الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 7 الأعراف > الآيات ١٢٥-١٢٧
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةقوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ﴾ ﴿ وَما تَنْقِمُ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبِّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ وَقالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهم وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ ﴾ هَذا تَسْلِيمٌ مِن مُؤْمِنِي السَحَرَةِ، واتِّكالٌ عَلى اللهِ وثِقَةٌ بِما عِنْدَهُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَنْقِمُ" بِكَسْرِ القافِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو البَرَهْسَمِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تَنْقَمُ" بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: الوَجْهُ في القِراءَةِ كَسْرُ القافِ، وكُلُّ العُلَماءِ أنْشَدَ بَيْتَ ابْنِ الرُقَيّاتِ: ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ....
∗∗∗..............................
بِفَتْحِ القافِ.
ومَعْناهُ: وما تَعُدُّ عَلَيْنا ذَنْبًا وتُؤاخِذُنا بِهِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا ﴾ مَعْناهُ: عُمَّنا كَما يَعُمُّ الماءُ مَن أُفْرِغَ عَلَيْهِ، وهي هُنا اسْتِعارَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمّا آمَنَتِ السَحَرَةُ اتَّبَعَ مُوسى سِتُّمِائَةِ ألْفٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وحَكى النَقّاشُ عن مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: مَكَثَ مُوسى بِمِصْرَ بَعْدَ إيمانِ السَحَرَةِ عامًا أو نَحْوَهُ يُرِيهِمُ الآياتِ.
وقَوْلُ مَلَإ فِرْعَوْنَ: ﴿ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ ﴾ مَقالَةٌ تَتَضَمَّنُ إغْراءَ فِرْعَوْنَ بِمُوسى وقَوْمِهِ، وتَحْرِيضَهُ عَلى قَتْلِهِمْ أو تَغْيِيرِ ما بِهِمْ حَتّى لا يَكُونَ لَهم خُرُوجٌ عن دِينِ فِرْعَوْنَ، ومَعْنى ﴿ أتَذَرُ مُوسى ﴾ ؟
أتَتْرُكُ؟، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَيَذَرَكَ"، ونَصْبُهُ عَلى مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يُقَدَّرَ: "وَأنْ يَذَرَكَ" فَهي واوُ الصَرْفِ، فَكَأنَّهم قالُوا: أتَذَرُهُ وأنْ يَذَرَكَ؟
أيْ: أتَتْرُكُهُ وتَرْكَكَ؟، والمَعْنى الآخَرُ أنْ يُعْطَفَ عَلى قَوْلِهِ: "لِيُفْسِدُوا".
وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عنهُ: "وَيَذَرُكَ" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِمْ: "أتَذَرُ"، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: "وَنَذَرُكَ" بِالنُونِ ورَفْعِ الفِعْلِ عَلى مَعْنى تَوَعُّدٍ مِنهُمْ، أو عَلى مَعْنى إخْبارِ أنَّ الأمْرَ يَؤُولُ إلى هَذا، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعَبْدُ اللهِ: "فِي الأرْضِ وقَدْ تَرَكُوكَ أنْ يَعْبُدُوكَ وآلِهَتَكَ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَقَدْ تَرَكَكَ وآلِهَتَكَ"، وقَرَأ السَبْعَةُ وجُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ: "وَآلِهَتَكَ" عَلى الجَمْعِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى ما رُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ في زَمَنِهِ لِلنّاسِ آلِهَةٌ مِن بَقَرٍ وأصْنامٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدْ شَرَعَ ذَلِكَ وجَعَلَ نَفْسَهُ الإلَهَ الأعْلى، فَقَوْلُهُ -عَلى هَذا- ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ إنَّما هو بِمُناسَبَةٍ بَيْنِهِ وبَيْنَ سِواهُ مِنَ المَعْبُوداتِ.
وقِيلَ: إنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَعْبُدُ حَجَرًا كانَ يُعَلِّقُهُ في صَدْرِهِ كَياقُوتَةٍ أو نَحْوِها، قالَ الحَسَنُ: كانَ لِفِرْعَوْنَ حَنّانَةٌ مُعَلَّقَةٌ في نَحْرِهِ يَعْبُدُها ويَسْجُدُ لَها، وقالَ سُلَيْمانُ التَيْمِيُّ: بَلَغَنِي أنَّهُ كانَ يَعْبُدُ البَقَرَ، ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهم أجْمَعِينَ، وجَماعَةٌ وغَيْرُهُمْ: "وَإلاهَتَكَ"، أيْ: وعِبادَتَكَ والتَذَلُّلَ لَكَ، وزَعَمَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يُبِحْ عِبادَةَ شَيْءٍ سِواهُ، وأنَّهُ في قَوْلِهِ: "الأعْلى" إنَّما أرادَ: "الأعْظَمَ والأكْبَرَ" دُونَ مُناسَبَةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ فِرْعَوْنُ يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "سَنَقْتُلُ" بِالتَخْفِيفِ، و"يُقَتِّلُونَ" بِالتَشْدِيدِ، وخَفَّفَهُما جَمِيعًا نافِعٌ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُقَتِّلُونَ" و"سَنُقَتِّلُ" بِالتَشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ، والمَعْنى: سَنَسْتَمِرُّ عَلى ما كُنّا عَلَيْهِ مِن تَعْذِيبِهِمْ وقَطْعِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ ﴾ يُرِيدُ: في المَنزِلَةِ والتَمَكُّنِ مِنَ الدُنْيا، و"قاهِرُونَ" يَقْتَضِي تَحْقِيرَ أمْرِهِمْ، أيْ: هم أقَلُّ مِن أنْ يُهْتَمَّ بِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"