بإضمار أن بعد الواو في جواب التمني ﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ المعنى ظهر لهم يوم القيامة في صحائفهم ما كانوا يخفون في الدنيا من عيوبهم وقبائحهم، وقيل: هي في أهل الكتاب أي بدا لهم ما كانوا يخفون من أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: هي في المنافقين أي بدا لهم ما كانوا يخفون من الكفر، وهذان القولان بعيدان، فإن الكلام أوله ليس في حق المنافقين ولا أهل الكتاب، وقيل: إن الكفار كانوا إذا وعظهم النبي صلى الله عليه وسلم خافوا وأخفوا ذلك الخوف لئلا يشعر بها أتباعهم، فظهر لهم ذلك يوم القيامة ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ ﴾ إخبار بأمر لا يكون لو كان كيف كان يكون وذلك مما انفرد الله بعلمه ﴿ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ يعني في قولهم: ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين، ولا يصح أن يرجع إلى قولهم: يا ليتنا نردّ، لأن التمني لا يحتمل الصدق ولا الكذب ﴿ وقالوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا ﴾ حكاية عن قولهم في إنكار البعث الأخروي ﴿ قَالَ أَلَيْسَ هذا بالحق ﴾ تقرير لهم وتوبيخ ﴿ قَالُواْ ياحسرتنا على مَا فَرَّطْنَا فِيهَا ﴾ الضمير فيها للحياة الدنيا لأن المعنى يقتضي ذلك وإن لم يجر لها ذكر، وقيل: الساعة أي فرطنا في شأنها، والاستعداد لها، والأول أظهر ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ ﴾ كناية عن تحمل الذنوب، وقال: على ظهورهم، لأن العادة حمل الأثقال على الظهور، وقيل: إنهم يحملونها على ظهورهم حقيقة، وروي في ذلك أن الكافر يركبه عمله بعد أن يتمثل له في أقبح صورة، وأن المؤمن يركب عمله بعد أن يتصوّر له في أحسن صورة ﴿ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ إخبار عن سوء ما يفعلون من الأوزار.

<div class="verse-tafsir"

قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ٣٣

﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذي يَقُولُونَ ﴾ قرأ نافع يحزن حيث وقع بضم الياء من أحزن، إلا قوله: لا يحزنهم الفزع الأكبر، وقرأ الباقون بفتح الياء من حزن الثلاثي وهو أشهر في اللغة والذي يقولون: قولهم إنه ساحر، شاعر، كاهن ﴿ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ﴾ من قرأ بالتشديد فالمعنى: لا يكذبونك معتقدين لكذبك، وإنما هم يجحدون بالحق مع علمهم به، ومن قرأ بالتخفيف فقيل: معناه لا يجدونك كاذباً، يقال؛ أكذبت فلاناً إذا وجدته كاذباً، كما يقال: أحمدته إذا وجدته محموداً، وقيل: هو بمعنى التشديد، يقال: كذبك فلان فلاناً وأكذبه بمعنى واحد، وهو الأظهر لقوله بعد هذا يجحدون، ويؤيد هذا ما روي أنها نزلت في أبي جهل فإنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكفر بك ولكن نكذب ما جئت به، وأنه قال للأخنس بن شريق: والله إن محمداً لصادق، ولكني أحسده على الشرف ﴿ ولكن الظالمين ﴾ أي: ولكنهم ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أنهم ظلموا في جحودهم.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا۟ عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا۟ وَأُوذُوا۟ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِى۟ ٱلْمُرْسَلِينَ ٣٤

﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ ﴾ الآية: تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وحضّ له على الصبر، ووعد له بالنصر ﴿ وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله ﴾ أي لمواعيده لرسله؛ كقوله: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون ﴾ [الصافات: 172]، وفي هذا تقوية للوعد ﴿ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ المرسلين ﴾ أي من أخبارهم ويعني بذلك صبرهم ثم نصرهم، وهذا أيضاً تقوية للوعد والحض على الصبر، وفاعل جاءك محذوف تقديره نبأ أو خلاف، وقيل هو المجرور.

<div class="verse-tafsir"

وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقًۭا فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًۭا فِى ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُم بِـَٔايَةٍۢ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ ٣٥

﴿ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ ﴾ الآية: مقصودها حمل النبي صلى الله عليه وسلم على الصبر، والتسليم لما أراد الله بعباده من إيمان أو كفر، فإنه صلى الله عليه وسلم كان شديد الحرص على إيمانهم، فقيل له: إن استطعت أن تدخل في الأرض أو تصعد إلى السماء فتأتيهم بآية يؤمنون بسببها، فافعل وأنت لا تقدر على ذلك، فاستسلم لأمر الله، والنفق في الأرض معناه: منفذ تنفذ منه إلى ما تحت الأرض، وحذف جواب إن لفهم المعنى ﴿ وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى ﴾ حجة لأهل السنة على القدرية ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين ﴾ أي من الذين يجهلون أن الله لو شاء لجمعهم على الهدى.

<div class="verse-tafsir"

۞ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ٣٦

﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ ﴾ المعنى إنما يستجيب لك الذين يسمعون فيفهمون ويعقلون ﴿ والموتى يَبْعَثُهُمُ الله ﴾ فيه ثلاث تأويلات: أحدهما: أن الموتى عبارة عن الكفار بموت قلوبهم، والبعث يراد به الحشر يوم القيامة، فالمعنى أن الكفار في الدنيا كالموتى في قلة سمعهم وعدم فهمهم، فيبعثهم الله في الآخرة، وحينئذ يسمعون، والآخر أن الموتى عبارة عن الكفار، والبعث عبارة عن هدايتهم للفهم والسمع والثالث: أن الموتى على حقيقته، والبعث على حقيقته فهو إخبار عن بعث الموتى يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةًۭ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٣٧

﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ﴾ الضمير في قالوا للكفار، ولولا: عرض، والمعنى: أنهم طلبوا أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بآية على نبوّته، فإن قيل: فقد أتى به، وكأنه لم يأت بشيء عندهم لعنادهم وجحدهم، والآخر: أنهم إنما طلبوا آية تضطرهم إلى الإيمان من غير نظر ولا تفكر ﴿ قُلْ إِنَّ الله قَادِرٌ على أَن يُنَزِّلٍ آيَةً ﴾ جواب على قولهم، وقد حكى هذا القول عنهم في مواضع من القرآن وأجيب عليه بأجوبة مختلفة، منها ما يقتضي الردّ عليهم في طلبهم الآيات فإنه قد أتاهم بآيات وتحصيل الحاصل لا ينبغي كقوله: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا الآيات ﴾ [البقرة: 118]، وكقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب يتلى عَلَيْهِمْ ﴾ [العنكبوت: 51]، ومنها ما يقتضي الإعراض عنهم، لأن الخصم إذا تبين عناده سقطت مكالمته، ويحتمل أن يكون من هذا قوله: ﴿ قُلْ إِنَّ الله قَادِرٌ على أَن يُنَزِّلٍ آيَةً ﴾ ، ويحتمل أيضاً أن يكون معناه قادر على أن ينزل آية تضطرهم إلى الإيمان ﴿ ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ حذف مفعول يعلمون، وهو يحتمل وجهين: أحدهما لا يعلمون أن الله قادر، والآخر لا يعلمون أن الله إنما منع الآيات التي تضطرهم إلى الإيمان لمصالح العباد، فإنهم لو رأوها ولم يؤمنوا لعوقبوا بالعذاب.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا مِن دَآبَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا طَـٰٓئِرٍۢ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ٣٨

﴿ بِجَنَاحَيْهِ ﴾ تأكيد وبيان وإزالة للاستعارة المتعاهدة في هذه اللفظة، فقد يقال: طائر للسعد والنحس ﴿ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ أي في الخلق والرزق، والحياة والموت، وغير ذلك، ومناسبة ذكر هذا لما قبله من وجهين: أحدهما أنه تنبيه على مخلوقات الله تعالى، فكأنه يقول: تفكروا في مخلوقاته، ولا تطلبوا غير ذلك من الآيات، والآخر: تنبيه على البعث، كأنه يقول: جميع الدواب والطير يحشر يوم القيامة كما تحشرون أنتم، وهو أظهر لقوله بعده: ثم إلى ربهم يحشرون ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب ﴾ أي ما غفلنا، والكتاب هنا هو اللوح المحفوظ، والكلام على هذا عام، وقيل: هو القرآن والكلام على هذا خاص: أي ما فرطنا فيه من شيء فيه هدايتكم، والبيان لكم ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ أي تبعث الدواب والطيور يوم القيامة للجزاء والفصل بينها.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا صُمٌّۭ وَبُكْمٌۭ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ ۗ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ٣٩ قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٤٠ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ٤١

﴿ والذين كَذَّبُواْ ﴾ الآية: لما ذكر قدرته على بعث الخلق كلهم أتبعه بأن وصف من كذب بذلك بالصمم والبكم، وقوله في الظلمات يقوم مقام الوصف بالعمى ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُكُم ﴾ معناه أخبروني، والضمير الثاني للخطاب، ولا محل له من الإعراب وجواب الشرط محذوف تقديره: إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة من تدعون؟

ثم وقفهم على أنهم لا يدعون حينئذ إلا الله، ولا يدعون آلهتهم، والآية احتجاج عليهم، وإثبات للتوحيد، وإبطال للشرك ﴿ إِنْ شَآءَ ﴾ استثناء أي يكشف ما نزل بكم إن أراد، ويصيبكم به إن أراد ﴿ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ﴾ يحتمل أن يكون من النسيان أو الترك.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ٤٢ فَلَوْلَآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا۟ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٤٣ فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا۟ بِمَآ أُوتُوٓا۟ أَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةًۭ فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ ٤٤

﴿ فأخذناهم بالبأسآء والضرآء ﴾ كان ذلك على وجه التخفيف والتأديب ﴿ فلولا ﴾ هذا عرض وتحضيض وفيه دليل على نفع التضرع حين الشدائد ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ ﴾ الآية: أي لما تركوا الاتعاظ بما ذكروا به من الشدائد، فتح عليهم أبواب الرزق والنعم ليشكروا عليها فلم يشكروا فأخذهم الله ﴿ مُّبْلِسُونَ ﴾ آيسون من الخير.

<div class="verse-tafsir"

فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ۚ وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٤٥

﴿ دَابِرُ القوم ﴾ آخرهم، وذلك عبارة عن استئصالهم بالكلية ﴿ والحمد للَّهِ ﴾ شكر على هلاك الكفار فإنه نعمة على المؤمنين وقيل: إنه إخبار على ما تقدم من الملاطفة في أخذه لهم بالشر ليزدجروا، أو بالخير ليشكروا حتى وجب عليهم العذاب بعد الإنذار والإعذار.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَـٰرَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَـٰتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ٤٦ قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٤٧

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ ﴾ الآية.

احتجاج على الكفار أيضاً ﴿ يَأْتِيكُمْ بِهِ ﴾ الضمير عائد على المأخوذ ﴿ يَصْدِفُونَ ﴾ أي يعرضون ﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ ﴾ الآية: وعيد وتهديد، والبغتة ما لم يتقدم لهم شعور به، والجهرة ما بدت لهم مخايلة، وقيل بغتة بالليل، وجهرة بالنهار.

<div class="verse-tafsir"

قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ٥٠ وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِىٌّۭ وَلَا شَفِيعٌۭ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ٥١

﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله ﴾ الآية: أي لا داعي شيئاً منكراً ولا يستبعد، إنما أنا نبي رسول كما كان غيري من الرسل ﴿ الأعمى والبصير ﴾ مثال للضال والمهتدي ﴿ وَأَنذِرْ بِهِ الذين يَخَافُونَ ﴾ الضمير في به يعود على ما يوحى، والإنذار عام لجميع الناس، وإنما خصص هنا بالذين يخافون، لأنه قد تقدّم في الكلام ما يقتضي اليأس من إيمان غيرهم فكأنه يقول: أنذر الخائفين لأنه ينفعهم الإنذار، وأعرض عمن تقدّم ذكر من الذين لا يسمعون ولا يعقلون، ﴿ لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ ﴾ في موضع الحال من الضمير في يحشروا، واستئناف إخبار ﴿ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ يتعلق بأنذر.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍۢ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍۢ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٥٢

﴿ وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ الآية: نزلت في ضعفاء المؤمنين.

كبلال، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، وخباب وصهيب، وأمثالهم، وكان بعض المشركين من قريش قد قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لا يمكننا أن نختلط مع هؤلاء لشرفنا فلو طردتهم لاتبعناك، فنزلت هذه الآية عبارة عن دوام الفعل، ويدعون هنا من الدعاء وذكر الله أو بمعنى العبادة ﴿ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ إخبار عن إخلاصهم لله وفيه تزكية لهم ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم ﴾ الآية؛ قيل: الضمير في حسابهم للذين يدعون، وقيل: للمشركين، والمعنى على هذا لا تحاسب عنهم، ولا يحاسبون عنك، فلا تهتم بأمرهم حتى تطرد هؤلاء من أجلهم، والأوّل أرجح، لقوله: ﴿ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الذين آمنوا ﴾ [هود: 29] وقوله: ﴿ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ على رَبِّي ﴾ [الشعراء: 113]، والمعنى على هذا أنّ الله هو الذي يحاسبهم فلأي شيء تطردهم ﴿ فَتَطْرُدَهُمْ ﴾ هذا جواب النفي في قوله ما عليكم ﴿ فَتَكُونَ مِنَ الظالمين ﴾ هذا جواب النهي في قوله ولا تطرد أو عطف على فتطردهم.

<div class="verse-tafsir"

وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لِّيَقُولُوٓا۟ أَهَـٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنۢ بَيْنِنَآ ۗ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ ٥٣ وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِنَا فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُۥ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوٓءًۢا بِجَهَـٰلَةٍۢ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٥٤

﴿ وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ﴾ أي ابتلينا الكفار بالمؤمنين، وذلك أن الكفار كانوا يقولون أهؤلاء العبيد والفقراء منَّ الله عليهم بالتوفيق للحق والسعادة دوننا، ونحن أشراف أغنياء، وكان هذا الكلام منهم على وجه الاستبعاد بذلك ﴿ أَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بالشاكرين ﴾ ردّ على الكفار في قولهم المتقدّم ﴿ وَإِذَا جَآءَكَ الذين يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ ﴾ هم الذين نُهيَ النبي صلى الله عليه وسلم عن طردهم بل أمر بأن يسلم عليهم إكراماً لهم وأن يؤنسهم بما بعد هذا ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة ﴾ أي: حتّمها وفي الصحيح: إن الله كتب كتاباً فهو عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي ﴿ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سواءا ﴾ الآية، وعد بالمغفرة والرحمة لمن تاب وأصلح، وهو خطاب للقوم المذكورين قبل، وحكمها عام فيهم وفي غيرهم والجهالة قد ذكرت في [النساء: 16] وقيل: نزلت بسبب أن عمر بن الخطاب أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرد الضعفاء عسى أن يسلم الكفار، فلما نزلت لا تطرد ندم عمر على قوله وتاب منه فنزلت الآية، وقرئ أنه بالفتح على البدل من الرحمة وبالكسر على الاستئناف وكذلك فإنه غفور رحيم بالكسر على الاستئناف وبالفتح خبر ابتداء مضمر تقديره فأمره أنه غفور رحيم، وقيل: تكرار للأولى لطول الكلام.

<div class="verse-tafsir"

وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ ٥٥ قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۚ قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ ۙ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًۭا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ ٥٦

﴿ وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ ﴾ الإشارة إلى ما تقدّم من النهي عن الطرد وغير ذلك، وتفصيل الآيات شرحها وبيانها ﴿ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين ﴾ بتاء الخطاب ونصب السبيل على أنه مفعول به، وقرئ بتاء التأنيث ورفع السبيل على أنه فاعل مؤنث وبالباء والرفع على تذكير السبيل، لأنه يجوز فيه التذكير والتأنيث ﴿ الذين تَدْعُونَ ﴾ أي تعبدون ﴿ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً ﴾ أي إن اتبعت أهواءكم ضللت.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ إِنِّى عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَكَذَّبْتُم بِهِۦ ۚ مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦٓ ۚ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَـٰصِلِينَ ٥٧

﴿ على بَيِّنَةٍ ﴾ أي على أمر بيِّن من معرفة ربي والهاء في بينة للمبالغة أو للتأنيث ﴿ وَكَذَّبْتُم بِهِ ﴾ الضمير عائد على الرب أو على البينة ﴿ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴾ أي العذاب الذي طلبوه في قولهم: فأمطر علينا حجارة من السماء، وقيل: الآيات التي اقترحوها والأول أظهر ﴿ يَقُصُّ الحق ﴾ من القصص وقرئ يقضي بالضاد المعجمة من القضاء وهو أرجح لقوله: ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين ﴾ أي الحاكمين.

<div class="verse-tafsir"

قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦ لَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّـٰلِمِينَ ٥٨

﴿ قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمر ﴾ أي لو كان عندي العذاب على التأويل الأوّل، والآيات المقترحة على التأويل الآخر، لوقع الانفصال وزال النزاع لنزول العذاب أو لظهور الآيات.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍۢ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍۢ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍۢ ٥٩

﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب ﴾ استعارة وعبارة عن التوصل إلى الغيب كما يتوصل بالمفاتح إلى ما في الخزائن، وهو جمع مفتح بكسر الميم بمعنى مفتاح، ويحتمل أن يكون جمع مفتح بالفتح وهو المخزن ﴿ وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظلمات الأرض ﴾ تنبيه بها على غيرها لأنها أشدّ تغييباً من كل شيء ﴿ كتاب مُّبِينٍ ﴾ اللوح المحفوظ، وقيل: علم الله.

<div class="verse-tafsir"

وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰٓ أَجَلٌۭ مُّسَمًّۭى ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٦٠

﴿ يتوفاكم باليل ﴾ أي إذا نمتم، وفي ذلك اعتبار واستدلال على البعث الأخروي ﴿ مَا جَرَحْتُم ﴾ أي ما كسبتم من الأعمال ﴿ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ﴾ أي يوقظكم من النوم، والضمير عائد على النهار لأن غالب اليقظة فيه، وغالب النوم بالليل ﴿ أَجَلٌ مُّسَمًّى ﴾ أجل الموت.

<div class="verse-tafsir"

وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ٦١ ثُمَّ رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ ٱلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَـٰسِبِينَ ٦٢ قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُۥ تَضَرُّعًۭا وَخُفْيَةًۭ لَّئِنْ أَنجَىٰنَا مِنْ هَـٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ ٦٣ قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍۢ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ ٦٤ قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًۭا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًۭا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ٦٥ وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ ۚ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍۢ ٦٦

﴿ حَفَظَةً ﴾ جمع حافظ وهم الملائكة الكاتبون ﴿ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ﴾ أي الملائكة الذين مع ملك الموت ﴿ ثُمَّ ردوا ﴾ خروج من الخطاب إلى الغيبة، والضمير لجميع الخلق ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ ﴾ الآية: إقامة حجة، وظلمات البر والبحر: عبارة عن شدائدهما وأهوالهما كما يقال لليوم الشديد: مظلم ﴿ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾ قيل: الذي من فوق إمطار الحجارة، ومن تحت الخسف، وقيل: من فوقكم: تسليط أكابركم، ومن تحت أرجلكم: تسليط أسافلكم، وهذا بعيد ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ﴾ أي يخلطكم فرقاً مختلفين ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ بالقتال، واختلف هل الخطاب بهذه الآية للكفار أو المؤمنين؟

وروي أنه لما نزلت أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهه، فلما نزلت من تحت أرجلكم قال: أعوذ بوجهك، فلما نزلت أو يلبسكم شيعا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا أهون» ، فقضى الله على هذه الأمة بالفتن والقتال إلى يوم القيامة ﴿ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ ﴾ الضمير عائد على القرآن، أو على الوعيد المتقدم، وقومك هم قريش ﴿ لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾ أي بحفيظ ومتسلط، وفي ذلك كتاركه نسختها آية القتال.

<div class="verse-tafsir"

لِّكُلِّ نَبَإٍۢ مُّسْتَقَرٌّۭ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ٦٧

﴿ لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ ﴾ أي في غاية يعرف عندها صدقه من كذبه ﴿ يَخُوضُونَ في آياتنا ﴾ في الاستهزاء بها والطعن فيها ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ أي قم ولا تجالسهم ﴿ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان ﴾ إما مركبة من إن الشرطية وما الزائدة، والمعنى إن أنساك الشيطان النهي عن مجالستهم، فلا تقعد بعد أن تذكر النهي.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٦٨ وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍۢ وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ٦٩

﴿ وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ ﴾ الذين يتقون هم المؤمنون والضمير في حسابهم للكفار والمستهزئين، والمعنى ليس على المؤمنين شيء من حساب الكفار على استهزائهم وإضلالهم، وقيل: إن ذلك يقتضي إباحة جلوس المؤمنين مع الكافرين، لأنهم شق عليهم النهي عن ذلك؛ إذا كانوا لابد لهم ممن مخالطتهم في طلب المعاش، وفي الطواف بالبيت وغير ذلك، ثم نسخت بآية النساء، وهي ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكتاب أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيات الله ﴾ [النساء: 39] الآية، وقيل: إنها لا تقتضي إباحة العقود ﴿ ولكن ذكرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ فيه وجهان أحدهما أن المعنى ليس على المؤمنين حساب الكفار، ولكن عليهم تذكيراً لهم، ووعظ، وإعراب ذكرى على هذا نصب على المصدر وتقديره يذكرونهم ذكرى، أو رفع على المبتدأ تقديره عليهم ذكرى، والضمير في لعلهم عائد على الكفار: أي يذكرونهم رجاء أن يتقوا أو عائد على المؤمنين أي يذكرونهم ليكون تذكيرهم ووعظهم تقوى الله.

الوجه الثاني: أن المعنى ليس نهي المؤمنين عن القعود مع الكافرين بسبب أن عليهم من حسابهم شيء، وإنما هو ذكرى للمؤمنين، وإعراب ذكرى على هذا خبر ابتداء مضمر تقديره: ولكن نهيهم ذكرى أو مفعول من أجله تقديره: إنما نهوا ذكرى، والضمير في لعلهم على هذا للمؤمنين لا غير.

<div class="verse-tafsir"

وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَعِبًۭا وَلَهْوًۭا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِۦٓ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌۢ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِىٌّۭ وَلَا شَفِيعٌۭ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍۢ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَآ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُوا۟ بِمَا كَسَبُوا۟ ۖ لَهُمْ شَرَابٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ ٧٠

﴿ وَذَرِ الَّذِينَ ﴾ قيل إنها متاركة منسوخة بالسيف، وقيل: بل هي تهديد فلا متاركة ولا نسخ فيها ﴿ اتخذوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ﴾ أي اتخذوا الدين الذي كان ينبغي لهم لعباً ولهواً لأنهم سخروا منا واتخذوا الدين الذي يعتقدونه لعباً ولهواً؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث فهم يلعبون ويلهون ﴿ وَذَكِّرْ بِهِ ﴾ الضمير عائد على الدين أو على القرآن ﴿ أَن تُبْسَلَ ﴾ قيل: معناه أن تحبس، وقيل: تفضح، وقيل: تهلك وهو في موضع مفعول من أجله أي ذكر به كراهة أن تبسل نفس ﴿ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ ﴾ أي: وإن تعط كل فدية لا يؤخذ منها.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ أَنَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ فِى ٱلْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُۥٓ أَصْحَـٰبٌۭ يَدْعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٧١

﴿ قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ الله ﴾ الآية: إقامة حجة وتوبيخ للكفار ﴿ وَنُرَدُّ على أَعْقَابِنَا ﴾ أي نرجع من الهدى إلى الضلال وأصل الرجوع على العقب في المشي، ثم استعير في المعاني، وهذه جملةمعطوفة على أندعوا، والهمزة فيه للإنكار والتوبيخ ﴿ كالذي استهوته الشياطين ﴾ الكاف في موضع نصب على الحال من الضمير في نرد: أي كيف نرجع مشبهين من استهوته الشياطين، أو نعت لمصدر محذوف تقديره رداً كرج الذ، ومعنى استهوته الشياطين: ذهبت به في مهامه الأرض، وأخرجته عن الطريق فهو: استفعال من هوى يهوي في الأرض إذا ذهب فيها، وقال الفارسي: استهوى بمعنى: أهوى ومثل استذل بمعنى أذل ﴿ حَيْرَانَ ﴾ أي ضال عن الطريق، وهو نصب على الحال من المفعول في استهوته ﴿ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الهدى ائتنا ﴾ أي لهذا المستهوي أصحاب وهم رفقة يدعونه إلى الهدى، أي إلى أن يهدوه إلى الطريق، يقولون له: ائتنا، وهو قد تاه وبعد عنهم فلا يجيبهم؛ وهذا كله تمثيل لمن ضل في الدين عن الهدى، وهو يدعى إلى الإسلام فلا يجيب، وقيل: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق حين كان أبوه يدعوه إلى الإسلام، ويبطل هذا قول عائشة: ما نزل في آل أبي بكر شيء من القرآن إلا براءتي.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّقُوهُ ۚ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ٧٢ وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ ۚ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ ۚ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ ٧٣

﴿ وَأَنْ أَقِيمُواْ ﴾ عطف على لنسلم، أو على مفعول أمرنا ﴿ قَوْلُهُ الحق ﴾ مرفوع بالابتداء وخبره يوم يقول، وهو مقدم عليه والعامل فيه معنى الاستقرار كقولك يوم الجمعة القتال، واليوم بمعنى الحين وفاعل يكون مضمر، وهو فاعل كن أي حين يقول لشي كن: فيكون ذلك الشيء ﴿ وَلَهُ الملك ﴾ ظرف لقوله: كقوله: ﴿ لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ ﴾ [غافر: 66]؛ وقيل في إعراب الآية غير هذا مما هو ضعيف أو تخليد ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ خبر ابتداء مضمر.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ٧٤ وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ ٧٥

﴿ لأَبِيهِ آزَرَ ﴾ هو اسم أبي إبراهيم، فإعرابه عطف بيان أو بدل، ومنع من الصرف للعجمة والعلمية، لا للوزن لأنه وزنه فاعل نحو عابر وشالح، وقرئ بالرفع على النداء بالرفع على النداء، وقيل: أنه اسم صنم لأنه ثبت أن اسم أبي إبراهيم تارخ، فعلى هذا يحتمل أن يكون لقب به لملازمته له، أو أريد عابد آزر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وذلك بعيد، ولا يبعد أن يكون له اثنان ﴿ نري إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السماوات والأرض ﴾ قيل: إنه فرج الله السموات والأرض حتى رأى ببصره الملك الأعلى والأسفل، وهذا يحتاج إلى صحة نقل، وقيل: رأى ما يراه الناس من الملكوت، ولكنه وقع له بها من الاعتبار والاستدلال ما لم يقع لأحد من أهل زمانه ﴿ وَلِيَكُونَ ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: وليكون من الموقنين فعلنا به ذلك.

<div class="verse-tafsir"

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًۭا ۖ قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْـَٔافِلِينَ ٧٦ فَلَمَّا رَءَا ٱلْقَمَرَ بَازِغًۭا قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلِّينَ ٧٧ فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةًۭ قَالَ هَـٰذَا رَبِّى هَـٰذَآ أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَـٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ٧٨ إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٧٩

﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الليل ﴾ أي ستره يقال: جنْ عليه الليل وأجنه ﴿ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هذا رَبِّي ﴾ يحتمل أن يكون هذا الذي جرى لإبراهيم في الكوكب والقمر والشمس أن يكون قبل البلوغ والتكليف.

وقد روي أن أمه ولدته في غار؛ خوفاً من نمروذ إذ كان يقتل الأطفال؛ لأن المنجمين أخبروه أن هلاكه على يد صبي، ويحتمل أن يكون جرى له ذلك بعد بلوغه وتكليفه، وأنه قال ذلك لقومه على وجه الرد عليهم والتوبيخ لهم، وهذا أرجح لقوله بعد ذلك ﴿ إِنِّي برياء مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ ولا يتصور أن يقول ذلك وهو منفرد في الغار لأن ذلك يقتضي محاجة وردّا على قومه، وذلك أنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن يبين لهم الخطأ في دينهم، وأن يرشدهم إلى أن هذه الأشياء لا يصح أن يكون واحداً منها إلهاً، لقيام الدليل على حدوثها.

وأن الذي أحدثها ودبر طلوعها وغروبها وأفولها هو الإله الحق وحده، وقوله: هذا ربي قول من ينصف خصمه، مع علمه أنه مبطل؛ لأن ذلك أدعى إلى الحق وأقرب إلى رجوع الخصم، ثم أقام عليه الحجة بقوله.

﴿ لا أُحِبُّ الآفلين ﴾ : أي لا أحب عبادة المتغيرين؛ لأن التغير دليل على الحدوث، والحدوث ليس من صفة الإله، ثم استمرّ على ذلك المنهاج في القمر وفي الشمس، فلما أوضح البرهان، وأقام عليهم الحجة، جاهرهم بالبراءة من باطلهم، فقال: ﴿ إِنِّي برياء مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ ، ثم أعلن لعبادته لله وتوحيده له فقال: ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السماوات والأرض ﴾ ، ووصف الله تعالى بوصف يقتضي توحيده وانفراده بالملك، فإن قيل: لم احتج بالأفول دون الطلوع، وكلاهما دليل على الحدوث لأنهما انتقال من حال إلى حال؟

فالجواب أنه أظهر في الدلالة، لأنه انتقال مع اختفاء واحتجاب.

<div class="verse-tafsir"

وَحَآجَّهُۥ قَوْمُهُۥ ۚ قَالَ أَتُحَـٰٓجُّوٓنِّى فِى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنِ ۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْـًۭٔا ۗ وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ٨٠ وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰنًۭا ۚ فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ٨١ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ٨٢ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَـٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ ٨٣

﴿ أتحاجواني فِي الله ﴾ أي في الإيمان بالله وفي توحيده، والأصل أتحاجونني بنونين وقرئ بالتشديد على إدغام أحدهما في الآخر، وبالتخفيف على حذف أحدهما واختلف هل حذفت الأولى أو الثانية ﴿ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾ ما هنا الذي ويريد بها الأصنام، وكانوا قد خوفوه أن تصيبه أصنامهم بضر، فقال: لا أخاف منهم؛ لأنهم لا يقدرون على شيء ﴿ أولئك الذين هَدَى الله ﴾ [الأنعام: 90] استثناء منقطع بمعنى لكن: أي إنما أخاف من ربي إن أراد بي شيئاً ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ ﴾ أي كيف أخاف شركاءكم الذين لا يقدرون على شيء؟

وأنتم لا تخافون ما فيه كل خوف، وهو إشراككم بالله وأنتم تنكرون عليّ الأمن في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف؟

ثم أوفقهم على ذلك بقوله فأيّ الفريقين أحق بالأمن؟

ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف؟

ثم أوفقهم على ذلك بقوله فأيّ الفريقين أحق بالأمن؟

يعني فريق المؤمنين، وفريق الكافرين، ثم أجاب عن السؤال بقوله: ﴿ الذين آمَنُواْ ﴾ الآية؛ وقيل: إن الذين آمنوا: استئناف وليس من كلام إبراهيم ﴿ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ لما نزلت هذه الآية أشفق منها لابنه: ﴿ يابني لاَ تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13] ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ﴾ إشارة إلى ما تقدم من استدلاله واحتجاجه.

<div class="verse-tafsir"

وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَـٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ٨٤ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّۭ مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ٨٥

﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ ﴾ الضمير لإبراهيم أو لنوح عليهما السلام، والأول هو الصحيح لذكر لوط وليس من ذرية إبراهيم ﴿ دَاوُودَ ﴾ عطف على نوحاً أي وهدينا داود ﴿ وعيسى ﴾ فيه دليل على أن أولاد البنات يقال فيهم ذرية، لأن عيسى ليس له أب فهو ابن ابنة نوح.

<div class="verse-tafsir"

وَمِنْ ءَابَآئِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ وَإِخْوَٰنِهِمْ ۖ وَٱجْتَبَيْنَـٰهُمْ وَهَدَيْنَـٰهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ٨٧ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٨٨ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ۚ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰٓؤُلَآءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًۭا لَّيْسُوا۟ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ ٨٩

﴿ وَمِنْ آبَائِهِمْ ﴾ في موضع نصب عطف على كلا أي وهدينا بعض آبائهم ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هؤلاء ﴾ أي أهل مكة ﴿ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً ﴾ هم الأنبياء المذكورون، وقيل: الصحابة، وقيل: كل مؤمن.

والأول أرجح لدلالة ما بعده على ذلك، ومعنى توكيلهم بها: توفيقهم للإيمان بها والقيام بحقوقها.

<div class="verse-tafsir"

أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ ۗ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ ٩٠

﴿ أولئك الذين هَدَى الله ﴾ إشارة إلى الأنبياء المذكورين ﴿ فَبِهُدَاهُمُ اقتده ﴾ استدل به من قال: إن شرع من قبلنا شرع لنا، فأما أصول الدين من التوحيد والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فاتفقت فيه جميع الأمم والشرائع، وأما الفروع ففيها وقع الاختلاف بين الشرائع؛ والخلاف هل يقتدي النبي صلى الله عليه وسلم فيها بمن قبله أم لا؟

والهاء في اقتده للوقف فينبغي أن تسقط في الوصل، ولكن من أثبتها فيه راعى ثبوتها في خط المصحف.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ إِذْ قَالُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍۢ مِّن شَىْءٍۢ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًۭا وَهُدًۭى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًۭا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنتُمْ وَلَآ ءَابَآؤُكُمْ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ٩١

﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ أي ما عرفوه حق معرفته، في اللطف بعباده والرحمة لهم؛ إذ أنكروا بعثه للرسل وإنزاله للكتب، والقائلون هم: اليهود بدليل ما بعده، وإنما قالوا ذلك مبالغة في إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وروي أن الذي قالها منهم مالك بن الضيف، فرد الله عليهم بأن ألزمهم ما لابد لهم من الإقرار به وهو إنزال التوراة على موسى، وقيل: القائلون قريش، ولزموا ذلك لأنهم كانوا مقرين بالتوراة ﴿ وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تعلموا ﴾ الخطاب لليهود أو لقريش على وجه إقامة الحجة والرد عليهم في قولهم: ما أنزل الله على بشر من شيء، فإن كان لليهود، فالذي علموه التوراة، وإن كان لقريش فالذي علموه ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ قُلِ الله ﴾ جواب من أنزل واسم الله مرفوع بفعل مضمر تقديره أنزله الله أو مرفوع بالابتداء.

<div class="verse-tafsir"

وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌۭ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ۚ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ٩٢

﴿ وَلِتُنذِرَ ﴾ عطف على صفة الكتاب ﴿ أُمَّ القرى ﴾ مكة، وسميت أم القرى، لأنها مكان أوّل بيت وضع للناس، ولأنه جاء أن الأرض دحيت منها ولأنها يحج إليها أهل القرى من كل فج عميق.

<div class="verse-tafsir"

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌۭ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۗ وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِى غَمَرَٰتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓا۟ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوٓا۟ أَنفُسَكُمُ ۖ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَـٰتِهِۦ تَسْتَكْبِرُونَ ٩٣

﴿ أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ ﴾ هو مسيلمة وغيره من الكذابين الذين ادّعوا النبوّة ﴿ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ الله ﴾ هو النضر بن الحارث لأنه عارض القرآن، واللفظ عام فيه وفي غيره من المستهزئين ﴿ وَلَوْ ترى ﴾ جوابه محذوف تقديره: لرأيت أمراً عظيماً، والظالمون: من تقدّم ذكره من اليهود والكذابين والمستهزئين، فتكون اللام للعهد، وأعم من ذلك فتكون للجنس ﴿ باسطوا أَيْدِيهِمْ ﴾ أي تبسط الملائكة أيديهم إلى الكفار يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم، وهذه عبارة عن التعنيف في السياق والشدَّة في قبض الأرواح ﴿ اليوم تُجْزَوْنَ ﴾ يحتمل أن يريد ذلك الوقت بعينه أو الوقت الممتد من حينئذ إلى الأبد ﴿ الهون ﴾ الذلة.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَـٰٓؤُا۟ ۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ٩٤

﴿ فرادى ﴾ منفردين عن أموالكم وأولادكم أو عن شركائكم، والأول يترجح لقوله: ﴿ وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم ﴾ أي ما أعطيناكم من الأموال والأولاد، ويترجح الثاني بقوله: ﴿ وَمَا نرى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ﴾ ﴿ تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ تفرق شملكم ومن قرأه بالرفع أسند الفعل إلى الظرف واستعمله استعمال الأسماء، ويكون البين بمعنى الفرقة، إو بمعنى الوصل، ومن قرأه بالنصب: فالفاعل مصدر الفعل، أو محذوف تقديره تقطع الاتصال بينكم.

<div class="verse-tafsir"

۞ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ ۖ يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَىِّ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ٩٥

﴿ فَالِقُ الحب والنوى ﴾ أي: يفلق الحب تحت الأرض لخروج النبات منها، ويفلق النوى لخروج الشجر منها وقيل: أراد الشقين الذين في النواة والحنطة، والأول أرجح لعمومه في أصناف الحبوب ﴿ يُخْرِجُ الحي ﴾ تقدّم في آل عمران ﴿ وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحي ﴾ معطوف على فالق.

<div class="verse-tafsir"

فَالِقُ ٱلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَنًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَانًۭا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ٩٦

﴿ فَالِقُ الإصباح ﴾ أي الصبح فهو مصدر سمي به الصبح، ومعنى فلقة: أخرجه من الظلمات، وقيل: إن الظلمة في التي تنفلق عن الصبح، فالتقدير فالق ظلمة الإصباح ﴿ سَكَناً ﴾ أي يسكن فيه عن الحركات ويستراح ﴿ حُسْبَاناً ﴾ أي يعلم بهما حساب الأزمان والليل والنهار ﴿ ذلك تَقْدِيرُ العزيز العليم ﴾ ما أحسن ذكر هذين الإسمين هنا لأن العزيز يقلب كل شيء ويقهره، وهو قد قهر الشمس والقمر وسخرهما كيف شاء، والعليم لما في تقدير الشمس والقمر والليل والنهار من العلوم والحكمة العظيمة وإتقان الصنعة.

<div class="verse-tafsir"

وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُوا۟ بِهَا فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ ٩٧

﴿ فِي ظلمات البر والبحر ﴾ أي في ظلمات الليل في البر والبحر، وأضاف الظلمة إليها لملابستها لهما، أو شبه الطرق المشتبهة بالظلمات.

<div class="verse-tafsir"

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ فَمُسْتَقَرٌّۭ وَمُسْتَوْدَعٌۭ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَفْقَهُونَ ٩٨

﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ من كسر القاف من مستقر فهو اسم فاعل، ومستودع اسم مفعول، والتقدير: فمنكم مستقرّ ومستودع، والاستقرار في الرحمن والاستيداع في الصلب، وقيل: الاستقرار فوق الأرض والاستيداع تحتها.

<div class="verse-tafsir"

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍۢ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًۭا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّۭا مُّتَرَاكِبًۭا وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌۭ دَانِيَةٌۭ وَجَنَّـٰتٍۢ مِّنْ أَعْنَابٍۢ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهًۭا وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ ۗ ٱنظُرُوٓا۟ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكُمْ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ٩٩

﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ ﴾ الضمير عائد على الماء ﴿ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ ﴾ الضمير عائد على النبات ﴿ خَضِراً ﴾ أي أخضر غضاً، وهو يتولد من أصل النبات من الفراخ ﴿ نُّخْرِجُ مِنْهُ ﴾ الضمير عائد على الخضر ﴿ حَبّاً مُّتَرَاكِباً ﴾ يعني السنبل لأن حبه بعضه على بعض، وكذلك الرمان وشبهه ﴿ قِنْوَانٌ ﴾ جمع قنو، وهو العنقود من التمر، وهو مرفوع بالابتداء وخبره من النخل، ومن طلعها بدل، والطلع أول ما يخرج من التمر في أكمامه ﴿ دَانِيَةٌ ﴾ أي قريبة سهلة التناول، وقيل: قريبة بعضها من بعض ﴿ وجنات مِّنْ أعناب ﴾ بالنصب عطف على نبات كل شيء وقرئ في غير السبع بالرفع عطف على قنوان ﴿ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ متشابه ﴾ نصب على الحال من الزيتون والرمان، أو من كل ما تقدم من النبات، والمشتبه والمتشابه بمعنى واحد أي: من النبات ما يشبه بعضه بعضاً في اللون والطعم والصورة، ومنه ما لا يشبه بعضه بعضاً، وفي ذلك دليل قاطع على الصانع المختار القدير العليم المريد ﴿ انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ﴾ أي انظروا إلى ثمره أول ما يخرج ضعيفاً لا منفعة فيه، ثم ينتقل من حال إلى حال حتى يينع أي ينضج ويطيب.

<div class="verse-tafsir"

وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ۖ وَخَرَقُوا۟ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَـٰتٍۭ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ ١٠٠

﴿ شُرَكَآءَ الجن ﴾ نصب الجنّ على أنه مفعول أول لجعلوا وشركاء مفعول ثان، وقدم لاستعظام الإشراك، أو شركاء مفعول أول، والله في موضع المفعول الثاني والجنّ بدل من شركاء والمراد بهم هنا: الملائكة، وذلك رداً على من عبدهم؛ وقيل: المراد الجن، والإشراك بهم طاعتهم ﴿ وَخَلَقَهُمْ ﴾ الواو للحال، والمعنى الرد عليهم: أي جعلوا لله شركاء، وهو خلقهم، والضمير عائد على الجنّ، أو على الجاعلين، والحجة قائمة على الوجهين ﴿ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وبنات ﴾ أي اختلفوا وزوّروا، والبنين: قول النصارى في المسيح، واليهود في عزير، والبنات قول العرب في الملائكة ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أي قالوا ذلك بغير دليل ولا حجة؛ بل مجرد افتراء.

<div class="verse-tafsir"

بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٌۭ وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ صَـٰحِبَةٌۭ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ ١٠١ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ فَٱعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌۭ ١٠٢

﴿ بَدِيعُ ﴾ ذكر معناه في [البقرة: 117] ورفعه على أنه خبر ابتداء ممر أو مبتدأ وخبره: أنى يكون، وفاعل تعالى، والقصد به الرد على من نسب لله البنين والبنات، وذلك من وجهين: أحدهما أن الولد لا يكون إلا من جنس والده، والله تعالى متعال عن الأجناس، لأنه مبدعها، فلا يصح أن يكون له ولد والآخر: أن الله خلق السموات والأرض ومن كان هكذا فهو غني عن الولد وعن كل شيء ﴿ فاعبدوه ﴾ مسبب عن مضمون الجملة أي من كن هكذا فهو المستحق للعبادة وحده.

<div class="verse-tafsir"

لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ ۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ ١٠٣

﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار ﴾ يعني في الدنيا؛ وأما في الآخرة، فالحق أن المؤمنين يرون ربهم بدليل قوله: إلى ربها ناظرة، وقد جاءت في ذلك أحاديث صحيحة صريحة، لا تحتمل التأويل، وقالت الأشعرية إن رؤة الله تعالى في الدنيا جائزة عقلاً، لأن موسى سألها من الله، ولا يسأل موسى ما هو محال، وقد اختلف الناس هل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الإسراء أم لا ﴿ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار ﴾ قال بعضهم: الفرق بين الرؤية والإدراك أن الإدراك يتضمن الإحاطة بالشيء والوصول إلى غايته، فلذلك نفى أن تدرك أبصار الخلق ربهم، ولا يقتضي ذلك نفي الرؤية وحسن على هذا قوله: وهو يدرك الأبصار وهو الخبير بكل شيء، وهو يدرك الأبصار لإحاطة علمه تعالى بالخفيات ﴿ اللطيف الخبير ﴾ أي لطيف عن أن تدركه الأبصار وهو الخبير بكل شيء، وهو يدرك الأبصار.

<div class="verse-tafsir"

قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍۢ ١٠٤ وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَـٰتِ وَلِيَقُولُوا۟ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُۥ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ ١٠٥ ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ١٠٦

﴿ قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ ﴾ جمع بصيرة، وهو نور القلب، والبصر نور العين، وهذا الكلام على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وما أنا عليك بحفيظ ﴿ وَلِيَقُولُواْ ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: ليقولوا صرفنا الآيات ﴿ دَرَسْتَ ﴾ بإسكان السين وفتح التاء درست العلم وقرأته، ودارَسْتَ بالألف أي دارست العلم وتعلمت منه، ودرست بفتح السين وإسكان التاء بمعنى قدمت هذه الآيات ودبرت ﴿ وَلِنُبَيِّنَهُ ﴾ الضمير للآيات وجاء مذكراً لأن المراد بها القرآن ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين ﴾ إن كان معناه: أعرض عما يدعونك إليه؛ أو عن مجادتهم فهو محكم، وإن كان عن قتالهم وعقابهم فهو منسوخ.

وكذلك ما أنا عليكم بحفيظ وبوكيل.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَسُبُّوا۟ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّوا۟ ٱللَّهَ عَدْوًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍۢ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٠٨ وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌۭ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا ٱلْـَٔايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ١٠٩ وَنُقَلِّبُ أَفْـِٔدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ١١٠

﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله ﴾ أي لا تسبوا آلهتمهم فيكون ذلك سبباً لأن يسبوا الله، واستدل المالكية بهذا على سدّ الذرائع ﴿ قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ الله ﴾ أي هي بيد الله لا بيدي ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ أي ما يدريكم، وهو من الشعور بالشيء، وما نافية أو استفهامية ﴿ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ من قرأ بفتح أنها فهو معمول يشعركم: أي ما يدريكم أن الآيات إذا جاءتهم لا يؤمنون بها، نحن نعلم ذلك وأنتم لا تعلمونه وقيل: لا زائدة، والمعنى ما يشعركم أنهم يؤمنون، وقيل: أن هنا بمعنى لعل فمن قرأ بالكسر فهي استئناف إخبار وتم الكلام في قوله: وما يشعركم أي ما يشعركم ما يكون منهم فعلى القراءة بالكسر يوقف على ما يشعركم.

وأما على القراءة بالفتح فإن كانت مصدرية لم يوقف عليه لأنه عامل فيها، وإن كانت بمعنى لعل فأجاز بعض الناس الوقف.

ومنعه شيخنا أبو جعفر بن الزبير، لما في لعل من معنى فأجاز بعض الناس الوقف.

ومنعه شيخنا أبو جعفر بن الزبير، لما في لعل من معنى التعليل ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم ﴾ أي نطبع عليها ونصدها عن الفهم فلا يفهمون ﴿ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ ﴾ الكاف للتعليل أي: نطبع على أفئدتهم وأبصارهم عقوبة لهم على أنهم لا يؤمنون به أول مرة، ويحتمل أن تكون للتشبيه، أن تطبع عليها إذا رأوا الآيات مثل طبعنا عليها أول مرة.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍۢ قُبُلًۭا مَّا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ١١١

﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة ﴾ الآية: رد عليهم في قسمهم أنهم لو جاءتهم آية ليؤمنّن بها أي: لو أعطيناهم هذه الآيات التي اقترحوها، وكل آية لم يؤمنوا إلا أن يشاء الله ﴿ قُبُلاً ﴾ بكسر القاف وفتح الباء أي معاينة فنصبه على الحال، وقرئ بضمتين ومعناه مواجهة: كقوله: ﴿ قُدَّ مِن قُبُلٍ ﴾ [يوسف: 26]، وقيل: هو جمع قبيل بمعنى كفيل، أي كُفَلاء بتصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّۭا شَيَـٰطِينَ ٱلْإِنسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُورًۭا ۚ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ١١٢

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً ﴾ الآية: تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بالتأسي بغيره ﴿ شياطين الإنس والجن ﴾ أي المتمردين من الصنفين، ونصب شياطين على البدل من عدواً، إذ هو بمعنى الجمع أو مفعول أول، وعدواً مفعول ثان ﴿ يُوحِي بَعْضُهُمْ ﴾ أي يوسوس ويلقي الشر ﴿ زُخْرُفَ القول غُرُوراً ﴾ ما يزينه من القول ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ﴾ الضمير عائد على وحيهم، أو على عداوة الكفار ﴿ فَذَرْهُمْ ﴾ وعيد ﴿ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ ما في موضع نصب على أنها مفعول معه أوعطف على الضمير.

<div class="verse-tafsir"

وَلِتَصْغَىٰٓ إِلَيْهِ أَفْـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا۟ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ ١١٣ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًۭا وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مُفَصَّلًۭا ۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٌۭ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ١١٤ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًۭا وَعَدْلًۭا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ١١٥

﴿ ولتصغى ﴾ أي تميل وهو متعلق بمحذوف واللام لام الصيرورة ﴿ إِلَيْهِ ﴾ الضمير لوحيهم ﴿ وَلِيَقْتَرِفُواْ ﴾ يكتسبوا ﴿ أَفَغَيْرَ الله ﴾ معمول لقول محذوف أي: قل لهم ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ أي صحت والكلمات ما نزل على عباده من كتبه ﴿ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾ أي صدقاً فما أخبر وعدلاً فيما حكم.

<div class="verse-tafsir"

فَكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَـٰتِهِۦ مُؤْمِنِينَ ١١٨ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًۭا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَآئِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ ١١٩

[المائدة: 4] القصد بهذا الأمر إباحة ما ذكر اسم الله عليه، والنهي عما ذبح للنصب وغيرها، وعن الميتة وهذا النهي يقتضيه دليل الخطاب من الأمر ثم صرح به في قوله الآتي: ﴿ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ ﴾ ؛ وقد استدل بذلك من أوجب التسمية على الذبيحة، وإنما جاء الكلام في سياق تحريم الميتة وغيرها، فإن حملناه على ذلك لم يكن فيه دليل على وجوب التسمية في ذبائح المسلمين، وإن حملناه على عمومه كان فيه دليل على ذلك، وقال عطاء: وهذه الآية أمر بذكر الله على الذبح والأكل والشرب ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ ﴾ المعنى أي غرض لكم في ترك الأكل، مما ذكر اسم الله عليه، وقد بين لكم الحلال من الحرام ﴿ إِلاَّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ ﴾ استثناء بما حرم.

<div class="verse-tafsir"

وَذَرُوا۟ ظَـٰهِرَ ٱلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا۟ يَقْتَرِفُونَ ١٢٠ وَلَا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسْقٌۭ ۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَـٰدِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ١٢١

﴿ وَذَرُواْ ظاهر الإثم وباطنه ﴾ لفظ يعم أنواع المعاصي: لأن جميعها إما باطن وإما ظاهر؛ وقيل: الظاهر الأعمال، والباطن الاعتقاد ﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ الضمير لمصدر ولا تأكلوا ﴿ وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ ليجادلوكم ﴾ سببها أن قوماً من الكفار قالوا: إنا نأكل ما قتلناه، ولا نأكل ما قتل الله يعنون الميتة.

<div class="verse-tafsir"

أَوَمَن كَانَ مَيْتًۭا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًۭا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍۢ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَـٰفِرِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٢٢ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا۟ فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ١٢٣

﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فأحييناه ﴾ الموت هنا عبارة عن الكفر، والإحياء عبارة عن الإيمان، والنور: نور الإيمان، والظلمات الكفر؛ فهي استعارات وفي قوله: ﴿ مَيْتاً فأحييناه ﴾ مطابقة وهي من أدوات البيان، ونزلت الآية في عمار بن ياسر، وقيل في عمر بن الخطاب والذي في الظلمات أبو جهل، ولفظها أعم من ذلك ﴿ كَمَن مَّثَلُهُ ﴾ مثل هنا بمعنى صفة، وقيل زائدة، والمعنى كمن هو ﴿ وكذلك جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أكابر ﴾ أي كما جعلنا في مكة أكابرها ليمكروا فيها جعلنا في كل قرية، وإنما ذكر الأكابر، لأن غيرهم تبع لهم؛ والمقصود تسلية النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ مُجْرِمِيهَا ﴾ إعرابه مضاف إليه عند الفارسي وغيره؛ وقال ابن عطية وغيره: إن مفعول أول بجعلنا وأكابر مفعول ثان مقدم؛ وهذا جيد في المعنى ضعيف في العربية، لأن أكابر جمع أكبر وهو من أفعل فلا يستعمل إلا بمن أو بالإضافة.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌۭ قَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ ۘ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُۥ ۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌۭ شَدِيدٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَمْكُرُونَ ١٢٤

[الإسراء: 90] الآية: قائل هذه المقالة أبو جهل، وقيل الوليد بن المغيره، لأنه قال: أنا أولى بالنبوة من محمد ﴿ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ رد عليهم فيما طلبوه، والمعنى أن الله علم أن محمداً صلى الله عليه وسلم رد عليهم فيما طلبوه، والمعنى أن الله علم أن محمداً صلى الله عليه وسلم أهل للرسالة، فخصه بها، وعلم أنهم ليسوا بأهل لها فحرمهم إياها، وفي الآية من أدوات البيان الترديد لكونه ختم كلامهم باسم الله ثم رده في أول كلامه ﴿ صَغَارٌ ﴾ أي ذلة.

<div class="verse-tafsir"

فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُۥ يَجْعَلْ صَدْرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجًۭا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ١٢٥

﴿ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام ﴾ شرح الصدر وضيقه وحرجه: ألفاظ مستعارة ومن قرأ حَرَجاً بفتح الراء فهو مصدر وصف به ﴿ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء ﴾ أي كأنما يحاول الصعود إلى السماء، وذلك غير ممكن، فكذلك يصعب عليه الإيمان وأصل يصعد المشدد يتصعد، قرئ بالتخفيف.

<div class="verse-tafsir"

۞ لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٢٧

﴿ لَهُمْ دَارُ السلام ﴾ الجنة، والسلام هنا يحتمل أن يكون اسم الله، فأضافها إليه: لأنها ملكه وخلقه، أو بمعنى السلامة والتحية.

<div class="verse-tafsir"

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلْإِنسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلْإِنسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍۢ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِىٓ أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَىٰكُمْ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ ١٢٨ وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّى بَعْضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ١٢٩

﴿ وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ ﴾ العامل في يوم محذوف تقديره اذكر، وتقديره: قلنا، ويكون على هذا عاملاً في يوم وفي ﴿ يامعشر الجن قَدِ استكثرتم مِّنَ الإنس ﴾ اي أضللتم منهم كثيراً، وجعلتموهم أتباعكم كما تقول: استكثر الأمير من الجيش ﴿ استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ ﴾ استمتاع الجن بالإنس: طاعتهم لهم واستمتاع الإنس بالجن كقوله: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجن ﴾ [الجن: 6]، فإن الرجل كان إذا نزل وادياً قال: أعوذ بصاحب هذا الوادي يعني كبير الجن ﴿ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ﴾ هو الموت وقيل: الحشر ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ الله ﴾ قيل: الاستثناء من الكاف والميم في مثواكم فما بمعنى من، لأنها وقعت على صنف من الجن والإنس والمستثنى على هذا: من آمن منهم، وقيل: الاستثناء من مدّة الخلود، وهو الزمان الذي بين حشرهم إلى دخول النار، وقيل: الاستثناء من النار، وهو دخولهم الزمهرير، وقيل: ليس المراد هنا بالاستثناء الإخراج، وإنما هو على وجه الأدب مع الله، وإسناد الأمور إليه ﴿ نُوَلِّي بَعْضَ الظالمين ﴾ أي نجعل بعضهم ولياً لبعض، وقيل: يتبع بعضهم بعضاً في دخول النار، وقيل: نسلط بعضهم على بعض.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌۭ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِى وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ۚ قَالُوا۟ شَهِدْنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰفِرِينَ ١٣٠

﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ ﴾ تقرير للجن والإنس، فقيل: إن الجن بعث فيهم رسل منهم لظاهر الآية، وقيل: إنما الرسل من الإنس خاصة، وإنما قال: رسل منكم لما تقدّم هناك فإن قيل: لم كرّر شهادتهم على أنفسهم؟

فالجواب أن قولهم: شهدنا على أنفسنا قول قالوه هم، وقله: شهدوا على أنفسهم ذل لهم وتقبيح لحالهم.

<div class="verse-tafsir"

ذَٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍۢ وَأَهْلُهَا غَـٰفِلُونَ ١٣١

﴿ ذلك ﴾ خبر ابتداء مضمر تقديره الأمر ذلك أو مفعول لفعل مضمر تقديره فعلنا ذلك، والإشارة إلى بعث الرسل ﴿ أَن لَّمْ يَكُنْ ﴾ تعليل لبعث الرسل، وهو في موضع مفعول من أجله، أو بدل من ذلك ﴿ بِظُلْمٍ ﴾ فيه وجهان: أحدهما أن الله لم يكن ليهلك القرى دون بعث الرسل إليهم، فيكون إهلاكهم ظلماً إذ لم ينذرهم، فهو كقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ [الإسراء: 15]، والآخر: أن الله لا يهلك القرى بظلمهم إذا ظلموا، دون أن ينذرهم، ففاعل الظلم على هذا أهل القرى وغفلتهم عدم إنذارهم، حكى الوجهين ابن عطية والزمخشري:، والوجه الأول صحيح على مذهب المعتزلة، ولا يصح على مذهب أهل السنة، لأن الله لو أهلك عباده بغير ذنب: لم يكن ظالماً عندهم.

<div class="verse-tafsir"

وَلِكُلٍّۢ دَرَجَـٰتٌۭ مِّمَّا عَمِلُوا۟ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ١٣٢ وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنۢ بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ ١٣٣

﴿ وَلِكُلٍّ درجات ﴾ منازل في الجزاء على أعمالهم من الثواب والعقاب ﴿ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ﴾ أي من ذرية أهل سفينة نوح أو من كان قبلهم إلى آدم.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ يَـٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَامِلٌۭ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَـٰقِبَةُ ٱلدَّارِ ۗ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ١٣٥ وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ نَصِيبًۭا فَقَالُوا۟ هَـٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ ۗ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ١٣٦

﴿ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ ﴾ الأمر هنا للتهديد، والمكانة التمكن ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ تهديد ﴿ مَن تَكُونُ لَهُ ﴾ يحتمل أن تكون من موصوله في موضع نصب على المفعولية أو استفهامية في موضع رفع بالابتداء ﴿ عاقبة الدار ﴾ أي الآخرة أو الدنيا، والول أرجح لقوله: ﴿ عقبى الدار * جَنَّاتُ عَدْنٍ ﴾ [الرعد: 22-23] ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام نَصِيباً ﴾ الضمير في جعلوا لكفار العرب.

قال السهيلي: هم حيّ من خولان، يقال لهم: الديم كانوا يجعلون من زروعهم وثمارهم ومن أنعامهم نصيباً لله ونصيباً لأصنامهم، ومعنى ذرأ: خلق وأنشأ، ففي ذلك رد عليهم، لن الله لاذي خلقها وذرأها: هو مالكها لا رب غيره ﴿ بِزَعْمِهِمْ ﴾ أي بدعواهم وقولهم من غير دليل ولا شرع، وأكثر ما يقال الزعم: في الكذب، وقرئ بفتح الزاي والكسائي بالضم وهما لغتان ﴿ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إلى الله ﴾ الآية كانوا إذا هبت الريح فحملت شيئاً من الذي لله إلى الذي للأصنام أقروه، وإن حملت شيئاً من الذي للأصنام إلى الذي لله ردّوه، وإذا أصابتهم سنة أكلوا نصيب الله ةتحاموا نصيب شركائهم.

<div class="verse-tafsir"

وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍۢ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَـٰدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا۟ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ۖ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ١٣٧

﴿ وكذلك زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ المشركين قَتْلَ أولادهم ﴾ كانوا يقتلون أولادهم بالوأد ويذبحونهم، قرباناً إلى الأصنام.

وشركاؤهم هنا هم: الشياطين، أو القائمون على الأصنام.

وقرأ الجمهور بفتح الزاي من زين على البناء للفاعل، ونصب قتل على أنه مفعول وخفض أولادهم بالإضافة ورفع شركاؤهم على أنه فاعل بزين، والشركاء على هذه القراءة هم الذين زينوا القتل، وقرأ ابن عباس بضم الزاي على البناء للمفعول، ورفع قتل على أنه مفعول لم يسم فاعل، ونصب أولادهم على أنه مفعول بقتل، وخفض شركائهم على الإضافة إلى قتل إضافة المصدر إلى فاعله، وفصل بين المضاف والمضاف إليه بقوله: أولادهم، وذلك ضعيف في العربية وقد سمع في الشعر، والشركاء على هذه القراءة هم القاتلون للأولاد ﴿ لِيُرْدُوهُمْ ﴾ أي ليهلكوهم وهو من الردى بمعنى الهلاك.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالُوا۟ هَـٰذِهِۦٓ أَنْعَـٰمٌۭ وَحَرْثٌ حِجْرٌۭ لَّا يَطْعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَـٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَـٰمٌۭ لَّا يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ ۚ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ١٣٨

﴿ وَقَالُواْ هذه أنعام وَحَرْثٌ حِجْرٌ ﴾ أي حرام، وهو فعل بمعنى مفعول، نحو ذِبْح، فيستوي فيه المذكر والمؤنث والواحد والجمع ﴿ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ ﴾ أي لا يأكلها إلا من شاؤوا وهم قائمون على الأصنام، والرجال دون النساء ﴿ وأنعام حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا ﴾ أي لا تركب وهي السائبة وأخواتها ﴿ وأنعام لاَّ يَذْكُرُونَ اسم الله عَلَيْهَا ﴾ قيل معناه لا يحج عليها فلا يذكر اسم الله بالتلبية، وقيل: لا يذكر اسم الله عليها إذا ذبحت ﴿ افترآء عَلَيْهِ ﴾ كانوا قد قسموا أنعامهم على هذه الأقسام، ونسبوا ذلك إلى الله افتراء وكذباً، ونصب على الحال أو مفعول من أجله، أو مصدر مؤكد.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالُوا۟ مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلْأَنْعَـٰمِ خَالِصَةٌۭ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِنَا ۖ وَإِن يَكُن مَّيْتَةًۭ فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ ۚ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ ١٣٩ قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَهُمْ سَفَهًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍۢ وَحَرَّمُوا۟ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا۟ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ ١٤٠

﴿ وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هذه الأنعام خَالِصَةٌ ﴾ الآية: كانوا يولون في أجنّة البحيرة والسائبة: ما ولد منها حياً فهو للرجال خاصة ولا يأكل منها النساء، وما ولد منها ميتاً اشترك فيه الرجال والنساء وأنث خالصة للحمل على المعنى، وهي الأجنة وذكر ﴿ مُحَرَّمٌ ﴾ حملاً على لفظ ما، ويجوز أن تكون التاء للمبالغة ﴿ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ الله ﴾ أي البحيرة والسائبة وشبهها.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَ جَنَّـٰتٍۢ مَّعْرُوشَـٰتٍۢ وَغَيْرَ مَعْرُوشَـٰتٍۢ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَـٰبِهًۭا وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍۢ ۚ كُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ ۖ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ ١٤١ وَمِنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ حَمُولَةًۭ وَفَرْشًۭا ۚ كُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ ١٤٢

﴿ جنات معروشات ﴾ مرفوعات على دعائم وشبهها ﴿ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ ﴾ متروكات على وجه الأرض، وقيل: المعروشات على ما غرسه الناس في العمران وغير معروشات: ما أنبته الله في الجبال والبراري ﴿ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ ﴾ في اللون والطعم والرائحة والحجم، وذلك دليل على أن الخالق مختار مريد ﴿ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ في اللون والطعم والرائحة والحجم، وذلك دليل على أن الخالق مختار مريد ﴿ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ قيل: حقه هنا الزكاة وهو ضعيف لوجهين: أحدهما: أن الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة، والآخر: أن الزكاة لا تعطى يوم الحصاد، وإنما تعطى يوم ضم الحبوب والثمار، وقيل: حقه ما يصدق به على المساكين يوم الحصاد، وكان ذلك واجباً ثم نسخ بالعشر، وقيل: هو ما يسقط من السنبل، والأمر على هذا للندب ﴿ حَمُولَةً وَفَرْشاً ﴾ عطف على جنات، والحمولة الكبار، والفرش الصغار: كالعجاجيل جمع عجل والفصلان وقيل: الحمولة الإبل لأنها يحمل عليها، والفرش: الغنم لأنها تفرش للذبح ويفرش ما ينسج من صوفها.

<div class="verse-tafsir"

ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍۢ ۖ مِّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ ۗ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۖ نَبِّـُٔونِى بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ١٤٣ وَمِنَ ٱلْإِبِلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ ۗ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۖ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّىٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا لِّيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٤٤

﴿ ثمانية أزواج ﴾ بدل من حمولة وفرشاَ، وسماها أزواجاً، لأن الذكر زوج للأنثى والأنثى زوج للذكر ﴿ مَّنَ الضأن اثنين ﴾ يريد الذكر والأنثى، وكذلك فيما بعده ﴿ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ ﴾ يعني الذكر من الضأن والذكر من المعز، ويعني بالأنثيين الأنثى من الضأن، والأنثى من المعز، وكذل فيما بعده من الإبل والبقر والهمزة للإنكار ﴿ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ ﴾ تعجيز وتوبيخ ﴿ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً ﴾ يعني في تحريم ما لم يحرم الله، وذلك إشارة إلى العرب في تحريمهم أشياء كالبحيرة وغيرها.

<div class="verse-tafsir"

قُل لَّآ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍۢ يَطْعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًۭا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍۢ فَإِنَّهُۥ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ١٤٥ وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍۢ ۖ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍۢ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَـٰهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ ١٤٦

﴿ قُل لاَّ أَجِدُ ﴾ الآية تقتضي حصر المحرمات فيما ذكر، وقد جاء في السنة تحريم أشياء لم تذكر هنا كلحوم الحمر الأهلية فذهب قوم إلى أن السنة نسخت هذا الحصر، وذهب آخرون إلى أن الآية وردت على سبب فلا تقتضي الحصر، وذهب آخرون إلى أن ما عدا ما ذكر إنما نهى عنه على وجه الكراهة، لا على وجه التحريم ﴿ أَوْ فِسْقاً ﴾ معطوف على المنصوبات قبله، وهو ما أُهِلَّ به لغير الله سماه فسقاً لتوغله في الفسق، وقد تقدم الكلام على هذه المحرمات في [البقرة: 173] ﴿ كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ هو ما له أصبع من دابة وطائر قاله الزمخشري وقال ابن عطية: يراد به الإبل والأوز والنعام ونحوه؛ من الحيوان الذي هو غير منفرج الأصابع، أو له ظفر وقال الماوردي مثله، وحكى النقاش عن ثعلب: أن كل ما لا يصيد فهو ذو ظفر، وما يصيد فهو ذو مخلب، وهذا غير مطرد، لأن الأسد ذو ظفر ﴿ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا ﴾ يعني ما في الظهور والجُنوب من الشحم ﴿ أَوِ الحوايآ ﴾ هي المباعر، وقيل: المصارين والحشوةونحوهما مما يتحوّى في البطن، وواحد حوايا على هذا فعائل كصحيفة وصحائف، وقيل: واحدها حاوية على وزن فاعله فحوايا على هذا فواعل: كضاربة وضوارب، وهو معطوف على ما في قوله: إلا ما حملت الظهور، فهو من المستثنى من التحريم، وقيل: عطف على الظهور، فالمعنى إلا ما حملت الظهور، أو حملت الحوايا، وقيل: عطف على الشحوم، فهو من المحرم ﴿ أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ ﴾ يريد ما في جميع الجسد ﴿ وِإِنَّا لصادقون ﴾ أي فيما أخبرنا به من التحريم، وفي ذلك تعريض بكذب من حرم ما لم يحرم الله.

<div class="verse-tafsir"

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍۢ وَٰسِعَةٍۢ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُۥ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ ١٤٧

﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسعة ﴾ أي إن كذبوك فيما أخبرت به من التحريم فقل لهم: ربكم ذو رحمة واسعة إذ لا يعاجلكم بالعقوبة على شدة جرمكم، وهذا كما تقول عند رؤية معصية: ما أحلم الله!

تريد لإمهاله عن مثل ذلك ثم أعقب وصفه بالرحمة الواسعة بقوله: ﴿ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القوم المجرمين ﴾ أي لا تغتروا بسعة رحمته، فإنه لا يرد بأسه عن مثلكم إما في الدنيا أو في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍۢ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا۟ بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍۢ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ١٤٨ قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ ۖ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ ١٤٩ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا ۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ۚ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ١٥٠

﴿ سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ الله مَآ أَشْرَكْنَا ﴾ الآية: معناها أنهم يقولون: إن شركهم وتحريمهم لما حرموا كان بمشيئة الله ولو شاء الله أن لا يفعلوا ذلك ما فعلوه، فاحتجوا على ذلك فإرادة الله له، وتلك نزغة جبرية، ولا حجة لهم في ذلك، لأنهم مكلفونمأمورون ألا يشركوا بالله، ولا يحللوا ما حرم الله ولا يحرموا ما حلل الله، والإرادة خلاف التكليف، ويحتمل عندي أن يكون قولهم: ﴿ لَوْ شَآءَ الله ﴾ قولاً يقولونه في الآخرة؛ على وجه التمني أن ذلك لم يكن، كقولك إاذ ندمت على شيء: لو شاؤ الله ما كان هذا.

أي يتمنى أن ذلك لم يكن، ويؤيد هذا أنه حكى قولهم بأداة الاستقبال، وهي السين، فذلك دليل على أنهم يقولونه في المستقبل وهي الآخرة ﴿ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ ﴾ توقيف لهم وتعجيز ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة ﴾ لما أبطل حجتهم أثبت حجة الله ليظهر الحق ويبطل الباطل ﴿ هَلُمَّ ﴾ قيل: هي بمعنى هات فهي متعدية، وقيل: بمعنى أقبل فهي غير متعدية، وهي عند بعض العرب فعل يتصل به ضمير الاثنين والجماع والمؤنث، وعند بعضهم: اسم فعل فيخاطب بها الواجد والاثنان والجماعة والمؤنث على حد سواء، ومقصود الآية تعجيزهم عن إقامة الشهداء ﴿ فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ أي إن كذبوا في شهادتهم وزوروا فلا تشهد بمثل شهادتهم.

<div class="verse-tafsir"

۞ قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًۭا ۖ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍۢ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ١٥١

﴿ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يدعو جميع الخلق إلى سماع تلاوة ما حرم عليهم وذكر في هذه الآيات المحرمات التي أجمعت عليها جميع الشارئع ولم تنسخ قط في ملة، وقال ابن عباس: هي الكلمات التي أنزل الله على موسى ﴿ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ قيل: أن هنا حرف عبارة وتفسير فلا موضع لها منالإعراب، ولا ناهية جزمت الفعل، وقيل: أن مصدرية في موضع رفع تقديره: الأمر ألا تشركوا، فلا على هذا نافية، وقيل: أن في موضع نصب بدلاً من قوله ما حرم، ولا يصح ذلك إلا إن كانت لا زائدة وإن لم تكن زائدة فسد المعنى لأن الذي حرم على ذلك يكون ترك الإشراك، والأحسن عندي أن تكون أن مصدرية في موضع نصب على البدل ولا نافية ولا يلزم ما ذكر من فساد المعنى، لأن قوله ما حرم ربكم معناه ما وصاكم به ربكم بدليل قوله في آخر الآية.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ ۖ وَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُوا۟ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُوا۟ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ١٥٢

﴿ ذلكم وصاكم ﴾ به فضمن التحريم معنى الوصية، والوصية في المعنى أعمّ من التحريم، لأن الوصية تكون بتحريم وبتحليل، وبوجوب وندب، ولاينكر أن يريد بالتحريم، لأن الوصية تكون بتحريم وبتحليل، وبوجوب وندب، ولا ينكر أن يريد بالتحريم الوصية لأن العرب قد تذكر اللفظ الخاص وتريد به العموم، كما تذكر اللفظ العام وتريد به الخصوص، إذ تقرر هذا، فتقدير الكلام: قل تعالوا أتل ما وصاكم به ربكم، ثم أبدل منه على وجه التفسير له والبيان، فقال: أن لا تشركوا به شيئاً، أي وصاكم ألا تشركوا به شيئاً ووصاكم بالإحسان بالوالدين، ووصاكم أن لا تقتلوا أولادكم، فجمعت الوصية ترك الإشارك وفعل الإحسان بالوالدين وما بعد ذلك ويؤيد هذا التأويل الذي تأولنا: أن الآيات اشتملت على أوامر: كالإحسان بالوالدين وقول العدل والوفاء في الوزن، وعلى نواهي: كالإشارك وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، فلابد أن يكون اللفظ المقدم في أولها لفظاً يجمع الأوامر والنواهي، لأنها أجملت فيه، ثم فسرت بعد ذلك، ويصلح لذلك لفظ الوصية لأنه جامع للأمر والنهي، فلذلك جعلنا التحريم بمعنى الوصية ويدل على ذلك ذكر لفظ الوصية بعد ذلك، وإن لم يتأول على ما ذكرناه: لزم في الآية إشكال، وهو عطف الأوامر على النواهي، وعطف النواهي على الأوامر، فإن الأوامر طلب فعلها، والنواهي طلب تركها، وواو العطف تقتضي الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه، ولا يصح ذلك إلا على الوجه الذي تأولناه من عموم الوصية للفعل والترك.

وتحتمل الآية عندي تأويلاً آخر، وهو: أن يكون لفظ التحريم على ظاهره، ويعم فعل المحرمات، وترك الواجبات لأن ترك الواجبات حرام ﴿ وَلاَ تقتلوا أولادكم خَشْيَةَ إملاق ﴾ [الإسراء: 31] الإملاق الفاقة، ومن هنا للتعليل تقديره: من أجل إملاق، وإنما نهى عن قتل الأولاد لأجل الفاقة، لأن العرب كانوا يفعلون ذلك، فخرج مخرج الغالب فلا يفهم منه إباحة قتلهم بغير ذلك الوجه ﴿ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾ [الأنعام: 151] قيل ما ظهر: الزنا، وما بطن: اتخاذ الأخدان والصحيح أن ذلك عموم في جميع الفواحش ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق ﴾ [الإسراء: 33] فسره قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل دم امرئ مسلم إلى بإحدى ثلاث: زنى بعد إحصان، أو كفر بعد إيمان، أو قتل نفس بغير نفس ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ النهي عن القرب يعم وجوه التصرف، وفيه سدّ الذريعة، لأنه إذا نهى عن أن يقرب المال، فالنهي عن أكله أولى وأحرى.

والتي هي أحسن منفعة اليتيم وتثمير ماله ﴿ حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ هو البلوغ مع الرشد، وليس المقصود هنا السن وحده، وإنما المقصود معرفته بمصالحه ﴿ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ لما أمر بالقسط في الكيل والوزن، وقد علم أن القسط الذي لا زيادة فيه ولانقصان مما يجري فيه الحرج ولا يتحقق الوصول إليه أمر بما في الوسع من ذلك وعفا عما سواه ﴿ وَلَوْ كَانَ ذَا قربى ﴾ أي ولو كان المقول له أو عليه في شهادة أو غيرها من أهل قرابة القائل، فلا ينبغي أن يزيد ولا ينقص بل يعدل.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًۭا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ١٥٣

﴿ وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيماً ﴾ الإشارة بهذا إلى ما تقدم من الوصايا أو إلى جميع الشريعة، وأن بفتح الهمزة والتشديد عطف على ما تقدم أو مفعول من أجله: أي فاتبعوه لأن هذا صراطي مستقيماً، وقرئ بالكسر على الاستئناف، وبالفتح والتخفيف على العطف، وهي على هذا مخففة من الثقيلة ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل ﴾ الطرق المختلفة في الدين من اليهودية والنصرانية وغيرها من الأديان الباطلة، ويدخل فيه أيضاً البدع والهواء المضلة، وفي الحديث: «أن النبي صلى الله عليه وسلم خط خطا، ثم قال هذا سبيل الله، ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله، ثم قال هذه كلها سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه» ﴿ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ﴾ أي تفرقكم عن سبيل الله والفعل مستقبل حذفت منه تاء المضارعة ولذلك شدده أبو الحسن أحمد بن محمد البزي.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ١٥٤

﴿ ثُمَّ آتَيْنَا ﴾ معطوف على وصاكم به، فإن قيل: فإن إيتاء موسى الكتاب متقدم على هذه الوصية، فكيف عطفه عليها بثم؟

فالجواب أن هذه الوصية قديمة لكل أمة على لسان نبيها، فصح الترتيب، وقيل: إنها هنا لترتيب الأخبار والقول، لا لترتيب الزمان ﴿ تَمَاماً عَلَى الذي أَحْسَنَ ﴾ فيه ثلاث تأويلات: أحدها أن المعنى تماماً للنعمة على الذي أحسن من قوم موسى، ففاعل أحسن ضمير يعود على الذي، والذي أحسن يراد به جنس المحسنين، والآخر: أن المعنى تماماً أي تفضلاً، أو جزاء على ما أحسن موسى عليه السلام من طاعة ربه وتبليغ رسالته، فالفاعل على هذا ضمير موسى عليه السلام والذي صفة لعمل موسى، والثالث تماماً أي إكمالاً على ما أحسن الله به إلى عباده، فالعامل على هذا ضمير الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

أَن تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَـٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَـٰفِلِينَ ١٥٦ أَوْ تَقُولُوا۟ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَـٰبُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ ۚ فَقَدْ جَآءَكُم بَيِّنَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ۗ سَنَجْزِى ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَـٰتِنَا سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْدِفُونَ ١٥٧

﴿ أَن تقولوا ﴾ في موضع مفعول من أجله تقديره: كراهة أن تقولوا ﴿ على طَآئِفَتَيْنِ ﴾ أهل التوراة والإنجيل ﴿ وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لغافلين ﴾ أي لم ندرس مثل دراستهم ولم نعرف ما درسوا من الكتب فلا حجة علينا، وأن هنا مخففة من الثقيلة ﴿ فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ ﴾ إقامة حجة عليهم ﴿ وَصَدَفَ ﴾ أي أعرض.

<div class="verse-tafsir"

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَـٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىٓ إِيمَـٰنِهَا خَيْرًۭا ۗ قُلِ ٱنتَظِرُوٓا۟ إِنَّا مُنتَظِرُونَ ١٥٨

﴿ هَلْ يَنظُرُونَ ﴾ الآية: تقدمت نظيرتها في [البقرة: 210] ﴿ بَعْضُ آيات رَبِّكَ ﴾ أشراط الساعة كطلوع الشمس من مغربها، فحينئذ لا يقبل إيمان كافر ولا توبة عاص، فقوله: لا ينفع نفساً إيمانها يعني أن إيمان الكافر لا ينفعه حينئذ وقوله: ﴿ أَوْ كَسَبَتْ في إيمانها خَيْراً ﴾ يعني أن من كان مؤمناً ولم يكسب حسنات قبل ظهور تلك الآيات، ثم تاب إذا ظهرت: لم ينفعه لأنه باب التوبة يغلق حينئذ ﴿ قُلِ انتظروا ﴾ وعيد <div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ وَكَانُوا۟ شِيَعًۭا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ ۚ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ ١٥٩

﴿ إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ ﴾ هم اليهود والنصارى، وقيل أهل الأهواء والبدع، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قيل يا رسول الله ومن تلك الواحدة؟

قال من كان على ما أنا وأصحابي عليه» ، وقرئ فارقوا أي تركوا ﴿ وَكَانُواْ شِيَعاً ﴾ جمع شيعة أي متفرّقين كل فرقة تتشيع لمذهبا ﴿ لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾ أي أنت بريء منهم.

<div class="verse-tafsir"

مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ١٦٠ قُلْ إِنَّنِى هَدَىٰنِى رَبِّىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ دِينًۭا قِيَمًۭا مِّلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ١٦١

﴿ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾ فضل عظيم على العموم في الحسنات، وفي العاملين، وهو أقل التضعيف للحسنات فقد تنتهي إلى سبعمائة وأزيد ﴿ دِيناً قِيَماً ﴾ بدل من موضع إلى صراط مستقيم لأن أصله هداني صراطاً بدليل اهدنا الصراط، والقيِّم فيعل من القيام وهو أبلغ من قائم وقرئ قِيَما بكسر القاف وتخفيف الياء وفتحها، وهو على هذا مصدر وصف به ﴿ مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ ﴾ بدل من دينا، أو عطف بيان.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٦٢ لَا شَرِيكَ لَهُۥ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ ١٦٣

﴿ وَنُسُكِي ﴾ أي عبادتي وقيل: ذبحي للبهائم، وقيل: حجي، والأول أعم وأرجح ﴿ وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي ﴾ أي أعمالي في حين حياتي وعند موتي ﴿ للَّهِ ﴾ أي خالصاً لوجهه وطلب رضاه، ثم أكد ذلك بقوله لا شريك له: أي لا أريد بأعمالي غير الله، فيكون نفياً للشرك الأصغر وهو الرياء، ويحتمل أن يريد لا أعبد غير الله فيكون نفياً للشرك الأكبر ﴿ وبذلك أُمِرْتُ ﴾ إشارة إلى الإخلاص الذي تقتضيه الآية قبل ذلك ﴿ وَأَنَاْ أَوَّلُ المسلمين ﴾ لأنه صلى الله عليه وسلم سابق أمته.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبًّۭا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍۢ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ١٦٤

﴿ قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِي رَبّاً ﴾ تقرير وتوبيخ للكفار، وسببها أنهم دعوه إلى عبادة آلهتهم ﴿ وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ برهان على التوحيد ونفي الربوبية عن غير الله ﴿ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا ﴾ رد على الكفار لأنهم قالوا له: أعبدْ آلهتنا ونحن نتكفل لك بكل تباعة تتوقعها في دنياك وأخراك، فنزلت هذه الآية: أي ليس كما قلتم، وإنما كسب كل نفس عليها خاصة ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ﴾ ألا يحمل أحد ذنوب أحد، وأصل الوزر الثقل، ثم استعمل في الذنوب.

<div class="verse-tafsir"

وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰٓئِفَ ٱلْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍۢ دَرَجَـٰتٍۢ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۢ ١٦٥

﴿ خَلاَئِفَ ﴾ جمع خليفة: أي يخلف بعضكم بعضاً في السكنى في الأرض أو خلائف عن الله في أرضه، والخطاب على هذا لجميع الناس، وقيل: لأمة محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم خلفوا الأمم المتقدمة ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ ﴾ عموم في المال والجاه والقوة والعلوم وغير ذلك مما وقع فيه التفضيل بين العباد ﴿ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتاكم ﴾ ليختبر شكركم على ما أعطاكم، وأعمالكم فيما مكنكم فيه ﴿ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العقاب وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ جمع بين التخويف والترجية، وسرةعة عقابه تعالى: إما في الدنيا بمن عجل أخذه، أو في الآخرة لأن، كل آت قريب، ونسأل الله أن يغفر لنا ويرحمنا بفضله ورحمته.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل