الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 6 الأنعام > الآيات ٦٣-٦٤
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكم مَن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً لَئِنْ أنْجانا مَن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مَن الشاكِرِينَ ﴾ ﴿ قُلِ اللهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴾ هَذا تَمادٍ في تَوْبِيخِ العادِلِينَ بِاللهِ تَعالى الأوثانَ؛ وتَوْقِيفِهِمْ عَلى سُوءِ الفِعْلِ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ؛ وتَرْكِهِمُ الَّذِي يُنْجِي مِنَ المُهْلِكاتِ؛ ويُلْجَأُ إلَيْهِ في الشَدائِدِ.
و"مَن"؛ اِسْتِفْهامٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "مَن يُنَجِّيكُمْ"؛ "قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ"؛ بِتَشْدِيدِ الجِيمِ؛ وفَتْحِ النُونِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ؛ عنهُ؛ وحُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ؛ ويَعْقُوبَ: "يُنْجِيكُمْ"؛ بِتَخْفِيفِ الجِيمِ؛ وسُكُونِ النُونِ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ بِالتَشْدِيدِ في الأُولى؛ والتَخْفِيفِ في الثانِيَةِ؛ فَجَمَعُوا بَيْنَ التَعْدِيَةِ بِالألِفِ؛ والتَعْدِيَةِ بِالتَضْعِيفِ؛ كَما جاءَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا ﴾ .
وَ ﴿ ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ﴾ ؛ يُرادُ بِهِ شَدائِدُها؛ فَهو لَفْظٌ عامٌّ؛ يَسْتَغْرِقُ ما كانَ مِنَ الشَدائِدِ بِظُلْمَةٍ حَقِيقِيَّةٍ؛ وما كانَ بِغَيْرِ ظُلْمَةٍ؛ والعَرَبُ تَقُولُ: "عامٌ أسْوَدُ"؛ و"يَوْمٌ مُظْلِمٌ"؛ و"يَوْمٌ ذُو كَواكِبَ"؛ ونَحْوَ هَذا؛ يُرِيدُونَ بِهِ الشِدَّةَ؛ قالَ قَتادَةُ: اَلْمَعْنى: "مِن كَرْبِ البَرِّ والبَحْرِ"؛ وقالَهُ الزَجّاجُ ؛ و"تَدْعُونَهُ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ و"تَضَرُّعًا"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ والعامِلُ فِيهِ "تَدْعُونَهُ"؛ والتَضَرُّعُ صِفَةٌ بادِيَةٌ عَلى الإنْسانِ؛ و"وَخُفْيَةً"؛ مَعْناهُ: اَلِاخْتِفاءُ؛ والسِرُّ؛ فَكَأنَّ نَسَقَ القَوْلِ: "تَدْعُونَهُ جَهْرًا؛ وسِرًّا"؛ هَذِهِ العِبارَةُ بِمَعانٍ زائِدَةٍ.
وقَرَأ الجَمِيعُ - غَيْرَ عاصِمٍ -: "وَخُفْيَةً"؛ بِضَمِّ الخاءِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "وَخِفْيَةً"؛ بِكَسْرِ الخاءِ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَخِيفَةً"؛ مِن "اَلْخَوْفُ"؛ وقَرَأ الحِجازِيُّونَ؛ وأهْلُ الشامِ: "أنْجَيْتَنا"؛ وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: "أنْجانا"؛ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ؛ وأمالَ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ الجِيمَ؛ و"مِنَ الشاكِرِينَ"؛ أيْ: عَلى الحَقِيقَةِ؛ والشُكْرُ عَلى الحَقِيقَةِ يَتَضَمَّنُ الإيمانَ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ - في قَوْلِهِ: "ظُلُماتِ" - أنَّهُ ضَلالُ الطُرُقِ في الظُلُماتِ؛ ونَحْوُهُ؛ وحَكى السُدِّيُّ أنَّهُ ظَلامُ اللَيْلِ؛ والغَيْمِ؛ والبَحْرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَخْصِيصُ كُلُّهُ لا وجْهَ لَهُ؛ وإنَّما هو لَفْظٌ عامٌّ لِأنْواعِ الشَدائِدِ في المَعْنى؛ وخُصَّ لَفْظُ "اَلظُّلُماتِ"؛ بِالذِكْرِ؛ لِما تَقَرَّرَ في النُفُوسِ مِن هَوْلِ الظُلْمَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ ﴾ ؛ سَبَقَ في المُجادَلَةِ إلى الجَوابِ؛ إذْ لا مَحِيدَ عنهُ؛ ﴿ وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ﴾ ؛ لَفْظٌ عامٌّ أيْضًا؛ لِيَتَّضِحَ العُمُومُ الَّذِي في الظُلُماتِ؛ ويَصِحُّ أنْ يُتَأوَّلَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ﴾ ؛ تَخْصِيصُ الظُلُماتِ قَبْلُ؛ ونُصَّ عَلَيْها لِهَوْلِها؛ وعُطِفَ في هَذا المَوْضِعِ بِـ "ثُمَّ"؛ لِلْمُهْلَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ قُبْحَ فِعْلِهِمْ؛ أيْ: "ثُمَّ بَعْدَ مَعْرِفَتِكم بِهَذا كُلِّهِ وتَحَقُّقِهِ بِهِ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ".
<div class="verse-tafsir"