تفسير سورة الأنعام الآيات ٧-٩ عند المحرر الوجيز

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 6 الأنعام > الآيات ٧-٩

وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَـٰبًۭا فِى قِرْطَاسٍۢ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ ٧ وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌۭ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًۭا لَّقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ٨ وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكًۭا لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلًۭا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ ٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 5 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ﴾ لَمّا أخْبَرَ عنهم - عَزَّ وجَلَّ - بِأنَّهم كَذَّبُوا بِكُلِّ ما جاءَهم مِن آيَةٍ؛ تَبِعَ ذَلِكَ إخْبارٌ فِيهِ مُبالَغَةٌ مُضَمَّنَهٌ أنَّهُ لَوْ جاءَهم أشْنَعُ مِمّا جاءَ لَكَذَّبُوا أيْضًا؛ والمَعْنى: ﴿ "وَلَوْ نَزَّلْنا" ﴾ بِمَرْأًى مِنهم ﴿ "عَلَيْكَ كِتابًا" ﴾ - أيْ كَلامًا مَكْتُوبًا - ﴿ "فِي قِرْطاسٍ" ﴾ - أيْ في صَحِيفَةٍ؛ ويُقالُ: "قُرْطاسٌ"؛ بِضَمِّ القافِ - ﴿ "فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ" ﴾ - يُرِيدُ أنَّهم بالَغُوا في مَيْزِهِ وتَقْلِيبِهِ - لِيَرْتَفِعَ كُلُّ ارْتِيابٍ؛ لَعانَدُوا فِيهِ؛ وتابَعُوا كُفْرَهُمْ؛ وقالُوا: هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ".

ويُشْبِهُ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ اقْتِراحُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ؛ وتَعَنُّتُهُ؛ إذْ قالَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "لا أُؤْمِنُ لَكَ حَتّى تَصْعَدَ إلى السَماءِ؛ ثُمَّ تَنْزِلَ بِكِتابٍ؛ فِيهِ: مِن رَبِّ العِزَّةِ إلى عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ؛ يَأْمُرُنِي بِتَصْدِيقِكَ؛ وما أرانِي مَعَ هَذا كُنْتُ أُصَدِّقُكَ"؛ ثُمَّ أسْلَمَ؛ بَعْدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ ؛ وقُتِلَ شَهِيدًا في الطائِفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ حِكايَةٌ عَمَّنْ تَشَطَّطَ مِنَ العَرَبِ؛ بِأنْ طَلَبَ أنْ يَنْزِلَ مَلَكٌ يُصَدِّقُ مُحَمَّدًا في نُبُوءَتِهِ؛ ويُعْلِمَ عَنِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ حَقٌّ؛ فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ﴾ ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: لَقامَتِ القِيامَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ.

وقالَ قَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: في الكَلامِ حَذْفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا فَكَذَّبُوا بِهِ؛ لَقُضِيَ الأمْرُ بِعَذابِهِمْ؛ ولَمْ يُنْظَرُوا؛ حَسْبَما سَلَفَ في كُلِّ أُمَّةٍ اقْتَرَحَتْ بِآيَةٍ؛ وكَذَّبَتْ بَعْدَ أنْ أُظْهِرَتْ إلَيْها"؛ وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ "لَقُضِيَ الأمْرُ"؛ ﴾ أيْ: لَماتُوا مِن هَوْلِ رُؤْيَةِ المَلَكِ في صُورَتِهِ؛ ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ﴾ ؛ فَإنَّ أهْلَ التَأْوِيلِ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ ذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يُطِيقُونَ رُؤْيَةَ المَلَكِ في صُورَتِهِ؛ فالأولى في قَوْلِهِ: "لَقُضِيَ الأمْرُ"؛ أيْ: لَماتُوا مِن هَوْلِ رُؤْيَتِهِ.

و"يُنْظَرُونَ"؛ مَعْناهُ: يُؤَخَّرُونَ؛ و"اَلنَّظِرَةُ": اَلتَّأْخِيرُ.

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ "وَلَوْ جَعَلْناهُ"؛ ﴾ اَلْآيَةَ؛ اَلْمَعْنى: "إنّا لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ - ولا بُدَّ - في خَلْقِ رَجُلٍ؛ لِأنَّهم لا طاقَةَ لَهم عَلى رُؤْيَةِ المَلَكِ في صُورَتِهِ"؛ وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ وابْنُ زَيْدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى الحَدِيثُ الوارِدُ عَنِ الرَجُلَيْنِ اللَذَيْنِ صَعِدا عَلى الجَبَلِ يَوْمَ بَدْرٍ؛ لِيَرَيا ما يَكُونُ في حَرْبِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - لِلْمُشْرِكِينَ؛ فَسَمِعا حِسَّ المَلائِكَةِ؛ وقائِلًا يَقُولُ في السَماءِ: "أقْدِمْ حَيْزُومُ"؛ فَماتَ أحَدُهُما لِهَوْلِ ذَلِكَ؛ فَكَيْفَ بِرُؤْيَةِ مَلَكٍ في خِلْقَتِهِ؟

ولا يُعارَضُ هَذا بِرُؤْيَةِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - لِجِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وغَيْرِهِ في صُوَرِهِمْ؛ لِأنَّ النَبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أُعْطِيَ قُوَّةً غَيْرَ هَذِهِ كُلِّها - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

﴿ "وَلَلَبَسْنا"؛ ﴾ أيْ: "لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ؛ وعَلى ضَعَفَتِهِمْ"؛ أيْ: لَفَعَلْنا لَهم في ذَلِكَ فِعْلًا مُلْبِسًا يُطَرِّقُ لَهم إلى أنْ يُلْبَسُوا بِهِ؛ وذَلِكَ لا يَحْسُنُ؛ ويَحْتَمِلُ الكَلامُ مَقْصِدًا آخَرَ؛ أيْ: "لَلَبَسْنا نَحْنُ عَلَيْهِمْ كَما يَلْبِسُونَ هم عَلى ضَعَفَتِهِمْ؛ فَكُنّا نَنْهاهم عَنِ التَلْبِيسِ؛ ونَفْعَلُهُ بِهِمْ"؛ ويُقالُ: "لَبَسَ الرَجُلُ الأمْرَ؛ يَلْبِسُهُ؛ لَبْسًا"؛ إذا خَلَطَهُ؛ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَلَبَّسْنا"؛ بِفَتْحِ اللامِ؛ وشَدِّ الباءِ.

وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ؛ وسِياقُ الكَلامِ ومَعانِيهِ يَقْتَضِي أنَّها في كُفّارِ العَرَبِ.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله