تفسير سورة الأنعام الآية ٦ عند المحرر الوجيز

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 6 الأنعام > الآية ٦

أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍۢ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًۭا وَجَعَلْنَا ٱلْأَنْهَـٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَـٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ ٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 4 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم وأرْسَلْنا السَماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴾ هَذا حَضٌّ عَلى العِبْرَةِ؛ والرُؤْيَةُ هُنا رُؤْيَةُ القَلْبِ؛ و"كَمْ"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "أهْلَكْنا".

و"اَلْقَرْنُ": اَلْأُمَّةُ المُقْتَرِنَةُ في مُدَّةٍ مِنَ الزَمانِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "خَيْرُ الناسِ قَرْنِي"؛» اَلْحَدِيثَ؛ واخْتَلَفَ الناسُ في مُدَّةِ القَرْنِ: كَمْ هِيَ؟

فالأكْثَرُ عَلى أنَّها مِائَةُ سَنَةٍ؛ ويُرَجِّحُ ذَلِكَ الحَدِيثُ الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "أرَأيْتُمْ لَيْلَتَكم هَذِهِ؟

فَإنَّ عَلى رَأْسِ مِائَةٍ مِنها لا يَبْقى مِمَّنْ هو اليَوْمَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ"؛» قالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: يُرِيدُ أنَّها تَخْرِمُ ذَلِكَ القَرْنَ؛ ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ بَشِيرٍ: "تَعِيشُ قَرْنًا"؛ فَعاشَ مِائَةَ سَنَةٍ.» وقِيلَ: اَلْقَرْنُ: ثَمانُونَ سَنَةً؛ وقِيلَ: سَبْعُونَ؛ وقِيلَ: سِتُّونَ؛ وتَمَسَّكَ هَؤُلاءِ بِالمُعْتَرَكِ؛ وحَكى النَقّاشُ أرْبَعِينَ؛ وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ في ذَلِكَ أنَّهُ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وحَكى النَقّاشُ أيْضًا ثَلاثِينَ؛ وحَكى عِشْرِينَ؛ وحَكى ثَمانِيَةَ عَشَرَ؛ وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ؛ وهَذِهِ طَبَقاتٌ؛ ولَيْسَتْ بِقُرُونٍ؛ إنَّما القَرْنُ أنْ يَكُونَ وفاةَ الأشْياخِ؛ ثُمَّ وِلادَةَ الأطْفالِ؛ ويَظْهَرُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ  ﴾ ؛ وإلى مُراعاةِ الطَبَقاتِ وانْقِراضِ الناسِ بِها أشارَ ابْنُ الماجِشُونِ في "اَلْواضِحَةُ"؛ في تَجْوِيزِ شَهادَةِ السَماعِ؛ في تَقادُمِ خَمْسَةَ عَشَرَ عامًا؛ فَصاعِدًا؛ وقِيلَ: اَلْقَرْنُ: اَلزَّمَنُ نَفْسُهُ؛ وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "مِن أهْلِ قَرْنٍ"؛ والضَمِيرُ في "مَكَّنّاهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى القَرْنِ؛ والمُخاطَبَةُ في "لَكُمْ"؛ هي لِلْمُؤْمِنِينَ ولِجَمِيعِ المُعاصِرِينَ لَهُمْ؛ مِن سائِرِ الناسِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "ما لَمْ نُمَكِّنْ يا أهْلَ العَصْرِ لَكُمْ"؛ فَهَذا أبْيَنُ ما فِيهِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ في الآيَةِ مَعْنى القَوْلِ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ؛ كَأنَّهُ قالَ: يا مُحَمَّدُ قُلْ لَهُمْ: ﴿ ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ﴾ ؛ وإذا أخْبَرْتَ أنَّكَ قُلْتَ لِغائِبٍ؛ أو قِيلَ لَهُ؛ أو أمَرْتَ أنْ يُقالَ؛ فَلَكَ في فَصِيحِ كَلامِ العَرَبِ أنْ تَحْكِيَ الألْفاظَ المَقُولَةَ بِعَيْنِها؛ فَتَجِيءَ بِلَفْظِ المُخاطَبَةِ؛ ولَكَ أنْ تَأْتِيَ بِالمَعْنى في الألْفاظِ بِذِكْرِ غائِبٍ؛ دُونَ مُخاطَبَةٍ.

و"اَلسَّماءَ": اَلْمَطَرَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إذا نَزَلَ السَماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ ∗∗∗ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا و"مِدْرارًا"؛ بِناءُ تَكْثِيرٍ؛ كَـ "مِذْكارٌ"؛ و"مِئْناثٌ"؛ ومَعْناهُ: يَدِرُّ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ المَنفَعَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما سِياقُها تَعْدِيدُ النِعَمِ؛ وإلّا فَظاهِرُها يَحْتَمِلُ النِعْمَةَ؛ ويَحْتَمِلُ الإهْلاكَ؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ تُرادَ السَماءُ المَعْرُوفَةُ؛ عَلى تَقْدِيرِ: "وَأرْسَلْنا مَطَرَ السَماءِ"؛ لِأنَّ "مِدْرارًا"؛ لا يُوصَفُ بِهِ إلّا المَطَرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَأهْلَكْناهُمْ"؛ ﴾ مَعْناهُ: "فَعَصَوْا؛ وكَفَرُوا؛ فَأهْلَكْناهُمْ".

﴿ "وَأنْشَأْنا"؛ ﴾ اِخْتَرَعْنا؛ وخَلَقْنا؛ وجُمِعَ "آخَرِينَ"؛ حَمْلًا عَلى مَعْنى القَرْنِ.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر