المحرر الوجيز سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الأعراف

تفسيرُ سورةِ الأعراف كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 541 دقيقة قراءة

تفسير سورة الأعراف كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

الٓمٓصٓ ١ كِتَـٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌۭ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ٢ ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ۗ قَلِيلًۭا مَّا تَذَكَّرُونَ ٣

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ "اَلْأعْرافِ" وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها؛ قالَهُ الضَحّاكُ وغَيْرُهُ؛ وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ  ﴾ ؛ إلى قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ  ﴾ ؛ فَإنَّ هَذِهِ الآياتِ مَدَنِيَّةٌ.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ الـمـص ﴾ ﴿ كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَفْسِيرِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ؛ وذِكْرُ اخْتِلافِ المُتَأوِّلِينَ فِيها؛ ويَخْتَصُّ هَذا المَوْضِعُ - زائِدًا عَلى تِلْكَ الأقْوالِ - بِما قالَهُ السُدِّيُّ: إنَّ "الـمـص"؛ هِجاءُ اسْمِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ هُوَ: "اَلْمُصَوِّرُ"؛ وبِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: إنَّ مَعْناهُ: "أنا اللهُ الفاصِلُ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: "كِتابٌ"؛ رُفِعَ عَلى الخَبَرِ لِلْحُرُوفِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ"؛ ورَدَّ الزَجّاجُ عَلى هَذا القَوْلِ بِما لا طائِلَ فِيهِ؛ وقالَ غَيْرُهُ: "كِتابٌ"؛ رُفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "هَذا كِتابٌ"؛ و ﴿ "أُنْزِلَ إلَيْكَ"؛ ﴾ في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "كِتابٌ".

ثُمَّ نُهِيَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُبْرِمَ؛ أو يَسْتَصْحِبَ مِن هَذا الكِتابِ؛ أو بِسَبَبٍ مِن أسْبابِهِ؛ حَرَجًا؛ ولَفْظُ النَهْيِ هو لِلْحَرَجِ؛ ومَعْناهُ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وأصْلُ "اَلْحَرَجُ": اَلضَّيْقُ؛ ومِنهُ "اَلْحَرَجَةُ": اَلشَّجَرُ المُلْتَفُّ؛ الَّذِي قَدْ تَضايَقَ؛ والحَرَجُ - هَهُنا - يَعُمُّ الشَكَّ؛ والخَوْفَ؛ والهَمَّ؛ وَكُلَّ ما يُضَيِّقُ الصَدْرَ؛ وبِحَسَبِ سَبَبِ الحَرَجِ يُفَسَّرُ الحَرَجُ هَهُنا؛ وتَفْسِيرُهُ بِالشَكِّ قَلِقٌ؛ والضَمِيرُ في "مِنهُ"؛ عائِدٌ عَلى الكِتابِ؛ أيْ: بِسَبَبٍ مِن أسْبابِهِ؛ و"مِن"؛ هَهُنا؛ لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى التَبْلِيغِ؛ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ مَعْنى الآيَةِ؛ وقِيلَ: عَلى الإنْذارِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَخْصِيصُ كُلُّهُ لا وجْهَ لَهُ؛ إذِ اللَفْظُ يَعُمُّ الجِهاتِ الَّتِي هي مِن سَبَبِ الكِتابِ ولِأجْلِهِ؛ وذَلِكَ يَسْتَغْرِقُ التَبْلِيغَ؛ والإنْذارَ؛ وتَعَرُّضَ المُشْرِكِينَ؛ وتَكْذِيبَ المُكَذِّبِينَ؛ وغَيْرَ ذَلِكَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ ﴾ ؛ اِعْتِراضٌ في أثْناءِ الكَلامِ؛ ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا؛ وقَوْلُهُ تَعالى "لِتُنْذِرَ"؛ اَللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أُنْزِلَ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى "وَذِكْرى"؛ مَعْناهُ: تَذْكِرَةٌ؛ وإرْشادٌ؛ و"ذِكْرى"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "كِتابٌ"؛ فالتَقْدِيرُ: "هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابٌ وذِكْرى"؛ وقِيلَ: رَفْعُهُ عَلى جِهَةِ العَطْفِ عَلى صِفَةِ الكِتابِ؛ فالتَقْدِيرُ: "هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابٌ مُنَزَّلٌ إلَيْكَ وذِكْرى"؛ فَهي عَطْفٌ عَلى "مُنَزَّلٌ"؛ داخِلَةٌ في صِفَةِ الكِتابِ؛ وقِيلَ: "وَذِكْرى"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "لِتُنْذِرَ بِهِ وتُذَكِّرَ ذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ"؛ وقِيلَ: نَصْبُها عَلى المَصْدَرِ؛ وقِيلَ: "وَذِكْرى"؛ في مَوْضِعٍ خَفْضٍ؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى "لِتُنْذِرَ"؛ أيْ: "لِإنْذارِكَ وذِكْرى".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ الطَبَرِيُّ ؛ وحَكاهُ: اَلتَّقْدِيرُ: "قُلِ اتَّبِعُوا"؛ فَحُذِفَ القَوْلُ لِدَلالَةِ الإنْذارِ المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ عَلَيْهِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ تَعالى "اِتَّبِعُوا"؛ أمْرٌ يَعُمُّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وأُمَّتَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والظاهِرُ أنْ يَكُونَ أمْرًا لِجَمِيعِ الناسِ؛ أيْ: "اِتَّبِعُوا مِلَّةَ الإسْلامِ؛ والقُرْآنَ".

وَقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "اِبْتَغُوا ما أُنْزِلَ"؛ مِن "اَلِابْتِغاءُ"؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ: و"وَلا تَبْتَغُوا"؛ مِن "اَلِابْتِغاءُ"؛ أيْضًا؛ وقَوْلُهُ تَعالى "أولِياءَ"؛ يُرِيدُ كُلَّ ما عُبِدَ واتُّبِعَ مِن دُونِ اللهِ تَعالى ؛ كالأصْنامِ؛ والأحْبارِ؛ والكُهّانِ؛ والنارِ؛ والكَواكِبِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "مِن دُونِهِ"؛ ﴾ راجِعٌ إلى "رَبِّكُمْ"؛ هَذا أظْهَرُ وُجُوهِهِ؛ وأبْيَنُها؛ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى "ما"؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿ "اتَّبِعُوا ما"؛ ﴾ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الكِتابِ؛ المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ؛ و"قَلِيلًا"؛ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ؛ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ وقالَ مَكِّيٌّ: هو مَنصُوبٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ؛ قالَ الفارِسِيَّ: و"ما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "ما تَذَكَّرُونَ"؛ ﴾ مَوْصُولَةٌ بِالفِعْلِ؛ وهي مَصْدَرِيَّةٌ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "تَذَّكَّرُونَ"؛ بِتَشْدِيدِ الذالِ؛ والكافِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "تَذَكَّرُونَ"؛ بِتَخْفِيفِ الذالِ؛ وتَشْدِيدِ الكافِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "يَتَذَكَّرُونَ"؛ بِالياءِ؛ كِنايَةً عن غَيْبٍ؛ ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "تَتَذَكَّرُونَ"؛ بِتاءَيْنِ؛ عَلى مُخاطَبَةِ حاضِرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَـٰتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ ٤ فَمَا كَانَ دَعْوَىٰهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ ٥ فَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ ٦ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍۢ ۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ ٧

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أو هم قائِلُونَ ﴾ ﴿ فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ ﴾ ﴿ فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ ﴾ "وَكَمْ"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ؛ والخَبَرُ "أهْلَكْناها"؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى "فَجاءَها"؛ و"أهْلَكْناها"؛ صِفَةٌ؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَها؛ تَقْدِيرُهُ: "وَكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها"؛ وقُدِّرَ الفِعْلُ بَعْدَها - وهي خَبَرِيَّةٌ - تَشْبِيهًا لَها بِالِاسْتِفْهامِيَّةِ؛ في أنَّ لَها - في كُلِّ حالٍ - صَدْرَ الكَلامِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمُرادُ: "وَكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ"؛ وحُذِفَ المُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَ المُضافِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما عَبَّرَ تَعالى بِالقَرْيَةِ لِأنَّها أعْظَمُ في العُقُوبَةِ إذا أهْلَكَ البَشَرَ وقَرْيَتَهُمْ؛ وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ "أو هُمْ"؛ ﴾ أنَّ البَشَرَ داخِلُونَ في الهَلاكِ؛ فالآيَةُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - تَتَضَمَّنُ هَلاكَ القَرْيَةِ؛ وأهْلَها جَمِيعًا؛ وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ تَتَضَمَّنُ هَلاكَ الأهْلِ.

والمُرادُ بِالآيَةِ التَكْثِيرُ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناهم فَجاءَهم بَأْسُنا"؛ وقَوْلُهُ تَعالى "فَجاءَها"؛ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ أنَّ المَجِيءَ بَعْدَ الإهْلاكِ؛ وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ؛ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُعْدَلَ عن ظاهِرِ هَذا التَعْقِيبِ؛ فَقِيلَ: اَلْفاءُ قَدْ تَجِيءُ بِمَنزِلَةِ الواوِ؛ ولا تُعْطى رُتْبَةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ: وقِيلَ: عَبَّرَ عن إرادَةِ الإهْلاكِ بِالإهْلاكِ؛ قالَ مَكِّيٌّ في "اَلْمُشْكِلُ": مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا يَحْتَجُّ بِهِ مَن قالَ: اَلْفاءُ في هَذِهِ الآيَةِ لِتَعْقِيبِ القَوْلِ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "أهْلَكْناها بِالخِذْلانِ؛ وقِلَّةِ التَوْفِيقِ؛ فَجاءَها بَأْسُنا بَعْدَ ذَلِكَ"؛ وقالَ الفَرّاءُ - وحَكاهُ الطَبَرِيُّ -: إنَّ الإهْلاكَ هو مَجِيءُ البَأْسِ؛ ومَجِيءُ البَأْسِ هو الإهْلاكُ؛ فَلَمّا تَلازَما لَمْ يُبالَ أيُّهُما قُدِّمَ في الرُتْبَةِ؛ وقِيلَ: إنَّ الفاءَ لِتَرْتِيبِ القَوْلِ فَقَطْ؛ فَكَأنَّهُ أخْبَرَ عن قُرًى كَثِيرَةٍ أنَّهُ أهْلَكَها؛ ثُمَّ قالَ: "فَكانَ مِن أمْرِها مَجِيءُ البَأْسِ".

و"بَياتًا"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ و"قائِلُونَ"؛ مِن "اَلْقائِلَةُ"؛ وإنَّما خَصَّ وقْتَيِ الدَعَةِ؛ والسُكُونِ؛ لِأنَّ مَجِيءَ العَذابِ فِيهِما أفْظَعُ؛ وأهْوَلُ؛ لِما فِيهِما مِنَ البَغْتِ؛ والفَجْأةِ؛ و"أو"؛ في هَذا المَوْضِعِ كَما تَقُولُ: "اَلنّاسُ في فُلانٍ صِنْفانِ؛ حامِدٌ أو ذامٌّ"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "جاءَهم بَأْسُنا فِرْقَتَيْنِ؛ بائِتِينَ؛ أو قائِلِينَ"؛ وهَذا هو الَّذِي يُسَمّى اللَفُّ؛ وهو إجْمالٌ في اللَفْظِ يُفَرِّقُهُ ذِهْنُ المُخاطَبِ دُونَ كُلْفَةٍ؛ و"اَلْبَأْسُ": اَلْعَذابُ؛ وقِيلَ: اَلْمُرادُ: "أو وهم قائِلُونَ"؛ فَكُرِهَ اجْتِماعُ حَرْفَيِ العَطْفِ؛ فَحُذِفَتِ الواوُ؛ وهَذا تَكَلُّفٌ؛ لِأنَّ مَعْنى اللَفِّ باقٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَما كانَ دَعْواهُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ غايَةَ البَيانِ أنَّ المُرادَ في الآيَةِ قَبْلَها أهْلُ القُرى؛ والدَعْوى في كَلامِ العَرَبِ لِمَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: اَلدُّعاءُ؛ قالَ الخَلِيلُ: تَقُولُ: "اَللَّهُمَّ أشْرِكْنا في صالِحِ دَعْوى المُسْلِمِينَ"؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ  ﴾ ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وإنْ مَذِلَتْ رِجْلِي دَعَوْتُكِ أشْتَفِي ∗∗∗ بِدَعْواكِ مِن مَذْلٍ بِها فَيَهُونُ والثانِي: اَلِادِّعاءُ؛ فَقالَ الطَبَرِيُّ: هي في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى: "اَلدُّعاءُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ أيْضًا بِمَعْنى "اَلِادِّعاءُ"؛ لِأنَّ مَن نالَهُ مَكْرُوهٌ؛ أو حَزَبَهُ حادِثٌ؛ فَمِن شَأْنِهِ أنْ يَدْعُوَ؛ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ المُفَسِّرُونَ في فِعْلِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ؛ ومِن شَأْنِهِ أيْضًا أنْ يَدَّعِيَ مَعاذِيرَ؛ وأشْياءَ؛ تُحَسِّنُ حالَهُ؛ وتُقِيمُ حُجَّتَهُ في زَعْمِهِ؛ فَيُتَّجَهُ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ بِحالِ مَن يَدَّعِي مَعاذِيرَ؛ ونَحْوَها؛ فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم لَمْ تَكُنْ لَهم دَعْوى؛ ثُمَّ اسْتَثْنى مِن غَيْرِ الأوَّلِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "لَمْ يَكُنْ دُعاءٌ - أوِ ادِّعاءٌ - إلّا الإقْرارُ؛ والِاعْتِرافُ"؛ أيْ: هَذا كانَ بَدَلَ الدُعاءِ؛ أو الِادِّعاءِ.

وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "فَما آلَتْ دَعْواهُمُ الَّتِي كانَتْ في حالِ كُفْرِهِمْ إلّا إلى اعْتِرافٍ"؛ ونَحْوٌ مِنَ الآيَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: وقَدْ شَهِدَتْ قَيْسٌ فَما كانَ نَصْرُها ∗∗∗ ∗∗∗ قُتَيْبَةَ إلّا عَضُّها بِالأباهِمِ واعْتِرافُهم وقَوْلُهُمْ: إنّا كُنّا ظالِمِينَ؛ هو في المُدَّةِ بَيْنَ ظُهُورِ العَذابِ؛ إلى إتْيانِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ؛ وفي ذَلِكَ مُهْلَةٌ؛ بِحَسَبِ نَوْعِ العَذابِ؛ تَتَّسِعُ لِهَذِهِ المَقالَةِ؛ وغَيْرِها؛ ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنَّهُ قالَ: « "ما هَلَكَ قَوْمٌ حَتّى يُعْذَرُوا مِن أنْفُسِهِمْ"؛» وفَسَّرَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ هَذا الحَدِيثَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ و"دَعْواهُمْ"؛ خَبَرُ "كانَ"؛ واسْمُها "إلّا أنْ قالُوا"؛ وقِيلَ بِالعَكْسِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وعِيدٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِجَمِيعِ العالَمِ؛ أخْبَرَ أنَّهُ يَسْألُ الأُمَمَ أجْمَعَ عَمّا بُلِّغَ إلَيْهِمْ عنهُ تَعالى ؛ وعن جَمِيعِ أعْمالِهِمْ؛ ويَسْألُ النَبِيِّينَ - عَلَيْهِمُ السَلامُ - عَمّا بَلَّغُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ نُفِيَ السُؤالُ في آياتٍ؛ وذَلِكَ هو سُؤالُ الِاسْتِفْهامِ الحَقِيقِيِّ؛ وقَدْ أُثْبِتَ في آياتٍ كَهَذِهِ الآيَةِ؛ وهَذا هو سُؤالُ التَقْرِيرِ؛ فَإنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أحاطَ عِلْمًا بِكُلِّ ذَلِكَ قَبْلَ السُؤالِ؛ فَأمّا الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -؛ والمُؤْمِنُونَ؛ فَيُعْقِبُهم جَوابُهم رَحْمَةً؛ وكَرامَةً؛ وأمّا الكُفّارُ؛ ومَن نُفِّذَ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِنَ العُصاةِ؛ فَيُعْقِبُهم جَوابُهم عَذابًا وتَوْبِيخًا؛ فَمَن أنْكَرَ مِنهم قَصَّ تَعالى عَلَيْهِ بِعِلْمٍ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلْنَسْألَنَّ الَّذِينَ أرْسَلَنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ رُسُلُنا ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "فَلَنَقُصَّنَّ"؛ ﴾ أيْ: "فَلَنَسْرِدَنَّ عَلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ؛ قِصَّةً قِصَّةً"؛ و"بِعِلْمٍ"؛ أيْ: بِحَقِيقَةٍ ويَقِينٍ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: يُوضَعُ الكِتابُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ فَيَتَكَلَّمُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ هُنا اسْتِعارَةً؛ إذْ كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ مُقَيَّدٌ.

﴿ "وَما كُنّا غائِبِينَ"؛ ﴾ أيْ: "ما كُنّا مَن لا يَعْلَمُ جَمِيعَ تَصَرُّفاتِهِمْ"؛ كالغائِبِ عَنِ الشَيْءِ؛ الَّذِي لا يَعْرِفُ لَهُ حالًا.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ ۚ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ٨ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَظْلِمُونَ ٩

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ ﴾ "والوَزْنُ": مَصْدَرُ "وَزَنَ؛ يَزِنُ"؛ ورَفْعُهُ بِالِابْتِداءِ؛ و"اَلْحَقُّ"؛ خَبَرُهُ؛ و"يَوْمَئِذٍ"؛ ظَرْفٌ مُنْتَصِبٌ بِـ "اَلْوَزْنُ"؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "يَوْمَئِذٍ"؛ خَبَرَ الِابْتِداءِ؛ و"اَلْحَقُّ"؛ نَعْتٌ لِـ "اَلْوَزْنُ"؛ والتَقْدِيرُ: "اَلْوَزْنُ الحَقُّ ثابِتٌ؛ أو ظاهِرٌ يَوْمَئِذٍ"؛ و"يَوْمَئِذٍ"؛ إشارَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ والفَصْلِ بَيْنَ الخَلائِقِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى الوَزْنِ والمَوازِينِ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - أرادَ أنْ يُعْلِمَ عِبادَهُ أنَّ الحِسابَ والنَظَرَ؛ يَوْمَ القِيامَةِ؛ هو في غايَةِ التَحْرِيرِ؛ ونِهايَةِ العَدْلِ؛ فَمَثَّلَ لَهم في ذَلِكَ بِالوَزْنِ؛ والمِيزانِ؛ إذْ لا يَعْرِفُ البَشَرُ أمْرًا أكْثَرَ تَحْرِيرًا مِنهُ؛ فاسْتُعِيرَ لِلْعَدْلِ؛ وتَحْرِيرِ النَظَرِ؛ لَفْظَةُ "اَلْوَزْنُ"؛ و"اَلْمِيزانُ"؛ كَما اسْتَعارَ ذَلِكَ أبُو طالِبٍ في قَوْلِهِ: بِمِيزانِ قِسْطٍ لا يَخِسُّ شَعِيرَةً ∗∗∗ لَهُ حاكِمٌ مِن نَفْسِهِ غَيْرُ عائِلِ ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عن مُجاهِدٍ ؛ والضَحّاكِ ؛ وغَيْرِهِما؛ وكَذَلِكَ اسْتُعِيرَ عَلى قَوْلِهِمُ الثِقْلُ؛ والخِفَّةُ؛ لِكَثْرَةِ الحَسَناتِ وقِلَّتِها.

وقالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: إنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - أرادَ أنْ يَعْرِضَ لِعِبادِهِ يَوْمَ القِيامَةِ تَحْرِيرَ النَظَرِ؛ وغايَةَ العَدْلِ؛ بِأمْرٍ قَدْ عَرَفُوهُ في الدُنْيا؛ وعَهِدَتْهُ أفْهامُهُمْ؛ فَمِيزانُ القِيامَةِ لَهُ عَمُودٌ وكِفَّتانِ؛ عَلى هَيْئَةِ مَوازِينِ الدُنْيا؛ قالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "صاحِبُ المَوازِينِ يَوْمَ القِيامَةِ: جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ"؛ وقالُوا: هَذا الَّذِي اقْتَضاهُ القُرْآنُ؛ ولَمْ يَرُدَّهُ نَظَرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا القَوْلُ أصَحُّ مِنَ الأوَّلِ مِن جِهاتٍ؛ أوَّلُها: أنَّ ظَواهِرَ كِتابِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَقْتَضِيهِ؛ وحَدِيثَ الرَسُولِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - يَنْطِقُ بِهِ؛ مِن ذَلِكَ «قَوْلُهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِبَعْضِ الصَحابَةِ - وقَدْ قالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللهِ؛ أيْنَ أجِدُكَ في القِيامَةِ؟

- فَقالَ: "اُطْلُبْنِي عِنْدَ الحَوْضِ؛ فَإنْ لَمْ تَجِدْنِي فَعِنْدَ المِيزانِ"؛» ولَوْ لَمْ يَكُنِ المِيزانُ مَرْئِيًّا مَحْسُوسًا لَما أحالَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى الطَلَبِ عِنْدَهُ؛ وجِهَةٍ أُخْرى؛ أنَّ النَظَرَ في المِيزانِ؛ والوَزْنِ؛ والثِقْلِ؛ والخِفَّةِ؛ المُقْتَرِناتِ بِالحِسابِ؛ لا يَفْسَدُ شَيْءٌ مِنهُ؛ ولا تَخْتَلُّ صِحَّتُهُ؛ وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ فَلِمَ نَخْرُجْ مِن حَقِيقَةِ اللَفْظِ إلى مَجازِهِ؛ دُونَ عِلَّةٍ؟

وجِهَةٍ ثالِثَةٍ؛ وهي أنَّ القَوْلَ في المِيزانِ هو مِن عَقائِدِ الشَرْعِ الَّذِي لَمْ يُعْرَفْ إلّا سَمْعًا؛ وإنْ فَتَحْنا فِيهِ بابَ المَجازِ غَمَرَتْنا أقْوالُ المُلْحِدَةِ؛ والزَنادِقَةِ؛ في أنَّ المِيزانَ؛ والصِراطَ؛ والجَنَّةَ؛ والنارَ؛ والحَشْرَ؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ إنَّما هي ألْفاظٌ يُرادُ بِها غَيْرُ الظاهِرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وأمّا الثِقْلُ؛ والخِفَّةُ فَإنَّ الآثارَ تَظاهَرَتْ بِأنَّ صَحائِفَ الحَسَناتِ والسَيِّئاتِ تُوضَعُ في كِفَّتَيِ المِيزانِ؛ فَيُحْدِثُ اللهُ تَعالى في الجِهَةِ الَّتِي يُرِيدُ ثِقْلًا؛ وخِفَّةً؛ عَلى نَحْوِ إحْداثِهِ ذَلِكَ في جِسْمِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في وقْتِ نُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ؛ فَفي الصَحِيحِ مِن حَدِيثِ «زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ قالَ: "كُنْتُ أكْتُبُ حَتّى نَزَلَتْ ﴿ غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ  ﴾ ؛ وفَخِذُ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى فَخِذِي حَتّى كادَتْ أنْ تَرُضَّ فَخِذِي"؛» وفي الحَدِيثِ «أنَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ وهو عَلى ناقَتِهِ بَرَكَتْ بِهِ؛» عَجْزًا عن حَمْلِهِ؛ لِلثِّقْلِ الحادِثِ فِيهِ؛ ولا بُدَّ لَنا أنْ نَعْلَمَ أنَّ الثِقْلَ الحادِثَ مَعَ الحَسَناتِ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِجِسْمٍ؛ إذِ العَرَضُ لا يَقُومُ بِعَرَضٍ؛ فَجائِزٌ أنْ يُحْدِثَ الثِقْلَ في الصَحائِفِ؛ وهو أقْرَبُها إلى الظَنِّ؛ وجائِزٌ أنْ يُحْدِثَ في ذَلِكَ؛ مِنَ الأجْسامِ المُجاوِرَةِ لِتِلْكَ الحالِ؛ وإلى حُدُوثِهِ في الصَحائِفِ ذَهَبَ أبُو المَعالِي؛ ورُوِيَتْ في خَبَرِ المِيزانِ آثارٌ عن صَحابَةٍ وتابِعِينَ؛ في هَيْئَةِ طُولِهِ؛ وأحْوالِهِ؛ لَمْ تَصِحَّ بِالإسْنادِ؛ فَلَمْ نَرَ لِلْإطالَةِ بِها وجْهًا؛ وقالَ الحَسَنُ - فِيما رُوِيَ عنهُ -: بَلَغَنِي أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ يَوْمَ القِيامَةِ مِيزانًا عَلى حِدَةٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ؛ والناسُ عَلى خِلافِهِ؛ وإنَّما لِكُلِّ أحَدٍ وزْنٌ يَخْتَصُّ بِهِ؛ والمِيزانُ واحِدٌ؛ ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ ؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ﴾ ؛ أنَّ المَوازِينَ: اَلْحَسَناتُ نَفْسُها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمِعَ لَفْظُ "اَلْمَوازِينَ"؛ إذْ في المِيزانِ مَوْزُوناتٌ كَثِيرَةٌ؛ فَكَأنَّهُ أرادَ التَنْبِيهَ عَلَيْها بِجَمْعِهِ لَفْظَ "اَلْمِيزانُ".

و"اَلْمُفْلِحُونَ"؛ في اللُغَةِ: اَلْمُدْرِكُونَ لِبُغْيَتِهِمْ؛ الناجِحُونَ في طَلَبِهِمْ؛ ومِنهُ قَوْلُ عُبَيْدٍ: أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُبْلَغُ بِالضـْ ∗∗∗ ∗∗∗ ـضَعْفِ وقَدْ يُخَدَّعُ الأرِيبُ فَأمّا قَوْلُ الشاعِرِ: .................

∗∗∗ ∗∗∗ والمُسْيُ والصُبْحُ لا فَلاحَ مَعَهْ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى "اَلْبَقاءُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والبَقاءُ: بُلُوغُ بُغْيَةٍ؛ فالمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ؛ ووَزْنُ اللهِ تَعالى أعْمالَ العِبادِ - مَعَ عِلْمِهِ بِدَقائِقِ الأشْياءِ - وجَلائِلِها - نَظِيرُ كَتْبِهِ أعْمالَهم في صَحائِفِهِمْ؛ واسْتِنْساخِهِ ذَلِكَ؛ ونَظِيرُ اسْتِنْطاقِهِ تَعالى جَوارِحَهم بِالشَهادَةِ عَلَيْهِمْ؛ إقامَةً لِلْحُجَّةِ؛ وإيضاحًا؛ فَقَدْ تَقَرَّرَ في الشَرْعِ أنَّ كَلِمَةَ التَوْحِيدِ تُرَجِّحُ مِيزانَ مَن وُزِنَتْ في أعْمالِهِ؛ ولا بُدَّ؛ فَإنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ تَثْقُلُ مَوازِينُ العُصاةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِالتَوْحِيدِ؛ ويَصِحُّ لَهم حُكْمُ الفَلاحِ؛ ثُمَّ تَدْخُلُ طائِفَةٌ مِنهُمُ النارَ؛ وذَلِكَ شَقاءٌ؛ لا مَحالَةَ؟

فَقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّهُ تُوزَنُ أعْمالُهم دُونَ التَوْحِيدِ؛ فَتَخِفُّ الحَسَناتُ؛ فَيَدْخُلُونَ النارَ؛ ثُمَّ عِنْدَ إخْراجِهِمْ يُوزَنُ التَوْحِيدُ؛ فَتَثْقُلُ الحَسَناتُ؛ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ؛ وأيْضًا فَمَعْرِفَةُ العاصِي أنَّهُ غَيْرُ مُخَلَّدٍ؛ فَلاحٌ؛ وإنْ تَقَدَّمَهُ شَقاءٌ؛ عَلى جِهَةِ التَأْدِيبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المَعْنى: "مَن خَفَّتْ كِفَّةُ حَسَناتِهِ؛ فَشالَتْ"؛ و ﴿ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ ؛ أيْ بِالهَلاكِ؛ والخُلُودِ في النارِ؛ وتِلْكَ غايَةُ الخَسارَةِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "بِما كانُوا"؛ أيْ جَزاءً بِذَلِكَ؛ كَما تَقُولُ: "أكْرَمْتُكَ بِما أكْرَمْتَنِي"؛ و"ما"؛ في هَذا المَوْضِعِ مَصْدَرِيَّةٌ؛ و"اَلْآياتُ"؛ هُنا: اَلْبَراهِينُ؛ والأوامِرُ؛ والنَواهِي؛ و"يَظْلِمُونَ"؛ أيْ يَضَعُونَها في غَيْرِ مَواضِعِها؛ بِالكُفْرِ؛ والتَكْذِيبِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ ۗ قَلِيلًۭا مَّا تَشْكُرُونَ ١٠ وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ ١١

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الساجِدِينَ ﴾ اَلْخِطابُ لِجَمِيعِ الناسِ؛ والمُرادُ أنَّ النَوْعَ بِجُمْلَتِهِ مُمْكِنٌ في الأرْضِ؛ و"اَلْمَعايِشُ": جَمْعُ "مَعِيشَةٌ"؛ وهي لَفْظَةٌ تَعُمُّ المَأْكُولَ الَّذِي يُعاشُ بِهِ؛ والتَحَرُّفَ الَّذِي يُؤَدِّي إلَيْهِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَعايِشَ" بِكَسْرِ الياءِ؛ دُونَ هَمْزٍ؛ وقَرَأ الأعْرَجُ وغَيْرُهُ: "مَعائِشَ"؛ بِالهَمْزِ؛ كَـ "مَدائِنُ"؛ و"سَفائِنُ"؛ ورَواهُ خارِجَةُ عن نافِعٍ ؛ ورُوِيَ عن ورْشٍ: "مَعايْشَ"؛ بِسُكُونِ الياءِ؛ فَمَن قَرَأ: "مَعايِشَ"؛ بِتَصْحِيحِ الياءِ فَهو الأصْوَبُ؛ لِأنَّها جَمْعُ "مَعِيشَةٌ"؛ وزْنُها "مَفْعِلَةٌ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "مَفْعُلَةٌ"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ قالَهُما سِيبَوَيْهِ ؛ وقالَ الفَرّاءُ: "مَفْعَلَةٌ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ فالياءُ في "مَعِيشَةٌ" أصْلِيَّةٌ؛ وأُعِلَّتْ "مَعِيشَةٌ"؛ لِمُوافَقَتِها الفِعْلَ؛ الَّذِي هو "يَعِيشُ"؛ في الياءِ؛ أيْ في المُتَحَرِّكِ؛ والساكِنِ؛ وصُحِّحَتْ "مَعايِشُ"؛ في جَمْعِ التَكْسِيرِ؛ لِزَوالِ المُوافَقَةِ المَذْكُورَةِ في اللَفْظِ؛ ولِأنَّ التَكْسِيرَ - مَعْنًى - لا يَكُونُ في الفِعْلِ؛ إنَّما تَخْتَصُّ بِهِ الأسْماءُ؛ ومَن قَرَأ "مَعايْشَ"؛ فَعَلى التَخْفِيفِ مِن "مَعايِشَ"؛ ومَن قَرَأ "مَعائِشَ"؛ فَأعَلَّها؛ فَذَلِكَ غَلَطٌ؛ وأمّا تَوْجِيهُهُ فَعَلى تَشْبِيهِ الأصْلِ بِالزائِدِ؛ لِأنَّ "مَعِيشَةٌ"؛ تُشْبِهُ في اللَفْظِ "صَحِيفَةٌ"؛ فَكَما يُقالُ: "صَحائِفُ"؛ قِيلَ: "مَعائِشُ"؛ وإنَّما هُمِزَتْ ياءُ "صَحائِفُ"؛ ونَظائِرُها؛ مِمّا الياءُ فِيهِ زائِدَةٌ؛ لِأنَّها لا أصْلَ لَها في الحَرَكَةِ؛ وإنَّما وزْنُها "فَعِيلَةٌ"؛ ساكِنَةً؛ فَلَمّا اضْطُرَّ إلى تَحْرِيكِها في الجَمْعِ؛ بُدِّلَتْ بِأجْلَدَ مِنها.

و"قَلِيلًا"؛ نُصِبَ بِـ "تَشْكُرُونَ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما"؛ زائِدَةً؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ؛ و"قَلِيلًا"؛ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "شُكْرًا قَلِيلًا شُكْرُكُمْ"؛ أو "شُكْرًا قَلِيلًا تَشْكُرُونَ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذِهِ الآيَةُ مَعْناها التَنْبِيهُ عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ والتَعْجِيبِ؛ مِن غَرِيبِ الصَنْعَةِ؛ وإسْداءِ النِعْمَةِ؛ فَبَدَأ بِالخَلْقِ؛ الَّذِي هو الإيجادُ بَعْدَ العَدَمِ؛ ثُمَّ بِالتَصْوِيرِ في هَذِهِ البِنْيَةِ المَخْصُوصَةِ لِلْبَشَرِ؛ وإلّا فَلَمْ يُعَرَّ المَخْلُوقُ قَطُّ مِن صُورَةٍ.

واضْطِرابُ الناسِ في تَرْتِيبِ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ ظاهِرَها يَقْتَضِي أنَّ الخَلْقَ؛ والتَصْوِيرَ لِبَنِي آدَمَ؛ قَبْلَ القَوْلِ لِلْمَلائِكَةِ أنْ يَسْجُدُوا؛ وقَدْ صَحَّحَتِ الشَرِيعَةُ أنَّ الأمْرَ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ﴾ ؛ آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - بِنَفْسِهِ؛ وإنْ كانَ الخِطابُ لِبَنِيهِ؛ وذَلِكَ لَمّا كانَ - عَلَيْهِ السَلامُ -سَبَبَ وُجُودِ بَنِيهِ فَما فُعِلَ فِيهِ صَحَّ - مَعَ تَجَوُّزِ - أنْ يُقالَ: "إنَّهُ فُعِلَ في بَنِيهِ"؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمَعْنى: "وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم في صُلْبِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وفي وقْتِ اسْتِخْراجِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - مِن ظَهْرِهِ؛ أمْثالَ الذَرِّ؛ في صُورَةِ البَشَرِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَتَرَتَّبُ في هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ أنْ تَكُونَ "ثُمَّ"؛ عَلى بابِها في التَرْتِيبِ؛ والمُهْلَةِ.

وقالَ عِكْرِمَةُ ؛ والأعْمَشُ: اَلْمُرادُ: "خَلَقْناكم في ظُهُورِ الآباءِ؛ وصَوَّرْناكم في بُطُونِ الأُمَّهاتِ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: "أمّا "خَلَقْناكُمْ"؛ فَآدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وأمّا "صَوَّرْناكُمْ"؛ فَذُرِّيَّتُهُ؛ في بُطُونِ الأُمَّهاتِ"؛ وقالَهُ قَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ ؛ وقالَ مُعَمَّرُ بْنُ راشِدٍ - مِن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ -: بَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ في بُطُونِ الأُمَّهاتِ؛ مِن خَلْقٍ؛ وتَصْوِيرٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: إنَّ "ثُمَّ"؛ لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ بِهَذِهِ الجُمَلِ؛ لا لِتَرْتِيبِ الجُمَلِ في أنْفُسِها؛ وقالَ الأخْفَشُ: "ثُمَّ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الواوِ؛ ورَدَّ عَلَيْهِ نَحْوِيُّو البَصْرَةِ.

و"مَلائِكَةٌ": وزْنُهُ: إمّا "مَفاعِلَةٌ"؛ وإمّا "مَعافِلَةٌ"؛ بِحَسَبِ الِاشْتِقاقِ الَّذِي قَدْ مَضى ذِكْرُهُ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ"؛ وهُنالِكَ ذَكَرْنا هَيْئَةَ السُجُودِ؛ والمُرادَ بِهِ؛ ومَعْنى "إبْلِيسُ"؛ وكَيْفَ كانَ قَبْلَ المَعْصِيَةِ؛ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى - في هَذِهِ الآيَةِ -: ﴿ إلا إبْلِيسَ ﴾ ؛ فَقالَ الزَجّاجُ: هو اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ؛ ولَكِنَّ إبْلِيسَ أُمِرَ بِالسُجُودِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ  ﴾ ؛ وقالَ غَيْرُ الزَجّاجِ: اَلِاسْتِثْناءُ مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنّا لَوْ جَعَلْناهُ مُنْقَطِعًا - عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ -؛ لَوَجَبَ أنَّ إبْلِيسَ لَمْ يُؤْمَرْ بِالسُجُودِ؛ إلّا أنْ يَقُولَ قائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ: إنَّ أمْرَ إبْلِيسَ كانَ بِوَجْهٍ آخَرَ؛ غَيْرَ قَوْلِهِ تَعالى "اُسْجُدُوا"؛ وذَلِكَ بَيِّنُ الضَعْفِ.

وَقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "لِلْمَلائِكَةُ اسْجُدُوا"؛ بِضَمِّ الهاءِ؛ وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ؛ ووَجْهُها أنَّهُ حَذَفَ هَمْزَةَ "اُسْجُدُوا"؛ وألْقى حَرَكَتَها عَلى الهاءِ؛ وذَلِكَ لا يُتَّجَهُ؛ لِأنَّها هَمْزَةٌ مَحْذُوفَةٌ مَعَ جَرِّ الهاءِ بِحَرَكَةٍ؛ أيْ شَيْءٌ يُلْغى؛ والإلْغاءُ إنَّما يَكُونُ في الوَصْلِ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍۢ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍۢ ١٢ قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ ١٣ قَالَ أَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ١٤ قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ ١٥ قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ١٦

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قالَ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ ﴿ قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصاغِرِينَ ﴾ ﴿ قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ ﴿ قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ ﴾ ﴿ قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ ﴾ "ما"؛ اِسْتِفْهامٌ؛ والمَقْصُودُ بِهِ التَوْبِيخُ؛ والتَقْرِيعُ؛ و"لا"؛ في قَوْلِهِ تَعالى "ألّا"؛ قِيلَ: هي زائِدَةٌ؛ والمَعْنى: "ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ؟"؛ وهي كَـ "لا"؛ في قَوْلِ الشاعِرِ: أبى جُودُهُ "لا" البُخْلَ فاسْتَعْجَلَتْ بِهِ ∗∗∗ "نَعَمْ" مِن فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ قاتِلَهْ وهَذا عَلى أحَدِ الأقْوالِ في هَذا البَيْتِ؛ فَقَدْ قِيلَ: "لا"؛ فِيهِ زائِدَةٌ؛ وقالَ الزَجّاجُ: مَفْعُولٌ؛ و"اَلْبُخْلَ"؛ بَدَلٌ مِنها؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن يُونُسَ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ الرِوايَةَ فِيهِ: "لا البُخْلِ"؛ بِخَفْضِ اللامِ؛ لِأنَّ "لا"؛ قَدْ تَتَضَمَّنُ جُودًا؛ إذا قالَها في أمْرٍ يَمْنَعُ الحُقُوقَ؛ والبُخْلَ عَنِ الواجِباتِ؛ ومِنَ الأبْياتِ الَّتِي جاءَتْ "لا"؛ فِيها زائِدَةً؛ قَوْلُ الشاعِرِ: أفَمِنكَ لا بَرْقٌ كَأنَّ ومِيضَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ غابٌ تَسَنَّمَهُ ضِرامٌ مُثَقَّبُ وقِيلَ في الآيَةِ: لَيْسَتْ "لا"؛ زائِدَةً؛ وإنَّما المَعْنى: "ما مَنَعَكَ فَأحْوَجَكَ إلى ألّا تَسْجُدَ؟"؛ وقِيلَ: لَمّا كانَ "ما مَنَعَكَ"؛ بِمَعْنى: "مَن أمَرَكَ؟"؛ و"مَن قالَ لَكَ؟"؛ حَسُنَ أنْ يَقُولَ بَعْدَها: "ألّا تَسْجُدَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمْلَةُ هَذا أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ فِعْلٌ يَحْسُنُ حَمْلُ النَفْيِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "ما أحْوَجَكَ؛ أو حَمَلَكَ؛ أوِ اضْطَرَّكَ؟"؛ وجَوابُ إبْلِيسَ اللَعِينِ لَيْسَ عَمّا سُئِلَ عنهُ؛ ولَكِنَّهُ جاءَ بِكَلامٍ يَتَضَمَّنُ الجَوابَ والحُجَّةَ عَلَيْهِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "مَنَعَنِي فَضْلِي؛ إذْ أنا خَيْرٌ مِنهُ؛ حِينَ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ؛ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: لا أسْجُدُ وأنا خَيْرٌ مِنهُ؛ وأكْبَرُ سِنًّا؛ وأقْوى خَلْقًا؛ يَقُولُ: إنَّ النارَ أقْوى مِنَ الطِينِ؛ وظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ النارَ أفْضَلُ مِنَ الطِينِ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ هُما في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ مِن حَيْثُ هي جَمادٌ مَخْلُوقٌ؛ فَلَمّا ظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ صُعُودَ النارِ وخِفَّتَها يَقْتَضِيانِ فَضْلًا عَلى سُكُونِ الطِينِ وبَلادَتِهِ؛ قاسَ أنَّ ما خُلِقَ مِنها أفْضَلُ مِمّا خُلِقَ مِنَ الطِينِ؛ فَأخْطَأ قِياسُهُ؛ وذَهَبَ عَلَيْهِ أنَّ الرُوحَ الَّذِي نُفِخَ في آدَمَ لَيْسَ مِن طِينٍ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: ذَهَبَ عَلَيْهِ ما في النارِ مِنَ الطَيْشِ؛ والخِفَّةِ؛ والِاضْطِرابِ؛ وفي الطِينِ مِنَ الوَقارِ؛ والأناةِ؛ والحِلْمِ؛ والتَثَبُّتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي كَلامِ الطَبَرِيِّ نَظَرٌ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ أنَّهُما قالا: أوَّلُ مَن قاسَ: إبْلِيسُ؛ وما عُبِدَتِ الشَمْسُ والقَمَرُ إلّا بِالقِياسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: قالَ الطَبَرِيُّ: يَعْنِيانِ القِياسَ الخَطَأ؛ ولا دَلِيلَ مِن لَفْظِهِما عَلَيْهِ؛ ولا يُتَأوَّلُ عَلَيْهِما إنْكارُ القِياسِ؛ وإنَّما خَرَجَ كَلامُهُما نَهْيًا عَمّا كانَ في زَمَنِهِما مِن مَقايِيسِ الخَوارِجِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ فَأرادا حَمْلَ الناسِ عَلى الجادَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فاهْبِطْ مِنها ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِإبْلِيسَ بِالهُبُوطِ في وقْتِ عِصْيانِهِ في السُجُودِ؛ فَيَظْهَرُ مِن هَذا أنَّهُ إنَّما أُهْبِطَ أوَّلًا؛ وأُخْرِجَ مِنَ الجَنَّةِ؛ وصارَ في السَماءِ؛ لِأنَّ الأخْبارَ تَظاهَرَتْ أنَّهُ أغْوى آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وحَوّاءَ؛ مِن خارِجِ الجَنَّةِ؛ ثُمَّ أُمِرَ آخِرًا بِالهُبُوطِ مِنَ السَماءِ؛ مَعَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وحَوّاءَ؛ والحَيَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ بِحَسَبِ ألْفاظِ القِصَّةِ؛ واللهُ تَعالى أعْلَمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَما يَكُونُ لَكَ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "فَما يَصِحُّ لَكَ؛ ولا يَتِمُّ"؛ ولَيْسَ يَقْتَضِي هَذا اللَفْظُ أنَّ التَكَبُّرَ لَهُ في غَيْرِها؛ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُعْتَرِضِينَ.

تَضَمَّنَتِ الآيَةُ أنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَ إبْلِيسَ أنَّ الكِبْرِياءَ لا يَتِمُّ لَهُ؛ ولا يَصِحُّ في الجَنَّةِ؛ مَعَ نَهْيِهِ لَهُ؛ ولِغَيْرِهِ؛ عَنِ الكِبْرِياءِ في كُلِّ مَوْضِعٍ؛ وأمّا لَوْ أخَذْنا "فَما يَكُونُ"؛ عَلى مَعْنى: "فَما يَحْسُنُ؛ وما يَجْمُلُ"؛ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: "ما كانَ لَكَ ألّا تَصِلَ قَرابَتَكَ"؛ لَفَتَرَ مَعْنى الإغْلاظِ عَلى إبْلِيسَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّكَ مِنَ الصاغِرِينَ ﴾ ؛ حُكْمٌ عَلَيْهِ بِضِدِّ المَعْصِيَةِ الَّتِي عَصى بِها؛ وهي الكِبْرِياءُ؛ فَعُوقِبَ بِالحَمْلِ عَلَيْهِ؛ بِخِلافِ شَهْوَتِهِ وأمَلِهِ؛ و"اَلصَّغارُ": اَلذُّلُّ؛ قالَهُ السُدِّيُّ.

ثُمَّ سَألَ إبْلِيسُ رَبَّهُ تَعالى أنْ يُؤَخِّرَهُ إلى يَوْمِ البَعْثِ؛ طَمَعَ ألّا يَمُوتَ؛ إذْ عَلِمَ أنَّ المَوْتَ يَنْقَطِعُ بَعْدَ البَعْثِ؛ ومَعْنى "أنْظِرْنِي"؛ أخِّرْنِي؛ فَأعْطاهُ اللهُ تَعالى النَظْرَةَ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ؛ فَقالَ أكْثَرُ الناسِ: اَلْوَقْتُ المَعْلُومُ: هو النَفْخَةُ الأُولى في الصُورِ؛ الَّتِي يُصْعَقُ لَها مَن في السَماواتِ؛ ومَن في الأرْضِ مِنَ المَخْلُوقِينَ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أحالَهُ عَلى وقْتٍ مَعْلُومٍ عِنْدَهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ يُرِيدُ بِهِ يَوْمَ مَوْتِ إبْلِيسَ؛ وحُضُورِ أجَلِهِ؛ دُونَ أنْ يُعَيِّنَ لَهُ ذَلِكَ؛ وإنَّما تَرَكَهُ في عَماءِ الجَهْلِ بِهِ لِيَغُمَّهُ ذَلِكَ ما عاشَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَ بَعْضُ أهْلِ هَذِهِ المَقالَةِ: إنَّ إبْلِيسَ قَتَلَتْهُ المَلائِكَةُ يَوْمَ "بَدْرٍ"؛ ورَوَوْا في ذَلِكَ أثَرًا ضَعِيفًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والأوَّلُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أصَحُّ وأشْهَرُ في الشَرْعِ.

ومَعْنى ﴿ "مِنَ المُنْظَرِينَ": ﴾ مِنَ الطائِفَةِ الَّتِي تَأخَّرَتْ أعْمارُها كَثِيرًا؛ حَتّى جاءَتْ آجالُها؛ عَلى اخْتِلافِ أوقاتِها؛ فَقَدْ عَمَّ تِلْكَ الفِرْقَةِ إنْظارٌ؛ وإنْ لَمْ يَكُونُوا أحْياءً مُدَّةَ الدَهْرِ.

وَقَوْلُهُ: "فَبِما"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ القَسَمَ؛ كَما تَقُولُ: "فَبِاللهِ لَأفْعَلَنَّ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ مَعْنى المُجازاةِ؛ كَما تَقُولُ: "فَبِإكْرامِكَ يا زَيْدُ لَأُكْرِمَنَّكَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ألْيَقُ المَعانِي بِالقِصَّةِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَمَعَ إغْوائِكَ لِي؛ ومَعَ ما أنا عَلَيْهِ مِن سُوءِ الحالِ؛ لَأتَجَلَّدَنَّ؛ ولَأقْعُدَنَّ...؛ ولا يَعْرِضُ لِمَعْنى المُجازاةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ "فَبِما"؛ اَلِاسْتِفْهامَ عَنِ السَبَبِ في إغْوائِهِ؛ ثُمَّ قَطَعَ ذَلِكَ وابْتَدَأ الإخْبارَ عن قُعُودِهِ لَهُمْ؛ وبِهَذا فَسَّرَ الطَبَرِيُّ أثْناءَ لَفْظِهِ.

و"أغْوَيْتَنِي"؛ قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ: أضْلَلْتَنِي؛ مِن "اَلْغَيُّ"؛ وعَلى هَذا المَعْنى قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ - فِيما حَكى الطَبَرِيُّ -: "قاتَلَ اللهُ تَعالى القَدَرِيَّةَ؛ لَإبْلِيسُ أعْلَمُ بِاللهِ تَعالى مِنهُمْ"؛ يُرِيدُ في أنَّهُ عَلِمَ أنَّ اللهَ تَعالى يَهْدِي؛ ويُضِلُّ؛ وقالَ الحَسَنُ: "أغْوَيْتَنِي": لَعنتَنِي؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: خَيَّبْتَنِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ بِأشْياءَ لَزِمَتْ إغْواءَهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أغْوَيْتَنِي"؛ مَعْناهُ: أهْلَكْتَنِي؛ حَكى ذَلِكَ الطَبَرِيُّ ؛ وقالَ: هو مِن قَوْلِكَ: "غَوِيَ الفَصِيلُ؛ يَغْوى؛ غَوًى"؛ إذا انْقَطَعَ عنهُ اللَبَنُ فَماتَ؛ وأنْشَدَ: مُعَطَّفَةُ الأثْناءِ لَيْسَ فَصِيلُها ∗∗∗ ∗∗∗ بِرازِئِها دَرًّا ولا مَيِّتٍ غَوى قالَ: وقَدْ حُكِيَ عن بَعْضِ طَيِّئٍ: "أصْبَحَ فُلانٌ غاوِيًا"؛ أيْ: مَرِيضًا.

وقَوْلُهُ: ﴿ لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ ﴾ ؛ يُرِيدُ: عَلى صِراطِكَ؛ وفي صِراطِكَ؛ وحُذِفَ كَما يُفْعَلُ في الظُرُوفِ؛ ونَحْوُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ فِيهِ كَما عَسَلَ الطَرِيقَ الثَعْلَبُ وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ ﴾ ؛ يُرِيدُ بِهِ الحَقَّ؛ وقالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: يُرِيدُ طَرِيقَ مَكَّةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَخْصِيصٌ ضَعِيفٌ؛ وإنَّما المَعْنى: لَأتَعَرَّضَنَّ لَهم في طَرِيقِ شَرْعِكَ؛ وعِبادَتِكَ؛ ومَنهَجِ النَجاةِ؛ فَلَأصُدَّنَّهم عنهُ.

ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "إنَّ الشَيْطانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأطْرُقِهِ؛ نَهاهُ عَنِ الإسْلامِ؛ وقالَ: تَتْرُكُ دِينَ آبائِكَ؟

فَعَصاهُ؛ فَأسْلَمَ؛ فَنَهاهُ عَنِ الهِجْرَةِ؛ وقالَ: تَدَعُ أهْلَكَ وبَلَدَكَ؟

فَعَصاهُ؛ فَهاجَرَ؛ فَنَهاهُ عَنِ الجِهادِ؛ وقالَ: تُقْتَلُ وتَتْرُكُ ولَدَكَ؟

فَعَصاهُ؛ فَجاهَدَ؛ فَلَهُ الجَنَّةُ"؛» اَلْحَدِيثَ.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ لَـَٔاتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ ١٧ قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًۭا مَّدْحُورًۭا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ ١٨

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعن أيْمانِهِمْ وعن شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ ﴾ ﴿ قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ ﴾ هَذا تَوْكِيدٌ مِن إبْلِيسَ في أنَّهُ يَجِدُّ في إغْواءِ بَنِي آدَمَ؛ وهَذا لَمْ يَكُنْ؛ حَتّى عَلِمَ إبْلِيسُ أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ في الأرْضِ خَلِيفَةً؛ وعَلِمَ أنَّهُ آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وإلّا فَلا طَرِيقَ لَهُ إلى عِلْمِ أنْسالِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - مِنَ ألْفاظِ هَذِهِ الآياتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْلِيسَ أخْبَرَ عن نَفْسِهِ أنَّهُ يَأْتِي لِإضْلالِ ابْنِ آدَمَ مِن كُلِّ جِهَةٍ؛ وعَلى كُلِّ طَرِيقٍ؛ يُفْسِدُ عَلَيْهِ ما أمْكَنَهُ مِن مُعْتَقَدِهِ؛ ويُنْسِيهِ صالِحَ أعْمالِ الآخِرَةِ؛ ويُغْرِيهِ بِقَبِيحِ أعْمالِ الدُنْيا؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِألْفاظٍ تَقْتَضِي الإحاطَةَ بِهِمْ؛ وفي اللَفْظِ تَجَوُّزٌ؛ وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - فِيما رُوِيَ عنهُ -: أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ﴾ ؛ اَلْآخِرَةَ؛ ﴿ وَمِن خَلْفِهِمْ ﴾ ؛ اَلدُّنْيا؛ ﴿ وَعن أيْمانِهِمْ ﴾ ؛ اَلْحَقَّ؛ ﴿ وَعن شَمائِلِهِمْ ﴾ ؛ اَلْباطِلَ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا - فِيما رُوِيَ عنهُ -: ﴿ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ﴾ ؛ هي الدُنْيا؛ ﴿ وَمِن خَلْفِهِمْ ﴾ ؛ هي الآخِرَةُ؛ ﴿ وَعن أيْمانِهِمْ ﴾ ؛ اَلْحَسَناتُ؛ ﴿ وَعن شَمائِلِهِمْ ﴾ ؛ اَلسَّيِّئاتُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ وعن أيْمانِهِمْ"؛ مَعْناهُ: حَيْثُ يُبْصِرُونَ؛ و"وَمِن خَلْفِهِمْ وعن شَمائِلِهِمْ"؛ حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ ﴾ ؛ أخْبَرَ أنَّ سِعايَتَهُ تَفْعَلُ ذَلِكَ؛ ظَنًّا مِنهُ؛ وتَوَهُّمًا في خِلْقَةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - حِينَ رَأى خِلْقَتَهُ؛ مِن أشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ؛ فَعَلِمَ أنَّهُ سَتَكُونُ لَهم شِيَمٌ تَقْتَضِي طاعَتَهُ؛ كالغِلِّ؛ والحَسَدِ؛ والشَهَواتِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ: إلّا أنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ يَأْتِي بَنِي آدَمَ مِن فَوْقِهِمْ؛ ولا جَعَلَ اللهُ تَعالى لَهُ سَبِيلًا إلى أنْ يَحُولَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَحْمَةِ اللهِ تَعالى وعَفْوِهِ؛ ومَنِّهِ؛ وما ظَنَّهُ إبْلِيسُ صَدَّقَهُ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ  ﴾ ؛ فَجَعَلَ أكْثَرَ العالَمِ كَفَرَةً؛ ويُبَيِّنُهُ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى - يَوْمَ القِيامَةِ: (يا آدَمُ؛ أخْرِجْ بَعْثَ النارِ)؛ فَيَقُولُ: يا رَبِّ؛ وما بَعْثُ النارِ؟

فَيَقُولُ: (مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ؛ وواحِدٌ إلى الجَنَّةِ"؛ ونَحْوُهُ؛ مِمّا يَخُصُّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ "ما أنْتُمْ في الأُمَمِ إلّا كالشَعْرَةِ البَيْضاءِ في الثَوْرِ الأسْوَدِ» ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "كالشَعْرَةِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ شَعْرَةً واحِدَةً؛ وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ تَناسُبَ الحَدِيثِ الأوَّلِ يَرُدُّهُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الشَعْرَةَ الَّتِي هي لِلْجِنْسِ؛ والقَصْدُ أنْ يُشَبِّهَهم بِثَوْرٍ أسْوَدَ؛ قَدْ أُنْبِتَتْ في خِلالِ سَوادِهِ شَعْرَةٌ بَيْضاءُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ اللَمْعَةَ مِنَ الشَعْرِ الأبْيَضِ؛ وهَذا فِيهِ بُعْدٌ.

وقَوْلُهُ: "شاكِرِينَ"؛ مَعْناهُ: مُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ ابْنَ آدَمَ لا يَشْكُرُ نِعْمَةَ اللهِ تَعالى إلّا بِأنْ يُؤْمِنَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قالَ اخْرُجْ مِنها ﴾ ؛ اَلضَّمِيرُ في "مِنها"؛ عائِدٌ عَلى الجَنَّةِ؛ و"مَذْؤُمًا"؛ مَعْناهُ: مَعِيبًا؛ يُقالُ: "ذَأمَهُ"؛ إذا عابَهُ؛ ومِنهُ "اَلذَّأمُ"؛ وهو العَيْبُ؛ وفي المَثَلِ: "لَنْ تُعْدَمَ الحَسْناءُ ذامًّا"؛ أيْ عَيْبًا؛ وسُهِّلَتْ فِيهِ الهَمْزَةُ؛ ومِنهُ قَوْلُ قَيْلِ حِمْيَرَ: "أرَدْتَ أنْ تُذِيمَهُ فَمَدَهْتَهُ"؛ يُرِيدُ: "فَمَدَحْتَهُ"؛ وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ يُرْوى هَذا البَيْتُ: صَحِبْتُكَ إذْ عَيْنِي عَلَيْها غِشاوَةٌ ∗∗∗ فَلَمّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نَفَسِي أذِيمُها قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والرِوايَةُ المَشْهُورَةُ: "ألُومُها"؛ ومِنَ الشاهِدِ في اللَفْظِ قَوْلُ الكُمَيْتِ: وهُمُ الأقْرَبُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وهُمُ الأبْعَدُونَ مِن كُلِّ ذامِ ومِنَ الشاهِدِ في "مَدْحُورًا"؛ قَوْلُ الشاعِرِ: ودَحَرْتُ بَنِي الحُصَيْبِ إلى قَدِيدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وقَدْ كانُوا ذَوِي أشَرٍ وفَخْرِ وقَرَأ الزُهْرِيُّ ؛ وأبُو جَعْفَرٍ ؛ والأعْمَشُ ؛ في هَذِهِ الآيَةِ: "مَذُومًا"؛ عَلى التَسْهِيلِ؛ و"مَدْحُورًا"؛ مَعْناهُ: مَقْصِيًّا مُبْعَدًا؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَمَن تَبِعَكَ"؛ بِفَتْحِ اللامِ؛ وهي عَلى هَذِهِ لامُ القَسَمِ؛ المُخْرِجَةُ الكَلامَ مِنَ الشَكِّ إلى القَسَمِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ؛ والأعْمَشُ: "لِمَن تَبِعَكَ"؛ بِكَسْرِ اللامِ؛ والمَعْنى: "لِأجْلِ مَن تَبِعَكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ"؛ فَأدْخَلَهُ في الوَعِيدِ مَعَهُمْ؛ بِحُكْمِ هَذِهِ الكافِ في "مِنكُمْ".

<div class="verse-tafsir"

وَيَـٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٩

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَيا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَجَرَةَ فَتَكُونا مِن الظالِمِينَ ﴾ إذا أُمِرَ الإنْسانُ بِشَيْءٍ هو مُتَلَبِّسٌ بِهِ؛ فَإنَّما المَقْصِدُ بِذَلِكَ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى حالِهِ؛ ويَتَمادى في هَيْئَتِهِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - "اُسْكُنْ"؛ هو مِن هَذا البابِ؛ وأكَّدَ الضَمِيرَ الَّذِي في قَوْلِهِ: "اُسْكُنْ"؛ بِقَوْلِهِ: "أنْتَ"؛ وحِينَئِذٍ جازَ العَطْفُ عَلَيْهِ؛ وهو ضَمِيرٌ لا يَجُوزُ إظْهارُهُ؛ ولا يَتَرَتَّبُ؛ والعَطْفُ عَلى الضَمِيرِ المَلْفُوظِ بِهِ لا يَجُوزُ؛ إلّا بَعْدَ تَأْكِيدِهِ؛ كَقَوْلِكَ: "قُمْتَ أنْتَ وزَيْدٌ"؛ لِأنَّ الضَمِيرَ بِمَنزِلَةِ حَرْفٍ مِنَ الفِعْلِ؛ وهَذا الضَمِيرُ الَّذِي في "اُسْكُنْ"؛ أضْعَفُ مِنَ المَلْفُوظِ بِهِ؛ فَأحْرى ألّا يَصِحَّ العَطْفُ عَلَيْهِ إلّا بَعْدَ التَأْكِيدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى "فَكُلا"؛ هو مِن "أكَلَ"؛ فَأصْلُهُ "اُؤْكُلا"؛ فَحُذِفَتْ فاءُ الفِعْلِ؛ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ؛ واسْتُغْنِيَ عَنِ الأُخْرى لَمّا تَحَرَّكَ ما بَعْدَها؛ وحَسُنَ أيْضًا حَذْفُ فاءِ الفِعْلِ؛ لِأنَّهُمُ اسْتَثْقَلُوا الحَرَكَةَ عَلى حَرْفِ عِلَّةٍ؛ وهَذا بابُ كَلِّ فِعْلٍ أوَّلُهُ هَمْزَةٌ؛ ووَزْنُهُ "فَعَلَ"؛ كَـ "أخَذَ"؛ و"أمَرَ"؛ ونَحْوِهِما؛ وكانَ القِياسُ ألّا تُحْذَفَ فاءُ الفِعْلِ؛ ولَكِنْ ورَدَ اسْتِعْمالُهم هَكَذا.

ويُقالُ: "قَرُبَ؛ يَقْرَبُ"؛ و ﴿ هَذِهِ الشَجَرَةَ ﴾ ؛ اَلظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى أشارَ إلى شَخْصِ شَجَرَةٍ واحِدَةٍ مِن نَوْعٍ؛ وأرادَها؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى شَجَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ وهو يُرِيدُ النَوْعَ بِجُمْلَتِهِ؛ وعَبَّرَ باسِمِ الواحِدَةِ؛ كَما تَقُولُ: "أصابَ الناسُ الدِينارَ؛ والدِرْهَمَ"؛ وأنْتَ تُرِيدُ النَوْعَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَآدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - إنَّما قَصَدَ في وقْتِ مَعْصِيَتِهِ فِعْلَ ما نُهِيَ عنهُ؛ قالَهُ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ؛ وبِذَلِكَ أغْواهُ إبْلِيسُ - لَعَنَهُ اللهُ تَعالى - بِقَوْلِهِ: إنَّكَ لَمْ تُنْهَ إلّا لِئَلّا تُخَلَّدَ؛ أو تَكُونَ مَلِكًا؛ فَيَبْطُلُ بِهَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنْ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - إنَّما أخْطَأ مُتَأوِّلًا؛ بِأنْ ظَنَّ النَهْيَ مُتَعَلِّقًا بِشَخْصِ شَجَرَةٍ؛ فَأكَلَ مِنَ النَوْعِ؛ فَلَمْ يُعْذَرْ بِالخَطَإ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَلِكَ أنَّ هَذا القائِلَ إنَّما يَفْرِضُ آدَمَ مُعْتَقِدًا أنَّ النَهْيَ إنَّما تَعَلَّقَ بِشَجَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ فَكَيْفَ يُقالُ لَهُ - مَعَ هَذا الِاعْتِقادِ -: إنَّكَ لَمْ تُنْهَ إلّا لِئَلّا تُخَلَّدَ؛ ثُمَّ يَقْصِدُ هو طَلَبَ الخُلُودِ في ارْتِكابِ غَيْرِ ما نُهِيَ عنهُ؟

ولا فارِقَ بَيْنَ أكْلِهِ ما يَعْتَقِدُ أنَّهُ لَمْ يُنْهَ عنهُ؛ وبَيْنَ أكْلِهِ سائِرَ المُباحاتِ لَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والهاءُ الأخِيرَةُ في "هَذِهِ"؛ بَدَلٌ مِنَ الياءِ في "هَذِي"؛ أُبْدِلَتْ في الوَقْفِ؛ ثُمَّ ثَبَتَتْ في الوَصْلِ هاءً؛ حَمْلًا عَلى الوَقْفِ؛ ولَيْسَ في الكَلامِ هاءُ تَأْنِيثٍ قَبْلَها كَسْرَةٌ إلّا هَذِهِ؛ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "هَذِي الشَجَرَةَ"؛ عَلى الأصْلِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "فَتَكُونا"؛ نُصِبَ في جَوابِ النَهْيِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَعَلَّقَ الناسُ بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ الحَظْرِ؛ والإباحَةِ؛ وذَلِكَ أنَّ مَسْألَةَ الحَظْرِ؛ والإباحَةِ؛ تَكَلَّمَ الناسُ فِيها عَلى ضَرْبَيْنِ: فَأمّا الفُقَهاءُ؛ فَدَعاهم إلى الكَلامِ فِيها أنَّهُ تُنْزَلَ نَوازِلُ؛ لا تُوجَدُ مَنصُوصَةً في كِتابِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ولا في سُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ولا في إجْماعٍ؛ ويُعَتَّمُ وجْهُ اسْتِقْرائِها مِن أحَدِ هَذِهِ الثَلاثَةِ؛ وقِياسِها عَلى ما فِيها؛ فَيَرْجِعُ الناظِرُ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْظُرُ عَلى أيِّ جِهَةٍ يَحْمِلُها؛ مِنَ الإجازَةِ؛ والمَنعِ؛ فَقالَ بَعْضُهُمْ: إذا نُزِلَ مِثْلُ هَذا نَحْمِلُهُ عَلى الحَظْرِ؛ ونَأْخُذُ فِيهِ بِالشِدَّةِ؛ ونَسْتَبْرِئُ لِأنْفُسِنا؛ إذِ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ بَيَّنَ لَنا في كِتابِهِ جَمِيعَ ما يَجِبُ بَيانُهُ؛ وأحَلَّ ما أرادَ تَحْلِيلَهُ؛ ولَمْ يَتْرُكْ ذِكْرَ هَذِهِ النازِلَةِ إلّا عن قَصْدٍ؛ فاجْتِرامُنا نَحْنُ عَلَيْها لا تَقْتَضِيهِ الشَرِيعَةُ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نَحْمِلُها عَلى الإباحَةِ؛ لِأنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ أكْمَلَ لَنا دِينَنا؛ وحَرَّمَ عَلَيْنا ما شاءَ تَحْرِيمَهُ؛ ولَمْ يُهْمِلِ النَصَّ عَلى نازِلَةٍ إلّا وقَدْ تَرَكَها في جُمْلَةِ المُباحِ؛ وبَعِيدٌ أنْ يُرِيدَ في شَيْءٍ التَحْرِيمَ ولا يَذْكُرَهُ لَنا؛ ويَدَعَنا في عَمى الجَهالَةِ بِهِ؛ فَإنَّما نَحْمِلُها عَلى الإباحَةِ؛ حَتّى يَطْرَأ الحَظْرُ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نَحْمِلُ ذَلِكَ عَلى الوَقْفِ أبَدًا؛ ولا نَحْكُمُ فِيهِ بِحَظْرٍ؛ ولا إباحَةٍ؛ بَلْ نَطْلُبُ فِيهِ النَظَرَ والقِياسَ أبَدًا؛ وذَلِكَ أنّا نَجِدُ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - يَقُولُ في كِتابِهِ: "حُرِّمَ عَلَيْكُمْ"؛ في مَواضِعَ؛ ويَقُولُ: "أُحِلَّ لَكُمْ"؛ في مَواضِعَ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ كُلَّ نازِلَةٍ تَحْتاجُ إلى شَرْعٍ؛ وأمْرٍ؛ إمّا [مَخْصُوصٍ] بِها؛ وإمّا [مُشْتَمِلٍ] عَلَيْها؛ وعَلى غَيْرِها؛ ولَوْ كانَتِ الأشْياءُ عَلى الحَظْرِ؛ لَما قالَ في شَيْءٍ: "حُرِّمَ عَلَيْكُمْ"؛ ولَوْ كانَتْ عَلى الإباحَةِ لَما قالَ في شَيْءٍ: "أُحِلُّ لَكُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا أبْيَنُ الأقْوالِ؛ ولَمْ يَتَعَرَّضِ الفُقَهاءُ في هَذِهِ المَسْألَةِ إلى النَظَرِ في تَحْسِينِ العَقْلِ؛ وتَقْبِيحِهِ؛ وإنَّما تَمَسَّكُوا في أقْوالِهِمْ هَذِهِ بِأسْبابِ الشَرِيعَةِ؛ وذَهَبُوا إلى انْتِزاعِ مَذاهِبِهِمْ مِنها.

وأمّا الضَرْبُ الثانِي مِن كَلامِ الناسِ في الحَظْرِ؛ والإباحَةِ؛ فَإنَّ المُعْتَزِلَةَ - ومَن قالَ بِقَوْلِهِمْ: إنَّ العَقْلَ يُحَسِّنُ؛ ويُقَبِّحُ - نَظَرُوا في المَسْألَةِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ؛ فَقالُوا: نَفْرِضُ زَمَنًا لا شَرْعَ فِيهِ؛ أو رَجُلًا نَشَأ في بَرِّيَّةٍ؛ ولَمْ يُحِسَّ قَطُّ بِشَرْعٍ؛ ولا بِأمْرٍ؛ ولا بِنَهْيٍ؛ أو نُقَدِّرُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وقْتَ إهْباطِهِ إلى الأرْضِ قَدْ تُرِكَ وعَقْلَهُ؛ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ؛ ويُنْهى؛ كَيْفَ كانَتِ الأشْياءُ عَلَيْهِ؟

أو كَيْفَ يَقْتَضِي العَقْلُ في الزَمَنِ؛ والرَجُلِ المَفْرُوضَيْنِ؟

فَقالَ بَعْضُهُمْ: اَلَّذِي يَحْسُنُ في العَقْلِ أنْ تَكُونَ مَحْظُورَةً كُلُّها حَتّى يَرِدَ الإذْنُ بِاسْتِباحَتِها؛ وذَلِكَ أنَّ اسْتِباحَتَها تَعَدٍّ عَلى مِلْكِ الغَيْرِ؛ وإذا قَبُحَ ذَلِكَ في الشاهِدِ؛ فَهو في حَقِّ اللهِ تَعالى أعْظَمُ حُرْمَةً؛ وذَهَبَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ إلى اسْتِثْناءِ التَنَفُّسِ والحَرَكَةِ مِن هَذا الحَظْرِ؛ وقالُوا: إنَّ هَذِهِ لا يُمْكِنُ غَيْرُها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُمْكِنُ أنْ يُقَدَّرَ الِاضْطِرارُ إلَيْها إباحَةً لَها؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ يَحْسُنُ في العَقْلِ أنْ تَكُونَ مُباحَةً؛ إذِ التَحَكُّمُ في مِلْكِ الغَيْرِ بِوَجْهٍ لا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهِ؛ كالِاسْتِظْلالِ بِالجُدْرانِ؛ ونَحْوِهِ مُباحٌ؛ فَإذا كانَ هَذا في الشاهِدِ جائِزًا؛ فَهو في عِظَمِ قَدْرِ اللهُ تَعالى ووُجُودِهِ أجْوَزُ؛ إذْ لا ضَرَرَ في تَصَرُّفِنا نَحْنُ في مِلْكِهِ؛ ويَتَعَلَّقُ بِحَقِّهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.

وَقالَ أهْلُ الحَقِّ والسُنَّةِ - في هَذا النَحْوِ مِنَ النَظَرِ -: بَلِ الأمْرُ في نَفْسِهِ عَلى الوَقْفِ؛ ولا يُوجِبُ العَقْلُ تَحْسِينًا؛ ولا تَقْبِيحًا؛ بِمُجَرَّدِهِ؛ يُدانُ بِهِ؛ ولا يُتَّجَهُ حُكْمُ الحَسَنِ؛ والقَبِيحِ إلّا بِالشَرْعِ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: والعَقْلُ لَمْ يَخْلُ قَطُّ مِن شَرْعٍ؛ فَلا مَعْنى لِلْخَوْضِ في هَذِهِ المَسْألَةِ؛ ولا لِفَرْضِ ما لا يَقَعُ؛ وذَهَبُوا إلى الِاحْتِجاجِ بِأنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - قَدْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الأوامِرُ والنَواهِي في الجَنَّةِ؛ بِقَوْلِهِ تَعالى لَهُ - حِينَ جَرى الرُوحُ في جَسَدِهِ؛ فَعَطَسَ -: (قُلْ: "اَلْحَمْدُ لِلَّهِ"؛ يا آدَمُ)؛ وبِقَوْلِهِ: (اُسْكُنْ)؛ و(كُلْ)؛ و(لا تَقْرَبْ)؛ ونَحْوِ هَذا؛ وقالَ القاضِي ابْنُ الباقِلّانِيِّ في "اَلتَّقْرِيبُ والإرْشادُ": إنَّ الفُقَهاءَ الَّذِينَ قالُوا بِالحَظْرِ؛ والإباحَةِ؛ لَمْ يَقْصِدُوا الكَوْنَ مَعَ المُعْتَزِلَةِ في غَوايَتِهِمْ؛ ولَكِنَّهم رَأوا لَهم كَلامًا مُلَفَّقًا؛ مُمَوَّهًا؛ فاسْتَحْسَنُوهُ دُونَ أنْ يَشْعُرُوا بِما يَؤُولُ إلَيْهِ مِنَ الفَسادِ في القَوْلِ بِتَحْسِينِ العَقْلِ؛ وتَقْبِيحِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا الكَلامِ حَمْلٌ عَلى فُقَهاءِ الشَرْعِ؛ واسْتِقْصارٌ لَهُمْ؛ والصَوابُ ألّا يُظَنَّ بِهِمْ هَذا الخَلَلُ؛ وإنَّما التَمَسُوا عَلى نَوازِلِهِمْ تَعْلِيقَ حُكْمِ الحَظْرِ؛ والإباحَةِ؛ مِنَ الشَرْعِ؛ وهم مَعَ ذَلِكَ لا يُحْمَلُ عَلَيْهِمْ أنَّهم يَدْفَعُونَ الحَقَّ في أنَّ العَقْلَ لا يُحَسِّنُ ولا يُقَبِّحُ دُونَ الشَرْعِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ" ذِكْرُ الِاخْتِلافِ في الشَجَرَةِ؛ وتَعْيِينِها.

<div class="verse-tafsir"

فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُۥرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ ٢٠ وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ ٢١

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فَوَسْوَسَ لَهُما الشَيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عنهُما مِن سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عن هَذِهِ الشَجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أو تَكُونا مِن الخالِدِينَ ﴾ ﴿ وَقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ الناصِحِينَ ﴾ "اَلْوَسْوَسَةُ": اَلْحَدِيثُ في اخْتِفاءٍ؛ هَمْسًا؛ وسِرارًا مِنَ الصَوْتِ؛ و"اَلْوَسْواسُ": صَوْتُ الحُلِيِّ؛ فَشُبِّهَ الهَمْسُ بِهِ؛ وسُمِّيَ إلْقاءُ الشَيْطانِ في نَفْسِ ابْنِ آدَمَ "وَسْوَسَةً"؛ إذْ هي أبْلَغُ السِرارِ؛ وأخْفاهُ؛ هَذا حالُ الشَيْطانِ مَعَنا الآنَ؛ وأمّا مَعَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - فَمُمْكِنٌ أنْ تَكُونَ وسْوَسَةً بِمُجاوَرَةٍ؛ خُفْيَةً؛ أو بِإلْقاءٍ في نَفْسٍ؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ رُؤْبَةَ: وسْوَسَ يَدْعُو جاهِدًا رَبَّ الفَلَقْ ∗∗∗.................

فَهَذِهِ عِبارَةٌ عن كَلامٍ خَفِيٍّ؛ و"اَلشَّيْطانُ"؛ يُرادُ بِهِ إبْلِيسُ نَفْسُهُ؛ واخْتَلَفَ نَقَلَةُ القَصَصِ في صُورَةِ وسْوَسَتِهِ؛ فَرُوِيَ أنَّهُ كانَ يَدْخُلُ إلى الجَنَّةِ في فَمِ الحَيَّةِ؛ مُسْتَخْفِيًا - بِزَعْمِهِ - فَيَتَمَكَّنُ مِنَ الوَسْوَسَةِ؛ ورُوِيَ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وحَوّاءَ؛ كانا يَخْرُجانِ خارِجَ الجَنَّةِ؛ فَيَتَمَكَّنُ إبْلِيسُ مِنهُما؛ ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى أقْدَرَهُ عَلى الإلْقاءِ في أنْفُسِهِما؛ فَأغْواهُما؛ وهو في الأرْضِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ يَرُدُّهُ لَفْظُ القُرْآنِ.

واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى "لِيُبْدِيَ"؛ هي - عَلى قَوْلِ كَثِيرٍ مِنَ المُؤَلِّفِينَ - لامُ الصَيْرُورَةِ والعاقِبَةِ؛ وهَذا بِحَسَبِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وحَوّاءَ؛ وبِحَسَبِ إبْلِيسَ؛ في هَذِهِ العُقُوبَةِ المَخْصُوصَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِها فَيَقْصِدَها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ لامَ "كَيْ"؛ عَلى بابِها؛ بِحَسَبِ قَصْدِ إبْلِيسَ إلى حَطِّ مَرْتَبَتِهِما؛ وإلْقائِهِما في العُقُوبَةِ غَيْرِ المَخْصُوصَةِ؛ و"ما وُورِيَ"؛ مَعْناهُ: "ما سُتِرَ"؛ مِن قَوْلِكَ: "وارى؛ يُوارِي"؛ إذا سَتَرَ؛ وظاهِرُ هَذا اللَفْظِ أنَّها "مُفاعَلَةٌ"؛ مِن واحِدٍ؛ ويُمْكِنُ أنْ تُقَدَّرَ مِنَ اثْنَيْنِ؛ لِأنَّ الشَيْءَ الَّذِي يُوارى [يُوارِي] هو أيْضًا مِن جِهَةٍ.

وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "ما وُرِيَ"؛ بِواوٍ واحِدَةٍ؛ وقالَ قَوْمٌ: إنَّ هَذِهِ اللَفْظَةَ في هَذِهِ الآيَةِ مَأْخُوذَةٌ مِن "وَراءَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهو قَوْلٌ يُوهِنُهُ التَصْرِيفُ.

و"اَلسَّوْأةُ": اَلْفَرْجُ؛ والدُبُرُ؛ ويُشْبِهُ أنْ يُسَمّى بِذَلِكَ لِأنَّ مَنظَرَهُ يَسُوءُ؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ ؛ والحَسَنُ: "مِن سَوَّتِهِما"؛ بِالإفْرادِ؛ وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ؛ وشَدِّ الواوِ؛ وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ؛ وشَيْبَةُ بْنُ نَصّاحٍ؛ والحَسَنُ ؛ والزُهْرِيُّ: "مِن سَوّاتِهِما"؛ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ؛ وتَشْدِيدِ الواوِ؛ وحَكاها سِيبَوَيْهِ لُغَةً؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: ووَجْهُها حَذْفُ الهَمْزَةِ؛ وإلْقاءُ حَرَكَتِها عَلى الواوِ فَيَقُولُونَ: "سَوَةٌ"؛ ومِنهم مَن يُشَدِّدُ الواوَ؛ وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ هَذِهِ العِبارَةَ إنَّما قُصِدَ بِها أنَّهُما كُشِفَتْ لَهُما مَعانِيهِما؛ وما يَسُوؤُهُما؛ ولَمْ يُقْصَدْ بِها العَوْرَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ كانَ اللَفْظُ يَحْتَمِلُهُ؛ إلّا أنَّ ذِكْرَ خَصْفِ الوَرَقِ يَرُدُّهُ؛ إلّا أنْ يُقَدَّرَ الضَمِيرُ في "عَلَيْهِما"؛ عائِدًا عَلى بَدَنَيْهِما؛ إذْ تَمَزَّقَتْ عنهُما ثِيابُ الجَنَّةِ؛ فَيَصِحَّ القَوْلُ المَذْكُورُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَقالَ ما نَهاكُما ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذا القَوْلُ الَّذِي حُكِيَ عن إبْلِيسَ يَدْخُلُهُ مِن هَذا التَأْوِيلِ ما دَخَلَ الوَسْوَسَةَ؛ فَمُمْكِنٌ أنْ يَقُولَ هَذا مُخاطَبَةً وحِوارًا؛ ومُمْكِنٌ أنْ يَقُولَها إلْقاءً في النَفْسِ؛ ووَحْيًا.

و"إلّا أنْ"؛ تَقْدِيرُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ والبَصْرِيِّينَ: إلّا كَراهِيَةَ أنْ؛ وتَقْدِيرُهُ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ: إلّا ألّا؛ عَلى إضْمارِ "لا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُرَجِّحُ قَوْلَ البَصْرِيِّينَ أنَّ إضْمارَ الأسْماءِ أحْسَنُ مِن إضْمارِ الحُرُوفِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مَلَكَيْنِ"؛ بِفَتْحِ اللامِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ويَحْيى بْنُ كَثِيرٍ؛ والضَحّاكُ: "مَلِكَيْنِ"؛ بِكَسْرِ اللامِ؛ ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ وَمُلْكٍ لا يَبْلى  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَ بَعْضُ الناسِ: يَخْرُجُ مِن هَذِهِ الألْفاظِ أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ؛ وهي مَسْألَةٌ اخْتَلَفَ الناسُ فِيها؛ وتَمَسَّكَ كُلُّ فَرِيقٍ بِظَواهِرَ مِنَ الشَرِيعَةِ؛ والفَضْلُ بِيَدِ اللهِ تَعالى ؛ وَقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لا حُجَّةَ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ "مَلَكَيْنِ"؛ في ألّا تَكُونَ لَهُما شَهْوَةٌ في طَعامٍ.

﴿ "وَقاسَمَهُما"؛ ﴾ أيْ: حَلَفَ لَهُما بِاللهِ تَعالى ؛ وهي "مُفاعَلَةٌ"؛ إذْ قَبُولُ المَحْلُوفِ لَهُ وإقْبالُهُ عَلى مَعْنى اليَمِينِ؛ كالقَسَمِ؛ وتَقْرِيرِهِ؛ وإنْ كانَ بادِيَ الرَأْيِ يُعْطِي أنَّها مِن واحِدٍ؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ الهُزَلِيِّ: وقاسَمَهُما بِاللهِ جَهْدًا لَأنْتُمُ ∗∗∗ ∗∗∗ ألَذُّ مِنَ السَلْوى إذا ما تَشُورُها ورُوِيَ في القَصَصِ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - قالَ - في جُمْلَةِ اعْتِذارِهِ -: "ما ظَنَنْتُ يا رَبِّ أنَّ أحَدًا يَحْلِفُ حانِثًا"؛ فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: خَدَعَ الشَيْطانُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - بِاللهِ - عَزَّ وجَلَّ - فانْخَدَعَ؛ ونَحْنُ مَن خَدَعَنا بِاللهِ - عَزَّ وجَلَّ - انْخَدَعْنا لَهُ؛ ورُوِيَ نَحْوُهُ عن قَتادَةَ.

واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى "لَكُما"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "اَلنّاصِحِينَ"؛ فَقالَ بَعْضُ الناسِ - مَكِّيٌّ ؛ وغَيْرُهُ -: ذَلِكَ عَلى أنْ تَكُونَ الألِفُ واللامُ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ؛ لا بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ لِأنَّها إذا كانَتْ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ كانَ قَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: "لَكُما"؛ داخِلًا في الصِلَةِ؛ فَلا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ؛ وأظُنُّ أنَّ أبا عَلِيٍّ الفارِسِيَّ خَرَّجَ جَوازَ تَقْدِيمِهِ؛ وهي بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ والظاهِرُ أنَّهُ إنْ جُعِلَتْ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ كانَتِ اللامُ في قَوْلِهِ "لَكُما"؛ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "إنِّي ناصِحٌ لَكُما مِنَ الناصِحِينَ"؛ وقالَ أبُو العالِيَةِ - في بَعْضِ القِراءَةِ -: "وَقاسَمَهُما بِاللهِ".

<div class="verse-tafsir"

فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٍۢ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمَا عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ ٢٢ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٢٣

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فَدَلاهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقا الشَجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عن تِلْكُما الشَجَرَةَ وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ ﴿ قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ ﴿ فَدَلاهُما بِغُرُورٍ ﴾ ؛ يُرِيدُ: فَغَرَّهُما بِقَوْلِهِ؛ وخَدَعَهُما بِمَكْرِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُشْبِهُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ هَذا اسْتِعارَةً مِن "اَلرَّجُلُ يُدْلِي آخَرَ مِن هُوَّةٍ بِحَبْلٍ قَدْ أرِمَ؛ أو بِسَبَبٍ ضَعِيفٍ يَغْتَرُّ بِهِ؛ فَإذا تَدَلّى بِهِ وتَوَرَّكَ عَلَيْهِ؛ انْقَطَعَ بِهِ؛ فَهَلَكَ"؛ فَيُشَبَّهُ الَّذِي يُغَرُّ بِالكَلامِ حَتّى يُصَدِّقَهُ؛ فَيَقَعُ في مُصِيبَةٍ؛ بِالَّذِي يُدْلّى في هُوَّةٍ بِسَبَبٍ ضَعِيفٍ.

وعُلِّقَ حُكْمُ العُقُوبَةِ بِالذَوْقِ؛ إذْ هو أوَّلُ الأكْلِ؛ وبِهِ يُرْتَكَبُ النَهْيُ؛ وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿ فَأكَلا مِنها  ﴾ .

؛ وقَوْلُهُ تَعالى "بَدَتْ"؛ قِيلَ: تَخَرَّقَتْ عنهُما ثِيابُ الجَنَّةِ؛ ومَلابِسُها؛ وتَطايَرَتْ تَبَرِّيًا مِنهُما؛ وقالَ وهْبُ بْنُ مُنْبِهٍ: كانَ عَلَيْهِما نُورٌ يَسْتُرُ عَوْرَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما؛ فانْقَشَعَ بِالمَعْصِيَةِ ذَلِكَ النُورُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ: كانَ عَلَيْهِما ظُفْرٌ كاسٍ؛ فَلَمّا عَصَيا تَقَلَّصَ عنهُما؛ فَبَدَتْ سَوْءاتُهُما؛ وبَقِيَ مِنهُ عَلى الأصابِعِ قَدْرَ ما يَتَذَكَّرانِ بِهِ المَعْصِيَةَ؛ فَيُجَدِّدانِ النَدَمَ.

"وَطَفِقا"؛ مَعْناهُ: أخَذا؛ وجَعَلا؛ وهو فِعْلٌ لا يَخْتَصُّ بِوَقْتٍ؛ كَـ "باتَ"؛ و"ظَلَّ".

و"يَخْصِفانِ"؛ مَعْناهُ: يُلْصِقانِها؛ ويَضُمّانِ بَعْضَها إلى بَعْضٍ؛ و"اَلْمِخْصَفُ": اَلْإشْفى؛ وضَمُّ الوَرَقِ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ أشْبَهُ بِالخَرْزِ مِنهُ بِالخِياطَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَخْصِفانِ"؛ مِن "خَصَفَ"؛ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ: "يَخَصِّفانِ"؛ بِشَدِّ الصادِ؛ وَقَرَأ الزُهْرِيُّ: "يُخْصِفانِ"؛ مِن "أخْصَفَ"؛ وقَرَأ الحَسَنُ - فِيما رَوى عنهُ مَحْبُوبٌ: "يَخَصِّفانِ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ والخاءِ؛ وكَسْرِ الصادِ؛ وشَدِّها؛ ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ؛ وعن يَعْقُوبَ؛ وأصْلُها "يَخْتَصِفانِ"؛ كَما تَقُولُ: "سَمِعْتُ الحَدِيثَ"؛ و"اِسْتَمَعْتُهُ"؛ فَأُدْغِمَتِ التاءُ في الصادِ؛ ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى الخاءِ؛ وكَذَلِكَ الأصْلُ في القِراءَةِ بِكَسْرِ الخاءِ بَعْدَ هَذِهِ؛ لَكِنْ لَمّا سُكِّنَتِ التاءُ؛ وأُدْغِمَتْ في الصادِ؛ اجْتَمَعَ ساكِنانِ؛ فَكُسِرَتِ الخاءُ؛ عَلى عُرْفِ التِقاءِ الساكِنَيْنِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ والأعْرَجُ ؛ ومُجاهِدٌ: "يَخِصِّفانِ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وكَسْرِ الخاءِ؛ وكَسْرِ الصادِ؛ وشَدِّها؛ وقَدْ تَقَدَّمَ تَعْلِيلُها.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: إنَّ الوَرَقَ الَّذِي خُصِفَ مِنهُ ورَقُ التِينِ؛ ورَوى أُبَيٌّ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - «أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - كانَ يَمْشِي في الجَنَّةِ كَأنَّهُ نَخْلَةٌ سَمُوقٌ؛ فَلَمّا واقَعَ المَعْصِيَةَ وبَدَتْ لَهُ حالُهُ فَرَّ عَلى وجْهِهِ؛ فَأخَذَتْ شَجَرَةٌ بِشَعْرِ رَأْسِهِ؛ يُقالُ: إنَّها الزَيْتُونَةُ؛ فَقالَ لَها: "أرْسِلِينِي"؛ فَقالَتْ: ما أنا بِمُرْسِلَتِكَ؛ فَناداهُ رَبُّهُ: (أمِنِّي تَفِرُّ يا آدَمُ؟)؛ قالَ: "لا يا رَبُّ؛ ولَكِنِّي اسْتَحَيْتُكَ"؛ قالَ: (أما كانَ لَكَ فِيما مَنَحْتُكَ مِنَ الجَنَّةِ مَندُوحَةٌ عَمّا حَرَّمْتُ عَلَيْكَ؟)؛ قالَ: "بَلى يا رَبُّ؛ ولَكِنْ وعِزَّتِكَ ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا يَحْلِفُ بِكَ كاذِبًا"؛ قالَ: (فَبِعِزَّتِي لَأُهْبِطَنَّكَ إلى الأرْضِ؛ ثُمَّ لا تَنالُ العَيْشَ إلّا كَدًّا).» وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَناداهُما"؛ ﴾ اَلْآيَةَ؛ قالَ الجُمْهُورُ: إنَّ هَذا النِداءَ نِداءُ وحْيٍ؛ بِواسِطَةٍ؛ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنّا نَتَلَقّى مِنَ الشَرْعِ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - هو الَّذِي خُصِّصَ بَيْنَ العالَمِ بِالكَلامِ؛ وأيْضًا فَفي حَدِيثِ الشَفاعَةِ «أنَّ بَنِي آدَمَ المُؤْمِنِينَ يَقُولُونَ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - يَوْمَ القِيامَةِ: "أنْتَ خَصَّكَ اللهُ بِكَلامِهِ؛ واصْطَفاكَ بِرِسالَتِهِ؛ اذْهَبْ فاشْفَعْ لِلنّاسِ"؛» وهَذا ظاهِرُهُ أنَّهُ مُخَصَّصٌ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هو نِداءُ تَكْلِيمٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وحُجَّةُ هَذا المَذْهَبِ أنَّهُ وقَعَ في أوَّلِ ورَقَةٍ مِن تارِيخِ ابْنِ أبِي خَيْثَمَةَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سُئِلَ عن آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فَقالَ: "نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ"؛» وأيْضًا فَإنَّ مُوسى خُصِّصَ بَيْنَ البَشَرِ الساكِنِينَ في الأرْضِ؛ وأمّا آدَمُ إذْ كانَ في الجَنَّةِ فَكانَ في غَيْرِ رُتْبَةِ سُكّانِ الأرْضِ؛ فَلَيْسَ في تَكْلِيمِهِ ما يُفْسِدُ تَخْصِيصَ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ويُؤَيِّدُ أنَّهُ نِداءُ وحْيٍ؛ اشْتِراكُ حَوّاءَ فِيهِ؛ ولَمْ يُرْوَ قَطُّ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - كَلَّمَ حَوّاءَ؛ ويُتَأوَّلُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ « "نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ"؛» أنَّهُ بِمَعْنى: مُوصَلٌ إلَيْهِ كَلامُ اللهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ ألَمْ أنْهَكُما ﴾ ؛ سُؤالُ تَقْرِيرٍ؛ يَتَضَمَّنُ التَوْبِيخَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "تِلْكُما"؛ ﴾ يُؤَيِّدُ - بِحَسَبِ ظاهِرِ اللَفْظِ - أنَّهُ إنَّما أشارَ إلى شَخْصِ شَجَرَةٍ؛ ﴿ وَأقُلْ لَكُما إنَّ الشَيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى الآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ "طـه"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو العَهْدُ الَّذِي نَسِيَهُ آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ عَلى مَذْهَبِ مَن يَجْعَلُ النِسْيانَ عَلى بابِهِ؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "ألَمْ تُنْهَيا عن تِلْكُما الشَجَرَةِ وقِيلَ لَكُما"؛ وقَوْلُهُما: ﴿ رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا ﴾ ؛ اِعْتِرافٌ مِن آدَمَ؛ وحَوّاءَ - عَلَيْهِما السَلامُ -؛ وطَلَبٌ لِلتَّوْبَةِ؛ والسَتْرِ؛ والتَغَمُّدِ بِالرَحْمَةِ؛ فَطَلَبَ آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - هَذا؛ وطَلَبَ إبْلِيسُ النَظِرَةَ؛ ولَمْ يَطْلُبِ التَوْبَةَ؛ فَوُكِلَ إلى رَأْيِهِ؛ قالَ الضَحّاكُ: هَذِهِ الآيَةُ هي الكَلِماتُ الَّتِي تَلَقّى آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - مِن رَبِّهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّۭ ۖ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّۭ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍۢ ٢٤ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ٢٥ يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًۭا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًۭا ۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ٢٦

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ ﴾ ﴿ قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ ﴾ ﴿ يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ ﴾ اَلْمُخاطَبَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى "اِهْبِطُوا"؛ قالَ أبُو صالِحٍ ؛ والسُدِّيُّ ؛ والطَبَرِيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ: هي لِآدَمَ وحَوّاءَ - عَلَيْهِما السَلامُ -؛ وإبْلِيسَ؛ والحَيَّةِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مُخاطَبَةٌ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وذُرِّيَّتِهِ؛ وإبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لَعَدَمِهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ فَإنْ قِيلَ: خاطَبَهم وأمَرَهم بِشَرْطِ الوُجُودِ؛ فَذَلِكَ يَبْعُدُ في هَذِهِ النازِلَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِشَرْطِ الوُجُودِ إنَّما يَصِحُّ إذا تَرَتَّبَ عَلى المَأْمُورِ بَعْدَ وُجُودِهِ؛ وصَحَّ مَعْناهُ عَلَيْهِ؛ كالصَلاةِ؛ والصَوْمِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وأمّا هُنا؛ فَإنَّ مَعْنى الهُبُوطِ لا يُتَصَوَّرُ في بَنِي آدَمَ بَعْدَ وُجُودِهِمْ؛ ولا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنَ الأمْرِ بِهِ شَيْءٌ؛ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى - في آيَةٍ أُخْرى -: "اِهْبِطا"؛ فَهي مُخاطَبَةٌ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وإبْلِيسَ؛ بِدَلِيلِ بَيانِهِ العَداوَةَ بَيْنَهُما.

و"عَدُوٌّ"؛ فَرْدٌ بِمَعْنى الجَمْعِ؛ تَقُولُ: "قَوْمٌ عَدُوٌّ؛ وقَوْمٌ صَدِيقٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لَعَمْرِي لَئِنْ كُنْتُمْ عَلى النَأْيِ والغِنى ∗∗∗ بِكم مِثْلُ ما بِي إنَّكم لَصَدِيقُ وعَداوَةُ الحَياةِ مَعْرُوفَةٌ؛ ورَوى قَتادَةُ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "ما سالَمْناهُنَّ مُنْذُ حارَبْناهُنَّ"؛» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "مَن تَرَكَهُنَّ فَلَيْسَ مِنّا"؛ وقالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -: "مَن تَرَكَ حَيَّةً خَشْيَةً مِن ثَأْرِها فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكَةِ والناسِ أجْمَعِينَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وإنَّما يَعْرِضُ في أمْرِهِنَّ حَدِيثُ الفَتى؛ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ؛ وقَوْلُ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "إنَّ جِنًّا بِالمَدِينَةِ قَدْ أسْلَمُوا؛ فَمَن رَأى مِن هَذِهِ الحَيّاتِ شَيْئًا في بَيْتِهِ فَلْيُحَرِّجْ عَلَيْهِ ثَلاثًا؛ فَإنْ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلْيَقْتُلْهُ؛ فَإنَّما هو كافِرٌ".» وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "مُسْتَقَرٌّ"؛ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِزَمَنِ الحَياةِ؛ ولِزَمَنِ الإقامَةِ في القُبُورِ؛ وبِزَمَنِ الحَياةِ فَسَّرَ أبُو العالِيَةِ ؛ وقالَ: هي كَقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا  ﴾ ؛ وبِالإقامَةِ في القُبُورِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ واللَفْظُ يَعُمُّهُما؛ فَهي كَقَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا  ﴾ ﴿ أحْياءً وأمْواتًا  ﴾ ؛ وأمّا المَتاعُ فَهو بِحَسَبِ شَخْصٍ شَخْصٍ؛ في زَمَنِ الحَياةِ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ يُقَدِّرَ سُكْنى القَبْرِ مَتاعًا بِوَجْهٍ ما؛ والمَتاعُ: اَلتَّمَتُّعُ؛ والنَيْلُ مِنَ الفَوائِدِ؛ و ﴿ "إلى حِينٍ"؛ ﴾ هو - بِحَسَبِ الجُمْلَةِ -: قِيامُ الساعَةِ؛ وبِحَسَبِ مُفْرَدٍ مُفْرَدٍ: بُلُوغُ الأجَلِ؛ والمَوْتِ؛ و"اَلْحِينُ"؛ في كَلامِ العَرَبِ: اَلْوَقْتُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ.

ورُوِيَ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - أُهْبِطَ بِالهِنْدِ؛ وحَوّاءَ بِجِدَّةَ؛ وتَمَنّاها بِمِنًى؛ وعَرَفَ حَقِيقَةَ أمْرِها بِعَرَفَةَ؛ ولَقِيَها بِجَمْعٍ؛ وأُهْبِطَ إبْلِيسُ بِمَيْسانَ؛ وقِيلَ: بِالبَصْرَةِ؛ وَقِيلَ: بِمِصْرَ؛ فَباضَ فِيها؛ وفَرَّخَ؛ قالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: وبَسَطَ إبْلِيسُ فِيها عَبْقَرِيَّهُ؛ وذَكَرَ صالِحٌ؛ مَوْلى التَوْأمَةِ؛ قالَ: في بَعْضِ الكُتُبِ: لَمّا أُهْبِطَ إبْلِيسُ قالَ: رَبِّ أيْنَ مَسْكَنِي؟

قالَ: (مَسْكَنُكَ الحَمّامُ؛ ومَجْلِسُكَ الأسْواقُ؛ ولَهْوُكَ المَزامِيرُ؛ وطَعامُكَ ما لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ اسْمِي؛ وشَرابُكَ المُسْكِرُ؛ ورُسُلُكَ الشَهَواتُ؛ وحَبائِلُكَ النِساءُ)؛ وأُهْبِطَتِ الحَيَّةُ بِأصْبَهانَ؛ ورُوِيَ أنَّها كانَتْ ذاتَ قَوائِمَ؛ كالبَعِيرِ؛ فَعُوقِبَتْ بِأنْ رُدَّتْ تَنْسابُ عَلى بَطْنِها.

ورُوِيَ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - لَمّا أُهْبِطَ إلى شَقاءِ الدُنْيا؛ عُلِّمَ صَنْعَةَ الحَدِيدِ؛ ثُمَّ عُلِّمَ الحَرْثَ؛ فَحَرَثَ؛ وسَقى؛ وحَصَدَ؛ وذَرا؛ وطَحَنَ؛ وعَجَنَ؛ وخَبَزَ؛ وطَبَخَ؛ وأكَلَ؛ فَلَمْ يَبْلُغْ إلى ذَلِكَ حَتّى بَلَغَ مِنَ الجَهْدِ ما شاءَ اللهُ تَعالى ؛ ورُوِيَ أنَّ حَوّاءَ قِيلَ لَها: يا حَوّاءُ؛ كَما دَمِيَتِ الشَجَرَةُ فَأنْتِ تَدْمِينَ في كُلِّ شَهْرٍ؛ وأنْتِ لا تَحْمِلِينَ إلّا كُرْهًا؛ ولا تَضَعِينَ إلّا كُرْهًا؛ قالَ: فَرَنَّتْ عِنْدَ ذَلِكَ؛ فَقِيلَ لَها: اَلرَّنَّةُ عَلَيْكِ وعَلى ولَدِكِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ الأنْباءِ كَثِيرٌ؛ اخْتَصَرْتُها؛ إذْ لا يَقْتَضِيها اللَفْظُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قالَ فِيها تَحْيَوْنَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ حُكْمٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أمْضاهُ؛ وجَعَلَهُ حَتْمًا في رِقابِ العِبادِ؛ يَحْيَوْنَ في الأرْضِ؛ ويَمُوتُونَ فِيها؛ ويُبْعَثُونَ مِنها إلى الحَشْرِ أحْياءً؛ كَما أنْشَأ تَعالى أوَّلَ خَلْقٍ يُعِيدُهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "تُخْرَجُونَ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ وفَتْحِ الراءِ؛ هُنا؛ وفي "اَلرُّومِ"؛ وكَذَلِكَ حَيْثُ تَكَرَّرَ؛ إلّا في "اَلرُّومِ": ﴿ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ  ﴾ ؛ وفي "سَألَ سائِلٌ": ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ  ﴾ ؛ فَإنَّ هَذَيْنِ بِفَتْحِ التاءِ؛ والياءِ؛ وضَمِّ الراءِ؛ ولَمْ يَخْتَلِفِ الناسُ فِيهِما؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ في "اَلْأعْرافِ": "وَمِنها تَخْرُجُونَ"؛ بِفَتْحِ التاءِ؛ وضَمِّ الراءِ؛ وفَتَحَ ابْنُ عامِرٍ التاءَ في "اَلْأعْرافِ"؛ وضَمَّها في الباقِي.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ يا بَنِي آدَمَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذا خِطابٌ لِجَمِيعِ الأُمَمِ وقْتَ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والسَبَبُ والمُرادُ: قُرَيْشٌ؛ ومَن كانَ مِنَ العَرَبِ يَتَعَرّى في طَوافِهِ بِالبَيْتِ؛ ذَكَرَ النَقّاشُ ثَقِيفًا؛ وخُزاعَةَ؛ وبَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ ؛ وبَنِي مُدْلِجٍ؛ وعامِرًا؛ والحارِثَ ابْنَيْ عَبْدِ مَنافٍ؛ فَإنَّها كانَتْ عادَتَهُمْ؛ رِجالًا ونِساءً؛ وذَلِكَ غايَةٌ العارِ والعِصْيانِ؛ قالَ مُجاهِدٌ: فَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الأرْبَعُ الآياتُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "أنْزَلْنا"؛ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ التَدَرُّجَ؛ أيْ: لَمّا أنْزَلْنا المَطَرَ؛ فَكانَ عنهُ جَمِيعُ ما يُلْبَسُ؛ قالَ عَنِ اللِباسِ: "أنْزَلْنا"؛ وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ - يَصِفُ مَطَرًا -: أقْبَلَ في المُسْتَنِّ مِن سَحابِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ أسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابِهِ أيْ: بِالمالِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "خَلَقْنا"؛ فَجاءَتِ العِبارَةُ بِـ "أنْزَلْنا"؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ  ﴾ ؛ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ  ﴾ ؛ وأيْضًا فَخَلْقُ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - وأفْعالُهُ تَعالى إنَّما هي مِن عُلُوٍّ في القَدْرِ؛ والمَنزِلَةِ؛ و"لِباسًا"؛ عامٌّ في جَمِيعِ ما يُلْبَسُ؛ و"يُوارِي"؛ يَسْتُرُ؛ وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: "سَوْءاتِكم وزِينَةً ولُبْسُ التَقْوى"؛ وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلِباسُ التَقْوى خَيْرٌ ذَلِكُمْ"؛ ويُرْوى عنهُ: "ذَلِكَ"؛ وسَقَطَتْ "ذَلِكَ"؛ اَلْأُولى؛ وقَرَأ سَكَنٌ النَحْوِيُّ: "وَلَبُوسُ التَقْوى"؛ بِالواوِ؛ مَرْفُوعَةَ السِينِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ الناسِ: "وَرِيشًا"؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ فِيما رَوى عنهُ أبُو عَمْرٍو أيْضًا؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وأبُو رَجاءٍ ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ؛ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ ؛ وقَتادَةُ: "وَرِياشًا"؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: وهي قِراءَةُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: رَواها عنهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وهُما عِبارَتانِ عن سَعَةِ الرِزْقِ؛ ورَفاهِيَةِ العَيْشِ؛ ووُجُودِ المَلْبَسِ؛ والتَمَتُّعِ؛ وفَسَّرَهُ قَوْمٌ بِالأثاثِ؛ وفَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - بِالمالِ؛ وكَذَلِكَ قالَ السُدِّيُّ والضَحّاكُ ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "اَلرِّيشُ": اَلْجَمالُ؛ وقِيلَ: "اَلرِّياشُ": جَمْعُ "رِيشٌ"؛ كَـ "بِيرٌ"؛ و"بِيارٌ"؛ و"ذِيبٌ"؛ و"ذِيابٌ"؛ و"لِصْبٌ"؛ و"لِصابٌ"؛ و"شِعْبٌ"؛ و"شِعابٌ"؛ وقِيلَ: "اَلرِّياشُ": مَصْدَرٌ مِن "أراشَهُ اللهُ تَعالى ؛ يَرِيشُهُ"؛ إذا أنْعَمَ عَلَيْهِ؛ والرِيشُ مَصْدَرٌ أيْضًا مِن ذَلِكَ؛ وفي الحَدِيثِ: « "رَجُلٌ راشَهُ اللهُ مالًا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُشْبِهُ أنَّ هَذا كُلَّهُ مِن مَعْنى رِيشِ الطائِرِ؛ ورِيشِ السَهْمِ؛ إذْ هو لِباسُهُ؛ وسُتْرَتُهُ؛ وعَوْنُهُ عَلى النُفُوذِ؛ و"راشَ اللهُ تَعالى "؛ مَأْخُوذٌ مِن ذَلِكَ؛ ألا تَرى أنَّها تُقْرَنُ بِـ "بَرى"؟

ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: فَرِشْنِي بِخَيْرٍ طالَما قَدْ بَرَيْتَنِي ∗∗∗ ∗∗∗ وخَيْرُ المَوالِي مَن يَرِيشُ ولا يَبْرِي وَقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ والكِسائِيُّ: "وَلِباسَ"؛ بِالنَصْبِ؛ عَطْفًا عَلى ما تَقَدَّمَ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ: "وَلِباسُ"؛ بِالرَفْعِ؛ فَقِيلَ: هو خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَهُوَ لِباسُ"؛ وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ؛ و"ذَلِكَ"؛ مُبْتَدَأٌ آخَرُ؛ و"خَيْرٌ"؛ خَبَرُ "ذَلِكَ"؛ والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ؛ وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ؛ و"خَيْرٌ"؛ خَبَرُهُ؛ و"ذَلِكَ"؛ بَدَلٌ؛ أو عَطْفُ بَيانٍ؛ أو صِفَةٌ؛ وهَذا أنْبَلُ الأقْوالِ؛ ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ في "اَلْحُجَّةُ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ذَلِكَ مِن آياتِ اللهِ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ ما أنْزَلَ؛ مِنَ اللِباسِ؛ والرِيشِ؛ وحَكى النَقّاشُ أنَّ الإشارَةَ إلى ﴿ وَلِباسُ التَقْوى ﴾ ؛ أيْ: هو في العَبْدِ آيَةٌ؛ أيْ: عَلامَةٌ؛ وأمارَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهُ قَدْ رَضِيَ عنهُ؛ ورَحِمَهُ؛ و"لَعَلَّهُمْ"؛ تَرَجٍّ؛ بِحَسَبِهِمْ؛ ومَبْلَغِهِمْ مِنَ المَعْرِفَةِ؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿ "وَلِباسُ التَقْوى": ﴾ اَلْإيمانُ؛ وقالَ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ: هو الحَياءُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: هو العَمَلُ الصالِحُ؛ وقالَ أيْضًا: هو السَمْتُ الحَسَنُ في الوَجْهِ؛ وقالَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ عَلى المِنبَرِ؛ وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: هو خَشْيَةُ اللهِ تَعالى ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو سَتْرُ العَوْرَةِ؛ والسَمْتُ الحَسَنُ في الدُنْيا؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: ﴿ "وَلِباسُ التَقْوى": ﴾ اَلْعِفَّةُ؛ وقالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿ "وَلِباسُ التَقْوى": ﴾ اَلسِّلاحُ؛ وآلَةُ الجِهادِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ كُلُّها مُثُلٌ؛ وهي مِن لِباسِ التَقْوى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتُتَصَوَّرُ الصِفَةُ الَّتِي حَكاها أبُو عَلِيٍّ في قَوْلِهِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الأسْماءَ تُوصَفُ بِمَعْنى الإشارَةِ؛ كَما تَقُولُ: "جاءَنِي زَيْدٌ هَذا"؛ كَأنَّكَ قُلْتَ: "جاءَنِي زَيْدٌ المُشارُ إلَيْهِ"؛ فَعَلى هَذا الحَدِّ تُوصَفُ الأسْماءُ بِالمُبْهَماتِ؛ وأمّا قَوْلُهُ فِيهِ: عَطْفُ بَيانٍ؛ وبَدَلٌ؛ فَهُما واحِدٌ في اللَفْظِ؛ إنَّما الفارِقُ بَيْنَهُما في المَعْنى والمَقْصِدِ؛ وذَلِكَ أنَّكَ تُرِيدُ في البَدَلِ كَأنَّكَ أزَلْتَ الأوَّلَ؛ وأعْمَلْتَ العامِلَ في الثانِي؛ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ؛ وتُرِيدُ في عَطْفِ البَيانِ كَأنَّكَ أبْقَيْتَ الأوَّلَ؛ ثُمَّ ثَنَّيْتَهُ بِعَيْنِهِ في ذِكْرِ الثانِي؛ وإنَّما يَبِينُ الفارِقُ بَيْنَ البَدَلِ؛ وعَطْفِ البَيانِ؛ في مَسْألَةِ النِداءِ؛ إذا قُلْتَ: "يا عَبْدَ اللهِ زِيدُ"؛ فالبَدَلُ في هَذِهِ المَسْألَةِ هو عَلى هَذا الحَدِّ؛ بِرَفْعِ "زِيدُ"؛ لِأنَّكَ تُقَدِّرُ إزالَةَ " عَبْدَ اللهِ "؛ وإضافَةَ "يا"؛ إلى "زَيْدُ"؛ ولَوْ عَطَفْتَ عَطْفَ البَيانِ لَقُلْتَ: "يا عَبْدَ اللهِ زِيدًا"؛ لِأنَّكَ أرَدْتَ بَيانَهُ؛ ولَمْ تُقَدِّرْ إزالَةَ الأوَّلِ؛ ويُنْشَدُ هَذا البَيْتُ: إنِّي وأسْطارٍ سُطِرْنَ سَطْرا ∗∗∗ ∗∗∗ لَقائِلٌ: يا نَصْرُ نَصْرًا نَصْرا و"نَصْرٌ"؛ اَلْأوَّلُ عَلى عَطْفِ البَيانِ؛ والثانِي عَلى البَدَلِ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَٰتِهِمَآ ۗ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ٢٧ وَإِذَا فَعَلُوا۟ فَـٰحِشَةًۭ قَالُوا۟ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٢٨

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عنهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِنَ حَيْثُ لا تَرَوْنَهم إنّا جَعَلْنا الشَياطِينَ أولِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللهُ أمَرَنا بِها قُلْ إنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أتَقُولُونَ عَلى اللهَ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ هَذِهِ المُخاطَبَةُ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ والمَقْصُودُ بِها في ذَلِكَ الوَقْتِ مَن كانَ يَطُوفُ مِنَ العَرَبِ بِالبَيْتِ عُرْيانًا؛ فَقِيلَ: كانَ ذَلِكَ مِن عادَةِ قُرَيْشٍ؛ وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: كانَ ذَلِكَ مِن عادَةِ قَبِيلَةٍ مِنَ اليَمَنِ؛ وقِيلَ: كانَتِ العَرَبُ تَطُوفُ عُراةً؛ إلّا الحُمْسُ وهم قُرَيْشٌ؛ ومَن والاها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو الصَحِيحُ؛ لِأنَّ قُرَيْشًا لَمّا سَنُّوا بَعْدَ عامِ الفِيلِ سَنَنًا عَظَّمُوا بِها حُرْمَتَهم كانَتْ هَذِهِ مِن ذَلِكَ؛ فَكانَ العَرَبِيُّ إمّا أنْ يُعِيرَهُ أحَدٌ مِنَ الحُمْسِ ثَوْبًا؛ فَيَطُوفَ بِهِ؛ وإمّا أنْ يَطُوفَ في ثِيابِهِ؛ ثُمَّ يُلْقِيَها؛ وتَمادى الأمْرُ حَتّى صارَ عِنْدَ العَرَبِ قُرْبَةً؛ فَكانَتِ العَرَبُ تَقُولُ: نَطُوفُ عُراةً؛ كَما خَرَجْنا مِن بُطُونِ أُمَّهاتِنا؛ ولا نَطُوفُ في ثِيابٍ قَدْ تَدَنَّسْنا فِيها بِالذُنُوبِ؛ ومَن طافَ في ثِيابِهِ فَكانَتْ سُنَّتُهم كَما ذَكَرْنا أنْ يَرْمِيَ تِلْكَ الثِيابَ؛ ولا يَنْتَفِعَ بِها؛ وتُسَمّى تِلْكَ الثِيابُ "اَللَّقى"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: كَفى حَزَنًا كَرِّي عَلَيْهِ كَأنَّهُ ∗∗∗ لَقى بَيْنَ أيْدِي الطائِفِينَ حَرِيمُ وكانَتِ المَرْأةُ تَطُوفُ عُرْيانَةً؛ حَتّى كانَتْ إحْداهُنَّ تَقُولُ: اَلْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أو كُلُّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ فَما بَدا مِنهُ فَلا أُحِلُّهُ فَنَهى اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - عن جَمِيعِ ذَلِكَ؛ ونُودِيَ بِمَكَّةَ في سَنَةِ تِسْعٍ: "لا يَحُجُّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ؛ ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ".

و"اَلْفِتْنَةُ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ: اَلِاسْتِهْواءُ والغَلَبَةُ عَلى النَفْسِ؛ وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "لا يَفْتِنَنَّكُمُ"؛ ﴾ نَهْيُ الشَيْطانِ؛ والمَعْنى: نَهْيُهم أنْفُسَهم عن الِاسْتِماعِ لَهُ؛ والطاعَةِ لِأمْرِهِ؛ كَما قالُوا: "لا أرَيَنَّكَ هَهُنا"؛ فَظاهِرُ اللَفْظِ نَهْيُ المُتَكَلِّمِ نَفْسَهُ؛ ومَعْناهُ نَهْيُ الآخَرِ عَنِ الإقامَةِ بِحَيْثُ يَراهُ؛ وأضافَ الإخْراجَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى إبْلِيسَ؛ وذَلِكَ تَجَوُّزٌ؛ بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ ساعِيًا في ذَلِكَ؛ ومُسَبِّبًا لَهُ؛ ويُقالُ: "أبٌ"؛ ولِلْأُمِّ: "أبَةٌ"؛ وعَلى هَذا قِيلَ: "أبَوانِ"؛ و"يَنْزِعُ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "أخْرَجَ".

وتَقَدَّمَ الخِلافُ في اللِباسِ مِن قَوْلِ مَن قالَ: "اَلْأظْفارُ"؛ ومَن قالَ: "اَلنُّورُ"؛ ومَن قالَ: "ثِيابُ الجَنَّةِ"؛ وقالَ مُجاهِدٌ: هي اسْتِعارَةٌ؛ وإنَّما أرادَ لُبْسَةَ التُقى المُنْزَلَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "إنَّهُ يَراكُمْ"؛ ﴾ اَلْآيَةَ؛ زِيادَةٌ في التَحْذِيرِ؛ وإعْلامٌ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ مَكَّنَ الشَيْطانَ مِنَ ابْنِ آدَمَ في هَذا القَدْرِ؛ وبِحَسَبِ ذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ التَحَذُّرُ بِطاعَةِ اللهِ تَعالى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والشَيْطانُ مَوْجُودٌ؛ قَدْ قَرَّرَتْهُ الشَرِيعَةُ؛ وهو جِسْمٌ؛ "وَقَبِيلُهُ"؛ يُرِيدُ: "نَوْعُهُ؛ وصِنْفُهُ؛ وذُرِّيَّتُهُ"؛ و"حَيْثُ" مَبْنِيَّةٌ عَلى الضَمِّ؛ ومِنَ العَرَبِ مَن يَبْنِيها عَلى الفَتْحِ؛ وذَلِكَ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى مَوْضِعٍ بِعَيْنِهِ؛ قالَ الزَجّاجُ: ما بَعْدَها صِلَةٌ لَها؛ ولَيْسَتْ بِمُضافَةٍ إلَيْهِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ ولَيْسَتْ "حَيْثُ" بِمَوْصُولَةٍ؛ إذْ لَيْسَ ثَمَّ عائِدٌ كَما في المَوْصُولاتِ؛ وهي مُضافَةٌ إلى ما بَعْدَها.

ثُمَّ أخْبَرَ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ صَيَّرَ الشَياطِينَ أولِياءَ؛ أيْ: صَحابَةً ومُداخَلِينَ إلى الكَفَرَةِ الَّذِينَ لا إيمانَ لَهُمْ؛ وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّ "جَعَلَ"؛ هُنا؛ بِمَعْنى "وَصَفَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهي نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَإذا فَعَلُوا"؛ ﴾ وما بَعْدَهُ؛ داخِلٌ في صِفَةِ "اَلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ"؛ لِيَقَعَ التَوْبِيخُ بِصِفَةِ قَوْمٍ جُعِلُوا مِثالًا لِلْمُوَبَّخِينَ؛ إذْ أشْبَهَ فِعْلُهم فِعْلَ المُمَثَّلُ بِهِمْ؛ ويَصِحُّ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَقْطُوعَةً مِنَ الَّتِي قَبْلَها؛ ابْتِداءَ إخْبارٍ عن كُفّارِ العَرَبِ.

و"اَلْفاحِشَةُ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ - وإنْ كانَ اللَفْظُ عامًّا - هِيَ: كَشْفُ العَوْرَةِ عِنْدَ الطَوافِ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الزُهْرِيِّ أنَّهُ قالَ: في ذَلِكَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ؛ وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وكانَ قَوْلَ بَعْضِ الكُفّارِ: إنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ بِهَذِهِ السُنَنِ الَّتِي لَنا؛ وشَرَعَها؛ فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ إنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ ﴾ ؛ ثُمَّ وبَّخَهم عَلى كَذِبِهِمْ؛ ووَقَّفَهم عَلى قَوْلِهِمْ ما لا عِلْمَ لَهم بِهِ؛ ولا دِرايَةَ لَهم فِيهِ؛ بَلْ هو دَعْوى؛ واخْتِلاقٌ.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِٱلْقِسْطِ ۖ وَأَقِيمُوا۟ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ۚ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ٢٩ فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُ ۗ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ٣٠

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ كَما بَدَأكم تَعُودُونَ ﴾ ﴿ فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَلالَةُ إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَياطِينَ أولِياءَ مِن دُونِ اللهِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ ﴾ تَضَمَّنَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ ﴾ ؛ "أقْسِطُوا"؛ ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى "وَأقِيمُوا"؛ حَمْلًا عَلى المَعْنى؛ و"اَلْقِسْطُ": اَلْعَدْلُ والحَقُّ؛ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ ؛ فَقِيلَ: أرادَ إلى الكَعْبَةِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ والسُدِّيُّ ؛ والمَقْصِدُ - عَلى هَذا -: شَرْعُ القِبْلَةِ والأمْرُ بِالتِزامِها؛ وقِيلَ: أرادَ الأمْرَ بِإحْضارِ النِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى في كُلِّ صَلاةٍ؛ والقَصْدَ نَحْوَهُ تَعالى ؛ كَما تَقُولُ: "وَجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ تَعالى "؛ قالَهُ الرَبِيعُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فُلا يُؤْخَذُ الوَجْهُ عَلى أنَّهُ الجارِحَةُ؛ بَلْ هو المَقْصِدُ؛ والمَنزَعُ.

وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِهَذا اللَفْظِ إباحَةُ الصَلاةِ في كُلِّ مَوْضِعٍ مِنَ الأرْضِ؛ أيْ: "حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَهو مَسْجِدٌ لَكُمْ؛ تَلْزَمُكم عِنْدَ الصَلاةِ إقامَةُ وُجُوهِكم فِيهِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -"؛ قالَ قَوْمٌ: سَبَبُها أنَّ قَوْمًا كانُوا لا يُصَلُّونَ إلّا في مَساجِدِهِمْ؛ في قِبْلَتِهِمْ؛ فَإذا حَضَرَتِ الصَلاةُ في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَساجِدِ لَمْ يُصَلُّوا فِيها؛ وقَوْلُهُ تَعالى "مُخْلِصِينَ".

قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وقَتادَةُ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٌ: اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ كَما بَدَأكم تَعُودُونَ ﴾ ؛ اَلْإعْلامُ بِالبَعْثِ؛ أيْ: "كَما أوجَدَكم واخْتَرَعَكُمْ؛ كَذَلِكَ يُعِيدُكم بَعْدَ المَوْتِ"؛ فالوَقْفُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - عَلى "تَعُودُونَ"؛ و"فَرِيقًا"؛ نُصِبَ عَلى "هَدى"؛ والثانِي مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَعَذَّبَ فَرِيقًا"؛ أو: "أضَلَّ فَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ...".

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا؛ وأبُو العالِيَةِ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ؛ ومُجاهِدٌ أيْضًا؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ؛ ورُوِيَ مَعْناهُ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ كَما بَدَأكم تَعُودُونَ ﴾ ؛ اَلْإعْلامُ بِأنَّ أهْلَ الشَقاءِ والكُفْرِ في الدُنْيا؛ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ؛ هم أهْلُ الشَقاءِ في الآخِرَةِ؛ وأهْلُ السَعادَةِ والإيمانِ؛ الَّذِينَ كُتِبَ لَهم في الدُنْيا؛ هم أهْلُهُما في الآخِرَةِ؛ لا يَتَبَدَّلُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أحْكَمَها؛ ودَبَّرَها؛ وأنْفَذَها شَيْءٌ؛ فالوَقْفُ - في هَذا التَأْوِيلِ - في قَوْلِهِ: ﴿ "تَعُودُونَ"؛ ﴾ غَيْرُ حَسَنٍ؛ و"فَرِيقًا" - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - نُصِبَ عَلى الحالِ؛ والثانِي عُطِفَ عَلى الأوَّلِ؛ وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "تَعُودُونَ فَرِيقَيْنِ فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَلالَةُ".

والضَمِيرُ في ﴿ "إنَّهُمُ"؛ ﴾ عائِدٌ عَلى الفَرِيقِ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَلالَةُ و"أولِياءَ"؛ مَعْناهُ: أنْصارًا؛ وأصْحابًا؛ وإخْوانًا؛ ﴿ "وَيَحْسَبُونَ"؛ ﴾ مَعْناهُ: يَظُنُّونَ؛ يُقالُ: "حَسِبْتُ؛ أحَسَبُ؛ حِسْبانًا؛ ومَحْسِبَةً".

قالَ الطَبَرِيُّ: وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى خَطَإ قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ اللهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ أحَدًا عَلى مَعْصِيَةٍ ارْتَكَبَها؛ أو ضَلالَةٍ اعْتَقَدَها؛ إلّا أنْ يَأْتِيَها عَلى عِلْمٍ مِنهُ بِمَوْضِعِ الصَوابِ.

وقَرَأ العَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ ؛ وسَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "أنَّهُمُ اتَّخَذُوا"؛ بِفَتْحِ الألِفِ.

<div class="verse-tafsir"

۞ يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ ٣١ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ ۚ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةًۭ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ ٣٢

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ ﴾ ﴿ قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَيِّباتِ مَن الرِزْقِ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ هَذا خِطابٌ عامٌّ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ وأُمِرُوا بِهَذِهِ الأشْياءِ بِسَبَبِ عِصْيانِ حاضِرِي ذَلِكَ الوَقْتِ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ فِيها.

وَ"اَلزِّينَةُ"؛ هَهُنا: اَلثِّيابُ الساتِرَةُ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وقالَ طاوُسٌ: اَلشَّمْلَةُ مِنَ الزِينَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَدْخُلُ فِيها ما كانَ مِنَ الطِيبِ لِلْجُمُعَةِ؛ والسِواكُ؛ وبِدَلُ الثِيابِ؛ وكُلُّ ما وُجِدَ اسْتِحْسانُهُ في الشَرِيعَةِ؛ ولَمْ يَقْصِدْ بِهِ مُسْتَعْمِلُهُ الخُيَلاءَ.

و ﴿ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ ؛ عِنْدَ كُلِّ مَوْضِعِ سُجُودٍ؛ فَهي إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ؛ وسَتْرِ العَوْرَةِ فِيها؛ هَذا هو مُهِمُّ الأمْرِ؛ ويَدْخُلُ مَعَ الصَلاةِ مَواطِنُ الخَيْرِ كُلُّها؛ ومَعَ سَتْرِ العَوْرَةِ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الطِيبِ لِلْجُمُعَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وذَكَرَ مَكِّيٌّ حَدِيثًا أنَّ مَعْنى ﴿ خُذُوا زِينَتَكُمْ ﴾ ؛ صَلُّوا في النِعالِ؛ وما أحْسَبُهُ يَصِحُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَكُلُوا واشْرَبُوا ﴾ ؛ نَهْيٌ عَمّا كانُوا التَزَمُوهُ مِن تَحْرِيمِ اللَحْمِ؛ والوَدَكِ؛ في أيّامِ المَوْسِمِ؛ قالَهُ السُدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ ؛ وتَدْخُلُ مَعَ ذَلِكَ أيْضًا البَحِيرَةُ؛ والسائِبَةُ؛ ونَحْوُ ذَلِكَ؛ وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ قَتادَةُ ؛ وقالَ: إنَّ البَحِيرَةَ؛ وما جانَسَها؛ هي المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ والطَيِّباتِ مِنَ الرِزْقِ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلا تُسْرِفُوا ﴾ ؛ مَعْناهُ: "وَلا تُفَرِّطُوا"؛ قالَ أهْلُ التَأْوِيلِ: يُرِيدُ: "وَلا تُسْرِفُوا بِأنْ تُحَرِّمُوا عَلى أنْفُسِكم ما لَمْ يُحَرِّمِ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ"؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: لَيْسَ في الحَلالِ سَرَفٌ؛ إنَّما السَرَفُ في ارْتِكابِ المَعاصِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يُرِيدُ: "فِي الحَلالِ القَصْدُ"؛ واللَفْظُ يَقْتَضِي النَهْيَ عَنِ السَرَفِ مُطْلَقًا؛ فَمَن تَلَبَّسَ بِفِعْلِ حَرامٍ فَتَأوَّلَ تَلَبُّسَهُ بِهِ؛ حَصَلَ مِنَ المُسْرِفِينَ؛ وتُوُجِّهَ النَهْيُ عَلَيْهِ؛ ومَن تَلَبَّسَ بِفِعْلِ مُباحٍ؛ فَإنْ مَشى فِيهِ عَلى القَصْدِ؛ وأوساطِ الأُمُورِ؛ فَحَسَنٌ؛ وإنْ أفْرَطَ حَتّى دَخَلَ الضَرَرُ حَصَلَ أيْضًا مِنَ المُسْرِفِينَ؛ وتُوُجِّهَ النَهْيُ عَلَيْهِ؛ مِثْلُ ذَلِكَ: "أنْ يُفَرِّطَ الإنْسانُ في شِراءِ ثِيابٍ؛ ونَحْوِها؛ ويَسْتَنْفِدَ في ذَلِكَ جُلَّ مالِهِ؛ أو يُعْطِيَ مالَهُ أجْمَعَ؛ ويُكابِدَ بِعِيالِهِ الفَقْرَ بَعْدَ ذَلِكَ"؛ وَنَحْوُهُ؛ فاللهُ - عَزَّ وجَلَّ - لا يُحِبُّ شَيْئًا مِن هَذا؛ وقَدْ نَهَتِ الشَرِيعَةُ عنهُ؛ ولِذَلِكَ وقَفَ النَبِيُّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بِالمُوصِي عِنْدَ الثُلُثِ؛ وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لَوْ حَطَّ الناسُ إلى الرُبُعِ لِقَوْلِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: "والثُلُثُ كَثِيرٌ"؛ وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - في هَذِهِ الآيَةِ -: أحَلَّ اللهُ تَعالى الأكْلَ والشُرْبَ؛ ما لَمْ يَكُنْ سَرَفًا؛ أو مَخْيَلَةً.

وأمَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنْ يَسْألَهم عَمَّنْ حَرَّمَ ما أحَلَّ اللهُ تَعالى ؛ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيرِ؛ ولَيْسَ يَقْتَضِي هَذا السُؤالُ جَوابًا؛ وإنَّما المُرادُ مِنهُ التَوْقِيفُ عَلى سُوءِ الفِعْلِ؛ وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ أنَّ السُؤالَ والجَوابَ جاءا في هَذِهِ الآيَةِ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ؛ وتُخُيِّلَ قَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ جَوابًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا نَظَرٌ فاسِدٌ؛ لَيْسَ ذَلِكَ بِجَوابِ السُؤالِ؛ ولا يَقْتَضِي هَذا النَوْعُ مِنَ الأسْئِلَةِ جَوابًا؛ و"زِينَةُ اللهِ"؛ هي كُلُّ ما اقْتَضَتْهُ الشَهْوَةُ؛ وطَلَبُ العُلُوِّ في الأرْضِ؛ كالمالِ؛ والبَنِينَ؛ وهي الزِينَةُ الَّتِي فَضَّلَ الشَرْعَ عَلَيْها.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ والطَيِّباتِ مِنَ الرِزْقِ ﴾ ؛ قالَ الجُمْهُورُ: يُرِيدُ: اَلْمُحَلَّلاتِ؛ وقالَ الشافِعِيُّ وغَيْرُهُ: يُرِيدُ: اَلْمُسْتَلَذّاتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: إلّا أنَّ ذَلِكَ - ولا بُدَّ - يُشْتَرَطُ فِيهِ أنْ يَكُونَ مِنَ الحَلالِ؛ وإنَّما قادَ الشافِعِيَّ إلى هَذا تَحْرِيمُهُ المُسْتَقْذَراتِ؛ كالوَزَغِ؛ وغَيْرِها؛ فَإنَّهُ يَقُولُ: هي مِنَ الخَبائِثِ؛ مُحَرَّمَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ .

قَرَأ نافِعٌ ؛ وحْدَهُ: "خالِصَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ والباقُونَ: "خالِصَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ والآيَةُ تُتَأوَّلُ عَلى مَعْنَيَيْنِ.

أحَدُهُما: أنْ يُخْبِرَ أنَّ هَذِهِ الطَيِّباتِ المَوْجُوداتِ في الدُنْيا هي خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ في الدُنْيا؛ وخُلُوصُها أنَّهم لا يُعاقَبُونَ عَلَيْها؛ ولا يُعَذَّبُونَ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فِي الحَياةِ الدُنْيا ﴾ ؛ مُتَعَلِّقٌ بِـ "آمَنُوا"؛ وإلى هَذا يُشِيرُ تَفْسِيرُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ؛ فَإنَّهُ قالَ: "قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُنْيا؛ يَنْتَفِعُونَ بِها في الدُنْيا؛ ولا يَتْبَعُهم إثْمُها"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "خالِصَةً"؛ ﴾ بِالرَفْعِ؛ خَبَرُ "هِيَ"؛ و"لِلَّذِينَ"؛ تَبْيِينٌ لِلْخُلُوصِ؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "خالِصَةٌ"؛ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ؛ و"يَوْمَ القِيامَةِ"؛ يُرِيدُ بِهِ وقْتَ الحِسابِ؛ وقَرَأ قَتادَةُ والكِسائِيِّ: "قُلْ هي لِمَن آمَنَ في الحَياةِ الدُنْيا".

والمَعْنى الثانِي: هو أنْ يُخْبِرَ أنَّ هَذِهِ الطَيِّباتِ المَوْجُوداتِ؛ هي في الحَياةِ الدُنْيا لِلَّذِينِ آمَنُوا؛ وإنْ كانَتْ أيْضًا لِغَيْرِهِمْ مَعَهُمْ؛ وهي يَوْمَ القِيامَةِ خالِصَةٌ لَهُمْ؛ أيْ لا يُشارِكُهم أحَدٌ في اسْتِعْمالِها في الآخِرَةِ؛ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ والضَحّاكِ ؛ والحَسَنِ ؛ وقَتادَةَ ؛ والسُدِّيِّ ؛ وابْنِ جُرَيْجٍ ؛ وابْنِ زَيْدٍ ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فِي الحَياةِ الدُنْيا ﴾ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - مُتَعَلِّقٌ بِالمَحْذُوفِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ؛ كَأنَّهُ قالَ: "هِيَ خالِصَةٌ - أو ثابِتَةٌ - في الحَياةِ الدُنْيا لِلَّذِينِ آمَنُوا"؛ و"خالِصَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ؛ أو خَبَرُ ابْتِداءٍ مُقَدَّرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: وهي خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ؛ و"يَوْمَ القِيامَةِ"؛ يُرادُ بِهِ اسْتِمْرارُ الكَوْنِ في الجَنَّةِ؛ وأمّا مَن نَصَبَ "خالِصَةً"؛ فَعَلى الحالِ مِنَ الذِكْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ؛ والتَقْدِيرُ: "هِيَ ثابِتَةٌ - أو مُسْتَقِرَّةٌ - لِلَّذِينِ آمَنُوا؛ في حال خُلُوصٍ لَهُمْ"؛ والعامِلُ فِيها ما في اللامِ مِن مَعْنى الفِعْلِ؛ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ لِلَّذِينَ  ﴾ ؛ وقالَ أبُو عَلِيٍّ في "اَلْحُجَّةُ": ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فِي الحَياةِ الدُنْيا ﴾ ؛ بِقَوْلِهِ: "حَرَّمَ"؛ ولا يَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ "زِينَةَ" لِأنَّها مَصْدَرٌ قَدْ وُصِفَ؛ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ أخْرَجَ لِعِبادِهِ ﴾ ؛ ويَجُوزُ ذَلِكَ وإنْ فُصِلَ بَيْنَ الصِلَةِ والمَوْصُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كَلامٌ يَشُدُّ القِصَّةَ؛ ولَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ مِنها جِدًّا؛ كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ والَّذِينَ كَسَبُوا السَيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ  ﴾ ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ  ﴾ ؛ مَعْطُوفٌ عَلى "كَسَبُوا"؛ داخِلٌ في الصِلَةِ؛ والتَعَلُّقُ بِـ "أخْرَجَ"؛ هو قَوْلُ الأخْفَشِ ؛ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ "والطَيِّباتِ"؛ ﴾ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ مِنَ الرِزْقِ ﴾ ؛ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ "آمَنُوا".

﴾ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا الأخِيرُ هو أصَحُّ الأقْوالِ؛ عَلى هَذا التَأْوِيلِ الأوَّلِ؛ فِيما رَتَّبْناهُ هُنا؛ وأمّا عَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ فَيُضْعِفُ مَعْنى الآيَةِ هَذِهِ المُتَعَلِّقاتُ الَّتِي ذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ ؛ وإنَّما يَظْهَرُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمَحْذُوفِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى "كَذَلِكَ"؛ تَقْدِيرُ الكَلامِ: أيْ: "كَما فَصَّلْنا هَذِهِ الأشْياءَ المُتَقَدِّمَةَ الذِكْرِ فَكَذَلِكَ؛ وعَلى تِلْكَ الصُورَةِ؛ نُفَصِّلُ الآياتِ - أيْ: "نُبَيِّنُ الأماراتِ؛ والعَلاماتِ؛ والهِداياتِ -؛ لِقَوْمٍ لَهم عِلْمٌ يَنْتَفِعُونَ بِهِ"؛ و"نُفَصِّلُ" مَعْناهُ: نُقَسِّمُ؛ ونُبَيِّنُ؛ لِأنَّ بَيانَ الأُمُورِ المُشَبَّهاتِ إنَّما هو في تَقْسِيمِها بِالفُصُولِ.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلْإِثْمَ وَٱلْبَغْىَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَـٰنًۭا وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٣٣ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌۭ ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ٣٤ يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌۭ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِى ۙ فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٣٥ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُوا۟ عَنْهَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ٣٦

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ ﴿ يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عنها أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ إنْكارُ ما حَرَّمَهُ الكُفّارُ بِآرائِهِمْ؛ أتْبَعَهُ ذِكْرُ ما حَرَّمَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وتَقْدِيرُهُ.

و"اَلْفَواحِشُ"؛ ما فَحُشَ وشَنُعَ؛ وأصْلُهُ مِنَ القُبْحِ في المَنظَرِ؛ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: وجِيدٍ كَجِيدِ الرِيمِ لَيْسَ بِفاحِشٍ ∗∗∗ إذا هي نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطَّلِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِيما ساءَ مِنَ الخُلُقِ؛ وألْفاظِ الحَرَجِ؛ والرَفَثِ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ: « "لَيْسَ بِفاحِشٍ"؛» في صِفَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ومِنهُ «قَوْلُهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِسَلَمَةَ بْنِ سَلامَةَ بْنِ وقْشٍ: "أفْحَشْتَ عَلى الرَجُلِ"؛» في حَدِيثِ السِيَرِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الحَزِينِ؛ في كُثَيِّرِ عَزَّةَ: قَصِيرُ القَمِيصِ فاحِشٌ عِنْدَ بَيْتِهِ ∗∗∗ ∗∗∗..................

وكَذَلِكَ اسْتُعْمِلَ فِيما شَنُعَ؛ وقَبُحَ في النُفُوسِ؛ والقُبْحُ؛ والحُسْنُ في المَعانِي إنَّما [يُتَلَقَّيانِ] مِن جِهَةِ الشَرْعِ؛ والفاحِشُ كَذَلِكَ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى - هُنا -: ﴿ الفَواحِشَ ﴾ ؛ إنَّما هو إشارَةٌ إلى ما نَصَّ الشَرْعُ عَلى تَحْرِيمِهِ في مَواضِعَ أُخَرَ؛ فَكُلُّ ما حَرَّمَهُ الشَرْعُ فَهو فاحِشٌ؛ وإنْ كانَ العَقْلُ لا يُنْكِرُهُ؛ كَلِباسِ الحَرِيرِ؛ والذَهَبِ لِلرِّجالِ؛ ونَحْوِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ﴾ ؛ يَجْمَعُ النَوْعَ كُلَّهُ؛ لِأنَّهُ تَقْسِيمٌ لا يَخْرُجُ عنهُ شَيْءٌ؛ وهو لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ الفَواحِشِ؛ وذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى تَخْصِيصِ ذَلِكَ؛ بِأنْ قالَ: ما ظَهَرَ: اَلطَّوّافُ عُرْيانًا؛ والبَواطِنُ: اَلزِّنا؛ وقِيلَ غَيْرُ هَذا؛ مِمّا يَأْتِي عَلى طَرِيقِ المِثالِ؛ و"ما"؛ بَدَلٌ مِن "اَلْفَواحِشَ"؛ وهو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ؛ ومَجْمُوعُ القِسْمَيْنِ يَأْتِي بَدَلَ الشَيْءِ مِنَ الشَيْءِ؛ وهو هو.

و"اَلْإثْمَ"؛ أيْضًا: لَفْظُهُ عامٌّ لِجَمِيعِ الأفْعالِ؛ والأقْوالِ؛ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِمُرْتَكِبِها إثْمٌ؛ هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: هي الخَمْرُ؛ واحْتُجَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِ الشاعِرِ: شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى طارَ عَقْلِي ∗∗∗ ∗∗∗...............

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ؛ ولَمْ تُعْنَ الشَرِيعَةُ لِتَحْرِيمِ الخَمْرِ إلّا بِالمَدِينَةِ؛ بَعْدَ أُحُدٍ؛ لِأنَّ جَماعَةً مِنَ الصَحابَةِ اصْطَحَبُوها يَوْمَ أُحُدٍ؛ وماتُوا شُهَداءَ وهي في أجْوافِهِمْ؛ وأيْضًا فَبَيْتُ الشِعْرِ يُقالُ: إنَّهُ مَصْنُوعٌ مُخْتَلَقٌ؛ وإنْ صَحَّ فَهو عَلى حَذْفٍ مُضافٍ؛ وكَأنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ - عَلى هَذا القَوْلِ - أنَّ تَحْرِيمَ الخَمْرِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ  ﴾ ؛ وهو في هَذِهِ الآيَةِ قَدْ حُرِّمَ؛ فَيَأْتِي مِن هَذا أنَّ الخَمْرَ إثْمٌ؛ والإثْمَ مُحَرَّمٌ؛ فالخَمْرُ مُحَرَّمَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَكِنْ لا يَصِحُّ هَذا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ "فِيهِما إثْمٌ"؛  ﴾ مُحْتَمَلٌ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّهُ يَلْحَقُ الخَمْرَ مِن فَسادِ العَقْلِ؛ والِافْتِراءِ؛ وقَتْلِ النَفْسِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ آثامٌ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "فِي الخَمْرِ هَذِهِ الآثامُ"؛ أيْ: هي بِسَبَبِها؛ ومَعَها؛ وهَذِهِ الأشْياءُ مُحَرَّمَةٌ؛ لا مَحالَةَ؛ وخَرَجَتِ الخَمْرُ مِنَ التَحْرِيمِ عَلى هَذا؛ ولَمْ يَتَرَتَّبِ القِياسُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ قائِلُ ما ذَكَرْناهُ؛ ويُعَضِّدُ هَذا أنّا وجَدْنا الصَحابَةَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ بَعْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ قُلْ فِيهِما إثْمٌ  ﴾ ؛ وفي بَعْضِ الأحادِيثِ: "فَتَرَكَها قَوْمٌ لِلْإثْمِ الَّذِي فِيها؛ وشَرِبَها قَوْمٌ لِلْمَنافِعِ؛ وإنَّما حُرِّمَتِ الخَمْرُ بِظَواهِرِ القُرْآنِ؛ ونُصُوصِ الأحادِيثِ؛ والإجْماعِ.

و"اَلْبَغْيُ": اَلتَّعَدِّي؛ وتَجاوُزُ الحَدِّ؛ كانَ الإنْسانُ مُبْتَدِيًا بِذَلِكَ أو مُنْتَصِرًا؛ فَإذا جاوَزَ الحَدَّ في الِانْتِصارِ فَهو باغٍ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ ؛ زِيادَةُ بَيانٍ؛ ولَيْسَ يُتَصَوَّرُ بَغْيٌ بِحَقٍّ؛ لِأنَّ ما كانَ بِحَقٍّ فَلا يُسَمّى "بَغْيًا".

﴿ وَأنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا ﴾ ؛ اَلْمُرادُ بِها الأصْنامُ؛ والأوثانُ؛ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ تَعالى ؛ والسُلْطانُ: اَلْبُرْهانُ؛ والحُجَّةُ.

﴿ وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ؛ مِن أنَّهُ حَرَّمَ البَحِيرَةَ؛ والسائِبَةَ؛ ونَحْوَهُما.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ؛ والتَهْدِيدَ؛ والمَعْنى: "وَلِكُلِّ أُمَّةٍ - أيْ: فِرْقَةٍ وجَماعَةٍ؛ وهي لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في (اَلْكَثِيرِ مِنَ الناسِ) - أجَلٌ مُؤَقَّتٌ؛ لِمَجِيءِ العَذابِ؛ إذا كَفَرُوا؛ وخالَفُوا أمْرَ رَبِّهِمْ؛ فَأنْتُمْ أيَّتُها الأُمَّةُ كَذَلِكَ"؛ قالَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "فَإذا جاءَ آجالُهُمْ"؛ بِالجَمْعِ؛ وهي قِراءَةُ ابْنِ سِيرِينَ ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّ لِكُلِّ إنْسانٍ أجَلًا؛ فَأمّا الإفْرادُ؛ فَلِأنَّهُ جِنْسٌ؛ وإضافَتُهُ إلى الجَماعَةِ حَسَّنَتِ الإفْرادَ؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: .......................

∗∗∗ ∗∗∗ في حَلْقِكم عَظْمٌ وقَدْ شَجِينا وقَوْلُهُ تَعالى "ساعَةً"؛ لَفْظٌ عُيِّنَ بِهِ الجُزْءُ القَلِيلُ مِنَ الزَمَنِ؛ والمُرادُ جَمِيعُ أجْزائِهِ؛ أيْ: لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً؛ ولا أقَلَّ مِنها؛ ولا أكْثَرَ؛ وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ  ﴾ ؛ فَإنَّما هي عِبارَةٌ يُقامُ الجُزْءُ فِيها مَقامَ الكُلِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهُ يَظْهَرُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ؛ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ويُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُّسَمًّى ؛ تَعارُضٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ تَقْتَضِي الوَعْدَ بِتَأْخِيرٍ إنْ آمَنُوا؛ والوَعِيدَ بِمُعاجَلَةٍ إنْ كَفَرُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والحَقُّ مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ؛ أنَّ كُلَّ أحَدٍ إنَّما هو بِأجَلٍ واحِدٍ؛ لا يَتَأخَّرُ عنهُ؛ ولا يَتَقَدَّمُ؛ وقَوْمُنُوحٍ كانَ مِنهم مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أنَّهُ يَكْفُرُ؛ فَيُعاجَلُ؛ وذَلِكَ هو أجَلُهُ المَحْتُومُ؛ ومِنهم مَن يُؤْمِنُ؛ فَيَتَأخَّرُ إلى أجَلِهِ المَحْتُومِ؛ وغُيِّبَ عن نُوحٍ تَعْيِينُ الطائِفَتَيْنِ؛ فَنَدَبَ الكُلَّ إلى طَرِيقِ النَجاةِ؛ وهو يَعْلَمُ أنَّ الطائِفَةَ إنَّما تُعاجَلُ؛ أو تُؤَخَّرُ بِأجَلِها؛ فَكَأنَّهُ يَقُولُ: "فَإنْ آمَنتُمْ عَلِمْنا أنَّكم مِمَّنْ قَضى اللهُ تَعالى لَهُ بِالإيمانِ؛ والأجَلِ المُؤَخَّرِ؛ وإنْ كَفَرْتُمْ عَلِمْنا أنَّكم مِمَّنْ قُضِيَ لَهُ بِالأجَلِ المُعَجَّلِ؛ والكُفْرِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا الحَدِّ هو دُعاءُ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ؛ وقَدْ عَلِمَ أنَّ مِنهم مَن يَكْفُرُ فَيَدْخُلُ النارَ؛ وكَذَلِكَ هو أمْرُ الأسِيرِ؛ يُقالُ لَهُ: "إمّا أنْ تُؤْمِنَ فَتُتْرَكَ؛ وإلّا قُتِلْتَ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ يا بَنِي آدَمَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ و"إنْ"؛ الشَرْطِيَّةُ دَخَلَتْ عَلَيْها "ما"؛ مُؤَكِّدَةً؛ ولِذَلِكَ جازَ دُخُولُ النُونِ الثَقِيلَةِ عَلى الفِعْلِ؛ وإذا لَمْ تَكُنْ "ما"؛ لَمْ يَجُزْ دُخُولُ النُونِ الثَقِيلَةِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؛ والأعْرَجُ: "تَأْتِيَنَّكُمْ"؛ عَلى لَفْظِ الرُسُلِ؛ وجاءَ "يَقُصُّونَ"؛ عَلى المَعْنى؛ وكانَ هَذا الخِطابُ لِجَمِيعِ الأُمَمِ؛ قَدِيمِها وحَدِيثِها؛ هو مُتَمَكِّنٌ لَهُمْ؛ ومُتَحَصَّلٌ مِنهُ لِحاضِرِي مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنَّ هَذا حُكْمُ اللهِ تَعالى في العالَمِ؛ مُنْذُ أنْشَأهُ؛ و"يَأْتِيَنَّكُمْ"؛ مُسْتَقْبَلٌ وُضِعَ مَوْضِعَ ماضٍ؛ لِيُفْهَمَ أنَّ الإتْيانَ باقٍ وقْتَ الخِطابِ؛ لِتَقْوى الإشارَةُ بِصِحَّةِ النُبُوَّةِ إلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهَذا عَلى مُراعاةِ وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ؛ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى أبِي سَيّارٍ السُلَمِيِّ قالَ: إنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وذُرِّيَّتَهُ في كَفِّهِ؛ فَقالَ: ﴿ يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ: ثُمَّ نَظَرَ إلى الرُسُلِ؛ فَقالَ: ﴿ يا أيُّها الرُسُلُ كُلُوا مِنَ الطَيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ  ﴾ ﴿ وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ  ﴾ ؛ ثُمَّ بَثَّهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا مَحالَةَ أنَّ هَذِهِ المُخاطَبَةَ في الأزَلِ؛ وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِالرُسُلِ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: مِن حَيْثُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ؛ فَكَأنَّ المُخاطَبِينَ هُمُ المُرادُ بِبَنِي آدَمَ؛ لا غَيْرُ؛ إذْ غَيْرُهم لَمْ يَنَلْهُ الخِطابُ؛ ذَكَرَهُ النَقّاشُ ؛ و"يَقُصُّونَ"؛ مَعْناهُ: يَسْرُدُونَ؛ ويُورِدُونَ؛ و"اَلْآياتُ"؛ لَفْظٌ جامِعٌ لِآياتِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ ولِلْعَلاماتِ الَّتِي تَقْتَرِنُ بِالأنْبِياءِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ ﴾ ؛ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مَن"؛ شَرْطِيَّةً؛ وجَوابُهُ: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ؛ وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي في جَوابِ الشَرْطِ الأوَّلِ الَّذِي هُوَ: "إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مَن"؛ في قَوْلِهِ: ﴿ فَمَنِ اتَّقى ﴾ ؛ مَوْصُولَةً؛ وكَأنَّهُ قَصَدَ بِالكَلامِ تَقْسِيمَ الناسِ؛ فَجَعَلَ القِسْمَ الأوَّلَ ﴿ فَمَنِ اتَّقى ﴾ ؛ والقِسْمَ الثانِي: ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ ؛ وجاءَ هَذا التَقْسِيمُ بِجُمْلَتِهِ جَوابًا لِلشَّرْطِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "إنْ أتَتْكم رُسُلٌ فالمُتَّقُونَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ؛ والمُكَذِّبُونَ أصْحابُ النارِ"؛ أيْ: هَذا هو الثَمَرَةُ وفائِدَةُ الرِسالَةِ.

﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا  ﴾ ؛ أيْ: لَيْسَ ثَمَّ نَفْعٌ لِلْمُفْتَرِي؛ ولا غَرَضٌ دُنْيَوِيٌّ؛ فالآيَةٌ تَبْرِيَةٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ الِافْتِراءِ؛ وتَوْبِيخٌ لِلْمُفْتَرِينَ مِنَ الكُفّارِ؛ و"لا"؛ في قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: "فَلا خَوْفٌ"؛ بِمَعْنى "لَيْسَ".

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "فَلا خَوْفُ"؛ دُونَ تَنْوِينٍ؛ ووَجْهُهُ: إمّا أنْ يُحْذَفَ التَنْوِينُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ؛ وإمّا حَمْلًا عَلى حَذْفِهِ مَعَ "لا"؛ وهي تَبْرِيَةٌ ناصِبَةٌ؛ تُشَبِّهُ حالَةَ الرَفْعِ في البِناءِ بِحالَةِ النَصْبِ؛ وقِيلَ: إنَّ المُرادَ: "فَلا الخَوْفُ"؛ ثُمَّ حُذِفَتِ الألِفُ؛ واللامُ؛ وبَقِيَتِ الفاءُ عَلى حالِها؛ لِتَدُلَّ عَلى المَحْذُوفِ؛ ونَفْيُ الخَوْفِ والحُزْنِ يَعُمُّ جَمِيعَ أنْواعِ مَكارِهِ النَفْسِ؛ وأنْكارِها؛ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الخَوْفُ لِما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الأُمُورِ؛ والحُزْنُ لِما مَضى.

﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا ﴾ ؛ [هاتانِ حالَتانِ تَعُمّانِ] جَمِيعَ مَن يَصُدُّ عن رِسالَةِ الرَسُولِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ إمّا أنْ يُكَذِّبَ بِحَسَبِ اعْتِقادِهِ؛ وإمّا أنْ يَسْتَكْبِرَ؛ فَيُكَذِّبَ وإنْ كانَ غَيْرَ مُصَمِّمٍ في اعْتِقادِهِ عَلى التَكْذِيبِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا نَحْوُ الكُفْرِ عِنادًا.

<div class="verse-tafsir"

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِهِۦٓ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوٓا۟ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالُوا۟ ضَلُّوا۟ عَنَّا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰفِرِينَ ٣٧

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهم قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنَ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ ﴾ هَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ واسْتِفْهامٍ؛ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ؛ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ؛ و"اِفْتَرى"؛ مَعْناهُ: اِخْتَلَقَ؛ وهَذِهِ - وإنْ كانَتْ مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها؛ أيْ: "كَيْفَ يَجْعَلُونَ الرُسُلَ مُفْتَرِينَ؟

ولا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى؛ ولا حَظَّ لِلرُّسُلِ إلّا أنْ يُرْحَمَ مَنِ اهْتَدى؛ ويُعَذَّبَ مَن كَفَرَ" - فَهي أيْضًا مُشِيرَةٌ بِالمَعْنى إلى كُلِّ مُفْتَرٍ؛ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الَّذِينَ قالُوا: ﴿ واللهُ أمَرَنا بِها  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أو كَذَّبَ بِآياتِهِ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ الكَفَرَةِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ مِنَ الكِتابِ ﴾ ؛ قالَ الحَسَنُ؛ والسُدِّيُّ ؛ وأبُو صالِحٍ: مَعْناهُ: مِنَ المُقَرَّرِ في اللَوْحِ المَحْفُوظِ؛ فالكِتابُ عِبارَةٌ عَنِ اللَوْحِ المَحْفُوظِ؛ وقَدْ تَقَرَّرَ في الشَرْعِ أنَّ حَظَّهم فِيهِ العَذابُ؛ والسُخْطُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ ومُجاهِدٌ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿ مِنَ الكِتابِ ﴾ ؛ يُرِيدُ: مِنَ الشَقاءِ؛ والسَعادَةِ الَّتِي كُتِبَتْ لَهُ عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ الحَدِيثُ المَشْهُورُ الَّذِي يَتَضَمَّنُ أنَّ المَلَكَ يَأْتِي إذا خُلِقَ الجَنِينَ في الرَحِمِ؛ فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ؛ وأجَلَهُ؛ وشَقِيٌّ أو سَعِيدٌ ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا؛ ومُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ: اَلْكِتابِ يُرادُ بِهِ الَّذِي تَكْتُبُهُ المَلائِكَةُ مِن أعْمالِ الخَلِيقَةِ؛ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ؛ فَيَنالُ هَؤُلاءِ نَصِيبَهم مِن ذَلِكَ؛ وهو الكُفْرُ؛ والمَعاصِي؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ ومُجاهِدٌ ؛ والضَحّاكُ: "مِنَ الكِتابِ"؛ يُرادُ بِهِ: "مِنَ القُرْآنِ"؛ وحَظُّهم فِيهِ أنَّ وُجُوهَهم تُسَوَّدُ يَوْمَ القِيامَةِ"؛ وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ؛ وابْنُ زَيْدٍ: اَلْمَعْنِيُّ بِالنَصِيبِ: ما سَبَقَ لَهم في أُمِّ الكِتابِ؛ مِن رِزْقٍ؛ وعُمْرٍ ؛ وخَيْرٍ؛ وشَرٍّ؛ في الدُنْيا؛ ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا؛ واحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا ﴾ ؛ أيْ: "عِنْدَ انْقِضاءِ ذَلِكَ"؛ فَكانَ مَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ: "أُولَئِكَ يَتَمَتَّعُونَ؛ ويَتَصَرَّفُونَ مِنَ الدُنْيا؛ بِقَدْرِ ما كُتِبَ لَهُمْ؛ حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا لِمَوْتِهِمْ..."؛ وهَذا تَأْوِيلُ جَماعَةٍ في مَجِيءِ الرُسُلِ لِلتَّوَفِّي؛ وعَلى هَذا يَتَرَتَّبُ تَرْجِيحُ الطَبَرِيِّ الَّذِي تَقَدَّمَ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "رُسُلُنا"؛ يُرِيدُ بِهِمْ: مَلائِكَةَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ و"يَتَوَفَّوْنَهُمْ"؛ مَعْناهُ: "يَسْتَوْفُونَهم عَدَدًا؛ في السَوْقِ إلى جَهَنَّمَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَتَرَتَّبُ هَذا التَأْوِيلُ مَعَ التَأْوِيلاتِ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ ﴾ ؛ لِأنَّ النَصِيبَ عَلى تِلْكَ التَأْوِيلاتِ إنَّما يَنالُهم في الآخِرَةِ؛ وقَدْ قُضِيَ مَجِيءُ رُسُلِ المَوْتِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ الرُسُلِ: ﴿ أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ ﴾ ؛ اِسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ؛ وتَوْبِيخٍ؛ وتَوْقِيفٍ عَلى خِزْيٍ؛ وهو إشارَةٌ إلى الأصْنامِ؛ والأوثانِ؛ وكُلِّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ تَعالى ؛ و"تَدْعُونَ"؛ مَعْناهُ: "تَعْبُدُونَ؛ وتُؤَمِّلُونَ"؛ وقَوْلُهُمْ: "ضَلُّوا"؛ مَعْناهُ: هَلَكُوا؛ وتَلَفُوا؛ وفُقِدُوا؛ ثُمَّ ابْتَدَأ الخَبَرَ عَنِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ ﴾ ؛ وهَذِهِ الآيَةُ؛ وما شاكَلَها؛ تُعارِضُ في الظاهِرِ قَوْلَهُ تَعالى حِكايَةً عنهُمْ: ﴿ واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ؛ واجْتِماعُهُما إمّا أنْ يَكُونَ في طَوائِفَ مُخْتَلِفَةٍ؛ أو في أوقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ يَقُولُونَ في حالِ كَذا؛ وحالِ كَذا.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ ٱدْخُلُوا۟ فِىٓ أُمَمٍۢ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ فِى ٱلنَّارِ ۖ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌۭ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُوا۟ فِيهَا جَمِيعًۭا قَالَتْ أُخْرَىٰهُمْ لِأُولَىٰهُمْ رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمْ عَذَابًۭا ضِعْفًۭا مِّنَ ٱلنَّارِ ۖ قَالَ لِكُلٍّۢ ضِعْفٌۭ وَلَـٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ ٣٨ وَقَالَتْ أُولَىٰهُمْ لِأُخْرَىٰهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۢ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ٣٩

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِن الجِنِّ والإنْسِ في النارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِن النارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَقالَتْ أُولاهم لأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ هَذِهِ حِكايَةُ ما يَقُولُ اللهُ تَعالى لَهم يَوْمَ القِيامَةِ؛ بِوَساطَةِ مَلائِكَةِ العَذابِ؛ وعَبَّرَ عن "يَقُولُ"؛ بِـ "قالَ"؛ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِ ذَلِكَ؛ وصِدْقِ القِصَّةِ؛ وهَذا كَثِيرٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "فِي أُمَمٍ"؛ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "اُدْخُلُوا"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "كائِنِينَ - أو: "ثابِتِينَ" - في أُمَمٍ..."؛ فَيَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "اُدْخُلُوا"؛ وَقِيلَ: "فِي"؛ بِمَعْنى "مَعَ"؛ وقِيلَ: هي عَلى بابِها؛ وهو أصْوَبُ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "قَدْ خَلَتْ"؛ ﴾ صِفَةٌ لِـ "أُمَمٍ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "فِي النارِ"؛ ﴾ يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِـ "اُدْخُلُوا"؛ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ "أُمَمٍ"؛ أيْ: في أُمَمٍ ثابِتَةٍ؛ أو مُسْتَقِرَّةٍ؛ ويَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِالذِكْرِ الَّذِي في "خَلَتْ"؛ ومَعْنى ﴿ "قَدْ خَلَتْ"؛ ﴾ عَلى هَذا التَعَلُّقِ؛ أيْ: "قَدْ تَقَدَّمَتْ؛ ومَضى عَلَيْها الزَمَنُ؛ وعَرَفَها فِيما تَطاوَلَ مِنَ الآبادِ"؛ وقَدْ تُسْتَعْمَلُ وإنْ لَمْ يَطُلِ الوَقْتُ؛ إذْ أصْلُها فِيمَن ماتَ مِنَ الناسِ؛ أيْ: "صارُوا إلى خَلاءٍ مِنَ الأرْضِ"؛ وعَلى التَعْلِيقَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِقَوْلِهِ: ﴿ "فِي النارِ"؛ ﴾ فَإنَّما "خَلَتْ"؛ حِكايَةٌ عن حالِ الدُنْيا؛ أيْ: "اُدْخُلُوا في النارِ؛ في جُمْلَةِ الأُمَمِ السالِفَةِ لَكم في الدُنْيا؛ الكافِرَةِ"؛ وقَدَّمَ ذِكْرَ "اَلْجِنِّ"؛ لِأنَّهم أعْرَقُ في الكُفْرِ؛ وإبْلِيسُ أصْلُ الضَلالِ؛ والإغْواءِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في أنَّ كَفَرَةَ الجِنِّ في النارِ؛ والَّذِي يَقْتَضِيهِ النَظَرُ أنَّ مُؤْمِنِيهِمْ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهم عُقَلاءُ؛ مُكَلَّفُونَ؛ مَبْعُوثٌ إلَيْهِمْ؛ آمَنُوا؛ وصَدَّقُوا؛ وقَدْ بَوَّبَ البُخارِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ -: "بابٌ في ذِكْرِ الجِنِّ وثَوابِهِمْ وعِقابِهِمْ"؛ وذَكَرَ عَبْدُ الجَلِيلِ أنَّ مُؤْمِنِي الجِنِّ يَكُونُونَ تُرابًا؛ كالبَهائِمِ؛ وذَكَرَ في ذَلِكَ حَدِيثًا مَجْهُولًا؛ وما أراهُ يَصِحُّ؛ واللهُ تَعالى أعْلَمُ.

والأُخُوَّةُ في هَذِهِ الآيَةِ أُخُوَّةُ المِلَّةِ والشَرِيعَةِ؛ قالَ السُدِّيُّ: يَتَلاعَنُ آخِرُها؛ وأوَّلُها؛ ﴿ "ادّارَكُوا"؛ ﴾ مَعْناهُ: تَلاحَقُوا؛ ووَزْنُهُ "تَفاعَلُوا"؛ أصْلُهُ: "تَدارَكُوا"؛ أُدْغِمَ؛ فَجُلِبَتْ ألِفُ الوَصْلِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو "اِدّارَكُوا"؛ بِقَطْعِ ألِفِ الوَصْلِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا مُشْكِلٌ؛ ولا يَسُوغُ أنْ يَقْطَعَها ارْتِجالًا؛ فَذَلِكَ إنَّما يَجِيءُ شاذًّا في ضَرُورَةِ الشِعْرِ؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ بِقَطْعِ الألِفِ؛ وسُكُونِ الدالِ "اِدْرَكُوا"؛ بِفَتْحِ الراءِ؛ وبِحَذْفِ الألِفِ بَعْدَ الدالِ؛ بِمَعْنى: "أدْرَكَ بَعْضُهم بَعْضًا"؛ وقَرَأحُمَيْدٌ: "أُدْرِكُوا"؛ بِضَمِّ الهَمْزَةِ؛ وكَسْرِ الراءِ؛ أيْ: "أُدْخِلُوا في إدْراكِها"؛ وقالَ مَكِّيٌّ ؛ في قِراءَةِ مُجاهِدٍ: إنَّها "اِدَّرَكُوا"؛ بِشَدِّ الدالِ؛ المَفْتُوحَةِ؛ وفَتْحِ الراءِ؛ قالَ: وأصْلُهُ: "إدْتَرَكُوا"؛ ووَزْنُها "اِفْتَعَلُوا"؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والأعْمَشُ: "تَدارَكُوا"؛ ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "حَتّى إذا ادّارَكُوا"؛ [وَقُرِئَ] بِحَذْفِ ألِفِ "إذا"؛ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قالَتْ أُخْراهم لأُولاهُمْ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "قالَتِ الأُمَّةُ الأخِيرَةُ؛ الَّتِي وجَدَتْ ضَلالاتٍ مُقَرَّرَةً؛ وسُنَنًا كاذِبَةً مُسْتَعْمَلَةً لِلْأُولى الَّتِي شَرَعَتْ ذَلِكَ؛ وافْتَرَتْ عَلى اللهِ تَعالى ؛ وسَلَكَتْ سَبِيلَ الضَلالِ ابْتِداءً: رَبَّنا هَؤُلاءِ طَرَقُوا طُرُقَ الضَلالِ وسَبَّبُوا ضَلالَنا؛ فَآتِهِمْ عَذابًا مُضاعَفًا - أيْ: ثانِيًا؛ زائِدًا عَلى عَذابِنا - إذْ هم كافِرُونَ؛ ومُسَبِّبُونَ لِكُفْرِنا"؛ وتَقُولُ: "ضاعَفْتُ كَذا"؛ إذا جَعَلْتَهُ مِثْلَ الأوَّلِ؛ واللامُ في قَوْلِهِ: ﴿ "لأُولاهُمْ"؛ ﴾ كَأنَّها لامُ سَبَبٍ؛ إذِ القَوْلُ إنَّما هو لِلرَّبِّ تَعالى ؛ ثُمَّ قالَ - عَزَّ وجَلَّ - مُخْبِرًا لَهُمْ: ﴿ "لِكُلٍّ ضِعْفٌ"؛ ﴾ أيْ: "اَلْعَذابُ مُشَدَّدٌ عَلى الأوَّلِ والآخِرِ"؛ ﴿ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ؛ أيْ: اَلْمَقادِيرَ؛ وصُوَرَ التَضْعِيفِ؛ وهَذا رَدٌّ لِكَلامِ هَؤُلاءِ؛ إذْ لَيْسَ لَهم كَرامَةٌ فَيَظْهَرَ إسْعافُهم.

وأمّا المَعْنى الَّذِي دَعَوْا فِيهِ؛ فَظاهِرُ حَدِيثِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ حاصِلٌ؛ وأنَّ كُلَّ مَن سَنَّ كُفْرًا؛ أو مَعْصِيَةً؛ فَعَلَيْهِ كِفْلٌ مِن جِهَةِ كُلِّ مَن عَمِلَ بِذَلِكَ بَعْدَهُ؛ ومِنهُ حَدِيثُ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ قالَ: « "ما مِن داعٍ دَعا إلى ضَلالَةٍ إلّا كانَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ ووِزْرُ مَنِ اتَّبَعَهُ؛ لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِن أوزارِهِمْ شَيْئًا..."؛» اَلْحَدِيثَ؛ ذَكَرَهُ اللَيْثُ بْنُ سَعْدٍ ؛ مِن آخِرِ الجُزْءِ الرابِعِ مِن حَدِيثِهِ؛ وذَكَرَهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ غَيْرَ مُسْنَدٍ؛ مُوصَلٍ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "ما تُقْتَلُ نَسْمَةٌ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنها"؛» أما إنَّ هَؤُلاءِ عَيَّنُوا في دُعائِهِمُ الضِعْفَ؛ وقَدْ يَكُونُ الكِفْلُ أقَلَّ؛ أو أكْثَرَ؛ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الضِعْفَ؛ هَهُنا: اَلْأفاعِي والحَيّاتُ.

وقَرَأ جَمِيعُ السَبْعَةِ؛ غَيْرَ عاصِمٍ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ"؛ بِالتاءِ؛ ويَحْتَمِلُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةً لِهَذِهِ الأُمَّةِ الأخِيرَةِ؛ مُتَّصِلَةً بِقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى - لَهُمْ: "لِكُلٍّ ضِعْفٌ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةً لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وأُمَّتِهِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ"؛ ورَوى حَفْصٌ عن عاصِمٍ مِثْلَ قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وإخْبارٌ عَنِ الأُمَّةِ الأخِيرَةِ الَّتِي طَلَبَتْ أنْ يُشَدَّدَ العَذابُ عَلى أُولاها؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الطائِفَتَيْنِ؛ حَمْلًا عَلى لَفْظَةِ "كُلٍّ"؛ أيْ: "لا يَعْلَمُ أحَدٌ مِنهم قَدْرَ ما أُعِدَّ لَهم مِن عَذابِ اللهِ تَعالى ".

وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَقالَتْ أُولاهم لأُخْراهُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المَعْنى: "وَقالَتِ الأُمَّةُ الأُولى المُبْتَدِعَةُ؛ لِلْأُمَّةِ الأخِيرَةِ المُتَّبِعَةِ: أنْتُمْ لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا؛ ولَمْ تَزْدَجِرُوا حِينَ جاءَتْكُمُ النُذُرُ؛ والرُسُلُ؛ بَلْ دُمْتُمْ في كُفْرِكُمْ؛ وتَرَكْتُمُ النَظَرَ؛ واسْتَوَتْ حالُنا وحالُكُمْ؛ فَذُوقُوا العَذابَ بِاجْتِرامِكُمْ"؛ هَذا قَوْلُ السُدِّيِّ ؛ وأبِي مِجْلَزٍ؛ وغَيْرِهِما؛ فَقَوْلُهُ "فَذُوقُوا" - عَلى هَذا - مِن كَلامِ الأُمَّةِ المُتَقَدِّمَةِ لِلْأُمَّةِ المُتَأخِّرَةِ؛ وقِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿ "فَذُوقُوا"؛ ﴾ هو مِن كَلامِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِجَمِيعِهِمْ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: ومَعْنى قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ "مِن فَضْلٍ"؛ ﴾ أيْ مِنَ التَخْفِيفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: مَعْناهُ أنَّهُ لَمّا قالَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ "لِكُلٍّ ضِعْفٌ"؛ ﴾ قالَ الأوَّلُونَ لِلْآخِرِينَ: لَمْ تَبْلُغُوا أمَلًا في أنْ يَكُونَ عَذابُكم أخَفَّ مِن عَذابِنا؛ ولا فُضِّلْتُمْ بِالإسْعافِ؛ والنَصِّ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُوا۟ عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمِّ ٱلْخِيَاطِ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُجْرِمِينَ ٤٠ لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌۭ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍۢ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ ٤١ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ٤٢

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عنها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَماءِ ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ وكَذَلِكَ نَجْزِي الظالِمِينَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ الكَفَرَةِ؛ قَدِيمِهِمْ وحَدِيثِهِمْ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ: ﴿ "لا تُفَتَّحُ"؛ ﴾ بِضَمِّ التاءِ الأُولى؛ وتَشْدِيدِ الثانِيَةِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "تُفْتَحُ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ وسُكُونِ الفاءِ؛ وتَخْفِيفِ الثانِيَةِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يُفْتَحُ"؛ بِالياءِ مِن أسْفَلُ؛ وتَخْفِيفِ التاءِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ؛ وأبُو إبْراهِيمَ "يُفَتَّحُ"؛ بِالياءِ؛ وفَتْحِ الفاءِ؛ وشَدِّ التاءِ؛ ومَعْنى الآيَةِ: "لا يَرْتَفِعُ لَهم عَمَلٌ؛ ولا رُوحٌ؛ ولا دُعاءٌ"؛ فَهي عامَّةٌ في نَفْيِ ما يُوجَبُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِاللهِ تَعالى ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرُهُ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في كَيْفِيَّةِ قَبْضِ رُوحِ المُؤْمِنِ؛ والكافِرِ آثارًا؛ اخْتَصَرْتُها؛ إذْ لَيْسَتْ بِلازِمَةٍ في الآيَةِ؛ ولِلِينِ أسانِيدِها أيْضًا.

ثُمَّ نَفى اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - عنهم دُخُولَ الجَنَّةِ؛ وعَلَّقَ كَوْنَهُ بِكَوْنٍ مُحالٍ؛ لا يَكُونُ؛ وهو أنْ يَدْخُلَ الجَمَلُ في ثُقْبِ الإبْرَةِ؛ حَيْثُ يَدْخُلُ الخَيْطُ؛ والجَمَلُ كَما عُهِدَ؛ والسَمُّ كَما عُهِدَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ المُسْلِمِينَ: "اَلْجَمَلُ"؛ واحِدُ الجِمالِ؛ وقالَ الحَسَنُ: هو الجَمَلُ الَّذِي يَقُومُ بِالمِرْبَدِ؛ ومَرَّةً لَمّا أكْثَرُوا عَلَيْهِ قالَ: هو الأشْتَرُ ؛ وهو "اَلْجَمَلُ"؛ بِالفارِسِيَّةِ؛ ومَرَّةً قالَ: هو الجَمَلُ ولَدُ الناقَةِ؛ وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ عِبارَةٌ تَدُلُّ عَلى حَرَجِ السائِلِ؛ لِارْتِيابِ السائِلِينَ لا شَكَّ بِاللَفْظَةِ؛ مِن أجْلِ القِراءاتِ المُخْتَلِفَةِ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ ؛ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: "حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ الأصْفَرُ"؛ وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "اَلْجَمْلُ"؛ بِسُكُونِ المِيمِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ والشَعْبِيُّ ؛ ومالِكُ بْنُ الشِخِّيرِ؛ وأبُو رَجاءٍ: "اَلْجُمَّلُ"؛ بِضَمِّ الجِيمِ؛ وتَشْدِيدِ المِيمِ؛ وهو حَبْلُ السَفِينَةِ؛ وقَرَأ سالِمٌ الأفْطَسُ؛ وابْنُ خَيْرٍ؛ وابْنُ عامِرٍ أيْضًا: "اَلْجُمَلُ"؛ بِتَخْفِيفِ المِيمِ؛ مِن "اَلْجُمَّلُ"؛ وقالُوا: هو حَبْلُ السُفُنِ؛ ورَوى الكِسائِيُّ أنَّ الَّذِي رَوى تَثْقِيلَ المِيمِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - كانَ أعْجَمِيًّا؛ فَشَدَّدَ المِيمَ؛ لِعُجْمَتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِكَثْرَةِ أصْحابِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - عَلى القِراءَةِ المَذْكُورَةِ؛ وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ فِيما رُوِيَ عنهُ: "اَلْجُمْلُ"؛ بِضَمِّ الجِيمِ؛ وسُكُونِ المِيمِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "اَلْجُمُلُ"؛ بِضَمِّ الجِيمِ؛ والمِيمِ.

و"اَلسَّمُّ": اَلثُّقْبُ مِنَ الإبْرَةِ وغَيْرِها؛ يُقالُ "سَمٌّ"؛ و"سُمٌّ"؛ بِفَتْحِ السِينِ؛ وكَسْرِها؛ وضَمِّها؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ السِينِ؛ وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ بِضَمِّها؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِضَمِّها وبِكَسْرِها؛ ورُوِيَ عنهُ الوَجْهانِ؛ و"اَلْخِياطُ"؛ و"اَلْمِخْيَطُ": اَلْإبْرَةُ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فِي سَمِّ المِخْيَطِ"؛ بِكَسْرِ المِيمِ؛ وسُكُونِ الخاءِ؛ وفَتْحِ الياءِ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ: "فِي سَمِّ المَخْيَطِ"؛ بِفَتْحِ المِيمِ؛ وكَذَلِكَ أُبَيٌّ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ؛ وبِمِثْلِ هَذا الحَتْمِ وغَيْرِهِ يُجْزى الكَفَرَةُ؛ وأهْلُ الجَرائِمِ عَلى اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ﴾ ؛ اَلْمَعْنى أنَّ جَهَنَّمَ فِراشٌ لَهُمْ؛ ومَسْكَنٌ؛ ومَضْجَعٌ يَتَمَهَّدُونَهُ؛ وهي لَهم غَواشٍ؛ جَمْعُ "غاشِيَةٌ"؛ وهي ما يُغْشِي الإنْسانَ؛ أيْ يُغَطِّيهِ ويَسْتُرُهُ مِن جِهَةِ فَوْقَ؛ قالَ الضَحّاكُ: "اَلْمِهادُ": اَلْفِراشُ؛ و"اَلْغَواشِي": اَللُّحُفُ؛ ودَخَلَ التَنْوِينُ في "غَواشٍ"؛ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لِنُقْصانِهِ عن بِناءِ "مَفاعِلُ"؛ فَلَمّا زالَ البِناءُ المانِعُ مِنَ الصَرْفِ بِأنْ حُذِفَتِ الياءُ حَذْفًا؛ لا لِلِالتِقاءِ؛ بَلْ كَما حُذِفَتْ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ واللَيْلِ إذا يَسْرِ  ﴾ ؛ و ﴿ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ  ﴾ ؛ ومِن قَوْلِ الشاعِرِ: ..................................

ثُمَّ لا يَفْرِ زالَ الِامْتِناعُ؛ وهَذا كَقَوْلِهِمْ: "ذُلْذُلٌ"؛ بِالتَنْوِينِ؛ وهم يُرِيدُونَ "اَلذَّلاذِلُ"؛ لَمّا زالَ البِناءُ؛ قالَ الزَجّاجُ: والتَنْوِينُ في "غَواشٍ"؛ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ عِوَضٌ مِنَ الياءِ المَنقُوصَةِ؛ ورَدَّ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ هَذا هو مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ ؛ ويَجُوزُ الوُقُوفُ بِياءٍ؛ وبِغَيْرِ ياءٍ؛ والِاخْتِيارُ بِغَيْرِ ياءٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذِهِ آيَةُ وعْدٍ مُخْبِرَةٌ أنَّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ هم أصْحابُ الجَنَّةِ؛ ولَهُمُ الخُلْدُ فِيها؛ ثُمَّ اعْتَرَضَ أثْناءَ القَوْلِ بِعَقِبِ الصِفَةِ؛ الَّتِي شَرَطَها في المُؤْمِنِينَ بِاعْتِراضٍ يُخَفِّفُ الشَرْطَ ويُرَجِّي في رَحْمَةِ اللهِ تَعالى ؛ ويُعْلِمُ أنَّ دِينَهُ يُسْرٌ.

وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في أنَّ الشَرِيعَةَ لا يَتَقَرَّرُ مِن تَكالِيفِها شَيْءٌ لا يُطاقُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِي جَوازِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ؛ وفي وُقُوعِهِ؛ بِمُغْنٍ عَنِ الإعادَةِ.

و"اَلْوُسْعُ"؛ مَعْناهُ: اَلطّاقَةُ؛ وهو القَدْرُ الَّذِي يَتَّسِعُ لَهُ قَدْرُ البَشَرِ.

<div class="verse-tafsir"

وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَىٰنَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَآ أَنْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ ۖ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ ۖ وَنُودُوٓا۟ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٤٣

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ يُنَقِّي قُلُوبَ ساكِنِي الجَنَّةِ مِنَ الغِلِّ والحِقْدِ؛ وذَلِكَ أنَّ صاحِبَ الغِلِّ مُتَعَذِّبٌ بِهِ؛ ولا عَذابَ في الجَنَّةِ؛ ووَرَدَ في الحَدِيثِ: « "اَلْغِلُّ عَلى بابِ الجَنَّةِ كَمَبارِكِ الإبِلِ؛ قَدْ نَزَعَهُ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى - مِن قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَعْنى هَذا الحَدِيثِ - إذا حُمِلَ عَلى حَقِيقَتِهِ - أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - يَخْلُقُ جَوْهَرًا؛ يَجْعَلُهُ حَيْثُ يُرى كَمَبارِكِ الإبِلِ؛ لِأنَّ الغِلَّ عَرَضٌ لا يَقُومُ بِنَفْسِهِ؛ وإنْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ اسْتِعارَةٌ؛ وعُبِّرَ [بِها] عن سُقُوطِهِ عن نُفُوسِهِمْ؛ فَهَذِهِ الألْفاظُ عَلى جِهَةِ التَمْثِيلِ؛ كَما تَقُولُ: "فُلانٌ إذا دَخَلَ عَلى الأمِيرِ تَرَكَ نَخْوَتَهُ بِالبابِ مُلْقاةً"؛ فَلَهُ وجْهٌ؛ والأوَّلُ أصْوَبَ؛ وأجْرى مَعَ الشَرْعِ في أشْياءَ كَثِيرَةٍ؛ مِثْلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "يُؤْتى بِالمَوْتِ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُ كَبْشٌ؛ فَيُذْبَحُ"؛» وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ورَوى الحَسَنُ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - قالَ: "فِينا واللهِ أهْلَ بَدْرٍ نَزَلَتْ: ﴿ وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ  ﴾ " ؛ ورُوِيَ عنهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: "فِينا واللهِ نَزَلَتْ: ﴿ وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ ﴾ "؛ وذَكَرَ قَتادَةُ أنَّ عَلِيًّا قالَ: "إنِّي لَأرْجُو أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ ؛ وطَلْحَةُ ؛ والزُبَيْرُ - رَضِيَ اللهُ عنهم - مِنَ الَّذِينَ قالَ اللهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿ وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ ﴾ ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو المَعْنى الصَحِيحُ؛ فَإنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في أهْلِ الجَنَّةِ؛ و"اَلْغِلُّ": اَلْحِقْدُ؛ والإحْنَةُ الخَفِيَّةُ في النَفْسِ؛ وجَمْعُهُ: "غِلالٌ"؛ ومِنهُ: "اَلْغُلُولُ"؛ أخْذٌ في خَفاءٍ؛ ومِنهُ: "اَلِانْغِلالُ في الشَيْءِ"؛ ومِنهُ: "اَلْمُغِلُّ بِالأمانَةِ"؛ ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ: سُلّاءَةً كَعَصا النَهْدِيِّ غُلَّ لَها ∗∗∗ ذُو فَيْئَةٍ مِن نَوى قُرّانَ مَعْجُومُ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ ﴾ ؛ بَيِّنٌ؛ لِأنَّ ما كانَ لاطِئًا بِالأرْضِ فَهو تَحْتَ ما كانَ مُنْتَصِبًا آخِذًا في سَماءٍ؛ و"هَدانا"؛ بِمَعْنى: أرْشَدَنا؛ والإشارَةُ بِـ "هَذا"؛ تُتَّجَهُ أنْ تَكُونَ إلى الإيمانِ والأعْمالِ الصالِحَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى دُخُولِ الجَنَّةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى الجَنَّةِ نَفْسِها؛ أيْ: أرْشَدَنا إلى طُرُقِها؛ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الوَجْهَيْنِ أمْثِلَةٌ في القُرْآنِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "ما كُنّا لِنَهْتَدِيَ"؛ بِسُقُوطِ الواوِ مِن قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ "وَما كُنّا"؛ ﴾ وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشامِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وجْهُ سُقُوطِ الواوِ أنَّ الكَلامَ مُتَّصِلٌ مُرْتَبِطٌ بِما قَبْلَهُ.

ولَمّا رَأوا تَصْدِيقَ ما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ عَنِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: وعايَنُوا إنْجازَ المَواعِيدِ؛ قالُوا: ﴿ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ﴾ ؛ فَقَضَوْا بِأنَّ ذَلِكَ حَقٌّ قَضاهُ مَن يُحِسُّ؛ وكانُوا في الدُنْيا يَقْضُونَ بِأنَّ ذَلِكَ حَقٌّ قَضاهُ مَن يَسْتَدِلُّ؛ و ﴿ "وَنُودُوا"؛ ﴾ أيْ: "قِيلَ لَهم بِصِياحٍ"؛ وهَذا النِداءُ مِن قِبَلِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ و"أنْ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِمَعْنى النِداءِ؛ بِمَعْنى "أيْ"؛ وَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَقِيلَةِ؛ وفِيها ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "أنَّهُ تِلْكُمُ الجَنَّةُ"؛ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الأعْشى: في فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ∗∗∗ ∗∗∗ أنْ هالِكٌ كُلُّ مَن يَحْفى ويَنْتَعِلُ تَقْدِيرُهُ: "أنَّهُ هالِكٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: أُكاشِرُهُ وأعْلَمُ أنْ كِلانا ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى ما ساءَ صاحِبَهُ حَرِيصُ و ﴿ تِلْكُمُ الجَنَّةُ ﴾ ؛ اِبْتِداءٌ؛ وصِفَةٌ؛ و"أُورِثْتُمُوها"؛ اَلْخَبَرُ؛ و"تِلْكُمُ"؛ إشارَةٌ فِيها غَيْبَةٌ؛ فَإمّا لِأنَّهم كانُوا وُعِدُوا بِها في الدُنْيا؛ فالإشارَةُ إلى تِلْكَ؛ أيْ: "تِلْكم هَذِهِ الجَنَّةُ"؛ وحُذِفَتْ "هَذِهِ"؛ وإمّا قَبْلَ الدُخُولِ؛ وإمّا بَعْدَ الدُخُولِ؛ وهم مُجْتَمِعُونَ في مَوْضِعٍ مِنها؛ فَكُلٌّ غائِبٌ عن مَنزِلِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ؛ لا عَلى طَرِيقِ وُجُوبِ ذَلِكَ عَلى اللهِ تَعالى ؛ لَكِنْ بِقَرِينَةِ رَحْمَتِهِ تَعالى ؛ وتَغَمُّدِهِ؛ والأعْمالُ أمارَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى ؛ وطَرِيقٌ إلى قُوَّةِ الرَجاءِ؛ ودُخُولُ الجَنَّةِ إنَّما هو بِمُجَرَّدِ رَحْمَةِ اللهِ تَعالى ؛ والقَسْمُ فِيها عَلى قَدْرِ العَمَلِ؛ و"أُورِثْتُمْ"؛ مُشِيرَةٌ إلى الأقْسامِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ: ﴿ "أُورِثْتُمُوها"؛ ﴾ وكَذَلِكَ في "اَلزُّخْرُفِ"؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ والكِسائِيُّ وحَمْزَةُ: "أُورِتَّمُوها"؛ بِإدْغامِ الثاءِ في التاءِ؛ وكَذَلِكَ في "اَلزُّخْرُفِ".

<div class="verse-tafsir"

وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّۭا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّۭا ۖ قَالُوا۟ نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌۢ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ ٤٤ ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ كَـٰفِرُونَ ٤٥

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ النارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلى الظالِمِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَمّا يَكُونُ مِنهُمْ؛ وعَبَّرَ عن مَعانٍ مُسْتَقْبَلَةٍ بِصِيغَةٍ ماضِيَةٍ؛ وهَذا حَسَنٌ فِيما تَحَقَّقَ وُقُوعُهُ؛ وهَذا النِداءُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ لِأهْلِ النارِ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ وزِيادَةٌ في الكَرْبِ؛ وهو بِأنْ يُشْرِفُوا عَلَيْهِمْ؛ ويُخْلَقُ الإدْراكَ في الأسْماعِ؛ والأبْصارِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَعَمْ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وقَرَأ الكِسائِيُّ: "نَعِمْ"؛ بِكَسْرِ العَيْنِ؛ ورُوِيَتْ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - وعَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقَرَأها ابْنُ وثّابٍ ؛ والأعْمَشُ ؛ قالَ الأخْفَشُ: هُما لُغَتانِ؛ ولَمْ يَحْكِ سِيبَوَيْهِ الكَسْرَ؛ وقالَ: "نَعَمْ": عِدَةٌ؛ وتَصْدِيقٌ؛ أيْ: مَرَّةً هَذا؛ ومَرَّةً هَذا؛ وفي كِتابِ أبِي حاتِمٍ عَنِ الكِسائِيِّ ؛ عن شَيْخٍ مِن ولَدِ الزُبَيْرِ قالَ: ما كُنْتُ أسْمَعُ أشْياخَ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ إلّا "نَعِمْ"؛ بِكَسْرِ العَيْنِ؛ ثُمَّ فَقَدْتُها بَعْدَهُ؛ وفِيهِ عن قَتادَةَ ؛ «عن رَجُلٍ مِن خَثْعَمٍ قالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: أنْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ نَبِيٌّ؟

قالَ: "نَعِمْ"؛» بِكَسْرِ العَيْنِ؛ وفِيهِ عن أبِي عُثْمانَ النَهْدِيِّ قالَ: سَألَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عن شَيْءٍ فَقالُوا: "نَعَمْ"؛ فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "اَلنَّعَمُ: اَلْإبِلُ؛ والشاءُ؛ قُولُوا: نَعِمْ"؛ بِكَسْرِ العَيْنِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: وهَذِهِ اللُغَةُ لا تُعْرَفُ اليَوْمَ بِالحَرَمَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ ؛ والطَبَرِيُّ ؛ وغَيْرُهُما: ﴿ "أذَّنَ مُؤَذِّنٌ"؛  ﴾ بِمَعْنى: "أعْلَمُ مُعْلِمٌ"؛ قالَ سِيبَوَيْهِ: "أذَّنْتُ": إعْلامٌ بِتَصْوِيتٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ قُنْبُلٍ ؛ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ ﴿ "أنْ لَعْنَةُ اللهِ"؛ ﴾ بِتَخْفِيفِ "أنْ"؛ مِنَ الثَقِيلَةِ؛ ورَفْعِ "لَعْنَةُ"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وابْنُ كَثِيرٍ ؛ في رِوايَةِ البِزِّيِّ ؛ وشِبْلٍ: "أنَّ لَعْنَةَ"؛ بِتَثْقِيلِ "أنَّ"؛ ونَصْبِ "لَعْنَةَ"؛ وكُلُّهم قَرَأ الَّتِي في النُورِ: "أنَّ لَعْنَةَ اللهِ"؛ و"أنَّ غَضَبَ اللهِ"؛ بِتَشْدِيدِ النُونِ؛ غَيْرَ نافِعٍ ؛ فَإنَّهُ قَرَأهُما: "أنْ لَعْنَةُ"؛ و"أنْ غَضَبُ"؛ مُخَفَّفَتَيْنِ؛ ورَوى عِصْمَةُ عَنِ الأعْمَشِ: "مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم إنَّ"؛ بِكَسْرِ الألِفِ؛ عَلى إضْمارِ قالَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: لِما كانَ الأذانُ قَوْلًا؛ والظالِمُونَ في هَذِهِ الآيَةِ: اَلْكافِرُونَ.

ثُمَّ ابْتَدَأ صِفَتَهم بِأفْعالِهِمْ في الدُنْيا لِيَكُونَ عَلامَةً أنَّ أهْلِ هَذِهِ الصِفَةِ هُمُ المُرادُ يَوْمَ القِيامَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ أنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلى الظالِمِينَ ﴾ ؛ و ﴿ "يَصُدُّونَ"؛ ﴾ مَعْناهُ: يُعْرِضُونَ؛ و"اَلسَّبِيلُ": اَلطَّرِيقُ؛ والمَنهَجُ؛ ويُذَكَّرُ؛ ويُؤَنَّثُ؛ وتَأْنِيثُها أكْثَرُ؛ و ﴿ "وَيَبْغُونَها"؛ ﴾ مَعْناهُ: يَطْلُبُونَها؛ أو يَطْلُبُونَ لَها؛ فَإنْ قَدَّرْتَ يَطْلُبُونَها؛ فَـ ﴿ "عِوَجًا"؛ ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنَ الضَمِيرِ العائِدِ عَلى "اَلسَّبِيلِ"؛ أيْ: "مُعْوَجَّةً"؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن ضَمِيرِ الجَماعَةِ في ﴿ "وَيَبْغُونَها"؛ ﴾ أيْ: مُعْوَجِّينَ؛ وإنْ قُدِّرَتْ "يَبْغُونَها": يَطْلُبُونَ لَها؛ وهو ظاهِرُ تَأْوِيلِ الطَبَرِيِّ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ فَـ "عِوَجًا"؛ مَفْعُولُ "يَبْغُونَ"؛ و"اَلْعِوَجُ"؛ بِكَسْرِ العَيْنِ؛ في الأُمُورِ والمَعانِي؛ و"اَلْعَوَجُ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ في الأجْرامِ؛ والمُتَنَصِّباتِ.

<div class="verse-tafsir"

وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌۭ ۚ وَعَلَى ٱلْأَعْرَافِ رِجَالٌۭ يَعْرِفُونَ كُلًّۢا بِسِيمَىٰهُمْ ۚ وَنَادَوْا۟ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ ۚ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ٤٦ ۞ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَـٰرُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ قَالُوا۟ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٤٧ وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلْأَعْرَافِ رِجَالًۭا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمْ قَالُوا۟ مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ٤٨

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَبَيْنَهُما حِجابٌ وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهم ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ ﴾ ﴿ وَإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَنادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عنكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ اَلضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "وَبَيْنَهُما"؛ ﴾ عائِدٌ عَلى الجَنَّةِ؛ والنارِ؛ ويُحْتَمَلُ عَلى الجَمْعَيْنِ؛ إذْ يَتَضَمَّنُهُما قَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ النارِ  ﴾ ؛ و"اَلْحِجابُ": هو السُورُ الَّذِي ذَكَرَهُ - عَزَّ وجَلَّ - في قَوْلِهِ: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ  ﴾ ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "اَلْأعْرافُ": حِجابٌ بَيْنَ الجَنَّةِ؛ والنارِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا: هو تَلٌّ بَيْنَ الجَنَّةِ؛ والنارِ؛ وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ حَدِيثًا أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "إنَّ أُحُدًا جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّهُ؛ وإنَّهُ يَقُومُ يَوْمَ القِيامَةِ يَمْثُلُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنارِ؛ يُحْتَبَسُ عَلَيْهِ أقْوامٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ؛ هم إنْ شاءَ اللهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ"؛» وذَكَرَ حَدِيثًا آخَرَ عن صَفْوانَ بْنِ سُلَيْمٍ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "إنَّ أُحُدًا عَلى رُكْنٍ مِن أرْكانِ الجَنَّةِ"؛» و"اَلْأعْرافُ": جَمْعُ "عُرْفٌ"؛ وهو المُرْتَفَعُ مِنَ الأرْضِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: كُلُّ كِنازٍ لَحْمُهُ نِيافِ ∗∗∗ كالجَبَلِ المُوفِي عَلى الأعْرافِ ومِنهُ قَوْلُ الشَمّاخِ: وظَلَّتْ بِأعْرافٍ تَعالى كَأنَّها ∗∗∗ ∗∗∗ رِماحٌ نَحاها وِجْهَةَ الرِيحِ راكِزُ ومِنهُ عُرْفُ الفَرَسِ؛ وعُرْفُ الدِيكِ؛ لِعُلُوِّهِما؛ وقالَ السُدِّيُّ: سُمِّيَ "اَلْأعْرافُ"؛ "أعْرافًا"؛ لِأنَّ أصْحابَهُ يَعْرِفُونَ الناسَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ عُجْمَةٌ؛ وإنَّما المُرادُ بِأعْرافِ ذَلِكَ الحِجابِ أعالِيهِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "رِجالٌ"؛ قالَ أبُو مِجْلَزٍ؛ لاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ: هُمُ المَلائِكَةُ؛ ولَفْظَةُ "رِجالٌ"؛ مُسْتَعارَةٌ لَهُمْ؛ لَمّا كانُوا في تَماثِيلِ رِجالٍ؛ قالَ: وهم ذُكُورٌ؛ لَيْسُوا بِإناثٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ سَمّى اللهَ تَعالى رِجالًا في الجِنِّ.

وَقالَ الجُمْهُورُ: هم رِجالٌ مِنَ البَشَرِ؛ ثُمَّ اخْتَلَفُوا؛ فَقالَ مُجاهِدٌ: هم قَوْمٌ صالِحُونَ فُقَهاءُ عُلَماءُ؛ وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّهم عُدُولُ القِيامَةِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلى الناسِ بِأعْمالِهِمْ؛ وهم في كُلِّ أُمَّةٍ؛ وقالَهُ الزَجّاجُ ؛ وقالَ قَوْمٌ: هم أنْبِياءُ؛ وقالَ المَهْدَوِيُّ: هُمُ الشُهَداءُ؛ وقالَ شُرَحْبِيلُ بْنُ سَعْدٍ: هُمُ المُسْتَشْهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ تَعالى الَّذِينَ خَرَجُوا عُصاةً لِآبائِهِمْ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأنَّهُ تَعادَلَ عُقُوقُهم واسْتِشْهادُهُمْ؛ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والشَعْبِيُّ ؛ وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ والضَحّاكُ: هم قَوْمٌ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُمْ؛ وسَيِّئاتُهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَعَ في مُسْنَدِ خَيْثَمَةَ بْنِ سُلَيْمانَ في آخِرِ الجُزْءِ الخامِسَ عَشَرَ حَدِيثٌ عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "تُوضَعُ المَوازِينُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ فَتُوزَنُ الحَسَناتُ؛ والسَيِّئاتُ؛ فَمَن رَجَحَتْ حَسَناتُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ مِثْقالَ صُؤابَةٍ دَخَلَ الجَنَّةَ؛ ومَن رَجَحَتْ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ مِثْقالَ صُؤابَةٍ دَخَلَ النارَ"؛ قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ فَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ؟

قالَ: "أُولَئِكَ أصْحابُ الأعْرافِ؛ لَمْ يَدْخُلُوها؛ وهم يَطْمَعُونَ"؛» وقالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ: هم قَوْمٌ أبْطَأتْ بِهِمْ صِغارُهم إلى آخِرِ الناسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: واللازِمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ عَلى أعْرافِ ذَلِكَ السُورِ - أو عَلى مَواضِعَ مُرْتَفِعَةٍ عَنِ الفَرِيقَيْنِ حَيْثُ شاءَ اللهُ تَعالى - رِجالًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ؛ يَتَأخَّرُ دُخُولُهُمْ؛ ويَقَعُ لَهم ما وُصِفَ مِنَ الِاعْتِبارِ في الفَرِيقَيْنِ.

و ﴿ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهُمْ ﴾ ؛ أيْ بِعَلامَتِهِمْ؛ وهي بَياضُ الوُجُوهِ؛ وحُسْنُها في أهْلِ الجَنَّةِ؛ وسَوادُها وقُبْحُها في أهْلِ النارِ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ في حَيِّزِ هَؤُلاءِ؛ وحَيِّزِ هَؤُلاءِ؛ و"اَلسِّيما": اَلْعَلامَةُ؛ وهو مِن "وَسَمَ"؛ وفِيهِ قَلْبٌ؛ يُقالُ: "سِيما"؛ مَقْصُورًا؛ و"سِيماءُ"؛ مَمْدُودًا؛ و"سِيمِياءُ"؛ بِكَسْرِ المِيمِ؛ وزِيادَةِ ياءٍ؛ فَوَزْنُها "عِفْلا"؛ مَعَ كَوْنِها مِن "وَسَمَ"؛ وقِيلَ: هي مِن "سَوَمَ"؛ إذا عَلِمَ؛ فَوَزْنُها - عَلى هَذا - "فِعْلا".

ونِداؤُهم أصْحابَ الجَنَّةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وأصْحابُ الجَنَّةِ لَمْ يَدْخُلُوها بَعْدُ؛ فَيَكُونَ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ ﴾ ؛ مُحْتَمِلًا أنْ يُعْنى بِهِ أهْلُ الجَنَّةِ؛ وهو تَأْوِيلُ أبِي مِجْلَزٍ؛ إذْ جَعَلَ أصْحابَ الأعْرافِ مَلائِكَةً؛ ومُحْتَمِلًا أنْ يُعْنى بِهِ أهْلُ الأعْرافِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِداؤُهم أهْلَ الجَنَّةِ بِالسَلامِ وهم قَدْ دَخَلُوها؛ فَلا يَحْتَمِلُ حِينَئِذٍ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ ﴾ ؛ إلّا أهْلَ الأعْرافِ فَقَطْ؛ وهو تَأْوِيلُ السُدِّيِّ ؛ وقَتادَةَ ؛ وابْنِ مَسْعُودٍ ؛ والحَسَنِ ؛ وقالَ: واللهِ ما جَعَلَ اللهُ ذَلِكَ الطَمَعَ في قُلُوبِهِمْ إلّا لِخَيْرٍ أرادَهُ بِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو الأظْهَرُ الألْيَقُ؛ ولا نَظَرَ لِأحَدٍ مَعَ قَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَهم يَطْمَعُونَ ﴾ ؛ هي جُمْلَةٌ مَقْطُوعَةٌ؛ أخْبَرَ أنَّهم لَمْ يَدْخُلُوها؛ وهم طامِعُونَ بِدُخُولِها؛ فَكَأنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "نادَوْا".

وقَرَأ أبُو رُقَيْشٍ النَحْوِيُّ: "لَمْ يَدْخُلُوها وهم طامِعُونَ"؛ وقَرَأ إيادُ بْنُ لَقِيطٍ: "وَهم ساخِطُونَ"؛ وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ قَوْلًا؛ وهو أنْ يُقَدَّرَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَهم يَطْمَعُونَ"؛ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الجَماعَةِ في "يَدْخُلُوها"؛ ويَكُونَ المَعْنى: "لَمْ يَدْخُلُوها في حالِ طَمَعٍ بِها؛ بَلْ كانُوا في حالِ يَأْسٍ وخَوْفٍ؛ لَكِنَّهم عَمَّهم عَفْوُ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّما طَمِعَ أصْحابُ الأعْرافِ لِأنَّ النُورَ الَّذِي كانَ في أيْدِيهِمْ لَمْ يُطْفَأْ حِينَ يُطْفَأُ كُلُّ ما بِأيْدِي المُنافِقِينَ.

والضَمِيرُ في "أبْصارُهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى أصْحابِ الأعْرافِ؛ فَهم يُسَلِّمُونَ عَلى أصْحابِ الجَنَّةِ؛ وإذا نَظَرُوا إلى النارِ وأهْلِها دَعَوُا اللهَ تَعالى في التَخْلِيصِ مِنها؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ؛ وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: اَلضَّمِيرُ لِأهْلِ الجَنَّةِ؛ وهم لَمْ يَدْخُلُوها بَعْدُ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "صُرِفَتْ"؛ مُعْطِيَةٌ ما هُنالِكَ مِن هَوْلِ المَطْلَعِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "رِجالًا"؛ يُرِيدُ مِن أهْلِ النارِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا النِداءُ وأهْلُ النارِ في النارِ؛ فَتَكُونَ مَعْرِفَتُهم بِعَلاماتٍ مُعَرِّفَةٍ بِأنَّهم أُولَئِكَ الَّذِينَ عُرِفُوا في الدُنْيا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا النِداءُ وهم يُحْمَلُونَ إلى النارِ؛ فَتَكُونَ السِيما الَّتِي عُرِفُوا بِها أنَّهم أهْلُ النارِ؛ تَسْوِيدَ الوُجُوهِ وتَشْوِيهَ الخِلَقِ؛ وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: اَلْمَلائِكَةُ تُنادِي رِجالًا في النارِ؛ وقالَ غَيْرُهُ: بَلِ الآدَمِيُّونَ يُنادُونَ أهْلَ النارِ؛ وقِيلَ: إنَّ "ما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "ما أغْنى"؛ ﴾ اِسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ؛ والتَوْبِيخِ؛ وقِيلَ: "وَما"؛ نافِيَةٌ؛ والأوَّلُ أصْوَبُ؛ و"جَمْعُكُمْ"؛ لَفْظٌ يَعُمُّ جُمُوعَ الأجْنادِ؛ والخَوَلِ؛ وجَمْعَ المالِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالرِجالِ أنَّهم جَبّارُونَ مُلُوكٌ يُقَرَّرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى مَعْنى الإهانَةِ؛ والخِزْيِ؛ و"ما"؛ اَلثّانِيَةُ مَصْدَرِيَّةٌ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَسْتَكْثِرُونَ"؛ بِالثاءِ مُثَلَّثَةً؛ مِن "اَلْكَثْرَةُ".

<div class="verse-tafsir"

أَهَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ ۚ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ٤٩ وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا۟ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ ۚ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ٥٠ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَهْوًۭا وَلَعِبًۭا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ فَٱلْيَوْمَ نَنسَىٰهُمْ كَمَا نَسُوا۟ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا وَمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ ٥١ وَلَقَدْ جِئْنَـٰهُم بِكِتَـٰبٍۢ فَصَّلْنَـٰهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ٥٢

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ وَنادى أصْحابُ النارِ أصْحابُ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أو مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إنَّ اللهُ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ قالَ أبُو مِجْلَزٍ: أهْلُ الأعْرافِ هُمُ المَلائِكَةُ؛ وهُمُ القائِلُونَ: "أهَؤُلاءِ"؛ إشارَةً إلى أهْلِ الجَنَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكَذَلِكَ يَجِيءُ قَوْلُ مَن قالَ: أهْلُ الأعْرافِ أنْبِياءُ وشُهَداءُ.

وقالَ غَيْرُهُ: أهْلُ الأعْرافِ بَشَرٌ مُذْنِبُونَ؛ وقَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ "أهَؤُلاءِ"؛ ﴾ مِن كَلامِ مَلَكٍ بِأمْرِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ إشارَةً إلى أهْلِ الأعْرافِ؛ ومُخاطَبَةً لِأهْلِ النارِ؛ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وقالَ النَقّاشُ: لَمّا وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ ما أغْنى عنكم جَمْعُكُمْ  ﴾ ؛ أقْسَمَ أهْلُ النارِ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ داخِلُونَ النارَ مَعَهُمْ؛ فَنادَتْهُمُ المَلائِكَةُ: "أهَؤُلاءِ...؟"؛ ثُمَّ نادَتْ أصْحابَ الأعْرافِ: ﴿ ادْخُلُوا الجَنَّةَ ﴾ ؛ وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: اَلْإشارَةُ بِـ "هَؤُلاءِ"؛ إلى أهْلِ الجَنَّةِ؛ والمُخاطَبُونَ هم أهْلُ الأعْرافِ؛ والَّذِينَ خُوطِبُوا هم أهْلُ النارِ؛ والمَعْنى: "أهَؤُلاءِ الضُعَفاءُ في الدُنْيا الَّذِينَ حَلَفْتُمْ أنَّ اللهَ تَعالى لا يَعْبَأُ بِهِمْ؟

قِيلَ لَهُمْ: اُدْخُلُوا الجَنَّةَ"؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ما قالَ النَقّاشُ مِن أنَّ القَسَمَ هو في الآخِرَةِ عَلى أهْلِ الأعْرافِ.

وقَرَأ الحَسَنُ؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: "أدْخِلُوا الجَنَّةَ"؛ بِفَتْحِ الألِفِ؛ وكَسْرِ الخاءِ؛ بِمَعْنى: "أدْخِلُوا أنْفُسَكُمْ"؛ أو عَلى أنْ تَكُونَ مُخاطَبَةً لِلْمَلائِكَةِ؛ ثُمَّ تَرْجِعُ المُخاطَبَةُ بَعْدُ إلى البَشَرِ في "عَلَيْكُمْ"؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ؛ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ: "دَخَلُوا الجَنَّةَ"؛ عَلى الإخْبارِ بِفِعْلٍ ماضٍ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ وابْنُ وثّابٍ ؛ والنَخَعِيُّ: "أُدْخِلُوا الجَنَّةَ"؛ خَبَرٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَرْتِيبُ كُلِّ قِراءَةٍ مِن هَذِهِ عَلى الأقْوالِ في المُخاطِبِ؛ والمُخاطَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى "أهَؤُلاءِ"؛ مُمْكِنٌ بِأيْسَرِ تَناوُلٍ؛ فاخْتَصَرْتُهُ إيجازًا؛ وكَذَلِكَ ما في الآيَةِ مِنَ الرُجُوعِ مِن مُخاطَبَةِ فَرِيقٍ إلى مُخاطَبَةِ غَيْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "لا تَخافُونَ ما يَأْتِي؛ ولا تَحْزَنُونَ عَلى ما فاتَ"؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ ؛ مِن طَرِيقِ حُذَيْفَةَ ؛ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ يَرْغَبُونَ في الشَفاعَةِ؛ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَدْفَعُهم إلى نُوحٍ؛ ثُمَّ يَتَدافَعُهُمُ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَلامُ - حَتّى يَأْتُوا مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِيَشْفَعَ لَهُمْ؛ فَيَشْفَعُ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَيُلْقَوْنَ في نَهْرِ الحَياةِ؛ فَيُبَيَّضُونَ؛ ويُسَمَّوْنَ "مَساكِينَ الجَنَّةِ"؛ قالَ سالِمٌ؛ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ: لَيْتَ أنِّي مِن أهْلِ الأعْرافِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَنادى أصْحابُ النارِ أصْحابُ الجَنَّةِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ لَفْظَةُ النِداءِ تَتَضَمَّنُ أنَّ أهْلَ النارِ وقَعَ لَهم عِلْمٌ بِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَسْمَعُونَ نِداءَهُمْ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وهم يَرَوْنَهم بِإدْراكٍ يَجْعَلُهُ اللهُ تَعالى لَهم عَلى بُعْدِ السُفْلِ مِنَ العُلُوِّ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وبَيْنَهُمُ السُورُ والحِجابُ المُتَقَدِّمُ الذِكْرِ؛ ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ النِداءَ هو عِنْدَ اطِّلاعِ أهْلِ الجَنَّةِ عَلَيْهِمْ؛ و"أنْ"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "أنْ أفِيضُوا"؛ ﴾ مُفَسِّرَةٌ؛ بِمَعْنى "أيْ".

و"فاضَ الماءُ"؛ إذا سالَ؛ وانْماعَ؛ وأفاضَهُ غَيْرُهُ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أو مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى الطَعامِ؛ قالَهُ السُدِّيُّ ؛ فَيَقُولُ لَهم أهْلُ الجَنَّةِ: "إنَّ اللهَ تَعالى حَرَّمَ طَعامَ الجَنَّةِ وشَرابَها عَلى الكافِرِينَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والأشْنَعُ عَلى الكافِرِينَ في هَذِهِ المَقالَةِ أنْ يَكُونَ بَعْضُهم يَرى بَعْضًا؛ فَإنَّهُ أخْزى وَأنْكى لِلنَّفْسِ؛ وإجابَةُ أهْلِ الجَنَّةِ بِهَذا الحُكْمِ هو عن أمْرِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "أفْضَلُ الصَدَقَةِ بِالماءِ"؛» يَعْنِي: عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ؛ إذْ هو ألَذُّ مَشْرُوبٍ وأنْعَشُها لِلنَّفْسِ؛ واسْتَسْقى الشَعْبِيُّ عِنْدَ مُصْعَبٍ؛ فَقالَ لَهُ: أيَّ الأشْرِبَةِ تُحِبُّ؟

فَقالَ: أهْوَنَها مَوْجُودًا؛ وأعَزَّها مَفْقُودًا؛ فَقالَ لَهُ مُصْعَبٌ: يا غُلامُ؛ هاتِ الماءَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أُضِيفُ الدِينَ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ قَبُولُهم أنْ يَلْتَزِمُوهُ؛ إذْ هو دِينُ اللهِ تَعالى مِن حَيْثُ أمَرَ بِهِ؛ ودِينُ جَمِيعِ الناسِ مِن حَيْثُ أمَرُوا بِهِ.

﴿ وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ؛ ويَكُونَ ابْتِداءَ كَلامِ اللهِ تَعالى مِن قَوْلِهِ: "فاليَوْمَ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن أوَّلِهِ مِن كَلامِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ﴾ ؛ أيْ: بِالإعْراضِ والِاسْتِهْزاءِ لِمَن يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ؛ ﴿ وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا ﴾ ؛ أيْ: خَدَعَتْهم بِزُخْرُفِها؛ واعْتِقادِهِمْ أنَّها الغايَةُ القُصْوى؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَفْظُ مِن "اَلْغَرُّ"؛ وهو مَلْءُ الفَمِ؛ أيْ: أشْبَعَتْهم وأبْطَرَتْهم.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ فاليَوْمَ نَنْساهُمْ ﴾ ؛ فَهو مِن إخْبارِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَمّا يُفْعَلُ بِهِمْ؛ والنِسْيانُ في هَذِهِ الآيَةِ هو بِمَعْنى التَرْكِ؛ أيْ نَتْرُكُهم في العَذابِ؛ كَما تَرَكُوا النَظَرَ لِلِقاءِ هَذا اليَوْمِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ؛ قالَ قَتادَةُ: نُسُوا مِنَ الخَيْرِ؛ ولَمْ يُنْسَوْا مِنَ الشَرِّ؛ وإنْ قُدِّرَ النِسْيانُ بِمَعْنى الذُهُولِ مِنَ الكَفَرَةِ؛ فَهو في جِهَةِ ذِكْرِ اللهِ تَعالى تَسْمِيَةُ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَما كانُوا"؛ ﴾ عُطِفَ عَلى "ما"؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿ "كَما نَسُوا"؛ ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ تُقَدَّرَ "ما"؛ اَلثّانِيَةُ زائِدَةً؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى "كانُوا"؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: "نَسُوا".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ ذَكَرَ الأعْذارَ إلَيْهِمْ؛ إثْرَ ذِكْرِ ما يُفْعَلُ بِهِمْ؛ واللامُ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "لَقَدْ"؛ لامُ قَسَمٍ؛ والضَمِيرُ في "جِئْناهُمْ"؛ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: تَمَّ الكَلامُ في "يَجْحَدُونَ"؛ وهَذا الضَمِيرُ لِمُكَذِّبِي مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ابْتِداءُ كَلامٍ آخَرَ؛ والمُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ العَزِيزُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ في جَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ عَلى تَأْوِيلِ مَن يَرى الضَمِيرَ في "جِئْناهُمْ"؛ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "فَصَّلْناهُ"؛ ﴾ مِن تَفْصِيلِ الآياتِ؛ وتَبْيِينِها؛ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "فَضَّلْناهُ"؛ بِضادٍ مَنقُوطَةٍ؛ و"عَلى عِلْمٍ"؛ مَعْناهُ: عن بَصِيرَةٍ واسْتِحْقاقٍ لِذَلِكَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ هُدًى ورَحْمَةً ﴾ مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ.

<div class="verse-tafsir"

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُۥ ۚ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُوا۟ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ۚ قَدْ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ٥٣ إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍۭ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٥٤

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلَهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أو نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَيْلَ النَهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشَمْسَ والقَمَرَ والنُجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ "يَنْظُرُونَ"؛ مَعْناهُ: يَنْتَظِرُونَ؛ و"اَلتَّأْوِيلُ" - في هَذا المَوْضِعِ - بِمَعْنى: "اَلْمَآلُ"؛ و"اَلْعاقِبَةُ"؛ قالَهُ قَتادَةُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُما؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "تَأْوِيلَهُ": مَآلَهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ وقالَ السُدِّيُّ: ذَلِكَ في الدُنْيا؛ وقْعَةُ بَدْرٍ وغَيْرُها؛ ويَوْمَ القِيامَةِ أيْضًا؛ والمُرادُ: "هَلْ يَنْتَظِرُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ إلّا مَآلَ الحالِ في هَذا الدِينِ؛ وما دُعُوا إلَيْهِ؛ وما صَدُّوهم عنهُ؛ وهم يَعْتَقِدُونَ مَآلَهُ جَمِيلًا لَهُمْ"؛ فَأخْبَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ مَآلَهُ يَوْمَ يَأْتِي يَقَعُ مَعَهُ نَدَمُهُمْ؛ ويَقُولُونَ تَأسُّفًا عَلى ما فاتَهم مِنَ الإيمانِ: لَقَدْ صَدَقَتِ الرُسُلُ وجاؤُوا بِالحَقِّ؛ فالتَأْوِيلُ - عَلى هَذا - مَأْخُوذٌ مِن: "آلَ؛ يَؤُولُ"؛ وقالَ الخَطابِيُّ: "أوَّلْتُ الشَيْءَ": رَدَدْتُهُ إلى أوَّلِهِ؛ فاللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن "اَلْأوَّلُ"؛ حَكاهُ النَقّاشُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ قِيلَ: "أوَّلْتُ"؛ مَعْناهُ: طَلَبْتُ أوَّلَ الوُجُوهِ؛ والمَعانِي.

و"نَسُوهُ"؛ في الآيَةِ؛ يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ النِسْيانُ مِن أوَّلِ الآيَةِ بِمَعْنى التَرْكِ.

ويُقِرُّونَ بِالحَقِّ ويَسْتَفْهِمُونَ عن وُجُوهِ الخَلاصِ في وقْتٍ لا مُسْتَعْتَبَ لَهم فِيهِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أو نُرَدُّ"؛ بِرَفْعِ الفِعْلِ؛ عَلى تَقْدِيرِ: "أو هَلْ نُرَدُّ؟"؛ وبِنَصْبِ "فَنَعْمَلَ"؛ في جَوابِ هَذا الِاسْتِفْهامِ الأخِيرِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "أو نُرَدُّ فَنَعْمَلُ"؛ بِالرَفْعِ فِيهِما؛ عَلى عَطْفِ "نَعْمَلُ"؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ؛ وأبُو حَيْوَةَ: "أو نُرَدَّ فَنَعْمَلُ"؛ ونَصْبُ "نُرَدَّ"؛ في هَذِهِ القِراءَةِ إمّا عَلى العَطْفِ عَلى قَوْلِهِ: "فَيَشْفَعُوا"؛ وإمّا بِما حَكاهُ الفَرّاءُ مِن أنَّ "أو"؛ تَكُونُ بِمَعْنى "حَتّى"؛ كَنَحْوِ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: .................

∗∗∗..........أو نَمُوتَ فَنُعْذَرا ويَجِيءُ المَعْنى أنَّ الشَفاعَةَ تَكُونُ في أنْ يُرَدُّوا؛ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن خَسارَتِهِمْ أنْفُسَهُمْ؛ واضْمِحْلالِ افْتِرائِهِمْ عَلى اللهِ تَعالى وكَذِبِهِمْ في جَعْلِ الأصْنامِ آلِهَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ خِطابٌ عامَّ يَقْتَضِي التَوْحِيدَ والحُجَّةَ عَلَيْهِ بِدَلائِلِهِ؛ و"اَلرَّبُّ"؛ أصْلُهُ في اللُغَةِ: اَلْمُصْلِحُ؛ مِن "رَبَّ؛ يُرَبُّ"؛ وهو يَجْمَعُ في جِهَةِ ذِكْرِ اللهِ تَعالى "اَلْمالِكُ"؛ و"اَلسَّيِّدُ"؛ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ اسْتِعْمالاتِ العَرَبِ؛ ولا يُقالُ: "اَلرَّبُّ"؛ مُعَرَّفًا؛ إلّا لِلَّهِ تَعالى ؛ وإنَّما يُقالُ في البَشَرِ بِإضافَةٍ؛ ورَوى بَكّارُ بْنُ الشُقَيْرِ: "إنَّ رَبَّكُمُ اللهَ"؛ بِنَصْبِ الهاءِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فِي سِتَّةِ أيّامٍ ﴾ ؛ حَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّ اليَوْمَ كَألْفِ سَنَةٍ؛ وهَذا كُلُّهُ والساعَةُ اليَسِيرَةُ سَواءٌ في قُدْرَةِ اللهِ تَعالى ؛ وأمّا وجْهُ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ فَمِمّا انْفَرَدَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِعِلْمِهِ؛ كَسائِرِ أحْوالِ الشَرائِعِ؛ وما ذَهَبَ إلَيْهِ مَن أرادَ أنْ يُوَجِّهَ هَذا - كالمَهْدَوِيِّ وغَيْرِهِ - تَخَرُّصٌ؛ وجاءَ في التَفْسِيرِ؛ وفي الأحادِيثِ؛ أنَّ اللهَ تَعالى ابْتَدَأ الخَلْقَ يَوْمَ الأحَدِ؛ وكَمُلَتِ المَخْلُوقاتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ؛ ثُمَّ بَقِيَ دُونَ خَلْقٍ يَوْمَ السَبْتِ؛ ومِن ذَلِكَ اخْتارَتْهُ اليَهُودُ لِراحَتِها؛ وعَلى هَذا تَوالَتْ تَفاسِيرُ الطَبَرِيِّ وغَيْرِهِ؛ ولِلْيَهُودِ - لَعَنَهُمُ اللهُ تَعالى - في هَذا كَلامُ سُوءٍ - تَعالى اللهُ عَمّا يَصِفُونَ.

وَوَقَعَ حَدِيثٌ في كِتابِ مُسْلِمِ بْنِ الحَجّاجِ ؛ في كِتابِ "اَلدَّلائِلُ"؛ لِثابِتٍ السَرَقُسْطِيِّ أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ التُرْبَةَ يَوْمَ السَبْتِ؛ وذَكَرَهُ مَكِّيٌّ في "اَلْهِدايَةُ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ﴾ ؛ مَعْناهُ عِنْدَ أبِي المَعالِي؛ وغَيْرِهِ مِن حُذّاقِ المُتَكَلِّمِينَ: "بِالمُلْكِ والسُلْطانِ"؛ وخُصَّ العَرْشُ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ؛ إذْ هو أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ؛ وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: فَعَلَ فِعْلًا في العَرْشِ سَمّاهُ "اِسْتِواءً".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والعَرْشُ مَخْلُوقٌ مُعَيَّنٌ؛ جِسْمٌ ما؛ هَذا الَّذِي قَرَّرَتْهُ الشَرِيعَةُ؛ وبَلَغَنِي عن أبِي الفُضَيْلِ بْنِ النَحْوِيِّ أنَّهُ قالَ: اَلْعَرْشُ: مَصْدَرُ "عَرَشَ؛ يَعْرِشُ؛ عَرْشًا"؛ والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ﴾ هَذا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا خُرُوجٌ كَثِيرٌ عن ما فُهِمَ مِنَ العَرْشِ في غَيْرِ ما حَدِيثٍ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "يُغْشِي"؛ مِن "أغْشى"؛ وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يُغَشِّي"؛ بِالتَشْدِيدِ؛ مِن "غَشّى"؛ وهُما طَرِيقانِ في تَعْدِيَةِ "غَشى"؛ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ؛ وقَرَأ حُمَيْدٌ: "يَغْشى"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ والشِينِ؛ ونَصْبِ "اَللَّيْلَ"؛ ورَفْعِ "اَلنَّهارُ"؛ كَذا قالَ أبُو الفَتْحِ؛ وقالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ بِرَفْعِ "اَللَّيْلُ"؛ ونَصْبِ "اَلنَّهارَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وأبُو الفَتْحِ أثْبَتُ.

وَ"حَثِيثًا"؛ مَعْناهُ: سَرِيعًا؛ و ﴿ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا ﴾ ؛ حالٌ مِن "اَللَّيْلَ"؛ بِحَسَبِ اللَفْظِ؛ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ ومِن "اَلنَّهارَ"؛ بِحَسَبِ المَعْنى؛ وأمّا عَلى قِراءَةِ حُمَيْدٍ؛ فَمِن "اَلنَّهارَ"؛ في الوَجْهَيْنِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنهُما؛ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ  ﴾ ؛ فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ "تَحْمِلُهُ"؛ حالًا مِنها؛ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنهُ؛ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنهُما؛ و"مُسَخَّراتٍ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ: "والشَمْسُ والقَمَرُ والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ"؛ بِالرَفْعِ في جَمِيعِها؛ ونَصَبَ الباقُونَ هَذِهِ الحُرُوفَ كُلَّها؛ وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ: "والشَمْسَ والقَمَرَ"؛ بِالنَصْبِ؛ "والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ"؛ بِالرَفْعِ.

و"ألا"؛ اِسْتِفْتاحُ كَلامٍ؛ فاسْتَفْتَحَ بِها؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ هَذا الخَبَرَ الصادِقَ المُرْشِدَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وأخَذَ المُفَسِّرُونَ "اَلْخَلْقُ"؛ بِمَعْنى: اَلْمَخْلُوقاتُ؛ أيْ: "هِيَ لَهُ كُلُّها؛ ومِلْكُهُ واخْتِراعُهُ"؛ وأخَذُوا "اَلْأمْرُ"؛ مَصْدَرًا مِن "أمَرَ؛ يَأْمُرُ"؛ وعَلى هَذا قالَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ: إنَّ الآيَةَ تَرُدُّ عَلى القائِلِينَ بِخَلْقِ القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ فَرَّقَ فِيها بَيْنَ المَخْلُوقاتِ؛ وبَيْنَ الأمْرِ؛ إذْ "والأمْرُ"؛ كَلامُهُ - عَزَّ وجَلَّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنْ تُؤْخَذَ لَفْظَةُ "اَلْخَلْقُ"؛ عَلى المَصْدَرِ مِن "خَلَقَ؛ يَخْلُقُ؛ خَلْقًا"؛ أيْ: "لَهُ هَذِهِ الصِفَةُ؛ إذْ هو المُوجِدُ لِلْأشْياءِ بَعْدَ العَدَمِ"؛ ويُؤْخَذَ "والأمْرُ" عَلى أنَّهُ واحِدُ "اَلْأُمُورُ"؛ إلّا أنَّهُ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ؛ فَيَكُونَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ  ﴾ ؛ وبِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ  ﴾ ؛ فَإذا أُخِذَتِ اللَفْظَتانِ هَكَذا؛ خَرَجَتا عن مَسْألَةِ الكَلامِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَمّا تَقَدَّمَ في الآيَةِ "خَلَقَ"؛ و"بِأمْرِهِ"؛ تَأكَّدَ في آخِرِهِ أنَّ لَهُ الخَلْقَ والأمْرَ المُصَدَّرَيْنِ حَسَبَ تَقَدُّمِهِما؛ وكَيْفَما تَأوَّلْتَ الآيَةَ فالجَمِيعُ لِلَّهِ تَعالى ؛ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "مَن زَعَمَ أنَّ اللهَ - تَبارَكَ وتَعالى - جَعَلَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ شَيْئًا مِنَ الأمْرِ فَقَدْ كَفَرَ بِما أنْزَلَ اللهُ تَعالى لِقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ ﴾ ".» قالَ النَقّاشُ: ذَكَرَ اللهُ تَعالى الإنْسانَ في القُرْآنِ في ثَمانِيَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا؛ في جَمِيعِها أنَّهُ مَخْلُوقٌ؛ وذَكَرَ القُرْآنَ في أرْبَعَةٍ وخَمْسِينَ مَوْضِعًا؛ لَيْسَ في واحِدٍ مِنها إشارَةٌ إلى أنَّهُ مَخْلُوقٌ؛ وقالَ الشَعْبِيُّ: "اَلْخَلْقُ"؛ عِبارَةٌ عَنِ الدُنْيا؛ و"اَلْأمْرُ"؛ عِبارَةٌ عَنِ الآخِرَةِ؛ و"تَبارَكَ"؛ لا يُتَصَرَّفُ في كَلامِ العَرَبِ؛ لا يُقالُ مِنهُ "يَتَبارَكُ"؛ وهَذا مَنصُوصٌ عَلَيْهِ لِأهْلِ اللِسانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعِلَّةُ ذَلِكَ أنَّ "تَبارَكَ"؛ لَمّا لَمْ يُوصَفْ بِها غَيْرُ اللهِ تَعالى ؛ لَمْ تَقْتَضِ مُسْتَقْبَلًا؛ إذِ اللهُ تَعالى قَدْ تَبارَكَ في الأزَلِ؛ وقَدْ غَلِطَ بِها أبُو عَلِيٍّ القالِي؛ فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ المُسْتَقْبَلُ مِن "تَبارَكَ"؟

فَقالَ: "يَتَبارَكُ"؛ فَوَقَفَ عَلى أنَّ العَرَبَ لَمْ تَقُلْهُ؛ و"اَلرَّبُّ": اَلسَّيِّدُ المُصْلِحُ؛ و"اَلْعالَمِينَ"؛ جَمْعُ "عالَمٌ".

<div class="verse-tafsir"

ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًۭا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ ٥٥ وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفًۭا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ٥٦

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ﴾ ﴿ وَلا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا إنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ هَذا أمْرٌ بِالدُعاءِ؛ وتَعَبُّدٌ بِهِ؛ ثُمَّ قَرَنَ - عَزَّ وجَلَّ - بِالأمْرِ بِهِ صِفاتٍ تَحْسُنُ مَعَهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "تَضَرُّعًا"؛ ﴾ مَعْناهُ: بِخُشُوعٍ واسْتِكانَةٍ؛ و"اَلتَّضَرُّعُ": لَفْظَةٌ تَقْتَضِي الجَهْرَ؛ لِأنَّ التَضَرُّعَ إنَّما يَكُونُ بِإشاراتِ جَوارِحَ وهَيْئاتِ أعْضاءٍ تَقْتَرِنُ بِالطَلَبِ؛ و"وَخُفْيَةً"؛ يُرِيدُ: في النَفْسِ خاصَّةً؛ وقَدْ أثْنى اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا  ﴾ ؛ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "خَيْرُ الذِكْرِ الخَفِيُّ"؛» والشَرِيعَةُ مُقَرِّرَةٌ أنَّ السِرَّ فِيما لَمْ يُعْتَرَضْ مِن أعْمالِ البِرِّ أعْظَمُ أجْرًا مِنَ الجَهْرِ؛ وتَأوَّلَ بَعْضُ العُلَماءِ التَضَرُّعَ والخُفْيَةَ في مَعْنى السِرِّ جَمِيعًا؛ فَكَأنَّ التَضَرُّعَ فِعْلٌ لِلْقَلْبِ؛ ذَكَرَ هَذا المَعْنى الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وقالَ: "لَقَدْ أدْرَكْنا أقْوامًا ما كانَ عَلى الأرْضِ عَمَلٌ يَقْدِرُونَ أنْ يَكُونَ سِرًّا فَيَكُونَ جَهْرًا أبَدًا؛ ولَقَدْ كانَ المُسْلِمُونَ يَجْتَهِدُونَ في الدُعاءِ؛ فَلا يُسْمَعُ لَهم صَوْتٌ؛ إنْ هو إلّا الهَمْسُ بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ؛ وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً ﴾ ؛ وذَكَرَ عَبْدًا صالِحًا رَضِيَ فِعْلَهُ فَقالَ: ﴿ إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا  ﴾ "؛ وقالَ الزَجّاجُ: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ ﴾ مَعْناهُ: اُعْبُدُوا رَبَّكُمْ؛ ﴿ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً ﴾ ؛ أيْ بِاسْتِكانَةٍ؛ واعْتِقادِ ذَلِكَ في القُلُوبِ.

وقَرَأ جَمِيعُ السَبْعَةِ: "وَخُفْيَةً"؛ بِضَمِّ الخاءِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - هُنا؛ وفي "اَلْأنْعامِ" -: "وَخِفْيَةً"؛ بِكَسْرِها؛ وهُما لُغَتانِ؛ وقَدْ قِيلَ: إنَّ "خِفْيَةً"؛ بِكَسْرِ الخاءِ؛ بِمَعْنى: "اَلْخَوْفُ"؛ و"اَلرَّهْبَةُ"؛ ويَظْهَرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَخِيفَةً"؛ مِن "اَلْخَوْفُ"؛ أيْ: "اُدْعُوهُ بِاسْتِكانَةٍ وخَوْفٍ"؛ ذَكَرَها ابْنُ سِيدَةَ في المُحْكَمِ؛ ولَمْ يَنْسُبْها؛ وقالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأها الأعْمَشُ فِيما زَعَمُوا.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ﴾ ؛ يُرِيدُ: "فِي الدُعاءِ"؛ وإنْ كانَ اللَفْظُ عامًّا؛ فَإلى هَذا هي الإشارَةُ؛ والِاعْتِداءُ في الدُعاءِ عَلى وُجُوهٍ؛ مِنها الجَهْرُ الكَثِيرُ؛ والصِياحُ؛ كَما «قالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِقَوْمٍ - وقَدْ رَفَعُوا أصْواتَهم بِالتَكْبِيرِ -: "أيُّها الناسُ؛ اِرْبَعُوا عَلى أنْفُسِكُمْ؛ إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا"؛» ومِنها أنْ يَدْعُوَ الإنْسانُ في أنْ تَكُونَ لَهُ مَنزِلَةُ نَبِيٍّ؛ أو يَدْعُوَ في مُحالٍ؛ ونَحْوِ هَذا مِنَ التَشَطُّطِ؛ ومِنها أنْ يَدْعُوَ طالِبًا مَعْصِيَةً؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ وفي هَذِهِ الأسْئِلَةِ كِفايَةٌ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ"؛ و"اَلْمُعْتَدِي"؛ هو مُجاوِزُ الحَدِّ؛ ومُرْتَكِبُ الحَظْرِ؛ وقَدْ يُتَفاضَلُ بِحَسَبِ ما اعْتُدِيَ فِيهِ؛ ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "سَيَكُونُ أقْوامٌ يَعْتَدُونَ في الدُعاءِ؛ وحَسْبُ المَرْءِ أنْ يَقُولَ: اَللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الجَنَّةَ وما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ؛ وأعُوذُ بِكَ مِنَ النارِ وما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ".» وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلا تُفْسِدُوا في الأرْضِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ ألْفاظٌ عامَّةٌ؛ تَتَضَمَّنُ كُلَّ إفْسادٍ؛ قَلَّ أو كَثُرَ؛ بَعْدَ إصْلاحٍ؛ قَلَّ أو كَثُرَ؛ والقَصْدُ بِالنَهْيِ هو عَلى العُمُومِ؛ وتَخْصِيصُ شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ في هَذا تَحَكُّمٌ؛ إلّا أنْ يُقالَ عَلى وِجْهَةِ المِثالِ؛ قالَ الضَحّاكُ: مَعْناهُ: لا تُعَوِّرُوا الماءَ المَعِينَ؛ ولا تَقْطَعُوا الشَجَرَ المُثْمِرَ ضِرارًا؛ وقَدْ ورَدَ: "قَطْعُ الدِينارِ والدِرْهَمِ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ"؛ وقَدْ قِيلَ: "تِجارَةُ الحُكّامِ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ"؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: اَلْمُرادُ: "وَلا تُشْرِكُوا في الأرْضِ بَعْدَ أنْ أصْلَحَها اللهُ تَعالى بِبِعْثَةِ الرُسُلِ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -؛ وتَقْرِيرِ الشَرائِعِ؛ ووُضُوحِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ"؛ وقائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ قَصَدَ إلى أكْبَرِ فَسادٍ بَعْدَ أعْظَمِ صَلاحٍ؛ فَخَصَّهُ بِالذِكْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا ﴾ ؛ أمْرٌ بِأنْ يَكُونَ الإنْسانُ في حالَةِ تَرَقُّبٍ؛ وتَحَزُّنٍ؛ وتَأْمِيلٍ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ حَتّى يَكُونَ الرَجاءُ والخَوْفُ كالجَناحَيْنِ لِلطّائِرِ؛ يَحْمِلانِهِ في طَرِيقِ اسْتِقامَةٍ؛ وإنِ انْفَرَدَ أحَدُهُما هَلَكَ الإنْسانُ؛ وقَدْ قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: يَنْبَغِي أنْ يَغْلِبَ الخَوْفُ الرَجاءَ؛ طُولَ الحَياةِ؛ فَإذا جاءَ المَوْتُ غَلَبَ الرَجاءُ؛ وقَدْ رَأى كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ أنْ يَكُونَ الخَوْفُ أغْلَبَ عَلى المَرْءِ بِكَثِيرٍ؛ وهَذا كُلُّهُ احْتِياطٌ؛ ومِنهُ تَمَنِّي الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنْ يَكُونَ الرَجُلَ الَّذِي هو آخِرُ مَن يُدْخَلُ الجَنَّةَ؛ وتَمَنِّي سالِمٍ؛ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ ؛ أنْ يَكُونَ مِن أصْحابِ الأعْرافِ؛ لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّهم مُذْنِبُونَ.

ثُمَّ آنَسَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ ؛ فَإنَّها آيَةُ وعْدٍ؛ فِيها تَقْيِيدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ ؛ واخْتَلَفَ الناسُ في وجْهِ حَذْفِ التاءِ مِن "قَرِيبٌ"؛ في صِفَةِ الرَحْمَةِ؛ عَلى أقْوالٍ؛ مِنها أنَّهُ عَلى جِهَةِ النَسَبِ؛ أيْ: "ذاتُ قُرْبٍ"؛ ومِنها أنَّهُ لَمّا كانَ تَأْنِيثُها غَيْرَ حَقِيقِيٍّ؛ جَرَتْ مُجْرى "كَفٌّ خَضِيبٌ"؛ و"لِحْيَةٌ دَهِينٌ"؛ ومِنها أنَّها بِمَعْنًى مُذَكَّرٍ؛ فَذُكِرَ الوَصْفَ لِذَلِكَ؛ واخْتَلَفَ أهْلُ هَذا القَوْلِ في تَقْدِيرِ المُذَكَّرِ الَّذِي هي بَدَلٌ مِنهُ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْغُفْرانُ والعَفْوُ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمَطَرُ؛ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ؛ وقالَ الفَرّاءُ: "لَفْظَةُ "اَلْقُرْبُ"؛ إذا اسْتُعْمِلَتْ في النَسَبِ؛ والقَرابَةِ؛ فَهي مَعَ المُؤَنَّثِ بِتاءٍ؛ ولا بُدَّ؛ وإذا اسْتُعْمِلَتْ في قُرْبِ المَسافَةِ؛ [تُذَكَّرُ؛ وتُؤَنَّثُ]".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: أو "اَلزَّمَنُ"؛ فَقَدْ تَجِيءُ مَعَ المُؤَنَّثِ بِتاءٍ؛ وقَدْ تَجِيءُ بِغَيْرِ تاءٍ؛ وهَذا مِنهُ؛ ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: عَشِيَّةَ لا عَفْراءَ مِنكَ قَرِيبَةٌ ∗∗∗ فَتَدْنُو ولا عَفْراءَ مِنكَ بَعِيدُ فَجَمَعَ في هَذا البَيْتِ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ في كِتابِهِ؛ وقَدْ مَرَّ في بَعْضِ كُتُبِ المُفَسِّرِينَ مُقَيَّدًا؛ ورَدَّ الزَجّاجُ عَلى هَذا القَوْلِ؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "قَرِيبٌ"؛ في الآيَةِ؛ لَيْسَ بِصِفَةٍ لِلرَّحْمَةِ؛ وإنَّما هي ظَرْفٌ لَها؛ ومَوْضِعٌ؛ فَيَجِيءُ هَكَذا في المُؤَنَّثِ؛ والِاثْنَيْنِ؛ والجَمْعِ؛ وكَذَلِكَ "بَعِيدٌ"؛ فَإذا جَعَلُوها صِفَةً بِمَعْنى "مُقَرَّبَةٌ"؛ قالُوا: "قَرِيبَةٌ"؛ و"قَرِيبَتانِ"؛ و"قَرِيباتٌ"؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى "قَرِيبٌ"؛ إنَّما يُرادُ بِهِ مُقارَبَةُ الأرْواحِ لِلْأجْسادِ؛ أيْ: عِنْدَ ذَلِكَ تَنالُهُمُ الرَحْمَةُ.

<div class="verse-tafsir"

وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَـٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًۭا ثِقَالًۭا سُقْنَـٰهُ لِبَلَدٍۢ مَّيِّتٍۢ فَأَنزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ٥٧ وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ ۖ وَٱلَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًۭا ۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَشْكُرُونَ ٥٨

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَمَراتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ والبَلَدُ الطَيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ﴾ هَذِهِ آيَةُ اعْتِبارٍ واسْتِدْلالٍ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "اَلرِّياحَ"؛ بِالجَمْعِ؛ "نُشُرًا"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ والشِينِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: وهي قِراءَةُ الحَسَنِ؛ وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ وأبِي رَجاءٍ ؛ واخْتَلَفَ عنهُمُ الأعْرَجُ ؛ وأبُو جَعْفَرٍ ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ وأبُو يَحْيى ؛ وأبُو نَوْفَلٍ الأعْرابِيَّيْنِ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "اَلرِّيحَ"؛ واحِدَةً؛ "نُشُرًا"؛ بِضَمِّها أيْضًا؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "اَلرِّياحَ"؛ جَمْعًا؛ "نُشْرًا"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ؛ وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ وأبِي رَجاءٍ ؛ وقَتادَةَ ؛ وأبِي عَمْرٍو ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "اَلرِّيحَ"؛ واحِدَةً؛ "نَشْرًا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ وزِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ؛ وابْنِ وثّابٍ ؛ وإبْراهِيمَ؛ وطَلْحَةَ ؛ والأعْمَشِ ؛ ومَسْرُوقِ بْنِ الأجْدَعِ ؛ وقَرَأ ابْنُ جِنِّي قِراءَةَ مَسْرُوقٍ: "نَشَرًا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ والشِينِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ: "اَلرِّياحَ"؛ جَماعَةً؛ "بُشْرًا"؛ بِالباءِ المَضْمُومَةِ؛ والشِينِ الساكِنَةِ؛ ورُوِيَ عنهُ: "بُشُرًا"؛ بِضَمِّ الباءِ؛ والشِينِ؛ وقَرَأ بِهاابْنُ عَبّاسٍ ؛ والسُلَمِيُّ ؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ؛ وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ؛ وأبُو قُطَيْبٍ: "بُشْرى"؛ عَلى وزْنِ "فُعْلى"؛ بِضَمِّ الباءِ؛ ورُوِيَتْ عن أبِي يَحْيى؛ وأبِي نَوْفَلٍ؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "بَشْرًا"؛ بِفَتْحِ الباءِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ قالَ الزَهْراوِيُّ: ورُوِيَتْ هَذِهِ عن عاصِمٍ.

ومَن جَمَعَ "اَلرِّيحَ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَهو أسْعَدُ؛ وذَلِكَ أنَّ "اَلرِّياحَ"؛ حَيْثُ وقَعَتْ في القُرْآنِ؛ فَهي مُقْتَرِنَةٌ بِالرَحْمَةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَمِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِياحَ مُبَشِّراتٍ  ﴾ ؛ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَأرْسَلْنا الرِياحَ لَواقِحَ  ﴾ ؛ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا  ﴾ ؛ وأكْثَرُ ذِكْرِ "اَلرِّيحَ"؛ مُفْرَدَةً إنَّما هو بِقَرِينَةِ عَذابٍ؛ كَقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِيحَ العَقِيمَ  ﴾ ؛ وقَوْلِهِ: ﴿ وَأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ  ﴾ ؛ وقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ  ﴾ ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها  ﴾ ؛ نَحا هَذا المَنحى يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ ؛ وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ ؛ وعاصِمٌ ؛ وفي الحَدِيثِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا هَبَّتِ الرِيحُ يَقُولُ: "اَللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا؛ ولا تَجْعَلْها رِيحًا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والمَعْنى في هَذا كُلِّهِ بَيِّنٌ؛ وذَلِكَ أنَّ رِيحَ السُقْيا والمَطَرِ إنَّما هي مُنْتَشِرَةٌ؛ لَيِّنَةٌ؛ تَجِيءُ مِن هَهُنا ومِن هَهُنا؛ وتَتَفَرَّقُ؛ فَيَحْسُنُ مِن حَيْثُ هي مُنْفَصِلَةُ الأجْزاءِ مُتَغايِرَةُ المَهَبِّ يَسِيرًا أنْ يُقالَ لَها: "رِياحٌ"؛ وتُوصَفَ بِالكَثْرَةِ؛ وأمّا "رِيحُ الصِرِّ والعَذابِ"؛ فَهي عاصِفَةٌ صَرْصَرٌ؛ جَسَدٌ واحِدٌ؛ شَدِيدَةُ المَرِّ؛ مُهْلِكَةٌ بِقُوَّتِها؛ وبِما تَحْمِلُهُ أحْيانًا مِنَ الصِرِّ المُحْرِقِ؛ فَيَحْسُنُ مِن حَيْثُ هي شَدِيدَةُ الِاتِّصالِ أنْ تُسَمّى "رِيحًا"؛ مُفْرَدَةً؛ وكَذَلِكَ أُفْرِدَتِ الرِيحُ في قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ  ﴾ ؛ مِن حَيْثُ جَرْيُ السُفُنِ؛ إنَّما تَجْرِي بِرِيحٍ مُتَّصِلَةٍ؛ كَأنَّها شَيْءٌ واحِدٌ؛ فَأُفْرِدَتْ لِذَلِكَ؛ ووُصِفَتْ بِالطِيبِ؛ لِإزالَةِ الِاشْتِراكِ بَيْنَها وبَيْنَ الرِيحِ المَكْرُوهَةِ؛ وكَذَلِكَ رِيحُ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ إنَّما كانَتْ تَجْرِي بِأمْرِهِ؛ أو تَعْصِفُ في حُقُولِهِ؛ وهي مُتَّصِلَةٌ؛ وبَعْدُ..

فَمَن قَرَأ في هَذِهِ الآيَةِ: "اَلرِّيحَ"؛ بِالإفْرادِ؛ فَإنَّما يُرِيدُ بِهِ اسْمَ الجِنْسِ؛ وأيْضًا فَتَقْيِيدُها بِـ "بُشْرًا"؛ يُزِيلُ الِاشْتِراكَ.

والإرْسالُ في الرِيحِ هو بِمَعْنى الإجْراءِ؛ والإطْلاقِ؛ والإسالَةِ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ: « "فَلَرَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِيحِ المُرْسَلَةِ"؛» والرِيحُ تُجْمَعُ - في القَلِيلِ -: "أرْواحٌ"؛ وفي الكَثِيرِ: "رِياحٌ"؛ لِأنَّ العَيْنَ مِن "اَلرِّيحُ"؛ واوٌ انْقَلَبَتْ في الواحِدِ ياءً لِلْكَسْرِ الَّذِي قَبْلَها؛ وكَذَلِكَ في الجَمْعِ الكَثِيرِ؛ وصَحَّتْ في القَلِيلِ لِأنَّهُ لا شَيْءَ فِيهِ يُوجِبُ الإعْلالَ.

وأمّا "نُشُرًا"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ والشِينِ؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ "ناشِرٌ"؛ عَلى النَسَبِ؛ أيْ "ذاتَ نَشْرٍ"؛ مِن "اَلطَّيُّ"؛ أو "نُشُورٌ"؛ مِن "اَلْحَياةُ"؛ ويَحْتَمِلُ "نُشُرًا"؛ أنْ يَكُونَ جَمْعَ "نَشُورٌ"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ وضَمِّ الشِينِ؛ كَـ "رَسُولٌ"؛ و"رُسُلٌ"؛ و"صَبُورٌ"؛ و"صُبُرٌ"؛ و"شَكُورٌ" و"شُكُرٌ"؛ ويَحْتَمِلُ "نُشُرًا"؛ أنْ يَكُونَ كالمَفْعُولِ بِمَعْنى "مَنشُورٌ"؛ كَـ "رَكُوبٌ"؛ بِمَعْنى "مَرْكُوبٌ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أبْنِيَةِ اسْمِ الفاعِلِ؛ لِأنَّها تَنْشُرُ السَحابَ؛ وأمّا مِثالُ الأوَّلِ في قَوْلِنا: "ناشِرٌ"؛ و"نُشُرٌ"؛ فَـ "شاهِدٌ"؛ و"شُهُدٌ"؛ و"نازِلٌ"؛ و"نُزُلٌ"؛ كَما قالَ الشاعِرُ: ...................

∗∗∗ أو تَنْزِلُونَ فَإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ وَ"قاتِلٌ"؛ و"قُتُلٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ..................

∗∗∗ ∗∗∗ إنّا لِأمْثالِكم يا قَوْمَنا قُتُلُ وأمّا مَن قَرَأ: "نُشْرًا"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ فَإنَّما خَفَّفَ الشِينَ مِن قَوْلِهِ: "نُشُرًا"؛ وأمّا مَن قَرَأ: "نَشْرًا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ فَهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الرِيحِ؛ ويُحْتَمَلُ في المَعْنى أنْ يُرادَ بِهِ "اَلنَّشْرُ"؛ اَلَّذِي هو خِلافُ الطَيِّ؛ وكُلُّ بَقاءِ الرِيحِ دُونَ هُبُوبٍ طَيٌّ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن "اَلنَّشْرُ"؛ اَلَّذِي هو الإحْياءُ؛ كَما قالَ الأعْشى: ....................

∗∗∗ ∗∗∗ يا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ الناشِرِ وأمّا مَن قَرَأ: "نَشَرًا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ والشِينِ - وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ -؛ فَهو اسْمٌ؛ وهو عَلى النَسَبِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: أيْ "ذَواتَ نَشَرٍ"؛ و"اَلنَّشَرُ": أنْ تَنْتَشِرَ الغَنَمُ بِاللَيْلِ فَتَرْعى؛ فَشَبَّهَ السَحابَ؛ في انْتِشارِهِ وعُمُومِهِ؛ بِذَلِكَ.

وأمّا: "بُشُرًا"؛ بِضَمِّ الباءِ؛ والشِينِ؛ فَجَمْعُ "بَشِيرٌ"؛ كَـ "نَذِيرٌ"؛ و"نُذُرٌ"؛ و"بُشْرًا"؛ بِسُكُونِ الشِينِ؛ مُخَفَّفٌ مِنهُ؛ و"بَشْرًا"؛ بِفَتْحِ الباءِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ مَصْدَرٌ؛ و"بُشْرى"؛ مَصْدَرٌ أيْضًا؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ والرَحْمَةُ في هَذِهِ الآيَةِ: اَلْمَطَرُ؛ و"بَيْنَ يَدَيْ"؛ أيْ: أمامَ رَحْمَتِهِ؛ وقُدّامَها؛ وهي هُنا اسْتِعارَةٌ؛ وهي حَقِيقَةٌ فِيما بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ مِنَ الأجْرامِ.

و"أقَلَّتْ"؛ مَعْناهُ: رَفَعَتْ مِنَ الأرْضِ؛ واسْتَقَلَّتْ بِها؛ ومِنهُ "اَلْقِلَّةُ"؛ وكَأنَّ المُقِلَّ يَرى ما يَرْفَعُ قَلِيلًا؛ إذا قَدَرَ عَلَيْهِ؛ و"ثِقالًا"؛ مَعْناهُ: مِنَ الماءِ؛ والعَرَبُ تَصِفُ السَحابَ بِالثِقْلِ والدَلْحِ؛ ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ: بِأحْسَنَ مِنها ولا مُزْنَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ دَلُوحٌ تَكَشَّفُ أدْجانُها والرِيحُ تَسُوقُ السُحُبَ مِن ورائِها؛ فَهو سَوْقُ حَقِيقَةٍ؛ والضَمِيرُ في "سُقْناهُ"؛ عائِدٌ عَلى السَحابِ؛ واسْتَنَدَ الفِعْلُ إلى ضَمِيرِ اسْمِ اللهِ تَعالى ؛ مِن حَيْثُ هو إنْعامٌ؛ وصِفَةُ البَلَدِ بِالمَوْتِ اسْتِعارَةٌ بِسَبَبِ شَعَثِهِ؛ وجُدُوبَتِهِ؛ وتَصْوِيحِ نَباتِهِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ والأعْمَشُ: "لِبَلَدٍ مَيْتٍ"؛ بِسُكُونِ الياءِ؛ وشَدَّها الباقُونَ؛ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "فَأنْزَلْنا بِهِ"؛ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى السَحابِ؛ أيْ: مِنهُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى البَلَدِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الماءِ؛ وهو أظْهَرُها.

وقالَ السُدِّيُّ: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ اللهَ تَعالى يُرْسِلُ الرِياحَ فَتَأْتِي بِالسَحابِ مِن بَيْنِ الخافِقَيْنِ؛ طَرَفَ السَماءِ والأرْضِ؛ حَيْثُ يَلْتَقِيانِ؛ فَتُخْرِجُهُ مِن ثَمَّ؛ ثُمَّ تَنْشُرُهُ؛ فَتَبْسُطُهُ في السَماءِ؛ ثُمَّ تَفْتَحُ أبْوابَ السَماءِ؛ فَيَسِيلُ الماءُ عَلى السَحابِ؛ ثُمَّ تُمْطِرُ السَحابُ بَعْدَ ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَفْصِيلُ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وقَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى ﴾ ؛ يَحْتَمِلُ مَقْصِدَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُرادَ: كَهَذِهِ القُدْرَةِ العَظِيمَةِ في إنْزالِ الماءِ؛ وإخْراجِ الثَمَراتِ بِهِ مِنَ الأرْضِ المُجْدِبَةِ؛ هي القُدْرَةُ عَلى إحْياءِ المَوْتى مِنَ الأجْداثِ؛ وهَذا مِثالٌ لَها؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ أنَّ هَكَذا يُصْنَعُ بِالأمْواتِ؛ مِن نُزُولِ المَطَرِ عَلَيْهِمْ؛ حَتّى يَحْيَوْا بِهِ؛ فَيَكُونَ الكَلامُ خَبَرًا؛ لا مَثَلًا؛ وهَذا التَأْوِيلُ إنَّما يَسْتَنِدُ إلى الحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عن أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - « "أنَّ الناسَ إذا ماتُوا في النَفْخَةِ الأُولى مُطِرَ عَلَيْهِمْ مَطَرٌ مِن ماءٍ تَحْتَ العَرْشِ؛ يُقالُ لَهُ: "ماءُ الحَيَوانِ"؛ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ فَيَنْبُتُونَ كَما يَنْبُتُ الزَرْعُ؛ فَإذا كَمُلَتْ أجْسادُهم نُفِخَ فِيهِمُ الرُوحُ؛ ثُمَّ تُلْقى عَلَيْهِمْ نَوْمَةٌ فَيَنامُونَ؛ فَإذا نُفِخَ في الصُورِ الثانِيَةَ قامُوا وهم يَجِدُونَ طَعْمَ النَوْمِ؛ فَيَقُولُونَ: يا ويْلَنا؛ مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا؟

فَيُنادِيهِمُ المُنادِي: ﴿ هَذا ما وعَدَ الرَحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ  ﴾ .» وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ والبَلَدُ الطَيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ ﴾ ؛ آيَةٌ مُتَمِّمَةٌ لِلْمَعْنى الأوَّلِ في الآيَةِ قَبْلَها؛ مُعَرِّفَةٌ بِعادَةِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى - في إنْباتِ الأرْضِينَ؛ فَمَن أرادَ أنْ يَجْعَلَها مِثالًا لَقَلْبِ المُؤْمِنِ؛ وقَلْبِ الكافِرِ؛ فَذَلِكَ كُلُّهُ مُرَتَّبٌ؛ لَكِنَّ ألْفاظَ الآيَةِ لا تَقْتَضِي أنَّ المِثالَ قُصِدَ بِهِ ذَلِكَ؛ والتَمْثِيلُ بِذَلِكَ حَكاهُ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُدِّيِّ ؛ وقالَ النُحّاسُ: هو مِثالٌ لِلْفَهِيمِ؛ ولِلْبَلِيدِ؛ و"اَلطَّيِّبُ"؛ هو الجَيِّدُ التُرابِ؛ الكَرِيمُ الأرْضِ؛ وخُصَّ بِإذْنِ رَبِّهِ مَدْحًا؛ وتَشْرِيفًا؛ وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن تَغُضُّ عنهُ: "أنْتَ كَما شاءَ اللهُ"؛ فَهي عِبارَةٌ تُعْطِي مُبالَغَةً في مَدْحٍ؛ أو ذَمٍّ؛ ومِن هَذا قَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ فَلَهُ ما سَلَفَ وأمْرُهُ إلى اللهِ  ﴾ ؛ عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ؛ و"اَلْخَبِيثُ"؛ هو السِباخُ؛ ونَحْوُها مِن رَدِيءِ الأرْضِ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ؛ وأبُو حَيْوَةَ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "يُخْرِجُ نَباتَهُ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وكَسْرِ الراءِ؛ ونَصْبِ التاءِ؛ و"اَلنَّكِدُ": اَلْعَسِيرُ القَلِيلُ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لا تُنْجِزُ الوَعْدَ إنْ وعَدْتَ وإنْ ∗∗∗ ∗∗∗ أعْطَيْتَ أعْطَيْتَ تافِهًا نَكِدًا و"نَكِدَ الرَجُلُ"؛ إذا سَألَ إلْحافًا وأُخْجِلَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وأعْطِ ما أعْطَيْتَهُ طَيِّبًا ∗∗∗ ∗∗∗ لا خَيْرَ في المَنكُودِ والناكِدِ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ؛ وجَمِيعُ السَبْعَةِ: "نَكِدًا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ وكَسْرِ الكافِ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "نَكْدًا"؛ بِتَخْفِيفِ الكافِ؛ وفَتْحِ النُونِ؛ وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "نَكَدا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ والكافِ؛ وقالَ الزَجّاجُ: وهي قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ.

﴿ كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ﴾ ؛ أيْ: هَكَذا نُبَيِّنُ الأُمُورَ؛ و"يَشْكُرُونَ"؛ مَعْناهُ: يُؤْمِنُونَ بِآلاءِ اللهِ تَعالى ؛ ويُثْنُونَ.

<div class="verse-tafsir"

لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَقَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ ٥٩ قَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ٦٠ قَالَ يَـٰقَوْمِ لَيْسَ بِى ضَلَـٰلَةٌۭ وَلَـٰكِنِّى رَسُولٌۭ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٦١ أُبَلِّغُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّى وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٦٢

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ قالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ اَللّامُ لامُ القَسَمِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: سُمِّيَ "نُوحًا"؛ لِأنَّهُ كانَ يَنُوحُ عَلى نَفْسِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ.

قالَ سِيبَوَيْهِ: "نُوحٌ"؛ و"لُوطٌ"؛ و"هُودٌ"؛ أسْماءٌ أعْجَمِيَّةٌ؛ إلّا أنَّها حَقِيقَةٌ؛ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ؛ وهَذِهِ نِذارَةٌ مِن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ دَعاهم إلى عِبادَةِ اللهِ تَعالى وحْدَهُ؛ ورَفْضِ آلِهَتِهِمُ المُسَمّاةِ: "وَدًّا"؛ و"سُواعًا"؛ و"يَغُوثَ"؛ و"يَعُوقَ"؛ وغَيْرَها مِمّا لَمْ يُشْتَهَرْ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "غَيْرِهِ"؛ بِالكَسْرِ مِنَ الراءِ؛ عَلى النَعْتِ لِـ "إلَهٍ"؛ وهي قِراءَةُ يَحْيى بْنِ وثّابٍ ؛ والأعْمَشِ ؛ وأبِي جَعْفَرٍ ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "غَيْرُهُ"؛ بِالرَفْعِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرِ اللهِ"؛ خَفْضًا؛ وقَرَأ الباقُونَ: "غَيْرُ اللهِ"؛ رَفْعًا؛ والرَفْعُ في قِراءَةِ الجَماعَةِ هُنا عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "مِن إلَهٍ"؛ لِأنَّ مَوْضِعَ قَوْلِهِ: "مِن إلَهٍ"؛ رَفْعٌ؛ وهو الَّذِي رَجَّحَ الفارِسِيُّ ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّ التَقْرِيرَ: "ما لَكم إلَهٌ غَيْرُهُ"؛ أو يُقَدَّرَ "غَيْرُ"؛ بِـ "إلّا"؛ فَيُعْرَبَ بِإعْرابِ ما يَقَعُ بَعْدَ "إلّا"؛ وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "غَيْرَهُ"؛ بِنَصْبِ الراءِ؛ عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ ضَعِيفٌ؛ مِن أجْلِ النَفْيِ المُتَقَدِّمِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "عَذابَ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابَ الدُنْيا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابَ الآخِرَةِ.

وَ"اَلْمَلَأُ": اَلْجَماعَةُ الشَرِيفَةُ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: لا امْرَأةَ فِيهِمْ؛ وحَكاهُ النَقّاشُ عن ثَعْلَبٍ فِي: "اَلْمَلَأُ"؛ و"اَلرَّهْطُ"؛ و"اَلنَّفَرُ"؛ و"اَلْقَوْمُ"؛ وقِيلَ: هم مَأْخُوذُونَ مِن أنَّهم يَمْلَؤُونَ النَفْسَ والعَيْنَ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أنَّهم إذا تَمالَؤُوا عَلى أمْرٍ تَمَّ؛ «وَقالَ سَلَمَةُ بْنُ سَلامَةَ بْنِ وقْشٍ الأنْصارِيُّ عِنْدَ قُفُولِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن غَزْوَةِ بَدْرٍ: "إنَّما قَتَلْنا عَجائِزَ صُلْعًا"؛ فَقالَ لَهُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "أُولَئِكَ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ؛ لَوْ حَضَرْتَ أفْعالَهم لاحْتَقَرْتَ فِعْلَكَ"؛» و"اَلْمَلَأُ"؛ صِفَةٌ غالِبَةٌ؛ وجَمْعُهُ "أمْلاءٌ"؛ ولَيْسَ مِن بابِ "رَهْطٌ"؛ وإنْ كانا اسْمَيْنِ لِلْجَمْعِ؛ لِأنَّ "رَهْطٌ"؛ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ؛ و"مَلَأٌ"؛ يُوجَدُ مِن لَفْظِهِ "مالِئٌ"؛ قالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: "اَلْمالِئُ": اَلرَّجُلُ الجَلِيلُ؛ الَّذِي يَمْلَأُ العَيْنَ بِجَهْرَتِهِ؛ فَيَجِيءُ كَـ "عازِبٌ" و"خادِمٌ"؛ ورائِحٌ"؛ فَإنَّ أسْماءَ جُمُوعِها: "عَزَبٌ"؛ و"خَدَمٌ"؛ و"رَوَحٌ"؛ وإنْ كانَتِ اللَفْظَةُ مِن "تَمالَأ القَوْمُ عَلى كَذا"؛ فَهي مُفارِقَةٌ بابَ "رَهْطٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "ما قَتَلْتُ عُثْمانَ ؛ ولا مالَأتُ في دَمِهِ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "المَلَؤُ"؛ بِواوٍ؛ وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ الشامِ؛ وقَوْلُهُمْ: ﴿ "لَنَراكَ"؛ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ؛ ويُحْتَمَلُ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ؛ وهو الأظْهَرُ؛ و"فِي ضَلالٍ"؛ أيْ: في إتْلافٍ؛ وجَهالَةٍ بِما تَسْلُكُ.

وقَوْلُهُ لَهم - جَوابًا عن هَذا -: ﴿ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ﴾ ؛ مُبالَغَةٌ في حُسْنِ الأدَبِ؛ والإعْراضِ عَنِ الجَفاءِ مِنهُمْ؛ وتَناوُلٌ رَفِيقٌ؛ وسَعَةُ صَدْرٍ؛ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ خُلُقُ النُبُوَّةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَكِنِّي رَسُولٌ ﴾ ؛ تَعَرُّضٌ لِمَن يُرِيدُ النَظَرَ؛ والبَحْثَ؛ والتَأمُّلَ في المُعْجِزَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ونُقَدِّرُ - ولا بُدَّ - أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ - وكُلَّ نَبِيٍّ مَبْعُوثٍ إلى الخَلْقِ كانَتْ لَهُ مُعْجِزَةٌ تَخْرِقُ العادَةَ؛ فَمِنهم مَن عَرَفْنا بِمُعْجِزَتِهِ؛ ومِنهم مَن لَمْ نَعْرِفْ.

وقَرَأ السَبْعَةُ - سِوى أبِي عَمْرٍو -: ﴿ "أُبَلِّغُكُمْ"؛ ﴾ بِشَدِّ اللامِ؛ وفَتْحِ الباءِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِسُكُونِ الباءِ؛ وتَخْفِيفِ اللامِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ وَأعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ؛ وإنْ كانَ لَفْظًا عامًّا في كُلِّ ما عَلِمَهُ؛ فالمَقْصُودُ مِنهُ هُنا: اَلْمَعْلُوماتُ المَخُوفاتُ عَلَيْهِمْ؛ لا سِيَّما وهم لَمْ يَسْمَعُوا قَطُّ بِأُمَّةٍ عُذِّبَتْ؛ فاللَفْظُ مُضَمَّنٌ الوَعِيدَ.

<div class="verse-tafsir"

أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا۟ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ٦٣ فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَـٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا عَمِينَ ٦٤

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم ولِتَتَّقُوا ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ ﴾ هَذِهِ ألِفُ اسْتِفْهامٍ دَخَلَتْ عَلى الواوِ العاطِفَةِ؛ والِاسْتِفْهامُ هُنا بِمَعْنى التَقْرِيرِ؛ والتَوْبِيخِ؛ وعَجَبُهُمُ الَّذِي وقَعَ إنَّما كانَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِبْعادِ والِاسْتِمْحالِ؛ هَذا هو الظاهِرُ مِن قِصَّتِهِمْ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "عَلى"؛ قِيلَ: هي بِمَعْنى "مَعَ"؛ وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "عَلى لِسانِ رَجُلٍ مِنكُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَجِيءُ بِنَفْسِهِ في هَذا المَوْضِعِ يَصِلُ بِـ "عَلى"؛ إذْ كُلُّ ما يَأْتِي مِنَ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى - فَلَهُ حُكْمُ النُزُولِ؛ فَكَأنَّ "جاءَكُمْ"؛ مَعْناهُ: "نَزَلَ"؛ فَحَسُنَ مَعَهُ أنْ يُقالَ: "عَلى رَجُلٍ"؛ واللامُ في "لِيُنْذِرَكُمْ"؛ لامُ "كَيْ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى "وَلَعَلَّكُمْ"؛ تَرَجٍّ؛ بِحَسَبِ حالِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ومُعْتَقَدِهِ؛ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ إنَّما هو مِن تِلْقاءِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم بَعْدَ تَلَطُّفِهِ بِهِمْ كَذَّبُوهُ؛ فَأنْجاهُ اللهُ تَعالى ؛ والمُؤْمِنِينَ بِهِ؛ في السَفِينَةِ؛ وهي الفُلْكُ؛ و"اَلْفُلْكُ"؛ لِلْجَمْعِ؛ والمُفْرَدِ؛ ولَيْسَ عَلى حَدِّ "جُنُبٌ"؛ ونَحْوِهِ؛ لَكِنَّ "فُلْكٌ"؛ لِلْواحِدِ؛ كُسِّرَ عَلى "فُلْكٌ"؛ لِلْجَمِيعِ؛ فَضَمَّةُ الفاءِ في الواحِدِ لَيْسَتْ هي في الجَمْعِ؛ و"فُعْلٌ"؛ بِناءُ تَكْسِيرٍ؛ مِثْلُ: "أسَدٌ"؛ و"أُسْدٌ"؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهم في التَثْنِيَةِ: "فُلْكانِ"؛ وفِي التَفْسِيرِ: إنَّ الَّذِينَ كانُوا مَعَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - في السَفِينَةِ أرْبَعُونَ رَجُلًا - وقِيلَ: ثَمانُونَ؛ وقِيلَ: عَشْرَةٌ - فَهم أولادُهُ: "يافِثُ"؛ و"سامُ"؛ و"حامُ"؛ وفي كَثِيرٍ مِن كُتُبِ الحَدِيثِ؛ لِلتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ: « "إنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ الآنَ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ"؛» وقالَ الزُهْرِيُّ في كِتابِ النَقّاشِ: وفي القُرْآنِ: ﴿ ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سائِرُ العَشْرَةِ؛ أوِ الأرْبَعِينَ - حَسَبَ الخِلافِ - حَفَدَةً لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ومِن ذُرِّيَّتِهِ؛ فَتَجْتَمِعَ الآيَةُ؛ والحَدِيثُ؛ ويُحْتَمَلُ أنَّ مَن كانَ في السَفِينَةِ - غَيْرُ بَنِيهِ - لَمْ يَنْسِلْ -؛ وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ - وإلّا لَكانَ بَيْنَ الحَدِيثِ والآيَةِ تَعارُضٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ ؛ يَقْتَضِي أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ - كانَتْ لَهُ آياتٌ ومُعْجِزاتٌ.

وقَوْلُهُ: "عَمِينَ"؛ وزْنُهُ "فَعِينَ"؛ وهو جَمْعُ "عَمٍ"؛ وزْنُهُ "فَعٍ"؛ ويُرِيدُ: عَمى البَصائِرِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ - بُعِثَ ابْنَ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ قالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: بَعْدَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - بِثَمانِمِائَةِ سَنَةٍ؛ وجاءَ بِتَحْرِيمِ البَناتِ؛ والأخَواتِ؛ والأُمَّهاتِ؛ والخالاتِ؛ والعَمّاتِ؛ وقالَ وهْبُ بْنُ مُنْبِهٍ: بُعِثَ نُوحٌ وهو ابْنُ أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ؛ وقِيلَ: بُعِثَ ابْنَ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ؛ وقِيلَ: ابْنَ خَمْسِينَ سَنَةً؛ ورُوِيَ أنَّهُ عُمِّرَ بَعْدَ الغَرَقِ سِتِّينَ سَنَةً؛ ورُوِيَ أنَّ الطُوفانَ كانَ سَنَةَ ألْفٍ وسِتِّمِائَةٍ مِن عُمْرِهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وأتى في حَدِيثِ الشَفاعَةِ؛ وغَيْرِهِ؛ أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ - أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ إلى الناسِ؛ وأتى أيْضًا أنَّ إدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَلامُ - قَبْلَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ومِن آبائِهِ؛ وذَلِكَ يَجْتَمِعُ بِأنْ تَكُونَ بِعْثَةُ نُوحٍ مُشْتَهِرَةً لِإصْلاحِ الناسِ؛ وحَمْلِهِمْ بِالعَذابِ؛ والإهْلاكِ؛ عَلى الإيمانِ؛ فالمُرادُ أنَّهُ أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًۭا ۗ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٦٥ قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى سَفَاهَةٍۢ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ ٦٦ قَالَ يَـٰقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌۭ وَلَـٰكِنِّى رَسُولٌۭ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٦٧ أُبَلِّغُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّى وَأَنَا۠ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ٦٨

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ قالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِن الكاذِبِينَ ﴾ ﴿ قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ ﴾ "عادٍ"؛ اِسْمُ الحَيِّ؛ و"أخاهُمْ"؛ نُصِبَ بِـ "أرْسَلْنا"؛ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى "نُوحًا"؛ وهَذِهِ أيْضًا نِذارَةٌ مِن هُودٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ "غَيْرُهُ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "أفَلا تَتَّقُونَ"؛ ﴾ اِسْتِعْطافٌ إلى التُقى والإيمانِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قالَ المَلأُ  ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذِهِ المَقالَةِ آنِفًا؛ و"اَلسَّفاهَةُ": مَصْدَرٌ؛ عُبِّرَ بِهِ عَنِ الحالِ المُهَلْهَلَةِ الرَقِيقَةِ الَّتِي لا ثَباتَ لَها؛ ولا جَوْدَةَ؛ والسَفَهُ في الثَوْبِ: خِفَّةُ نَسْجِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: مَشَيْنَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ ∗∗∗ أعالِيَها مَرُّ الرِياحِ النَواسِمِ وقَوْلُهُمْ: "لَنَظُنُّكَ"؛ هو ظَنٌّ عَلى بابِهِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم إلّا ظُنُونٌ؛ وتَخَرُّصٌ؛ وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ: "أُبَلِّغُكُمْ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى "أمِينٌ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: عَلى الوَحْيِ والذِكْرِ النازِلِ مِن قِبَلِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ أمِينٌ عَلَيْهِمْ؛ وعَلى غَيْبِهِمْ؛ وعَلى إرادَةِ الخَيْرِ بِهِمْ؛ والعَرَبُ تَقُولُ: "فُلانٌ لِفُلانٍ ناصِحُ الجَيْبِ؛ أمِينُ الغَيْبِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: "أمِينٌ"؛ مِن "اَلْأمْنُ"؛ أيْ: جِهَتِي ذاتُ أمْنٍ مِنَ الكَذِبِ والغِشِّ.

<div class="verse-tafsir"

أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ ۚ وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍۢ وَزَادَكُمْ فِى ٱلْخَلْقِ بَصْۜطَةًۭ ۖ فَٱذْكُرُوٓا۟ ءَالَآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٦٩ قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُۥ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا ۖ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ٧٠

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً فاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ "أوَعَجِبْتُمْ"؛ و"اَلذِّكْرُ": لَفْظٌ عامٌّ لِلْمَواعِظِ؛ والأوامِرِ؛ والنَواهِي؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ واذْكُرُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَعْدِيدٌ لِلنِّعَمِ عَلَيْهِمْ؛ و"خُلَفاءَ"؛ جَمْعُ "خَلِيفٌ"؛ كَـ "ظَرِيفٌ"؛ و"ظُرَفاءُ"؛ و"خَلِيفَةٌ"؛ جَمْعُهُ "خَلائِفُ"؛ والعَرَبُ تَقُولُ: "خَلِيفَةٌ"؛ و"خَلِيفٌ"؛ وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ: فَإنْ يَزُلْ زائِلٌ يُوجَدْ خَلِيفَتُهُ ∗∗∗ وما خَلِيفُ أبِي وهْبٍ بِمَوْجُودِ قالَ السُدِّيُّ وابْنُ إسْحاقَ: والمَعْنى: "جَعَلَكم سُكّانَ الأرْضِ بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً ﴾ ؛ أيْ في الخِلْقَةِ؛ و"اَلْبَسْطَةُ": اَلْكَمالُ في الطُولِ؛ والعَرْضِ؛ وقِيلَ: "زادَكم عَلى أهْلِ عَصْرِكُمْ"؛ قالَ الطَبَرِيُّ: اَلْمَعْنى: "زادَكم عَلى قَوْمِ نُوحٍ"؛ وقالَهُ قَتادَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: واللَفْظُ يَقْتَضِي أنَّ الزِيادَةَ هي عَلى جَمِيعِ العالَمِ؛ وهو الَّذِي يَقْتَضِي ما يُذْكَرُ عنهُمْ؛ ورُوِيَ أنَّ طُولَ الرَجُلِ مِنهم كانَ مِائَةَ ذِراعٍ؛ وطُولُ أقْصَرِهِمْ سِتِّينَ؛ ونَحْوَ هَذا.

و"اَلْآلاءُ": جَمْعُ "إلًى"؛ عَلى مِثالِ "مِعًى"؛ وأنْشَدَ الزَجّاجُ: أبْيَضُ لا يَرْهَبُ الهُزالَ ولا ∗∗∗ ∗∗∗ يَقْطَعُ رَحْمًا ولا يَخُونُ إلى وقِيلَ: واحِدُ الآلاءِ "ألِيٌّ"؛ عَلى مِثالِ: "قَفِيٌّ"؛ وقِيلَ: واحِدُها: "ألى"؛ عَلى مِثالِ: "حَسا"؛ وهي النِعْمَةُ؛ والمِنَّةُ؛ و"تُفْلِحُونَ"؛ مَعْناهُ: تُدْرِكُونَ البُغْيَةَ؛ والآمالَ.

قالَ الطَبَرِيُّ: وعادٌ هَؤُلاءِ - فِيما حَدَّثَ ابْنُ إسْحاقَ - مِن ولَدِ عادِ بْنِ إرَمَ بْنِ عَوْصِ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ؛ وكانَتْ مَساكِنُهُمُ الشِحْرَ مِن أرْضِ اليَمَنِ؛ وما والى حَضْرَمَوْتَ إلى عُمانَ؛ وقالَ السُدِّيُّ: وكانُوا بِالأحْقافِ؛ وهي الرِمالُ؛ وكانَتْ بِلادُهم أخْصَبَ بِلادٍ؛ فَرَدَّها اللهُ تَعالى صَحارى؛ وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: إنَّ قَبْرَ هُودٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - هُنالِكَ في كَثِيبٍ أحْمَرَ يُخالِطُهُ مَدَرَةٌ ذاتُ أراكٍ وسِدْرٍ؛ وكانُوا قَدْ فَشَوْا في جَمِيعِ الأرْضِ؛ ومَلَكُوا كَثِيرًا بِقُوَّتِهِمْ؛ وعَدَدِهِمْ؛ وظَلَمُوا الناسَ؛ وكانُوا ثَلاثَ عَشْرَةَ قَبِيلَةً؛ وكانُوا أصْحابَ أوثانٍ؛ مِنها ما يُسَمّى صِداءُ؛ ومِنها صُمُودا؛ ومِنها الهَياءُ؛ فَبَعَثَ اللهُ تَعالى إلَيْهِمْ هُودًا - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ مِن أفْضَلِهِمْ؛ وأوسَطِهِمْ نَسَبًا؛ فَدَعاهم إلى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى ؛ وإلى تَرْكِ الظُلْمِ؛ قالَ ابْنُ إسْحاقَ: لَمْ يَأْمُرْهم فِيما يُذْكَرُ بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَكَذَّبُوهُ وعَتَوْا؛ واسْتَمَرَّ ذَلِكَ مِنهم إلى أنْ أرادَ اللهُ تَعالى إنْفاذَ أمْرِهِ؛ فَأمْسَكَ عنهُمُ المَطَرَ ثَلاثَ سِنِينَ؛ فَشَقُوا بِذَلِكَ؛ وكانَ الناسُ في ذَلِكَ الزَمانِ إذا هَمَّهم أمْرٌ فَزِعُوا إلى المَسْجِدِ الحَرامِ بِمَكَّةَ؛ فَدَعَوُا اللهَ تَعالى فِيهِ؛ تَعْظِيمًا لَهُ؛ مُؤْمِنُهم وكافِرُهُمْ؛ وأهْلُ مَكَّةَ يَوْمَئِذٍ العَمالِيقُ؛ وسَيِّدُهم رَجُلٌ يُسَمّى مُعاوِيَةَ بْنَ بَكْرٍ؛ فاجْتَمَعَتْ عادٌ عَلى أنْ تُجَهِّزَ مِنهم وفْدًا إلى مَكَّةَ؛ يَسْتَسْقُونَ اللهَ تَعالى لَهُمْ؛ فَبَعَثُوا قَيْلَ بْنَ عِيرٍ؛ ولَقِيمَ بْنَ هَزّالٍ؛ وعُقَيْلَ بْنَ أُدِّ بْنِ عادٍ الأكْبَرِ؛ ومَرْثَدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عَفَيْرٍ؛ وكانَ هَذا مُؤْمِنًا يَكْتُمُ إيمانَهُ؛ وجَلْهَمَةَ بْنَ الخَيْبَرِيِّ؛ في سَبْعِينَ رَجُلًا مِن قَوْمِهِمْ؛ فَلَمّا قَدِمُوا مَكَّةَ نَزَلُوا عَلى مُعاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ وهو بِظاهِرِ مَكَّةَ خارِجًا مِنَ الحَرَمِ؛ فَأنْزَلَهُمْ؛ وأقامُوا عِنْدَهُ شَهْرًا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ؛ وتُغْنِيهِمُ الجَرادَتانِ - قَيْنَتانِ لِمُعاوِيَةَ - فَلَمّا رَأى مُعاوِيَةُ طُولَ إقامَتِهُمْ؛ وقَدْ بَعَثَتْهم عادٌ لِلْغَوْثِ؛ أشْفَقَ عَلى عادٍ؛ وكانَ ابْنُ أُخْتِهِمْ كَلْهَدَةَ بِنْتِ الخَيْبَرِيِّ جَلْهَمَةَ؛ وقالَ: هَلَكَ أخْوالِي؛ وشَقَّ عَلَيْهِ أنْ يَأْمُرَ أضْيافَهُ بِالِانْصِرافِ عنهُ؛ فَشَكا ذَلِكَ إلى القَيْنَتَيْنِ؛ فَقالَتا لَهُ: اِصْنَعْ شِعْرًا نُغَنِّي بِهِ؛ عَسى أنْ نُنَبِّهَهُمْ؛ فَقالَ: ألا يا قَيْلُ ويْحَكَ قُمْ فَهَيْنِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ لَعَلَّ اللهَ يَسْقِينا غَماما فَيَسْقِي أرْضَ عادٍ إنَّ عادًا ∗∗∗ ∗∗∗ قَدَ امْسَوْا لا يُبِينُونَ الكَلاما مِنَ العَطَشِ الشَدِيدِ فَلَيْسَ نَرْجُو ∗∗∗ ∗∗∗ بِهِ الشَيْخَ الكَبِيرَ ولا الغُلاما وقَدْ كانَتْ نِساؤُهُمُ بِخَيْرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ فَقَدْ أمْسَتْ نِساؤُهُمُ عَيامى وإنَّ الوَحْشَ يَأْتِيهِمْ جِهارًا ∗∗∗ ∗∗∗ ولا يَخْشى لِعادِيٍّ سِهاما وأنْتُمْ هَهُنا فِيما اشْتَهَيْتُمْ ∗∗∗ ∗∗∗ نَهارُكُمُ ولَيْلُكُمُ التِماما فَقُبِّحَ وفْدُكم مِن وفْدِ قَوْمٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا لُقُّوا التَحِيَّةَ والسِلاما فَغَنَّتْ بِهِ الجَرادَتانِ؛ فَلَمّا سَمِعَهُ القَوْمُ قالَ بَعْضُهُمْ: يا قَوْمِ؛ إنَّما بَعَثَكم قَوْمُكم لِما حَلَّ بِهِمْ؛ فادْخُلُوا هَذا الحَرَمَ وادْعُوا؛ لَعَلَّ اللهَ تَعالى يُغِيثُهُمْ؛ فَخَرَجُوا لِذَلِكَ؛ فَقالَ لَهم مَرْثَدُ بْنُ سَعْدٍ: إنَّكم واللهِ ما تُسْقَوْنَ بِدُعائِكُمْ؛ ولَكِنَّكم إنْ أطَعْتُمْ نَبِيَّكُمْ؛ وآمَنتُمْ بِهِ؛ سُقِيتُمْ؛ وأظْهَرَ إيمانَهُ يَوْمَئِذٍ؛ فَخالَفَهُ الوَفْدُ؛ وقالُوا لِمُعاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ وأبِيهِ بَكْرٍ: اِحْبِسا عَنّا مَرْثَدًا؛ ولا يَدْخُلْ مَعَنا الحَرَمَ؛ فَإنَّهُ قَدِ اتَّبَعَ هُودًا؛ ومَضَوْا إلى مَكَّةَ فاسْتَسْقى قَيْلُ بْنُ عِيرٍ؛ وقالَ: يا إلَهَنا إنْ كانَ هُودٌ صالِحًا؛ فاسْقِنا؛ فَإنّا قَدْ هَلَكْنا؛ فَأنْشَأ اللهُ تَعالى سَحائِبَ ثَلاثًا؛ بَيْضاءَ؛ وحَمْراءَ؛ وسَوْداءَ؛ ثُمَّ ناداهُ مُنادٍ مِنَ السَحابِ: "يا قَيْلُ؛ اخْتَرْ لِنَفْسِكَ ولِقَوْمِكَ مِن هَذا السَحابِ"؛ فَقالَ قَيْلُ: قَدِ اخْتَرْتُ السَوْداءَ؛ فَإنَّها أكْثَرُها ماءً؛ فَنُودِيَ: "اِخْتَرْتَ رَمادًا رَمْدَدًا؛ لا تُبْقِي مِن عادٍ أحَدًا؛ لا والِدًا ولا ولَدًا؛ إلّا جَعَلَتْهم هَمَدًا"؛ وساقَ اللهُ تَعالى السَحابَةَ السَوْداءَ الَّتِي اخْتارَها قَيْلُ إلى عادٍ؛ حَتّى خَرَجَتْ عَلَيْهِمْ مِن وادٍ لَهم يُقالُ لَهُ: "اَلْمُغِيثُ"؛ فَلَمّا رَأوها قالُوا: هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا؛ حَتّى عَرَفَتْ أنَّها رِيحٌ امْرَأةٌ مِن عادٍ يُقالُ لَها: "مَهْدَدُ"؛ فَصاحَتْ؛ وصُعِقَتْ؛ فَلَمّا أفاقَتْ قِيلَ لَها: ما رَأيْتِ؟

قالَتْ: رَأيْتُ رِيحًا كَشُهُبِ النارِ؛ أمامَها رِجالٌ يَقُودُونَها؛ فَسَخَّرَها اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا؛ وسَبْعَ لَيالٍ؛ و"اَلْحُسُومُ": اَلدّائِمَةُ؛ فَلَمْ تَدَعْ مِن عادٍ أحَدًا إلّا هَلَكَ؛ فاعْتَزَلَ هُودٌ ومَن مَعَهُ في حَظِيرَةٍ؛ ما يُصِيبُهُ مِنَ الرِيحِ إلّا ما يُلْتَذُّ بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَصَصٌ وقَعَ في تَفْسِيرِ الطَبَرِيِّ مُطَوَّلًا؛ وفِيهِ اخْتِلافٌ؛ فاقْتَضَبْتُ عُيُونَ ذَلِكَ؛ بِحَسَبِ الإيجازِ؛ وفي خَبَرِهِمْ أنَّ الرِيحَ كانَتْ تَدْمَغُهم بِالحِجارَةِ؛ وتَرْفَعُ الظَعِينَةَ؛ عَلَيْها المَرْأةُ حَتّى تُلْقِيَها في البَحْرِ؛ وفي خَبَرِهِمْ أنَّ أقْوِياءَهم كانَ أحَدُهم يَسُدُّ بِنَفْسِهِ مَهَبَّ الرِيحِ حَتّى تَغْلِبَهُ؛ فَتُلْقِيَهُ في البَحْرِ؛ فَيَقُومَ آخَرُ مَكانَهُ؛ حَتّى هَلَكَ الجَمِيعُ؛ وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بَلَغَنِي أنَّ ضَبُعًا رَبَّتْ أولادَها في حِجاجِ عَيْنِ رَجُلٍ مِنهُمْ؛ وفي خَبَرِهِمْ أنَّ اللهَ تَعالى بَعَثَ - لَمّا هَلَكَتْ عادٌ - طَيْرًا؛ وقِيلَ: أُسْدًا؛ فَنَقَلَتْ جِيَفَهم حَتّى طَرَحَتْها في البَحْرِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَأصْبَحُوا لا يُرى إلا مَساكِنُهُمْ  ﴾ ؛ وفي بَعْضِ ما رُوِيَ مِن شَأْنِهِمْ أنَّ الرِيحَ لَمْ تُبْعَثْ قَطُّ إلّا بِمِكْيالٍ؛ إلّا يَوْمَئِذٍ؛ فَإنَّها تَمَّتْ عَلى الخَزَنَةِ فَغَلَبَتْهُمْ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ  ﴾ ؛ ورُوِيَ أنَّ هُودًا - لَمّا هَلَكَتْ عادٌ - نَزَلَ بِمَن آمَنَ مَعَهُ إلى مَكَّةَ؛ فَكانُوا بِها حَتّى ماتُوا؛ فاللهُ تَعالى أعْلَمُ أيَّ ذَلِكَ كانَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قالُوا أجِئْتَنا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ ظاهِرُ قَوْلِهِمْ وحْدَهُ أنَّهم أنْكَرُوا أنْ يَتْرُكُوا أصْنامَهُمْ؛ ويُفْرِدُوا العِبادَةَ لِلَّهِ تَعالى ؛ مَعَ إقْرارِهِمْ بِالإلَهِ الخالِقِ المُبْدِعِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا مُنْكِرِينَ لِلَّهِ تَعالى ويَكُونَ قَوْلُهُمْ: ﴿ لِنَعْبُدَ اللهَ وحْدَهُ ﴾ ؛ أيْ عَلى قَوْلِكَ يا هُودُ؛ والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أظْهَرُ فِيهِمْ؛ وفي عُبّادِ الأوثانِ كُلِّهِمْ؛ ولا يَجْحَدُ رُبُوبِيَّةَ اللهِ تَعالى مِنَ الكَفَرَةِ إلّا مَن أفْرَطَتْ غَباوَتُهُ كَأرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ؛ وإلّا مَنِ ادَّعاها لِنَفْسِهِ؛ كَفِرْعَوْنَ؛ ونَمْرُودَ؛ وقَوْلُهُمْ: ﴿ "فَأْتِنا"؛ ﴾ تَصْمِيمٌ عَلى التَكْذِيبِ؛ واحْتِقارٌ لِأمْرِ النُبُوَّةِ؛ واسْتِعْجالٌ لِلْعُقُوبَةِ؛ وتَمَكَّنَ قَوْلُهُمْ: "تَعِدُنا"؛ لَمّا كانَ هَذا الوَعْدُ مُصَرَّحًا بِهِ في الشَرِّ؛ ولَوْ كانَ ذِكْرُ الوَعْدِ مُطْلَقًا لَمْ يَجِئْ إلّا في خَيْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌۭ وَغَضَبٌ ۖ أَتُجَـٰدِلُونَنِى فِىٓ أَسْمَآءٍۢ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍۢ ۚ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ ٧١ فَأَنجَيْنَـٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا ۖ وَمَا كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ ٧٢ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًۭا ۗ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ هَـٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةًۭ ۖ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىٓ أَرْضِ ٱللَّهِ ۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍۢ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ٧٣

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِن سُلْطانٍ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِن المُنْتَظِرِينَ ﴾ ﴿ فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وما كانُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم هَذِهِ ناقَةُ اللهَ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللهَ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ أعْلَمَهم بِأنَّ القَضاءَ قَدْ نَفَذَ؛ وحَلَّ عَلَيْهِمُ الرِجْزُ؛ وهو السُخْطُ؛ والعَذابُ؛ يُقالُ: "رِجْسٌ"؛ و"رِجْزٌ"؛ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ ؛ وقالَ الشاعِرُ: إذا سَنَةٌ كانَتْ بِنَجْدٍ مُحِيطَةً ∗∗∗ فَكانَ عَلَيْهِمْ رِجْسُها وعَذابُها وقَدْ يَأْتِي الرِجْسَ أيْضًا بِمَعْنى "اَلنَّتَنُ"؛ و"اَلْقَذَرُ"؛ ويُقالُ في "اَلرَّجِيعُ": "رِجْسٌ"؛ و"رِكْزٌ"؛ وهَذا الرِجْسُ هو المُسْتَعارُ لِلْمُحَرَّماتِ؛ أيْ يَنْبَغِي أنْ يُجْتَنَبَ كَما يُجْتَنَبُ النَتَنُ؛ وَنَحْوَهُ في المَعْنى «قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في خَبَرِ جَهْجاهٍ الغِفارِيِّ؛ وسِنانِ بْنِ وبْرَةَ الأنْصارِيِّ حِينَ دَعَوا بِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ: "دَعُوها فَإنَّها مُنْتِنَةٌ".» وقَوْلُهُ: ﴿ أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ ﴾ ؛ إنَّما يُرِيدُ أنَّهم يُخاصِمُونَهُ في أنْ تُسَمّى آلِهَةً؛ فالجَدَلُ إنَّما وقَعَ في التَسْمِياتِ؛ لا في المُسَمَّياتِ؛ لَكِنَّهُ ورَدَ في القُرْآنِ: ﴿ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ  ﴾ ؛ فَهُنا لا يُرِيدُ إلّا ذَواتَ الأصْنامِ؛ فالِاسْمُ إنَّما يُرادُ بِهِ المُسَمّى نَفْسُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَن رَأى أنَّ الجَدَلَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما وقَعَ في أنْفُسِ الأصْنامِ وعِبادَتِها تَأوَّلَ هَذا التَأْوِيلَ؛ والِاسْمُ يَرِدُ في كَلامِ العَرَبِ بِمَعْنى التَسْمِيَةِ؛ وهَذا بابُهُ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ بِهِ النَحْوِيُّونَ؛ وقَدْ يُرادُ بِهِ المُسَمّى؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما قارَبَهُ مِنَ القَوْلِ؛ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى  ﴾ ؛ عَلى أنَّ هَذا يُتَأوَّلُ؛ ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَلامِ عَلَيْكُما ∗∗∗ ∗∗∗...................

عَلى تَأْوِيلاتٍ في البَيْتِ؛ وقَدْ مَضَتِ المَسْألَةُ في صَدْرِ الكِتابِ؛ و"اَلسُّلْطانُ": اَلْبُرْهانُ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وعِيدٌ؛ وتَهْدِيدٌ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "فَأنْجَيْناهُ"؛  ﴾ عائِدٌ عَلى هُودٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ أيْ: أخْرَجَهُ اللهُ تَعالى سالِمًا ؛ ناجِيًا؛ مَعَ مَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى وفَضْلِهِ؛ وخَرَجَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - ومَن آمَنَ مَعَهُ؛ حَتّى نَزَلُوا مَكَّةَ فَأقامُوا بِها حَتّى ماتُوا.

﴿ وَقَطَعْنا دابِرَ ﴾ ؛ اِسْتِعارَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِيمَن يُسْتَأْصَلُ بِالهَلاكِ؛ و"اَلدّابِرُ": اَلَّذِي يَدْبُرُ القَوْمُ؛ ويَأْتِي خَلْفَهُمْ؛ فَإذا انْتَهى القَطْعُ والِاسْتِئْصالُ إلى ذَلِكَ؛ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ كَذَّبُوا بِآياتِنا  ﴾ ؛ دالٌّ عَلى المُعْجِزَةِ؛ وإنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ لَها.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَإلى ثَمُودَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هو ثَمُودُ بْنُ غائِنِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ؛ أخُو جُدَيْسِ بْنِ غائِنٍ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "وَإلى ثَمُودٍ"؛ بِكَسْرِ الدالِ؛ وتَنْوِينِهِ في جَمِيعِ القُرْآنِ؛ وصَرْفُهُ عَلى اسْمِ الحَيِّ؛ وتَرْكُ صَرْفِهِ عَلى اسْمِ القَبِيلَةِ؛ قالَهُالزَجّاجُ ؛ وقالَ اللهُ تَعالى ﴿ ألا إنَّ ثَمُودا كَفَرُوا رَبَّهُمْ  ﴾ ؛ فالمَعْنى: "وَأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهُمْ"؛ فَهو عُطِفَ عَلى نُوحٍ؛ والأُخُوَّةُ هُنا أُخُوَّةُ القَرابَةِ؛ وقالَ الزَجّاجُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أُخُوَّةَ الآدَمِيَّةِ؛ وسُمِّيَ أخاهم لَمّا بُعِثَ إلَيْهِمْ؛ وهم قَوْمٌ عَرَبٌ؛ وهُودٌ وصالِحٌ - عَلَيْهِما السَلامُ - عَرَبِيّانِ؛ وكَذَلِكَ إسْماعِيلُ وشُعَيْبٌ - عَلَيْهِما السَلامُ -؛ كَذا قالَ النَقّاشُ ؛ وفي أمْرِ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - نَظَرٌ؛ وصالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - هو صالِحُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عارِمَ بْنِ إرَمَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ؛ كَذا ذَكَرَ مَكِّيٌّ ؛ وقالَ وهْبٌ: بَعَثَهُ اللهُ تَعالى حِينَ راهَقَ الحُلُمَ؛ ولَمّا هَلَكَ قَوْمُهُ ارْتَحَلَ بِمَن مَعَهُ إلى مَكَّةَ؛ فَأقامُوا بِها حَتّى ماتُوا؛ فَقُبُورُهم بَيْنَ دارِ النَدْوَةِ؛ والحِجْرِ.

وقَوْلُهُ: "بَيِّنَةٌ"؛ صِفَةٌ؛ حُذِفَ المَوْصُوفُ؛ وأُقِيمَتْ مَقامَهُ؛ قالَ سِيبَوَيْهِ: وذَلِكَ قَبِيحٌ في النَكِرَةِ؛ أنْ تُحْذَفَ وتُقامَ صِفَتُها مَقامَها؛ لَكِنْ إذا كانَتِ الصِفَةُ كَثِيرَةَ الِاسْتِعْمالِ مُشْتَهِرَةً؛ وهي المَقْصُودُ في الأخْبارِ؛ والأُمَمِ؛ زالَ القُبْحُ؛ كَما تَقُولُ: "جاءَنِي عَبْدٌ لِبَنِي فُلانٍ"؛ وأنْتَ تُرِيدُ: "جاءَنِي رَجُلٌ عَبْدٌ"؛ لِأنَّ "عَبْدٌ"؛ صِفَةٌ؛ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ هُنا "بَيِّنَةٌ"؛ اَلْمَعْنى: آيَةٌ؛ أو حُجَّةٌ؛ أو مَوْعِظَةٌ بَيِّنَةٌ؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ صالِحًا - عَلَيْهِ السَلامُ - جاءَ بِالناقَةِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ؛ وهي الجُمْهُورُ: بَلْ كانَتْ مُقْتَرَحَةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ألْيَقُ بِما ورَدَ في الآثارِ مِن أمْرِهِمْ؛ ورُوِيَ أنَّ بَعْضَهم قالَ: يا صالِحُ إنْ كُنْتَ صادِقًا فادْعُ رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِن هَذِهِ الهَضْبَةِ - وفي بَعْضِ الرِواياتِ: مِن هَذِهِ الصَخْرَةِ؛ لِصَخْرَةٍ بِالحِجْرِ؛ يُقالُ لَها الكاثِبَةُ - ناقَةً عُشَراءَ؛ قالَ: فَدَعا اللهَ تَعالى فَتَمَخَّضَتْ تِلْكَ الهَضْبَةُ؛ وتَنَفَّضَتْ؛ وانْشَقَّتْ عن ناقَةٍ عَظِيمَةٍ؛ ورُوِيَ أنَّها كانَتْ حامِلًا؛ فَوَلَدَتْ سَقْبَها المَشْهُورَ؛ ورُوِيَ أنَّهُ خَرَجَ مَعَها فَصِيلُها مِنَ الصَخْرَةِ؛ ورُوِيَ أنَّ جَمَلًا مِن جِمالِ ثَمُودَ ضَرَبَها فَوَلَدَتْ فَصِيلَها المَشْهُورَ؛ وقِيلَ ﴿ "ناقَةُ اللهِ"؛ ﴾ تَشْرِيفًا لَها؛ وتَخْصِيصًا؛ وهي إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ؛ وقالَ الزَجّاجُ: وقِيلَ: إنَّها ناقَةٌ مِن سائِرِ النُوقِ؛ وجَعَلَ اللهُ تَعالى لَها شِرْبًا يَوْمًا؛ ولَهم شِرْبُ يَوْمٍ؛ وكانَتِ الآيَةُ في شِرْبِها وحَلْبِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وحَكى النَقّاشُ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: "هِيَ ناقَةٌ اعْتَرَضَها مِن إبِلِهِمْ؛ ولَمْ تَكُنْ تَحْلِبُ"؛ والَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أقْوى؛ وأصَحُّ مِن هَذا؛ قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَتْ حِلْفًا عَظِيمًا؛ تَأْتِي إلى الماءِ بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَيَزْحَمانِها مِنَ العِظَمِ؛ وقاسَمَتْ ثَمُودَ في الماءِ؛ يَوْمًا بِيَوْمٍ؛ فَكانَتْ تَرِدُ يَوْمَها فَتَسْتَوْفِي ماءَ بِئْرِ هَمْشَرِيّا؛ ويَحْلِبُونَها ما شاؤُوا مِن لَبَنٍ؛ ثُمَّ تَمْكُثُ يَوْمًا؛ وتَرِدُ بَعْدَ ذَلِكَ غَبًّا؛ فاسْتَمَرَّ ذَلِكَ ما شاءَ اللهُ تَعالى حَتّى أماتَها ثَمُودُ؛ وقالُوا: ما نَصْنَعُ بِاللَبَنِ؟

اَلْماءُ أحَبُّ إلَيْنا مِنهُ؛ وكانَ سَبَبُ المَلَلِ - فِيما رُوِيَ - أنَّها كانَتْ تُصَيِّفُ في بَطْنِ الوادِي؛ وادِي الحِجْرِ؛ وتَشْتُو في ظاهِرِهِ؛ فَكانَتْ مَواشِيهِمْ تَفِرُّ مِنها؛ فَتُصَيِّفُ في ظَهْرِ الوادِي لِلْقَيْظِ؛ وتَشْتُو في باطِنِهِ لِلزَّمْهَرِيرِ؛ وفَسَدَتْ لِذَلِكَ؛ فَتَمالَؤُوا عَلى قَتْلِ الناقَةِ؛ فَقالَ لَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - مَرَّةً: "إنَّ هَذا الشَهْرَ يُولَدُ فِيهِ مَوْلُودٌ يَكُونُ هَلاكُكم عَلى يَدَيْهِ"؛ فَوُلِدَ لِعَشَرَةِ نَفَرٍ أولادٌ فَذَبَحَ التِسْعَةُ أولادَهُمْ؛ وبَقِيَ العاشِرُ؛ وهو سالِفٌ؛ أبُو قِدارٍ؛ فَنَشَأ قِدارٌ أحْمَرَ أزْرَقَ؛ فَكانَ التِسْعَةُ إذا رَأوهُ قالُوا: لَوْ عاشَ بَنُونا كانُوا مِثْلَ هَذا؛ فَأحْفَظَهم أنْ قَتَلُوا أولادَهم بِكَلامِ صالِحٍ؛ فَأجْمَعُوا عَلى قَتْلِهِ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فَخَرَجُوا وكَمَنُوا في غارٍ لِيُبَيِّتُوهُ - عَلَيْهِ السَلامُ -مِنهُ؛ وتَقاسَمُوا ﴿ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ  ﴾ ؛ فَسَقَطَ الغارُ عَلَيْهِمْ؛ فَماتُوا؛ فَهُمُ الرَهْطُ التِسْعَةُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللهُ تَعالى في كِتابِهِ.

وهَمَّ قِدارُ بْنُ سالِفٍ؛ ومِصْدَعُ بْنُ مِهْرَجٍ؛ وضَمّا إلى نَفْسَيْهِما سَبْعَةَ نَفَرٍ؛ وعَزَمُوا عَلى عَقْرِ الناقَةِ؛ ورُوِيَ أنَّ السَبَبَ في ذَلِكَ أنَّ امْرَأتَيْنِ مِن ثَمُودَ؛ مِن أعْداءِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - جَعَلَتا لِقِدارٍ ومِصْدَعٍ أنْفُسَهُما؛ وأمْوالَهُما؛ عَلى أنْ يَعْقِرا الناقَةَ؛ وكانَتا مِن أهْلِ الجَمالِ؛ وقِيلَ: إنَّ قِدارًا شَرِبَ الخَمْرَ مَعَ قَوْمٍ؛ فَطَلَبُوا ماءً يَمْزُجُونَ بِهِ الخَمْرَ؛ فَلَمْ يَجِدُوهُ؛ لِشُرْبِ الناقَةِ؛ فَعَزَمُوا عَلى عَقْرِها حِينَئِذٍ؛ فَخَرَجُوا؛ وجَلَسُوا عَلى طَرِيقِها؛ وكَمَنَ لَها قِدارٌ خَلْفَ صَخْرَةٍ؛ فَلَمّا دَنَتْ مِنهُ رَماها بِالحَرْبَةِ؛ ثُمَّ سَقَطَتْ فَنَحَرَها؛ ثُمَّ اتَّبَعُوا الفَصِيلَ؛ فَهَرَبَ مِنهُمْ؛ حَتّى عَلا رَبْوَةً؛ ورَغا ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ واسْتَغاثَ؛ فَلَحِقُوهُ؛ وعَقَرُوهُ؛ وفي بَعْضِ الرِواياتِ أنَّهم وجَدُوا الفَصِيلَ عَلى رابِيَةٍ مِنَ الأرْضِ؛ فَأرادُوهُ فارْتَفَعَتْ بِهِ؛ حَتّى لَحِقَتْ بِهِ في السَماءِ؛ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ؛ فَرَغا الفَصِيلُ مُسْتَغِيثًا بِاللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ فَأوحى اللهُ تَعالى إلى صالِحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - أنْ (مُرْهم فَلْيَتَمَتَّعُوا في دارِهِمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ)؛ وحَكى النَقّاشُ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللهَ تَعالى أنْطَقَ الفَصِيلَ؛ فَنادى: أيْنَ أُمِّي؟

فَقالَ لَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ -: "إنَّ العَذابَ واقِعٌ بِكم في الرابِعِ مِن عَقْرِ الناقَةِ"؛ ورُوِيَ أنَّها عُقِرَتْ يَوْمَ الأرْبِعاءِ؛ وقالَ لَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ -: "تَحْمَرُّ وُجُوهُكم غَدًا؛ وتَصْفَرُّ في الثانِي؛ وتَسْوَدُّ في الثالِثِ؛ ويَنْزِلُ العَذابُ في الرابِعِ؛ يَوْمَ الأحَدِ"؛ فَلَمّا ظَهَرَتِ العَلامَةُ الَّتِي قالَ لَهُمْ؛ أيْقَنُوا؛ واسْتَعَدُّوا؛ ولَطَّخُوا أبْدانَهم بِالمَنِّ؛ وحَفَرُوا القُبُورَ؛ وتَحَنَّطُوا؛ فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ؛ وخَرَجَ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - ومَن مَعَهُ حَتّى نَزَلَ رَمَلَةَ فِلَسْطِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا القَصَصُ اقْتَضَبْتُهُ مِن كَثِيرٍ أورَدَهُ الطَبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - رَغْبَةَ الإيجازِ.

وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: أتَيْتُ بِلادَ ثَمُودَ فَذَرَعْتُ صَدْرَ الناقَةِ فَوَجَدْتُهُ سِتِّينَ ذِراعًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وبِلادُ ثَمُودَ هي بَيْنَ الشامِ والمَدِينَةِ؛ وهي الَّتِي مَرَّ بِها رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَعَ المُسْلِمِينَ في غَزْوَةِ "تَبُوكَ"؛ فَقالَ: « "لا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ؛ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ؛ أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَهُمْ"؛» ثُمَّ اعْتَجَرَ بِعِمامَتِهِ؛ وأسْرَعَ السَيْرَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

ورُوِيَ أنَّ المَسافَةَ الَّتِي أهْلَكَتِ الصَيْحَةُ أهْلَها هي ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا؛ وهِيَ: بِلادُ الحِجْرِ؛ ومَراتِعُها الجَنابُ؛ وحَسْمِي إلى وادِي القُرى؛ وما حَوْلَهُ؛ وقِيلَ في قِدارٍ: إنَّهُ ولَدُ زِنًا؛ مِن رَجُلٍ يُقالُ لَهُ: "ظَبْيانُ"؛ ووُلِدَ عَلى فِراشِ سالِفٍ؛ فَنُسِبَ إلَيْهِ؛ ذَكَرَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَرَّ بِقَبْرٍ؛ فَقالَ: "أتَعْرِفُونَ ما هَذا؟"؛ قالُوا: لا؛ قالَ: "هَذا قَبْرُ أبِي رُغالٍ الَّذِي هو أبُو ثَقِيفٍ؛ كانَ مِن ثَمُودَ؛ فَأصابَ قَوْمَهُ البَلاءُ وهو بِالحَرَمِ؛ فَسَلِمَ؛ فَلَمّا خَرَجَ مِنَ الحَرَمِ أصابَهُ ما أصابَهُمْ؛ فَدُفِنَ هُنا؛ وجُعِلَ مَعَهُ غُصْنٌ مِن ذَهَبٍ"؛ قالَ: فابْتَدَرَ القَوْمُ بِأسْيافِهِمْ؛ فَحَفَرُوا حَتّى أخْرَجُوا الغُصْنَ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا الخَبَرُ يُؤَيِّدُ ما في السِيَرِ مِن أنَّ أبا رُغالٍ هو دَلِيلُ الفِيلِ؛ وحَبِيسُهُ إلى مَكَّةَ؛ واللهُ تَعالى أعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعْدِ عَادٍۢ وَبَوَّأَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًۭا وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتًۭا ۖ فَٱذْكُرُوٓا۟ ءَالَآءَ ٱللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ٧٤ قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَـٰلِحًۭا مُّرْسَلٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ قَالُوٓا۟ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِۦ مُؤْمِنُونَ ٧٥ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا بِٱلَّذِىٓ ءَامَنتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ ٧٦

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ وبَوَّأكم في الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا وتَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا فاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ ﴿ قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهم أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ ﴾ "وَبَوَّأكُمْ"؛ مَعْناهُ: مَكَّنَكُمْ؛ وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في المَكانِ؛ وظُرُوفِهِ؛ تَقُولُ: "تَبَوَّأ فُلانٌ مَنزِلًا حَسَنًا"؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ  ﴾ ؛ وقالَ الأعْشى: فَما بَوَّأ الرَحْمَنُ بَيْتَكَ مَنزِلًا ∗∗∗ بِشَرْقِيِّ أجْيادِ الصَفا والمُحَرَّمِ وَ"اَلْقُصُورُ": جَمْعُ "قَصْرٌ"؛ وهي الدُورُ الَّتِي قُصِرَتْ عَلى بِقاعٍ مِنَ الأرْضِ مَخْصُوصَةٍ؛ بِخِلافِ بُيُوتِ العَمُودِ؛ وقُصِرَتْ عَنِ الناسِ قَصْرًا تامًّا.

و"اَلنَّحْتُ": اَلنَّجْرُ؛ والقَشْرُ في الشَيْءِ الصُلْبِ؛ كالحَجَرِ؛ والعُودِ؛ ونَحْوِهِما.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "وَتَنْحَتُونَ"؛ بِفَتْحِ الحاءِ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِكَسْرِها؛ وبِالتاءِ مِن فَوْقُ؛ وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ بِالياءِ مِن أسْفَلُ؛ وكَسْرِ الحاءِ؛ وقَرَأ أبُو مالِكٍ بِالياءِ مِن أسْفَلُ؛ وفَتْحِ الحاءِ؛ وكانُوا يَنْحِتُونَ الجِبالَ لِطُولِ أعْمارِهِمْ.

و"تَعْثَوْا"؛ مَعْناهُ: تُفْسِدُوا؛ يُقالُ: "عَثا؛ يَعْثِي"؛ و"عَثا؛ يَعْثُو"؛ وعَثِيَ؛ يَعْثى"؛ كَـ "نَسِيَ؛ يَنْسى"؛ وعَلَيْها لَفْظُ الآيَةِ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "تِعْثَوْا"؛ بِكَسْرِ التاءِ؛ و"مُفْسِدِينَ"؛ حالٌ.

وتَقَدَّمَ القَوْلُ في "اَلْمَلَأُ"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ؛ في هَذا المَوْضِعِ: "وَقالَ المَلَأُ"؛ بِواوِ عَطْفٍ؛ وهي مَحْذُوفَةٌ عِنْدَ الجَمِيعِ.

والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ؛ هُمُ الأشْرافُ والعُظَماءُ الكَفَرَةُ؛ و"اِسْتَكْبَرُوا"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: طَلَبُوا هَيْئَةً لِنُفُوسِهِمْ مِنَ الكِبَرِ؛ أو يَكُونَ بِمَعْنى "كَبِرُوا"؛ كَبَّرَهُمُ المالُ والجاهُ وأعْظَمَهُمْ؛ فَيَكُونَ - عَلى هَذا - "كَبِرَ"؛ و"اِسْتَكْبَرَ"؛ بِمَعْنًى؛ كَـ "عَجِبَ"؛ و"اِسْتَعْجَبَ"؛ والأوَّلُ هو بابُ "اِسْتَفْعَلَ"؛ كَـ "اِسْتَوْقَدَ"؛ و"اِسْتَرْفَدَ"؛ والَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا هُمُ العامَّةُ والأغْفالُ في الدُنْيا؛ وهم أتْباعُ الرُسُلِ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ "أتَعْلَمُونَ"؛ ﴾ اِسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى الِاسْتِهْزاءِ؛ والِاسْتِخْفافِ؛ فَأجابَ المُؤْمِنُونَ بِالتَصْدِيقِ؛ والصَرامَةِ في دِينِ اللهِ تَعالى ؛ فَحَمَلَتِ الأنَفَةُ الأشْرافَ عَلى مُناقَضَةِ المُؤْمِنِينَ في مَقالَتِهِمْ؛ واسْتَمَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

فَعَقَرُوا۟ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوْا۟ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ٧٧ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ ٧٨ فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَـٰكِن لَّا تُحِبُّونَ ٱلنَّـٰصِحِينَ ٧٩

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فَعَقَرُوا الناقَةَ وعَتَوْا عن أمْرِ رَبِّهِمْ وقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ ﴾ ﴿ فَتَوَلّى عنهم وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ الناصِحِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ "فَعَقَرُوا"؛ ﴾ يَقْتَضِي - بِتَشْرِيكِهِمْ جَمِيعًا في الضَمِيرِ - أنَّ عَقْرَ الناقَةِ كانَ عَلى تَمالُؤٍ مِنهُمْ؛ وإصْفاقٍ؛ وكَذَلِكَ رُوِيَ أنَّ قِدارًا لَمْ يَعْقِرْها حَتّى كانَ يَسْتَشِيرُ الرِجالَ؛ والنِساءَ؛ والصِبْيانَ؛ فَلَمّا أجْمَعُوا تَعاطى فَعَقَرَ.

و"وَعَتَوْا"؛ مَعْناهُ: خَشُوا؛ وصَلُبُوا؛ ولَمْ يُذْعِنُوا لِلْأمْرِ والشَرْعِ؛ وصَمَّمُوا عَلى تَكْذِيبِهِ؛ واسْتَعْجَلُوا النِقْمَةَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ ائْتِنا بِما تَعِدُنا ﴾ ؛ وحَسُنَ الوَعْدُ في هَذا المَوْضِعِ لَمّا تَقَيَّدَ بِأنَّهُ عَذابٌ.

قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ عِيسى وعاصِمٌ: "إيتِنا"؛ بِهَمْزٍ؛ وإشْباعِ ضَمٍّ؛ وقَرَأ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ كَأنَّها ياءٌ في اللَفْظِ أبُو عَمْرٍو والأعْمَشُ.

و"اَلرَّجْفَةُ"؛ ما تُؤَثِّرُهُ الصَيْحَةُ أوِ الطامَّةُ الَّتِي يَرْجُفُ بِها الإنْسانُ؛ وهو أنْ يَتَزَعْزَعَ؛ ويَتَحَرَّكَ؛ ويَضْطَرِبَ؛ ويَرْتَعِدَ؛ ومِنهُ «قَوْلُ خَدِيجَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها -: "فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَرْجُفُ فُؤادُهُ"؛» ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: إمّا تَرَيْنِي حَنانِي الشَيْبُ مِن كِبَرٍ ∗∗∗ كالنَسْرِ أرْجُفُ والإنْسانُ مَمْدُودُ ومِنهُ "إرْجافُ النُفُوسِ"؛ لِكَرِيهِ الأخْبارِ؛ أيْ تَحْرِيكُها؛ ورُوِيَ أنَّ صَيْحَةَ ثَمُودِ كانَ فِيها مِن صَوْتِ كُلِّ شَيْءٍ هائِلِ الصَوْتِ؛ وكانَتْ مُفْرِطَةً؛ شَقَّتْ قُلُوبَهُمْ؛ فَجَثَوْا عَلى صُدُورِهِمْ؛ و"اَلْجاثِمُ": اَللّاطِئُ بِالأرْضِ عَلى صَدْرِهِ؛ مَعَ قَبْضِ ساقَيْهِ؛ كَما يَرْقُدُ الأرْنَبُ والطَيْرُ؛ فَإنَّ جُثُومَها عَلى وجْهِها؛ ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: عَرَفْتُ المُنْتَأى وعَرَفْتُ مِنها ∗∗∗ ∗∗∗ مَطايا القِدْرِ كالحِدَإ الجُثُومِ وَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: حَمَمًا مُحْتَرِقِينَ كالرَمادِ الجاثِمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وحَيْثُ وُجِدَ الرَمادُ الجاثِمُ في شِعْرٍ؛ فَإنَّما هو مُسْتَعارٌ لِهَيْئَةِ الرَمادِ قَبْلَ هُمُودِهِ؛ وتَفَرُّقِهِ؛ وذَهَبَ صاحِبُ هَذا القَوْلِ إلى أنَّ الصَيْحَةَ اقْتَرَنَ بِها صَواعِقُ مُحْرِقَةٌ.

وأخْبَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِفِعْلِ صالِحٍ في تَوَلِّيهِ عنهم وقْتَ عَقْرِهِمُ الناقَةَ؛ وقَوْلِهِمْ: ﴿ ائْتِنا بِما تَعِدُنا ﴾ ؛ وذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ؛ وكَذَلِكَ رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ؛ وهو الَّذِي تَقْتَضِيهِ مُخاطَبَتُهُ لَهُمْ؛ وأمّا لَفْظُ الآيَةِ؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ خاطَبَهم وهم مَوْتى؛ عَلى جِهَةِ التَفَجُّعِ عَلَيْهِمْ؛ وذِكْرِ حالِهِمْ؛ أو غَيْرِ ذَلِكَ؛ كَما خاطَبَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: وقِيلَ: لَمْ تَهْلِكْ أُمَّةٌ ونَبِيُّها مَعَها؛ ورُوِيَ أنَّهُ ارْتَحَلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - بِمَن مَعَهُ؛ حَتّى جاءَ مَكَّةَ؛ فَأقامَ بِها حَتّى ماتَ؛ ولَفْظَةُ التَوَلِّي تَقْتَضِي اليَأْسَ مِن خَيْرِهِمْ؛ واليَقِينَ في إهْلاكِهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لا تُحِبُّونَ الناصِحِينَ ﴾ ؛ عِبارَةٌ عن تَغْلِيبِهِمُ الشَهَواتِ عَلى الرَأْيِ؛ إذْ كَلامُ الناصِحِ صَعْبٌ؛ مُضادٌّ لِشَهْوَةِ نَفْسِ الَّذِي يُنْصَحُ؛ ولِذَلِكَ تَقُولُ العَرَبُ: "أمْرَ مُبْكِياتِكَ؛ لا أمْرَ مُضْحِكاتِكَ".

<div class="verse-tafsir"

وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍۢ مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٨٠ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةًۭ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌۭ مُّسْرِفُونَ ٨١ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌۭ يَتَطَهَّرُونَ ٨٢ فَأَنجَيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ ٨٣ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًۭا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ ٨٤

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِن العالَمِينَ ﴾ ﴿ إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴾ ﴿ وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ ﴿ فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ ﴾ ﴿ وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ ﴾ "لُوطٌ" - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ بَعَثَهُ اللهُ تَعالى إلى أُمَّةٍ تُسَمّى "سَدُومَ"؛ ورُوِيَ أنَّهُ ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ونَصْبُهُ إمّا بِـ "أرْسَلْنا"؛ اَلْمُتَقَدِّمِ في الأنْبِياءِ؛ وإمّا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرْ لُوطًا"؛ واسْتِفْهامُهُ لَهم هو عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ؛ والتَوْبِيخِ والتَشْنِيعِ.

و"اَلْفاحِشَةَ"؛ هُنا: إتْيانُ الرِجالِ في الأدْبارِ؛ ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ المَعْصِيَةُ في أُمَمٍ قَبْلَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وإنْ كانَ لَفْظُ الآيَةِ يَقْتَضِي هَذا؛ فَقَدَ كانَتِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِها: "ما سَبَقَكم أحَدٌ إلى لُزُومِها؛ وتَشْهِيرِها؛ ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يَأْتِي بَعْضُهم بَعْضًا؛ ورُوِيَ أنَّهم إنَّما كانُوا يَأْتُونَ الغُرَباءَ؛ قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ ؛ قالَ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: ما نَزا ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ قَبْلَ قَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وحَكى النَقّاشُ: أنَّ إبْلِيسَ كانَ أصْلَ عَمَلِهِمْ؛ إذْ دَعاهم إلى نَفْسِهِ؛ وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: عامِلُ اللِواطِ كالزانِي؛ وقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - وغَيْرُهُ: يُرْجَمُ؛ أُحْصِنَ أو لَمْ يُحْصَنْ؛ وحَرَقَ أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - رَجُلًا يُسَمّى "اَلْفَجْأةُ"؛ حِينَ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ.

وقَرَأ نافِعٌ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "إنَّكُمْ"؛ عَلى الخَبَرِ؛ كَأنَّهُ فَسَّرَ الفاحِشَةَ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وحَمْزَةُ: "أئِنَّكُمْ"؛ بِاسْتِفْهامٍ آخَرَ؛ وهَذا لِأنَّ الأوَّلَ اسْتِفْهامٌ عن أمْرٍ مُجْمَلٍ؛ والثانِي عن مُفَسَّرٍ؛ إلّا أنَّ حَمْزَةَ ؛ وعاصِمًا؛ قَرَآ بِهَمْزَتَيْنِ؛ ولَمْ يَهْمِزْ أبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ كَثِيرٍ إلّا واحِدَةً.

و"شَهْوَةً": نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ مِن قَوْلِكَ: "شَهِيتُ الشَيْءَ؛ شَهاةً"؛ والمَعْنى: تَدَعُونَ الغَرَضَ المَقْصُودَ بِالوَطْءِ؛ وهو ابْتِغاءُ ما كَتَبَ اللهُ تَعالى مِنَ الوَلَدِ؛ وتَنْفَرِدُونَ بِالشَهْوَةِ فَقَطْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "بَلْ أنْتُمْ"؛ ﴾ إضْرابٌ عَنِ الإخْبارِ عنهُمْ؛ أو تَقْرِيرِهِمْ عَلى المَعْصِيَةِ؛ وتَرْكٌ لِذَلِكَ؛ إلى الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم قَوْمٌ قَدْ تَجاوَزُوا الحَدَّ وارْتَكَبُوا الحَظْرَ؛ و"اَلْإسْرافُ": اَلزِّيادَةُ المُفْسِدَةُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "جَوابَ"؛ بِالنَصْبِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "جَوابُ"؛ بِالرَفْعِ؛ ولَمْ تَكُنْ مُراجَعَةُ قَوْمِهِ بِاحْتِجاجٍ مِنهُمْ؛ ولا بِمُدافَعَةٍ عَقْلِيَّةٍ؛ وإنَّما كانَتْ بِكُفْرٍ؛ وصَرامَةٍ؛ وخِذْلانٍ بَحْتٍ؛ في قَوْلِهِمْ: ﴿ "أخْرِجُوهُمْ"؛ ﴾ وتَعْلِيلُهُمُ الإخْراجَ بِتَطْهِيرِ المُخْرِجِينَ؛ والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وأهْلِهِ؛ وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ؛ فَإنَّ المَعْنى يَقْتَضِيهِمْ؛ ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُ ابْنَتَيْهِ؛ وعَلى هَذا عُنِيَ في الضَمِيرِ هو وابْنَتاهُ؛ و ﴿ "يَتَطَهَّرُونَ"؛ ﴾ مَعْناهُ: يَتَنَزَّهُونَ عن حالِنا؛ وعادَتِنا؛ قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُونَ عن أدْبارِ الرِجالِ؛ والنِساءِ؛ قالَ قَتادَةُ: عابُوهم بِغَيْرِ عَيْبٍ؛ وذَمُّوهم بِغَيْرِ ذَمٍّ؛ والخِلافُ في أهْلِهِ حَسْبَما تَقَدَّمَ.

واسْتَثْنى اللهُ تَعالى امْرَأةَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - مِنَ الناجِينَ؛ وأخْبَرَ أنَّها هَلَكَتْ؛ و"اَلْغابِرُ": اَلْباقِي؛ هَذا المَشْهُورُ في اللُغَةِ؛ ومِنهُ غُبَّرُ الحَيْضِ؛ كَما قالَ أبُو كَبِيرٍ الهُذَلِيُّ: ومُبَرَّإٍ مِن كُلِّ غُبَّرِ حَيْضَةٍ ∗∗∗ وفَسادِ مُرْضِعَةٍ وداءٍ مُغْيِلِ و"غُبَّرُ اللَبَنِ في الضَرْعِ": بَقِيَّتُهُ؛ فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ في العَذابِ؛ والعِقابِ؛ أيْ: "مَعَ الباقِينَ؛ مِمَّنْ لَمْ يَنْجُ"؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ؛ مُعَمَّرٌ: ذَكَرَها اللهُ تَعالى بِأنَّها كانَتْ مِمَّنْ أسَنَّ؛ وبَقِيَ مِن عَصْرِهِ إلى عَصْرِ غَيْرِهِ؛ فَكانَتْ غابِرَةً إلى أنْ هَلَكَتْ مَعَ قَوْمِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَكَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ "إلا امْرَأتَهُ"؛ ﴾ اِكْتَفى تَعالى بِهِ في أنَّها لَمْ تَنْجُ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ وصْفَها بَعْدَ ذَلِكَ بِصِفَةٍ لا تَتَعَلَّقُ بِها النَجاةُ؛ ولا الهَلَكَةُ؛ والأوَّلُ أظْهَرُ؛ وقَدْ يَجِيءُ "اَلْغابِرُ"؛ بِمَعْنى الماضِي؛ وكَذَلِكَ حَكى أهْلُ اللُغَةِ: "غَبَرَ"؛ بِمَعْنى: "بَقِيَ"؛ وبِمَعْنى: "مَضى"؛ وأمّا قَوْلُ الأعْشى: عَضَّ بِما أبْقى المَواسِي لَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ مِن أُمِّهِ في الزَمَنِ الغابِرِ فالظاهِرُ أنَّهُ أرادَ الماضِي؛ وذَلِكَ بِالنِسْبَةِ إلى وقْتِ الهِجاءِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "فِي الزَمَنِ الباقِي"؛ وذَلِكَ بِالنِسْبَةِ إلى الحِينِ هو غابِرٌ بَعْدَ الإبْقاءِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُعَلَّقَ "فِي الزَمَنِ"؛ بِـ "عَضَّ"؛ فَيَكُونَ "اَلْغابِرُ": اَلْباقِي؛ عَلى الإطْلاقِ؛ والأوَّلُ أظْهَرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ نَصٌّ عَلى إمْطارٍ؛ وتَظاهَرَتِ الآياتُ في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ أنَّهُ بِحِجارَةٍ؛ ورُوِيَ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - بَعَثَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - فاقْتَلَعَها بِجَناحِهِ؛ وهي سِتُّ مُدُنٍ؛ - وقِيلَ: خَمْسٌ؛ وقِيلَ: أرْبَعٌ - فَرَفَعَها حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَماءِ نُهاقَ الحَمِيرِ؛ وصُراخَ الدِيَكَةِ؛ ثُمَّ عَكَسَها ورَدَّ أعْلاها أسْفَلَها؛ وأرْسَلَها إلى الأرْضِ؛ وتَبِعَتْهُمُ الحِجارَةُ مَعَ هَذا؛ فَأهْلَكَتْ مَن كانَ مِنهم في سَفَرٍ؛ أو خارِجًا عَنِ البُقَعِ المَرْفُوعَةِ؛ وقالَتِ امْرَأةُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - حِينَ سَمِعَتِ الرَجَّةَ: واقَوْماهُ؛ والتَفَتَتْ؛ فَأصابَتْها صَخْرَةٌ؛ فَقَتَلَتْها.

<div class="verse-tafsir"

وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًۭا ۗ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ فَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٨٥ وَلَا تَقْعُدُوا۟ بِكُلِّ صِرَٰطٍۢ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًۭا ۚ وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًۭا فَكَثَّرَكُمْ ۖ وَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ٨٦

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم فَأوفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ ولا تَبْخَسُوا الناسَ أشْياءَهم ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وتَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ مَن آمَنَ بِهِ وتَبْغُونَها عِوَجًا واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكم وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ ﴾ قِيلَ في "مَدْيَنَ"؛ إنَّهُ اسْمُ بَلَدٍ؛ وقُطْرٍ؛ وقِيلَ: اسْمُ قَبِيلَةٍ؛ وقِيلَ: هم مِن ولَدِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ورُوِيَ أنَّ لُوطًا - عَلَيْهِ السَلامُ - هو جَدُّ شُعَيْبٍ لِأُمِّهِ؛ وقالَ مَكِّيٌّ: كانَ زَوْجَ بِنْتِ لُوطٍ؛ ومَن رَأى "مَدْيَنَ"؛ اِسْمَ رَجُلٍ؛ لَمْ يَصْرِفْهُ؛ لِأنَّهُ مَعْرِفَةُ أعْجَمِيٌّ؛ ومَن رَآهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ؛ أوِ الأرْضِ؛ فَهو أحْرى ألّا يُصْرَفَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "أخاهُمْ"؛ ﴾ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ "أرْسَلْنا"؛  ﴾ في أوَّلِ القَصَصِ؛ وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ "لُوطًا"؛ بِهِ انْتَصَبَ؛ وأنَّ اللَفْظَ مُسْتَمِرٌّ؛ وهَذِهِ الأُخُوَّةُ في القَرابَةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في "غَيْرُهُ"؛ و"غَيْرَهُ"؛ والبَيِّنَةُ إشارَةٌ إلى مُعْجِزَتِهِ؛ وإنْ كُنّا نَحْنُ لَمْ يُنَصَّ لَنا عَلَيْها.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "قَدْ جاءَتْكم آيَةٌ مِن رَبِّكُمْ"؛ مَكانَ "بَيِّنَةٌ".

وقَوْلُهُ: ﴿ فَأوفُوا الكَيْلَ ﴾ ؛ أمْرٌ لَهم بِالِاسْتِقامَةِ في الإعْطاءِ؛ وهو - بِالمَعْنى - في الأخْذِ والإعْطاءِ؛ وكانَتْ هَذِهِ المَعْصِيَةُ قَدْ فَشَتْ فِيهِمْ في ذَلِكَ الزَمَنِ؛ وفَحُشَتْ مَعَ كُفْرِهِمُ الَّذِي نالَتْهُمُ الرَجْفَةُ بِسَبَبِهِ؛ و ﴿ "تَبْخَسُوا"؛ ﴾ مَعْناهُ: تَظْلِمُوا؛ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "تَحْسَبُها حَمْقاءَ وهي باخِسٌ"؛ أيْ: ظالِمَةٌ خادِعَةٌ؛ و"أشْياءَهُمْ"؛ يُرِيدُ أمْوالَهُمْ؛ وأمْتِعَتَهُمْ؛ مِمّا يُكالُ؛ أو يُوزَنُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَلا تُفْسِدُوا"؛ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِدَقِيقِ الفَسادِ وجَلِيلِهِ؛ وكَذَلِكَ الإصْلاحُ عامٌّ؛ والمُفَسِّرُونَ نَصُّوا عَلى أنَّ الإشارَةَ إلى الكُفْرِ بِالفَسادِ؛ وإلى النُبُوّاتِ والشَرائِعِ بِالإصْلاحِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ ؛ أيْ: نافِعٌ عِنْدَ اللهِ تَعالى ؛ مُكْسِبٌ فَوْزَهُ ورِضْوانَهُ تَعالى ؛ بِشَرْطِ الإيمانِ والتَوْحِيدِ؛ وإلّا فَلا يَنْفَعُ عَمَلٌ دُونَ إيمانٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ السُدِّيُّ: هَذا نَهْيٌ عَنِ العَشّارِينَ؛ والمُتَقَبِّلِينَ؛ ونَحْوِهِ؛ مِن أخْذِ أمْوالِ الناسِ بِالباطِلِ؛ و"اَلصِّراطُ": اَلطَّرِيقُ؛ وَذَلِكَ أنَّهم كانُوا يُكْثِرُونَ مِن هَذا؛ لِأنَّهُ مِن قَبِيلِ: بَخْسِهِمْ؛ ونَقْصِهِمُ الكَيْلَ والوَزْنَ؛ وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: هو نَهْيٌ عَنِ السَلْبِ؛ وقَطْعِ الطَرِيقِ؛ وكانَ ذَلِكَ مِن فِعْلِهِمْ؛ ورَوى في ذَلِكَ حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وما تَقَدَّمَ قَبْلُ مِنَ النَهْيِ في شَأْنِ المالِ في المَوازِينِ؛ والأكْيالِ؛ والبَخْسُ يُؤَيِّدُ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ؛ ويُشْبِهُهُما؛ وفي هَذا كُلِّهِ تَوَعُّدٌ لِلنّاسِ إنْ لَمْ يَتْرُكُوا أمْوالَهم.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ والسُدِّيُّ أيْضًا: قَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَلا تَقْعُدُوا"؛ ﴾ نَهْيٌ لَهم عَمّا كانُوا يَفْعَلُونَهُ مِن رَدِّ الناسِ عن شُعَيْبٍ؛ فَيَتَوَعَّدُونَ مَن أرادَ المَجِيءَ إلَيْهِ؛ ويَصُدُّونَهُ؛ ويَقُولُونَ: إنَّهُ كَذّابٌ؛ فَلا تَذْهَبْ إلَيْهِ؛ عَلى نَحْوِ ما كانَتْ قُرَيْشٌ تَفْعَلُهُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وما بَعْدَ هَذا مِن ألْفاظِ الآيَةِ يُشْبِهُ هَذا القَوْلَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَتَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ مَن آمَنَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المَعْنى: وتَفْتِنُونَ مَن آمَنَ؛ وتَصُدُّونَهُ عن طَرِيقِ الهُدى؛ وسَبِيلِ اللهِ تَعالى المُفْضِيَةِ إلى رَحْمَتِهِ؛ والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ وأنْ يَعُودَ عَلى شُعَيْبٍ؛ في قَوْلِ مَن رَأى القُعُودَ عَلى الطُرُقِ؛ لِلرَّدِّ عن شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وأنْ يَعُودَ عَلى السَبِيلِ في لُغَةِ مَن يُذَكِّرُ "اَلسَّبِيلُ".

وتَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَتَبْغُونَها عِوَجًا ﴾ ؛ في صَدْرِ السُورَةِ؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ؛ والزَجّاجُ: كَسْرُ العَيْنِ في المَعانِي؛ وفَتْحُها في الأجْرامِ.

ثُمَّ عَدَّدَ عَلَيْهِمْ نِعَمَ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ وأنَّهُ كَثَّرَهم بَعْدَ قِلَّةِ عَدَدٍ؛ وقِيلَ: أغْناهم بَعْدَ فَقْرٍ؛ فالمَعْنى - عَلى هَذا -: "إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا قَدْرُكُمْ"؛ ثُمَّ حَذَّرَهم ومَثَّلَ لَهم بِمَنِ امْتُحِنَ مِنَ الأُمَمِ السابِقَةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌۭ مِّنكُمْ ءَامَنُوا۟ بِٱلَّذِىٓ أُرْسِلْتُ بِهِۦ وَطَآئِفَةٌۭ لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ فَٱصْبِرُوا۟ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا ۚ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ ٨٧

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ ﴾ اَلْمَعْنى: "وَإنْ كُنْتُمْ يا قَوْمِ قَدِ اخْتَلَفْتُمْ عَلَيَّ؛ وشَعَّبْتُمْ بِكُفْرِكم أمْرِي؛ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ؛ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ؛ فاصْبِرُوا أيُّها الكَفَرَةُ حَتّى يَأْتِيَ حُكْمُ اللهِ تَعالى بَيْنِي وبَيْنَكُمْ".

وفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "فاصْبِرُوا"؛ ﴾ قُوَّةُ التَهْدِيدِ والوَعِيدِ؛ هَذا ظاهِرُ الكَلامِ؛ وأنَّ المُخاطَبَةَ بِجَمِيعِ الآيَةِ لِلْكُفّارِ.

وحَكى مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّ الخِطابَ بِقَوْلِهِ: "فاصْبِرُوا"؛ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ عَلى مَعْنى الوَعْدِ لَهُمْ؛ وقالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ ؛ قالَ النَقّاشُ: وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: اَلْمَعْنى: "فاصْبِرُوا يا مَعْشَرَ الكُفّارِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلُ الجَماعَةِ.

<div class="verse-tafsir"

۞ قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَنُخْرِجَنَّكَ يَـٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَـٰرِهِينَ ٨٨ قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنْهَا ۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا ۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا ۚ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَـٰتِحِينَ ٨٩

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أو لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ ﴾ ﴿ قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللهِ مِنها وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلا أنْ يَشاءَ اللهِ رَبُّنا وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبُّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ ﴾ وتَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى "اَلْمَلَأُ"؛ ومَعْنى الِاسْتِكْبارِ؛ وقَوْلُهُمْ: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ ﴾ ؛ تَهْدِيدٌ بِالنَفْيِ؛ و"اَلْقَرْيَةُ": اَلْمَدِينَةُ الجامِعَةُ لِلنّاسِ؛ لِأنَّها "تَقَرَّتْ"؛ أيْ اجْتَمَعَتْ؛ وقَوْلُهُمْ: ﴿ أو لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا ﴾ ؛ مَعْناهُ: أو لَتَصِيرُنَ؛ و"عادَ"؛ تَجِيءُ في كَلامِ العَرَبِ عَلى وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: عادَ الشَيْءُ إلى حالٍ قَدْ كانَ فِيها قَبْلَ ذَلِكَ؛ وهي - عَلى هَذِهِ الجِهَةِ - لا تَتَعَدّى؛ فَإنْ عُدِّيَتْ فَبِحَرْفٍ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إنْ عادَتِ العَقْرَبُ عُدْنا لَها ∗∗∗ وكانَتِ النَعْلُ لَها حاضِرَةْ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ألا لَيْتَ أيّامَ الشَبابِ جَدِيدُ ∗∗∗ ∗∗∗ وعَصْرًا تَوَلّى يا بُثَيْنَ يَعُودُ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عنهُ  ﴾ ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَإنْ تَكُنِ الأيّامُ أحْسَنَّ مَرَّةً ∗∗∗ ∗∗∗ إلَيَّ فَقَدْ عادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ والوَجْهُ الثانِي: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "صارَ"؛ وعامِلَةً عَمَلَها؛ ولا تَتَضَمَّنُ أنَّ الحالَ قَدْ كانَتْ مُتَقَدِّمَةً؛ ومِن هَذِهِ قَوْلُ الشاعِرِ: تِلْكَ المَكارِمُ لا قَعْبانِ مِن لَبَنٍ ∗∗∗ ∗∗∗ شِيبا بِماءٍ فَعادا بَعْدُ أبْوالا وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: وعادَ رَأْسِي كالثَغامَةْ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ  ﴾ ؛ عَلى أنَّ هَذِهِ مُحْتَمَلَةٌ؛ فَقَوْلُهُ في الآيَةِ: ﴿ "أو لَتَعُودُنَّ" ﴾ - وشُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - لَمْ يَكُنْ قَطُّ كافِرًا - يَقْتَضِي أنَّها بِمَعْنى صارَ؛ وأمّا في جِهَةِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ كُفْرِهِمْ؛ فَيَتَرَتَّبُ المَعْنى الآخَرُ ويُخْرَجُ عنهُ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - إلّا أنْ يُرِيدُوا عَوْدَتَهُ إلى حالِ سُكُوتِهِ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ ﴾ ؛ تَوْقِيفٌ مِنهُ لَهم عَلى شُنْعَةٍ المَعْصِيَةِ؛ وطَلَبٌ أنْ يُقِرُّوا بِألْسِنَتِهِمْ بِإكْراهِ المُؤْمِنِينَ بِاللهِ تَعالى عَلى الإخْراجِ ظُلْمًا وغَشْمًا.

والظاهِرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكُمْ ﴾ أنَّهُ خَبَرٌ مِنهُ؛ أيْ: لَقَدْ كُنّا نُواقِعُ عَظِيمًا ونَفْتَرِي عَلى اللهِ تَعالى الكَذِبَ في الرُجُوعِ إلى الكُفْرِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ القَسَمِ الَّذِي هو في صِيغَةِ الدُعاءِ؛ مِثْلَ قَوْلِ الشاعِرِ: بَقِيتُ وفْرِي..........

∗∗∗ ∗∗∗..................

وَكَما تَقُولُ: "اِفْتَرَيْتُ عَلى اللهِ تَعالى إنْ كَلَّمْتُ فُلانًا"؛ و"اِفْتَرَيْنا"؛ مَعْناهُ: شَقَقْنا بِالقَوْلِ؛ واخْتَلَفْنا؛ ومِنهُ قَوْلُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها -: « "مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رَأى رَبَّهُ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللهِ الفِرْيَةَ".» ونَجاةُ شُعَيْبٍ مِن مِلَّتِهِمْ كانَتْ مُنْذُ أوَّلِ أمْرِهِ؛ ونَجاةُ مَن آمَنَ مَعَهُ كانَتْ بَعْدَ مُواقَعَةِ الكُفْرِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "إلّا أنْ يَسْبِقَ عَلَيْنا مِنَ اللهِ تَعالى في ذَلِكَ سابِقُ سُوءٍ؛ ويَنْفُذُ مِنهُ تَعالى قَضاءٌ لا يُرَدُّ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والمُؤْمِنُونَ هُمُ المُجَوَّزُونَ لِذَلِكَ؛ وشُعَيْبٌ قَدْ عَصَمَتْهُ النُبُوَّةُ؛ وهَذا أظْهَرُ ما يَحْتَمِلُ القَوْلُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ اسْتِثْناءَ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَعَبَّدَ اللهَ تَعالى بِهِ المُؤْمِنُونَ؛ مِمّا تَفْعَلُهُ الكُفّارُ مِنَ القُرُباتِ؛ فَلَمّا قالَ لَهُمْ: "إنّا لا نَعُودُ في مِلَّتِكُمْ"؛ ثُمَّ خَشِيَ أنْ يُتَعَبَّدَ اللهُ بِشَيْءٍ مِن أفْعالِ الكَفَرَةِ؛ فَيُعارِضَ مُلْحِدٌ بِذَلِكَ؛ ويَقُولَ: هَذِهِ عَوْدَةٌ إلى مِلَّتِنا؛ اسْتَثْنى مَشِيئَةَ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى - فِيما يُمْكِنُ أنْ يُتَعَبَّدَ بِهِ تَعالى ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ مَعْنى الِاسْتِبْعادِ؛ كَما تَقُولُ: "لا أفْعَلُ كَذا حَتّى يَشِيبَ الغُرابُ؛ وحَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ"؛ وقَدْ عُلِمَ امْتِناعُ ذَلِكَ؛ فَهو إحالَةٌ عَلى مُسْتَحِيلٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَأْوِيلٌ إنَّما هو لِلْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ مِن مَذْهَبِهِمْ أنَّ الكُفْرَ والإيمانَ لَيْسا بِمَشِيئَةٍ مِنَ اللهِ تَعالى ؛ فَلا يَتَرَتَّبُ هَذا التَأْوِيلُ إلّا عِنْدَهُمْ؛ وهَذا تَأْوِيلٌ حَكاهُ المُفَسِّرُونَ؛ ولَمْ يَشْعُرُوا بِما فِيهِ؛ وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ إنَّما هو تَسَتُّرٌ وتَأدُّبٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وَيُقْلَقُ هَذا التَأْوِيلُ مِن جِهَةِ اسْتِقْبالِ الِاسْتِثْناءِ؛ ولَوْ كانَ في الكَلامِ "إنْ شاءَ اللهُ"؛ قَوِيَ هَذا التَأْوِيلُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ ؛ مَعْناهُ: "وَسِعَ عِلْمُ رَبِّنا تَعالى كُلَّ شَيْءٍ"؛ كَما تَقُولُ: "تَصَبَّبَ زَيْدٌ عَرَقًا"؛ أيْ: تَصَبَّبَ عَرَقُ زَيْدٍ؛ و"وَسِعَ"؛ بِمَعْنى أحاطَ.

وقَوْلُهُ: "اِفْتَحْ"؛ مَعْناهُ: اُحْكُمْ؛ و"اَلْفاتِحُ"؛ و"اَلْفَتّاحُ": اَلْقاضِي؛ بِلُغَةِ حِمْيَرٍ؛ وقِيلَ: بِلُغَةِ مُرادٍ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: ألا أبْلِغْ بَنِي عُصْمٍ رَسُولًا ∗∗∗ ∗∗∗ فَإنِّي عن فُتاحَتِكم غَنِيُّ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أرادَ اللهَ تَعالى هَلاكَ قَوْمِهِ؛ أمَرَهُ بِالدُعاءِ عَلَيْهِمْ؛ ثُمَّ اسْتَجابَ تَعالى لَهُ؛ فَأهْلَكَهُمْ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: ما كُنْتُ أعْرِفُ مَعْنى هَذِهِ اللَفْظَةِ حَتّى سَمِعْتُ بِنْتَ ذِي يَزَنٍ تَقُولُ لِزَوْجِها: "تَعالَ أُفاتِحْكَ"؛ أيْ: "أُحاكِمْكَ".

وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا ﴾ اِسْتِسْلامٌ لِلَّهِ تَعالى وتَمَسُّكٌ بِلُطْفِهِ؛ وذَلِكَ يُؤَيِّدُ التَأْوِيلَ الأوَّلَ في قَوْلِهِ: ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًۭا لَّخَـٰسِرُونَ ٩٠ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ ٩١ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ شُعَيْبًۭا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَا ۚ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ شُعَيْبًۭا كَانُوا۟ هُمُ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٩٢ فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ ۖ فَكَيْفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍۢ كَـٰفِرِينَ ٩٣

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ ﴾ ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ ﴾ ﴿ فَتَوَلّى عنهم وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمِ كافِرِينَ ﴾ هَذِهِ المَقالَةُ قالَها المَلَأُ لِتُبّاعِهِمْ؛ وسائِرِ الناسِ الَّذِينَ يُقَلِّدُونَهم.

و"اَلرَّجْفَةُ": اَلزَّلْزَلَةُ الشَدِيدَةُ الَّتِي يَنالُ مَعَها الإنْسانَ اهْتِزازٌ وارْتِعادٌ واضْطِرابٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنَّ فِرْقَةً مِن قَوْمِ شُعَيْبٍ أُهْلِكَتْ بِالرَجْفَةِ؛ وفِرْقَةً بِالظُلَّةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنَّ الظُلَّةَ والرَجْفَةَ كانَتا في حِينٍ واحِدٍ؛ ورُوِيَ أنَّ اللهَ - تَبارَكَ وتَعالى - بَعَثَ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَلامُ - إلى أهْلِ مَدْيَنَ؛ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ؛ وقِيلَ: هُما طائِفَتانِ؛ وقِيلَ: واحِدَةٌ؛ وكانُوا - مَعَ كُفْرِهِمْ - يَبْخَسُونَ الكَيْلَ والوَزْنَ؛ فَدَعاهم فَكَذَّبُوهُ؛ فَجَرَتْ بَيْنَهم هَذِهِ المُقاوَلَةُ المُتَقَدِّمَةُ؛ فَلَمّا عَتَوْا؛ وطالَتْ بِهِمُ المُدَّةُ فَتَحَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بابًا مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ فَأهْلَكَهُمُ الحَرُّ مِنهُ؛ فَلَمْ يَنْفَعْهم ظِلٌّ ولا ماءٌ؛ ثُمَّ إنَّهُ بَعَثَ سَحابَةً فِيها رِيحٌ طَيِّبَةٌ فَوَجَدُوا بَرْدَ الرِيحِ وطِيبَها؛ فَتَنادَوْا: عَلَيْكُمُ الظُلَّةَ؛ فَلَمّا اجْتَمَعُوا تَحْتَ الظُلَّةِ؛ وهي تِلْكَ السَحابَةُ انْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ فَأهْلَكَتْهم.

قالَ الطَبَرِيُّ: فَبَلَغَنِي أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ مَدْيَنَ؛ يُقالُ لَهُ عَمْرُو بْنُ جَلْهاءَ؛ قالَ لَمّا رَآها: يا قَوْمِ إنَّ شُعَيْبًا مُرْسَلٌ فَذَرُوا ∗∗∗ عنكم سَمِيرًا وعِمْرانَ بْنَ شَدّادِ إنِّي أرى غَيْمَةً يا قَوْمِ قَدْ طَلَعَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ تَدْعُو بِصَوْتٍ عَلى صَمّانَةِ الوادِي وإنَّكم إنْ تَرَوْا فِيها ضُحاةَ غَدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا الرَقِيمَ يُمَشِّي بَيْنَ أنْجادِ وسَمِيرٌ؛ وعِمْرانُ: كاهِناهُمْ؛ والرَقِيمُ: كَلْبُهُمْ؛ ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا ذَكَرَ شُعَيْبًا قالَ: "ذَلِكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ"؛» لِقَوْلِهِ لِقَوْمِهِ: ﴿ وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عنهُ إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يُرِيدُ: لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ؛ وجَمِيلِ تَلَطُّفِهِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي عَبْدِ اللهِ البَجَلِيِّ أنَّهُ قالَ: أبُو جادٍ؛ وهَوَّزُ؛ وحُطِّي؛ وَكَلَمُنْ؛ وسَعْفَصُ؛ وقَرْشَتُ: أسْماءُ مُلُوكِ مَدْيَنَ؛ وكانَ المَلِكُ يَوْمَ الظُلَّةِ "كَلَمُنْ"؛ فَقالَتْ أُخْتُهُ تَرْثِيهِ: كَلَمُنْ قَدْ هُدَّ رُكْنِي ∗∗∗ ∗∗∗ هُلْكُهُ وسْطَ المَحِلَّةْ سَيِّدُ القَوْمِ أتاهُ الـ...

∗∗∗ ـحَتْفُ نارٌ وسْطَ ظُلَّةْ جُعِلَتْ نارًا عَلَيْهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ دارُهم كالمُضْمَحِلَّةْ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ حِكايَةٌ مَظْنُونٌ بِها؛ واللهُ تَعالى أعْلَمُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى "جاثِمِينَ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ﴾ ؛ لَفْظٌ فِيهِ الإخْبارُ عن قُوَّةِ هَلاكِهِمْ؛ ونُزُولِ النِقْمَةِ بِهِمْ؛ والتَنْبِيهُ عَلى العِبْرَةِ بِهِمْ؛ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلى الصَفا ∗∗∗ ∗∗∗...................

و"يَغْنَوْا"؛ مَعْناهُ: يُقِيمُوا؛ ويَسْكُنُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: و"غَنَيْتُ في المَكانِ"؛ إنَّما يُقالُ في الإقامَةِ الَّتِي هي مُقْتَرِنَةٌ بِتَنَعُّمٍ؛ وعَيْشٍ رَخِيٍّ؛ هَذا الَّذِي اسْتَقْرَيْتُ مِنَ الأشْعارِ الَّتِي ذَكَرَتِ العَرَبُ فِيها هَذِهِ اللَفْظَةَ؛ فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: وقَدْ نَغْنى بِها ونَرى عُصُورًا ∗∗∗ ∗∗∗ بِها يَقْتَدْنَنا الخُرُدَ الخِذالا وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ولَقَدْ يَغْنى بِها جِيرانُكِ الـ ∗∗∗ ∗∗∗ مُمْسِكُو مِنكِ بِعَهْدٍ ووِصالِ أنْشَدَهُ الطَبَرِيُّ ؛ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ألا حَيِّ مِن أجْلِ الحَبِيبِ المَغانِيا ∗∗∗ ∗∗∗...................

ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ: غَنِيَتْ دارُنا تِهامَةَ في الدَهْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـرِ وفِيها بَنُو مَعَدٍّ حُلُولا ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ اللَفْظَةُ مِن "اَلِاسْتِغْناءُ"؛ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿ كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ  ﴾ ؛ فَفِيهِ هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ المُرادَ: "كَأنْ لَمْ تَكُنْ ناعِمَةً نَضِرَةً مُسْتَقَلَّةً"؛ ولا تُوجَدُ - فِيما عَلِمْتُ - إلّا مُقْتَرِنَةً بِهَذا المَعْنى؛ وأمّا قَوْلُ الشاعِرِ: غَنِينا زَمانًا بِالتَصَعْلُكِ والغِنى ∗∗∗ ∗∗∗ وكُلًّا سَقاناهُ بِكَأْسِهِما الدَهْرُ فَمَعْناهُ: اِسْتَغْنَيْنا بِذَلِكَ؛ ورَضِيناهُ؛ مَعَ أنَّ هَذِهِ اللَفْظَةَ لَيْسَتْ مُقْتَرِنَةً بِمَكانٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ﴾ ؛ إلى آخِرِ الآيَةِ كَلامٌ يَقْتَضِي أنَّ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَلامُ - وجَدَ في نَفْسِهِ لَمّا رَأى هَلاكَ قَوْمِهِ؛ حُزْنًا؛ وإشْفاقًا؛ إذْ كانَ أمَلُهُ فِيهِمْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ فَلَمّا وجَدَ ذَلِكَ طَلَبَ أنْ يُثِيرَ في نَفْسِهِ سَبَبَ التَسَلِّي عنهُمْ؛ والقَسْوَةِ عَلَيْهِمْ؛ فَجَعَلَ يُعَدِّدُ مَعاصِيَهُمْ؛ وإعْراضَهُمُ الَّذِي اسْتَوْجَبُوا بِهِ ألّا يَتَأسَّفَ عَلَيْهِمْ؛ فَذَكَرَ أنَّهُ بَلَّغَ الرِسالَةَ؛ ونَصَحَ؛ والمَعْنى: "فَأعْرَضُوا؛ وكَذَّبُوا؛ ثُمَّ قالَ لِنَفْسِهِ لَمّا نَظَرَتْ في هَذا؛ وفَكَّرَتْ فِيهِ: فَكَيْفَ آسى عَلى هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ؟"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَقُولَ هَذِهِ المَقالَةَ عَلى نَحْوِ قَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِأهْلِ قَلِيبِ بَدْرٍ؛ وقالَ مَكِّيٌّ: وسارَ شُعَيْبٌ بِمَن مَعَهُ حَتّى سَكَنَ مَكَّةَ؛ إلى أنْ ماتُوا بِها.

و"آسى": أحْزَنُ.

وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ ؛ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ والأعْمَشُ: "إيسى"؛ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ وهي لُغَةٌ؛ كَما يُقالُ: "إخالُ"؛ و"إيمَنُ"؛ قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "لا أخالُهُ"؛ وقالَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ؛ في كِتابِ "اَلْحَجُّ": "لا إيمَنُ"؛ وجَمِيعُ ذَلِكَ في البُخارِيِّ ؛ وهَذِهِ اللُغَةُ تَطَّرِدُ في العَلاماتِ الثَلاثِ؛ هَمْزَةِ التَكَلُّمِ؛ ونُونِ الجَماعَةِ؛ وتاءِ المُخاطَبَةِ؛ ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في ياءِ الغائِبِ؛ كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ ؛ وأمّا قَوْلُهم مِن "وَجِلَ": "يِيْجَلُ"؛ فَلَعَلَّهُ مِن غَيْرِ هَذا البابِ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍۢ مِّن نَّبِىٍّ إِلَّآ أَخَذْنَآ أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ٩٤ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا۟ وَّقَالُوا۟ قَدْ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةًۭ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ٩٥ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰٓ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُوا۟ فَأَخَذْنَـٰهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ٩٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَرّاءُ والسَرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ خَبَرُ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ ما بَعَثَ نَبِيًّا في مَدِينَةٍ -وَهِيَ القَرْيَةُ- إلّا أخَذَ أهْلَها المُكَذِّبِينَ لَهُ بِالبَأْساءِ وهي المَصائِبُ في الأمْوالِ والهُمُومِ وعَوارِضِ الزَمَنِ، والضَرّاءِ وهي المَصائِبُ في البَدَنِ كالأمْراضِ ونَحْوِها، هَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وكَثِيرٍ مِن أهْلِ اللُغَةِ، وحَكى عَنِ السُدِّيِّ ما يَقْتَضِي أنَّ اللَفْظَتَيْنِ تَتَداخَلانِ فَتُقالُ كُلُّ واحِدَةٍ عَلى المَعْنَيَيْنِ، و"لَعَلَّهُمْ" تَرَجٍّ بِحَسَبِ اعْتِقادِ البَشَرِ وظُنُونِهِمْ، و"يَضَّرَّعُونَ" أيْ يَنْقادُونَ إلى الإيمانِ.

وهَكَذا قَوْلُهُمُ: "الحُمّى أضْرَعَتْنِي لَكَ".

ثُمَّ قالَ تَعالى أنَّهُ بَعْدَ إنْفاذِ الحُكْمِ في الأوَّلِينَ بَدَّلَ لِلْخَلْقِ مَكانَ السَيِّئَةِ -وَهِيَ البَأْساءُ والضَرّاءُ- الحَسَنَةَ -وَهِيَ السَرّاءُ والنِعْمَةُ- وهَذا بِحَسَبِ ما عِنْدَ الناسِ، وإلّا فَقَدَ يَجِيءُ الأمْرُ كَما قالَ الشاعِرُ: قَدْ يُنْعِمُ اللهُ بِالبَلْوى وإنْ عَظُمَتْ ∗∗∗ ويَبْتَلِي اللهُ بَعْضَ القَوْمِ بِالنِعَمِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا إنَّما يَصِحُّ مَعَ النَظَرِ إلى الدارِ الآخِرَةِ والجَزاءِ فِيها، والنِعْمَةُ المُطْلَقَةُ هي الَّتِي لا عُقُوبَةَ فِيها، والبَلْوى المُطْلَقَةُ هي الَّتِي لا ثَوابَ عَلَيْها.

و ﴿ حَتّى عَفَوْا ﴾ مَعْناهُ: حَتّى كَثُرُوا، يُقالُ: عَفا النَباتُ والرِيشُ، يَعْفُو إذا كَثُرَ نَباتُهُ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: ولَكِنَّها نُعَضُّ السَيْفَ مِنها ∗∗∗ ∗∗∗ بِأسْوُقِ عافِياتِ الشَحْمِ كَوْمِ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ  : « "أحَفُوا الشَوارِبَ وأعْفُوا اللِحى"،» وعَفا أيْضًا في اللُغَةِ بِمَعْنى دَرَسَ وبَلى، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: هي مِنَ الألْفاظِ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ لِلضِّدَّيْنِ، وأمّا قَوْلُ زُهَيْرٍ: ................................

∗∗∗ ∗∗∗ عَلى آثارِ مَن ذَهَبَ العَفاءُ فَيُحْتَمَلُ ثَلاثَةُ مَعانٍ؛ الدُعاءُ بِالدَرْسِ، والإخْبارُ بِهِ، والدُعاءُ بِالنُمُوِّ والنَباتِ، كَما يُقالُ: جادَتْهُ الدِيَمُ وسَقَتْهُ العِهادُ، ولِما بَدَّلَ اللهُ حالَهم بِالخَيْرِ لُطْفًا بِهِمْ فَنَمَوْا رَأى الخَلْقَ بَعْدَ ذَلِكَ -لِلْكُفْرِ الَّذِي هم فِيهِ- أنَّ إصابَةَ الضَرّاءِ والسَرّاءِ إنَّما هي بِالِاتِّفاقِ، ولَيْسَتْ بِقَصْدٍ كَما يُخْبِرُ النَبِيُّ، واعْتَقَدُوا أنَّ ما أصابَهم مِن ذَلِكَ إنَّما هو كالِاتِّفاقِ الَّذِي كانَ لِآبائِهِمْ فَجَعَلُوهُ مِثالًا، أيْ: قَدْ أصابَ هَذا آباءَنا فَلا يَنْبَغِي لَنا أنْ نُنْكِرَهُ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أخَذَ هَذِهِ الطَوائِفَ الَّتِي هَذا مُعْتَقَدُها.

وَقَوْلُهُ: ﴿ بَغْتَةً ﴾ أيْ فَجْأةً وأخْذَةَ أسَفٍ وبَطْشًا لِلشَّقاءِ السابِقِ لَهم في قَدِيمِ عِلْمِهِ.

والسَرّاءُ: السُرُورُ والحَبْرَةُ، ﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ مَعْناهُ: وهم مُكَذِّبُونَ لا يَتَحَسَّسُونَ لِشَيْءٍ مِنهُ ولا يَسْتَشْعِرُونَهُ بِاسْتِدْلالٍ وغَيْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَوْ كانُوا مِمَّنْ سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ أنْ يَكْتَسِبُوا الإيمانَ والطاعاتِ ويَتَّصِفُوا بِالتُقى لَتَبِعَ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ ورَحْمَتِهِ وإنْعامِهِ ما ذُكِرَ مِن بَرَكاتِ المَطَرِ والنَباتِ، ولَكِنَّهم لَمّا كانُوا مِمَّنْ سَبَقَ كُفْرُهم وتَكْذِيبُهم تَبِعَ ذَلِكَ أخْذُ اللهِ لَهم بِسُوءِ ما اجْتَرَمُوهُ، وكُلٌّ مَقْدُورٌ، والثَوابُ والعِقابُ مُتَعَلِّقٌ بِكَسْبِ البَشَرِ، وبِسَبَبِهِ اسْتَنَدَتِ الأفْعالُ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ( آمَنُوا واتَّقَوْا ) وفي ( كَذَّبُوا ).

وقَرَأ السِتَّةُ مِنَ القُرّاءِ السَبْعَةِ: "لَفَتَحْنا" بِخَفِيفِ التاءِ، وهي قِراءَةُ الناسِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "لَفَتَّحْنا" بِتَشْدِيدِ التاءِ، وفَتْحُ البَرَكاتِ: إنْزالُها عَلى الناسِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ  ﴾ ، ومِنهُ قالَتِ الصُوفِيَّةُ: الفُتُوحُ والبَرَكاتُ: النُمُوُّ والزِياداتُ، و"مِنَ السَماءِ" لِجِهَةِ المَطَرِ والرِيحِ والشَمْسِ، "والأرْضِ" لِجِهَةِ الإنْباتِ والحِفْظِ لِما يَنْبُتُ، هَذا هو الَّذِي يُدْرِكُهُ نَظَرُ البَشَرِ، ولِلَّهِ خُدّامٌ غَيْرُ ذَلِكَ لا يُحْصى عَدَدُهُمْ، وما في عِلْمِ اللهِ أكْثَرُ.

<div class="verse-tafsir"

أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَـٰتًۭا وَهُمْ نَآئِمُونَ ٩٧ أَوَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًۭى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ٩٨ أَفَأَمِنُوا۟ مَكْرَ ٱللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ٩٩ أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَـٰهُم بِذُنُوبِهِمْ ۚ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ١٠٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ ﴾ ﴿ أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ ﴾ ﴿ أفَأمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إلا القَوْمُ الخاسِرُونَ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ وعِيدًا لِلْكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ  ، لِأنَّهُ لَمّا أخْبَرَ عَمّا فَعَلَ في الأُمَمِ الخالِيَةِ قالَ: ومَن يُؤَمِّنُ هَؤُلاءِ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِثْلُ ما نَزَلْ بِأُولَئِكَ؟

وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ.

والبَأْسُ: العَذابُ، و"بَياتًا" نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، أيْ وقْتَ مَبِيتِهِمْ بِاللَيْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا في مَوْضِعِ الحالِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "أوأمِنَ" بِسُكُونِ الواوِ وإظْهارِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ ورْشٌ عن نافِعٍ: "أوامِنَ" بِفَتْحِ الواوِ وإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ الثانِيَةِ عَلَيْها، وهَذِهِ القِراءَةُ في مَعْنى الأُولى ولَكِنَّها سُهِّلَتْ.

وقَرَأ عاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أوَ أمِنَ" بِفَتْحِ الواوِ وإظْهارِ الهَمْزَتَيْنِ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: أنَّهُ دَخَلَ ألْفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، ومَعْنى القِراءَةِ الأُولى: أنَّهُ عَطَفَ بِـ"أو" والَّتِي هي لِأحَدِ الشَيْئَيْنِ، والمَعْنى: أفَأمِنُوا هَذا أو هَذا؟

كَما تَقُولُ: "أجاءَ زَيْدٌ أو عَمْرٌو "؟

ولَيْسَتْ هَذِهِ "أوِ" الَّتِي هي لِلْإضْرابِ عَنِ الأوَّلِ، كَما تَقُولُ: "أنا أقْوَمُ أو أجْلِسُ" وأنْتَ تَقْصِدُ الإضْرابَ عَنِ القِيامِ والإثْباتَ لِلْجُلُوسِ وتَقْرِيرَهُ، وقَوْلُنا: الَّتِي هي لِأحَدِ الشَيْئَيْنِ يَعُمُّ الإباحَةَ والتَخْيِيرَ، كَقَوْلِكَ: جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ، أو قَوْلُكَ: جالِسِ الحَسَنَ أو جالِسِ ابْنَ سِيرِينَ، وقَوْلُهُ ﴿ يَلْعَبُونَ ﴾ يُرِيدُ: في غايَةِ الغَفْلَةِ والإعْراضِ.

و ﴿ مَكْرَ اللهِ ﴾ هي إضافَةُ مَخْلُوقٍ إلى خالِقٍ، كَما تَقُولُ: ناقَةُ اللهِ، وبَيْتُ اللهِ، والمُرادُ فِعْلٌ يُعاقَبُ بِهِ مَرَدَةُ الكُفّارِ، وأُضِيفَ إلى اللهِ لَمّا كانَ عُقُوبَةَ الذَنْبِ، فَإنَّ العَرَبَ تُسَمِّي العُقُوبَةَ -عَلى أيِّ وجْهٍ كانَتْ- بِاسْمِ الذَنْبِ الَّذِي وقَعَتْ عَلَيْهِ العُقُوبَةُ، وهَذا نَصٌّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ  ﴾ وهَذا المَوْضِعُ أيْضًا، كَأنَّ كُفْرَهم بَعْدَ الرِسالَةِ وظُهُورَ دَعْوَةِ اللهِ مَكْرٌ وخَدِيعَةٌ واسْتِخْفافٌ.

وقِيلَ: عُومِلَ -فِي مِثْلِ هَذا وغَيْرِهِ- اللَفْظُ دُونَ المَعْنى في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ  ﴾ و"إنَّ اللهَ لا يَمَلُّ حَتّى تَمَلُّوا" وغَيْرِ ذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ ﴾ الآيَةُ.

هَذِهِ ألِفُ تَقْرِيرٍ دَخَلَتْ عَلى واوِ العَطْفِ، و"يَهْدِي" مَعْناهُ: يُبَيِّنُ ويُوَضِّحُ، والهُدى: الصَباحُ، وأنْشَدُوا عَلى ذَلِكَ: حَتّى اسْتَبَنْتُ الهُدى والبِيدُ هاجِمَةٌ...

يَسْبَحْنَ في الآلِ غُلْفًا أو يُصَلِّينا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُبَيِّنُ اللهَ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُبَيِّنُ قَوْلَهُ: ﴿ أنْ لَوْ نَشاءُ ﴾ أيِ عِلْمُهم بِذَلِكَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: و"يَهْدِي" مَعْناهُ: يَتَبَيَّنُ، وهَذِهِ أيْضًا آيَةُ وعِيدٍ، أيْ: ألَمْ يَظْهَرْ لِوارِثِي الأرْضِ بَعْدَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم وما حَلَّ بِهِمْ أنّا نَقْدِرُ لَوْ شِئْنا أنْ نُصِيبَهم إصابَةَ إهْلاكٍ بِسَبَبِ مَعاصِيهِمْ كَما فُعِلَ بِمَن تَقَدَّمَ، وكُنّا نَطْبَعُ: أيْ نَخْتِمُ عَلَيْها بِالشَقاوَةِ، وفي هَذِهِ العِبارَةِ ذِكْرُ القَوْمِ الَّذِينَ قَصَدَ ذِكْرَهُمْ، وتَعْدِيدُ النِعْمَةِ عَلَيْهِمْ فِيما ورِثُوا، والوَعْظُ بِحالِ مَن سَلَفَ مِنَ المُهْلَكِينَ.

﴿ وَنَطْبَعُ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( أصَبْنَهم ) إذِ المُرادُ بِهِ الِاسْتِقْبالُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ و"نَطْبَعُ" مُنْقَطِعًا إخْبارًا عن وُقُوعِ الطَبْعِ لا أنَّهُ مُتَوَعِّدٌ بِهِ، ويَبْقى التَوَعُّدُ بِالإهْلالِ الَّذِي هو بِعَذابٍ كالصَيْحَةِ والغَرَقِ ونَحْوِهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: و"نَطْبَعْ عَّلى" بِإدْغامِ العَيْنِ في العَيْنِ وإشْمامِ الضَمِّ، ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ.

<div class="verse-tafsir"

تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآئِهَا ۚ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ بِمَا كَذَّبُوا۟ مِن قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَـٰفِرِينَ ١٠١ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍۢ ۖ وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَـٰسِقِينَ ١٠٢

وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ ﴾ ﴿ وَما وجَدْنا لأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ ﴾ "تِلْكَ" ابْتِداءٌ، و"القُرى" قالَ قَوْمٌ: هو نَعْتٌ والخَبَرُ "نَقُصُّ" ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ القَصْدَ إنَّما الإخْبارُ بِالقَصَصِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ عِنْدِي أنَّ "القُرى" هي خَبَرُ الِابْتِداءِ، وفي ذَلِكَ مَعْنى التَعْظِيمِ لَها ولِمَهْلِكِها، وهَذا كَما قِيلَ في ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ  ﴾ : أنَّهُ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وكَما قالَ  : « "أُولَئِكَ المَلَأُ"»، وكَقَوْلِ أُمَيَّةَ بْنَ أبِي الصَلْتِ: تِلْكَ المَكارِمُ............

∗∗∗.......................

وهَذا كَثِيرٌ، وكَأنَّ في اللَفْظِ مَعْنى التَحَسُّرِ عَلى القُرى المَذْكُورَةِ، والمَعْنى: نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الماضِينَ لِتَتَبَيَّنَ العِبَرَ وتَعْلَمَ المَثُلاتِ الَّتِي أوقَعَها اللهُ بِالماضِينَ.

ثُمَّ ابْتَدَأ الخَبَرَ عن جَمِيعِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ أرْبَعَةَ وُجُوهٍ مِنَ التَأْوِيلِ؛ أحَدُها: أنْ يُرِيدَ أنَّ الرَسُولَ جاءَ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنهم فَكَذَّبُوهُ لِأوَّلِ أمْرِهِ، ثُمَّ اسْتَبانَتْ حُجَّتُهُ وظَهَرَتِ الآياتُ الدالَّةُ عَلى صِدْقِهِ مَعَ اسْتِمْرارِ دَعَوْتِهِ، فَلَجُّوا هم في كُفْرِهِمْ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِما تَبَيَّنَ بِهِ تَكْذِيبُهم مِن قَبْلُ.

وكَأنَّهُ وصَفَهم -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِاللَجاجِ في الكُفْرِ والصَرامَةِ عَلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ ﴾ ويَحْتَمِلُ -فِي هَذا الوَجْهِ- أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ أيْ: ما كانُوا لِيُوَفِّقَهُمُ اللهُ إلى الإيمانِ بِسَبَبِ أنَّهم كَذَّبُوا قَبْلُ فَكانَ تَكْذِيبُهم سَبَبًا لِأنْ يُمْنَعُوا الإيمانَ بَعْدُ.

والثانِي مِنَ الوُجُوهِ؛ أنْ يُرِيدَ: فَما كانَ آخِرُهم في الزَمَنِ والعَصْرِ لِيَهْتَدِيَ ويُؤْمِنَ بِما كَذَّبَ بِهِ أوَّلُهم في الزَمَنِ والعَصْرِ، بَلْ كَفَرَ كُلُّهُمْ، ومَشى بَعْضُهم عن سُنَنِ بَعْضٍ في الكُفْرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أشارَ إلى هَذا القَوْلِ النَقّاشُ، فَكَأنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: "كانُوا" يَخْتَصُّ بِالآخَرِينَ، والضَمِيرَ في قَوْلِهِ: "كَذَّبُوا" يَخْتَصُّ بِالقُدَماءِ مِنهُمْ، والثالِثُ مِنَ الوُجُوهِ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَما كانَ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ بِأجْمَعِهِمْ -لَوْ رُدُّوا إلى الدُنْيا ومُكِّنُوا مِنَ العَوْدَةِ- لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا في حالِ حَياتِهِمْ ودُعاءِ الرَسُولِ لَهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَرَنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عنهُ  ﴾ ،وَهَذِهِ أيْضًا صِفَةٌ بَلِيغَةٌ في اللَجاجِ والثُبُوتِ عَلى الكُفْرِ، بَلْ هي غايَةٌ في ذَلِكَ.

والرابِعُ مِنَ الوُجُوهِ؛ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وصْفَهم بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا بِما قَدْ سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى أنَّهم مُكَذِّبُونَ بِهِ، فَجَعَلَ سابِقَ القَدَرِ عَلَيْهِمْ بِمَثابَةِ تَكْذِيبِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ لا سِيَّما وقَدْ خَرَجَ تَكْذِيبُهم إلى الوُجُودِ في وقْتِ مَجِيءِ الرُسُلِ، وذَكَرَ هَذا التَأْوِيلَ المُفَسِّرُونَ وقَرَنُوهُ بِأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ حَتَمَ عَلَيْهِمُ التَكْذِيبَ وقْتَ أخْذِ المِيثاقَ، وهو قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رِضى اللهِ عنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما وجَدْنا لأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ ﴾ الآيَةُ.

أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لَمْ يَجِدْ لِأكْثَرِهِمْ ثُبُوتًا عَلى العَهْدِ الَّذِي أخَذَهُ عَلى ذُرِّيَّةِ آدَمَ وقْتَ اسْتِخْراجِهِمْ مِن ظَهْرِهِ.

قالَهُ أبُو العالِيَةِ عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عِبارَةً عن أنَّهم لَمْ يَصْرِفُوا عُقُولَهم في الآياتِ المَنصُوبَةِ، ولا شَكَرُوا نِعَمَ اللهِ، ولا قادَتْهم مُعْجِزاتُ الأنْبِياءِ، لِأنَّ هَذِهِ الأُمُورَ عَهْدٌ في رِقابِ العُقَلاءِ كالعُهُودِ يَنْبَغِي أنْ يُوَفّى بِها، وأيْضًا فَمِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ تَقَرَّرَ العَهْدُ الَّذِي هو بِمَعْنى الوَصِيَّةِ، وبِهِ فَسَّرَ الحَسَنُ هَذِهِ الآيَةَ، فَيَجِيءُ المَعْنى: وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمُ التِزامَ عَهْدٍ وقَبُولَ وصاةٍ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.

و"مِن" في هَذِهِ الآيَةِ زائِدَةٌ، إلّا أنَّها تُعْطِي اسْتِغْراقَ جِنْسِ العَهْدِ، ولا تَجِيءُ هَذِهِ إلّا بَعْدَ النَفْيِ، و"إنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ مِن عِنْدِ سِيبَوَيْهِ، واللامُ في قَوْلِهِ: "لَفاسِقِينَ" لِلْفَرْقِ بَيْنَ "إنْ" المُخَفَّفَةِ وغَيْرِها، و"إنْ" عِنْدَ الفَرّاءِ هي بِمَعْنى "ما"، واللامُ بِمَعْنى "إلّا"، والتَقْدِيرُ عِنْدَهُ: وما وجَدْنا أكْثَرَهم إلّا فاسِقِينَ.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَظَلَمُوا۟ بِهَا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ١٠٣ وَقَالَ مُوسَىٰ يَـٰفِرْعَوْنُ إِنِّى رَسُولٌۭ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٠٤ حَقِيقٌ عَلَىٰٓ أَن لَّآ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ ۚ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ١٠٥ قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِـَٔايَةٍۢ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ١٠٦ فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌۭ مُّبِينٌۭ ١٠٧ وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّـٰظِرِينَ ١٠٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِها فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ ﴾ ﴿ وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللهِ إلا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ﴿ قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ ﴾ ﴿ فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( مِن بَعْدِهِمْ ) عائِدٌ عَلى الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم وعَلى أُمَمِهِمْ، والآياتُ في هَذِهِ الآيَةِ عامٌّ في التِسْعِ وغَيْرِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَظَلَمُوا بِها ﴾ المَعْنى: فَظَلَمُوا أنْفُسَهم فِيها وبِسَبَبِها وظَلَمُوا أيْضًا مَظْهَرَها ومُتَّبِعِي مَظْهَرِها.

وقِيلَ: لَمّا نُزِّلَتْ "ظَلَمُوا" مَنزِلَةَ "كَفَرُوا" و"جَحَدُوا" عُدِّيَتْ بِالباءِ، كَما قالَ: قَدْ قَتَلَ اللهُ زِيادًا عَنِّي فَأُنْزِلَ "قَتْلَ" مَنزِلَةَ "صَرَفَ"، ثُمَّ حَذَّرَ اللهُ مِن عاقِبَةِ المُفْسِدِينَ الظالِمِينَ، وجَعَلَهم مِثالًا يَتَوَعَّدُ بِهِ كَفَرَةَ عَصْرِ النَبِيِّ  .

وفِرْعَوْنُ: اسْمُ كُلِّ مَلِكٍ لِمِصْرَ في ذَلِكَ الزَمانِ، فَخاطَبَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأعْظَمِ أسْمائِهِ وأحَبِّها إلَيْهِ إذْ كانَ مِنَ الفَراعِنَةِ كالنَمارِذَةِ في اليُونانِ وقَيْصَرَ في الرُومِ وكِسْرى في فارِسَ والنَجاشِيِّ في الحَبَشَةِ.

ورُوِيَ أنَّهُ مُوسى بْنُ عُمْرانَ بْنِ فاهَتَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرَحْمَنِ، ورُوِيَ أنَّ اسْمَ فِرْعَوْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ، وقِيلَ: هو فِرْعَوْنُ يُوسُفَ، وأنَّهُ عَمَّرَ نَيِّفًا وأرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَن قالَ إنَّ يُوسُفَ المَبْعُوثَ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ مُوسى في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ  ﴾ هو غَيْرُ يُوسُفَ الصِدِّيقِ فَلَيْسَ يَحْتاجُ إلى نَظَرٍ، ومَن قالَ إنَّهُ يُوسُفُ الصِدِّيقُ فَيُعارِضُهُ ما يَظْهَرُ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ، وذَلِكَ أنَّهُ مَلَكَ مِصْرَ بَعْدَ عَزِيزِها، فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ أنْ يَعِيشَ عَزِيزُها إلى مُدَّةِ مُوسى؟

فَيَنْفَصِلُ أنَّ العَزِيزَ لَيْسَ بِفِرْعَوْنَ المَلِكِ، إنَّما كانَ حاجِبًا لَهُ.

وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ "عَلَيَّ" بِإضافَةِ "عَلى" إلَيْهِ، وقَرَأ الباقُونَ "عَلى" بِسُكُونِ الياءِ، قالَ الفارِسِيُّ: مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ "عَلى" وضَعَتْ مَوْضِعَ "الباءِ"، كَأنَّهُ قالَ: "حَقِيقٌ بِألّا أقُولَ عَلى اللهِ إلّا الحَقَّ" كَما وضُعِتِ "الباءُ" مَوْضِعَ "عَلى" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ  ﴾ فَيَتُوَصَّلُ إلى المَعْنى بِهَذِهِ وبِهَذِهِ، وكَما تَجِيءُ "عَلى" أيْضًا بِمَعْنى "عن"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ في صِفَةِ قَوْسِهِ: أرْمِي عَلَيْها وهي فَرْعٌ أجْمَعُ ∗∗∗ وهي ثَلاثُ أذْرُعٍ وإصْبَعُ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: و"حَقِيقٌ" -عَلى هَذا- مَعْناهُ: جَدِيرٌ وخَلِيقٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: قالَ قَوْمٌ: "حَقِيقٌ" مَعْناهُ: حَرِيصٌ فَلِذَلِكَ وُصِلَتْ بِـ"عَلى"، وفي هَذا القَوْلِ بُعْدٌ، وقالَ قَوْمٌ: "حَقِيقٌ" صِفَةٌ لِـ"رَسُولٌ"، تَمَّ عِنْدَها الكَلامُ، و"عَلَيَّ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و"أنْ لا أقُولَ" ابْتِداءٌ تَقَدَّمَ خَبَرُهُ، وإعْرابُ "أنْ" عَلى قِراءَةِ مَن سَكَّنَ الياءَ خَفْضٌ، وعَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَها مُشَدَّدَةً رَفْعٌ، وقالَ الكِسائِيُّ: في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "حَقِيقٌ بِألّا أقُولَ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو: في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "حَقِيقٌ أنْ أقُولَ" وبِهِ قَرَأ الأعْمَشُ.

وهَذِهِ المُخاطَبَةُ -إذا تَأمَّلْتَ- غايَةٌ في التَلَطُّفِ في القَوْلِ اللَيِّنِ الَّذِي أُمِرَ عَلَيْهِ السَلامُ بِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ ﴾ الآيَةُ.

البَيِّنَةُ هُنا إشارَةُ إلى جَمِيعِ آياتِهِ، وهي عَلى المُعْجِزَةِ هُنا أدَلُّ، وهَذا مِن مُوسى عَرْضُ نُبُوَّتِهِ، ومِن فِرْعَوْنَ اسْتِدْعاءُ خَرْقِ العادَةِ الدالِ عَلى الصِدْقِ.

وَظاهِرُ الآيَةِ وغَيْرِها أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ تَنْبَنِ شَرِيعَتُهُ إلّا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَقَطْ، ولَمْ يَدْعُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ إلّا إلى إرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَكَرَهُ لَعَلَّهُ يَخْشى أو يَزَّكّى ويُوَحِّدُ كَما يُذَكِّرُ كُلَّ كافِرٍ، إذْ كَلُّ نَبِيٍّ داعٍ إلى التَوْحِيدِ وإنْ لَمْ يَكُنْ آخِذًا بِهِ ومُقاتِلًا عَلَيْهِ، وأمّا أنَّهُ دَعاهُ إلى أنْ يُؤْمِنَ ويَلْتَزِمَ جَمِيعَ الشَرْعِ فَلَمْ يُرِدْ هَذا نَصًّا، والأمْرُ مُحْتَمَلٍ، وبِالجُمْلَةِ فَيَظْهَرُ فَرْقُ ما بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَيْنَ فِرْعَوْنَ والقِبْطِ، ألا تَرى أنَّ بَقِيَّةَ القِبْطِ وهُمُ الأكْثَرُ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أبَدًا ولا عارَضَهُمْ، وكانَ القِبْطُ مَثَلًا عَبَدَةَ البَقَرِ وغَيْرَهُمْ؟

وإنَّما احْتاجَ إلى مُحاوَرَةِ فِرْعَوْنَ لِتَمَلُّكِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَألْقى عَصاهُ ﴾ الآيَةُ.

رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَلِقَ بِهِ وبِمُحاوَرَتِهِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ لِأعْوانِهِ: خُذُوهُ، فَألْقى مُوسى العَصا فَصارَتْ ثُعْبانًا وهَمَّتْ بِفِرْعَوْنَ فَهَرَبَ مِنها، وقالَ السُدِّيُّ: إنَّهُ أحْدَثَ وقالَ: يا مُوسى كُفَّهُ عَنِّي فَكَفَّهُ، وقالَ نَحْوَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

و"إذا" ظَرْفُ مَكانٍ في هَذا المَوْضِعِ عِنْدَ المُبَرِّدِ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عن جُثَّةٍ، والصَحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أنَّها ظَرْفُ زَمانٍ في كُلِّ مَوْضِعٍ، ويُقالُ: إنَّ الثُعْبانَ وضَعَ أسْفَلَ لِحْيَيْهِ في الأرْضِ وأعْلاهُما في شُرُفاتِ القَصْرِ.

والثُعْبانُ: الحَيَّةُ الذَكَرُ، وهو أهْوَلُ وأجْرَأُ، قالَهُ الضَحّاكُ.

وقالَ قَتادَةُ: صارَتْ حَيَّةً شَعْراءَ ذَكَرًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: غَرَزَتْ ذَنَبَها في الأرْضِ ورَفَعَتْ صَدْرَها إلى فِرْعَوْنَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مُبِينٌ ﴾ مَعْناهُ: لا تَخْيِيلَ فِيهِ، بَلْ هو بَيَّنَ أنَّهُ حَقِيقَةٌ، وهو مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ، أو مَن بانَ بِمَعْنى سَلَبَ عن أجْزائِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ ﴾ مَعْناهُ: مِن جَيْبِهِ أو كُمِّهِ حَسَبَ الخِلافِ في ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَإذا هي بَيْضاءُ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: كاللَبَنِ أو أشَدَّ بَياضًا، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ تَظْهَرُ مُنِيرَةً شَفّافَةً كالشَمْسِ تَتَألَّقُ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ذا دَمٍ أحْمَرَ إلى السَوادِ، ثُمَّ كانَ يَرُدُّ يَدَهُ فَتَرْجِعُ إلى لَوْنِ بَدَنِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهاتانِ الآيَتانِ عَرَضَهُما مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِلْمُعارَضَةِ، ودَعا إلى اللهِ بِهِما، وَخَرَقَ العادَةَ بِهِما، وتَحَدّى الناسَ إلى الدِينِ بِهِما، فَإذا جَعَلْنا التَحَدِّيَ الدُعاءَ إلى الدِينِ مُطْلَقًا فَبِهِما تَحَدّى، وإذا جَعَلْنا التَحَدِّيَ الدُعاءَ بَعْدَ العَجْزِ عن مُعارَضَةِ المُعْجِزَةِ وظُهُورِ ذَلِكَ فَتَنْفَرِدُ حِينَئِذٍ العَصا بِذَلِكَ، لِأنَّ المُعارَضَةَ والعَجْزَ فِيها وقَعا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقالُ: التَحَدِّي هو الدُعاءُ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِ المُعْجِزَةِ، فَهَذا نَحْوٌ ثالِثٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ تَحَدّى مُوسى بِالآيَتَيْنِ جَمِيعًا، لِأنَّ الظاهِرَ مِن أمْرِهِ أنَّهُ عَرَضَهُما لِلنَّظَرِ مَعًا وإنْ كانَ لَمْ يَنُصَّ عَلى الدُعاءِ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِما، ورُوِيَ عن فَرَقَدٍ السَبَخِيِّ أنَّ فَمَ الحَيَّةِ كانَ يَنْفَتِحُ أرْبَعِينَ ذِراعًا.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ عَلِيمٌۭ ١٠٩ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ ۖ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ١١٠ قَالُوٓا۟ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِى ٱلْمَدَآئِنِ حَـٰشِرِينَ ١١١ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَـٰحِرٍ عَلِيمٍۢ ١١٢ وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوٓا۟ إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَـٰلِبِينَ ١١٣ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ١١٤ قَالُوا۟ يَـٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ ١١٥ قَالَ أَلْقُوا۟ ۖ فَلَمَّآ أَلْقَوْا۟ سَحَرُوٓا۟ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍۢ ١١٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ ﴾ ﴿ قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ ﴾ ﴿ يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ ﴾ ﴿ وَجاءَ السَحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لأجْرًا إنَّ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ ﴾ ﴿ قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ ﴾ ﴿ قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ ﴾ ﴿ قالَ ألْقُوا فَلَمّا ألْقُوا سَحَرُوا أعْيُنَ الناسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴾ الساحِرُ كانَ عِنْدَهم في ذَلِكَ الزَمَنِ أعْلى المَراتِبِ وأعْظَمَ الرِجالِ، ولَكِنَّ وصْفَهم مُوسى بِذَلِكَ مَعَ مُدافَعَتِهِمْ لَهُ عَنِ النُبُوَّةِ ذَمٌّ عَظِيمٌ وحَطٌّ، وذَلِكَ قَصَدُوا إنْ لَمْ يُمْكِنْهم أكْثَرَ، وقَوْلُهُمْ: ﴿ يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ ﴾ يَعْنُونَ بِأنَّهُ يَحْكُمُ فِيكم بِنَقْلِ رَعِيَّتِكم في بَنِي إسْرائِيلَ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى خَرابِ دِيارِكم إذا ذَهَبَ الخَدَمَةُ والعُمَرَةُ، وأيْضًا فَلا مَحالَةَ أنَّهم خافُوا أنْ يُقاتِلَهُمْ، وجالَتْ ظُنُونُهم في كُلِّ مَجالٍ، وقالَ النَقّاشُ: كانُوا يَأْخُذُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَرْجًا كالجِزْيَةِ فَرَأوا أنَّ مُلْكَهم يَذْهَبُ بِزَوالِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَماذا تَأْمُرُونَ ﴾ الظاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ المَلَإ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ.

وقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ لَهُمْ، ورَوى كَرَدْمٌ عن نافِعٍ "تَأْمُرُونِ" بِكَسْرِ النُونِ، وكَذَلِكَ في الشُعَراءِ.

و"ما" اسْتِفْهامٌ، و"إذا" بِمَعْنى "الَّذِي"، فَهُما ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وِفي "تَأْمُرُونَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "الَّذِي" تَقْدِيرُهُ: تَأْمُرُونَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ "ماذا" بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "تَأْمُرُونَ" ولا يُضْمَرُ فِيهِ عَلى هَذا.

قالَ الطَبَرِيُّ: والسِحْرُ مَأْخُوذٌ مِن: سَحَرَ المَطَرُ الأرْضَ إذا جادَّها حَتّى يَقْلِبَ نَباتَها ويَقْلَعَهُ مِن أُصُولِهِ، فَهو يَسْحَرُها سَحَرًا، والأرْضُ مَسْحُورَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما سَحَرَ المَطَرُ الطِينَ إذا أفْسَدَهُ حَتّى لا يُمْكِنَ فِيهِ عَمَلٌ، والسِحْرُ: الأخْذَةُ الَّتِي تَأْخُذُ العَيْنَ حَتّى تَرى الأمْرَ غَيْرَ ما هُوَ، ورُبَّما سَحَرَ الذِهْنَ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: وساحِرَةُ السَرابِ مِنَ المَوامِي ∗∗∗ تُرَقَّصُ في نَواشِزِها الأُرُومُ أرادَ: أنَّهُ يُخَيِّلُ نَفْسَهُ ماءً لِلْعُيُونِ.

ثُمَّ أشارَ المَلَأُ عَلى فِرْعَوْنَ بِأنْ يُؤَخِّرَ مُوسى وهارُونَ ويَدَعَ النَظَرَ في أمْرِهِما ويَجْمَعَ السَحَرَةَ مِن كُلِّ مَكانٍ حَتّى تَكُونَ غَلَبَةُ مُوسى بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ مَعْلُومَةٍ بَيِّنَةٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "أرْجِئْهُو" بِواوٍ بَعْدَ الهاءِ المَضْمُومَةِ وبِالهَمْزِ قَبْلَ الهاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "أرْجِئْهُ" بِالهَمْزِ دُونَ واوٍ بَعْدَها، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ في رِوايَةِ قالُونَ: "أرْجِهِ" بِكَسْرِ الهاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أخِّرْهُ فَسَهَّلَ الهَمْزَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الرَجا بِمَعْنى: أطْعِمْهُ ورَجِّهِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، وقَرَأ ورْشٌ عن نافِعٍ: "أرْجِهِي" بِياءٍ بَعْدَ كَسْرَةِ الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أرْجِئْهِ" بِكَسْرِ الهاءِ وبِهَمْزَةٍ قَبْلَها.

قالَ الفارِسِيُّ: وهَذا غَلَطٌ.

وقَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ: "أرْجِهُ" بِضَمِّ الهاءِ دُونَ هَمْزٍ، ورَوى أبانُ عن عاصِمٍ: "أرْجِهْ" بِسُكُونِ الهاءِ، وهي لُغَةٌ تَقِفُ عَلى هاءِ الكِنايَةِ إذا تَحَرَّكَ ما قَبْلَها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أنْحى عَلَيَّ الدَهْرُ رَجُلًا ويَدًا ∗∗∗ ∗∗∗ يُقْسِمُ لا أُصْلِحُ إلّا أفْسَدا فَيَصْلِحُ اليَوْمَ ويُفْسِدُ غَدا.

وقالَ الآخَرُ: لَمّا رَأى أنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعْ ∗∗∗ ∗∗∗ مالَ إلى أرْطاةِ حِقْفٍ فاضْطَجَعْ وحَكى النَقّاشُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُجالِسُ فِرْعَوْنَ ولَدُ غِيَّةٍ وإنَّما كانُوا أشْرافًا، ولِذَلِكَ أشارُوا بِالإرْجاءِ ولَمْ يُشِيرُوا بِالقَتْلِ وقالُوا: إنْ قَتَلْتَهُ دَخَلَتْ عَلى الناسِ شُبْهَةٌ، ولَكِنِ اغْلِبْهُ بِالحُجَّةِ.

و"المَدائِنُ" جَمْعُ مَدِينَةٍ، وزْنُها فَعَيْلَةٍ مِن مَدَنَ، أو مُفْعِلَةٌ مَن دانَ يَدِينُ، وعَلى هَذا يُهْمَزُ مَدائِنُ أو لا يُهْمَزُ، و"حاشِرِينَ" مَعْناهُ: جامِعِينَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: وهُمُ الشُرَطُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "بِكُلِّ ساحِرٍ"، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "بِكُلِّ سَحّارٍ" عَلى بِناءِ المُبالِغَةِ، وكَذَلِكَ في سُورَةِ يُونُسَ، وأجْمَعُوا عَلى "سَحّارٍ" في سُورَةِ الشُعَراءِ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى الإرْجاءِ الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ: السَجْنُ والحَبْسُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءَ السَحَرَةُ ﴾ الآيَةُ، هُنا مَحْذُوفاتٌ يَقْتَضِيها ظاهِرُ الكَلامِ، وهي أنَّهُ بَعَثَ إلى السَحَرَةِ وأمَرَهم بِالمَجِيءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: أنَّهُ بَعَثَ غِلْمانًا فَعَلَّمُوا بِالفَرَما وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "إنَّ لَنا لَأجْرًا" عَلى جِهَةِ الخَبَرِ، وقَرَأُوا في الشُعَراءِ: "آنَّ لَنا" مَمْدُودَةً مَفْتُوحَةَ الألْفِ غَيْرَ عاصِمٍ، فَإنَّهُ لا يَمُدُّها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ وحَذْفِ ألِفِها، وقَدْ قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: "أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ" ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:.

أفْرَحُ أنْ أُرْزَأ الكِرامَ.....

∗∗∗ ∗∗∗...........................

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ هُنا وفي الشُعَراءِ: "آئِنَّ" بِألْفِ الِاسْتِفْهامِ قَبْلَ "إنَّ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أئِنَّ" دُونَ مَدٍّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو هُنا وفي الشُعَراءِ: "أيِنَّ".

والأجْرُ هُنا: الأُجْرَةُ، فاقْتَرَحُوها إنْ غَلَبُوا، فَأنْعَمَ فِرْعَوْنُ لَهم بِها وزادُهُمُ المَنزِلَةَ والجاهَ، ومَعْناهُ: المُقَرَّبِينَ مِنِّي، ورُوِيَ أنَّ السَحَرَةَ الَّذِينَ جاءُوا إلى فِرْعَوْنَ كانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانُوا تِسْعَمِائَةٍ، وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّهم كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ رَجُلًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: كانُوا سَبْعِينَ ألْفًا، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْذِرِ: كانُوا ثَمانِينَ ألْفًا، وقالَ السُدِّيُّ: مِائَتَيْ ألْفٍ ونَيِّفًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الأقْوالُ لَيْسَ لَها سَنَدٌ يَتَوَقَّفُ عِنْدَهُ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وقالَ السُدِّيُّ: كانُوا بِضْعَةُ وثَلاثِينَ ألْفَ رَجُلٍ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ حَبْلٌ وعَصًا، وقالَ أبُو ثُمامَةَ: كانُوا سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ ﴾ الآيَةُ.

"أنْ" في قَوْلِهِ: "إمّا أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: إمّا هو الإلْقاءُ.

وخَيَّرَ السَحَرَةُ مُوسى في أنْ يَتَقَدَّمَ في الإلْقاءِ أو يَتَأخَّرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا فِعْلُ المُدِلِّ الواثِقِ بِنَفْسِهِ، والظاهِرُ أنَّ التَقَدُّمَ في التَخَيُّلاتِ والمَخارِقِ والحُجَجِ، لِأنَّ بَدِيلَتَها تَمْضِي بِالنَفْسِ، فَلِيُظْهِرَ اللهُ أمْرَ نُبُوَّةِ مُوسى قَوّى نَفْسَهُ ويَقِينَهُ، ووَثَقَ بِالحَقِّ فَأعْطاهُمُ التَقَدُّمُ، فَنَشِطُوا وسُرُّوا حَتّى أظْهَرَ اللهُ الحَقَّ وأبْطَلَ سَعْيَهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَحَرُوا أعْيُنَ الناسِ ﴾ نَصٌّ في أنَّ لَهم فِعْلًا ما زائِدًا عَلى ما يُحَدِثُونَهُ مِنَ التَزْيِيفِ والآثارِ في العَصا وسائِرِ الأجْسامِ الَّتِي يَصْرِفُونَ فِيها صِناعَتَهم.

و"اسْتَرْهَبُوهُمْ" بِمَعْنى: أرْهَبُوهُمْ، أيْ: أفْزَعُوهُمْ، فَكَأنَّ فِعْلَهُمُ اقْتَضى واسْتَدْعى الرَهْبَةَ مِنَ الناسِ، ووَصَفَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى سِحْرَهم بِالعِظَمِ، ومَعْنى ذَلِكَ: مِن كَثْرَتِهِ، ورُوِيَ أنَّهم جَلَبُوا ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ بَعِيرًا مُوقَرَةً بِالحِبالِ والعِصِيِّ فَلَمّا ألْقَوْها تَحَرَّكَتْ ومَلَأتِ الوادِيَ يَرْكَبُ بَعْضُها بَعْضًا، فاسْتَهْوَلَ الناسُ ذَلِكَ واسْتَرْهَبُوهُمْ، قالَ الزَجّاجُ: قِيلَ: إنَّهم جَعَلُوا فِيها الزِئْبَقَ فَكانَتْ لا تَسْتَقِرُّ.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ١١٧ فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١١٨ فَغُلِبُوا۟ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُوا۟ صَـٰغِرِينَ ١١٩ وَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَـٰجِدِينَ ١٢٠ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٢١ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ١٢٢ قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنتُم بِهِۦ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌۭ مَّكَرْتُمُوهُ فِى ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا۟ مِنْهَآ أَهْلَهَا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ١٢٣ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَـٰفٍۢ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ١٢٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأوحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ﴾ ﴿ فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ ﴾ ﴿ وَأُلْقِيَ السَحَرَةُ ساجِدِينَ ﴾ ﴿ قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ رَبِّ مُوسى وهارُونَ ﴾ ﴿ قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ ﴾ "أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "أوحَيْنا" أيْ بِأنْ ألْقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى "أيْ"، فَلا يَكُونُ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ.

ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا كانَ يَوْمُ الجَمْعِ، خَرَجَ مُتَّكِئًا عَلى عَصاهُ ويَدُهُ في يَدِ أخِيهِ، وقَدْ صَفَّ لَهُ السَحَرَةُ في عَدَدٍ عَظِيمٍ حَسَبَما ذُكِرَ، فَلَمّا ألْقَوْا واسْتَرْهَبُوا أوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ، فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ، فَعَظُمَ حَتّى كانَ كالجَبَلِ، وقِيلَ: إنَّهُ طالَ حَتّى جازَ النِيلَ، وقِيلَ: كانَ الجَمْعُ بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ وطالَ حَتّى جازَ مَدِينَةَ البُحَيْرَةِ، وقِيلَ: كانَ الجَمْعُ بِمِصْرَ وإنَّهُ طالَ حَتّى جازَ بِذَنَبِهِ بَحْرَ القُلْزُمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ مِنَ الصَوابِ مُفْرِطُ الإغْراقِ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، ورُوِيَ أنَّ السَحَرَةَ لَمّا ألْقَوْا وألْقى مُوسى عَصاهُ جَعَلُوا يَرْقُونَ، وجَعَلَتْ حِبالُهم وعِصِيُّهم تَعْظُمُ، وجَعَلَتْ عَصا مُوسى تَعْظُمُ حَتّى سَدَّتِ الأُفُقَ وابْتَلَعَتِ الكُلَّ ورَجَعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عَصًا فَعِنْدَها آمَنَ السَحَرَةُ.

ورُوِيَ أنَّ عَصا مُوسى كانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِما السَلامُ، وكانَتْ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: كانَتْ مِنَ العَيْنِ الَّذِي في وسَطِ ورَقِ الرَيْحانِ، وقِيلَ: كانَتْ غُصْنًا مِنَ الخُبَّيْزِ، وقِيلَ: كانَتْ لَها شُعْبَتانِ، وقِيلَ: كانَتْ عَصا الأنْبِياءِ مُخْتَزَنَةً عِنْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَمّا اسْتَرْعى مُوسى، قالَ لَهُ: اذْهَبْ فَخُذْ عَصًا فَذَهَبَ إلى البَيْتِ فَطارَتْ هَذِهِ إلى يَدِهِ، فَأمَرَهُ شُعَيْبٌ بَرَدِّها وأخْذِ غَيْرِها فَفَعَلَ فَطارَتْ هي إلى يَدِهِ، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ شُعَيْبًا فَتَرَكَها لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ دَفَعَ العَصا إلى مُوسى في طَرِيقِ مَدْيَنَ.

و"تَلْقَفُ" مَعْناهُ: تَبْتَلِعُ وتَزْدَرِدُ، و"ما يَأْفِكُونَ" مَعْناهُ: ما صَوَّرُوا فِيهِ إفْكَهم وكَذِبَهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَلَقَّفُ"، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "تَلْقَفُ" بِسُكُونِ اللامِ وفَتْحِ القافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "تَّلَقَّفُ" بِتَشْدِيدِ التاءِ عَلى إدْغامِ التاءِ مِن "تَتَلَقَّفُ"، وهَذِهِ القِراءَةُ لا تَتَرَتَّبُ إلّا في الوَصْلِ، وأمّا في الِابْتِداءِ في الفِعْلِ فَلا يُمْكِنُ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "تَلْقَمُ" بِالمِيمِ، أيْ تَبْتَلِعُ كاللُقْمَةِ.

ورُوِيَ أنَّ الثُعْبانَ اسْتَوْفى تِلْكَ الحِبال والعَصِيَّ أكْلًا وأعْدَمَها اللهُ عَزَّ وجَلَّ، ومَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى فَمِهِ فَعادَ عَصًا كَما كانَ، فَعَلِمَ السَحَرَةُ حِينَئِذٍ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن عِنْدِ البَشَرِ فَخَرُّوا سُجَّدًا مُؤْمِنِينَ بِاللهِ ورَسُولِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَقَعَ الحَقُّ ﴾ الآيَةُ، "وَقَعَ" مَعْناهُ: نَزَلَ ووُجِدَ، و"الحَقُّ" يُرِيدُ بِهِ سُطُوعَ البُرْهانِ وظُهُورَ الإعْجازِ واسْتِمْرارَ التَحَدِّي إلى الدِينِ عَلى جَمِيعِ العالَمِ، و ﴿ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ سِحْرَ السَحَرَةِ وسَعْيَ فِرْعَوْنَ وشِيعَتِهِ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فَغُلِبُوا" عائِدٌ عَلى جَمِيعِهِمْ مِن سَحَرَةٍ ومِن سَعْيِ فِرْعَوْنَ وشِيعَتِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ ﴾ إنْ قَدَّرْنا انْقِلابَ الجَمْعِ قَبْلَ إيمانِ السَحَرَةِ فَهم في الضَمِيرِ، وإنْ قَدَّرْناهُ بَعْدَ إيمانِهِمْ، فَلَيْسُوا في الضَمِيرِ، ولا لَحِقَهم صَغارٌ يَصِفُهُمُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا واسْتُشْهِدُوا رَضِيَ اللهُ عنهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُلْقِيَ السَحَرَةُ ساجِدِينَ ﴾ الآياتُ، لَمّا رَأى السَحَرَةُ مِن عَظِيمِ القُدْرَةِ ما تَيَقَّنُوا بِهِ نُبُوَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ، وانْضافَ إلى ذَلِكَ الِاسْتِهْوالُ والِاسْتِعْظامُ والفَزَعُ مِن قُدْرَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فَخَرُّوا سُجَّدًا لِلَّهِ تَعالى مُتَطارِحِينَ، وآمَنُوا نُطْقًا بِألْسِنَتِهِمْ، وتَبَيُّنُهُمُ الرَبَّ بِذِكْرِ مُوسى وهارُونَ زَوالٌ عن رُبُوبِيَّةِ فِرْعَوْنَ وما كانَ يَتَوَهَّمُ فِيهِ الجُهّالُ مِن أنَّهُ رَبُّ الناسِ، وهارُونُ أخُو مُوسى أسَنُّ مِنهُ بِثَلاثِ سِنِينَ.

وَقَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ ﴾ دَلِيلٌ عَلى وهَنِ أمْرِهِ، لِأنَّهُ إنَّما جَعَلَ ذَنْبَهم مُفارَقَةَ الإذْنِ ولَمْ يَجْعَلْهُ نَفْسَ الإيمانِ إلّا بِشَرْطٍ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عنهُ في كُلِّ القُرْآنِ: "أمَنتُمْ" عَلى الخَبَرِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "آمَنتُمْ" بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وكَذَلِكَ في طَهَ والشُعَراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ في الثَلاثَةِ مَواضِعَ: "أآمَنتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ الثانِيَةُ مَمْدُودَةٌ، ورَواها الأعْمَشُ عن أبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ أبِي الإخْرِيطِ عنهُ: "وَآمَنتُمْ" وهي عَلى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ إلّا أنَّهُ سَهَّلَها واوًا فَأجْرى المُنْفَصِلَ مَجْرى المُتَّصِلِ في قَوْلِهِمْ "تُوَدَةٌ" في "تُؤَدَةٍ"، وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ القَوّاسِ: "وَآمَنتُمْ" وهي عَلى القِراءَةِ بِالهَمْزَتَيْنِ "أآمَنتُمْ" إلّا أنَّهُ سَهَّلَ ألِفَ الِاسْتِفْهامِ واوًا، وتَرَكَ ألِفَ أفَعَلْتُمْ عَلى ما هي عَلَيْهِ.

والضَمِيرُ في "بِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وعَنَّفَهم فِرْعَوْنُ عَلى الإيمانِ قَبْلَ إذْنِهِ ثُمَّ ألْزَمُهم أنَّ هَذا كانَ عَلى اتِّفاقٍ مِنهُمْ، ورُوِيَ في ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهم أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ اجْتَمَعَ مَعَ رَئِيسِ السَحَرَةِ واسْمُهُ شَمْعُونُ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكم أتُؤْمِنُونَ بِي؟

فَقالَ لَهُ: نَعَمْ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ فِرْعَوْنُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ ﴾ ثُمَّ قالَ لِلسَّحَرَةِ: ﴿ لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكُمْ ﴾ الآيَةُ، فَرَجَعَ فِرْعَوْنُ في مَقالَتِهِ هَذِهِ إلى الخِذْلانِ والغُشْمِ وعادَةِ مُلُوكِ السُوءِ إذا غُولِبُوا.

وقَرَأ حُمَيْدٌ المَكِّيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ: "لَأقْطَعَنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والطاءِ وإسْكانِ القافِ، "وَلَأصْلُبَنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الصادِ وضَمِّ اللامِ، ورُوِيَ بِكَسْرِها، و"مِن خِلافٍ" مَعْناهُ: يُمْنى ويُسْرى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ مِن هَذِهِ الآياتِ أنَّ فِرْعَوْنَ تَوَعَّدَ، ولَيْسَ في القُرْآنِ نَصٌّ عَلى أنَّهُ أنْفَذَ ذَلِكَ وأوقَعَهُ، ولَكِنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ صَلَبَ بَعْضَهم وقَطَعَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فِرْعَوْنُ أوَّلُ مَن صَلَبَ وقَطَعَ مِن خِلافٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ فِيهِمْ: أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ، وأمّا التَوَعُّدُ فَلِجَمِيعِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوٓا۟ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ١٢٥ وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِـَٔايَـٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا ۚ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًۭا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ١٢٦ وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُۥ لِيُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَـٰهِرُونَ ١٢٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ﴾ ﴿ وَما تَنْقِمُ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبِّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ وَقالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهم وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ ﴾ هَذا تَسْلِيمٌ مِن مُؤْمِنِي السَحَرَةِ، واتِّكالٌ عَلى اللهِ وثِقَةٌ بِما عِنْدَهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَنْقِمُ" بِكَسْرِ القافِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو البَرَهْسَمِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تَنْقَمُ" بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ.

قالَ أبُو حاتِمٍ: الوَجْهُ في القِراءَةِ كَسْرُ القافِ، وكُلُّ العُلَماءِ أنْشَدَ بَيْتَ ابْنِ الرُقَيّاتِ: ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ....

∗∗∗..............................

بِفَتْحِ القافِ.

ومَعْناهُ: وما تَعُدُّ عَلَيْنا ذَنْبًا وتُؤاخِذُنا بِهِ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا ﴾ مَعْناهُ: عُمَّنا كَما يَعُمُّ الماءُ مَن أُفْرِغَ عَلَيْهِ، وهي هُنا اسْتِعارَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمّا آمَنَتِ السَحَرَةُ اتَّبَعَ مُوسى سِتُّمِائَةِ ألْفٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وحَكى النَقّاشُ عن مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: مَكَثَ مُوسى بِمِصْرَ بَعْدَ إيمانِ السَحَرَةِ عامًا أو نَحْوَهُ يُرِيهِمُ الآياتِ.

وقَوْلُ مَلَإ فِرْعَوْنَ: ﴿ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ ﴾ مَقالَةٌ تَتَضَمَّنُ إغْراءَ فِرْعَوْنَ بِمُوسى وقَوْمِهِ، وتَحْرِيضَهُ عَلى قَتْلِهِمْ أو تَغْيِيرِ ما بِهِمْ حَتّى لا يَكُونَ لَهم خُرُوجٌ عن دِينِ فِرْعَوْنَ، ومَعْنى ﴿ أتَذَرُ مُوسى ﴾ ؟

أتَتْرُكُ؟، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَيَذَرَكَ"، ونَصْبُهُ عَلى مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يُقَدَّرَ: "وَأنْ يَذَرَكَ" فَهي واوُ الصَرْفِ، فَكَأنَّهم قالُوا: أتَذَرُهُ وأنْ يَذَرَكَ؟

أيْ: أتَتْرُكُهُ وتَرْكَكَ؟، والمَعْنى الآخَرُ أنْ يُعْطَفَ عَلى قَوْلِهِ: "لِيُفْسِدُوا".

وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عنهُ: "وَيَذَرُكَ" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِمْ: "أتَذَرُ"، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: "وَنَذَرُكَ" بِالنُونِ ورَفْعِ الفِعْلِ عَلى مَعْنى تَوَعُّدٍ مِنهُمْ، أو عَلى مَعْنى إخْبارِ أنَّ الأمْرَ يَؤُولُ إلى هَذا، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعَبْدُ اللهِ: "فِي الأرْضِ وقَدْ تَرَكُوكَ أنْ يَعْبُدُوكَ وآلِهَتَكَ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَقَدْ تَرَكَكَ وآلِهَتَكَ"، وقَرَأ السَبْعَةُ وجُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ: "وَآلِهَتَكَ" عَلى الجَمْعِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى ما رُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ في زَمَنِهِ لِلنّاسِ آلِهَةٌ مِن بَقَرٍ وأصْنامٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدْ شَرَعَ ذَلِكَ وجَعَلَ نَفْسَهُ الإلَهَ الأعْلى، فَقَوْلُهُ -عَلى هَذا- ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى  ﴾ إنَّما هو بِمُناسَبَةٍ بَيْنِهِ وبَيْنَ سِواهُ مِنَ المَعْبُوداتِ.

وقِيلَ: إنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَعْبُدُ حَجَرًا كانَ يُعَلِّقُهُ في صَدْرِهِ كَياقُوتَةٍ أو نَحْوِها، قالَ الحَسَنُ: كانَ لِفِرْعَوْنَ حَنّانَةٌ مُعَلَّقَةٌ في نَحْرِهِ يَعْبُدُها ويَسْجُدُ لَها، وقالَ سُلَيْمانُ التَيْمِيُّ: بَلَغَنِي أنَّهُ كانَ يَعْبُدُ البَقَرَ، ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهم أجْمَعِينَ، وجَماعَةٌ وغَيْرُهُمْ: "وَإلاهَتَكَ"، أيْ: وعِبادَتَكَ والتَذَلُّلَ لَكَ، وزَعَمَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يُبِحْ عِبادَةَ شَيْءٍ سِواهُ، وأنَّهُ في قَوْلِهِ: "الأعْلى" إنَّما أرادَ: "الأعْظَمَ والأكْبَرَ" دُونَ مُناسَبَةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ فِرْعَوْنُ يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "سَنَقْتُلُ" بِالتَخْفِيفِ، و"يُقَتِّلُونَ" بِالتَشْدِيدِ، وخَفَّفَهُما جَمِيعًا نافِعٌ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُقَتِّلُونَ" و"سَنُقَتِّلُ" بِالتَشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ، والمَعْنى: سَنَسْتَمِرُّ عَلى ما كُنّا عَلَيْهِ مِن تَعْذِيبِهِمْ وقَطْعِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ ﴾ يُرِيدُ: في المَنزِلَةِ والتَمَكُّنِ مِنَ الدُنْيا، و"قاهِرُونَ" يَقْتَضِي تَحْقِيرَ أمْرِهِمْ، أيْ: هم أقَلُّ مِن أنْ يُهْتَمَّ بِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۖ إِنَّ ٱلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ١٢٨ قَالُوٓا۟ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِنۢ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ١٢٩ وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ١٣٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَمَراتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ ﴾ لَمّا قالَ فِرْعَوْنُ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم وتَوَعَّدَهُمْ، قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِبَنِي إسْرائِيلَ يُثَبِّتُهم ويَعِدُهم ما عِنْدَ اللهِ: ﴿ اسْتَعِينُوا بِاللهِ واصْبِرُوا ﴾ ، وظاهِرُ هَذا الكَلامِ كُلِّهِ وعْدٌ بِغَيْبٍ فَكَأنَّ قُوَّتَهُ تَقْتَضِي أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، ولَيْسَ في اللَفْظِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، و"الأرْضَ" أرْضُ الدُنْيا وهو الأظْهَرُ، وقِيلَ: المُرادُ هُنا أرْضُ الجَنَّةِ، وأمّا في الثانِيَةِ فَأرْضُ الدُنْيا لا غَيْرُ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُورَثُها" بِفَتْحِ الراءِ، وقَرَأ السَبْعَةُ: "يُورِثُها" ساكِنَةَ الواوِ خَفِيفَةَ الراءِ مَكْسُورَةً، ورَوى حَفْصٌ عن عاصِمٍ وهي قِراءَةُ الحَسَنِ "يُوَرِّثُها" بِتَشْدِيدِ الراءِ عَلى المُبالَغَةِ، والصَبْرُ في هَذِهِ الآيَةِ يَعُمُّ الِانْتِظارَ الَّذِي هو عِبادَةٌ والصَبْرَ في المُناجَزاتِ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ﴾ يَعْنُونَ بِهِ الذَبْحِ الَّذِي كانَ في المُدَّةِ الَّتِي كانَ فِرْعَوْنُ يَتَخَوَّفُ فِيها أنْ يُولَدَ المَوْلُودُ الَّذِي يُخَرِّبُ مُلْكَهُ، والَّذِي مِن بَعْدِ مَجِيئِهِ يَعْنُونَ بِهِ وعِيدَ فِرْعَوْنَ وسائِرَ ما كانَ خِلالَ تِلْكَ المُدَّةِ مِنَ الإخافَةِ لَهُمْ، وقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ هَذِهِ المَقالَةَ حِينَ اتَّبَعَهم فِرْعَوْنُ واضْطَرَّهم إلى البَحْرِ فَضاقَتْ صُدُورُهم ورَأوا بَحْرًا أمامَهم وعَدُوًّا كَثِيفًا وراءَهم فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِالجُمْلَةِ هو كَلامٌ يَجْرِي مَعَ المَعْهُودِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنِ اضْطِرابِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ وقِلَّةِ يَقِينِهِمْ وصَبْرِهِمْ عَلى الدِينِ، واسْتِعْطافُ مُوسى لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ ﴾ ، ووَعْدُهُ لَهم بِالِاسْتِخْلافِ في الأرْضِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَسْتَدْعِي نُفُوسًا نافِرَةً، ويُقَوِّي هَذا الظَنَّ في بَنِي إسْرائِيلَ سُلُوكُهم هَذِهِ السَبِيلَ في غَيْرِ قِصَّةٍ، وحَكى النَقّاشُ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ بِمِصْرَ حِينَ كَلَّفَهم فِرْعَوْنُ مِنَ العَمَلِ ما لا يُطِيقُونَ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يُكَلِّفُهم عَمَلَ الطُوبِ ويَمْنَعُهُمُ التِبْنَ لِيَشُقَّ عَلَيْهِمْ عَمَلُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ تَنْبِيهٌ وحَضٌّ عَلى الِاسْتِقامَةِ، وإنْ قُدِّرَ هَذا الوَعْدُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ فَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ قَوْلُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ: "عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ، وقَدِ اسْتُخْلِفُوا في مِصْرَ في زَمَنِ داوُدَ وسُلَيْمانَ، وقَدْ فَتَحُوا بَيْتَ المَقْدِسِ مَعَ يُوشَعَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِنِينَ ﴾ الآيَةُ.

أخْبَرَ أنَّهُ أخَذَ آلَ فِرْعَوْنَ في تِلْكَ المُدَّةِ الَّتِي كانَ مُوسى يَدْعُوهم فِيها بِالسِنِينَ وهُوَ: الجُدُوبُ والقُحُوطُ، وهَذِهِ سِيرَةُ اللهِ في الأُمَمِ، وكَذَلِكَ فَعَلَ بِقُرَيْشٍ.

والسَنَةُ في كَلامِ العَرَبِ: القَحْطُ ومِنهُ قَوْلُ لَيْلى: "والناسُ مُسْنِتُونَ"، وسَنَةٌ وعِضَةٌ وما جَرى مَجْراهُما مِنَ الأسْماءِ المَنقُوصَةِ تُجْمَعُ بِالواوِ والنُونِ لَيْسَ عَلى جِهَةِ جَمْعِ السَلامَةِ لَكِنْ عَلى جِهَةِ العِوَضِ، مِمّا نَقَصَ وكَذَلِكَ "أرْضٌ" تَوَهَّمُوا فِيها نَقْصَ هاءِ التَأْنِيثِ؛ لِأنَّهُ كانَ حَقُّها أنْ تَكُونَ "أرَضَةً"، وأمّا "حُرَّةٌ وإحَرُّونَ" فَلِأنَّ التَضْعِيفَ أبَدًا يَعْتَلُّ فَتَوَهَّمُوهُ مِثْلَ النَقْصِ، وكَسْرُ السِينِ مِن "سُنُونَ وسِنِينَ" وزِيادَةُ الألِفِ في "إحَرِّينَ" دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِجَمْعِ سَلامَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَقْصٍ مِنَ الثَمَراتِ ﴾ رُوِيَ أنَّ النَخْلَةَ كانَتْ لا تَحْمِلُ إلّا ثَمَرَةً واحِدَةً، وقالَ نَحْوَهُ رَجاءُ بْنُ حَيَوَةَ، وأرادَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُنِيبُوا ويَزْدَجِرُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، إذْ أحْوالُ الشِدَّةِ تُرِقُّ القُلُوبَ وتُرَغِّبُ فِيما عِنْدَ اللهِ.

<div class="verse-tafsir"

فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُوا۟ لَنَا هَـٰذِهِۦ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۭ يَطَّيَّرُوا۟ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ ۗ أَلَآ إِنَّمَا طَـٰٓئِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ١٣١ وَقَالُوا۟ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِۦ مِنْ ءَايَةٍۢ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ١٣٢ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَايَـٰتٍۢ مُّفَصَّلَـٰتٍۢ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًۭا مُّجْرِمِينَ ١٣٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَفادِعَ والدَمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴾ كانَ القَصْدُ في إصابَتِهِمْ بِالقَحْطِ والنَقْصِ في الثَمَراتِ أنْ يُنِيبُوا ويَرْجِعُوا فَإذا بِهِمْ قَدْ ضَلُّوا وجَعَلُوها تَشاؤُمًا بِمُوسى، فَكانُوا إذا اتَّفَقَ لَهُمُ اتِّفاقٌ حَسَنٌ في غَلّاتٍ ونَحْوِها قالُوا: هَذا لَنا وبِسَبَبِنا وعَلى الحَقِيقَةِ لَنا، وإذا نالَهم ضُرٌّ قالُوا: هَذا بِسَبَبِ مُوسى وشُؤْمِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِالياءِ وشَدِّ الطاءِ والياءِ الأخِيرَةِ "يَطَّيَّرُوا"، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالتاءِ وتَخْفِيفِ الطاءِ: "تَطَيَّرُوا"، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "تَشاءَمُوا بِمُوسى" بِالتاءِ مِن فَوْقُ وبِلَفْظِ الشُؤْمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا إنَّما طائِرُهُمْ ﴾ مَعْناهُ: حَظُّهم ونَصِيبُهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن زَجْرِ الطَيْرِ، فَسُمِّيَ ما عِنْدَ اللهِ مِنَ القَدَرِ لِلْإنْسانِ طائِرًا لَمّا كانَ الإنْسانُ يَعْتَقِدُ أنَّ كُلَّ ما يُصِيبُهُ إنَّما هو بِحَسَبِ ما يَراهُ في الطائِرِ، فَهي لَفْظَةٌ مُسْتَعارَةٌ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "طائِرُهُمْ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "طَيْرُهُمْ".

وقالَ تَعالى: "أكْثَرَهُمْ" وجَمِيعُهم لا يَعْلَمُ إمّا لِأنَّ القَلِيلَ عَلِمَ كالرَجُلِ المُؤْمِنِ وآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، وإمّا أنْ يُرادَ الجَمِيعُ وتَجُوزُ في العِبارَةِ لِأجْلِ الإمْكانِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "طائِرُهُمْ" لِجَمِيعِ العالَمِ ويَجِيءُ تَخْصِيصُ الأكْثَرِ عَلى ظاهِرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ولَكِنَّ أكْثَرَهم لَيْسَ قَرِيبًا أنْ يَعْلَمَ لِانْغِمارِهِمْ في الجَهْلِ، وعَلى هَذا فِيهِمْ قَلِيلٌ مُعَدٌّ لِأنْ يَعْلَمَ لَوْ وفَّقَهُ اللهُ.

و"مَهْما" أصْلُها عِنْدَ الخَلِيلِ "ما ما" فَبُدِّلَتِ الألِفُ الأُولى هاءً، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هي "مَهْ ما" خُلِطَتا، وهي حَرْفٌ واحِدٌ، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْناها: "مَهْ وما" جَزاءٌ، ذَكَرَهُ الزَجّاجُ، وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ طُغْيانَهم وعُتُوَّهم وقَطْعَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ البَحْتِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُوفانَ ﴾ الآيَةُ، قالَ الأخْفَشُ: الطُوفانُ: جَمْعُ طُوفانَةٍ، وهَذِهِ عُقُوباتٌ وأنْواعٌ مِنَ العَذابِ بَعَثَها اللهُ عَلَيْهِمْ لِيَزْدَجِرُوا ويُنِيبُوا، والطُوفانُ: مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ: طافَ يَطُوفُ فَهو عامٌ في كُلِّ شَيْءٍ يَطُوفُ، إلّا أنَّ اسْتِعْمالَ العَرَبِ لَهُ كَثُرَ في الماءِ والمَطَرِ الشَدِيدِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: غَيَّرَ الجَدَّةَ مِن آياتِها ∗∗∗ خُرُقُ الرِيحِ وطُوفانُ المَطَرِ ومِنهُ قَوْلُ أبِي النَجْمِ: قَدْ مَدَّ طُوفانٌ فَبَثَّ مَدَدًا ∗∗∗ ∗∗∗ شَهْرًا شَآبِيبَ وشَهْرًا بَرَدا وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: إنَّ الطُوفانَ في هَذِهِ الآيَةِ المَطَرُ الشَدِيدُ أصابَهم وتَوالى عَلَيْهِمْ حَتّى هَدَمَ بُيُوتَهم وضَيَّقَ عَلَيْهِمْ.

وقِيلَ: طَمَّ فَيْضُ النِيلِ عَلَيْهِمْ، ورُوِيَ في كَيْفِيَّتِهِ قَصَصٌ كَثِيرٌ.

وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها «عَنِ النَبِيِّ  : "إنَّ الطُوفانَ المُرادَ في هَذِهِ الآيَةِ هو المَوْتُ"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: هو مَصْدَرٌ مُعَمًّى، عُنِيَ بِهِ شَيْءٌ أطافَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِمْ.

والجَرادُ مَعْرُوفٌ، قالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعُ جَرادَةٍ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، فَإنْ أرَدْتَ الفَصْلَ قُلْتَ: رَأيْتُ جَرادَةً ذِكْرًا، ورُوِيَ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لَمّا والى عَلَيْهِمُ المَطَرَ غَرِقَتْ أرْضُهم ومُنِعُوا،الزِراعَةَ قالُوا: يا مُوسى ادْعُ في كَشْفِ هَذا عَنّا ونَحْنُ نُؤْمِنُ، فَدَعا، فَدَفَعَهُ اللهُ عنهم فَأنْبَتَتِ الأرْضُ إنْباتًا حَسَنًا، فَطَغَوْا وقالُوا: ما نَوَدُّ أنّا لَمْ نُمْطَرْ، وما هَذا إلّا إحْسانٌ مِنَ اللهِ إلَيْنا، فَبَعَثَ اللهُ حِينَئِذٍ الجَرادَ، فَأكَلَ جَمِيعَ ما أنْبَتَتِ الأرْضُ، ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن مالِكٍ أنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ أكَلَ أبْوابَهم وأكَلَ الحَدِيدَ والمَسامِيرَ، وضَيَّقَ عَلَيْهِمْ غايَةَ التَضْيِيقِ، وتَرَكَ اللهُ مِن نَباتِهِمْ ما يَقُومُ بِهِ الرَمَقُ، فَقالُوا لِمُوسى: ادْعُ في كَشْفِ الجَرادِ ونَحْنُ نُؤْمِنُ، فَدَعا فَكُشِفَ فَرَجَعُوا إلى كُفْرِهِمْ، ورَأوا أنَّ ما أقامَ رَمَقَهم قَدْ كَفاهُمْ، فَبَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمُ القُمَّلَ وهي الدَبى صِغارُ الجَرادِ الَّذِي يَثِبُ ولا يَطِيرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

وقِيلَ: هو الحَمْنانُ وهو صِغارُ القِرْدانِ.

وقِيلَ: هو البَراغِيثُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: القُمَّلُ: السُوسُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الحِنْطَةِ، وقِيلَ: القُمَّلُ: حَيَوانٌ صَغِيرٌ جِدًّا أسْوَدُ، وإنَّهُ بِأرْضِ مِصْرَ حَتّى الآنَ، قالَ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ: القُمَّلُ: الجُعْلانِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "القَمْلَ" بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ المِيمِ، فَهي -عَلى هَذا- بَيِّنَةٌ، إذْ هو القَمْلُ المَعْرُوفُ.

ورُوِيَ أنَّ مُوسى مَشى بِعَصاهُ إلى كَثِيبٍ أُهِيلَ، فَضَرَبَهُ فانْتَشَرَ كُلُّهُ قَمْلًا في مِصْرَ، ثُمَّ إنَّهم قالُوا: ادْعُ في كَشْفِ هَذا فَدَعا، ورَجَعُوا إلى طُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ.

وبَعَثَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيْهِمُ الضَفادِعَ، فَكانَتْ تَدْخُلُ في فُرُشِهِمْ وبَيْنَ ثِيابِهِمْ، وإذا هَمَّ الرَجُلُ أنْ يَتَكَلَّمَ وثَبَ الضِفْدَعُ في فَمِهِ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ الرَجُلُ يَجْلِسُ إلى ذَقْنِهِ في الضَفادِعِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَتِ الضَفادِعُ بَرِّيَّةً، فَلَمّا أُرْسِلَتْ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ سَمِعَتْ وأطاعَتْ، فَجَعَلَتْ تَقْذِفُ أنْفُسَها في القُدُورِ وهي تَغْلِي فَأثابَها اللهُ بِحُسْنِ طاعَتِها بِرَدِّ الماءِ.

فَقالُوا: ادْعُ في كَشْفِ هَذا، فَدَعا فَكُشِفَ فَرَجَعُوا إلى كُفْرِهِمْ وعُتُوِّهِمْ، فَبَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمُ الدَمَ فَرَجَعَ ماؤُهُمُ الَّذِي يَسْتَسْقُونَهُ ويَحْصُلُ عِنْدَهم دَمًا، فَرُوِيَ أنَّ الرَجُلَ مِنهم كانَ يَسْتَقِي مِنَ البِئْرِ فَإذا ارْتَفَعَ إلَيْهِ الدَلْوُ عادَ دَمًا، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَسْتَقِي القِبْطِيُّ والإسْرائِيلِيُّ بِإناءٍ واحِدٍ فَإذا خَرَجَ الماءُ كانَ الَّذِي يَلِي القِبْطِيَّ دَمًا والَّذِي يَلِي الإسْرائِيلِيَّ ماءً، إلى نَحْوِ هَذا وشِبْهِهِ مِنَ العَذابِ بِالدَمِ المُنْقَلِبِ عَنِ الماءِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةِ المُتَأوِّلِينَ.

وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إنَّما سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الرُعافَ فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "والدَمَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ ﴾ التَفْصِيلُ أصْلُهُ في الأجْرامِ إزالَةُ الِاتِّصالِ، فَهو تَفْرِيقُ شَيْئَيْنِ، فَإذا اسْتُعْمِلَ في المَعانِي فَيُرادُ أنَّهُ فُرِّقَ بَيْنَها وأُزِيلَ اشْتِراكُها وإشْكالُها، فَيَجِيءُ مِن ذَلِكَ بَيانُها وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "مُفَصَّلاتٍ" يُرادُ بِهِ مُفَرَّقاتُ بِالزَمَنِ، والمَعْنى أنَّهُ كانَ العَذابُ يَرْتَفِعُ ثُمَّ يَبْقَوْنَ مُدَّةً قِيلَ: شَهْرٌ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ أيّامٍ ثُمَّ يَرِدُ الآخَرُ، فالمُرادُ أنَّ هَذِهِ الأنْواعَ مِنَ العَذابِ لَمْ تَجِئْ جُمْلَةً ولا مُتَّصِلَةً، ثُمَّ وصَفَهُمُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِالِاسْتِكْبارِ عَنِ الآياتِ والإيمانِ، وبِأنَّهم كانَ لَهُمُ اجْتِرامٌ عَلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وعَلى عِبادِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ قَالُوا۟ يَـٰمُوسَى ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ۖ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ١٣٤ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرِّجْزَ إِلَىٰٓ أَجَلٍ هُم بَـٰلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ١٣٥ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَـٰفِلِينَ ١٣٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِجْزُ قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِجْزُ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ﴿ فَلَمّا كَشَفْنا عنهُمُ الرِجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ ﴾ ﴿ فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عنها غافِلِينَ ﴾ "الرِجْزُ": العَذابُ، والظاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ المُرادَ بِالرِجْزِ العَذابُ المُتَقَدِّمُ الذِكْرِ مِنَ الطُوفانِ والجَرادِ وغَيْرِهِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الإشارَةُ هُنا بِالرِجْزِ إنَّما هي إلى طاعُونٍ أنْزَلَهُ فِيهِمْ، فَماتَ مِنهم في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ سَبْعُونَ ألْفَ قِبْطِيٍّ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِأنْ يَذْبَحُوا كَبْشًا ويَضْمُخُوا أبْوابَهم بِالدَمِ لِيَكُونَ ذَلِكَ فَرْقًا بَيْنَهم وبَيْنَ القِبْطِ في نُزُولِ العَذابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، وهَذِهِ الأخْبارُ وما شاكَلَها إنَّما تُؤْخَذُ مِن كُتُبِ بَنِي إسْرائِيلَ فَلِذَلِكَ ضَعُفَتْ، وقَوْلُهُمْ: ﴿ بِما عَهِدَ ﴾ يُرِيدُونَ: بِذِمامِكَ وماتَّتِكَ إلَيْهِ، فَهي تَعُمُّ جَمِيعَ الوَسائِلِ بَيْنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وبَيْنَ مُوسى مِن طاعَةِ مُوسى ونِعْمَةٍ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنهم عَلى جِهَةِ القَسَمِ عَلى مُوسى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ادْعُ لَنا رَبَّكَ ماتًّا إلَيْهِ بِما عَهِدَ إلَيْكَ، ويُحْتَمَلُ -إنْ كانَ شَعَرَ أنَّ بَيْنَ اللهِ تَعالى وبَيْنَ مُوسى في أمْرِهِمْ عَهْدٌ ما- أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلَيْهِ، والأوَّلُ أعَمُّ وألْزَمُ، والآخَرُ يَحْتاجُ إلى رِوايَةٍ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ لَئِنْ كَشَفْتَ ﴾ أيْ بِدُعائِكَ ﴿ لَنُؤْمِنَنَّ ﴾ ، ﴿ وَلَنُرْسِلَنَّ ﴾ قَسَمٌ وجَوابُهُ، وهَذا عَهْدٌ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ الَّذِينَ إلَيْهِمُ الحَلُّ والعَقْدُ، ولَهم ضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: "لَنُؤْمِنَنَّ".

وألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ تُعْطِي الفَرْقَ بَيْنَ القِبْطِ وبَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ في رِسالَةِ مُوسى، لِأنَّهُ لَوْ كانَ إيمانُهم بِهِ عَلى حَدِّ إيمانِ بَنِي إسْرائِيلَ لَما أرْسَلُوا بَنِي إسْرائِيلَ ولا فارْقُوا دِينَهُمْ، بَلْ كانُوا يُشارِكُونَ فِيهِ بَنِي إسْرائِيلَ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا انْكَشَفَ العَذابُ قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى: اذْهَبْ بِبَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ شِئْتَ فَخالَفَهُ بَعْضُ مِلَّتِهِ فَرَجَعَ فَنَكَثَ.

وأخْبَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لَمّا كَشَفَ عنهُمُ العَذابَ نَكَثُوا عَهْدَهُمُ الَّذِي أعْطَوْهُ مُوسى.

و"إذا" هاهُنا لِلْمُفاجَأةِ، و"إلى" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "كَشَفْنا"، والأجَلُ يُرادُ بِهِ غايَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِما يَخُصُّهُ مِنَ الهَلاكِ والمَوْتِ.

وهَذا اللازِمُ مِنَ اللَفْظِ كَما تَقُولُ: أخَذْتُ كَذا إلى وقْتٍ، وأنْتَ لا تُرِيدُ وقْتًا بِعَيْنِهِ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: الأجَلُ هُنا: الغَرَقُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما هَذا القَوْلُ لِأنَّهُ رَأى جُمْهُورَ هَذِهِ الطائِفَةِ قَدِ اتَّفَقَ أنْ هَلَكَتْ غَرَقًا فاعْتَقَدَ أنَّ الإشارَةَ هُنا بِالأجَلِ إنَّما هي إلى الغَرَقِ، وهَذا لَيْسَ بِلازِمٍ لِأنَّهُ لا بُدَّ أنَّهُ ماتَ مِنهم قَبْلَ الغَرَقِ عالَمٌ وهم مِمَّنْ أُخِّرَ وكُشِفَ عنهُمُ العَذابُ إلى أجَلٍ بَلَغَهُ ودَخَلَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَأيْنَ الغَرَقُ مِن هَؤُلاءِ؟

وأيْنَ هو مِمَّنْ بَقِيَ بِمِصْرَ ولَمْ يَغْرَقْ؟

وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ أنَّ مَعْنى الكَلامِ: فَلَمّا كَشَفْنا عنهُمُ الرِجْزَ المُؤَجَّلَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ، ومَحْصُولُ هَذا التَأْوِيلِ أنَّ العَذابَ كانَ مُؤَجَّلًا، والمَعْنى الأوَّلُ أفْصَحُ لِأنَّهُ تَضَمَّنَ تَوَعُّدًا ما.

وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ، وأبُو حَيَوَةَ: "يَنْكِثُونَ" بِكَسْرِ الكافِ، والنَكْثُ: نَقْضُ ما أُبْرِمَ، ويُسْتَعْمَلُ في الأجْسامِ وفي المَعانِي، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: "الرُجْزَ" بِضَمِّ الراءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: إلّا أنَّ ابْنَ مُحَيْصِنٍ كَسَرَ حَرْفَيْنِ: "رِجْزَ الشَيْطانِ"، "والرِجْزَ فاهْجُرْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: رَآهُما بِمَعْنًى آخَرَ بِمَثابَةِ الرِجْزِ والنَتَنِ الَّذِي يَجِبُ التَطَهُّرُ مِنهُ.

وَ"اليَمُّ": البَحْرُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: دَوِيَّةٌ ودُجى لَيْلٍ كَأنَّهُما ∗∗∗ يَمٌّ تَراطَنُ في حافاتِهِ الرُومُ والباءُ في قَوْلِهِ: "بِأنَّهُمْ" باءُ التَسْبِيبِ، ووَصْفُ الكُفّارِ بِالغَفْلَةِ -وَهم قَدْ كَذَّبُوا ورَدُّوا في صَدْرِ الآياتِ- مِن حَيْثُ غَفَلُوا عَمّا تَتَضَمَّنُهُ الآياتُ مِنَ الهُدى والنَجاةِ، فَعن ذَلِكَ غَفَلُوا.

<div class="verse-tafsir"

وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلْأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُوا۟ ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُۥ وَمَا كَانُوا۟ يَعْرِشُونَ ١٣٧ وَجَـٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتَوْا۟ عَلَىٰ قَوْمٍۢ يَعْكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصْنَامٍۢ لَّهُمْ ۚ قَالُوا۟ يَـٰمُوسَى ٱجْعَل لَّنَآ إِلَـٰهًۭا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌۭ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌۭ تَجْهَلُونَ ١٣٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأورَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا ودَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وما كانُوا يَعْرِشُونَ ﴾ ﴿ وَجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ قالَ إنَّكم قَوْمٍ تَجْهَلُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ ﴾ كِنايَةٌ عن بَنِي إسْرائِيلَ لِاسْتِعْبادِ فِرْعَوْنَ لَهُمْ، وغَلَبَتِهِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها ﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما: يُرِيدُ أرْضَ الشامِ، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ النَحّاسُ: "وَقِيلَ: يُرادُ أرْضُ مِصْرَ وهو قَوْلُ الحَسَنِ في كِتابِ النَقّاشِ "، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ الأرْضَ كُلَّها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَتَّجِهُ إمّا عَلى المَجازِ لِأنَّهُ مَلَّكَهم بِلادًا كَثِيرَةً، وإمّا عَلى الحَقِيقَةِ في أنَّهُ مَلَكَ ذُرِّيَّتَهُمْ، وهو سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ عَلَيْهِما السَلامُ، ولَكِنَّ الَّذِي يَلِيقُ بِمَعْنى الآيَةِ ورُوِيَ فِيها هو أنَّهُ مَلَّكَ أبْناءَ المُسْتَضْعَفِينَ بِأعْيانِهِمْ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها لا سِيَّما بِوَصْفِهِ الأرْضَ بِأنَّها الَّتِي بارَكَ فِيها، ولا يَتَّصِفُ بِهَذِهِ الصِفَةِ ويَنْفَرِدُ بِها أكْثَرَ مِن غَيْرِها إلّا أرْضُ الشامِ لَما بِها مِنَ الماءِ والشَجَرِ والنِعَمِ والفَوائِدِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن قائِلٍ لَمْ يُسَمِّهِ -وَذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّهُ الفَرّاءُ - أنَّ ﴿ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها ﴾ نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، أيْ: يُسْتَضْعَفُونَ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، وأنَّ قَوْلَهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ الَّتِي بارَكْنا فِيها ﴾ مَعْمُولٌ لِـ "أورَثْنا" وضَعَّفَهُ الطَبَرِيُّ، وكَذَلِكَ هو قَوْلٌ غَيْرُ مُتَّجِهٍ.

و"الَّتِي" في مَوْضِعِ خَفْضٍ نَعْتٌ لِلْأرْضِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتٌ لِـ"مَشارِقَ" و"مَغارِبَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنى ﴾ أيْ ما سَبَقَ لَهم في عِلْمِهِ وكَلامِهِ في الأزَلِ مِنَ النَجاةِ مِن عَدُوِّهِمْ والظُهُورِ عَلَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: وهي قَوْلُهُ: ﴿ وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ  ﴾ ، وقِيلَ: هي قَوْلُهُ: ﴿ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ  ﴾ الآيَةُ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو: "كَلِماتُ".

و"يَعْرِشُونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: يَبْنُونَ، وعَرَشَ البَيْتَ: سَقَفَهُ، والعَرْشُ: البِناءُ والتَنْضِيدُ، وقالَ الحَسَنُ: هي في الكُرُومِ وما أشْبَهَها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ الباقُونَ " ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ فِيما رُوِيَ عنهُ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ ": بِضَمِّها، وكَذَلِكَ في سُورَةِ النَحْلِ.

وهُما لُغَتانِ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يُعَرِّشُونَ" و"يُعَكِّفُونَ" بِضَمِّ الياءِ فِيهِما وفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الراءِ والكافِ مَكْسُورَتَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورَأيْتُ لِلْحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُخْرَجَ عَلى مُلُوكِ السُوءِ، وإنَّما يَنْبَغِي أنْ يُصْبَرَ عَلَيْهِمْ فَإنَّ اللهَ تَعالى يُدَمِّرُهُمْ، ورَأيْتُ لِغَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: إذا قابَلَ الناسُ البَلاءَ بِمِثْلِهِ وكَلَهُمُ اللهُ إلَيْهِ، وإذا قابَلُوهُ بِالصَبْرِ وانْتِظارِ الفَرَجِ، أتى اللهُ بِالفَرَجِ، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَجاوَزْنا"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "وَجَوَّزْنا"، ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ والمَهْدَوِيُّ، والمَعْنى: قَطَّعْناهُ بِهِمْ وجَزَّعْناهُ، وهَذِهِ الآيَةُ ابْتِداءُ خَبَرٍ عنهُمْ، قالَ النَقّاشُ: جاوَزُوا البَحْرَ يَوْمَ عاشُوراءَ، وأُعْطِيَ مُوسى التَوْراةَ يَوْمَ النَحْرِ القابِلَ، فَبَيْنَ الأمْرَيْنِ أحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، ورُوِيَ أنَّ قَطْعَهم كانَ مِن ضَفَّةِ البَحْرِ إلى الضَفَّةِ المُناوِحَةِ لِلْأُولى، ورُوِيَ أنَّهُ قَطْعٌ مِنَ الضَفَّةِ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ مِنها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ وأمْرٍ لِيَنْفُذَ أمْرُهُ في فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وهَذا هو الظاهِرُ، وإمّا بِحَسَبِ اجْتِهادِ مُوسى في التَخَلُّصِ بِأنْ يَكُونَ بَيْنَ وضْعَيْنِ أوَعارٍ وحايِلاتٍ، ووَقَعَ في كِتابِ النَقّاشِ أنَّهُ نِيلُ مِصْرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا خَطَأٌ لا تُساعِدُهُ رِوايَةٌ، ولا يَحْتَمِلُهُ لَفْظٌ إلّا عَلى تَحامُلٍ، وإنَّما هو بَحْرُ القُلْزُمِ.

والقَوْمُ المُشارُ إلَيْهِمْ في الآيَةِ العَرَبُ، وقِيلَ: هُمُ الكَنْعانِيُّونَ، وقالَ قَتادَةُ وأبُو عَمْرٍو الجَوْنِيُّ: هم قَوْمٌ مِن لَخْمٍ وجُذامٍ.

والقَوْمُ في الكَلامِ: الرِجالُ خاصَّةً، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ولا أدْرِي وسَوْفَ إخالُ أدْرِي ∗∗∗ أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ ومِنهُ قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٌ  ﴾ ، ﴿ وَلا نِساءٌ مِن نِساءٌ  ﴾ .

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يَعْكُفُونَ" بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَبْدِ الوارِثِ عنهُ: "يَعْكِفُونَ" بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ.

والعُكُوفُ: المُلازَمَةُ بِالشَخْصِ لِأمْرٍ ما، والإكْبابُ عَلَيْهِ، ومِنهُ الِاعْتِكافُ في المَساجِدِ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: ........................

∗∗∗ ∗∗∗ عَكْفَ النَبِيطِ يَلْعَبُونَ الفَنْزَجا والأصْنامُ في هَذِهِ الآيَةِ قِيلَ: كانَتْ بَقَرًا عَلى الحَقِيقَةِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتْ تَماثِيلَ بَقْرٍ مِن حِجارَةٍ وعِيدانٍ ونَحْوِهِ، وذَلِكَ كانَ أوَّلَ فِتْنَةِ العِجْلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ مِن مَقالَةِ بَنِي إسْرائِيلَ لِمُوسى: ﴿ اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ ﴾ أنَّهُمُ اسْتَحْسَنُوا ما رَأوهُ مِن آلِهَةِ أُولَئِكَ القَوْمِ، فَأرادُوا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في شَرْعِ مُوسى وفي جُمْلَةِ ما يَتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللهِ، وإلّا فَبَعِيدٌ أنْ يَقُولُوا لِمُوسى: اجْعَلْ لَنا صَنَمًا نُفْرِدُهُ بِالعِبادَةِ ونَكْفُرُ بِرَبِّكَ.

فَعَرَّفَهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ هَذا جَهْلٌ مِنهم إذْ سَألُوا أمْرًا حَرامًا فِيهِ الإشْراكُ في العِبادَةِ، ومِنهُ يَتَطَرَّقُ إلى إفْرادِ الأصْنامِ بِالعِبادَةِ والكُفْرِ بِاللهِ عَزَّ وجَلَّ.

وعَلى هَذا الَّذِي قُلْتُ يَقَعُ التَشابُهُ الَّذِي قَصَّهُ النَبِيُّ  في «قَوْلِ أبِي واقِدٍ اللَيْثِيِّ لَهُ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ إذْ مَرُّوا عَلى دَوْحِ سِدْرَةٍ خَضْراءَ عَظِيمَةٍ: اجْعَلْ لَنا يا رَسُولَ اللهِ ذاتَ أنْواطٍ كَما لَهم ذاتُ أنْواطٍ، وكانَتْ ذاتُ أنْواطٍ سَرْحَةً لِبَعْضِ المُشْرِكِينَ يُعَلِّقُونَ بِها أسْلِحَتَهُمْ، ولَها يَوْمٌ يَجْتَمِعُونَ إلَيْها فِيهِ، فَأرادَ أبُو واقِدٍ وغَيْرُهُ أنْ يُشَرِّعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ  في الإسْلامِ، فَرَأى رَسُولُ اللهِ  أنَّها ذَرِيعَةٌ إلى عِبادَةِ تِلْكَ السَرْحَةِ، فَأنْكَرَهُ وقالَ: "اللهُ أكْبَرُ، قُلْتُمْ واللهِ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: ﴿ اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ ﴾ لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مِن قَبْلِكُمْ"».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ يَقْصِدْ أبُو واقِدٍ بِمَقالَتِهِ فَسادًا، وقالَ بَعْضُ الناسِ: كانَ ذَلِكَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كُفْرًا، ولَفْظَةُ "الإلَهِ" تَقْتَضِي ذَلِكَ، وهَذا مُحْتَمَلٌ، وما ذَكَرْتُهُ أوَّلًا أصَحُّ عِنْدِي، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٌۭ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَـٰطِلٌۭ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٣٩ قَالَ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهًۭا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٤٠ وَإِذْ أَنجَيْنَـٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ ۖ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ ١٤١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ قالَ أغَيْرَ اللهِ أبْغِيكم إلَهًا وهو فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ ﴾ ﴿ وَإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ ﴾ أعْلَمَهم مُوسى عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِفَسادِ حالِ أُولَئِكَ القَوْمِ لِيَزُولَ ما اسْتَحْسَنُوهُ مِن حالِهِمْ فَقالَ: ﴿ إنَّ هَؤُلاءِ ﴾ إشارَةً إلى أُولَئِكَ القَوْمِ، ﴿ مُتَبَّرٌ ﴾ أيْ مَهْلَكٌ مُدَمَّرٌ رَدِيءُ العاقِبَةِ، قالَهُ السُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

والتَبارُ: الهَلاكُ وسِوى العُقْبى، وإناءٌ مُتَبَّرٌ أيْ مَكْسُورٌ وكِسارَتُهُ تِبْرٌ، ومِنهُ تِبْرُ الذَهَبِ لِأنَّهُ كُسارَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ ما هم فِيهِ ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ حالِهِمْ، ﴿ وَباطِلٌ ﴾ مَعْناهُ: فاسِدٌ ذاهِبٌ مُضْمَحِلٌّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ أغَيْرَ اللهِ ﴾ الآيَةُ، أمَرَ اللهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُوقِفَهم ويُقْرِرَهم عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ مِن تِلْقائِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، وَ ﴿ أبْغِيكُمْ ﴾ مَعْناهُ: أطْلُبُ لَكُمْ، مِن بَغَيْتُ الشَيْءَ إذا طَلَبْتَهُ، و"غَيْرَ" مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، هَذا هو الظاهِرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الحالِ، كَأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: قالَ أبْغِيكم إلَهًا غَيْرَ اللهِ؟

فَهي في مَكانِ الصِفَةِ، فَلَمّا قُدِّمَتْ نُصِبَتْ عَلى الحالِ، و ﴿ العالَمِينَ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ يُرادُ بِهِ تَخْصِيصُ عالَمِ زَمانِهِمْ، لِأنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ  أفْضَلُ مِنهم بِإجْماعٍ، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ  ﴾ ، اللهُمَّ إلّا أنْ يُرادَ بِالفَضْلِ كَثْرَةُ الأنْبِياءِ مِنهم فَإنَّهم فُضِّلُوا في ذَلِكَ عَلى العالَمِينَ بِالإطْلاقِ.

ثُمَّ عَدَّدَ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ النِعَمَ الَّتِي يَجِبُ مِن أجْلِها ألّا يَكْفُرُوا بِهِ ولا يَرْغَبُوا عِبادَةَ غَيْرِهِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "نَجَّيْناكُمْ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنْجَيْناكُمْ" وقَدْ تَقَدَّمَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَإذْ أنْجاكُمْ" أيْ: أنْجاكُمُ اللهُ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشامِ، ﴿ يَسُومُونَكُمْ ﴾ مَعْناهُ: يُحَمِّلُونَكم ويُكَلِّفُونَكُمْ، تَقُولُ: سامَهُ خُطَّةَ خَسْفٍ، ونَحْوَ هَذا، ومُساوَمَةُ البَيْعِ يَنْظُرُ إلى هَذا وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُتَساوِمِينَ يُكَلِّفُ صاحِبَهُ إرادَتَهُ، ثُمَّ فُسِّرَ سُوءُ العَذابِ بِقَوْلِهِ: ( يُقَتِّلُونَ ويَسْتَحْيُونَ )، و"بَلاءٌ" -فِي هَذا المَوْضِعِ- مَعْناهُ: اخْتِبارٌ وامْتِحانٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى سُوءِ العَذابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ بِهِ إلى التَنْجِيَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: وفي تَنْجِيَتِكُمُ امْتِحانٌ لَكم واخْتِبارٌ، هَلْ يَكُونُ مِنكم وفاءٌ بِحَسَبِ النِعْمَةِ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أظْهَرُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآياتُ خاطَبَ بِها مُوسى مَن حَضَرَهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: بَلْ خُوطِبَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن كانَ عَلى عَهْدِ مُحَمَّدٍ  تَقْرِيعًا لَهم بِما فُعِلَ بِأوائِلِهِمْ وبِما جازَوْا بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ أظْهَرُ وأبْيَنُ.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَوَٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَـٰثِينَ لَيْلَةًۭ وَأَتْمَمْنَـٰهَا بِعَشْرٍۢ فَتَمَّ مِيقَـٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةًۭ ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَـٰرُونَ ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ١٤٢ وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَـٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِىٓ أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِى وَلَـٰكِنِ ٱنظُرْ إِلَى ٱلْجَبَلِ فَإِنِ ٱسْتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوْفَ تَرَىٰنِى ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكًّۭا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًۭا ۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَـٰنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٤٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً وقالَ مُوسى لأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ ﴾ ﴿ وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "وَوَعَدْنا"، وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأنْ يَتَهَيَّأ لِمُناجاتِهِ ثَلاثِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ زادَهُ في الأجَلِ بَعْدَ ذَلِكَ عَشَرَ لَيالٍ، فَذَكَرَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أعْلَمُ بَنِي إسْرائِيلَ بِمَغِيبِهِ ثَلاثِينَ لَيْلَةً، فَلَمّا زادَهُ العَشْرُ في حالِ مَغِيبِهِ دُونَ أنْ تَعْلَمَ بَنُو إسْرائِيلَ ذَلِكَ وجَسَتْ نُفُوسُهم لِلزِّيادَةِ عَلى ما أخْبَرَهم بِهِ، فَقالَ لَهُمُ السامِرِيُّ: إنَّ مُوسى قَدْ هَلَكَ ولَيْسَ بِراجِعٍ وأضَلَّهم بِالعْجِلِ فاتَّبَعُوهُ، قالَهُ كُلُّهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

وقِيلَ: بَلْ أخْبَرَهم بِمَغِيبِهِ أرْبَعِينَ، وكَذَلِكَ أعْلَمَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى، وهو المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ  ﴾ ، وأنَّهم عَدُّوا الأيّامَ واللَيالِيَ، فَلَمّا تَمَّ أرْبَعُونَ مِنَ الدَهْرِ قالُوا: قَدْ أخْلَفَ مُوسى فَضَلُّوا، قالَ مُجاهِدٌ: إنَّ الثَلاثِينَ هي شَهْرُ ذِي القِعْدَةِ، وإنَّ العَشْرَ هي عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ، ورُوِيَ أنَّ الثَلاثِينَ إنَّما وُعِدَ بِأنْ يَصُومَها ويَتَهَيَّأ فِيها لِلْمُناجاةِ ويَسْتَعِدَّ، وأنَّ مُدَّةَ المُناجاةِ هي العَشْرُ، وقِيلَ: بَلْ مُدَّةُ المُناجاةِ الأرْبَعُونَ، وإقْبالُ مُوسى عَلى الأمْرِ والتِزامُهُ يُحَسِّنُ لَفْظَ المُواعَدَةِ، وحَيْثُ ورَدَ أنَّ المُواعَدَةَ أرْبَعُونَ لَيْلَةً فَذَلِكَ إخْبارٌ بِجُمْلَةِ الأمْرِ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ إخْبارٌ بِتَفْصِيلِهِ كَيْفَ وقَعَ، و"أرْبَعِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها في مَوْضِعِ الحالِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "أرْبَعِينَ" ظَرْفًا مِن حَيْثُ هي عَدَدُ أزْمِنَةٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "وَتَمَّمْناها" بِغَيْرِ ألِفٍ وتَشْدِيدِ المِيمِ، وذَكَرَ الزَجّاجُ عن بَعْضِهِمْ قالَ: لَمّا صامَ ثَلاثِينَ يَوْمًا أنْكَرَ خُلُوفَ فَمِهِ فاسْتاكَ بِعُودِ خَرُّوبٍ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: إنّا كُنّا نَسْتَنْشِقُ مِن فِيكَ رائِحَةَ المِسْكِ، فَأفْسَدْتَهُ بِالسِواكِ فَزِيدَتْ عَلَيْهِ عَشْرُ لَيالٍ، و"ثَلاثِينَ" نَصْبٌ عَلى تَقْدِيرِ: أجَّلْناهُ ثَلاثِينَ، ولَيْسَتْ مُنْتَصِبَةً عَلى الظَرْفِ؛ لِأنَّ المُواعَدَةَ لَمْ تَقَعْ في الثَلاثِينَ، ثُمَّ رَدَّدَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ قِيلَ: لِيُبَيِّنَ أنَّ العَشْرَ لَمْ تَكُنْ ساعاتٍ، وبِالجُمْلَةِ تَأْكِيدٌ وإيضاحٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ مُوسى لأخِيهِ ﴾ الآيَةُ، المَعْنى: وقالَ مُوسى حِينَ أرادَ المُضِيَّ لِلْمُناجاةِ والمَغِيبِ فِيها، و"اخْلُفْنِي" مَعْناهُ: كُنْ خَلِيفَتِي، وهَذا اسْتِخْلافٌ في حَياةٍ كالوِكالَةِ الَّتِي تَنْقَضِي بِعَزْلِ المُوَكَّلِ أو مَوْتِهِ ولا يَقْتَضِي أنَّهُ مُتَمادٍ بَعْدَ وفاةٍ، فَيَنْحَلُّ -عَلى هَذا- ما تَعَلَّقَ بِهِ الإمامِيَّةُ في قَوْلِهِمْ: إنَّ النَبِيَّ  اسْتَخْلَفَ عَلِيًّا بِقَوْلِهِ: "أنْتَ مِنِّي كَهارُونَ مِن مُوسى"، وقالَ مُوسى: اخْلُفْنِي فَيَتَرَتَّبُ عَلى هَذا أنَّ عَلِيًّا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ  ، وما ذَكَرْناهُ يَحُلُّ هَذا القِياسَ.

وأمَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالإصْلاحِ، ثُمَّ مِنَ الطُرُقِ الأُخَرِ في ألّا يَتَّبِعَ سَبِيلَ مُفْسِدٍ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَ مِنَ الإصْلاحِ أنْ يَزْجُرَ السامِرِيَّ ويُغِيرَ عَلَيْهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ لَمّا جاءَ إلى المَوْضِعِ الَّذِي حُدِّدَ لَهُ، وفي الوَقْتِ الَّذِي عُيِّنَ لَهُ، وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ تَمَنِّيًا مِنهُ: ﴿ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ ﴾ ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أرِنِي" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ: "أرْنِي" بِسُكُونِ الراءِ.

والمَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَلَّمَهُ  ﴾ أيْ: خَلَقَ لَهُ إدْراكًا سَمَعَ بِهِ الكَلامَ القائِمَ بِالذاتِ القَدِيمِ الَّذِي هو صِفَةُ ذاتٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: أدْنى اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ حَتّى سَمِعَ صَرِيفَ الأقْلامِ في اللَوْحِ، وكَلامُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الكَلامِ الَّذِي لِلْمَخْلُوقِينَ ولا في جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ، وكَما هو مَوْجُودٌ لا كالمَوْجُوداتِ، ومَعْلُومٌ لا كالمَعْلُوماتِ، كَذَلِكَ كَلامُهُ لا يُشْبِهُ الكَلامَ الَّذِي فِيهِ عَلاماتُ الحُدُوثِ، والواوُ عاطِفَةٌ "كَلَّمَهُ" عَلى "جاءَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ واوَ الحالِ، والأوَّلُ أبْيَنُ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَلَّمَ اللهُ مُوسى في ألْفِ مَقامٍ، كانَ يَرى نُورًا عَلى وجْهِهِ ثَلاثَةَ أيّامٍ إثْرَ كُلِّ مَقامٍ، وما قَرَبَ مُوسى النِساءَ مُنْذُ كَلَّمَهُ اللهُ تَعالى، وجَوابُ "لَمّا" في قَوْلِهِ تَعالى: "قالَ"، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا كَلَّمَهُ وخَصَّهُ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ طَمَحَتْ هِمَّتُهُ إلى رُتْبَةِ الرُؤْيَةِ وتَشَوَّقَ إلى ذَلِكَ، فَسَألَ رَبَّهُ أنْ يُرِيَهُ نَفْسَهُ، قالَهُ السُدِّيُّ، وأبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ، وقالَ الرَبِيعُ: قَرَّبْناهُ نَجِيًّا حَتّى سَمِعَ صَرِيفَ الأقْلامِ.

ورُؤْيَةُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عِنْدَ الأشْعَرِيَّةِ وأهْلِ السُنَّةِ جائِزَةٌ عَقْلًا، لِأنَّهُ مِن حَيْثُ هو مَوْجُودٌ تَصِحُّ رُؤْيَتُهُ، قالُوا: لِأنَّ الرُؤْيَةَ لِلشَّيْءِ لا تَتَعَلَّقُ بِصِفَةٍ مِن صِفاتِهِ أكْثَرَ مِنَ الوُجُودِ، إلّا أنَّ الشَرِيعَةَ قَرَّرَتْ رُؤْيَةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في الآخِرَةِ نَصًّا، ومَنَعَتْ مِن ذَلِكَ في الدُنْيا بِظَواهِرَ مِنَ الشَرْعِ، فَمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَسْألْ رَبَّهُ مُحالًا وإنَّما سَألَ جائِزًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ ﴾ الآيَةُ.

لَيْسَ بِجَوابِ مَن سَألَ مُحالًا، وقَدْ قالَ تَبارَكَ وتَعالى لِنُوحٍ: ﴿ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ  ﴾ ، فَلَوْ سَألَ مُوسى مُحالًا لَكانَ في الكَلامِ زَجْرٌ ما وتَبْيِينٌ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿ لَنْ تَرانِي ﴾ نَصٌّ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى مَنعِهِ الرُؤْيَةَ في الدُنْيا، و"لَنْ" تَنْفِي الفِعْلَ المُسْتَقْبَلَ، ولَوْ بَقِينا مَعَ هَذا النَفْيِ بِمُجَرِّدِهِ لَقَضَيْنا أنَّهُ لا يَراهُ مُوسى أبَدًا ولا في الآخِرَةِ، لَكِنْ ورَدَ مِن جِهَةٍ أُخْرى بِالحَدِيثِ المُتَواتِرِ أنَّ أهْلَ الإيمانِ يَرَوْنَ اللهَ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ، فَمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أحْرى بِرُؤْيَتِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ قالَ لِمُوسى: ﴿ لَنْ تَرانِي ﴾ ولَكِنْ سَأتَجَلّى لِلْجَبَلِ الَّذِي هو أقْوى مِنكَ وأشَدُّ فَإنِ اسْتَقَرَّ وأطاقَ الصَبْرَ لِهَيْبَتِي فَسَيُمْكِنُكَ أنْتَ رُؤْيَتِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذا إنَّما جَعَلَ اللهُ الجَبَلَ مِثالًا وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما المَعْنى: سَأتَبَدّى لَكَ عَلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ لِعَظْمَتِي فَسَوْفَ تَرانِي، ورُوِيَ في كَيْفِيَّةِ وُقُوفِ مُوسى وانْتِظارِهِ الرُؤْيَةَ قَصَصٌ طَوِيلٌ اخْتَصَرْتُهُ لِبُعْدِهِ وكَثْرَةِ مَواضِعِ الِاعْتِراضِ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنِّى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِى وَبِكَلَـٰمِى فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ ١٤٤ وَكَتَبْنَا لَهُۥ فِى ٱلْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍۢ مَّوْعِظَةًۭ وَتَفْصِيلًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍۢ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا۟ بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُو۟رِيكُمْ دَارَ ٱلْفَـٰسِقِينَ ١٤٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ  ﴾ ﴿ قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى الناسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشاكِرِينَ ﴾ ﴿ وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ ﴾ قالَ المُتَأوِّلُونَ المُتَكَلِّمُونَ كالقاضِي الباقِلّانِيُّ وغَيْرُهُ: "إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ لِلْجَبَلِ حَياةً وحِسًّا وإدْراكًا يَرى بِهِ ثُمَّ تَجَلّى لَهُ، أيْ ظَهَرَ وبَدا سُلْطانُهُ، فانْدَكَّ الجَبَلُ لِشِدَّةِ المَطْلَعِ، فَلَمّا رَأى مُوسى ما بِالجَبَلِ صَعِقَ"، وهَذا المَعْنى هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ عن ثابِتٍ عن أنَسٍ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قَرَأ: "فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا" قالَ: فَوَضَعَ الإبْهامَ قَرِيبًا مِن خِنْصَرِهِ، قالَ: فَساخَ الجَبَلُ، فَقالَ حُمَيْدٌ لِثابِتٍ: تَقُولُ هَذا؟

فَرَفَعَ ثابِتٌ يَدَهُ فَضَرَبَ صَدْرَهُ، وقالَ: يَقُولُ رَسُولُ اللهِ  ويَقُولُهُ أنَسٌ وأكْتُمُهُ أنا؟

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: فَلَمّا تَجَلّى اللهُ لِلْجَبَلِ بِقُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ انْدَكَّ الجَبَلُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ يَتَمَسَّكُ بِهِ المُعْتَزِلَةُ تَمَسُّكًا شَدِيدًا لِقَوْلِهِمْ: إنَّ رُؤْيَةَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ غَيْرُ جائِزَةٍ، وقائِلُهُ مِن أهْلِ السُنَّةِ إنَّما يَقُولُهُ مَعَ اعْتِقادِهِ جَوازَ الرُؤْيَةِ، ولَكِنَّهُ يَقُولُ: إنَّهُ ألْيَقُ بِألْفاظِ الآيَةِ مِن أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ أنَّ الجَبَلَ خُلِقَ لَهُ إدْراكٌ وحَياةٌ، وقالَ الزَجّاجُ: مَن قالَ: إنَّ التَقْدِيرَ: "فَلَمّا تَجَلّى أمْرُ رَبِّهِ" فَقَدْ أخْطَأ، ولا يَعْرِفُ أهْلُ اللُغَةِ ذَلِكَ، ورَدَّ أبُو عَلِيٍّ في "الأغْفالِ" عَلَيْهِ.

والدَكُّ: الِانْسِحاقُ والتَفَتُّتُ، وقَرَأ النَبِيُّ  ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ومُجاهِدٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "دَكًّا"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ، وغَيْرُهُمْ: "دَكّاءَ" عَلى وزْنِ حَمْراءَ، والدَكّاءُ: الناقَةُ الَّتِي لا سَنامَ لَها، فالمَعْنى: جَعَلَهُ أرْضًا دَكّاءَ تَشْبِيهًا بِالناقَةِ، فَرُوِيَ أنَّهُ ذَهَبَ الجَبَلُ بِرُمَّتِهِ، وقِيلَ: ذَهَبَ أعْلاهُ وبَقِيَ أكْثَرُهُ، ورُوِيَ أنَّ الجَبَلَ تَفَتَّتَ وانْسَحَقَ حَتّى صارَ غُبارًا تَذْرُوهُ الرِياحُ، وقالَ سُفْيانُ: رُوِيَ أنَّهُ ساخَ في الأرْضِ وأفْضى إلى البَحْرِ الَّذِي تَحْتَ الأرَضِينَ.

قالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: فَهو يَهْوِي فِيهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ورُوِيَ أنَّهُ انْكَسَرَ سِتَّ فِرَقٍ، فَوَقَعَتْ مِنهُ ثَلاثٌ بِمَكَّةَ: ثَبِيرٌ، وغارُ ثَوْرٍ، وحِراءُ، وثَلاثٌ بِالمَدِينَةِ: أُحُدٌ، ووَرْقانُ، ورَضْوى، قالَهُ النَقّاشُ.

وقالَ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ: ساخَ في الأرْضِ فَلا يَظْهَرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

و"صَعِقًا" مَعْناهُ: مَغْشِيًّا عَلَيْهِ كَحال مَن تُصِيبُهُ الصَعْقَةُ وهي الصَيْحَةُ المُفْرِطَةُ، قالَ الخَلِيلُ: وهي الوَقْعُ الشَدِيدُ مِن صَوْتِ الرَعْدِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ مَوْتًا، قالَ الزَجّاجُ: وهو ضَعِيفٌ، ولَفْظَةُ "أفاقَ" تَقْتَضِي غَيْرَ هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿ سُبْحانَكَ  ﴾ أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ، كَذا فَسَّرَهُ النَبِيُّ  ، وقَوْلُهُ: ﴿ تُبْتُ إلَيْكَ  ﴾ مَعْناهُ: مِن أنْ أسْألَكَ الرُؤْيَةَ في الدُنْيا وأنْتَ لا تُبِيحُها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنَّهُ لَفْظٌ قالَهُ عَلَيْهِ السَلامُ لِشِدَّةِ هَوْلِ ما اطَّلَعَ، ولَمْ يَعْنِ بِهِ التَوْبَةَ مِن شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ولَكِنَّهُ لَفْظٌ يَصْلُحُ لِذَلِكَ المَقامِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يَتَحَرَّزُ مِنهُ أهْلُ السُنَّةِ أنْ تَكُونَ تَوْبَةً مِن سُؤالِ المُحالِ كَما زَعَمَتِ المُعْتَزِلَةُ،.

وقَرَأ نافِعٌ: "وَأنا" بِإثْباتِ الألِفِ في الإدْراجِ، قالَ الزَهْراوِيُّ، والأولى حَذْفُها في الإدْراجِ، وإثْباتُها لُغَةٌ شاذَّةٌ خارِجَةٌ عَنِ القِياسِ، وقَوْلُهُ: "أوَّلُ" إمّا أنْ يُرِيدَ: مِن قَوْمِهِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، أو مِن أهْلِ زَمانِهِ إنْ كانَ الكُفْرُ قَدْ طَبَّقَ الآفاقَ، وإمّا أنْ يُرِيدَ أوَّلَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّكَ لا تَرى في الدُنْيا، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

ثُمَّ إنَّ اللهَ تَعالى قَرَّرَ مُوسى عَلى آلائِهِ عِنْدَهُ عَلى جِهَةِ الإخْبارِ وقَنَّعَهُ بِها وأمَرَهُ بِالشُكْرِ عَلَيْها، وكَأنَّهُ قالَ: ولا تَتَعَدَّها إلى غَيْرِها.

واصْطَفى أصْلُهُ: اصْتَفى، وهو افْتَعَلَ مِن صَفا يَصْفُو انْقَلَبَتِ التاءُ طاءً لِمَكانِ الصادِ، ومَعْناهُ: تَخَيَّرْتُكَ وخَصَصْتُكَ، ولا تُسْتَعْمَلُ إلّا في الخَيْرِ والمِنَنِ، لا يُقالُ: اصْطَفاهُ لِشَرٍّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى الناسِ ﴾ عامٌّ والمُرادُ الخُصُوصُ فِيمَن شارَكَ مُوسى في الإرْسالِ، فَإنَّ الأنْبِياءَ المُرْسَلِينَ مُشارِكُونَ لَهُ بِما هم رُسُلٌ، والظاهِرُ مِنَ الشَرِيعَةِ أنَّ مُوسى مُخَصَّصٌ بِالكَلامِ وإنْ كانَ قَدْ رُوِيَ في تَكْلِيمِ اللهِ غَيْرَهُ أشْياءُ بِما يَشاءُ، مِن أعْظَمِها «أنَّ رَسُولَ اللهِ  سُئِلَ عن آدَمَ فَقالَ: "هُوَ نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إلّا أنَّ ذَلِكَ قَدْ تُؤُوِّلَ بِأنَّهُ كانَ في الجَنَّةِ فَيَتُحَفَّظُ -عَلى هَذا- تَخْصِيصُ مُوسى، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ عَلى الناسِ ﴾ عُمُومًا مُطْلَقًا في مَجْمُوعِ الدَرَجَتَيْنِ: الرِسالَةِ والكَلامِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "بِرِسالاتِي" عَلى الجَمْعِ، إذِ الَّذِي أُرْسِلَ بِهِ ضُرُوبٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ: "بِرِسالَتِي" عَلى الإفْرادِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، وتُحَلُّ الرِسالَةُ هاهُنا مَحَلَّ المَصْدَرِ الَّذِي هو الإرْسالُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَبِكَلامِي"، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "بِرِسالَتِي وبِكَلِمِي"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "بِرِسالاتِي وبِكَلِمِي"، وحَكى عنهُ المَهْدَوِيُّ: "وَتَكْلِيمِي" عَلى وزْنِ تَفْعِيلِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشاكِرِينَ ﴾ تَأْدِيبٌ وتَقْنِيعٌ وحَمْلٌ عَلى جادَّةِ السَلامَةِ، ومِثالٌ لِكُلِّ أحَدٍ في حالِهِ، فَإنَّ جَمِيعَ النِعَمِ مِن عِنْدِهِ بِمِقْدارٍ، وكُلُّ الأُمُورِ بِمَرْأًى مِنَ اللهِ ومَسْمَعٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والألِفُ واللامُ في "الألْواحِ" عِوَضٌ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي يُقَدَّرُ وصْلُهُ بَيْنَ "الألْواحِ" و"مُوسى" عَلَيْهِ السَلامُ، تَقْدِيرُهُ: في ألْواحِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى  ﴾ أيْ: مَأْواهُ.

وقِيلَ: كانَتِ الألْواحُ اثْنَيْنِ، وقِيلَ: سَبْعَةً، وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَتِ الألْواحُ مِن زُمُرُّدٍ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مِن ياقُوتٍ أحْمَرَ، وقالَ أبُو العالِيَةِ أيْضًا: مَن بُرُدٍ، وقالَ الحَسَنُ: مِن خَشَبٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ لَفْظَةُ عُمُومٍ، والمُرادُ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ يَنْفَعُ في مَعْنى الشَرْعِ ويُحْتاجُ إلَيْهِ في المَصْلَحَةِ، وقَوْلُهُ: "لِكُلِّ شَيْءٍ" مِثْلُهُ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ما أمِرُوا بِهِ ونُهُوا عنهُ، وقالَهُ مُجاهِدٌ: ، وقالَ السُدِّيُّ: الحَلالُ والحَرامُ.

وقَوْلُهُ: "بِقُوَّةٍ" مَعْناهُ: بِجِدٍّ وصَبْرٍ عَلَيْها واحْتِمالٍ لِمُؤْنَتِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما والسُدِّيُّ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: "بِقُوَّةٍ" هُنا: بِطاعَةٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَأْخُذَ بِأشَدِّ مِمّا أمَرَ بِهِ قَوْمَهُ، وخُذْ أصْلُهُ: أُؤْخُذْ، حُذِفَتِ الهَمْزَةُ الَّتِي هي فاءُ الفِعْلِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، فاسْتُغْنِيَ عَنِ الأوَّلِ، وقَوْلُهُ: "بِأحْسَنِها" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما التَفْضِيلُ، كَأنَّهُ قالَ: إذا اعْتَرَضَ فِيها مُباحانِ، فَيَأْخُذُونَ الأحْسَنَ مِنهُما كالعَفْوِ والقِصاصِ، والصَبْرِ والِانْتِصارِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا عَلى القَوْلِ أنَّ أفْعَلَ في التَفْضِيلِ لا يُقالُ إلّا لِما لَهُما اشْتِراكٌ في المُفَضَّلِ فِيهِ.

وأمّا عَلى القَوْلِ الآخَرِ فَقَدْ يُرادُ بِالأحْسَنِ المَأْمُورُ بِهِ بِالإضافَةِ لِلْمَنهِيِّ عنهُ لِأنَّهُ أحْسَنُ مِنهُ، وذَلِكَ كالناسِخِ بِالنِسْبَةِ لِلْمَنسُوخِ ونَحْوِ هَذا، وذَهَبَ إلى هَذا المَعْنى الطَبَرِيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّهُ تَدْخُلُ فِيهِ الفَرائِضُ وهي لا تَدْخُلُ في التَأْوِيلِ الأوَّلِ، وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يُتَصَوَّرَ اشْتِراكٌ في حُسْنٍ مِنَ المَأْمُورِ بِهِ والمَنهِيِّ عنهُ ولَوْ بِحَسَبِ المَلاذِ وشَهَواتِ النَفْسِ الأمّارَةِ، والمَعْنى الآخَرُ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: "بِأحْسَنِها" أنْ يُرِيدَ بِـ"أحْسْنِ" وصْفَ الشَرِيعَةِ بِجُمْلَتِها، فَكَأنَّهُ قالَ: قَدْ جَعَلْنا لَكم شَرِيعَةً هي أحْسَنُ، كَما تَقُولُ: "اللهُ أكْبَرُ" دُونَ مُقايَسَةٍ، ثُمَّ قالَ: فَمُرْهم يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها الَّذِي شَرَعْناهُ لَهُمْ، وفي هَذا التَأْوِيلِ اعْتِراضاتٌ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سَأُورِيكُمْ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "أُورِيكُمْ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: ظاهِرُ هَذِهِ القِراءَةِ مَرْدُودٌ وهو أبُو سَعِيدٍ المَأْثُورُ فَصاحَتُهُ.

فَوَجَّهَها أنَّ المُرادَ "أُرِيكُمْ" ثُمَّ أُشْبِعَتْ ضَمَّةُ الهَمْزَةِ ومُطِلَتْ حَتّى نَشَأتْ عنها واوٌ، ويَحْسُنُ احْتِمالُ الواوِ في هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ مَوْضِعُ وعِيدٍ وإغْلاظٍ فَمَكَّنَ الصَوْتَ فِيهِ.

وقَرَأ قَسامَةُ بْنُ زُهَيْرٍ: "سَأُورِثُكُمْ"، قالَهُ أبُو حاتِمٍ، ونَسَبَها المَهْدَوِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

وَثَبَتَتِ الواوُ في خَطِّ المُصْحَفِ فَلِذَلِكَ أُشْكِلَ هَذا الِاخْتِلافُ مَعَ أنّا لا نَتَأوَّلُ إلّا أنَّها مَرْوِيّاتٌ.

فَأمّا مَن قَرَأها: "سَأُورِيكُمْ" فالمَعْنى عِنْدَهُ: سَأعْرِضُ عَلَيْكم وأجْعَلُكم تُحِسُّونَ لِتَعْتَبِرُوا حالَ دارِ الفاسِقِينَ.

والرُؤْيَةُ هُنا رُؤْيَةُ العَيْنِ إلّا أنَّ المَعْنى يَتَضَمَّنُ الوَعْدَ لِلْمُؤْمِنِينَ والوَعِيدَ لِلْفاسِقِينَ.

ويَدُلُّ عَلى أنَّها رُؤْيَةُ العَيْنِ تَعَدِّي فِعْلِها، وقَدْ عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ، ولَوْ كانَ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ لِتَعَدّى بِالهَمْزَةِ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ، ولَوْ قالَ قائِلٌ: المَفْعُولُ الثالِثُ يَتَضَمَّنُهُ المَعْنى فَهو مُقَدَّرٌ، أيْ: مُدَمَّرَةً أو خَرِبَةً أو مُسَعَّرَةً -عَلى قَوْلِ مَن قالَ: هي جَهَنَّمُ- قِيلَ لَهُ: ولا يَجُوزُ حَذْفُ هَذا المَفْعُولِ والِاقْتِصارِ دُونَهُ أنَّها داخِلَةٌ عَلى المُبْتَدَإ والخَبَرِ، ولَوْ جُوِّزَ لَكانَ عَلى قُبْحٍ في اللِسانِ لا يَلِيقُ بِكِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومُقاتِلٌ، وقَتادَةُ في كِتابِ النَقّاشِ: دارُ الفاسِقِينَ مِصْرُ، والمُرادُ آلُ فِرْعَوْنَ، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: دارُ الفاسِقِينَ الشامُ، والمُرادُ العَمالِقَةُ الَّذِينَ أُمِرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِقِتالِهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: دارُ الفاسِقِينَ جَهَنَّمُ، والمُرادُ الكَفَرَةُ بِمُوسى عامَّةً، وقالَ النَقّاشُ عَنِ الكَلْبِيِّ: دارُ الفاسِقِينَ دُورُ ثَمُودَ وعادٍ والأُمَمِ الخالِيَةِ، أيْ: سَنَقُصُّها عَلَيْكم فَتَرَوْنَها.

<div class="verse-tafsir"

سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَـٰتِىَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍۢ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًۭا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًۭا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَـٰفِلِينَ ١٤٦ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلْـَٔاخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٤٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَأصْرِفُ عن آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عنها غافِلِينَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أعْمالُهم هَلْ يُجْزَوْنَ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ المَعْنى: سَأمْنَعُ وأصُدُّ، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الآياتُ هُنا كُلُّ كِتابٍ مُنَزَّلٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالمَعْنى: عن فَهْمِها وتَصْدِيقِها، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الآياتُ: العَلاماتُ المَنصُوبَةُ الدالَّةُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالمَعْنى: عَنِ النَظَرِ فِيها والتَفْكِيرِ والِاسْتِدْلالِ بِها، واللَفْظُ يَعُمُّ الوَجْهَيْنِ.

والمُتَكَبِّرُونَ بِغَيْرِ حَقٍّ في الأرْضِ هُمُ الكَفَرَةُ، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: سَأجْعَلُ الصَرْفَ عَنِ الآياتِ عُقُوبَةً لِلْمُتَكَبِّرِينَ عَلى تَكَبُّرِهِمْ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها ﴾ حَتْمٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى الطائِفَةِ الَّتِي قَدَّرَ ألّا يُؤْمِنُوا.

وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: "يَرَوْا" بِفَتْحِ الياءِ، قَرَأها ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمُ، ونافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وشِبْلٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وسائِرُ السَبْعَةِ، وقَرَأها مَضْمُومَةَ الياءِ مالِكُ بْنُ دِينارٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "الرُشْدِ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ- وأبُو البَرَهْسَمِ: "الرُشُدِ" بِضَمِّ الراءِ والشِينِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ عَلى أنَّ "الرُشْدَ" بِضَمِّ الراءِ وسُكُونِ الشِينِ، و"الرَشَدَ" بِفَتْحِهِما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: الرُشْدُ بِضَمِّ الراءِ: الصَلاحُ في النَظَرِ، و"الرَشَدُ" بِفَتْحِهِما: الدِينُ، وأمّا قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ بِضَمِّهِما فَأتْبَعَتِ الضَمَّةُ الضَمَّةَ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "لا يَتَّخِذُوها" و"تَتَّخِذُوها" عَلى تَأْنِيثِ السَبِيلِ، والسَبِيلُ تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الصَرْفِ، أيْ صَرَفْنا إيّاهم وعُقُوبَتُنا لَهم هي بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنِ النَظَرِ في الآياتِ والوُقُوفِ عِنْدَ الحُجَجِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "ذَلِكَ" خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: فَعَلْنا ذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها، وسَوْقُها في جُمْلَةِ المُكَذَّبِ بِهِ، ولِقاءِ الآخِرَةِ لَفْظٌ يَتَضَمَّنُ تَهْدِيدًا.

أيْ: هُنالِكَ يُفْتَضَحُ لَهم حالُهم.

و"حَبِطَتْ" مَعْناهُ: سَقَطَتْ وفَسَدَتْ، وأصْلُ الحَبَطِ فِيما تَقَدَّمَ صَلاحُهُ، ولَكِنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الَّذِي كانَ أوَّلَ مَرَّةٍ فاسِدًا، إذْ مَآلُ العامِلِينَ واحِدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يُجْزَوْنَ ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: يَسْتَوْجِبُونَ بِسُوءِ فِعْلِهِمُ العُقُوبَةَ، وساغَ أنْ يُسْتَعْمَلَ "حَبِطَتْ" هُنا إذْ كانَتْ أعْمالُهم في مُعْتَقَداتِهِمْ جارِيَةً في طَرِيقِ صَلاحٍ، فَكَأنَّ الحَبَطَ فِيها إنَّما هو بِحَسَبِ مُعْتَقَداتِهِمْ، وأمّا بِحَسَبِ ما هي عَلَيْهِ في أنْفُسِها فَفاسِدَةٌ مُنْذُ أوَّلِ أمْرِها، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "إنَّ مِمّا يُنْبِتُ الرَبِيعُ ما يَقْتُلُ حَبَطًا أو يُلِمُّ"» أيْ فَسادًا لِكَثْرَةِ الأكْلِ بَعْدَ الصَلاحِ الَّذِي كانَ أوَّلًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو السَمّالِ: "حَبَطَتْ" بِفَتْحِ الباءِ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعْدِهِۦ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًۭا جَسَدًۭا لَّهُۥ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُوا۟ ظَـٰلِمِينَ ١٤٨ وَلَمَّا سُقِطَ فِىٓ أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا۟ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا۟ قَالُوا۟ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ١٤٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَلَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ورَأوا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ اتَّخَذَ أصْلَهُ: اِيتَخَذَ، وزْنُهُ افْتَعَلَ، مِن تَخِذَ.

هَذا قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ.

والضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" عائِدٌ عَلى مُوسى، أيْ بَعْدِ مُضِيِّهِ إلى المُناجاةِ، وأضافَ الحُلِيَّ إلى بَنِي إسْرائِيلَ وإنْ كانَ مُسْتَعارًا مِنَ القِبْطِ -إذْ كانُوا قَدْ تَمَلَّكُوهُ- إمّا بِأنْ نُفِّلُوهُ كَما رُوِيَ، وحَكى يَحْيى بْنُ سَلامٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: اسْتَعارَ بَنُو إسْرائِيلَ حُلِيَّ القِبْطِ لِيَوْمِ الزِينَةِ، فَلَمّا أُمِرَ مُوسى أنْ يَسْرِيَ بِهِمْ لَيْلًا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ رَدُّ العَوارِي، وأيْضًا فَخَشُوا أنْ يَفْتَضِحَ سِرُّهُمْ، ثُمَّ إنَّ اللهَ نَفَّلَهم إيّاهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُضافَ الحُلِيُّ إلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن حَيْثُ تَصَرَّفَتْ أيْدِيهِمْ فِيهِ بَعْدَ غَزْوِ آلِ فِرْعَوْنَ.

ويُرْوى أنَّ السامِرِيَّ -واسْمُهُ مُوسى بْنُ ظَفِرٍ ويُنْسَبُ إلى قَرْيَةٍ تُسَمّى سامِرَةَ- قالَ لِهارُونَ حِينَ ذَهَبَ مُوسى إلى المُناجاةِ: يا هارُونُ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ بَدَّدُوا الحُلِيَّ الَّذِي اسْتُعِيرَ مِنَ القِبْطِ وتَصَرَّفُوا فِيهِ وأنْفَقُوا مِنهُ، فَلَوْ جَمَعْتَهُ حَتّى يَرى مُوسى فِيهِ رَأْيَهُ، قالَ: فَجَمَعَهُ هارُونُ، فَلَمّا اجْتَمَعَ قالَ لِلسّامِرِيِّ: أنْتَ أولى الناسِ بِأنْ يُخْتَزَنَ عِنْدَكَ، فَأخَذَهُ السامِرِيُّ -وَكانَ صائِغًا- فَصاغَ مِنهُ صُورَةَ عِجْلٍ، وهو ولَدُ البَقَرَةِ.

﴿ جَسَدًا ﴾ أيْ جُثَّةً وجَمادًا، وقِيلَ: كانَ جَسَدًا بِلا رَأْسٍ.

وهَذا تَعَلُّقٌ بِأنَّ الجَسَدَ في اللُغَةِ ما عَدا الرَأْسَ، وقِيلَ: إنَّ اللهَ جَعَلَ لَهُ لَحْمًا ودَمًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الآثارَ في أنَّ مُوسى بَرَدَهُ بِالمَبارِدِ تُكَذِّبُ ذَلِكَ، والخُوارُ: صَوْتُ البَقَرِ، ويُرْوى أنَّ هَذا العِجْلَ إنَّما خارَ مَرَّةً واحِدَةً، وذَلِكَ بِحِيلَةٍ صِناعِيَّةٍ مِنَ السامِرِيِّ أو بِسِحْرٍ تَرَكَّبَ لَهُ مِن قَبْضِهِ القَبْضَةَ مِن أثَرِ الرَسُولِ، أو بِأنَّ اللهَ أخارَ العِجْلَ لَفَتْنِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَهُ جُوارٌ" بِالجِيمِ وهو الصِياحُ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وشِدَّةُ الصَوْتِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "مِن حُلِيِّهِمْ" بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِ اللامِ، وهو جَمْعُ حَلْيٍ -عَلى مِثالِ ثَدْيِ وثُدِيٍّ- وأصْلُهُ: حُلُوِي، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ فَجاءَ "حُلُيٌّ" فَكُسِرَتِ اللامُ لِتُناسِبَ الياءَ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "مِن حِلِيِّهِمْ" بِكَسْرِ الحاءِ عَلى ما قَدَّمْنا مِنَ التَعْلِيلِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: إلّا أنَّهم كَسَرُوا الحاءَ إتْباعًا لِكَسْرَةِ اللامِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَوّى التَغْيِيرَ الَّذِي دَخَلَ عَلى الجَمْعِ عَلى هَذا التَغْيِيرِ الأخِيرِ، قالَ: ومِمّا يُؤَكِّدُ كَسْرَ الفاءِ في هَذا النَحْوِ مِنَ الجَمْعِ قَوْلُهُمْ: قِسِيٌّ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ هَكَذا يَحْيى بْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ: "مِن حَلْيِهِمْ" بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ اللامِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، وإمّا أنْ يَكُونَ جَمْعَ حِلْيَةٍ كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ.

ومَعْنى الحُلِيِّ: ما يُتَجَمَّلُ بِهِ مِن حِجارَةٍ وذَهَبٍ وفِضَّةٍ.

ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعالى سُوءَ فِطَرِهِمْ وقَرَّرَ فَسادَ اعْتِقادِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ ﴾ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ الصامِتَ الجَمادَ لا يَتَّصِفُ بِالأُلُوهِيَّةِ، والَّذِي لا يُرْشِدُ إلى خَيْرٍ ولا يَكْشِفُ غَمًّا كَذَلِكَ، والضَمِيرُ في "اتَّخَذُوهُ" عائِدٌ عَلى العِجْلِ، وقَوْلُهُ: "وَكانُوا" إخْبارٌ لَنا عن جَمِيعِ أحْوالِهِمْ ماضِيًا وحالًا ومُسْتَقْبَلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الواوُ واوَ حالٍ، وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ سَبَبُ اتِّخاذِ العِجْلِ وبَسْطِ تِلْكَ الحالِ بِما أغْنى عن إعادَتِهِ هاهُنا.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِكَسْرِ القافِ وضَمِّ السِينِ: "سُقِطَ في أيْدِيهِمْ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَقَطَ" بِفَتْحِ السِينِ والقافِ، حَكاهُ الزَجّاجُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أُسْقِطَ" وهي لُغَةٌ حَكاها الطَبَرِيُّ بِالهَمْزَةِ المَضْمُومَةِ وسِينٍ ساكِنَةٍ، والعَرَبُ تَقُولُ لِمَن كانَ ساعِيًا لِوَجْهٍ أو طالِبًا غايَةً ما فَعَرَضَ ما غَلَبَهُ وصَدَّهُ عن وِجْهَتِهِ وأوقَفَهُ مَوْقِفَ العَجْزِ عن بُغْيَتِهِ، وتَيَقَّنَ أنَّهُ قَدْ عَجَزَ: سُقِطَ في يَدِ فُلانٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ لِمَن أقْدَمَ عَلى أمْرٍ وعَجَزَ عنهُ: سُقِطَ في يَدِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والنَدَمُ عِنْدِي عَرَضٌ يُعْرِضُ صاحِبَ هَذِهِ الحالِ، وقَدْ لا يُعَرِّضُهُ لَهُ، فَلَيْسَ النَدَمُ بِأصْلٍ في هَذا، أمّا أنَّ أكْثَرَ أصْحابِ هَذِهِ الحالِ يَصْحَبُهُمُ النَدَمُ، وكَذَلِكَ صَحِبَ بَنِي إسْرائِيلَ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ، والوَجْهُ الَّذِي يَصِلُ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ وبَيْنَ المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ هو أنَّ السَعْيَ أوِ الصَرْفَ أوِ الدِفاعَ سَقَطَ في يَدِ المُشارِ إلَيْهِ فَصارَ في يَدِهِ لا يُجاوِزُها ولا يَكُونُ لَهُ خارِجَها تَأْثِيرٌ.

وقالَ الزَجّاجُ: المَعْنى أنَّ النَدَمَ سَقَطَ في أيادِيهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّ الخُسْرانَ والخَيْبَةَ سَقَطَ في أيْدِيهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذا كُلِّهِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ "سَقَطَ" يَتَعَدّى، فَإنَّ "سَقَطَ" يَتَضَمَّنُ مَفْعُولًا وهو هُنا المَصْدَرُ الَّذِي هو الإسْقاطُ، كَما يُقالُ: ذُهِبَ بِزَيْدٍ، وفي هَذا عِنْدِي نَظَرٌ.

وَأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ: "سَقَطَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أو "أُسْقِطَ" عَلى التَعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ فَبَيِّنٌ في الِاسْتِغْناءِ عَنِ التَعَدِّي، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: "سَقَطَ في يَدَيْهِ" عَلى مَعْنى التَشْبِيهِ بِالأسِيرِ الَّذِي تُكَتَّفُ يَداهُ، فَكَأنَّ صاحِبَ هَذِهِ الحالِ يُسْتَأْسَرُ، ويَقَعُ ظُهُورُ الغَلَبَةِ عَلَيْهِ في يَدِهِ، أو كَأنَّ المُرادَ سَقَطَ بِالغَلَبِ والقَهْرِ في يَدِهِ، وحُدِّثْتُ عن أبِي مَرْوانَ بْنِ سِراجٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: قَوْلُ العَرَبِ "سُقِطَ في يَدِهِ" مِمّا أعْيانِي مَعْناهُ، وقالَ الجُرْجانِيُّ: هَذا مِمّا دُثِرَ اسْتِعْمالُهُ مِثْلَ ما دُثِرَ اسْتِعْمالُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا الكَلامِ ضَعْفٌ، والسِقاطُ في كَلامِ العَرَبِ كَثْرَةُ الخَطَإ والنَدَمُ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ سُوِيدِ بْنِ أبِي كاهِلٍ: كَيْفَ يَرْجُونَ سَقاطِي بَعْدَما ∗∗∗ لَفَّعَ الرَأْسَ مَشِيبٌ وصَلَعْ وقَوْلُ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿ لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ﴾ إنَّما كانَ بَعْدَ رُجُوعِ مُوسى وتَغَيُّرِهِ عَلَيْهِمْ، ورُؤْيَتِهِمْ أنَّهم قَدْ خَرَجُوا عَنِ الدِينِ ووَقَعُوا في الكُفْرِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ بْنُ نَصّاحٍ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُمْ: "قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا" بِالياءِ في "يَرْحَمْنا" وإسْنادِ الفِعْلِ إلى الرَبِّ تَعالى، "وَيَغْفِرْ" بِالياءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والشَعْبِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ، وأيُّوبُ: "تَرْحَمْنا رَبَّنا" بِالتاءِ في "تَرْحَمْنا" ونَصْبِ لَفْظَةِ "رَبَّنا" عَلى جِهَةِ النِداءِ "وَتَغْفِرْ" بِالتاءِ، مِن فَوْقُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ "قالُوا رَبَّنا لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنا وتَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ".

<div class="verse-tafsir"

وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَـٰنَ أَسِفًۭا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِنۢ بَعْدِىٓ ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى ٱلْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى وَكَادُوا۟ يَقْتُلُونَنِى فَلَا تُشْمِتْ بِىَ ٱلْأَعْدَآءَ وَلَا تَجْعَلْنِى مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٥٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكم وألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ يُرِيدُ: رَجَعَ مِنَ المُناجاةِ، ويُرْوى أنَّهُ لَمّا قَرُبَ مِن مَحِلَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ سَمِعَ أصْواتَهم فَقالَ: هَذِهِ أصْواتُ قَوْمٍ لاهِينَ، فَلَمّا تَحَقَّقَ عُكُوفُهم عَلى عِبادَةِ العِجْلِ داخَلَهُ الغَضَبُ والأسَفُ وألْقى الألْواحَ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: أخْبَرَهُ اللهُ تَعالى قَبْلَ رُجُوعِهِ أنَّهم قَدْ فُتِنُوا بِالعِجْلِ فَلِذَلِكَ رَجَعَ وهو غاضِبٌ، والأسَفُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الغَضَبِ الشَدِيدِ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ بِمَعْنى الحُزْنِ، والمَعْنَيانِ مُتَرَتِّبانِ هاهُنا، و"ما" المُتَّصِلَةُ بِـ "بِئْسَ" مَصْدَرِيَّةٌ، هَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ، وفِيها اخْتِلافٌ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ: بِئْسَ خِلافَتُكم لِي مِن بَعْدِي، ويُقالُ: خَلَفَهُ بِخَيْرٍ أو بَشَرٍّ إذا فَعَلَهُ بِمَن تَرَكَ مِن بَعْدِهِ، ويُقالُ: عَجِلَ فُلانٌ الأمْرَ إذا سَبَقَ فِيهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ أعَجِلْتُمْ ﴾ مَعْناهُ: أسابَقْتُمْ قَضاءَ رَبِّكم واسْتَعْجَلْتُمْ إتْيانِي قَبْلَ الوَقْتِ الَّذِي قُدِّرَ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقى الألْواحَ ﴾ الآيَةُ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ سَبَبُ إلْقائِهِ الألْواحَ غَضَبَهُ عَلى قَوْمِهِ في عِبادَتِهِمُ العِجْلَ وغَضَبَهُ عَلى أخِيهِ في إهْمالِ أمْرِهِمْ، وقالَ قَتادَةُ -إنْ صَحَّ عنهُ-: بَلْ كانَ ذَلِكَ لَمّا رَأى فِيها مِن فَضِيلَةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  فَرَغِبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأُمَّتِهِ، فَلَمّا عَلِمَ أنَّهُ لِغَيْرِها غَضِبَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ رَدِيءٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُوصَفَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِهِ، والأوَّلُ هو الصَحِيحُ.

وبِالجُمْلَةِ فَكانَ في خُلُقِ مُوسى ضِيقٌ وذَلِكَ مُسْتَقِرٌّ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ لَوْحانِ وجُمِعَ إذِ التَثْنِيَةُ جَمْعٌ، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ وِقْرَ سَبْعِينَ بَعِيرًا يُقْرَأُ مِنها الجُزْءُ في سَنَةٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ مُفْرِطٌ، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ مُوسى لَمّا ألْقاها تَكَسَّرَتْ فَرُفِعَ أكْثَرُها الَّذِي فِيهِ تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ، وبَقِيَ الَّذِي في نُسْخَتِهِ الهُدى والرَحْمَةُ، وهو الَّذِي أخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ مِن أيِّ شَيْءٍ كانَتِ الألْواحُ، وأخْذُهُ بِرَأْسِ أخِيهِ ولِحْيَتِهِ مِنَ الخُلُقِ المَذْكُورِ، هَذا هو ظاهِرُ اللَفْظِ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِيَسارِهِ فَخَشِيَ هارُونُ أنْ يَتَوَهَّمَ الناظِرُ إلَيْهِما أنَّهُ لِغَضَبٍ فَلِذَلِكَ نَهاهُ ورَغِبَ إلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، والأوَّلُ هو الصَحِيحُ لِقَوْلِهِ: ﴿ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي  ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿ ابْنَ أُمَّ ﴾ اسْتِلْطافٌ بِرَحِمِ الأُمِّ إذْ هو ألْصَقُ القَراباتِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "ابْنَ أُمَّ" بِفَتْحِ المِيمِ، فَقالَ الكُوفِيُّونَ: أصْلُهُ: ابْنَ أُمّاهُ فَحُذِفَتْ تَخْفِيفًا، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هُما اسْمانِ بُنِيا عَلى الفَتْحِ كاسْمٍ واحِدٍ لِخَمْسَةَ عَشَرَ ونَحْوِها، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "ابْنَ أُمِّ" بِكَسْرِ المِيمِ، فَكَأنَّ الأصْلَ: ابْنَ أُمِّي فَحُذِفَتِ الياءُ، إمّا عَلى حَدِّ حَذْفِهِمْ مِن: لا أُبالِ، ولا أدْرِ تَخْفِيفًا، وإمّا كَأنَّهم جَعَلُوا الأوَّلَ والآخَرَ اسْمًا واحِدًا ثُمَّ أضافُوا، كَقَوْلِكَ: يا أحَدَ عَشَرَ أقْبِلُوا، قالَهُ سِيبَوَيْهِ، وهَذا أقْيَسُ مِنَ الحَذْفِ تَخْفِيفًا، ثُمَّ أضافُوا إلى ياءِ المُتَكَلِّمَ، ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ مِن "أُمِّي" عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: يا غُلامِ فَيَحْذِفُها مِنَ المُنادى، ولَوْ لَمْ يُقَدِّرْ جَعْلَ الأوَّلِ والآخَرِ اسْمًا واحِدًا لَما صَحَّ حَذْفُها، لِأنَّ الأُمَّ لَيْسَتْ بِمُناداةٍ.

و"اسْتَضْعَفُونِي" مَعْناهُ: اعْتَقَدُوا أنِّي ضَعِيفٌ، وقَوْلُهُ: "كادُوا" قارَبُوا ولَمْ يَفْعَلُوا.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ المِيمِ ونَصْبِ "الأعْداءَ"، وقَرَأ مُجاهِدٌ -فِيما حَكاهُ أبُو حاتِمٍ -: "فَلا تَشْمَتْ بِيَ" بِفَتْحِ التاءِ مِن فَوْقُ والمِيمِ ورَفْعِ "الأعْداءُ".

حَكاها أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ أيْضًا -فِيما حَكاهُ أبُو الفَتْحِ-: "فَلا تَشْمَتْ بِيَ الأعْداءَ" بِفَتْحِ التاءِ مِن فَوْقُ والمِيمِ ونَصْبِ "الأعْداءَ" هَذا عَلى أنْ يُعَدّى شَمَتَ يَشْمَتُ، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ.

قالَ أبُو الفَتْحِ: فَلا تَشْمَتُ بِي أنْتَ يا رَبُّ، وجازَ هَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ  ﴾ ونَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ عادَ إلى المُرادِ فَأضْمَرَ فِعْلًا نَصَبَ بِهِ "الأعْداءَ"، كَأنَّهُ قالَ: لا تَشْمَتْ بِي الأعْداءُ كَقِراءَةِ الجَماعَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي كَلامِ أبِي الفَتْحِ هَذا تَكَلُّفٌ، وحَكى المَهْدَوِيُّ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ: "تَشْمِتُ" بِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ المِيمِ، و"الأعْداءَ" بِالنَصْبِ، والشَماتَةُ: فَرْحَةُ العَدُوِّ بِمُصابِ عَدُوِّهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ يُرِيدُ عَبَدَةَ العِجْلِ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١٥١ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُفْتَرِينَ ١٥٢ وَٱلَّذِينَ عَمِلُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِهَا وَءَامَنُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ١٥٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الراحِمِينَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُنْيا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ عَمِلُوا السَيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ اسْتَغْفَرَ مُوسى مِن فِعْلِهِ مَعَ أخِيهِ، ومِن عَجَلَتِهِ في إلْقاءِ الألْواحِ، واسْتَغْفَرَ لِأخِيهِ مِن فِعْلِهِ في الصَبْرِ لِبَنِي إسْرائِيلَ، ويُمْكِنُ أنَّ الِاسْتِغْفارَ كانَ لِغَيْرِ هَذا مِمّا لا نَعْلَمُهُ، واللهُ أعْلَمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ ﴾ الآيَةُ، مُخاطَبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَيَنالُهُمْ ﴾ ، ووَقَعَ ذَلِكَ النَيْلُ في عَهْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والغَضَبُ والذِلَّةُ هو أمْرُهم بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ، هَذا هو الظاهِرُ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الذِلَّةُ: الجِزْيَةُ، ووَجْهُ هَذا القَوْلِ أنَّ الغَضَبَ والذِلَّةَ بَقِيَتْ في عَقِبِ هَؤُلاءِ المَقْصُودِينَ بِها أوَّلًا، وكَأنَّ المُرادَ: سَيَنالُ أعْقابَهم.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الإشارَةُ في قَوْلِهِ: "الَّذِينَ" إلى مَن ماتَ مِن عَبَدَةِ العِجْلِ قَبْلَ التَوْبَةِ بِقَتْلِ النَفْسِ، وإلى مَن فَرَّ فَلَمْ يَكُنْ حاضِرًا وقْتَ القَتْلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والغَضَبُ -عَلى هَذا- والذِلَّةُ هو عَذابُ الآخِرَةِ، والغَضَبُ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ إنْ أُخِذَ بِمَعْنى الإرادَةِ فَهو صِفَةُ ذاتٍ، وإنْ أُخِذَ بِمَعْنى العُقُوبَةِ وإحْلالِ النِقْمَةِ فَهو صِفَةُ فِعْلٍ، وَقَوْلُهُ: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ ﴾ المُرادُ أوَّلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى اللهِ في عِبادَةِ العِجْلِ، وتَكُونُ قُوَّةُ اللَفْظِ تَعُمُّ كُلَّ مُفْتَرٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَدْ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وأبُو قُلابَةَ وغَيْرُهُما: كُلُّ صاحِبِ بِدْعَةٍ أو فِرْيَةٍ ذَلِيلٌ، واسْتَدَلُّوا بِالآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ عَمِلُوا السَيِّئاتِ ﴾ الآيَةُ، تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ الوَعْدَ بِأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَغْفِرُ لِلتّائِبِينَ، والإشارَةُ إلى مَن تابَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وفي الآيَةِ تَرْتِيبُ الإيمانِ بَعْدَ التَوْبَةِ، والمَعْنى في ذَلِكَ أنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ: "وَآمَنُوا" أنَّ التَوْبَةَ نافِعَةٌ لَهم مُنْجِيَةٌ فَتَمَسَّكُوا بِها، فَهَذا إيمانٌ خاصٌّ بَعْدَ الإيمانِ عَلى الإطْلاقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: "وَآمَنُوا" أيْ وعَمِلُوا عَمَلَ المُؤْمِنِينَ حَتّى وافَوْا عَلى ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ التَأْكِيدَ فَذَكَرَ التَوْبَةَ والإيمانَ إذْ هُما مُتَلازِمانِ، إلّا أنَّ التَوْبَةَ -عَلى هَذا- تَكُونُ مِن كُفْرٍ ولا بُدَّ فَيَجِيءُ "تابُوا - وآمَنُوا" بِمَعْنًى واحِدٍ، وهَذا لا يَتَرَتَّبُ في تَوْبَةِ المَعاصِي، فَإنَّ الإيمانَ مُتَقَدِّمٌ لِتِلْكَ ولا بُدَّ، وهو وتَوْبَةُ الكُفْرِ مُتَلازِمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ رَبَّكَ ﴾ إيجابٌ ووَعْدٌ مُرَجٍّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: "تابُوا - وآمَنُوا" أنْ يَكُونَ لَمْ تُقْصَدْ رُتْبَةُ الفِعْلَيْنِ عَلى عُرْفِ الواوِ في أنَّها لا تُوجِبُ رُتْبَةً، ويَكُونُ "وَآمَنُوا" بِمَعْنى: وهم مُؤْمِنُونَ قَبْلُ وبَعْدُ، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِن صِفَتِهِمْ أنْ آمَنُوا.

<div class="verse-tafsir"

وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ أَخَذَ ٱلْأَلْوَاحَ ۖ وَفِى نُسْخَتِهَا هُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ١٥٤ وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُۥ سَبْعِينَ رَجُلًۭا لِّمِيقَـٰتِنَا ۖ فَلَمَّآ أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّـٰىَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ ۖ إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ ۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَـٰفِرِينَ ١٥٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَمّا سَكَتَ عن مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ ﴿ واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقاتِنا فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُفَهاءُ مِنّا إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مِن تَشاءُ وتَهْدِي مِن تَشاءُ أنْتَ ولِيُّنا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ ﴾ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا سَكَنَ غَضَبُهُ أخَذَ الألْواحَ الَّتِي كانَ ألْقى، وقَدْ تَقَدَّمَ ما رُوِيَ أنَّهُ رُفِعَ أكْثَرُها أو ذَهَبَ في التَكَسُّرِ، وقَوْلُهُ: ﴿ سَكَتَ ﴾ لَفْظَةٌ مُسْتَعارَةٌ، شَبَّهَ خُمُودَ الغَضَبِ بِانْقِطاعِ كَلامِ المُتَكَلِّمِ وهو سُكُوتُهُ، قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: تَقُولُ العَرَبُ: "سالَ الوادِي يَوْمَيْنِ ثُمَّ سَكَتَ"، وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: مَصْدَرُ قَوْلِكَ: "سَكَتَ الغَضَبُ": سَكْتٌ، ومَصْدَرُ قَوْلِكَ: "سَكَتَ الرَجُلُ": سُكُوتٌ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ فِعْلٌ عَلى حِدَةٍ ولَيْسَ مِن سُكُوتِ الناسِ، وقِيلَ: إنَّ في المَعْنى قَلْبًا، والمُرادُ: ولَمّا سَكَتَ مُوسى عَنِ الغَضَبِ، فَهو مِن بابِ: أدْخَلْتُ فَمِي في الحَجَرِ، وأدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، وفي هَذا أيْضًا اسْتِعارَةٌ، إذِ الغَضَبُ لَيْسَ يَتَكَلَّمُ فَيُوصَفُ بِالسُكُوتِ، وقَرَأ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ: "وَلَمّا سَكَنَ"، وفي مُصْحَفِ حَفْصَةَ: "وَلَمّا سَكَتَ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَمّا صَبَرَ عن مُوسى الغَضَبُ"، قالَ النَقّاشُ: وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "وَلَمّا اشْتُقَّ عن مُوسى الغَضَبُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي نُسْخَتِها ﴾ مَعْناهُ: وفِيما يُنْسَخُ مِنها ويُقْرَأُ، واللامُ في قَوْلِهِ: "لِرَبِّهِمْ" يُحْتَمَلُ وُجُوهًا، مَذْهَبُ المُبَرِّدِ أنَّها تَتَعَلَّقُ بِمَصْدَرٍ كَأنَّهُ قالَ: الَّذِينَ رَهْبُتُهم لِرَبِّهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ المَفْعُولُ ضَعُفَ الفِعْلُ فَقَوِيَ عَلى التَعَدِّي بِاللامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: هم لِأجْلِ طاعَةِ رَبِّهِمْ وخَوْفِ رَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ العِقابَ والوَعِيدَ ونَحْوَ هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ ﴾ الآيَةُ، مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ اخْتارَ مِن قَوْمِهِ هَذِهِ العُدَّةَ لِيَذْهَبَ بِهِمْ إلى مَوْضِعِ عِبادَةٍ وابْتِهالٍ ودُعاءٍ لِيَكُونَ مِنهُ ومِنهُمُ اعْتِذارٌ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ مِن خَطَإ بَنِي إسْرائِيلَ في عِبادَةِ العِجْلِ وطَلَبٍ لِكَمالِ العَفْوِ عَمَّنْ بَقِيَ مِنهم.

ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ اخْتِيارَهم كانَ بِسَبَبِ قَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ مُوسى قَتَلَ هارُونَ حِينَ ذَهَبَ مَعَهُ ولَمْ يَرْجِعْ، فاخْتارَ هَؤُلاءِ لِيَذْهَبُوا فَيُكَلِّمُهم هارُونُ بِأنَّهُ ماتَ بِأجَلِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمِيقاتِنا ﴾ يُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ ويُنافِرُ هَذا القَوْلَ، لِأنَّها تَقْتَضِي أنَّ ذَلِكَ كانَ عن تَوْقِيتٍ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وعِدَةٍ في الوَقْتِ والمَوْضِعِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: "واخْتارَ مُوسى مِن قَوْمِهِ"، فَلَمّا انْحَذَفَ الخافِضُ تَعَدّى الفِعْلُ فَنَصَبَ، وهَذا كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في سَبَبِ الرَجْفَةِ الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ، فَقِيلَ: كانَتْ عُقُوبَةً لَهم عَلى سُكُوتِهِمْ وإغْضائِهِمْ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، وقِيلَ: كانَتْ عَلى عِبادَتِهِمُ العِجْلَ بِأنْفُسِهِمْ وخَفِيَ ذَلِكَ عن مُوسى في وقْتِ الِاخْتِيارِ حَتّى أعْلَمَهُ اللهُ، قالَهُ السُدِّيُّ.

وقِيلَ: كانَتْ عُقُوبَةً لَهم لِأنَّهم لَمّا دَنَوْا وعَلِمُوا أنَّ مُوسى يَسْمَعُ كَلامَ اللهِ قالُوا لَهُ: "أرِنا رَبَّكَ" فَأخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ، وقِيلَ: كانَتْ عُقُوبَةً لِتَشَطُّطِهِمْ في الدُعاءِ بِأنْ قالُوا: اللهُمَّ أعْطِنا ما لَمْ تُعْطِهِ أحَدًا قَبْلَنا ولا تُعْطِيهِ أحَدًا بَعْدَنا، فَأخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ، وقِيلَ: إنَّما أخَذَتْهم لَمّا سَمِعُوا كَلامَ هارُونَ وهو مَيِّتٌ، وذَلِكَ أنَّ مُوسى وهارُونَ ذَهَبا إلى التَعَبُّدِ أو نَحْوِهِ فَماتَ هارُونُ فَدَفَنَهُ مُوسى وجاءَ، فَقالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: أيْنَ هارُونُ؟

فَقالَ: ماتَ، فَقالُوا بَلْ أنْتَ قَتَلْتَهُ لِأنَّكَ حَسَدْتَنا عَلى حُسْنِ خُلُقِهِ وعِشْرَتِهِ، فاخْتارَ السَبْعِينَ لِيَمْضُوا مَعَهُ حَتّى يَرَوْا بُرْهانَ ما قالَ لَهُمْ، فَلَمّا وصَلُوا قالَ لَهُ مُوسى: يا هارُونُ أقُتِلْتَ أمْ مُتَّ؟

فَناداهُ مِنَ القَبْرِ: بَلْ مُتُّ، فَأخَذَتِ القَوْمَ الرَجْفَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ أنَّهم ماتُوا في رَجْفَتِهِمْ هَذِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ كانَتْ كالإغْماءِ ونَحْوِهِ، والرَجْفَةُ: الِاهْتِزازُ والتَقَلْقُلُ لِلْهَوْلِ العَظِيمِ، فَلَمّا رَأى مُوسى ذَلِكَ أسِفَ عَلَيْهِمْ، وعَلِمَ أنَّ أمْرَ بَنِي إسْرائِيلَ سَيَتَشَعَّبُ عَلَيْهِ إذا لَمْ يَأْتِ بِالقَوْمِ، فَجَعَلَ يَسْتَعْطِفُ رَبَّهُ، أيْ رَبِّ لَوْ أهْلَكْتَهم قَبْلَ هَذِهِ الحالِ وإيّايَ لَكانَ أحَقَّ عَلَيَّ، وهَذا وقْتٌ هَلاكُهم فِيهِ مُفْسِدٌ عَلَيَّ مُؤْذٍ لِي.

ثُمَّ اسْتَفْهَمَ عَلى جِهَةِ الرَغْبَةِ والتَضَرُّعِ والتَذَلُّلِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ ﴾ أنْ يُرِيدَ وقْتَ إغْضائِهِمْ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، أيْ: وقْتَ عِبادَتِهِمْ -عَلى القَوْلِ بِذَلِكَ-، وفي نَفْسِهِ هو وقْتُ قَتْلِهِ القِبْطِيَّ، أيْ: فَأنْتَ قَدْ سَتَرْتَ وعَفَوْتَ حِينَئِذٍ، فَكَيْفَ الآنُ إذْ رُجُوعِي دُونَهم فَسادٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَمَنحى الكَلامِ -عَلى هَذا- مَحْضُ اسْتِعْطافٍ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ مَنَحاهُ الإدْلاءُ بِالحُجَّةِ في صِيغَةِ اسْتِعْطافٍ، وإذا قُلْنا: إنَّ سَبَبَ الرَجْفَةِ كانَ عِبادَةَ العِجْلِ كانَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "أتُهْلِكُنا" لَهُ ولِلسَّبْعِينَ، و"السُفَهاءُ" إشارَةٌ إلى العَبَدَةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وكَذَلِكَ إذا كانَ سَبَبُها قَوْلَ بَنِي إسْرائِيلَ لَهُ: قَتَلْتَ هارُونَ، وإذا كانَ سَبَبُ الرَجْفَةِ طَلَبَهُمُ الرُؤْيَةَ وتَشَطُّطَهم في الدُعاءِ أو عِبادَتَهم بِأنْفُسِهِمُ العِجْلَ فالضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "أتُهْلِكُنا" يُرِيدُ بِهِ نَفْسَهُ وبَنِي إسْرائِيلَ، أيْ: بِالتَفَرُّقِ والكُفْرِ والعِصْيانِ يَكُونُ هَلاكُهُمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "السُفَهاءُ" إشارَةً إلى السَبْعِينَ، ورُوِيَ أنَّ السَبْعِينَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَن زادَ عَلى الأرْبَعِينَ ولا مَن قَصَّرَ عَنِ العِشْرِينَ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهم أُحْيُوا وجُعِلُوا أنْبِياءَ كُلَّهم.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا أعْلَمَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ السَبْعِينَ عَبَدُوا العِجْلَ تَعَجَّبَ وقالَ: ﴿ إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ ﴾ أيِ: الأُمُورُ بِيَدِكَ تَفْعَلُ ما تُرِيدُ، وقِيلَ: إنَّ اللهَ تَعالى لَمّا أعْلَمَ مُوسى بِعِبادَةِ بَنِي إسْرائِيلَ العِجْلَ وبِصِفَتِهِ قالَ مُوسى: أيْ رَبِّ ومَن أخارَهُ؟

قالَ: أنا، قالَ مُوسى: فَأنْتَ أضْلَلْتَهُمْ، إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ بِـ"هِيَ" إلى قَوْلِهِمْ: "أرِنا اللهَ" إذْ كانَتْ فِتْنَةً مِنَ اللهِ أوجَبَتِ الرَجْفَةَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ، واغْفِرْ مَعْناهُ: اسْتُرْ.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَٱكْتُبْ لَنَا فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِىٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنْ أَشَآءُ ۖ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍۢ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَـٰتِنَا يُؤْمِنُونَ ١٥٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ إنّا هُدْنا إلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ ﴾ "واكْتُبْ" مَعْناهُ: أثْبِتْ واقْضِ، والكَتْبُ مُسْتَعْمَلٌ في ما يَخْلُدُ، و"حَسَنَةً" لَفْظٌّ عامٌّ في كُلِّ ما يَحْسُنُ في الدُنْيا مِن عافِيَةٍ وغِنًى وطاعَةٍ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى وغَيْرِ ذَلِكَ، وحَسَنَةُ الآخِرَةِ الجَنَّةُ لا حَسَنَةَ دُونَها ولا مَرْمى وراءَها، و"هُدْنا" بِضَمِّ الهاءِ مَعْناهُ: تُبْنا، وقَرَأ أبُو وجْزَةَ "هِدْنا" بِكَسْرِ الهاءِ، ومَعْناهُ: حَرَّكْنا أنْفُسَنا وجَذَبْناها لِطاعَتِكَ، وهو مَأْخُوذٌ مَن هادَ يَهِيدُ إذا حَرَّكَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ﴾ الآيَةُ، قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: إنَّ الرَجْفَةَ الَّتِي أُنْزِلَتْ بِالقَوْمِ هي عَذابِي أُصِيبَ بِهِ مَن شِئْتُ، ثُمَّ أخْبَرَ عن رَحْمَتِهِ، ويُحْتَمَلُ -وَهُوَ الأظْهَرُ- أنَّ الكَلامَ قُصِدَ بِهِ الخَبَرُ عن عَذابِهِ وعن رَحْمَتِهِ مِن أوَّلِ ما ابْتَدَأ، ويَنْدَرِجُ أمْرُ أصْحابِ الرَجْفَةِ في عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ﴾ .

وقَرَأ الحَسَنُ، وطاوُسُ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "مَن أساءَ" مِنَ الإساءَةِ، أيْ مَن عَمِلَ غَيْرَ صالِحٍ، ولِلْمُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ القِراءَةِ تَعَلُّقٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما إنْفاذُ الوَعِيدِ، والآخَرُ خَلْقُ المَرْءِ أفْعالَهُ، وأنَّ "أساءَ" لا فِعْلَ لِلَّهِ فِيهِ، وهَذانَ التَعَلُّقانِ فِيهِما احْتِمالٌ يَنْفَصِلُ عنهُ كَما يَنْفَصِلُ عن سائِرِ الظَواهِرِ، إلّا أنَّ القَرَأةَ أطْنَبُوا في التَحَفُّظِ مِن هَذِهِ القِراءَةِ، وقالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: لا تَصِحُّ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الحَسَنِ وطاوُسٍ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ رَجُلُ سُوءٍ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّ سُفْيانَ بْنَ عُيَيْنَةَ قَرَأها مَرَّةً واسْتَحْسَنَها فَقامَ إلَيْهِ عَبْدُ الرَحْمَنِ المُقْبِرِيُّ وصاحَ بِهِ وأسْمَعَهُ، فَقالَ سُفْيانُ: لَمْ أدْرِ ولَمْ أفْطِنْ لِما يَقُولُ أهْلُ البِدَعِ، وهَذا إفْراطٌ مِنَ المُقَرَّبِينَ، وحَمَلَهم عَلى ذَلِكَ شُحُّهم عَلى الدِينِ وظَنُّهم أنَّ الِانْفِصالَ عن تَعَلُّقِ المُعْتَزِلَةِ مُتَعَذِّرٌ.

ثُمَّ وصَفَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى رَحْمَتَهُ بِأنَّها وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو عُمُومٌ في الرَحْمَةِ وخُصُوصٌ في قَوْلِهِ: ﴿ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ ، والمُرادُ مَن قَدْ سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ أنْ يَرْحَمَهُ دُونَ مَن سِواهُمْ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو عُمُومٌ في رَحْمَةِ الدُنْيا لِأنَّ الكافِرَ والمُؤْمِنَ والحَيَوانَ كُلُّهُ مُتَقَلِّبٌ في رَحْمَةِ اللهِ الدُنْيَوِيَّةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ تَعالى: "وَرَحْمَتِي" يُرادُ بِهِ التَوْبَةُ، وهي خاصَّةٌ -عَلى هَذا- في الرَحْمَةِ وفي الأشْياءِ لِأنَّ المُرادَ مَن قَدْ تَقَعُ مِنهُ التَوْبَةُ، وقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: إنَّ إبْلِيسَ لَمّا سَمِعَ قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ طَمِعَ في رَحْمَةِ اللهِ، فَلَمّا سَمِعَ ﴿ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَكاةَ ﴾ يَئِسَ إبْلِيسُ وبَقِيَتِ اليَهُودُ والنَصارى، فَلَمّا تَمادَتِ الصِفَةُ تَبَيَّنَ أنَّ المُرادَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ  ويَئِسَ اليَهُودُ والنَصارى مِنَ الآيَةِ، وقالَ نَحْوَهُ قَتادَةُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَأكْتُبُها ﴾ أيْ أُقَدِّرُها وأقْضِيها، وقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قالَ: يا رَبِّ جَعَلْتُ وِفادَتِي لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، وقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: فاحْمَدُوا اللهَ الَّذِي جَعَلَ وِفادَةَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكُمْ، وقَوْلُهُ: "يَتَّقُونَ" -فِي هَذِهِ الآيَةِ- قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: يَتَّقُونَ الشِرْكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَتَّقُونَ المَعاصِيَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَن قالَ: "الشِرْكُ لا غَيْرُ" خَرَجَ إلى قَوْلِ المُرْجِئَةِ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ مِنَ الآيَةِ شَرْطُ الأعْمالِ بِقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَيُؤْتُونَ الزَكاةَ ﴾ ، ومَن قالَ: "المَعاصِي ولا بُدَّ" خَرَجَ إلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، والصَوابُ بِأنْ تَكُونَ اللَفْظَةُ عامَّةً ولَكِنْ لَيْسَ بِأنْ نَقُولَ: "وَلا بُدَّ مِنِ اتِّقاءِ المَعاصِي"، بَلْ بِأنْ نَقُولَ: "مَعَ أنَّ مَواقِعَ المَعاصِي في مَشِيئَةِ اللهِ تَعالى"، ومَعْنى: "يَتَّقُونَ" يَجْعَلُونَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُتَّقى وِقايَةً وحِجابًا، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى الرُتْبَةَ العالِيَةَ لِيَتَسابَقَ السامِعُونَ إلَيْها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُؤْتُونَ الزَكاةَ ﴾ الظاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَيُؤْتُونَ ﴾ أنَّها الزَكاةُ المُخْتَصَّةُ بِالمالِ، وخَصَّها هُنا بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لَها، وجَعْلَها مِثالًا لِجَمِيعِ الطاعاتِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيما رُوِيَ عنهُ: ويُؤْتُونَ الأعْمالَ الَّتِي يُزَكُّونَ بِها أنْفُسَهم.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلْأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَىٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلْأَغْلَـٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلنُّورَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ١٥٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَسُولَ النَبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَوْراةِ والإنْجِيلِ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ ويَضَعُ عنهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمُ فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ هَذِهِ الألْفاظُ أخْرَجَتِ اليَهُودَ والنَصارى مِنَ الِاشْتِراكِ الَّذِي يَظْهَرُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ  ﴾ ، وخَلَصَتْ هَذِهِ العِدَةُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  .

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وغَيْرُهُما.

و"يَتَّبِعُونَ" مَعْناهُ: في شَرْعِهِ ودِينِهِ، و"الرَسُولَ" و"النَبِيَّ" اسْمانِ لِمَعْنَيَيْنِ، فَإنَّ الرَسُولَ أخَصُّ مِنَ النَبِيِّ، هَذا في الآدَمِيِّينَ لِاشْتِراكِ المُلْكِ في لَفْظَةِ الرَسُولِ.

والنَبِيُّ مَأْخُوذٌ مِنَ النَبَإ، وقِيلَ: لَمّا كانَ طَرِيقًا إلى رَحْمَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وسَبَبًا شُبِّهَ بِالنَبِيِّ الَّذِي هو الطَرِيقُ، وأنْشَدُوا: لَأصْبَحَ رَتْمًا دُقاقَ الحَصى ∗∗∗ مَكانَ النَبِيِّ مِنَ الكاثِبِ وأصْلُهُ الهَمْزُ ولَكِنَّهُ خُفِّفَ، كَذا قالَهُ سِيبَوَيْهِ، وذَلِكَ كَتَخْفِيفِهِمْ خابِيَةً وهي مَن خَبَّأ، واسْتُعْمِلَ تَخْفِيفُهُ حَتّى قَدْ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: "لا تَنْبِرُوا اسْمِي"،» وقُدِّمَ الرَسُولُ اهْتِمامًا بِمَعْنى الرِسالَةِ عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ، وإلّا فَمَعْنى النُبُوَّةِ هو المُتَقَدِّمُ، وكَذَلِكَ «رَدَّ رَسُولُ اللهِ  عَلى البَراءِ بْنِ عازِبٍ حِينَ قالَ: "آمَنتُ بِكِتابِكَ الَّذِي أنْزَلْتَ، وبِرَسُولِكَ الَّذِي أرْسَلْتَ"، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ  : "وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أرْسَلْتَ"» لِيَتَرَتَّبَ الكَلامُ كَما تَرَتَّبَ الأمْرُ في نَفْسِهِ، لِأنَّهُ نُبِّئَ ثُمَّ أُرْسِلَ، وأيْضًا في العِبارَةِ المَرْدُودَةِ تَكْرارُ الرِسالَةِ وهو مَعْنًى واحِدٌ.

و"الأُمِّيُّ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ، قِيلَ: نَسَبٌ إلى أُمِّ القُرى وهي مَكَّةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واللَفْظَةُ -عَلى هَذا- مُخْتَصَّةٌ بِالنَبِيِّ  وغَيْرُ مُضَمَّنَةٍ مَعْنى عَدَمِ الكِتابَةِ، وقِيلَ: هو مَنسُوبٌ -لِعَدَمِ الكِتابَةِ والحِسابِ- إلى الأُمِّ، أيْ: هو عَلى حالِ الصُدُورِ عَنِ الأُمِّ في عَدَمِ الكِتابَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَنسُوبٌ إلى الأُمَّةِ، وهَذا أيْضًا مُضَمَّنٌ عَدَمَ الكِتابَةِ لِأنَّ الأُمَّةَ بِجُمْلَتِها غَيْرُ كاتِبَةٍ حَتّى تَحْدُثَ فِيها الكِتابَةُ كَسائِرِ الصَنائِعِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ فِيما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ: "الأمِّيُّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهو مَنسُوبٌ إلى الأمِّ وهو القَصْدُ، أيْ لِأنَّ هَذا النَبِيَّ مَقْصِدُ لِلنّاسِ ومَوْضِعُ أمٍّ يَؤُمُّونَهُ بِأفْعالِهِمْ وتَشَرُّعِهِمْ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ أنْ يُرِيدَ الأُمِّيَّ فَغُيِّرَ تَغْيِيرَ النِسَبِ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "يَجِدُونَهُ" لِبَنِي إسْرائِيلَ، والهاءُ مِنهُ لِمُحَمَّدٍ  ، والمُرادُ صِفَتُهُ ونَعْتُهُ.

ورُوِيَ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ قالَ لِمُوسى: قُلْ لِبَنِي إسْرائِيلَ: أجْعَلُ لَكُمُ الأرْضَ مَسْجِدًا وطَهُورًا، وأجْعَلُ السَكِينَةَ مَعَكم في بُيُوتِكُمْ، وأجْعَلُكم تَقْرَؤُونَ التَوْراةَ عن ظَهْرِ قُلُوبِكُمْ، فَأخْبَرَ مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ فَقالُوا: إنَّما نُرِيدُ أنْ نُصَلِّيَ في الكَنائِسِ، وأنْ تَكُونَ السَكِينَةُ كَما كانَتْ في التابُوتِ، وأنْ لا نَقْرَأ التَوْراةَ إلّا نَظَرًا، فَقِيلَ لَهُمْ: فَنَكْتُبُها لِلَّذِينِ يَتَّقُونَ يَعْنِي أُمَّةَ مُحَمَّدٍ  .

ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ أنَّ في التَوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ  : « "يا أيُّها النَبِيُّ، إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا وحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أنْتَ عَبْدِي ورَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ ولا صَخّابٍ في الأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَيِّئَةِ السَيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ، ولَنْ أقْبِضَهُ حَتّى أُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجاءَ بِأنْ يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللهُ، فَنُقِيمُ بِهِ قُلُوبًا غُلْفًا، وآذانًا صُمًّا، وأعْيُنًا عُمْيًا"».

وفي البُخارِيِّ: « "فَنَفْتَحُ بِهِ عُيُونًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقُلُوبًا غُلْفًا"».

ونَصُّ كَعْبِ الأحْبارِ نَحْوُ هَذِهِ الألْفاظِ إلّا أنَّهُ قالَ: "قُلُوبًا غُلْفًا، وآذانًا صُمُومًا"، قالَ الطَبَرِيُّ: وهي لُغَةٌ حِمْيَرِيَّةٌ، وقَدْ رُوِيَتْ "غُلُوفِيا وصُمُومِيا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأظُنُّ هَذا وهْمًا وعُجْمَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ ابْتِداءً وصْفَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى النَبِيَّ  ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَهُ مُتَعَلِّقًا بِـ "يَجِدُونَهُ" في مَوْضِعِ الحالِ عَلى تَجَوُّزٍ، أيْ: يَجِدُونَهُ في التَوْراةِ آمِرًا بِشَرْطِ وُجُودِهِ، فالمَعْنى الأوَّلُ لا يَقْتَضِي أنَّهم عَلِمُوا مِنَ التَوْراةِ أنَّهُ يَأْمُرُهم ويَنْهاهم ويُحِلُّ ويُحَرِّمُ، والمَعْنى الثانِي يَقْتَضِي ذَلِكَ، فالمَعْنى الثانِي -عَلى هَذا- ذَمٌّ لَهُمْ، ونَحا إلى هَذا أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في "الأغْفالِ": "يَأْمُرُهُمْ" عِنْدِي تَفْسِيرٌ لِما كُتِبَ مِن ذِكْرِهِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ  ﴾ تَفْسِيرٌ لِلْمَثَلِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "يَجِدُونَهُ" لِأنَّ الضَمِيرَ لِلذِّكْرِ والِاسْمِ، والذِكْرُ والِاسْمُ لا يَأْمُرانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما قَدَّمْتُهُ مِنَ التَجَوُّزِ وشَرْطِ الوُجُودِ يَقْرُبُ مِمّا مَنَعَ مِنهُ أبُو عَلِيٍّ، وانْظُرْ، و"بِالمَعْرُوفِ" ما عَرَفَ الشَرْعُ، وكُلُّ مَعْرُوفٍ مِن جِهَةِ المُرُوءَةِ فَهو مَعْرُوفٌ بِالشَرْعِ، فَقَدْ قالَ  : « "بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَحاسِنَ الأخْلاقِ"،» و"المُنْكَرُ" مُقابِلُهُ.

و"الطَيِّباتُ" قالَ فِيها بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّها إشارَةٌ إلى البَحِيرَةِ ونَحْوِها، ومَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ أنَّها المُحَلَّلاتُ، فَكَأنَّهُ وصَفَها بِالطَيِّبِ إذْ هي لَفْظَةٌ تَتَضَمَّنُ مَدْحًا وتَشْرِيفًا، وبِحَسْبِ هَذا يَقُولُ في "الخَبائِثِ" إنَّها المُحَرَّماتُ، وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الخَبائِثُ: هي لَحْمُ الخِنْزِيرِ والرِبا وغَيْرُهُ، وعَلى هَذا حَلَّلَ مالِكٌ المُتَقَذَّراتِ كالحَيّاتِ والخَنافِسِ والعَقارِبِ ونَحْوِها، ومَذْهَبُ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ أنَّ الطَيِّباتِ هي مِن جِهَةِ الطَعْمِ إلّا أنَّ اللَفْظَةُ عِنْدَهُ لَيْسَتْ عَلى عُمُومِها لِأنَّ عُمُومَها بِهَذا الوَجْهِ مِنَ الطَعْمِ يَقْتَضِي تَحْلِيلَ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ، بَلْ يَراها مُخْتَصَّةً فِيما حَلَّلَهُ الشَرْعُ، ويَرى الخَبائِثَ لَفْظًا عامًّا في المُحَرَّماتِ بِالشَرْعِ وفي المُتَقَذَّراتِ فَيُحَرِّمُ العَقارِبَ والخَنافِسَ والوَزْغَ وما جَرى هَذا المَجْرى، والناسُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ إلّا أنَّ في تَعْيِينِ الخَبائِثِ اخْتِلافًا لَيْسَ هَذا مَوْضِعَ تَقَصِّيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَضَعُ عنهم إصْرَهُمْ ﴾ الآيَةُ، "يَضَعُ" كانَ قِياسُهُ أنْ يَكُونَ "يَضَعُ" بِكَسْرِ الضادِ لَكِنْ رَدَّهُ حَرْفُ الحَلْقِ إلى فَتْحِ الضادِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو "يَضَعْ عَّنْهُمُ" العَيْنَ في العَيْنِ.

وأشَمَّها الرَفْعَ وأشْبَعَها أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "وَيُذْهِبُ عنهم إصْرَهُمْ"، والإصْرُ: الثِقْلُ، وبِهِ فَسَّرَ هُنا- قَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والإصْرُ أيْضًا: العَهْدُ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، والحَسَنُ، وغَيْرُهم.

وقَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ المَعْنَيَيْنِ، فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ كانَ أُخِذَ عَلَيْهِمْ عَهْدٌ أنْ يَقُومُوا بِأعْمالٍ ثِقالٍ فَوُضِعَ عنهم بِمُحَمَّدٍ  ذَلِكَ العَهْدُ وثِقَلُ تِلْكَ الأعْمالِ.

وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: الإصْرُ: شِدَّةُ العِبادَةِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والناسُ: "إصْرَهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ، وأيُّوبُ السِخْتِيانِيُّ، ويَعْلى بْنُ حَكِيمٍ، وأبُو سِراجٍ الهُذَلِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ: "آصارَهُمْ" بِالجَمْعِ، لَمّا كانَتِ الأعْمالُ كَثِيرَةً كانَتْ أثْقالُها مُتَغايِرَةً، ومَن وحَّدَ الإصْرَ فَإنَّما فَهو مُفْرَدُ اسْمِ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، قالَ أبُو حاتِمٍ: في كِتابِ بَعْضِ العُلَماءِ: "أُصُرَهُمْ" واحِدُ مَفْتُوحِ الهَمْزَةِ عن نافِعٍ، وعِيسى، والزَيّاتِ، وذَلِكَ غَلَطٌ.

وذَكَرَ ها مَكِّيٌّ عن أبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ وقالَ: هي لُغَةٌ.

﴿ والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ عِبارَةٌ مُسْتَعارَةٌ أيْضًا لِتِلْكَ الأثْقالِ، كَقَطْعِ الجِلْدِ مِن أثَرِ البَوْلِ، وأنْ لا دِيَةَ، ولا بُدَّ مِن قَتْلٍ لِلْقاتِلِ، وتَرْكِ الأشْغالِ يَوْمَ السَبْتِ، فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَأى يَوْمَ السَبْتِ رَجُلًا يَحْمِلُ قَصَبًا فَضَرَبَ عُنُقَهُ، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِكَ: "طَوْقُ فُلانٍ كَذا" إذا ألْزَمَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: اذْهَبْ بِها اذْهَبْ بِها ∗∗∗ ∗∗∗ طُوِّقْتَها طَوْقَ الحَمامَهْ أيْ: لَزِمَكَ عارُها.

وَمِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الهُذَلِيِّ: فَلَيْسَ كَعَهْدِ الدارِ يا أمَّ مالِكٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ولَكِنْ أحاطَتْ بِالرِقابِ السَلاسِلُ وعادَ الفَتى كالكَهْلِ لَيْسَ بِقائِلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ سِوى الحَقِّ شَيْئًا فاسْتَراحَ العَواذِلُ يُرِيدُ أوامِرَ الإسْلامِ ولَوازِمَ الإيمانِ الَّذِي قَيَّدَ الفَتْكَ كَما قالَ  .

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّما المُرادُ هُنا بِالأغْلالِ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في اليَهُودِ ﴿ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ  ﴾ ، فَمَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ  زالَتْ عنهُ الدَعْوَةُ وتَغْلِيلُها.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن حالِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ ﴾ ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وسُلَيْمانُ التَيْمِيُّ، وقَتادَةُ، وعِيسى: "عَزَّرُوهُ" بِالتَخْفِيفِ، وجُمْهُورُ الناسِ عَلى التَشْدِيدِ في الزايِ، ومَعْناهُ في القِراءَتَيْنِ وقَّرُوهُ.

والتَعْزِيرُ والنَصْرُ مُشاهَدَةٌ خاصَّةٌ لِلصَّحابَةِ، واتِّباعُ النُورِ يَشْتَرِكُ فِيهِ مَعَهُمُ المُؤْمِنُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

والنُورُ كِنايَةٌ عن جُمْلَةِ الشَرْعِ، وقَوْلُهُ: "مَعَهُ" فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، والتَقْدِيرُ: مَعَ بَعْثِهِ أو نُبُوَّتِهِ أو نَحْوِ هَذا، وشُبِّهَ الشَرْعُ والهُدى بِالنُورِ إذِ القُلُوبُ تَسْتَضِيءُ بِهِ كَما يَسْتَضِيءُ البَصَرُ بِالنُورِ، و"المُفْلِحُونَ" مَعْناهُ: الفائِزُونَ بِبُغْيَتِهِمْ، وهَذا يَعُمُّ مَعانِيَ الفَلاحِ فَإنَّ مَن بَقِيَ فَقَدْ فازَ بِبُغْيَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىِّ ٱلْأُمِّىِّ ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَـٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ١٥٨ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٌۭ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ ١٥٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ يا أيُّها الناسُ إنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكم جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ لا إلَهَ إلا هو يُحْيِي ويُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ النَبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وكَلِماتِهِ واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ ﴿ وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا أُمَمًا  ﴾ هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ بِإشْهارِ الدَعْوَةِ والحَضِّ عَلى الدُخُولِ في الشَرْعِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا رَجّى الأُمَّةَ المُتَّبِعَةَ لِلنَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّتِي كَتَبَ لَهم رَحْمَتَهُ عَقَّبَ ذَلِكَ بِدُعاءِ الناسِ إلى الِاتِّباعِ الَّذِي تَحْصُلُ مَعَهُ تِلْكَ المَنازِلُ.

وهَذِهِ الآيَةُ خاصَّةٌ بِمُحَمَّدٍ  بَيْنَ الرُسُلِ، فَإنَّ مُحَمَّدًا  بُعِثَ إلى الناسِ كافَّةً وإلى الجِنِّ، قالَهُ الحَسَنُ، وتَقْتَضِيهِ الأحادِيثُ، وكُلُّ نَبِيٍّ إنَّما بُعِثَ إلى فِرْقَةٍ دُونَ العُمُومِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا أُعْلِنَ بِالرِسالَةِ مِن عِنْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى أرْدَفَ بِصِفَةِ اللهِ الَّتِي تَقْتَضِي الإذْعانَ لَهُ وهي أنَّهُ مالِكُ السَمَواتِ والأرْضِ بِالخَلْقِ والإبْداعِ والإحْياءِ والإماتَةِ، لا إلَهَ إلّا هو ولا مَعْبُودَ سِواهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَآمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ ﴾ الآيَةُ، هو الحَضُّ عَلى اتِّباعِ مُحَمَّدٍ  ، وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِي يُؤْمِنُ ﴾ يُرِيدُ: الَّذِي يُصَدِّقُ ﴿ بِاللهِ وكَلِماتِهِ ﴾ ، والكَلِماتُ هُنا الآياتُ المُنَزَّلَةُ مِن عِنْدِهِ كالتَوْراةِ والإنْجِيلِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كَلِماتِهِ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "كَلِمَتِهِ" بِالإفْرادِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وآياتِهِ" بَدَلَ "كَلِماتِهِ"، وقالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: المُرادُ بِـ "كَلِماتِهِ" أو "كَلِمَتِهِ" عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ أيْ: عَلى طَمَعِكم وبِحَسَبِ ما تَرَوْنَهُ، وقَوْلُهُ: "واتَّبِعُوهُ" لَفْظٌ عامٌّ يَدْخُلُ تَحْتَهُ جَمِيعُ إلْزاماتِ الشَرِيعَةِ، جَعَلَنا اللهُ مِن مُتَّبِعِيهِ عَلى ما يَلْزَمُ بِمَنِّهِ ورَحْمَتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسى ﴾ الآيَةُ، "يَهْدُونَ" مَعْناهُ: يُرْشِدُونَ أنْفُسَهُمْ، وهَذا الكَلامُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ وصْفَ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى عَهْدِ مُوسى وما والاهُ مِنَ الزَمَنِ، فَأخْبَرَ أنَّهُ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ عَلى عُتُوِّهِمْ وخِلافِهِمْ مَنِ اهْتَدى واتَّقى وعَدَلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الجَماعَةَ الَّتِي آمَنَتْ بِمُحَمَّدٍ  مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِجْلابِ لِإيمانِ جَمِيعِهِمْ، ويُحْتَمَلُ ما رُوِيَ مِن أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا تَقَطَّعُوا مَرَّتْ أُمَّةٌ مِنهم واعْتَزَلَتْ ودَخَلَتْ تَحْتَ الأرْضِ فَمَشَتْ في سِرْبٍ تَحْتَ الأرْضِ سَنَةً ونِصْفَ سَنَةٍ حَتّى خَرَجُوا وراءَ الصِينِ، فَهم هُنالِكَ خَلْفَ وادٍ مِن شَهْدٍ يُقِيمُونَ الشَرْعَ ويَهْدُونَ بِالحَقِّ، قالَهُ السُدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ، ورُوِيَ بَعْضُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا حَدِيثٌ بَعِيدٌ، وقَرَأ بَعْضٌ مِنَ الناسِ: "وَقَطَّعْناهُمْ" بِشَدِّ الطاءِ، وقَرَأ أبُو حَيَوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَقَطَعْناهُمْ" بِتَخْفِيفِ الطاءِ، ورَواها أبانُ عن عاصِمٍ، ومَعْناهُ: فَرَّقْناهُمْ، مِنَ القَطْعِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عَشْرَةَ" بِسُكُونِ الشِينِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ بِخِلافِ: "عَشَرَةٍ" بِفَتْحِ الشِينِ، وقَرَأتْ هَذِهِ الجَماعَةُ أيْضًا، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وأبُو حَيَوَةَ: "عَشِرَةَ" بِكَسْرِ الشِينِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: والعَجَبُ أنَّ تَمِيمًا يُخَفِّفُونَ ما كانَ مِن هَذا الوَزْنِ، وأنَّ أهْلَ الحِجازِ يُشْبِعُونَ، وتَناقَضُوا في هَذا الحَرْفِ.

وقَوْلُهُ: "أسْباطًا" بَدَلٌ مِنِ "اثْنَتَيْ".

والتَمْيِيزُ الَّذِي بَيْنَ العَدَدِ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً أو قِطْعَةً أسْباطًا، وإمّا أنْ يَزُولَ عَنِ التَمْيِيزِ ويُقَدَّرَ: وقَطَّعْناهم فِرَقًا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، ثُمَّ أُبْدِلَ "أسْباطًا"، والأوَّلُ أحْسَنُ وأبْيَنُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "أسْباطًا" تَمْيِيزًا لِأنَّ التَمْيِيزَ لا يَكُونُ إلّا مُفْرَدًا نَكِرَةً، وأيْضًا فالسِبْطَ مُذَكَّرٌ وهو قَدْ عُدَّ مُؤَنَّثًا، عَلى أنَّ هَذِهِ العِلَّةَ لَوِ انْفَرَدَتْ لَمَنَعَتْ إذِ السِبْطُ بِمَعْنى الأُمَّةِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وقالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: لَمّا كانَ السِبْطُ بِمَعْنى الأُمَّةِ غَلَّبَ التَأْنِيثَ، وهو مِثْلُ قَوْلٍ الشاعِرِ: فَإنَّ كِلابًا هَذِهِ عَشْرُ أبْطُنٍ ∗∗∗ وأنْتَ بَرِيءٌ مِن قَبائِلِها العَشْرِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأغْفَلَ هَذا الكُوفِيُّ جَمْعَ الأسْباطِ وأنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ إنَّما كانَ يَجُوزُ لَوْ كانَ الكَلامُ: "اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سِبْطًا"، والسِبْطَ في ولَدِ إسْحاقَ كالقَبِيلَةِ في ولَدِ إسْماعِيلَ، وقَدْ قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: إنَّ السِبْطَ مِنَ السَبَطِ وهو شَجَرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما الأظْهَرُ فِيهِ عِبْرانِيٌّ عُرِّبَ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَطَّعْنَـٰهُمُ ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًۭا ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسْتَسْقَىٰهُ قَوْمُهُۥٓ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ ۖ فَٱنۢبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًۭا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍۢ مَّشْرَبَهُمْ ۚ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَـٰمَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ ۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ١٦٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأوحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْبَجَسَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهم وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ أمْرُ الحَجَرِ والِاسْتِسْقاءِ، وأيْنَ كانَ، وأمْرُ التَظْلِيلِ وإنْزالِ المَنِّ والسَلْوى، وذَكَرْنا ذَلِكَ بِما يُغْنِي عن إعادَتِهِ هاهُنا.

و"فانْبَجَسَتْ" مَعْناهُ: انْفَجَرَتْ إلّا أنَّ الِانْبِجاسَ أخَفُّ مِنَ الِانْفِجارِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعِيسى الهَمْدانِيُّ: "كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ" بِتَوْحِيدِ الضَمِيرِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُوا۟ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُوا۟ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا۟ حِطَّةٌۭ وَٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًۭا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيٓـَٔـٰتِكُمْ ۚ سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ ١٦١ فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَظْلِمُونَ ١٦٢ وَسْـَٔلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًۭا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ١٦٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ ﴾ ﴿ واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ والمَعْنى: واذْكُرْ إذْ قِيلَ لَهُمْ، والمُرادُ مَن سَلَفَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا خَرَجُوا مِنَ التِيهِ قِيلَ لَهُمُ:اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ، والقَرْيَةُ في كَلامِ العَرَبِ: المَدِينَةُ مُجْتَمَعُ المَنازِلِ، والإشارَةُ هُنا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ.

قالَهُ الطَبَرِيُّ.

وقِيلَ: إلى أرِيحا، و ﴿ حَيْثُ شِئْتُمْ ﴾ أيْ: هي ونِعَمُها لَكم مُباحَةٌ.

وقَرَأ السَبْعَةُ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "حِطَّةٌ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "حِطَّةً" بِالنَصْبِ، الرَفْعُ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: طَلَبُنا حِطَّةٌ، والنَصْبُ عَلى المَصْدَرِ، أيْ حُطَّ ذُنُوبَنا حِطَّةً، وهَذا عَلى أنْ يُكَلِّفُوا قَوْلَ لَفْظَةٍ مَعْناها: حِطَّةٌ.

وقَدْ قالَ قَوْمٌ: كُلِّفُوا قَوْلًا حَسَنًا مُضَمَّنُهُ الإيمانُ وشُكْرُ اللهِ لِيَكُونَ حِطَّةً لِذُنُوبِهِمْ، فالكَلامُ -عَلى هَذا- كَقَوْلِكَ: قُلْ خَيْرًا.

وتَوْفِيَةُ هَذا مَذْكُورٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نَغْفِرْ" بِالنُونِ "لَكم خَطِيئاتِكُمْ" بِالتاءِ مَهْمُوزًا عَلى الجَمْعِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "نَغْفِرْ" بِالنُونِ "لَكم خَطاياكُمْ" نَحْوُ "قَضاياكُمْ"، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ والأعْمَشُ، وقَرَأ نافِعٌ: "تُغْفَرْ" بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ "لَكم خَطِيئاتُكُمْ" بِالهَمْزِ وضَمِّ التاءِ عَلى الجَمْعِ، ورَواها مَحْبُوبٌ عن أبِي عَمْرٍو.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "تُغْفَرْ" بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ "لَكم خَطِيئَتُكُمْ" واحِدَةً مَهْمُوزَةً مَرْفُوعَةً، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأها الأعْرَجُ وفِرْقَةٌ "تَغْفِرْ" بِالتاءِ وفَتَحَها عَلى مَعْنى أنَّ الحِطَّةَ تَغْفِرُ إذْ هي سَبَبُ الغُفْرانِ.

و"بَدَّلَ" مَعْناهُ: غَيَّرَ اللَفْظَ دُونَ أنْ يَذْهَبَ بِجَمِيعِهِ، وأبْدَلَ: إذا ذَهَبَ بِهِ وجاءَ بِلَفْظٍ آخَرَ، والإشارَةُ بِالقَوْلِ إلى قَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ: "حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ أو حِنْطَةٌ في شُعَيْرَةٍ"، والرِجْزِ الَّذِي أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ: طاعُونٌ، يُقالُ: ماتَ مِنهُ في يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وتَقَدَّمَ أيْضًا اسْتِيعابُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ ﴾ الآيَةُ، قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إنَّ اليَهُودَ المُعارِضِينَ لِمُحَمَّدٍ  قالُوا: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عِصْيانٌ ولا مُعانَدَةٌ لِما أمَرُوا بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُوَبِّخَةً لَهم ومُقَرِّرَةً ما كانَ مِن فِعْلِ أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ، فَسُؤالُهم إنَّما كانَ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، والقَرْيَةُ هُنا: مَدْيَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقِيلَ: أيْلَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ، وعِكْرِمَةُ، والسُدِّيُّ، والثَوْرِيُّ.

وقالَ قَتادَةُ هي "مُقْنا" بِالقافِ ساكِنَةً، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ هي مَقْناةُ ساحِلُ مَدْيَنَ، ويُقالُ فِيها مَغْنى بِالغَيْنِ مَفْتُوحَةً ونُونٍ مُشَدَّدَةً، وقِيلَ: هي طَبَرِيَّةُ، قالَهُ الزُهْرِيُّ، و"حاضِرَةَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَعْنى الحُضُورِ" أيِ:البَحْرُ فِيها حاضِرٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَعْنى الحَضارَةِ عَلى جِهَةِ التَعْظِيمِ لَها، أيْ هي الحاضِرَةُ في مُدُنِ البَحْرِ.

و"إذْ يَعْدُونَ" مَعْناهُ: يُخالِفُونَ الشَرْعَ، مِن عَدا يَعْدُو.

وقَرَأ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وأبُو نُهَيْكٍ: "يَعَدُّونَ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: أرادَ "يَعْتَدُونَ" فَأسْكَنِ التاءَ لِيُدْغِمَها في الدالِ، ونَقَلَ فَتْحَها إلى العَيْنِ فَصارَ "يَعَدُّونَ" بِفَتْحِ العَيْنِ وشَدِّ الدالِ المَضْمُومَةِ، والِاعْتِداءُ مِنهم في السَبْتِ هو نَفْسُ العَمَلِ والِاشْتِغالِ كانَ صَيْدًا أو غَيْرَهُ، إلّا أنَّهُ كانَ في هَذِهِ النازِلَةِ بِالصَيْدِ، وكانَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ ابْتَلاهم في أمْرِ الحُوتِ بِأنْ يَغِيبَ عنهم سائِرَ الجُمْعَةِ فَإذا كانَ يَوْمُ السَبْتِ جاءَهم في الماءِ شارِعًا، أيْ مُقْبِلًا إلَيْهِمْ مُصْطَفًّا، كَما تَقُولُ: أُشْرِعَتِ الرِماحُ إذا مُدَّتْ مُصْطَفَّةً، وهَذا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ مِنَ الحُوتِ بِإرْسالٍ مِنَ اللهِ كَإرْسالِ السَحابِ، أو بِوَحْيٍ وإلْهامٍ كالوَحْيِ إلى النَحْلِ، أو بِإشْعارٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى نَحْوِ ما يُشْعِرُ اللهُ الدَوابَّ يَوْمَ الجُمْعَةِ بِأمْرِ الساعَةِ حَسَبَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "ما مِن دابَّةٍ إلّا وهي مُصِيخَةٌ يَوْمَ الجُمْعَةِ حَتّى تَطْلُعَ الشَمْسُ فَرَقًا مِنَ الساعَةِ"»، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الحُوتِ شُعُورًا بِالسَلامَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى نَحْوِ شُعُورِ حَمامِ الحَرَمِ بِالسَلامَةِ.

قالَ رُواةُ هَذا القَصَصِ: فَيَقْرُبُ الحُوتُ ويَكْثُرُ حَتّى يُمْكِنَ أخْذُهُ بِاليَدِ، فَإذا كانَ لَيْلَةَ الأحَدِ غابَ بِجُمْلَتِهِ، وقِيلَ: غابَتْ كَثْرَتُهُ ولَمْ يَبْقَ مِنهُ إلّا القَلِيلُ الَّذِي يُتْعِبُ صَيْدُهُ، قالَ قَتادَةُ: فَفَتَنَهم ذَلِكَ وأضَرَّ بِهِمْ فَتَطَرَّقُوا إلى المَعْصِيَةِ بِأنْ حَفَرُوا حُفَرًا يَخْرُجُ إلَيْها ماءُ البَحْرِ عَلى أُخْدُودٍ، فَإذا جاءَ الحُوتُ يَوْمَ السَبْتِ وحَصَلَ في الحُفْرَةِ ألْقَوْا في الأُخْدُودِ حَجَرًا فَمَنَعُوهُ الخُرُوجَ إلى البَحْرِ فَإذا كانَ الأحَدُ أخَذُوهُ، فَكانَ هَذا أوَّلَ التَطَرُّقِ.

ورَوى أشْهَبُ عن مالِكٍ قالَ: زَعَمَ ابْنُ رُومانَ أنَّهم كانُوا يَأْخُذُ الرَجُلُ خَيْطًا ويَصْنَعُ فِيهِ وهْقَةً وألْقاها في ذَنَبِ الحُوتِ، وفي الطَرَفِ الآخَرِ مِنَ الخَيْطِ وتَدٌ مَضْرُوبٌ، وتَرَكَهُ كَذَلِكَ إلى الأحَدِ، ثُمَّ تَطَرَّقَ الناسُ حِينَ رَأوا مَن صَنَعَ هَذا لا يُبْتَلى حَتّى كَثُرَ صَيْدُ الحُوتِ ومُشِيَ بِهِ في الأسْواقِ، وأعْلَنَ الفَسَقَةُ بِصَيْدِهِ وقالُوا: ذَهَبَتْ حُرْمَةُ السَبْتِ، فَنَهَضَتْ فِرْقَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ونَهَتْ وجاهَرَتْ بِالنَهْيِ واعْتَزَلَتْ، والعامِلُ في قَوْلِهِ: "وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ" قَوْلُهُ: "لا تَأْتِيهِمْ" وهو ظَرْفٌ مُقَدَّمٌ.

وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: "حِيتانُهم يَوْمَ إسْباتِهِمْ"، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والناسُ: "يَسْبِتُونَ" بِكَسْرِ الباءِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، وعاصِمٌ بِخِلافٍ: "يَسْبُتُونَ" بِضَمِّها، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وعاصِمٌ بِخِلافٍ "يُسْبِتُونَ" مِن أسَبَتَ إذا دَخَلَ في السَبْتِ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: "كَذَلِكَ" الإشارَةُ إلى أمْرِ الحُوتِ وفِتْنَتِهِمْ بِهِ، هَذا عَلى مَن وقَفَ عَلى "تَأْتِيهِمْ"، ومَن وقَفَ عَلى "كَذَلِكَ" فالإشارَةُ إلى كَثْرَةِ الحِيتانِ شُرَّعًا، أيْ: فَما أتى مِنها فَهو قَلِيلٌ، و"نَبْلُوهُمْ" أيْ نَمْتَحِنُهم لِفِسْقِهِمْ وعِصْيانِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ رِوايَةٌ وتَطْوِيلٌ اخْتَصَرْتُهُ واقْتَصَرْتُ مِنهُ عَلى ما لا تُفْهَمُ ألْفاظُ الآيَةِ إلّا بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌۭ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًۭا شَدِيدًۭا ۖ قَالُوا۟ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ١٦٤ فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦٓ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ بِعَذَابٍۭ بَـِٔيسٍۭ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ١٦٥ فَلَمَّا عَتَوْا۟ عَن مَّا نُهُوا۟ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔينَ ١٦٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهم أو مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا عَتَوْا عن ما نُهُوا عنهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ افْتَرَقَتْ ثَلاثَ فِرَقٍ، فِرْقَةٍ عَصَتْ وصادَتْ، وفِرْقَةٍ نَهَتْ وجاهَرَتْ وتَكَلَّمَتْ واعْتَزَلَتْ، وفِرْقَةٍ اعْتَزَلَتْ ولَمْ تَعْصِ ولَمْ تَنْهَ، وإنَّ هَذِهِ الفِرْقَةَ لِما رَأتْ مُجاهَرَةَ الناهِيَةِ وطُغْيانَ العاصِيَةِ وعُتُوَّها قالَتْ لِلنّاهِيَةِ "لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا" يُرِيدُونَ العاصِيَةَ "اللهُ مُهْلِكُهم أو مُعَذِّبُهُمْ" عَلى غَلَبَةِ الظَنِّ وما عُهِدَ مِن فِعْلِ اللهِ حِينَئِذٍ بِالأُمَمِ العاصِيَةِ، فَقالَتِ الناهِيَةُ" مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةً إلى اللهِ، ثُمَّ اخْتُلِفَ بَعْدَ هَذا فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ الطائِفَةَ الَّتِي لَمْ تَعْصِ ولَمْ تَنْهَ هَلَكَتْ مَعَ العاصِيَةِ عُقُوبَةً عَلى تَرْكِ النَهْيِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ أيْضًا: ما أدْرِي ما فُعِلَ بِهِمْ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ بَلْ نَجَتْ مَعَ الناهِيَةِ لِأنَّها لَمْ تَعْصِ ولا رَضِيَتْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ والحَسَنُ وغَيْرُهُما، وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ فِيما أسْنَدَ عنهُ الطَبَرِيُّ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ تَفْتَرِقْ إلّا فِرْقَتَيْنِ، فَرِقَّةً عَصَتْ وجاهَرَتْ، وفِرْقَةً نَهَتْ وغَيَّرَتْ واعْتَزَلَتْ، وقالَتْ لِلْعاصِيَةِ: إنَّ اللهَ يُهْلِكُهم ويُعَذِّبُهُمْ، فَقالَتْ أُمَّةٌ مِنَ العاصِينَ لِلنّاهِينَ -عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ-: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا قَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ اللهَ مُهْلِكُهم أو مُعَذِّبُهُمْ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصْوَبُ، وتُؤَيِّدُهُ الضَمائِرُ في قَوْلِهِ: "إلى رَبِّكم ولَعَلَّهُمْ" فَهَذِهِ المُخاطَبَةُ تَقْتَضِي مُخاطِبًا ومُخاطَبًا ومَكْنِيًّا عنهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "مَعْذِرَةٌ" بِالرَفْعِ، أيْ: مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةٌ أيْ إقامَةُ عُذْرٍ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ- وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "مَعْذِرَةً" بِالنَصْبِ، أيْ: وعَظْنا مَعْذِرَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ: حُجَّتُها أنْ سِيبَوَيْهِ قالَ: لَوْ قالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ مَعْذِرَةً إلى اللهِ وإلَيْكَ مِن كَذا لَنَصَبَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الرَجُلُ القائِلُ في هَذا المِثالِ مُعْتَذِرٌ عن نَفْسِهِ ولَيْسَ كَذَلِكَ الناهُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَتَأمَّلْ.

ومَعْنى "مُهْلِكُهُمْ" في الدُنْيا أو "مُعَذِّبُهُمْ" في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لَعَلَّهم يَتَّقُونَ" يَقْتَضِي التَرَجِّيَ المَحْضَ لِأنَّهُ مِن قَوْلِ آدَمِيِّينَ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "نَسُوا" لِلْمَنهِيِّينَ، وهو تَرْكٌ سُمِّيَ نِسْيانًا إذْ أقْوى مَنازِلِ التَرْكِ أنْ يَنْسى المَتْرُوكُ.

و"ما" في قَوْلِهِ: "ما ذُكِّرُوا بِهِ" مَعْنى الَّذِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الذِكْرُ نَفْسُهُ، ويُحْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِ ما كانَ فِيهِ الذِكْرُ، والسُوءُ لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ المَعاصِي إلّا أنَّ الَّذِي يَخْتَصُّ هُنا بِحَسِبِ قَصَصِ الآيَةِ صَيْدُ الحُوتِ.

و"الَّذِينَ ظَلَمُوا" هُمُ العاصُونَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِعَذابٍ بَئِيسٍ" مَعْناهُ: مُؤْلِمٍ مُوجِعٍ شَدِيدٍ.

وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ - أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وغَيْرُهُما- "بِيسٍ" بِكَسْرِ الباءِ وسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ السِينِ وتَنْوِينِها، وهَذا عَلى أنَّهُ فِعْلٌ سُمِّيَ بِهِ، كَقَوْلِهِ  « "أنْهاكم عن قِيلٍ وقالَ"».

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بِئْسَ" كَما تَقُولُ: بِئْسَ الرَجُلُ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ، قالَ أبُو عَمْرٍو: ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ "بِئْسَ" بِهَمْزَةٍ بَيْنَ الباءِ والسِينِ.

وقَرَأ نافِعٌ -فِيما يَرْوِي عنهُ خارِجَةُ -: "بَيْسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ السِينِ مُنَوَّنَةً.

ورَوى مالِكُ بْنُ دِينارٍ عن نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ "بَيْسٍ" عَلى مُثُلِ جَمَلٍ وجَبَلٍ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ المُقْرِي: "بَئِسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ وسِينٍ مُنَوَّنَةٍ عَلى وزْنِ فَعِلٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسِ الرُقَيّاتِ: لَيْتَنِي ألْقى رُقَيَّةَ في ∗∗∗ خَلْوَةٍ مِن غَيْرِ ما بَئِسْ قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: هي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، وطَلْحَةِ بْنِ مُصَرِّفٍ.

ورُوِيَ عن نَصْرٍ "بَيِسْ" بِياءٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، قالَ الزَهْراوِيُّ: ورُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ "بَئِّسٍ" الباءُ مَفْتُوحَةٌ والهَمْزَةُ مَكْسُورَةٌ مُشَدَّدَةٌ والسِينُ مَكْسُورَةٌ مُنَوَّنَةٌ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَئِّسَ" الَّتِي قَبْلُ إلّا فَتْحَ السِينِ، ذَكَرَها أبُو عَمْرٍو الدانِي عَمّا حَكى يَعْقُوبُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ أبِي قُرَّةَ عنهُ- وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ عنهُ- "بَئِيسٍ" بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ المَكْسُورَةِ والسِينِ المُنَوَّنَةِ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ.

وهَذا وصْفٌ بِالمَصْدَرِ كَقَوْلِهِمْ: "عَذِيرَ الحَيِّ" والنَذِيرَ والنَكِيرَ، ونَحْوَ ذَلِكَ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، ومُجاهِدٍ، وأهْلِ الحِجازِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، ونَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، والأعْمَشِ، وهي الَّتِي رَجَّحَ أبُو حاتِمٍ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الإصْبَعِ العُدْوانِيِّ: حَنِقًا عَلَيَّ ولا أرى ∗∗∗ ∗∗∗ لِي مِنهُما شَرًّا بَئِيسا وَقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ "بِئِيسٍ" كالأوَّلِ إلّا كَسْرَ الباءِ، عَلى وزْنِ فِعِيلٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: هُما لُغَتانِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عنهُ-: "بَيْئَسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَلى وزْنِ فَيْعْلٍ، ومَعْناهُ: شَدِيدٌ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ بْنِ عابِسٍ الكِنْدِيِّ: كِلاهُما كانَ رَئِيسًا بَيْئَسا ∗∗∗ ∗∗∗ يَضْرِبُ في يَوْمِ الهِياجِ القَوْنَسا فَهِيَ صِفَةٌ كَضَيْغَمٍ وحَيْدَرٍ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْمَشُ -بِخِلافٍ عنهُ-: "بَيْئِسٍ" كالَّتِي قَبْلُ إلّا كَسْرَ الهَمْزَةِ عَلى وزْنِ فَيْعِلٍ، وهَذا شاذٌّ لِأنَّهُ لا يُوجَدُ فَيْعِلٌ في الصَحِيحِ، وإنَّما يُوجَدُ في المُعْتَلِّ مِثْلُ سَيِّدٍ ومَيِّتٍ.

وقالَ الزَهْراوِيُّ: رَوى نَصْرٌ عن عاصِمٍ: "بَيِّسٍ" عَلى مِثالِ "مَيِّتٍ"، وهَذا عَلى أنَّهُ مِنَ البُؤْسِ، ولا أصْلَ لَهُ في الهَمْزِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: زَعَمَ عاصِمٌ أنَّ الحَسَنَ والأعْمَشَ قَرَأا: "بِئْيَسٍ" الباءُ مَكْسُورَةٌ والهَمْزَةُ ساكِنَةٌ والياءُ مَفْتُوحَةٌ عَلى مِثالِ خِدْيَمٍ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ مِنَ السَبْعَةِ: "بِئْسٍ" بِكَسْرِ الباءِ وسُكُونِ الهَمْزَةِ وتَنْوِينِ السِينِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَأْسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الألِفِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "بائِسٍ" عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَيَسَ" بِفَتْحِ الباءِ والياءِ والسِينِ عَلى وزْنِ فَعَلَ، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: "بَأْسَ" بِفَتْحِ الباءِ والسِينِ وسُكُونِ الهَمْزَةِ عَلى وزْنِ فَعْلَ غَيْرَ مَصْرُوفٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَأْسٍ" مَصْرُوفًا، وحَكى أبُو حاتِمٍ "بَيَسٍ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: هي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، وحَكى الزَهْراوِيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وأهْلِ مَكَّةَ "بِئْسَ" ويُهْمَزُ هَمْزًا خَفِيفًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ يُبَيِّنْ هَلِ الهَمْزَةُ مَكْسُورَةٌ أو ساكِنَةٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: "بِما كانُوا يَفْسُقُونَ" أيْ لِأجْلِ ذَلِكَ وعُقُوبَةً عَلَيْهِ.

والعُتُوُّ: الِاسْتِعْصاءُ وقِلَّةُ الطَواعِيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "قُلْنا لَهُمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا بِلَفْظٍ مِن مَلَكٍ أسْمَعَهم ذَلِكَ، فَكانَ أذْهَبَ في الإغْرابِ والهَوانِ والإصْغارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ المَقْدِرَةِ المُكَوِّنَةِ لَهم قِرَدَةً، و"خاسِئِينَ" مُبْعَدِينَ، كَما «قالَ رَسُولُ اللهِ  لِابْنِ صَيّادٍ: "اخْسَأْ"»، وكَما يُقالُ لِلْكَلْبِ: اخْسَأْ، فَـ "خاسِئِينَ" خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، هَذا اخْتِيارُ أبِي الفَتْحِ، وضَعَّفَ الصِفَةَ، وكَذَلِكَ هُوَ، لِأنَّ القَصْدَ لَيْسَ التَشْبِيهَ بِقِرْدَةٍ مُبْعَداتٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "خاسِئِينَ" حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "كُونُوا"، والصِفَةُ أيْضًا مُتَوَجِّهَةٌ مَعَ ضَعْفِها، ورُوِيَ أنَّ الشَبابَ مِنهم مُسِخُوا قِرَدَةً والرِجالَ الكِبارَ مُسِخُوا خَنازِيرَ، ورُوِيَ أنَّ مَسْخَهم كانَ بَعْدَ المَعْصِيَةِ في صَيْدِ الحُوتِ بِعامَيْنِ، وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: إنَّ إهْلاكَهم كانَ في زَمَنِ داوُدَ، ورُوِيَ أنَّ الناهِينَ قَسَمُوا المَدِينَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ العاصِينَ بِجِدارٍ، فَلَمّا أصْبَحُوا لَيْلَةَ أُهْلِكَ العاصُونَ، لَمْ يُفْتَحْ بابُ مَدِينَةِ العاصِينَ حَتّى ارْتَفَعَ النَهارُ، فاسْتَرابَ الناهُونَ لِذَلِكَ، فَطَلَعَ أحَدُ الناسِ عَلى السُورِ فَرَآهم مَمْسُوخِينَ قِرَدَةً تَتَواثَبُ، فَصاحَ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِمْ يَعْرِفُ الرَجُلُ قَرابَتَهُ ويَعْرِفُ القِرْدُ أيْضًا كَذَلِكَ قَرابَتَهُ، ويَنْضَمُّونَ إلى قَرابَتِهِمْ فَيَتَحَسَّرُونَ، قالَ الزَجّاجُ: وقالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ القِرَدَةُ مِن نَسْلِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَعَلَّقَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِ النَبِيِّ  : « "إنَّ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ فُقِدَتْ، وما أراها إلّا الفَأْرَةَ إذا قُرِّبَ لَها لَبَنٌ لَمْ تَشْرَبْ"،» وبَقَوْلِهِ  في الضَبِّ.

وَقَصَصُ هَذا الأمْرِ أكْثَرُ مِن هَذا لَكِنِ اخْتَصَرْتُهُ واقْتَصَرْتُ عَلى عُيُونِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ ۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ ۖ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ١٦٧ وَقَطَّعْنَـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أُمَمًۭا ۖ مِّنْهُمُ ٱلصَّـٰلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَبَلَوْنَـٰهُم بِٱلْحَسَنَـٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ١٦٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ إنَّ رَبُّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ وَقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا مِنهُمُ الصالِحُونَ ومِنهم دُونَ ذَلِكَ وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَيِّئاتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ بِنْيَةُ "تَأذَّنَ" هي الَّتِي تَقْتَضِي التَكَسُّبَ، مِن أذِنَ أيْ عَلِمَ، وآذَنَ أيْ أعْلَمَ، مِثْلُ كَرُمَ وأكْرَمَ وتَكَرَّمَ، إلّا أنَّ تَعَلَّمَ (وَما جَرى مَجْرى هَذا الفِعْلِ) إذا كانَ مُسْنَدًا إلى اسْمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَلْحَقْهُ مَعْنى التَكَسُّبِ الَّذِي يَلْحَقُ المُحْدَثِينَ، فَإنَّما يَتَرَتَّبُ بِمَعْنى عِلْمِ صِفَةٍ لا بِتَكَسُّبٍ، بَلْ هي قائِمَةٌ بِالذاتِ، وإلى هَذا المَعْنى يَنْحُو الشاعِرُ بِقَوْلِهِ: تَعَلَّمْ أبَيْتَ اللَعْنَ لِأنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالتَعَلُّمِ الَّذِي يَقْتَضِي جَهالَةً، وإنَّما أرادَ أنْ يُوقِفَهُ عَلى قُوَّةِ عِلْمِهِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: تَعَلَّمْ أنَّ شَرَّ الناسِ حَيٌّ ∗∗∗ ∗∗∗ يُنادى في شِعارِهِمُ يَسارُ فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: وإذْ عَلِمَ اللهُ لِيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ، ويَقْتَضِي قُوَّةَ الكَلامِ أنَّ ذَلِكَ العِلْمَ مِنهُ مُقْتَرِنٌ بِإنْفاذٍ وإمْضاءٍ، كَما تَقُولُ في أمْرٍ قَدْ عَزَمْتَ عَلَيْهِ غايَةَ العَزْمِ: "عَلِمَ اللهُ لِأفْعَلَنَّ كَذا"، نَحا إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وقالَ الطَبَرِيُّ، وغَيْرُهُ: "تَأذَّنَ" مَعْناهُ: أعْلَمَ، وهو قَلِقٌ مِن جِهَةِ التَصْرِيفِ إذْ نِسْبَةُ "تَأذَّنَ" إلى الفاعِلِ غَيْرُ نِسْبَةِ "أعْلَمَ"، وتَبَيُّنُ ذَلِكَ مِنَ التَعَدِّي وغَيْرِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَأذَّنَ" مَعْناهُ: قالَ، ورُوِيَ عنهُ أنَّ مَعْناهُ: أمَرَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى: "تَأذَّنَ": تَأْلّى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقادَهم إلى هَذا القَوْلِ دُخُولُ اللامِ في الجَوابِ، وأمّا اللَفْظَةُ فَبَعِيدَةٌ عن هَذا.

والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ" لِمَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لا لِلضَّمِيرِ في "لَهُمْ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَسُومُهُمْ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي إشارَةٌ إلى العَذابِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي إلى مُحَمَّدٍ  وأُمَّتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَحِيحُ أنَّها عامَّةٌ في كُلِّ مَن حالُ اليَهُودِ مَعَهُ هَذِهِ الحالُ، ويَسُومُهم مَعْناهُ: يُكَلِّفُهم ويُحَمِّلُهُمْ، و ﴿ سُوءَ العَذابِ ﴾ الظاهِرُ مِنهُ الجِزْيَةُ والإذْلالُ، وقَدْ حَتَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ هَذا وحَطَّ مُلْكَهُمْ، فَلَيْسَ في الأرْضِ رايَةٌ لِيَهُودِيٍّ، وقالابْنُ المُسَيِّبِ: فَيُسْتَحَبُّ أنْ تُتْعَبَ اليَهُودُ في الجِزْيَةِ، ولَقَدْ حَدَّثَ أنَّ طائِفَةً مِنَ الرُومِ أمَلَكَتْ في صُقْعِها، فَباعَتِ اليَهُودَ المُجاوِرَةَ لَهُمُ الساكِنَةَ مَعَهم وتَمَلَّكُوهم.

ثُمَّ حَسُنَ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ -لِتَضَمُّنِها الإيقاعَ بِهِمْ والوَعِيدَ- أنْ يُنَبِّهَ عَلى سُرْعَةِ عِقابِ اللهِ ويُخَوِّفَ بِذَلِكَ تَخْوِيفًا عامًّا لِجَمِيعِ الناسِ، ثُمَّ رَجّى ذَلِكَ لُطْفًا مِنهُ تَبارَكَ وتَعالى.

وقَوْلُهُ وتَعالى: ﴿ وَقَطَّعْناهُمْ ﴾ مَعْناهُ: فَرَّقْناهم في الأرْضِ، قالَ الطَبَرِيُّ عن جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: ما في الأرْضِ بُقْعَةٌ إلّا وفِيها مَعْشَرٌ مِنَ اليَهُودِ، والظاهِرُ في المُشارِ إلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُمُ الَّذِينَ بَعَدَ سُلَيْمانَ وقْتَ زَوالِ مُلْكِهِمْ، والظاهِرُ أنَّهُ قَبْلَ مُدَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ صالِحٌ بَعْدَ كُفْرِهِمْ بِعِيسى  ، وفي التَوارِيخِ في هَذا الفَصْلِ رِواياتٌ مُضْطَرِبَةٌ، والصالِحُونَ ودُونَ ذَلِكَ ألْفاظٌ مُحْتَمِلَةٌ أنْ يُرادَ بِها صَلاحُ الإيمانِ، فَـ "دُونَ" بِمَعْنى غَيْرٍ يُرادُ بِها الكَفَرَةُ، وإنْ أُرِيدَ بِالصَلاحِ العِبادَةُ والخَيْرُ وتَوابِعُ الإيمانِ فَـ "دُونَ ذَلِكَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مُؤْمِنِينَ.

﴿ وَبَلَوْناهُمْ ﴾ مَعْناهُ: امْتَحَنّاهُمْ، والحَسَناتُ: الصِحَّةُ والرَخاءُ ونَحْوُ هَذا مِمّا هو بِحَسَبِ رَأْيِ ابْنِ آدَمَ ونَظَرِهِ، والسَيِّئاتُ: مُقابَلاتُ هَذِهِ.

وقَوْلُهُ: "لَعَلَّهُمْ" أيْ بِحَسَبِ رَأْيِكم لَوْ شاهَدْتُمْ ذَلِكَ، والمَعْنى: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى الطاعَةِ ويَتُوبُونَ مِنَ المَعْصِيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌۭ وَرِثُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌۭ مِّثْلُهُۥ يَأْخُذُوهُ ۚ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَـٰقُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن لَّا يَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ وَدَرَسُوا۟ مَا فِيهِ ۗ وَٱلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ١٦٩ وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ ١٧٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضَ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابَ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللهِ إلا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ والدارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ ﴾ "خَلَفَ" مَعْناهُ: حَدَثَ خَلْفَهم وبَعْدَهم "خَلْفٌ" بِإسْكانِ اللامِ، يُسْتَعْمَلُ في الأشْهَرِ في الذَمِّ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ذَهَبَ الَّذِينَ يُعاشُ في أكْنافِهِمْ ∗∗∗ وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في المَدْحِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: لَنا القَدَمُ الأُولى إلَيْكَ وخَلْفَنا ∗∗∗ ∗∗∗ لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللهِ تابِعُ والخَلَفُ -بِفَتْحِ اللامِ- يُسْتَعْمَلُ -فِي الأشْهَرِ- في المَدْحِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَجّاجُ: وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الذَمِّ أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ألّا ذَلِكَ الخَلَفُ الأعْوَرُ وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ بِالخَلْفِ هاهُنا النَصارى، وضَعَّفَهُ الطَبَرِيُّ.

وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "وُرِّثُوا الكِتابَ" بِضَمِّ الواوِ وشَدِّ الراءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ﴾ إشارَةٌ إلى الرِشا والمَكاسِبِ الخَبِيثَةِ، والعَرَضُ: ما يُعْرَضُ ويَعِنُّ ولا يَثْبُتُ، و"الأدْنى" إشارَةٌ إلى عَيْشِ الدُنْيا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا ﴾ ذَمٌّ لَهم بِاغْتِرارِهِمْ، وقَوْلِهِمْ: "سَيُغْفَرُ" مَعَ عِلْمِهِمْ بِما في كِتابِ اللهِ مِنَ الوَعِيدِ عَلى المَعاصِي وإصْرارِهِمْ عَلَيْهِمْ وأنَّهم إذا أمْكَنَتْهم ثانِيَةً ارْتَكَبُوها فَهَؤُلاءِ عَجَزَةٌ، كَما قالَ  : "والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها وتَمَنّى عَلى اللهِ"، وهم مُصِرُّونَ، وإنَّما يَقُولُ سَيُغْفَرُ لَنا مَن أقْلَعَ ونَدِمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ ﴾ الآيَةُ، تَشْدِيدٌ في لُزُومِ قَوْلِ الحَقِّ عَلى اللهِ في الشَرْعِ والأحْكامِ بَيْنَ الناسِ، وأنْ لا تَمِيلَ الرِشا بِالحُكّامِ إلى الباطِلِ، و"الكِتابُ" يُرِيدُ بِهِ التَوْراةَ، ومِيثاقُها: الشَدائِدُ الَّتِي فِيها في هَذا المَعْنى، وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللهِ إلا الحَقَّ ﴾ يُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ قَوْلَهُمُ الباطِلَ في حُكُومَةٍ مِمّا يَقَعُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ويُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ قَوْلَهُمْ: "سَيُغْفَرُ لَنا" وهم قَدْ عَلِمُوا الحَقَّ في نَهْيِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عن ذَلِكَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَقُولُوا" بِياءٍ مِن تَحْتُ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "تَقُولُوا" بِتاءٍ مِن فَوْقُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدَرَسُوا ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ يُؤْخَذْ ﴾ الآيَةُ بِمَعْنى المُضِيِّ، ويُقَدَّرُ: ألَيْسَ قَدْ أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابَ ودَرَسُوا ما فِيهِ؟

وبِهَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِمُ الباطِلَ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "وادّارَسُوا ما فِيهِ"، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: "وَدَرَسُوا" مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ وَرِثُوا الكِتابَ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ لِبُعْدِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ قَوْلُهُ: "وَدَرَسُوا" يَزُولُ مِنهُ مَعْنى إقامَةِ الحُجَّةِ بِالتَقْدِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: "ألَمْ" ثُمَّ وعَظَ وذَكَّرَ تَبارَكَ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ والدارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ .

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أفَلا تَعْقِلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: "يَعْقِلُونَ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ( لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ).

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ، وأبُو عَمْرٍو، والناسُ: "يُمَسِّكُونَ" بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ السِينِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو العالِيَةِ، وعاصِمٌ وحْدَهُ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "يُمْسِكُونَ" بِسُكُونِ المِيمِ وتَخْفِيفِ السِينِ، وكُلُّهم خَفَّفَ "وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ"، إلّا أبا عَمْرٍو فَإنَّهُ قَرَأ: "وَلا تُمَسِّكُوا" بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ السِينِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "والَّذِينَ اسْتَمْسَكُوا" وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: "والَّذِينَ مَسَكُوا"، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ: فَما تَمَسَّكَ بِالعَهْدِ الَّذِي زَعَمَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا كَما تُمْسِكُ الماءَ الغَرابِيلُ أمّا إنْ شَدَّ السِينَ يَجْرِي مَعَ التَعَدِّي بِالباءِ.

۞ وَإِذْ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٌۭ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُۥ وَاقِعٌۢ بِهِمْ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍۢ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ١٧١ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَآ ۛ أَن تَقُولُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ ١٧٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عن هَذا غافِلِينَ ﴾ "نَتَقْنا" مَعْناهُ: اقْتَلَعْنا ورَفَعْنا، فَكَأنَّ النَتْقَ اقْتِلاعُ الشَيْءِ، تَقُولُ العَرَبُ: "نَتَقْتُ الزُبْدَةَ مِن فَمِ القِرْبَةِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ونَتَقُوا أحْلامَنا الأثاقِلا والناتِقُ: الرَحِمُ الَّتِي تُقْلِعُ الوَلَدَ مِنَ الرَجُلِ، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ: لَمْ يُحْرَمُوا حُسْنَ الغَداءِ وأُمُّهم ∗∗∗ ∗∗∗ دَحَقَتْ عَلَيْكَ بِناتِقٍ مِذْكارِ وفِي الحَدِيثِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "عَلَيْكم بِتَزْوِيجِ الأبْكارِ فَإنَّهُنَّ أنَتَقُ أرْحامًا وأطْيَبُ أفْواهًا"» الحَدِيثُ.

وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ بَدَلَ هَذِهِ اللَفْظَةِ في هَذِهِ القِصَّةِ بِعَيْنِها "رَفَعْنا"، و"فَوْقَهُمْ" أعْطَتِ الرَفْعَ بِزِيادَةِ قَرِينَةٍ هي أنَّ الجَبَلَ اقْتَلَعَتْهُ المَلائِكَةُ وأمَرَ اللهُ إيّاهُ.

ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا جاءَهم بِالتَوْراةِ فَقالَ عَنِ اللهِ تَعالى: هَذا كِتابُ اللهِ، أتَقْبَلُونَهُ بِما فِيهِ؟

فَإنَّ فِيهِ بَيانَ ما أُحِلَّ لَكم وما حُرِّمَ عَلَيْكم وما أمَرَكم وما نَهاكُمْ، قالُوا: انْشُرْ عَلَيْنا ما فِيها، فَإنْ كانَتْ فَرائِضُها يَسِيرَةً وحُدُودُها خَفِيفَةً قَبِلْناها، قالَ: اقْبَلُوها بِما فِيها، قالُوا: لا، فَراجَعَهم مُوسى فَراجَعُوا ثَلاثًا فَأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إلى الجَبَلِ فانْقَلَعَ وارْتَفَعَ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، فَقالَ لَهم مُوسى  : ألا تَرَوْنَ ما يَقُولُ رَبِّي؟

لَئِنْ لَمْ تَقْبَلُوا التَوْراةَ بِما فِيها لَأرْمِيَنَّكم بِهَذا الجَبَلِ، قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: فَلَمّا رَأوا إلى الجَبَلِ خَرَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ساجِدًا عَلى حاجِبِهِ الأيْسَرِ، ونَظَرَ بِعَيْنِهِ اليُمْنى إلى الجَبَلِ فَرَقًا أنْ يَسْقُطَ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ لَيْسَ في الأرْضِ يَهُودِيُّ يَسْجُدُ إلّا عَلى حاجِبِهِ الأيْسَرِ، يَقُولُونَ: هَذِهِ السَجْدَةُ الَّتِي رَفَعَتْ بِها عَنّا العُقُوبَةَ.

و"الظُلَّةُ": ما أظَلَّ، ومِنهُ ﴿ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ  ﴾ ، ومِنهُ ﴿ عَذابُ يَوْمِ الظُلَّةِ  ﴾ ، ومِنهُ «قَوْلُ أسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ لِلنَّبِيِّ  : قَرَأْتُ البارِحَةَ فَغَشِيَ الدارَ مِثْلُ الظُلَّةِ فِيها أمْثالُ المَصابِيحِ، فَقالَ النَبِيُّ  : "تِلْكَ السَكِينَةُ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ".» فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ الجَبَلُ ظُلَّةً فَما مَعْنى: "كَأنَّهُ"؟

فالجَوابُ أنَّ البَشَرَ إنَّما اعْتادُوا هَذِهِ الأجْرامَ الأرْضِيَّةَ ظُلُلًا إذا كانَتْ عَلى عُمُدٍ، فَلَمّا كانَ الجَبَلُ عَلى غَيْرِ عُمُدٍ قِيلَ: ﴿ كَأنَّهُ ظُلَّةٌ ﴾ ، أيْ: كَأنَّهُ عَلى عُمُدٍ، "وَظَنُّوا" قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: أيْقَنُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ الأمْرُ عِنْدِي كَذَلِكَ، بَلْ هو مَوْضِعُ غَلَبَةِ الظَنِّ مَعَ بَقاءِ الرَجاءِ، وكَيْفَ يُوقِنُونَ بِوُقُوعِهِ ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ يَقُولُ: إنَّ الرَمْيَ بِهِ إنَّما هو بِشَرْطِ ألّا يَقْبَلُوا التَوْراةَ، والظَنُّ إنَّما يَقَعُ ويُسْتَعْمَلُ في اليَقِينِ مَتى كانَ ذَلِكَ المُتَيَقَّنُ لَمْ يَخْرُجْ إلى الحَواسِّ، وقَدْ تَبَيَّنَ هَذا فِيما سَلَفَ مِن هَذا الكِتابِ.

ثُمَّ قِيلَ لَهم في وقْتِ ارْتِفاعِ الجَبَلِ: ﴿ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ ﴾ فَأخَذُوها والتَزَمُوا جَمِيعَ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن شِدَّةٍ ورَخاءٍ فَما وفَّوْا، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "واذْكُرُوا"، وقَرَأ الأعْمَشُ -فِيما حَكى أبُو الفَتْحِ عنهُ-: "واذَّكَّرُوا".

وقَوْلُهُ: "لَعَلَّكُمْ" عَلى تَرَجِّيهِمْ، وهَذا تَشَدُّدٌ في حِفْظِها والتَهَمُّمِ بِأمْرِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ ﴾ الآيَةُ، التَقْدِيرُ: واذْكُرْ إذْ أخَذَ رَبُّكَ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن ظُهُورِهِمْ ﴾ قالَ النُحاةُ: هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿ مِن بَنِي آدَمَ ﴾ ، وألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ تَقْتَضِي أنَّ الأخْذَ إنَّما كانَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ، ولَيْسَ لِآدَمَ في الآيَةِ ذِكْرٌ بِحَسَبِ اللَفْظَةِ، وتَواتَرَتِ الأحادِيثُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ النَبِيِّ  مِن طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرِهِما أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لَمّا خَلَقَ آدَمَ (وَفِي بَعْضِ الرِواياتِ: لَمّا أهْبَطَ آدَمَ إلى الأرْضِ في دَهْناءَ مِن أرْضِ السِنْدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وفي بَعْضِها أنَّ ذَلِكَ بِنُعْمانَ وهي عَرَفَةُ وما يَلِيها، قالَهُ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ) مَسَحَ عَلى ظَهْرِهِ (وَفِي بَعْضِ الرِواياتِ بِيَمِينِهِ، وفي بَعْضِ الرِواياتِ ضَرَبَ مَنكِبَهُ) فاسْتَخْرَجَ مِنها -أيْ مِنَ المَسْحَةِ أوِ الضَرْبَةِ- نَسَمَ بَنِيهِ، فَفي بَعْضِ الرِواياتِ كالذَرِّ، وفي بَعْضِها كالخَرْدَلِ.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّها الأرْواحُ جُعِلَتْ لَها مِثالاتٌ، ورَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "أُخِذُوا مِن ظَهْرِهِ كَما يُؤْخَذُ بِالمُشْطِ مِنَ الرَأْسِ، وجَعَلَ اللهُ لَهم عُقُولًا كَنَمْلَةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، وأخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِأنَّهُ رَبُّهم وأنْ لا إلَهَ غَيْرُهُ، فَأقَرُّوا بِذَلِكَ والتَزَمُوهُ، وأعْلَمَهم أنَّهُ سَيَبْعَثُ الرُسُلَ إلَيْهِمْ مُذَكِّرَةً وداعِيَةً، فَشَهِدَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ"،» قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: أشْهَدَ عَلَيْهِمُ السَماواتِ السَبْعَ، فَلَيْسَ مِن أحَدٍ يُولَدُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إلّا وقَدْ أُخِذَ عَلَيْهِ العَهْدُ في ذَلِكَ اليَوْمِ والمَقامِ، وقالَ السُدِّيُّ: أعْطى الكُفّارُ العَهْدَ يَوْمَئِذٍ كارِهِينَ عَلى وجْهِ التَقِيَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذِهِ نُخَيْلَةُ مَجْمُوعِ الرِواياتِ المُطَوَّلَةِ، وكَأنَّ ألْفاظَ هَذِهِ الأحادِيثِ لا تَلْتَئِمُ مَعَ ألْفاظِ الآيَةِ، وقَدْ أكْثَرَ الناسُ في رَوْمِ الجَمْعِ بَيْنَهُما، فَقالَ قَوْمٌ: إنَّ الآيَةَ مُشِيرَةٌ إلى هَذا التَناسُلِ الَّذِي في الدُنْيا، و"أخَذَ" بِمَعْنى: أوجَدَ عَلى المَعْهُودِ، وأنَّ (الإشْهادَ) هو عِنْدَ بُلُوغِ المُكَلَّفِ وهو قَدْ أُعْطِيَ الفَهْمَ، ونُصِبَتْ لَهُ هَذِهِ الصَنْعَةُ الدالَّةُ عَلى الصانِعِ، ونَحا إلى هَذا المَعْنى الزَجّاجُ، وهو مَعْنًى تَحْتَمِلُهُ الألْفاظُ، لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما الآيَةَ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ، ورِوايَتُهُما ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ  .

وطَوَّلَ الجُرْجانِيُّ في هَذِهِ المَسْألَةِ، ومَدارُ كَلامِهِ عَلى أنَّ المَسْحَ وإخْراجَ الذَرِّيَّةِ مِن ظَهْرِ آدَمَ حَسَبَ الحَدِيثِ، وقِيلَ في الآيَةِ: أخَذَ مِن ظُهُورِهِمْ، إذِ الإخْراجُ مِن ظَهْرِ آدَمَ الَّذِي هو الأصْلُ إخْراجٌ مِن ظُهُورِ بَنِيهِ الَّذِينَ هُمُ الفُرُوعُ، إذِ الفَرْعُ والأصْلُ شَيْءٌ واحِدٌ، إلى كَلامٍ كَثِيرٍ لا يَثْبُتُ لِلنَّقْدِ.

وَقالَ غَيْرُهُ: إنَّ جَمِيعَ ما في الحَدِيثِ مِن مَسْحٍ بِيَمِينِهِ وضَرْبِ مَنكِبَهِ ونَحْوِ هَذا إنَّما هو عِبارَةٌ عن إيجادِ ذَلِكَ النَسَمِ مِنهُ، واليَمِينُ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، أو يَكُونُ الماسِحُ مَلَكًا بِأمْرِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فَتَضَمَّنَ الحَدِيثُ صَدْرَ القِصَّةِ وإيجادَ النَسَمِ مِن آدَمَ، وهَذِهِ زِيادَةٌ عَلى ما في الآيَةِ، ثُمَّ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ ما جَرى بَعْدَ هَذا مِن أخْذِ العَهْدِ، والنَسَمُ حُضُورٌ مَوْجُودُونَ.

وهي تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ "أخَذَ" عامِلًا في "عَهْدٍ" أو "مِيثاقٍ" تُقَدِّرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: "ذُرِّيَّتَهُمْ"، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "مِن ظُهُورِهِمْ" لِبَيانِ جِنْسِ النُبُوَّةِ، إذِ المُرادُ مِنَ الجَمِيعِ التَناسُلُ، ويَشْرَكُهُ في لَفْظَةِ "بَنِي آدَمَ" بَنُوهُ لِصُلْبِهِ وبَنُوهُ بِالشَفَقَةِ والحَنانِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "ذُرِّيَّتَهُمْ" بَدَلًا مِن "بَنِي آدَمَ"، والمَعْنى الآخَرُ أنَّهُ لَمّا كانَتْ كُلُّ نَسَمَةٍ هُنالِكَ لَها نِسْبَةٌ إلى الَّتِي هي مِن ظَهْرِها كانَ تَعْيِينُ تِلْكَ النِسْبَةِ أُخِذَ مِنَ الظَهْرِ إذْ سَتَخْرُجُ مِنهُ، فَهي المُسْتَأْنَفُ، فالمَعْنى: وإذْ عُيِّنُوا بِهَذِهِ النِسْبَةِ وعُرِفُوا بِها، فَذَلِكَ أخْذٌ ما، و"أخَذَ" -عَلى هَذا- عامِلٌ في "ذُرِّيَّتَهُمْ" ولَيْسَ بِمَعْنى مَسَحَ وأوجَدَ، بَلْ قَدْ تَقَدَّمَ إيجادُهم كَما تَقَدَّمَ الحَدِيثُ المَذْكُورُ، فالحَدِيثُ يَزِيدُ مَعْنًى عَلى الآيَةِ وهو ذِكْرُ آدَمَ وأوَّلُ إيجادِ النَسَمِ كَيْفَ كانَ.

وقالَ الطَرْطُوشِيُّ: إنَّ هَذا العَهْدَ يَلْزَمُ البَشَرَ وإنْ كانُوا لا يَذْكُرُونَهُ في هَذِهِ الحَياةِ كَما يَلْزَمُ الطَلاقُ مَن شُهِدَ عَلَيْهِ بِهِ وهو قَدْ نَسِيَهُ إلى غَيْرِ هَذا مِمّا لَيْسَ بِتَفْسِيرٍ ولا مِن طَرِيقِهِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "ذُرِّيّاتِهِمْ" جَمْعُ جَمْعٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "ذُرِّيَّتَهُمْ" والإفْرادُ هُنا جَمْعٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى لَفْظِ الذُرِّيَّةِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَلامُ كانُوا بَيْنَ تِلْكَ النَسَمِ، وأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ رَأى داوُدَ فَأعْجَبَهُ، فَقالَ: مَن هَذا؟

فَقِيلَ: نَبِيٌّ مِن ذُرِّيَّتِكَ، فَقالَ: كَمْ عُمْرُهُ؟

فَقِيلَ: سِتُّونَ سَنَةً، فَقالَ: زِيدُوهُ مِن عُمْرِي أرْبَعِينَ سَنَةً فَزِيدَتْ، قالَ: وكانَ عُمَرُ آدَمَ ألْفًا، فَلَمّا أكْمَلَ تِسْعَمِائَةٍ وسِتِّينَ جاءَ مَلَكُ المَوْتِ فَقالَ لَهُ آدَمُ: بَقِيَ لِي أرْبَعُونَ سَنَةً، فَرَجَعَ مَلَكُ المَوْتِ إلى رَبِّهِ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ لَهُ: قُلْ لَهُ: إنَّكَ أعْطَيْتَها لِابْنِكَ داوُدَ، فَتُوُفِّيَ عَلَيْهِ السَلامُ بَعْدَ أنْ خاصَمَ في الأرْبَعِينَ، قالَ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ: مَن ماتَ صَغِيرًا فَهو عَلى العَهْدِ الأوَّلِ، ومَن بَلَغَ فَقَدْ أخَذَهُ العَهْدُ الثانِي، يَعْنِي الَّذِي في هَذِهِ الحَياةِ المَعْقُولَةِ الآنَ، وحَكى الزَجّاجُ عن قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ عِبارَةٌ عن أنَّ كُلَّ نَسَمَةٍ إذا وُلِدَتْ وبَلَغَتْ فَنَظَرُها في الأدِلَّةِ المَنصُوبَةِ عَهْدٌ عَلَيْها في أنْ تُؤْمِنَ وتَعْرِفَ اللهَ.

وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا القَوْلِ، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ مُنَكَّبٌ عَنِ الأحادِيثِ المَأْثُورَةِ مَطَّرِحٌ لَها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شَهِدْنا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ بَعْضِ النَسَمِ لِبَعْضٍ، أيْ شَهِدْنا عَلَيْكم لِئَلّا تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ: غَفَلْنا عن مَعْرِفَةِ اللهِ والإيمانِ بِهِ، فَتَكُونَ مُقالَةً مِن هَؤُلاءِ لِهَؤُلاءِ، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ، وعَلى هَذا لا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "بَلى"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "شَهِدْنا" مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، فَيَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: "بَلى"، قالَ السُدِّيُّ: المَعْنى: قالَ اللهُ ومَلائِكَتُهُ: شَهِدْنا، ورَواهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ النَبِيِّ  .

وقَرَأ السَبْعَةُ غَيْرَ أبِي عَمْرٍو: "أنْ تَقُولُوا" عَلى مُخاطَبَةِ حاضِرِينَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "أنْ يَقُولُوا" عَلى الحِكايَةِ عن غائِبِينَ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، والقِراءَتانِ تَتَفَسَّرانِ بِحَسَبِ المَعْنَيَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، و"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: مَخافَةَ أنْ.

<div class="verse-tafsir"

أَوْ تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةًۭ مِّنۢ بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ ١٧٣ وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ١٧٤ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىٓ ءَاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ١٧٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أو تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ ﴿ واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأتْبَعَهُ الشَيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ ﴾ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: المَعْنى في هَذِهِ الآياتِ أنَّ الكَفَرَةَ لَوْ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ عَهْدٌ ولا جاءَهم رَسُولٌ مُذَكِّرٌ بِما تَضَمَّنَهُ العَهْدُ مِن تَوْحِيدِ اللهِ وعِبادَتِهِ لَكانَتْ لَهم حُجَّتانِ؛ إحْداهُما: كُنّا غافِلِينَ، والأُخْرى: كُنّا تِباعًا لِأسْلافِنا فَكَيْفَ نَهْلَكُ والذَنْبُ إنَّما هو لِمَن طَرَقَ لَنا وأضَلَّنا، فَوَقَعَتْ شَهادَةُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ أو شَهادَةُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ؛ لِتَنْقَطِعَ لَهم هَذِهِ الحُجَجُ، والِاخْتِلافُ في "تَقُولُوا" أو "يَقُولُوا" بِحَسَبِ الأوَّلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ﴾ تَقْدِيرُهُ: وكَما فَعَلْنا هَذِهِ الأُمُورَ وأنْفَذْنا هَذِهِ المَقادِيرَ فَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ونُبَيِّنُها لِمَن عاصَرَكَ وبُعِثْتَ إلَيْهِ.

"وَلَعَلَّهُمْ" عَلى تَرَجِّيهِمْ وتَرَجِّيكم وبِحَسَبِ نَظَرِ البَشَرِ، ﴿ يَرْجِعُونَ ﴾ إلى طاعَةِ اللهِ، ويَدْخُلُونَ في تَوْحِيدِهِ وعِبادَتِهِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُفَصِّلُ" بِالياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتْلُ عَلَيْهِمْ ﴾ الآيَةُ.

"واتْلُ" مَعْناهُ: قُصَّ واسْرُدْ، والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ" عائِدٌ عَلى حاضِرِي مُحَمَّدٍ  مِنَ الكُفّارِ وغَيْرِهِمْ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الَّذِي أُوتِيَ الآياتِ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ: هو رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَعَثَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إلى مَلِكِ مَدْيَنَ داعِيًا إلى اللهِ تَعالى وإلى الشَرِيعَةِ، وعَلَّمَهُ مِن آياتِ اللهِ ما يُمْكِنُ أنْ يَدْعُوَ بِهِ وإلَيْهِ، فَلَمّا وصَلَ رَشاهُ المَلِكُ وأعْطاهُ عَلى أنْ يَتْرُكَ دِينَ مُوسى ويُتابِعَ المَلِكَ عَلى دِينِهِ فَفَعَلَ، وفَتَنَ المَلِكُ بِهِ الناسَ وأضَلَّهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو رَجُلٌ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ الجَبّارِينَ اسْمُهُ بُلْعُمُ، وقِيلَ: بُلْعامُ بْنُ عابِرٍ، وقِيلَ: ابْنٌ آبِرٍ، وقِيلَ: غَيْرُ هَذا مِمّا ذِكْرُهُ تَطْوِيلٌ، وكانَ في جُمْلَةِ الجَبّارِينَ الَّذِينَ غَزاهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَمّا قَرُبَ مِنهم مُوسى لَجَؤُوا إلى بُلْعامَ وكانَ صالِحًا مُسْتَجابَ الدَعْوَةِ، وقِيلَ: كانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِن صُحُفِ إبْراهِيمَ ونَحْوِها، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ رُشِّحَ لِلنُّبُوَّةِ وأُعْطِيَها فَرَشاهُ قَوْمُهُ عَلى أنْ يَسْكُتَ فَفَعَلَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ لا يَصِحُّ عن مُجاهِدٍ، ومَن أُعْطِيَ النُبُوَّةَ فَقَدْ أُعْطِيَ العِصْمَةَ ولا بُدَّ، ثَبَتَ هَذا بِالشَرْعِ، وقَدْ نَصَّ مَعْنى ما قُلْتُهُ أبُو المَعالِي في كِتابِ الشامِلِ، وقِيلَ: كانَ يَعْلَمُ اسْمَ اللهِ الأعْظَمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وهَذا الخِلافُ في المُرادِ بِقَوْلِهِ: "آياتِنا"، فَقالَ لَهُ قَوْمُهُ: ادْعُ اللهَ تَعالى عَلى مُوسى وعَسْكَرِهِ، فَقالَ لَهُمْ: وكَيْفَ أدْعُو عَلى نَبِيٍّ مُرْسَلٍ؟

فَما زالُوا بِهِ حَتّى فَتَنُوهُ، فَخَرَجَ حَتّى أشْرَفَ عَلى جَبَلٍ يُرى مِنهُ عَسْكَرُ مُوسى، وكانَ قَدْ قالَ لِقَوْمِهِ: لا أفْعَلُ حَتّى أسْتَأْمِرَ رَبِّي، فَفَعَلَ فَسَكَتَ عنهُ فَأخْبَرَهُمْ، فَقالُوا لَهُ: إنَّ اللهَ لَمْ يَدَعْ نَهْيَكَ إلّا وقَدْ أرادَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ، فَلَمّا أشْرَفَ عَلى العَسْكَرِ جَعَلَ يَدْعُو عَلى مُوسى، فَتَحَوَّلَ لِسانُهُ بِالدُعاءِ لِمُوسى والدُعاءِ عَلى قَوْمِهِ، فَقالُوا لَهُ: ما تَقُولُ؟

فَقالَ: إنِّي لا أمْلِكُ إلّا هَذا وعَلِمَ أنَّهُ قَدْ أخْطَأ، فَرُوِيَ أنَّهُ قَدْ خَرَجَ لِسانُهُ عَلى صَدْرِهِ، فَقالَ لِقَوْمِهِ: إنِّي قَدْ هَلَكْتُ ولَكِنْ لَمْ تَبْقَ لَكم إلّا الحِيلَةُ، فَأخْرِجُوا النِساءَ إلى عَسْكَرِ مُوسى عَلى جِهَةِ التَجَرُّدِ وغَيْرِهِ ومُرُوهُنَّ ألّا تَمْتَنِعَ امْرَأةٌ مِن رَجُلٍ فَإنَّهم إذا زَنَوْا هَلَكُوا، فَفَعَلُوا، فَخَرَجَ النِساءُ فَزَنى بِهِنَّ رِجالُ بَنِي إسْرائِيلَ، وجاءَ فَنُحاصُ بْنُ العِيزارِ بْنِ هارُونَ، فانْتَظَمَ بِرُمْحِهِ امْرَأةً ورَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ورَفَعَهُما عَلى أعْلى الرُمْحِ، فَوَقَعَ في بَنِي إسْرائِيلَ الطاعُونُ فَماتَ مِنهم في ساعَةٍ واحِدَةٍ سَبْعُونَ ألْفًا، ثُمَّ ذَكَرَ المُعْتَمِرُ عن أبِيهِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَتَلَ بَعْدَ ذَلِكَ الرَجُلَ المُنْسَلِخَ مِن آياتِ اللهِ، قالَ المَهْدَوِيُّ: رُوِيَ أنَّهُ دَعا عَلى مُوسى ألّا يَدْخُلَ مَدِينَةَ الجَبّارِينَ فَأُجِيبَ، ودَعا عَلَيْهِ مُوسى  أنْ يَنْسى اسْمَ اللهِ الأعْظَمَ فَأُجِيبَ، قالَ الزَجّاجُ: وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ إلى مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وصَوابُ هَذا أنْ يُقالَ: إلى كُفّارِ أهْلِ الكِتابِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنهم مُنافِقٌ، إنَّما كانُوا مُجاهِرِينَ، وفي هَذِهِ القِصَّةِ رِواياتٌ كَثِيرَةٌ اخْتَصَرْتُها لِتَعَذُّرِ صِحَّتِها، واقْتَصَرْتُ مِنها عَلى ما يَخُصُّ ألْفاظَ الآيَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُشارُ إلَيْهِ في الآيَةِ رَجُلٌ كانَ قَدْ أُعْطِيَ ثَلاثَ دَعَواتٍ مُسْتَجاباتٍ فَتَرَكَ أنْ يَدْعُوَ بِها في مَصالِحِ العِبادِ، فَدَعا بِواحِدَةٍ أنْ تَرْجِعَ امْرَأتُهُ أجْمَلَ النِساءِ فَكانَ ذَلِكَ، فَلَمّا رَأتْ نَفْسَها كَذَلِكَ أبْغَضَتْهُ واحْتَقَرَتْهُ، فَدَعا عَلَيْها ثانِيَةً فَمُسِخَتْ كَلْبَةً، فَشَفَعَ لَها بَنُوها عِنْدَهُ فَدَعا لَها الثالِثَةَ فَعادَتْ كَما كانَتْ، ثُمَّ انْصَرَفَتْ إلى حالِها، فَذَهَبَتِ الدَعَواتُ.

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المُشارُ إلَيْهِ في الآيَةِ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ، وكانَ قَدْ أُوتِيَ عِلْمًا، ورُوِيَ أنَّهُ جاءَ يُرِيدُ الإسْلامَ فَوَصَلَ إلى بَدْرٍ بَعْدَ الوَقْعَةِ بِيَوْمٍ أو نَحْوِهِ فَقالَ: مَن قَتَلَ هَؤُلاءِ؟

فَقِيلَ: مُحَمَّدٌ  ، فَقالَ: لا حاجَةَ لِي بِدِينِ مَن قَتَلَ هَؤُلاءِ، فارْتَدَّ ورَجَعَ، وقالَ: الآنَ حَلَّتْ لِيَ الخَمْرُ -وَكانَ قَدْ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ- فَمَرَّ حَتّى لَحِقَ بِقَوْمٍ مِن مُلُوكِ حِمْيَرٍ فَنادَمَهم حَتّى ماتَ.

و"انْسَلَخَ" عِبارَةٌ عَنِ البَراءَةِ مِنها والِانْفِصالِ والبُعْدِ، كالسَلْخِ مِنَ الثِيابِ والجِلْدِ، و"أتْبَعَهُ": صَيَّرَهُ تابِعًا، كَذا قالَ الطَبَرِيُّ إمّا لِضَلالَةٍ رَسَمَها لَهُ، وإمّا لِنَفْسِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَأتْبَعَهُ" بِقَطْعِ الألِفِ وسُكُونِ التاءِ، وهي راجِحَةٌ لِأنَّها تَتَضَمَّنُ أنَّهُ لَحِقَهُ وصارَ مَعَهُ، وكَذَلِكَ ﴿ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ، (  ﴾ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ )، وقَرَأ الحَسَنُ فِيما رَوى عنهُ هارُونُ "فاتَّبَعَهُ" بِصِلَةِ الألِفِ وشَدِّ التاءِ، وكَذَلِكَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِخِلافٍ، وكَذَلِكَ الخِلافُ عَنِ الحَسَنِ عَلى مَعْنى لازَمَهُ واتَّبَعَهُ بِالإغْواءِ حَتّى أغْواهُ، و"مِنَ الغاوِينَ" أيْ: مِنَ الضالِّينَ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُۥٓ أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ ۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا ۚ فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ١٧٦ سَآءَ مَثَلًا ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا۟ يَظْلِمُونَ ١٧٧ مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ١٧٨ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌۭ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌۭ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَآ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَٱلْأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ ١٧٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أو تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ﴿ ساءَ مَثَلا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ ﴾ ﴿ مَن يَهْدِ اللهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ يَقُولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: لَأخَذْناهُ، كَما تَقُولُ: "رُفِعَ الظالِمُ" إذا هَلَكَ، والضَمِيرُ في "بِها" عائِدٌ عَلى المَعْصِيَةِ في الِانْسِلاخِ، وابْتَدَأ وصْفَ حالِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ ﴾ فَهي عِبارَةٌ عن إمْهالِهِ وإمْلاءِ اللهِ لَهُ، وقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ: "لَرَفَعْناهُ" مَعْناهُ: لَتَوَفَّيْناهُ قَبْلَ أنْ يَقَعَ في المَعْصِيَةِ ورَفَعْناهُ عنها، والضَمِيرُ -عَلى هَذا- عائِدٌ عَلى الآياتِ، ثُمَّ ابْتَدَأ وصْفَ حالِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وجَماعَةٌ مَعَهُ: "لَرَفَعْناهُ" أيْ: لَشَرَّفْنا ذِكْرَهُ ورَفَعْنا مَنزِلَتَهُ لَدَيْنا بِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي آتَيْناهُ، ﴿ وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ ﴾ فالكَلامُ مُتَّصِلٌ ذُكَرَ فِيهِ السَبَبُ الَّذِي مِن أجْلِهِ لَمْ يُرْفَعْ ولَمْ يُشَرَّفْ كَما فُعِلَ بِغَيْرِهِ مِمَّنْ أُوتِيَ هَذا.

و"أخْلَدَ" مَعْناهُ: لازَمَ وتَقاعَسَ وثَبَتَ، والمُخْلِدُ: الَّذِي يَثْبُتُ شَبابُهُ فَلا يَغْشاهُ الشَيْبُ، ومِنهُ الخُلْدُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: لِمَنِ الدِيارُ غَشِيتَها بِالفَدْفَدِ ∗∗∗ كالوَحْيِ في حَجْرِ المَسِيلِ المُخْلِدِ وقَوْلُهُ: ﴿ إلى الأرْضِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إلى شَهَواتِها ولَذّاتِها وما فِيها مِنَ المَلاذِّ، قالَهُ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِها العِبارَةَ عَنِ الأسْفَلِ والأخَسِّ، كَمّا يُقالُ: فُلانٌ في الحَضِيضِ، ويَتَأيَّدُ ذَلِكَ مِن جِهَةِ المَعْنى المَعْقُولِ، وذَلِكَ أنَّ الأرْضَ وما ارْتَكَزَ فِيها هي الدُنْيا، وكُلُّ ما عَلَيْها فانٍ، مَن أخْلَدَ إلَيْهِ، فَقَدْ حُرِمَ حَظَّ الآخِرَةِ الباقِيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ ﴾ قالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذا الرَجُلَ عُوقِبَ في الدُنْيا بِأنَّهُ يَلْهَثُ كَما يَلْهَثُ الكَلْبُ فَشُبِّهَ بِهِ صُورَةً وهَيْئَةً، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما شُبِّهَ بِهِ في أنَّهُ كانَ ضالًّا قَبْلَ أنْ يُؤْتى الآياتِ، ثُمَّ أُوتِيَها فَكانَ أيْضًا ضالًّا لَمْ تَنْفَعْهُ الآياتُ، فَهو كالكَلْبِ في أنَّهُ لا يُفارِقُ اللهْثَ في حالِ حَمْلِ المَشَقَّةِ عَلَيْهِ وتَرْكِهِ دُونَ حَمْلٍ عَلَيْهِ، وتَحْرِيرُ المَعْنى: فالشَيْءُ الَّذِي تَتَصَوَّرُهُ النُفُوسُ مِن حالِهِ هو كالَّذِي تَتَصَوَّرُ مِن حالِ الكَلْبِ، وبِهَذا التَقْدِيرِ يَحْسُنُ دُخُولُ "الكافِ" عَلى "مَثَلٍ"، واللهْثُ: تَنَفُّسٌ بِسُرْعَةٍ وتَحَرُّكُ أعْضاءِ الفَمِ مَعَهُ، وامْتِدادُ اللِسانِ، وأكْثَرُ ما يَعْتَرِي ذَلِكَ مَعَ الحَرِّ والتَعَبِ، وهو في الفَرَسِ: ضَبْحٌ، وخِلْقَةُ الكَلْبِ أنَّهُ يَلْهَثُ عَلى كُلِّ حالٍ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ مَعْنى: ﴿ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ ﴾ أيْ تَطْرُدُهُ، وحَكاهُ عن مُجاهِدٍ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ داخِلٌ في جُمْلَةِ المَشَقَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ ﴾ أيْ: هَذا المَثَلُ يا مُحَمَّدُ مَثَلُ هَؤُلاءِ القَوْمِ الَّذِينَ كانُوا ضالِّينَ قَبْلَ أنْ تَأْتِيَهم بِالهُدى والرِسالَةِ، ثُمَّ جِئْتَهم بِذَلِكَ فَبَقُوا عَلى ضَلالَتِهِمْ ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ.

فَمَثَلُهم كَمَثَلِ الكَلْبِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فاقْصُصِ القَصَصَ ﴾ أيِ:اسْرُدْ عَلَيْهِمْ ما يَعْلَمُونَ أنَّهُ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا أهْلُ الكُتُبِ الماضِيَةِ ولَسْتَ مِنهم ﴿ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ ﴾ في ذَلِكَ فَيُؤْمِنُونَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ساءَ مَثَلا ﴾ ، قالَ الزَجّاجُ: التَقْدِيرُ: ساءَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ، لِأنَّ الَّذِي بَعْدَ "بِئْسَ" و"نِعْمَ" إنَّما يَتَفَسَّرُ مِن نَوْعِهِ، كَما تَقُولُ: بِئْسَ رَجُلًا زَيْدٌ، ولَمّا انْحَذَفَ "مَثَلُ" أُقِيمَ "القَوْمُ" مَقامَهُ، والرَفْعُ في ذَلِكَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ فِيما تَقَدَّمَ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "ساءَ مَثَلُ القَوْمِ"، ورَفْعُ "مَثَلٍ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ بِـ "ساءَ"، ولا تَجْرِي "ساءَ" مَجْرى "بِئْسَ" إلّا إذا كانَ ما بَعْدَها مَنصُوبًا، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: قَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "مِثْلُ" بِكَسْرِ المِيمِ ورَفْعِ اللامِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "مَثَلُ" بِفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ اللامِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا خِلافُ ما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ، فَإنَّهُ قالَ: قَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ: "ساءَ مَثَلُ" بِالرَفْعِ.

وخُتِمَتْ هَذِهِ الآياتُ -الَّتِي تَضَمَّنَتْ ضَلالَ أقْوامٍ والقَوْلَ فِيهِ- بِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، الهِدايَةُ مِنهُ وبِخَلْقِهِ واخْتِراعِهِ، وكَذَلِكَ الإضْلالُ، وفي الآيَةِ تَعَجُّبٌ مِن حالِ المَذْكُورِينَ، ومَن أضَلَّ فَقَدْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالخُسْرانِ، والثَوابُ والعِقابُ مُتَعَلِّقٌ بِكَسْبِ ابْنِ آدَمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهُ خَلَقَ لِسُكْنى جَهَنَّمَ والِاحْتِراقِ فِيها كَثِيرًا، وفي ضِمْنِهِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ.

و"ذَرَأ" مَعْناهُ: خَلَقَ وأوجَدَ مَعَ بَثٍّ ونَشْرٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِجَهَنَّمَ" هي لامُ العاقِبَةِ، أيْ: لِيَكُونَ أمْرُهم ومَآلُهم لِجَهَنَّمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، ولامُ العاقِبَةِ إنَّما يُتَصَوَّرُ إذا كانَ فِعْلُ الفاعِلِ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ ما يَصِيرُ الأمْرُ إلَيْهِ، وهَذِهِ اللامُ مِثْلُ الَّتِي في قَوْلِ الشاعِرِ: يا أمَّ فَرْوَ كُفِّي اللَوْمَ واعْتَرِفِي ∗∗∗ ∗∗∗ فَكُلُّ والِدَةٍ لِلْمُنْتَأى تَلِدُ وَأمّا هُنا فالفِعْلُ قُصِدَ بِهِ ما يَصِيرُ الأمْرُ إلَيْهِ مِن سُكْناهم جَهَنَّمَ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: "أولادُ الزِنى مِمّا ذَرَأ اللهُ لِجَهَنَّمَ"، ثُمَّ أسْنَدَ فِيهِ حَدِيثًا مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَبِيِّ  ، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَثِيرًا" وإنْ كانَ لَيْسَ بِنَصٍّ في أنَّ الكَفّارَ أكْثَرُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَهو ناظِرٌ إلى ذَلِكَ في قَوْلِ النَبِيِّ  : « "قالَ اللهُ لِآدَمَ: أخْرِجْ بَعْثَ النارِ، فَأخْرَجَ مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَةً وتِسْعِينَ وتِسْعَمِائَةً"».

<div class="verse-tafsir"

وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا۟ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ أَسْمَـٰٓئِهِۦ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٨٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هم الغافِلُونَ  ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ وُصِفَتْ هَذِهِ الصِنْفَةُ الكافِرَةُ المُعْرِضَةُ عَنِ النَظَرِ في آياتِ اللهِ بِأنَّ قُلُوبَهم لا تَفُقْهُ، وَأعْيُنَهم لا تُبْصِرُ، وآذانَهم لا تَسْمَعُ، ولَيْسَ الغَرَضُ مِن ذَلِكَ نَفْيَ هَذِهِ الإدْراكاتِ عن حَواسِّهِمْ جُمْلَةً، وإنَّما الغَرَضُ نَفْيُها في جِهَةٍ ما كَما تَقُولُ: فُلانٌ أصَمُّ عَنِ الخَنا، ومِنهُ قَوْلُ مِسْكِينٍ الدارِمِيِّ: أعْمى إذا ما جارَتِي خَرَجَتْ...

حَتّى يُوارِيَ جارَتِي السِتْرُ وأصَمُّ عَمّا كانَ بَيْنَهُما...

عَمْدًا وما بِالسَمْعِ مِن وقْرِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: وعَوْراءِ الكَلامِ صَمَمْتُ عنها ∗∗∗ ولَوْ أنِّي أشاءُ بِها سَمِيعُ وبادِرَةٍ وزَعْتُ النَفْسَ عنها ∗∗∗ ∗∗∗ وقَدْ بَقِيَتْ مِنَ الغَضَبِ الضُلُوعُ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ في وصاةِ مَن يَدْخُلُ إلى دارِ مَلِكٍ: وادْخُلْ إذا ما دَخَلْتَ أعْمى ∗∗∗ ∗∗∗ واخْرُجْ إذا ما خَرَجْتَ أخْرَسْ فَكَأنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُمُ النَظَرُ بِالقَلْبِ ولا بِالعَيْنِ ولا ما سَمِعُوهُ مِنَ الآياتِ والمَواعِظِ، اسْتَوْجَبُوا الوَصْفَ بِأنَّهم لا يَفْقَهُونَ ولا يُبْصِرُونَ ولا يَسْمَعُونَ، وفَسَّرَ مُجاهِدٌ هَذا بِأنْ قالَ: لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها شَيْئًا مِن أمْرِ الآخِرَةِ، وأعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها الهُدى، وآذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها الحَقَّ.

و"أُولَئِكَ" إشارَةٌ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الكَفَرَةِ، وشَبَّهَهم بِالأنْعامِ في أنَّ الأنْعامَ لا تَفْقَهُ قُلُوبُهُمُ الأشْياءَ، ولا تَعْقِلُ المَقايِيسَ، وكَذَلِكَ ما تُبْصِرُهُ لا يَتَحَصَّلُ لَها كَما يَجِبُ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ ما يُبْصِرُونَهُ ويَسْمَعُونَهُ لا يَتَحَصَّلُ لَهم مِنهُ عِلْمٌ عَلى ما هو بِهِ حِينَ أبْصَرَ وسَمِعَ، ثُمَّ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أضَلُّ، لِأنَّ الأنْعامَ تِلْكَ هي بِنْيَتُها وخِلْقَتُها، لا تُقَصِّرُ في شَيْءٍ، ولا لَها سَبِيلٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وهَؤُلاءِ مُعَدُّونَ لِلْفَهْمِ، وقَدْ خُلِقَتْ لَهم قُوًى يُصَرِّفُونَها، وأُعْطُوا طُرُقًا في النَظَرِ، فَهم -بِغَفْلَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ- يُلْحِقُونَ أنْفُسَهم بِالأنْعامِ، فَهم أضَلُّ عَلى هَذا، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ  ﴾ الطَرِيقَ الَّذِي بِهِ صارُوا أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ وهو الغَفْلَةُ والتَقْصِيرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ الآيَةُ، السَبَبُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما رُوِيَ «أنَّ أبا جَهْلٍ سَمِعَ بَعْضَ أصْحابِ النَبِيِّ  يَقْرَأُ فَيَذْكُرُ اللهَ في قِراءَتِهِ، ومَرَّةً يَقْرَأُ فَيَذْكُرُ الرَحْمَنَ.

ونَحْوَ هَذا، فَقالَ: مُحَمَّدٌ يَزْعُمُ أنَّ الإلَهَ واحِدٌ وهو إنَّما يَعْبُدُ آلِهَةً كَثِيرَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ.» و"الأسْماءُ" هُنا بِمَعْنى: التَسْمِياتِ إجْماعًا مِنَ المُتَأوِّلِينَ لا يُمْكِنُ غَيْرُهُ، و"الحُسْنى": مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ تُقَدَّرَ "الحُسْنى" فُعْلى مُؤَنَّثُهُ "أحْسَنُ" فَأُفْرِدَ وصْفُ جَمِيعِ ما لا يَعْقِلُ، كَما قالَ: ﴿ مَآرِبُ أُخْرى  ﴾ ، وكَما قالَ: ﴿ يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ  ﴾ ، وهَذا كَثِيرٌ وحُسْنُ الأسْماءِ إنَّما يَتَوَجَّهُ بِتَحْسِينِ الشَرْعِ لِإطْلاقِها، والنَصِّ عَلَيْها، وانْضافَ إلى ذَلِكَ أيْضًا أنَّها إنَّما تَضَمَّنَتْ مَعانِيَ حِسانًا شَرِيفَةً.

واخْتَلَفَ الناسُ في الِاسْمِ الَّذِي يَقْتَضِي مَدْحًا خالِصًا ولا يَتَعَلَّقُ بِهِ شُبْهَةٌ ولا اشْتِراكٌ، إلّا أنَّهُ لَمْ يُرَ مَنصُوصًا -هَلْ يُطْلَقُ ويُسَمّى اللهُ بِهِ؟- فَنَصَّ ابْنُ الباقِلّانِيِّ عَلى جَوازِ ذَلِكَ، ونَصَّ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ عَلى مَنعِ ذَلِكَ، والفُقَهاءُ والجُمْهُورُ عَلى المَنعِ، وهو الصَوابُ ألّا يُسَمّى اللهُ تَعالى إلّا بِاسْمٍ قَدْ أطْلَقَتْهُ الشَرِيعَةُ ووَقَفَتْ عَلَيْهِ أيْضًا، فَإنَّ هَذِهِ الشَرِيطَةَ الَّتِي في جَوازِ إطْلاقِهِ مِن أنْ يَكُونَ مَدْحًا خالِصًا لا شُبْهَةَ فِيهِ ولا اشْتِراكَ أمْرٌ لا يُحْسِنُهُ إلّا الأقَلُّ مِن أهْلِ العُلُومِ، فَإذا أُبِيحَ ذَلِكَ تَسَوَّرَ عَلَيْهِ مَن يَظُنُّ بِنَفْسِهِ الإحْسانَ وهو لا يُحْسِنُ، فَأدْخَلَ في أسْماءِ اللهِ ما لا يَجُوزُ إجْماعًا.

واخْتُلِفَ أيْضًا في الأفْعالِ الَّتِي في القُرْآنِ مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ  ﴾ و ﴿ مَكْرَ اللهِ  ﴾ ، ونَحْوِ ذَلِكَ -هَلْ يُطْلَقُ مِنها اسْمُ الفاعِلِ؟- فَقالَتْ فِرْقَةٌ: لا يُطْلَقُ ذَلِكَ بِوَجْهٍ، وجَوَّزَتْ فِرْقَةٌ أنْ يُقالَ ذَلِكَ مُقَيَّدًا بِسَبَبِهِ، فَيُقالُ: "اللهُ مُسْتَهْزِئٌ بِالكافِرِينَ" "وَماكِرٌ بِالَّذِينِ يَمْكُرُونَ بِالدِينِ"، وأمّا إطْلاقُ ذَلِكَ دُونَ تَقْيِيدٍ فَمَمْنُوعٌ إجْماعًا، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْوى، ولا ضَرُورَةَ تَدْفَعُ إلى القَوْلِ الثانِي لِأنَّ صِيغَةَ الفِعْلِ الوارِدَةَ في كِتابِ اللهِ تُغْنِي، ومِن أسْماءِ اللهِ تَعالى ما ورَدَ في القُرْآنِ، ومِنها ما ورَدَ في الحَدِيثِ وتَواتَرَ، وهَذا هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ، وقَدْ ورَدَ في التِرْمِذِيِّ حَدِيثٌ عن أبِي هُرَيْرَةَ ونَصَّ فِيهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، وفي بَعْضِها شُذُوذٌ، وذَلِكَ الحَدِيثُ لَيْسَ بِالمُتَواتِرِ، وإنَّما المُتَواتِرُ مِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إلّا واحِدًا، مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ"»، ومَعْنى أحْصاها: عَدَّها وحَفِظَها، وتَضَمَّنَ ذَلِكَ الإيمانَ بِها والتَعْظِيمَ لَها والرَغْبَةَ فِيها والعِبْرَةَ في مَعانِيها، وهَذا حَدِيثُ البُخارِيِّ، والمُتَحَصِّلُ مِنهُ أنَّ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى هَذِهِ الأسْماءَ مُباحًا إطْلاقُها، ووَرَدَ في بَعْضِ دُعاءِ النَبِيِّ  : « "يا حَنّانُ يا مَنّانُ"،» ولَمْ يَقَعْ هَذانِ الِاسْمانِ في تَسْمِيَةِ التِرْمِذِيِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فادْعُوهُ بِها ﴾ إباحَةٌ بِإطْلاقِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَرُوا الَّذِينَ ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: اتْرُكُوهم ولا تُحاجُّوهم ولا تَعْرِضُوا لَهُمْ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: الوَعِيدُ كَقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا  ﴾ ، وقَوْلِهِ: ﴿ ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا  ﴾ ، ويُقالُ ألْحَدَ ولَحَدَ بِمَعْنى جارَ ومالَ وانْحَرَفَ، وألْحَدَ: أشْهَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ........................

∗∗∗ ∗∗∗ لَيْسَ الإمامُ بِالشَحِيحِ المُلْحِدِ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولا يَكادُ يُسْمَعُ لِأحَدٍ، وفي القُرْآنِ ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ  ﴾ ، ومِنهُ لَحْدُ القَبْرِ المائِلُ إلى أحَدِ شِقَّيْهِ.

وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يُلْحِدُونَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ، وكَذَلِكَ في النَحْلِ والسَجْدَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ الأحْرُفَ الثَلاثَةَ: "يَلْحَدُونَ" بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ، وكَذَلِكَ ابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، والأعْمَشُ.

ومَعْنى الإلْحادِ في أسْماءِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُسَمُّوا اللاتَ نَظِيرًا إلى اسْمِ اللهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والعُزّى نَظِيرًا إلى العَزِيزِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ويُسَمُّونَ اللهَ رَبًّا ويُسَمُّونَ أوثانَهم أرْبابًا، ونَحْوَ هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ بِعَذابِ الآخِرَةِ، وذَهَبَ الكِسائِيُّ إلى الفَرْقِ بَيْنَألْحَدَ ولَحَدَ، وزَعَمَ أنْ ألْحَدَ بِمَعْنى مالَ وانْحَرَفَ، ولَحَدَ بِمَعْنى رَكَنَ وانْضَوى، قالَ الطَبَرِيُّ: وكانَ الكِسائِيُّ يَقْرَأُ جَمِيعَ ما في القُرْآنِ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ إلّا الَّتِي في النَحْلِ، فَإنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ ويَزْعُمُ أنَّها بِمَعْنى الرُكُونِ، وكَذَلِكَ ذَكَرَ عنهُ أبُو عَلِيٍّ.

<div class="verse-tafsir"

وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌۭ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ ١٨١ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ١٨٢ وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ ١٨٣ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا۟ ۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ ١٨٤ أَوَلَمْ يَنظُرُوا۟ فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍۢ وَأَنْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَهُۥ يُؤْمِنُونَ ١٨٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ هَذِهِ آيَةٌ تَتَضَمَّنُ الخَبَرَ عن قَوْمٍ مُخالِفِينَ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في أنَّهم أهْلُ إيمانٍ واسْتِقامَةٍ وهِدايَةٍ.

وظاهِرُ لَفْظِ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي كُلَّ مُؤْمِنٍ كانَ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ إلى قِيامِ الساعَةِ.

قالَ النَحّاسَ: فَلا تَخْلُو الدُنْيا في وقْتٍ مِنَ الأوقاتِ مِن داعٍ يَدْعُو إلى الحَقِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: سَواءٌ بَعُدَ صَوْتُهُ أو كانَ خامِلًا.

ورُوِيَ عن كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّها في أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ  ، ورُوِيَ في ذَلِكَ حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ  قالَ: « "هَذِهِ الآيَةُ لَكُمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُها لِقَوْمِ مُوسى".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ الآيَةُ وعِيدٌ، والإشارَةُ إلى الكُفّارِ، و ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ ﴾ مَعْناهُ: سَنَسُوقُهم شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ودَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ بِالنِعَمِ عَلَيْهِمْ والإمْهالِ لَهم حَتّى يَغْتَرُّوا ويَظُنُّوا أنَّهم لا يَنالُهم عِقابٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ﴾ مَعْناهُ: مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ اسْتِدْراجٌ لَهُمْ، وهَذِهِ عُقُوبَةٌ مِنَ اللهِ عَلى التَكْذِيبِ بِالآياتِ، لَمّا حَتَّمَ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ أمْلى لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والنَخْعِيُّ: "سَيَسْتَدْرِجُهُمْ" بِالياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أُمْلِي" مَعْناهُ: أُؤَخِّرُ مُلاءَةً مِنَ الدَهْرِ، أيْ مُدَّةً.

وفِيها ثَلاثُ لُغاتٍ: فَتْحُ المِيمِ وضَمُّها وكَسْرُها.

وقَرَأ عَبْدُ الحَمِيدِ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: "أنَّ كَيْدِي" عَلى مَعْنى: لِأجْلِ أنَّ كَيْدِي، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ وسائِرُ السَبْعَةِ: "إنَّ كَيْدِي" عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ.

وَ"مَتِينٌ" مَعْناهُ: قَوِيٌّ، قالَ الشاعِرُ: لِآَلٍ عَلَيْنا واجِبٌ لا نُضَيِّعُهُ ∗∗∗ مَتِينٌ قُواهُ غَيْرُ مُنْتَكَثِ الحَبْلِ ورَوى ابْنُ إسْحاقَ في هَذا البَيْتِ "أمِينٌ قُواهُ"، وهو مِنَ المَتْنِ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ لِقُوَّتِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو امْرُؤُ القَيْسِ: لَها مَتْنَتانِ خَظاتا كَما ∗∗∗ ∗∗∗ أكَبَّ عَلى ساعِدَيْهِ النَمِرْ وهُما جَنْبَتا الظَهْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: عَدَلْنَ عُدُولَ اليَأْسِ وافْتَجَّ يَبْتَلِي ∗∗∗ ∗∗∗ أفانِينَ مِنَ الهُوبِ شَدَّ مَماتِنِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ويَخْدِي عَلى صُمٍّ صِلابٍ مَلاطِسِ ∗∗∗ ∗∗∗ شَدِيداتِ عَقْدٍ لَيِّناتِ مِتانِ وَمِنهُ الحَدِيثُ في غَزْوَةٍ بَنِي المُصْطَلِقِ: « "فَمَتَنَ رَسُولُ اللهِ  بِالناسِ"» أيْ: سارَ بِهِمْ سَيْرًا شَدِيدًا لِيَنْقَطِعَ الحَدِيثُ بِقَوْلِ ابْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ: ﴿ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ  ﴾ الآيَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ ﴾ الآيَةُ، تَقْرِيرٌ يُقارِنُهُ تَوْبِيخٌ لِلْكُفّارِ، والوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ﴾ ، ثُمَّ ابْتَدَأ القَوْلَ بِنَفْيِ ما ذَكَرُوهُ: ﴿ ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ ﴾ أيْ بِمُحَمَّدٍ  ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أو لَمْ يَتَفَكَّرُوا أنَّهُ ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ؟

وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فِيما رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  صَعِدَ لَيْلًا عَلى الصَفا، فَجَعَلَ يَدْعُو قَبائِلَ قُرَيْشٍ: يا بَنِي فُلانٍ، يا بَنِي فُلانٍ، يُحَذِّرُهم ويَدْعُوهم إلى اللهِ، فَقالَ بَعْضُ الكُفّارِ حِينَ أصْبَحُوا: هَذا مَجْنُونٌ باتَ يُصَوِّتُ حَتّى الصَباحِ» فَنَفى اللهُ عَزَّ وجَلَّ ما قالُوهُ مِن ذَلِكَ في هَذا المَوْطِنِ المَذْكُورِ وفي غَيْرِهِ، فَإنَّ الجُنُونَ بَعْضُ ما رَمَوْهُ بِهِ حَتّى أظْهَرَ اللهُ نُورَهُ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ نَذِيرٌ أيْ مُحَذِّرٌ مِنَ العَذابِ، ولَفْظُ النِذارَةِ إذا جاءَ مُطْلَقًا، فَإنَّما هو في الشَرِّ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ مُقَيَّدًا بِهِ، ويَظْهَرُ مِن رَصْفِ الآيَةِ أنَّها باعِثَةٌ لَهم عَلى الفِكْرَةِ في أمْرِ مُحَمَّدٍ  ، وأنَّهُ لَيْسَ بِهِ جِنَّةٌ، كَما أحالَهم بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى النَظَرِ، ثُمَّ بَيَّنَ المَنظُورَ فِيهِ كَذَلِكَ أحالَ هُنا عَلى الفِكْرَةِ ثُمَّ بَيَّنَ المُتَفَكَّرَ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ ﴾ الآيَةُ، هَذا أيْضًا تَوْبِيخٌ لِلْكَفّارِ وتَقْرِيرٌ، والنَظَرُ هُنا بِالقَلْبِ عِبْرَةً وفِكْرًا، و"مَلَكُوتُ" بِناءُ عَظَمَةٍ ومُبالَغَةٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ ما يُنْظَرُ فِيهِ ويُسْتَدَلُّ بِهِ، مِنَ الصَنْعَةِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، ومِن نَفْسِ الإنْسِ وحَواسِّهِ ومَواضِعِ رِزْقِهِ، والشَيْءُ واقِعٌ عَلى المَوْجُوداتِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنْ عَسى ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ فِي مَلَكُوتِ ﴾ .

و"وَأنِ" الثانِيَةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ "عَسى"، والمَعْنى تَوْقِيفُهم عَلى أنْ لَمْ يَقَعْ لَهم نَظَرٌ في شَيْءٍ مِن هَذا، ولا في أنَّهُ قَرُبَتْ آجالُهُمْ، فَماتُوا فَفاتَ أوانُ الِاسْتِدْراكِ ووَجَبَ عَلَيْهِمُ المَحْذُورُ.

ثُمَّ وقَّفَهم بِأيِّ حَدِيثٍ أو أمْرٍ يَقَعُ إيمانُهم وتَصْدِيقُهم إذا لَمْ يَقَعْ بِأمْرٍ فِيهِ نَجاتُهم ودُخُولُهُمُ الجَنَّةَ؟

ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: وعن أيِّ نَفْسٍ بَعْدِ نَفْسِي أُقاتِلُ؟

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "بَعْدَهُ" يُرادُ بِهِ القُرْآنُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ  وقَصَّتُهُ وأمْرُهُ أجْمَعُ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الأجَلِ، إذْ لا عَمَلَ بَعْدَ المَوْتِ.

<div class="verse-tafsir"

مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُۥ ۚ وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ١٨٦ يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةًۭ ۗ يَسْـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ١٨٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الساعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هو ثَقُلَتْ في السَماواتِ والأرْضِ لا تَأْتِيكم إلا بَغْتَةً يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عنها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ هَذا شَرْطٌ وجَوابٌ مُضَمَّنُهُ اليَأْسُ مِنهم والمَقْتُ لَهُمْ، لِأنَّ المُرادَ أنَّ هَذا قَدْ نَزَلَ بِهِمْ وأنَّهم مِثالٌ لِهَذا.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وقَتادَةُ: "وَنَذَرُهُمْ" بِالنُونِ ورَفْعِ الراءِ، وكَذَلِكَ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، ورَوى عنهُ حَفْصٌ "وَيَذَرُهُمْ" بِالياءِ والرَفْعِ، وقَرَأها أهْلُ مَكَّةَ، وهَذا عَلى إضْمارِ مُبْتَدَإٍ: "وَنَحْنُ نَذْرُهُمْ"، أو عَلى قَطْعِ الفِعْلِ واسْتِئْنافِ القَوْلِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو -فِيما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ - بِالياءِ والجَزْمِ، وقَرَأها كَذَلِكَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ: "وَيَذَرْهُمْ" بِالياءِ وبِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ الفاءِ وما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا هادِيَ لَهُ ﴾ لِأنَّهُ مَوْضِعُ جَزْمٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ أبِي داوُدَ: فابْلُونِي بَلِيَّتَكم لَعَلِّي ∗∗∗ أُصالِحُكم وأسْتَدْرِجْ نَوِيّا وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: أنّى سَلَكْتَ فَإنَّنِي لَكَ كاشِحٌ ∗∗∗ ∗∗∗ وعَلى انْتِقاصِكَ في الحَياةِ وأزْدَدْ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ومِثْلُهُ في الحَمْلِ عَلى المَوْضِعِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصالِحِينَ  ﴾ ، لِأنَّكَ لَوْ لَمْ تُلْحِقِ الفاءَ لَقُلْتَ "أصَّدَّقْ"، ورَوى خارِجَةُ عن نافِعٍ: "وَنَذَرْهُمْ" بِالنُونِ والجَزْمِ.

والطُغْيانُ: الإفْراطُ في الشَيْءِ، وكَأنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ الصَلاحِ، والعَمَهُ: الحَيْرَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الساعَةِ ﴾ الآيَةُ، قالَ قَتادَةُ بْنُ دِعامَةَ: المُرادُ: يَسْألُكَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: يا مُحَمَّدُ، إنّا قَرابَتُكَ فَأخْبِرْنا بِوَقْتِ الساعَةِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المُرادُ بِالآيَةِ اليَهُودُ، وذَلِكَ أنَّ جَبَلَ بْنَ أبِي قُشَيْرٍ، وسَمْوِيلَ بْنَ زَيْدٍ قالا لَهُ: إنْ كُنْتَ نَبِيًّا، فَأخْبِرْنا بِوَقْتِ الساعَةِ فَإنّا نَعْرِفُها، فَإنْ صَدَقْتَ آمَنّا بِكَ.

و"الساعَةُ": القِيامَةُ، مَوْتُ كُلِّ شَيْءٍ كانَ حِينَئِذٍ حَيًّا وبَعْثُ الجَمِيعِ هو كُلُّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الساعَةِ واسْمُ القِيامَةِ.

و"أيّانَ" مَعْناها: مَتى وهو سُؤالٌ عن زَمانٍ، ولِتَضَمُّنِها الوَقْتَ بُنِيَتْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أيّانَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ السُلَمِيُّ: "إيّانَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ أصْلُها "أيَّ آنٍ" وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَتْحِ، وقالَ الشاعِرُ: أيّانَ تَقْضِي حاجَتِي أيّانا ∗∗∗ ∗∗∗ أما تَرى لِفِعْلِها إبّانا؟

قالَ أبُو الفَتْحِ: وزْنُ "أيّانَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ: فَعْلانَ، وبِكَسْرِها: فِعْلانَ، والنُونُ فِيهِما زائِدَةٌ.

ومُرْساها رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ أيّانَ، ومَذْهَبُ المُبَرِّدِ أنَّ مُرْساها مُرْتَفِعٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ ومَعْناهُ مُثْبِتُها ومُنْتَهاها، مَأْخُوذَةٌ مَن أرْسى يُرْسِي، ثُمَّ أمَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِالرَدِّ إلَيْهِ والتَسْلِيمِ لِعِلْمِهِ، ويُجَلِّيها مَعْناهُ يُظْهِرُها والجَلاءُ البَيِّنَةُ والشُهُودُ وهو مُرادُ زُهَيْرٍ بِقَوْلِهِ: .....................

∗∗∗ ∗∗∗ يَمِينٌ أو نِفارٌ أو جَلاءُ وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثَقُلَتْ في السَماواتِ والأرْضِ ﴾ قالَ السُدِّيُّ، ومَعْمَرٌ عن بَعْضِ أهْلِ التَأْوِيلِ: مَعْناهُ: ثَقُلَ أنْ تَعْلَمَ ويُوقَفَ عَلى حَقِيقَةِ وقْتِها، قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْناهُ: ثَقُلَتْ هَيْئَتُها والفَزَعُ مِنها عَلى أهْلِ السَماواتِ والأرْضِ، كَما تَقُولُ: خِيفَ العَدُوُّ في بَلَدِ كَذا وكَذا، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْناهُ: ثَقُلَتْ عَلى السَماواتِ والأرْضِ أنْفُسِها لِتَفَطُّرِ السَماواتِ وتَبَدُّلِ الأرْضِ ونَسْفِ الجِبالِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى خَبَرًا يَدْخُلُ فِيهِ الكُلُّ: إنَّها لا تَأْتِي إلّا بَغْتَةً، أيْ فَجْأةً دُونَ أنْ يَتَقَدَّمَ مِنها عِلْمٌ بِوَقْتِها عِنْدَ أحَدٍ مِنَ الناسِ، و"بَغْتَةً" مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عنها ﴾ الآيَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: المَعْنى: يَسْألُونَكَ عنها كَأنَّكَ حَفِيٌّ، أيْ: مُتْحَفٌ ومُهْتَبَلٌ، وهَذا يَنْحُو إلى ما قالَتْ قُرَيْشٌ: إنّا قَرابَتُكَ فَأخْبِرْنا، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا، والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: كَأنَّكَ حَفِيٌّ في المَسْألَةِ عنها والِاشْتِغالِ بِها حَتّى حَصَّلَتْ عِلْمَها، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -فِيما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ -: "كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِها"، لِأنَّ "حَفِيٌّ" مَعْناهُ: مُهْتَبَلٌ مُجْتَهِدٌ في السُؤالِ مُبالِغٌ في الإقْبالِ عَلى ما يُسْألُ عنهُ، وقَدْ يَجِيءُ "حَفِيٌّ" وصْفًا لِلسُّؤالِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلَمّا التَقَيْنا بَيَّنَ السَيْفُ بَيْنَنا ∗∗∗ ∗∗∗ لِسائِلَةٍ عَنّا حَفِيُّ سُؤالُها ومِنَ المَعْنى الأوَّلِ الَّذِي يَجِيءُ فِيهِ "حَفِيٌّ" وصْفًا لِلسّائِلِ قَوْلُ الآخَرِ: سُؤالُ حَفِيٍّ عن أخِيهِ كَأنَّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ بِذُكْرَتِهِ وسْنانُ أو مُتَواسِنُ ثُمَّ أمَرَهُ ثانِيَةً بِأنْ يُسَلِّمَ لِعِلْمِهِ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ وتَهَمُّمًا بِهِ إذْ هو مِنَ الغُيُوبِ الخَمْسَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ الساعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ  ﴾ ، وقِيلَ: العِلْمُ الأوَّلُ عِلْمُ قِيامِها والثانِي عِلْمُ كُنْهِها وحالِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ، قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا الأمْرَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللهُ، بَلْ يَظُنُّ أكْثَرُهم أنَّهُ مِمّا يَعْلَمُ البَشَرُ.

<div class="verse-tafsir"

قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًۭا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لَٱسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوٓءُ ۚ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ١٨٨ ۞ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ۖ فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًۭا فَمَرَّتْ بِهِۦ ۖ فَلَمَّآ أَثْقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَـٰلِحًۭا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ ١٨٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلا ما شاءَ اللهُ ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُوءُ إنْ أنا إلا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِن الشاكِرِينَ ﴾ هَذا أمْرٌ في أنْ يُبالِغَ في الِاسْتِسْلامِ ويَتَجَرَّدَ مِنَ المُشارَكَةِ في قُدْرَةِ اللهِ وغَيْبِهِ، وأنْ يَصِفَ نَفْسَهُ لِهَؤُلاءِ السائِلِينَ بِصِفَةِ مَن كانَ بِها فَهو حَرِيٌّ ألّا يَعْلَمَ غَيْبًا ولا يَدَّعِيَهُ، فَأخْبَرَ أنَّهُ لا يَمْلِكُ مِن مَنافِعِ نَفْسِهِ ومَضارِّها إلّا ما سَنّى اللهُ لَهُ وشاءَ ويَسَّرَ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وأخْبَرَ أنَّهُ لَوْ كانَ يَعْلَمُ الغَيْبَ لَعَمِلَ بِحَسَبِ ما يَأْتِي ولاسْتَعَدَّ لِكُلِّ شَيْءٍ اسْتِعْدادَ مَن يَعْلَمُ قَدَرَ ما يَسْتَعِدُّ لَهُ، وهَذا لَفْظُ عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ، وقَدْ خَصَّصَ الناسُ هَذا فَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، ومُجاهِدٌ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ أجْلِي لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ العَمَلِ الصالِحِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: أوقاتُ النَصْرِ لَتَوَخِيَتِها، وحَكى مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ مَعْنى: ﴿ وَلَوْ كُنْتُ أعْلَمُ ﴾ السَنَةَ المُجْدِبَةَ لَأعْدَدْتُ لَها مِنَ المُخْصِبَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وألْفاظُ الآيَةِ تَعُمُّ هَذا وغَيْرَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما مَسَّنِيَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ وبِكِلَيْهِما قِيلَ؛ أحَدُهُما: أنَّ "ما" مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ لاسْتَكْثَرْتُ ﴾ أيْ: ولَما مَسَّنِيَ السُوءُ.

والثانِي: أنْ يَكُونَ الكَلامُ مَقْطُوعًا تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ ﴾ وابْتَدَأ يُخْبِرُ بِنَفْيِ السُوءِ عنهُ وهو الجُنُونُ الَّذِي رَمَوْهُ بِهِ.

قالَ المُؤَرِّجُ السَدُوسِيُّ:السُوءُ: الجُنُونُ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ، ثُمَّ أخْبَرَ بِجُمْلَةِ ما هو عَلَيْهِ مِنَ النِذارَةِ والبِشارَةِ.

و ﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ أنَّهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُطْلَبُ مِنهُمُ الإيمانُ ويُدْعَوْنَ إلَيْهِ وهَؤُلاءِ الناسُ أجْمَعُ، والثانِي: أنْ يُخْبِرَ أنَّهُ نَذِيرٌ ويَتِمَّ الكَلامُ، ثُمَّ يَبْتَدِئَ يُخْبِرُ أنَّهُ بَشِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ، فَفي هَذا وعْدٌ لِمَن حَصَلَ إيمانُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ الآيَةُ.

قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالنَفْسِ الواحِدَةِ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَ مِنها زَوْجَها ﴾ حَوّاءُ، وقَوْلُهُ: "مِنها" يُرِيدُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن أنَّ آدَمَ نامَ فاسْتُخْرِجَتْ قُصْرى أضْلاعِهِ وخُلِقَتْ مِنها حَوّاءُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَسْكُنَ إلَيْها ﴾ أيْ: لِيَأْنَسَ ويَطْمَئِنَّ، وكانَ هَذا كُلُّهُ في الجَنَّةِ.

ثُمَّ ابْتَدَأ بِحالَةٍ أُخْرى هي في الدُنْيا بَعْدَ هُبُوطِها، فَقالَ: ﴿ فَلَمّا تَغَشّاها ﴾ أيْ غَشِيَها وهي كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، والحَمْلُ الخَفِيفُ هو المَنِيُّ الَّذِي تَحْمِلُهُ المَرْأةُ في فَرْجِها، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "حَمْلًا" بِفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "حِمْلًا" بِكَسْرِ الحاءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَرَّتْ بِهِ ﴾ أيِ اسْتَمَرَّتْ بِهِ، قالَ أيُّوبُ: سَألْتُ الحَسَنَ عن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَرَّتْ بِهِ ﴾ فَقالَ: لَوْ كُنْتَ امْرَأً عَرَبِيًّا لَعَرَفْتَ ما هِيَ، إنَّما المَعْنى: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدَّرَهُ قَوْمٌ عَلى القَلْبِ كَأنَّ المُرادَ: فاسْتَمَرَّ بِها، كَما تَقُولُ: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -فِيما ذَكَرَ النَقّاشُ -: "فَمَرَتْ بِهِ" بِتَخْفِيفِ الراءِ، ومَعْناهُ: فَشَكَّتْ فِيما أصابَها هَلْ هو حَمْلٌ أو مَرَضٌ ونَحْوُ هَذا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "فاسْتَمَرَّتْ بِهِ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فاسْتَمَرَّتْ بِحَمْلِها"، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ: "فَمارَتْ بِهِ" ومَعْناهُ: أيْ جاءَتْ بِهِ وذَهَبَتْ وتَصَرَّفَتْ، كَما تَقُولُ: مارَتِ الرِيحُ مَوْرًا، و"أثْقَلَتْ" دَخَلَتْ في الثِقْلِ، كَما تَقُولُ: أصْبَحَ وأمْسى، أيْ: صارَتْ ذاتَ ثِقْلٍ، كَما تَقُولُ: أتْمَرَ الرَجُلُ وألْبَنَ إذا صارَ ذا تَمْرٍ ولَبَنٍ، والضَمِيرُ في "دَعَوا" يَعُودُ عَلى آدَمَ وحَوّاءَ.

ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ حَوّاءَ لَمّا حَمَلَتْ أوَّلَ حَمْلٍ لَمْ تَدْرِ ما هُوَ، وهَذا يُقَوِّي قِراءَةَ مَن قَرَأ "فَمَرَتْ بِهِ" بِتَخْفِيفِ الراءِ فَجَزِعَتْ لِذَلِكَ فَوَجَدَ إبْلِيسُ إلَيْها السَبِيلَ، فَقالَ لَها: ما يُدْرِيكِ ما في جَوْفِكِ؟

ولَعَلَّهُ خِنْزِيرٌ أو حَيَّةٌ أو بَهِيمَةٌ في الجُمْلَةِ، وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ؟

أيَنْشَقُّ لَهُ بَطْنُكِ فَتَمُوتِينَ أو مِن فَمِكِ أو مِن أنْفِكِ؟

ولَكِنْ إنْ أطَعْتِنِي وسَمَّيْتِهِ عَبْدَ الحارِثِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: "والحارِثُ اسْمُ إبْلِيسَ"، فَسَأُخَلِّصُهُ لَكِ وأجْعَلُهُ بَشَرًا مِثْلَكِ، وإنْ أنْتِ لَمْ تَفْعَلِي قَتَلْتُهُ لَكِ، قالَ: فَأخْبَرَتْ حَوّاءُ آدَمَ، فَقالَ لَها: ذَلِكَ صاحِبُنا الَّذِي أغْوانا في الجَنَّةِ، لا نُطِيعُهُ، فَلَمّا ولَدَتْ سَمَّياهُ عَبْدَ اللهِ، فَماتَ الغُلامُ، ويُرْوى أنَّ اللهَ سَلَّطَ إبْلِيسَ عَلى قَتْلِهِ، فَحَمَلَتْ بِآخَرَ فَفَعَلَ بِها مِثْلَ ذَلِكَ، فَحَمَلَتْ بِالثالِثِ، فَلَمّا ولَدَتْهُ أطاعا إبْلِيسَ فَسَمَّياهُ عَبْدَ الحارِثِ حِرْصًا عَلى حَياتِهِ، فَهَذا هو الشِرْكُ الَّذِي جَعَلا لِلَّهِ، أيْ في التَسْمِيَةِ فَقَطْ.

وَ"صالِحًا" قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: غُلامًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -وَهُوَ الأظْهَرُ-: بَشَرًا سَوِيًّا سَلِيمًا، ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ الثانِي، وفي "المُشْكِلِ" لِمَكِّيٍّ أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ أيْ: أتْيًا صالِحًا، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ التَبْيِينُ عن حالِ الكافِرِينَ، فَعَدَّدَ النِعَمَ الَّتِي تَعُمُّ الكافِرِينَ وغَيْرَهم مِنَ الناسِ، ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بِفِعْلِ المُشْرِكِينَ السَيِّئِ فَقامَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ ووَجَبَ العِقابُ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ مُخاطِبًا لِجَمِيعِ الناسِ: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها ﴾ يُرِيدُ آدَمَ وحَوّاءَ، أيْ: واسْتَمَرَّتْ حالُكم واحِدًا كَذَلِكَ، فَهَذِهِ نِعْمَةٌ تَخُصُّ كُلَّ أحَدٍ بِجُزْءٍ مِنها، ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا تَغَشّاها ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ وصْفًا لِحالِ الناسِ واحِدًا واحِدًا، أيْ هَكَذا يَفْعَلُونَ، فَإذا آتاهُمُ اللهُ الوَلَدَ صالِحًا سَلِيمًا كَما أرادَهُ، صَرَفاهُ عَنِ الفِطْرَةِ إلى الشِرْكِ، فَهَذا فِعْلُ المُشْرِكِينَ الَّذِي قامَتِ الحُجَّةُ فِيهِ بِاقْتِرانِهِ مَعَ النِعْمَةِ العامَّةِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ -فِيما حَكى عنهُ الطَبَرِيُّ -: مَعْنى الآيَةِ: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ إشارَةٌ إلى الرُوحِ الَّذِي يُنْفَخُ في كُلِّ أحَدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أيْ: خَلَقَكم مِن جِنْسٍ واحِدٍ وجَعَلَ الإناثَ مِنهُ، ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ فَلَمّا تَغَشّاها ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ وصْفًا لِحالِ الناسِ واحِدًا واحِدًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَرْتِيبِ في القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ.

<div class="verse-tafsir"

فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَـٰلِحًۭا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَا ۚ فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ١٩٠ أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ١٩١ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًۭا وَلَآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ١٩٢ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمْ ۚ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَـٰمِتُونَ ١٩٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ﴾ ﴿ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ ﴾ يُقالُ: إنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ هي في آدَمَ وحَوّاءَ، وإنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: "ءاتاهُما" عائِدٌ عَلَيْهِما، ويُقالُ: إنَّ الشِرْكَ الَّذِي جَعَلاهُ هو في الطاعَةِ، أيْ أطاعا إبْلِيسَ في التَسْمِيَةِ بِعَبْدِ الحارِثِ، لَكِنَّهُما كانا في غَيْرِ ذَلِكَ مُطِيعَيْنِ لِلَّهِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا مِن طَرِيقِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الشِرْكُ في أنْ جَعَلا عُبُودِيَّتَهُ بِالِاسْمِ لِغَيْرِهِ، وقالَ الطَبَرِيُّ والسُدِّيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ : إنَّهُ كَلامٌ مُنْفَصِلٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وإنَّ خَبَرَ آدَمَ وحَوّاءَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ فِيما آتاهُما ﴾ ، وإنَّ هَذا كَلامٌ يُرادُ بِهِ مُشْرِكُو العَرَبِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَحَكُّمٌ لا يُساعِدُهُ اللَفْظُ، ويَتَّجِهُ أنْ يُقالَ: تَعالى اللهُ عن ذَلِكَ اليَسِيرِ المُتَوَهَّمِ مِنَ الشِرْكِ في عُبُودِيَّةِ الِاسْمِ، ويَبْقى الكَلامُ في جِهَةِ أبَوَيْنا آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَلامُ، وجاءَ الضَمِيرُ في "يُشْرِكُونَ" ضَمِيرَ جَمْعٍ لِأنَّ إبْلِيسَ مُدَبِّرٌ مَعَهُما تَسْمِيَةَ الوَلَدِ عَبْدَ الحارِثِ، ومَن قالَ: "إنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ إنَّما الغَرَضُ مِنها تَعْدِيدُ النِعْمَةِ في الأزْواجِ وفي تَسْهِيلِ النَسْلِ والوِلادَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ سُوءَ فِعْلِ المُشْرِكِينَ بِعَقِبِ ذَلِكَ"، قالَ في الآيَةِ الأخِيرَةِ: إنَّها عَلى ذَلِكَ الأُسْلُوبِ، وإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ المُرادُ بِالضَمِيرِ فِيهِ: المُشْرِكُونَ، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: فَلَمّا آتى اللهُ هَذَيْنِ الإنْسانَيْنِ صالِحًا أيْ سَلِيمًا ذَهَبا بِهِ إلى الكُفْرِ، وجَعَلا لِلَّهِ فِيهِ شُرَكاءَ، وأخْرَجاهُ عَنِ الفِطْرَةِ.

ولَفْظَةُ الشِرْكِ تَقْتَضِي نَصِيبَيْنِ، فالمَعْنى: وجَعَلا لِلَّهِ فِيهِ ذا شِرْكٍ، لِأنَّ إبْلِيسَ أو أصْنامَ المُشْرِكِينَ هي المَجْعُولَةُ، والأصْلُ أنَّ الكُلَّ لِلَّهِ تَعالى، وبِهَذا حَلَّ الزَجّاجُ اعْتِراضَ مَن قالَ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الكَلامُ: "جَعَلا لِغَيْرِهِ شِرْكًا".

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "شِرْكًا" بِكَسْرِ الشِينِ وسُكُونِ الراءِ عَلى المَصْدَرِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وعِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٍ، وعاصِمٍ، وأبانِ بْنِ تَغْلِبَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ "شُرَكاءَ" عَلى الجَمْعِ، وهي بَيِّنَةٌ عَلى هَذا التَأْوِيلِ الأخِيرِ، وقَلِقَةٌ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: "إنَّ الآيَةَ الأُولى في آدَمَ وحَوّاءَ"، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ ابْنِ كَعْبٍ: "فَلَمّا آتاهُما صالِحًا أشْرَكا فِيهِ"، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في قَصَصِ آدَمَ وحَوّاءَ وإبْلِيسَ في التَسْمِيَةِ بِعَبْدِ الحارِثِ، وفي صُورَةِ مُخاطَبَتِهِمْ أشْياءَ طَوِيلَةً لا يَقْتَضِي الِاخْتِصارُ ذِكْرُها.

وَقَرَأ نافِعٌ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: "عَمّا يُشْرِكُونَ أيُشْرِكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ فِيهِما، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "عَمّا تُشْرِكُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، "أتُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ" الآيَةُ، ورَوى بَعْضُ مَن قالَ: "إنَّ الآياتِ في آدَمَ وحَوّاءَ" أنَّ إبْلِيسَ جاءَ إلى آدَمَ وقَدْ ماتَ لَهُ ولَدٌ اسْمُهُ عَبْدُ اللهِ فَقالَ: إنْ شِئْتَ أنْ يَعِيشَ لَكَ الوَلَدُ فَسَمِّهِ عَبَدَ شَمْسٍ، فَوُلِدَ لَهُ ولَدٌ فَسَمّاهُ كَذَلِكَ، وإيّاهُ عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿ أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا ﴾ ، ﴿ وَهم يُخْلَقُونَ ﴾ -عَلى هَذا- عائِدٌ عَلى آدَمَ وحَوّاءَ والِابْنِ المُسَمّى عَبَدَ شَمْسٍ، ومَن قالَ بِالقَوْلِ الآخَرِ قالَ: إنَّ هَذِهِ في مُشْرِكِي الكُفّارِ الَّذِينَ يُشْرِكُونَ الأصْنامَ في العِبادَةِ، وإيّاها أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ ما لا يَخْلُقُ ﴾ ، وعَبَّرَ عنها بِـ"هُمْ" كَأنَّها تَعْقِلُ عَلى اعْتِقادِ الكُفّارِ فِيها وبِحَسَبِ أسْمائِها.

و ﴿ يُخْلَقُونَ ﴾ مَعْناهُ: يُنْحَتُونَ ويُصْنَعُونَ، ويَحْتَمِلُ -عَلى قِراءَةِ "أيُشْرِكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ- أنْ يَكُونَ المَعْنى: وهَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ يُخْلَقُونَ، أيْ: كانَ يَجِبُ أنْ يَعْتَبِرُوا بِأنَّهم مَخْلُوقُونَ فَيَجْعَلُونَ إلَهَهم خالِقَهم لا مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ تُخَرَّجُ عَلى تَأْوِيلِ مَن قالَ: "إنَّ المُرادَ آدَمُ وحَوّاءُ والشَمْسُ" عَلى ما تَقَدَّمَ، ولَكِنْ بِقَلَقٍ وتَعَسُّفٍ مِنَ المُتَأوِّلِ في المَعْنى، وإنَّما تَتَّسِقُ هَذِهِ الآياتُ ويَرُوقُ نَظْمُها ويَتَناصَرُ مَعْناها عَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ، والمَعْنى: ولا يَنْصُرُونَ أنْفُسَهم مِن أمْرِ اللهِ وإرادَتِهِ، ومَن لا يَدْفَعُ عن نَفْسِهِ فَأحْرى ألّا يَدْفَعَ عن غَيْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى ﴾ الآيَةُ، مَن قالَ: "إنَّ الآياتِ في آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ" قالَ: إنَّ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ  وأُمَّتِهِ مُسْتَأْنَفَةٌ في أمْرِ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِلنَّبِيِّ  ، ولَهُمُ الهاءُ والمِيمُ مِن "تَدْعُوهُمْ"، ومَن قالَ بِالقَوْلِ الآخَرِ قالَ: إنَّ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والكُفّارِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ "يُشْرِكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، ولِلْكَفّارِ فَقَطْ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ، أيْ: إنَّ هَذِهِ حالُ الأصْنامِ مَعَكم إنْ دَعَوْتُمُوهم لَمْ يُجِيبُوكُمْ، إذْ لَيْسَ لَهم حَواسُّ ولا إدْراكاتٌ.

وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "لا يَتْبَعُوكُمْ" بِسُكُونِ التاءِ وفَتْحِ الباءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "لا يَتَّبِعُوكُمْ" بِشَدِّ التاءِ المَفْتُوحَةِ وكَسْرِ الباءِ، والمَعْنى واحِدٌ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ ﴾ عَطَفَ الِاسْمَ عَلى الفِعْلِ، إذِ التَقْدِيرُ: أمْ صَمَتُّمْ.

ومِثْلُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ سَواءٌ عَلَيْكَ النَقْرُ أمْ بِتَّ لَيْلَةً ∗∗∗ بِأهْلِ القِبابِ مِن نُمَيْرِ بْنِ عامِرِ <div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَٱدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ١٩٤ أَلَهُمْ أَرْجُلٌۭ يَمْشُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍۢ يَبْطِشُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌۭ يُبْصِرُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ ءَاذَانٌۭ يَسْمَعُونَ بِهَا ۗ قُلِ ٱدْعُوا۟ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ ١٩٥ إِنَّ وَلِـِّۧىَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّـٰلِحِينَ ١٩٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنَّ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ ﴾ ﴿ إنَّ ولِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ وهو يَتَوَلّى الصالِحِينَ ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ" بِتَثْقِيلِ "إنَّ" ورَفْعِ "عِبادٌ"، وهي مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ في تَحْقِيرِ شَأْنِ أصْنامِهِمْ عِنْدَهُمْ، أيْ: إنَّ هَذِهِ الأصْنامَ مَخْلُوقَةٌ مُحْدَثَةٌ إذْ هي أجْسامٌ وأجْرامٌ فَهي مُتَعَبَّدَةٌ أيْ مُتَمَلَّكَةٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ طائِفَةٌ مِنَ العَرَبِ مِن خُزاعَةَ كانَتْ تَعْبُدُ المَلائِكَةَ فَأعْلَمَهُمُ اللهُ أنَّهم عِبادٌ أمْثالُهم لا آلِهَةٌ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "إنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبادًا أمْثالَكُمْ" بِتَخْفِيفِ النُونِ مِن "إنَّ" عَلى أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "ما" وبِنَصْبِ قَوْلِهِ: "عِبادًا" و"أمْثالَكُمْ"، والمَعْنى بِهَذِهِ القِراءَةِ تَحْقِيرُ شَأْنِ الأصْنامِ ونَفْيِ مُماثَلَتِهِمْ لِلْبَشَرِ، بَلْ هم أقَلُّ وأحْقَرُ إذْ هم جَماداتٌ لا تَفْهَمُ ولا تَعْقِلُ، وسِيبَوَيْهِ يَرى أنَّ "إنْ" إذا كانَتْ بِمَعْنى "ما" فَإنَّها تَضْعُفُ عن رُتْبَةِ "ما" فَيَبْقى الخَبَرُ مَرْفُوعًا وتَكُونُ هي داخِلَةً عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ لا يَنْصِبُهُ، فَكانَ الوَجْهُ عِنْدَهُ في هَذِهِ القِراءَةِ: إنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبادٌ أمْثالُكم.

وأبُو العَبّاسِ المُبَرِّدِ يُجِيزُ أنْ تَعْمَلَ عَمَلَ "ما" في نَصْبِ الخَبَرِ، وزَعَمَ الكِسائِيُّ أنَّ "إنْ" بِمَعْنى "ما" لا تَجِيءُ إلّا وبَعْدَها "إلّا" كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِ الكافِرُونَ إلا في غُرُورٍ  ﴾ .

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى الحُجَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فادْعُوهُمْ ﴾ أيْ: فاخْتَبِرُوا فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا فَهم كَما وصَفْنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَهم أرْجُلٌ ﴾ الآيَةُ، الغَرَضُ مِن هَذِهِ الآيَةِ: ألَهم حَواسُّ الحَيِّ وأوصافُهُ؟

فَإذا قالُوا: "لا"، حَكَمُوا بِأنَّها جَماداتٌ، فَجاءَتْ هَذِهِ التَفْصِيلاتُ لِذَلِكَ المُجْمَلِ الَّذِي أُرِيدَ التَقْرِيرُ عَلَيْهِ، فَإذا وقَعَ الإقْرارُ بِتَفْصِيلاتِ القَضِيَّةِ لَزِمَ الإقْرارُ بِعُمُومِها وكانَ بَيانُها أقْوى ولَمْ تَبْقَ بِها اسْتِرابَةٌ.

قالَ الزَهْراوِيُّ: المَعْنى: أنْتُمْ أفْضَلُ مِنهم بِهَذِهِ الجَوارِحِ النافِعَةِ فَكَيْفَ تَعْبُدُونَهُمْ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَتَقَوّى بِهَذا التَأْوِيلِ قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، إذْ تَقْتَضِي أنَّ الأوثانَ لَيْسَتْ عِبادًا كالبَشَرِ.

وقَوْلُهُ في الآيَةِ "أمْ" إضْرابٌ لِكُلِّ واحِدَةٍ عَنِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ لَها، ولَيْسَتْ "أمِ" المُعادِلَةَ لِلْألِفِ في قَوْلِكَ: "أعِنْدَكَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو ؟" لِأنَّ المُعادِلَةَ إنَّما هي في السُؤالِ عن شَيْئَيْنِ أحَدُهُما حاصِلٌ، فَإذا وقَعَ التَقْدِيرُ عَلى شَيْئَيْنِ كِلاهُما مَنفِيٌّ فَـ "أمْ" إضْرابٌ عَنِ الجُمْلَةِ الأُولى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي فَرْقٌ مَعْنَوِيٌّ، وأمّا مِن جِهَةِ اللَفْظِ والصِناعَةِ النَحْوِيَّةِ فَهي هي.

وقَرَأ نافِعٌ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "يَبْطِشُونَ" بِكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "يَبْطُشُونَ" بِضَمِّها.

ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  أنْ يُعْجِزَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ﴾ أيِ اسْتَنْجِدُوهم واسْتَنْفِدُوهم إلى إضْرارِي وكَيْدِي ولا تُؤَخِّرُونِي، والمَعْنى: فَإنْ كانُوا آلِهَةً فَسَيَظْهَرُ فِعْلُهُمْ، وسَمّاهم شُرَكاءَهم مِن حَيْثُ لَهم نِسْبَةٌ إلَيْهِمْ بِتَسْمِيَتِهِمْ إيّاهم آلِهَةً وشُرَكاءَ لِلَّهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ: "فَكِيدُونِي" بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "كِيدُونِ" بِحَذْفِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: إذا أشْبَهَ الكَلامَ المُنْفَصِلَ أو كانَ مُنْفَصِلًا أشْبَهَ القافِيَةَ، وهم يَحْذِفُونَ الياءَ في القافِيَةِ كَثِيرًا، وقَدِ التَزَمُوا ذَلِكَ، كَما قالَ الأعْشى: فَهَلْ يَمْنَعَنِّي ارْتِيادِي البِلا ∗∗∗ دَ مِن حَذِرِ المَوْتِ أنْ يَأْتِيَنْ وقَدْ حَذَفُوا الياءَ الَّتِي هي لامُ الأمْرِ كَما قالَ الأعْشى: يَلْمَسُ الأحْلاسَ في مَنزِلِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ بِيَدَيْهِ كاليَهُودِيِّ المُصَلْ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُنْظِرُونِ ﴾ أيْ لا تُؤَخِّرُونِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ  ﴾ .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ ولِيِّيَ اللهُ ﴾ الآيَةُ، لَمّا أحالَهم عَلى الِاسْتِنْجادِ بِآلِهَتِهِمْ في ضُرِّهِ وأراهم أنَّ اللهَ هو القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا تِلْكَ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِالِاسْتِنادِ إلى اللهِ والتَوَكُّلِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ ولِيُّهُ وناصِرُهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ والقَرَأةُ: "إنَّ ولِيِّيَ اللهُ" بِياءٍ مَكْسُورَةٍ مُشَدَّدَةٍ وأُخْرى مَفْتُوحَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو فِيما رُوِيَ عنهُ: "إنَّ ولِيَّ اللهُ" بِياءٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ ورَفْعِ "اللهُ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: لا تَخْلُو هَذِهِ القِراءَةُ مِن أنْ تُدْغَمَ الياءُ الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ في ياءِ الإضافَةِ، أو تُحْذَفَ الياءُ الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ وتُدْغَمَ ياءُ فَعِيلٍ في ياءِ الإضافَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ تُدْغَمَ الياءُ الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ في ياءِ الإضافَةِ لِأنَّهُ إذا فَعَلَ ذَلِكَ انْفَكَّ الإدْغامُ الأوَّلُ، فَلَيْسَ إلّا أنَّهُ حَذَفَ لامَ الفِعْلِ وأدْغَمَ ياءَ فَعِيلٍ في ياءِ الإضافَةِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ "الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ وهو يَتَوَلّى الصالِحِينَ"، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ -فِيما ذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدانِي -: "إنَّ ولِيَّ اللهِ" عَلى الإضافَةِ، وفَسَّرَ ذَلِكَ بِأنَّ المُرادَ جِبْرِيلُ  ، ذَكَرَ القِراءَةَ غَيْرَ مَنسُوبَةٍ أبُو حاتِمٍ وضَعَّفَها، وإنْ كانَتْ ألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ تُلائِمُ هَذا المَعْنى وتَصْلُحُ لَهُ، فَإنَّ ما قَبْلَها وما بَعْدَها يَدْفَعُ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ١٩٧ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا۟ ۖ وَتَرَىٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ١٩٨ خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ ١٩٩ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌۭ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٠٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ ﴾ ﴿ وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "مِن دُونِهِ" عائِدٌ عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى، وهَذا الضَمِيرٌ مُصَرِّحٌ بِما ذَكَرْناهُ مَن ضَعْفِ قِراءَةِ مَن قَرَأ: "إنَّ ولِيَّ اللهِ" عَلى أنَّهُ جِبْرِيلُ  ، وهَذِهِ الآيَةُ أيْضًا بَيانٌ لِحالِ تِلْكَ الأصْنامِ وفَسادِها وعَجْزِها عن نُصْرَةِ أنْفُسِها فَضْلًا عن غَيْرِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَدْعُوهُمْ ﴾ الآيَةُ، قالَتْ فِرْقَةٌ: المُخاطَبَةُ لِلنَّبِيِّ  وأُمَّتِهِ، والهاءُ والمِيمُ في قَوْلِهِ: "تَدْعُوهُمْ" لِلْكُفّارِ، ووَصْفُهم بِأنَّهم لا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ إذْ لَمْ يَتَحَصَّلْ لَهم عَنِ النَظَرِ والِاسْتِماعِ فائِدَةٌ ولا حَصَّلُوا مِنهُ بِطائِلٍ، قالَهُ السُدِّيُّ ومُجاهِدٌ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: المُرادُ بِالضَمِيرِ المَذْكُورِ الأصْنامُ ووَصْفُهم بِالنَظَرِ كِنايَةٌ عَنِ المُحاذاةِ والمُقابَلَةِ وما فِيها مِن تَخْيِيلِ النَظَرِ كَما تَقُولُ: دارُ فُلانٍ تَنْظُرُ إلى دارِ فُلانٍ، ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا تَبْيِينُ جُمُودِيَّةِ الأصْنامِ وصِغَرِ شَأْنِها، وذَهَبَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ إلى الِاحْتِجاجِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العِبادَ يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ ولا يَرَوْنَهُ، ولا حُجَّةَ لَهم في الآيَةِ لِأنَّ النَظَرَ في الأصْنامِ مَجازٌ مَحْضٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما تَكَرَّرَ القَوْلُ في هَذا وتَرَدَّدَتِ الآياتُ فِيهِ لِأنَّ أمْرَ الأصْنامِ وتَعْظِيمِها كانَ مُتَمَكِّنًا في نُفُوسِ العَرَبِ في ذَلِكَ الزَمَنِ ومُسْتَوْلِيًا عَلى عُقُولِها فَأُوعِبَ القَوْلُ في ذَلِكَ لُطْفًا مِنَ اللهِ تَعالى بِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذِ العَفْوَ ﴾ الآيَةُ، وصِيَّةٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ  تَعُمُّ جَمِيعَ أُمَّتِهِ، وأمْرٌ بِجَمِيعِ مَكارِمِ الأخْلاقِ، وقالَ الجُمْهُورُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ خُذِ العَفْوَ ﴾ : إنَّ مَعْناهُ: اقْبَلْ مِنَ الناسِ في أخْلاقِهِمْ وأقْوالِهِمْ ومُعاشَرَتِهِمْ ما أتى عَفْوًا دُونَ تَكَلُّفٍ، فالعَفْوُ هُنا: الفَضْلُ والصَفْوُ الَّذِي تَهَيَّأ دُونَ تَحَرُّجٍ، قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ في مُصَنَّفِ البُخارِيِّ، وقالَهُ مُجاهِدٌ وعُرْوَةُ، ومِنهُ قَوْلُ حاتِمٍ الطائِيِّ: خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي ∗∗∗ ولا تَنْطِقِي في سَوْرَتِي حِينَ أغْضَبُ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والضَحّاكُ، والسُدِّيُّ: هَذِهِ الآيَةُ في الأمْوالِ، وَقِيلَ: هي قَبْلَ فَرْضِ الزَكاةِ، أُمِرَ بِها رَسُولُ اللهِ  أنْ يَأْخُذَ ما سَهُلَ مِن أمْوالِ الناسِ، و"عَفا" أيْ: فَضَلَ وزادَ، مِن قَوْلِهِمْ: "عَفا النَباتُ والشَعْرُ" أيْ كَثُرَ، ثُمَّ نَزَلَتِ الزَكاةُ وحُدُودُها فَنَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةَ، وذَكَرَ مَكِّيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّ ﴿ خُذِ العَفْوَ ﴾ مَعْناهُ: خُذِ الزَكاةَ المَفْرُوضَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا شاذٌّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ ﴾ مَعْناهُ: بِكُلِّ ما عَرَفَتْهُ النُفُوسُ مِمّا لا تَرُدُّهُ الشَرِيعَةُ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ  قالَ لِجِبْرِيلَ: "ما هَذا العُرْفُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ؟

قالَ: لا أدْرِي حَتّى أسْألَ العالِمَ، فَرَجَعَ إلى رَبِّهِ فَسَألَهُ، ثُمَّ جاءَهُ فَقالَ لَهُ: يا مُحَمَّدُ، هو أنْ تُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ، وتَصِلَ مَن قَطَعَكَ، وتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا نَصْبُ غاياتٍ: والمُرادُ: فَما دُونُ هَذا مِن فِعْلِ الخَيْرِ.

وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ -فِيما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ - "بِالعُرْفِ" بِضَمِّ الراءِ، والعُرْفُ والعُرُفُ بِمَعْنى: المَعْرُوفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ ﴾ حُكْمُ مُتَرَتِّبٌ مُحْكَمٌ مُسْتَمِرٌّ في الناسِ ما بَقُوا، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ العُلَماءِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خُذِ العَفْوَ ﴾ إلى ﴿ الجاهِلِينَ ﴾ : إنَّما أُمِرَ النَبِيُّ  بِذَلِكَ مُداراةً لِكَفّارِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ السَيْفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحَدِيثُ الحُرِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ أدْخَلَ عَمَّهُ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ عَلى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّها مُحْكَمَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، لِأنَّ الحُرَّ احْتَجَّ بِها عَلى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَقَرَّرَها ووَقَفَ عِنْدَها.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَيْطانِ ﴾ وصِيَّةٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِنَبِيِّهِ  تَعُمُّ أُمَّتَهُ رَجُلًا رَجُلًا، والنَزْغُ: حَرَكَةٌ فِيها فَسادٌ، وقَلَّما تُسْتَعْمَلُ إلّا في فِعْلِ الشَيْطانِ لِأنَّ حَرَكاتِهِ مُسْرِعَةُ مُفْسِدَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "لا يُشِرْ أحَدُكم عَلى أخِيهِ بِالسِلاحِ، لا يَنْزَغُ الشَيْطانُ في يَدَيْهِ".» فالمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: فَإمّا تُلِمَّنَّ بِكَ لَمَّةٌ مِنَ الشَيْطانِ فاسْتَعِذْ بِاللهِ.

ونَزْعُ الشَيْطانِ عامٌّ في الغَضَبِ وتَحْسِينِ المَعاصِي واكْتِسابِ الغَوائِلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفي مُصَنَّفِ التِرْمِذِيِّ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "إنَّ لِلْمَلَكِ لَمَّةً، وإنَّ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهاتانِ اللَمَّتانِ هي الخَواطِرُ مِنَ الخَيْرِ والشَرِّ، و"سَمِيعٌ" في هَذِهِ الآيَةِ يَصْلُحُ مَعَ الِاسْتِعاذَةِ، ويَصْلُحُ أيْضًا مَعَ ما يَقُولُ فِيهِ الكُفّارُ مِنَ الأقاوِيلِ فَيُغْضِبُهُ الشَيْطانُ لِذَلِكَ، و"عَلِيمٌ" كَذَلِكَ، وبِهَذِهِ الآيَةِ تَعَلَّقَ ابْنُ القاسِمِ في قَوْلِهِ: إنَّ الِاسْتِعاذَةَ عِنْدَ القِراءَةِ: "أعُوذُ بِاللهِ السَمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَيْطانِ الرَجِيمِ".

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌۭ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ٢٠١ وَإِخْوَٰنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ٢٠٢ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِـَٔايَةٍۢ قَالُوا۟ لَوْلَا ٱجْتَبَيْتَهَا ۚ قُلْ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ مِن رَّبِّى ۚ هَـٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ٢٠٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ وَإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ﴾ ﴿ وَإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ "اتَّقَوْا" هُنا عامَّةٌ في اتِّقاءِ الشِرْكِ واتِّقاءِ المَعاصِي بِدَلِيلِ أنَّ اللَفْظَةَ إنَّما جاءَتْ في مَدْحٍ لَهُمْ، فَلا وجْهَ لِقَصْرِها عَلى اتِّقاءِ الشِرْكِ وحْدَهُ، وأيْضًا فالمُتَّقِي العائِذِ قَدْ يَمَسُّهُ طائِفٌ مِنَ الشَيْطانِ إذْ لَيْسَتِ العِصْمَةُ إلّا لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "طائِفٌ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: " طَيْفٌ "، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ " طَيِّفٌ "، واللَفْظَةُ إمّا مِن طافَ يَطُوفُ، وإمّا مَن طافَ يَطِيفُ بِفَتْحِ الياءِ، وهي ثابِتَةٌ عَنِ العَرَبِ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ في ذَلِكَ: أنّى ألَمَّ بِكَ الخَيالُ يَطِيفُ ∗∗∗ ومَطافُهُ لَكَ ذُكْرَةٌ وشُعُوفُ فَـ "طائِفٌ" اسْمُ فاعِلٍ كَقائِلٍ مِن قالَ يَقُولُ، وكَبائِعٍ مِن باعَ يَبِيعُ، و"طَيِّفٌ" اسْمُ فاعِلٍ أيْضًا كَمَيِّتٍ مِن ماتَ، أو كَبَيِّعٍ ولَيِّنٍ مِن باعَ يَبِيعُ ولانَ يَلِينُ.

وطَيْفٌ يَكُونُ مُخَفَّفًا مِن طَيِّفٍ كَمَيْتٍ مِن مَيِّتٍ، وإذا قَدَّرْنا اللَفْظَةَ مِن طافَ يَطِيفُ فَطَيْفٌ مَصْدَرٌ، وإلى هَذا مالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وجَعَلَ الطائِفَ كالخاطِرِ والطَيِّبِ كالخَطْرَةِ، وقالَ الكِسائِي: الطَيْفُ اللَمَمُ، والطائِفُ ما طافَ حَوْلَ الإنْسانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَيْفَ هَذا وقَدْ قالَ الأعْشى: وتُصْبِحُ عن غِبِّ السُرى وكَأنَّما ∗∗∗ ∗∗∗ ألَمَّ بِها مِن طائِفِ الجِنِّ أولَقِ ومَعْنى الآيَةِ: إذا مَسَّهم غَضَبٌ وزَيَّنَ الشَيْطانُ مَعَهُ ما لا يَنْبَغِي.

وقَوْلُهُ: "تَذَكَّرُوا" إشارَةٌ إلى الِاسْتِعاذَةِ المَأْمُورِ بِها قَبْلُ، وإلى ما لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الأوامِرِ والنَواهِي في النازِلَةِ الَّتِي يَقَعُ تَعَرُّضُ الشَيْطانِ فِيها.

وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ: "مِنَ الشَيْطانِ تَأمَّلُوا فَإذا هُمْ"، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "إذا طافَ مِنَ الشَيْطانِ طائِفٌ تَأمَّلُوا"، وقالَ النَبِيُّ  : « "إنَّ الغَضَبَ جُنْدٌ مِن جُنْدِ الجِنِّ، أما تَرَوْنَ حُمْرَةَ العَيْنِ وانْتِفاخَ العُرُوقِ؟

فَإذا كانَ ذَلِكَ فالأرْضَ الأرْضَ"،» وقَوْلُهُ: ﴿ مُبْصِرُونَ ﴾ مِنَ البَصِيرَةِ، أيْ: فَإذا هم قَدْ تَبَيَّنُوا الحَقَّ ومالُوا إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ﴾ الآيَةُ، في هَذِهِ الضَمائِرِ احْتِمالاتٌ، قالَ الزَجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ في المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ.

وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ الآيَةَ مُقَرَّرَةٌ في مَوْضِعِها إلّا أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإخْوانُهُمْ ﴾ عائِدٌ عَلى الشَياطِينِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ يَمُدُّونَهُمْ ﴾ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ وهُمُ المُرادُ بِالإخْوانِ، والشَيْطانُ في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ لِلْجِنْسِ فَلِذَلِكَ عادَ عَلَيْهِمْ هاهُنا ضَمِيرَ جَمْعٍ، فالتَقْدِيرُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ: وإخْوانٌ لِلشَّياطِينِ يَمُدُّونَهُمُ الشَياطِينُ في الغَيِّ، وقالَ قَتادَةُ: إنَّ الضَمِيرَيْنِ في الهاءِ والمِيمِ لِلْكُفّارِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَتَجِيءُ الآيَةُ عَلى هَذا مُعادِلَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها، أيْ: إنَّ المُتَّقِينَ حالُهم كَذا وكَذا، وهَؤُلاءِ الكُفّارُ يَمُدُّهم إخْوانُهم مِنَ الشَياطِينِ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فِي الغَيِّ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ يَمُدُّونَهُمْ ﴾ ، وعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ التَأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرْنا أوَّلًا عَنِ الجُمْهُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالإخْوانِ، فَعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَعْوَدَ الضَمِيرانِ عَلى الكُفّارِ كَما ذَكَرْناهُ عن قَتادَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودا جَمِيعًا عَلى الشَياطِينِ، ويَكُونُ المَعْنى: وإخْوانُ الشَياطِينِ في الغَيِّ بِخِلافِ الأُخُوَّةِ في اللهِ يَمُدُّونَ الشَياطِينَ، أيْ: بِطاعَتِهِمْ لَهم وقَبُولِهِمْ مِنهُمْ، ولا يَتَرَتَّبُ هَذا التَأْوِيلُ عَلى أنْ يَتَعَلَّقَ ﴿ فِي الغَيِّ ﴾ بِالإمْدادِ، لِأنَّ الإنْسَ لا يُغْوُونَ الشَياطِينَ، والمُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ وصْفُ حالَةِ الكُفّارِ مَعَ الشَياطِينِ كَما وصَفَ حالَةَ المُتَّقِينَ مَعَهم قَبْلُ.

وقَرَأ جَمِيعُ السَبْعَةِ غَيْرَ نافِعٍ: "يَمُدُّونَهُمْ" مِن مَدَدْتُ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "يُمِدُّونَهُمْ" بِضَمِّ الياءِ مِن أمْدَدْتُ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: مَدَّ الشَيْءَ إذا كانَتِ الزِيادَةُ مِن جِنْسِهِ، وأمَدَّهُ إذا كانَتْ مِن شَيْءٍ آخَرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا غَيْرُ مُطَّرِدٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ إلّا أنَّ المُسْتَعْمَلَ في المَحْبُوبِ "أمَدَّ"، فَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ  ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ  ﴾ ، والمُسْتَعْمَلُ في المَكْرُوهِ "مَدَّ"، فَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ  ﴾ ، ومَدُّ الشَيْطانِ لِلْكَفَرَةِ في الغَيِّ هو التَزْيِينُ لَهم والإغْواءُ المُتَتابِعُ.

فَمَن قَرَأ في هَذِهِ الآيَةِ "يَمُدُّونَهُمْ" بِضَمِّ المِيمِ فَهو عَلى المِنهاجِ المُسْتَعْمَلِ، ومَن قَرَأ "يُمِدُّونَهُمْ" فَهو مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ فِي الغَيِّ ﴾ ، كَما يَجُوزُ أنْ تُقَيِّدَ البِشارَةَ فَتَقُولُ: "بَشَّرْتُهُ بَشَرٍّ"، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "يُمادُّونَهُمْ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ﴾ عائِدٌ عَلى الجَمِيعِ، أيْ: هَؤُلاءِ لا يُقْصِرُونَ في الطاعَةِ لِلشَّياطِينِ والكُفْرِ بِاللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُقْصِرُونَ" مِن أقْصَرَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "يَقْصُرُونَ" مِن قَصَرَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ ﴾ .

سَبَبُها فِيما رُوِيَ أنَّ الوَحْيَ كانَ يَتَأخَّرُ عَلى النَبِيِّ  أحْيانًا، فَكانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: "هَلّا اجْتَبَيْتَها"، ومَعْنى اللَفْظَةِ في كَلامِ العَرَبِ: تَخَيَّرْتَها واصْطَفَيْتَها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُمُ:المُرادُ بِهَذِهِ اللَفْظَةِ: "هَلّا اخْتَرْتَها واخْتَلَقْتَها مِن قِبَلِكَ ومِن عِنْدِ نَفْسِكَ".

والمَعْنى: إذْ كَلامُكَ كُلُّهُ كَذَلِكَ عَلى ما كانَتْ قُرَيْشٌ تَزْعُمُهُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَحّاكُ: المُرادُ: "هَلّا تَلَقَّيْتَها مِنَ اللهِ وتَخَيَّرْتَها عَلَيْهِ، إذْ تَزْعُمُ أنَّكَ نَبِيٌّ وأنَّ مَنزِلَتَكَ عِنْدَهُ مَنزِلَةُ الرِسالَةِ"، فَأمَرَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُجِيبَ بِالتَسْلِيمِ لِلَّهِ تَعالى، وأنَّ الأمْرَ في الوَحْيِ إلَيْهِ يُنْزِلُهُ مَتى شاءَ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي ﴾ ، ثُمَّ أشارَ بِقَوْلِهِ: "هَذا" إلى القُرْآنِ، ثُمَّ وصَفَهُ بِأنَّهُ "بَصائِرُ" أيْ عَلاماتُ هُدًى وأنْوارٌ تُضِيءُ القُلُوبَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: هَذا ذُو بَصائِرَ، ويَصِحُّ الكَلامُ دُونَ أنْ يُقَدَّرَ حَذْفُ مُضافٍ لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِـ"هَذا" إنَّما هو سُورٌ وآياتٌ وحِكَمٌ، وجازَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ بِـ"هَذا" مِن حَيْثُ اسْمُهُ مُذَكَّرٌ، وجازَ وصْفُهُ بِـ "بَصائِرُ" مِن حَيْثُ هو سُورٌ وآياتٌ.

﴿ وَهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ خاصَّةً.

قالَ الطَبَرِيُّ: وأمّا مَن لا يُؤْمِنُ فَهو عَلَيْهِ عَمًى عُقُوبَةً مِنَ اللهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا قُرِئَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُوا۟ لَهُۥ وَأَنصِتُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ٢٠٤ وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًۭا وَخِيفَةًۭ وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْـَٔاصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ ٢٠٥ إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَيُسَبِّحُونَهُۥ وَلَهُۥ يَسْجُدُونَ ۩ ٢٠٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ والآصالِ ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عن عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ ذَكَرَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ هو أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللهِ  كانُوا بِمَكَّةَ يَتَكَلَّمُونَ في المَكْتُوبَةِ بِحَوائِجِهِمْ، ويَصِيحُونَ عِنْدَ آياتِ الرَحْمَةِ والعَذابِ، ويَقُولُ أحَدُهم إذا أتاهُمْ: صَلَّيْتُمْ؟

وكَمْ بَقِيَ؟

فَيُخْبِرُونَهُ، ونَحْوُ هَذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ أمْرًا لَهم بِالِاسْتِماعِ والإنْصاتِ في الصَلاةِ وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: "إنَّها في الخُطْبَةِ" فَضَعِيفٌ، لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ والخُطْبَةُ لَمْ تَكُنْ إلّا بَعْدَ هِجْرَةِ النَبِيِّ  مِن مَكَّةَ، وكَذَلِكَ ما ذَكَرَ الزَهْراوِيُّ مِن أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ فَتًى مِنَ الأنْصارِ كانَ يَقْرَأُ في الصَلاةِ والنَبِيُّ  يَقْرَأُ، فَأمّا الِاسْتِماعُ والإنْصاتُ عَنِ الكَلامِ في الصَلاةِ فَإجْماعٌ، وأمّا الإمْساكُ والإنْصاتُ عَنِ القِراءَةِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: يُمْسِكُ المَأْمُومُ عَنِ القِراءَةِ جُمْلَةً قَرَأ الإمامُ جَهْرًا أو سِرًّا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَقْرَأُ المَأْمُومُ إذا أسَرَّ الإمامُ ويُمْسِكُ إذا جَهَرَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُمْسِكُ المَأْمُومُ في جَهْرِ الإمامِ عن قِراءَةِ السُورَةِ ويَقْرَأُ فاتِحَةَ الكِتابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعَ هَذا القَوْلِ أحادِيثُ صِحاحٌ عَنِ النَبِيِّ  فَهَذِهِ الآيَةُ واجِبَةُ الحُكْمِ في الصَلاةِ أنْ يُنْصِتَ عَنِ الحَدِيثِ وما عَدا القِراءَةَ.

وواجِبَةُ الحُكْمِ أيْضًا في الخُطْبَةِ مِنَ السُنَّةِ لا مِن هَذِهِ الآيَةِ، ويَجِبُ مِنَ الآيَةِ الإنْصاتُ إذا قَرَأ الخَطِيبُ القُرْآنَ أثْناءَ الخُطْبَةِ، وحُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ في غَيْرِ الصَلاةِ عَلى النَدْبِ، أعْنِي في نَفْسِ الإنْصاتِ والِاسْتِماعِ إذا سَمِعَ الإنْسانُ قِراءَةَ كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وأمّا ما تَتَضَمَّنُهُ الألْفاظُ وتُعْطِيهِ مِن تَوْقِيرِ القُرْآنِ وتَعْظِيمِهِ فَواجِبٌ في كُلِّ حالَةٍ، والإنْصاتُ: السُكُوتُ، و"لَعَلَّكُمْ" عَلى تَرَجِّي البَشَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ نَسْتَوْعِبِ اخْتِلافَ العُلَماءِ في القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ إذْ ألْفاظُ الآيَةِ لا تَعْرِضُ لِذَلِكَ، لَكِنْ لَمّا عَنَّ ذَلِكَ في ذِكْرِ السَبَبِ ذَكَرْنا مِنهُ نُبْذَةً.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا ﴾ قالَ: الإنْصاتُ يَوْمَ الأضْحى ويَوْمَ الفِطْرِ ويَوْمَ الجُمْعَةِ وفِيما يَجْهَرُ بِهِ الإمامُ مِنَ الصَلاةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ جَمَعَ فِيهِ ما أوجَبَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ وغَيْرُها مِنَ السُنَّةِ في الإنْصاتِ، قالَ الزَجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا ﴾ : اعْمَلُوا بِما فِيهِ ولا تُجاوِزُوهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ ﴾ الآيَةُ.

مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ  تَعُمُّ جَمِيعَ أُمَّتِهِ، وهو أمْرٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِذِكْرِهِ بِتَسْبِيحِهِ وذِكْرِهِ وتَقْدِيسِهِ والثَناءِ عَلَيْهِ بِمَحامِدِهِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الذِكْرَ لا يَكُونُ في النَفْسِ ولا يُراعى إلّا بِحَرَكَةِ اللِسانِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مِن هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ ﴾ فَهَذِهِ مَرْتَبَةُ السِرِّ والمُخافَتَةِ بِاللَفْظِ.

وَ"تَضَرُّعًا" مَعْناهُ: تَذَلُّلًا وخُضُوعًا، و"خِيفَةً" أصْلُها: خِوْفَةً، بُدِّلَتِ الواوُ ياءً لِأجْلِ الكَسْرَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْها، وقَوْلُهُ: ﴿ بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ مَعْناهُ: دَأبًا وفي كُلِّ يَوْمٍ وفي أطْرافِ النَهارِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ كانَتْ في صَلاةِ المُسْلِمِينَ قَبْلَ فَرْضِ الصَلَواتِ الخَمْسِ، وقالَ قَتادَةُ: "الغُدُوُّ: صَلاةُ الصُبْحِ، والآصالُ: صَلاةُ العَصْرِ"، والآصالُ: جَمْعُ أُصُلٍ، والأُصُلُ: جَمْعُ أصِيلٍ وهو العَشِيُّ.

وقِيلَ: الآصالُ: جَمْعُ أصِيلٍ دُونَ تَوَسُّطٍ كَإيمانٍ جَمْعِ يَمِينٍ، وآصالٌ أيْضًا جَمْعُ أصايِلَ فَهو جَمْعُ الجَمْعِ، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ: "والإيصالِ" مَصْدَرٌ كالإصْباحِ والإمْساءِ، ومَعْناهُ: إذا دَخَلْتَ في الأصِيلِ، وفي الطَبَرِيُّ: قالَ أبُو وائِلٍ لِغُلامِهِ: هَلْ آصَلْنا بَعْدُ؟

﴿ وَلا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ ﴾ تَنْبِيهٌ.

ولَمّا قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ ﴾ جَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مِثالًا مِنِ اجْتِهادِ المَلائِكَةِ لِيَبْعَثَ عَلى الجِدِّ في طاعَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَوْلُهُ: "الَّذِينَ" يُرِيدُ المَلائِكَةَ، وقَوْلُهُ: "عِنْدَ" إنَّما يُرِيدُ في المَنزِلَةِ والتَشْرِيفِ والقُرْبِ في المَكانَةِ لا في المَكانِ، فَهم بِذَلِكَ عِنْدَهُ، ثُمَّ وصَفَ تَعالى حالَهم مِن تَواضُعِهِمْ وإدْمانِهِمْ لِلْعِبادَةِ والتَسْبِيحِ والسُجُودِ.

وفي الحَدِيثِ: "أطَّتِ السَماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ قائِمٌ أو راكِعٌ أو ساجِدٌ"، وهَذا مَوْضِعُ سَجْدَةٍ، قالَ النَخْعِيُّ في كِتابِ النَقّاشِ: إنْ شِئْتَ رَكَعْتَ وإنْ شِئْتَ سَجَدْتَ.

كَمُلَتْ سُورَةُ الأعْرافِ بِتَوْفِيقٍ مِنَ اللهِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده