الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الطلاق
تفسيرُ سورةِ الطلاق كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 29 دقيقة قراءةبِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الطَلاقِ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِ أهْلِ التَفْسِيرِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأحْصُوا العِدَّةَ واتَّقُوا اللهَ رَبَّكم لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وتِلْكَ حُدُودُ اللهَ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودُ اللهَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا ﴾ ﴿ فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أو فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكم وأقِيمُوا الشَهادَةَ لِلَّهِ ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ فَهو حَسْبُهُ إنَّ اللهِ بالِغُ أمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهِ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ الطَلاقُ عَلى الجُمْلَةِ مَكْرُوهٌ، لِأنَّهُ تَبْدِيدٌ شَمْلٍ في الإسْلامِ، ورَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "لا تُطَلِّقُوا النِساءَ إلّا مِن رِيبَةٍ، فَإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الذَوّاقِينَ ولا الذَوّاقاتِ"،» ورَوى أنَسٌ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "ما حَلَفَ بِالطَلاقِ ولا اسْتُحْلِفَ بِهِ إلّا مُنافِقٌ"».
واخْتُلِفَ في البِدايَةِ بِالنَبِيِّ ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ "طَلَّقْتُمْ"، فَقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ -حَكاهُ الزَهْراوِيُّ -:ذَلِكَ خُرُوجٌ مِن مُخاطَبَةِ أفْرادٍ إلى مُخاطَبَةِ جَماعَةٍ، وهَذا مَوْجُودٌ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: إنَّ في نِداءِ النَبِيِّ أُرِيدَتْ أُمَّتُهُ مَعَهُ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: "طَلَّقْتُمُ"، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: إنَّ المَعْنى: يا أيُّها النَبِيُّ قُلْ لَهم إذا طَلَّقْتُمْ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ مِن حَيْثُ يَقُولُ الرَجُلُ العَظِيمُ: "فَعَلْنا وصَنَعْنا"، خُوطِبَ النَبِيُّ في هَذِهِ بِـ "طَلَّقْتُمْ" إظْهارًا لِتَعْظِيمِهِ، وهَذا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى في عَبْدِ اللهِ بْن أُبَيٍّ: ﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ ﴾ إذا كانَ قَوْلُهُ مِمّا يَقُولُهُ جَماعَةٌ، فَكَذَلِكَ النَبِيُّ في هَذِهِ ما يُخاطِبُ بِهِ فَهو خِطابُ لِجَماعَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يَظْهَرُ لِي في هَذا أنَّهُما خِطابانِ مُفْتَرِقانِ، خُوطِبَ النَبِيُّ عَلى مَعْنى تَنْبِيهٍ لِسَماعِ القَوْلِ وتَلَقِّي الأمْرَ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: ﴿ إذا طَلَّقْتُمُ ﴾ ، أيْ: أنْتَ وأُمَّتُكَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "إذا طَلَّقْتُمُ" ابْتِداءُ كَلامٍ كَما لَوْ ابْتَدَأ السُورَةَ بِهِ، وطَلاقُ النِساءِ حَلُّ عِصْمَتِهِنَّ، وصُورَةُ ذَلِكَ وتَنْوِيعُهُ مِمّا لا يَخْتَصُّ بِالتَفْسِيرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ ، أيْ: لِاسْتِقْبالِها وقِوامِها وتَقْرِيبِها عَلَيْهِنَّ، وقَرَأ عُثْمانُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ومُجاهِدٌ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ"، أيْ: لِاسْتِقْبالِها، ورُوِيَ عن بَعْضِهِمْ وعَنِ ابْنِ عُمَرَ القِراءَتَيْنِ عَنِ النَبِيِّ ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لِقُبُلِ طُهْرِهِنَّ".
ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنْ لا يُطَلِّقَ أحَدٌ امْرَأتَهُ إلّا في طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّها فِيهِ، هَذا عَلى مَذْهَبِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ وغَيْرِهِ مِمَّنْ قالَ: إنَّ "الأقْراءَ": الأطْهارُ، فَيُطَلِّقُ عِنْدَهُمُ المُطَلِّقُ في طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ، وتُعْتَدُّ بِهِ المَرْأةُ ثُمَّ تَحِيضُ حَيْضَتَيْنِ تَعْتَدُّ بِالطُهْرِ الَّذِي بَيْنَهُما، ثُمَّ تُقِيمُ في الطُهْرِ الثالِثِ مُعْتَدَّةً بِهِ، فَإذا رَأتْ أوَّلَ لِحَيْضَةِ الثالِثَةِ حَلَّتْ، ومَن قالَ: بِأنَّ "الأقْراءَ": الحَيْضُ -وَهُمُ العِراقِيُّونَ- قالَ: "لِعِدَّتِهِنَّ"، مَعْناهُ أنْ تُطَلَّقَ طاهِرًا، فَتَسْتَقْبِلُ ثَلاثَ حِيَضٍ كَوامِلَ، فَإذا رَأتِ الطُهْرَ بَعْدَ الثالِثَةِ حَلَّتْ، ويَخِفُّ عِنْدَ هَؤُلاءِ مَسٌّ في طُهْرِ الطَلاقِ أو لَمْ يَمَسَّ، وكَذَلِكَ مالِكٌ يَقُولُ: "إنْ طَلَّقَ في طُهْرٍ قَدْ مَسَّ فِيهِ مَضى الطَلاقُ"، ولا يَجُوزُ طَلاقُ الحائِضِ لِأنَّها تَطُولُ العِدَّةُ عَلَيْها، وقِيلَ: بَلْ تَعْتَدُّ، ولَوْ عَلَّلَ بِالتَطْوِيلِ لا يَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ ولَوْ رَضِيَتْهُ، والأصْلُ في ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، قالَ: «طَلَّقْتُ امْرَأتِي وهي حائِضٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ فَقالَ لِعُمَرَ: "مُرْهُ فَلْيُراجِعْها ثُمَّ لِيُمْسِكْها حَتّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضُ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ يُطَلِّقُها إنْ شاءَ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللهُ تَعالى بِها أنْ يُطَلَّقَ لَها النِساءُ"،» ورَوى حُذَيْفَةُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "طَلِّقُوا المَرْأةَ في قُبُلِ طُهْرِها".» ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِإحْصاءِ العِدَّةِ لِما يَلْحَقُ ذَلِكَ مِن أحْكامِ الرَجْعَةِ والسُكْنى والمِيراثِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهُنَّ أحَقُّ بِسُكْنى بُيُوتِهِنَّ الَّتِي طُلِّقْنَ فِيها، فَنَهى عن إخْراجِهِنَّ وعن خُرُوجِهِنَّ، وسُنَّةُ ذَلِكَ ألّا تَبِيتَ المَرْأةُ المُطَلَّقَةُ "بَعِيدَةً" عن بَيْتِها ولا تَغِيبَ عنهُ نَهارًا إلّا في ضَرُورَةٍ وما لا خَطْبَ لَهُ مِن جائِزِ التَصَرُّفِ، وذَلِكَ لِحِفْظِ النَسَبِ والتَحَرُّزِ بِالنِساءِ، فَإنْ كانَ البَيْتُ مِلْكًا لِلزَّوْجِ أو بِكِراءٍ مِنهُ فَهَذا حُكْمُهُ، فَإنْ كانَ لَها فَعَلَيْهِ الكِراءُ، فَإنْ كانَ قَدْ أمْتَعَتْهُ مُدَّةَ الزَوْجِيَّةِ فَفي لُزُومِ خُرُوج العِدَّةِ لَهُ قَوْلانِ في المَذْهَبِ: اللَزْمُ رِعايَةً لِانْفِصالِ مُكارَمَةِ النِكاحِ، والسُقُوطُ مِن أجْلِ أنَّ العِدَّةَ مِن سَبَبِ النِكاحِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ ، فَقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: ذَلِكَ الزِنا، فَيَخْرُجْنَ لِلْحَدِّ، وهَذا قَوْلُ الشَعْبِيِّ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وحَمّادٍ، واللَيْثِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ذَلِكَ البِذاءُ عَلى الأحْماءِ، فَتَخْرُجُ ويُسْقِطُ حَقُّها مِنَ السُكْنى، وتَلْزَمُ الإقامَةُ في مَسْكَنٍ تَتَّخِذُهُ حِفْظًا لِلنَّسَبِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إلّا أنْ يَفْحُشْنَ عَلَيْكُمْ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الفاحِشَةُ جَمِيعُ المَعاصِي، فَمَتى سَرَقَتْ أو زَنَتْ أو أرْبَتْ في تِجارَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ سَقَطَ حَقُّها في السُكْنى، وقالَ ابْنُ عُمَرَ والسُدِّيُّ: الفاحِشَةُ الخُرُوجُ عَنِ البَيْتِ خُرُوجُ انْتِقالٍ، فَمَتى فَعَلَتْ ذَلِكَ فَقَدْ سَقَطَ حَقُّها في السُكْنى، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: المَعْنى: أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ في نُشُوزٍ عَنِ الزَوْجِ فَيُطْلِّقُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ عَلَيْهِ سُكْنى، وقالَ بَعْضُ الناسِ: الفاحِشَةُ مَتى ورَدَتْ مَعْرِفَةً فَهي الزِنا، ومَتى جاءَتْ مُنَكَّرَةً فَهي المَعاصِي، فَمَرَّةً يُرادُ بِها سُوءُ عِشْرَةِ الزَوْجِ ومَرَّةً غَيْرَ ذَلِكَ.
وقَرَأ عاصِمٌ: "مُبَيَّنَةً" بِفَتْحِ الياءِ المُشَدَّدَةِ، تَقُولُ: بانَ الأمْرُ وبَيَّنْتُهُ أنا عَلى تَضْعِيفِ التَعْدِيَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِكَسْرِها، تَقُولُ بانَ الأمْرُ وبَيَّنَ بِمَعْنًى واحِدٍ، إلّا أنَّ التَضْعِيفَ لِلْمُبالَغَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: قَدْ بَيَّنَ الصُبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ ﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ أوامِرِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا ﴾ ، قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: يُرِيدُ بِهِ الرَجْعَةَ، أيْ: أحْصُوا العِدَّةَ، وامْتَثِلُوا هَذِهِ الأوامِرَ المُتَّفِقَةَ لِنِسائِكُمْ، الحافِظَةَ لِأنْسابِكُمْ، وطَلِّقُوا عَلى السُنَّةِ، تَجِدُوا المَخْلَصَ إنْ نَدِمْتُمْ، فَإنَّكم لا تَدْرُنَ لَعَلَّ الرَجْعَةَ تَكُونُ بَعْدُ، والإحْداثُ هُنا بَيِّنُ التَوَجُّهِ، عِبارَةٌ عَمّا يُوجَدُ مِنَ التَراجُعِ، وجَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أمْرًا مِنَ النُسَخِ، وفي ذَلِكَ بُعْدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ ﴾ يُرِيدُ بِهِ آخِرَ القُرْءِ، و"الإمْساكُ بِالمَعْرُوفِ" هو حُسْنُ العِشْرَةِ في الإنْفاقِ وغَيْرِ ذَلِكَ، و"المُفارَقَةُ بِالمَعْرُوفِ" هو أداءُ المَهْرِ والمُتَعَةُ ودَفْعُ جَمِيعِ الحُقُوقِ والوَفاءُ بِالشُرُوطِ وغَيْرُ ذَلِكَ حَسَبَ نازِلَةٍ نازِلَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ ﴾ يُرِيدُ: عَلى الرَجْعَةِ، وذَلِكَ شَرْطٌ في صِحَّةِ الرَجْعَةِ، وَلِلْمَرْأةِ مَنعُ الزَوْجِ مِن نَفْسِها حَتّى يَشْهَدَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المُرادُ: عَلى الرَجْعَةِ وعَلى الطَلاقِ؛ لِأنَّ الإشْهادَ يَرْفَعُ مِنَ النَوازِلِ إشْكالاتٍ كَثِيرَةً، وتَقْيِيدُ تارِيخِ الإشْهادِ مِنَ الإشْهادِ، وقالَ النَخْعِيُّ: العَدْلُ مَن لَمْ تَظْهَرْ مِنهُ رِيبَةٌ، وهَذا قَوْلُ الفُقَهاءِ، والعَدْلُ حَقِيقَةُ الَّذِي لا يَخافُ إلّا اللهَ تَعالى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَأقِيمُوا الشَهادَةَ لِلَّهِ ﴾ أمْرٌ لِلشُّهُودِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ ﴾ إشارَةٌ إلى إقامَةِ الشَهادَةِ، وذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ فُصُولِ الأحْكامِ والأُمُورِ فَإنَّما تَدُورُ عَلى إقامَةِ الشَهادَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ﴾ ، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هو في مَعْنى الطَلاقِ، أيْ: ومَن لا يَتَعَدّى في طَلاقِ السُنَّةِ إلى طَلاقِ الثَلاثِ وغَيْرِ ذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ لَهُ مَخْرَجًا إنْ نَدِمَ بِالرَجْعَةِ، المُباحَةِ ويَرْزُقُهُ ما يُطْعِمُ أهْلُهُ، ويُوَسِّعُ عَلَيْهِ، ومَن لا يَتَّقِ اللهَ فَرُبَّما طَلَّقَ وبَتَّ ونَدِمَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَخْرَجٌ، وزالَ عَلَيْهِ رِزْقُ زَوْجَتِهِ، وقَدْ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما نَحْوَ هَذا، فَقالَ لِلْمُطَلِّقِ ثَلاثًا: أنْتَ لَمْ تَتَّقِ اللهَ تَعالى، فَبانَتْ مِنكَ امْرَأتُكَ ولا أرى لَكَ مَخْرَجًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: مَعْنى "يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا "يُخَلِّصُهُ مِن كُرَبِ الدُنْيا والآخِرَةِ، واخْتَلَفَ في ألْفاظِ رِوايَةِ هَذِهِ القِصَّةِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، لَكِنَّ هَذا هو المَعْنى.
وقالَ بَعْضُ رُواةِ الآثارِ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ، وذَلِكَ أنَّهُ أُسِرَ ولَدُهُ، وقُدِّرَ عَلَيْهِ، فَشَكا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللهِ ، فَأمَرَ بِالتَقْوى، فَقِيلَ: لَمْ يَلْبَثْ أنْ تَفَلَّتَ ولَدُهُ، وأخَذَ قَطِيعَ غَنَمٍ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ أسَرُوهُ، وجاءَ أباهُ، فَسَألَ عَوْفٌ رَسُولَ اللهِ : أتَطِيبُ لَهُ تِلْكَ الغَنَمُ؟
فَقالَ رَسُولُ اللهِ : نَعَمْ،» ونَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ فَهو حَسْبُهُ ﴾ الآيَةُ كُلُّها لِجَمِيعِ الناسِ، و"الحَسْبُ": الكافِي المَرَضِيُّ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هَذِهِ أكْثَرُ الآياتِ حَضًّا عَلى التَفْوِيضِ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِعُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ولِّنِي مِمّا ولّاكَ اللهُ تَعالى، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: أتُقْرَأُ القُرْآنَ؟
قالَ: لا، قالَ عُمَرُ: فَإنّى لا أُولِي مَن لا يَقْرَأُ القُرْآنَ، فَتَعَلَّمَ الرَجُلُ رَجاءَ الوِلايَةِ، فَلَمّا حَفِظَ كَثِيرًا مِنَ القُرْآنِ تَخَلَّفَ عن عُمَرَ، ثُمَّ لَقِيَهُ يَوْمًا فَقالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما أبْطَأ بِكَ؟
قالَ: تَعَلَّمْتُ القُرْآنَ فَأغْنانِي اللهُ عن عُمَرَ وعن بابِهِ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآياتِ مِن هَذِهِ السُورَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ بالِغُ أمْرِهِ ﴾ بَيانٌ وحَضٌّ عَلى التَوَكُّلِ، أيْ: لا بُدَّ مِن نُفُوذِ أمْرِ اللهِ تَعالى تَوَكَّلْتَ أيُّها المَرْءُ أمْ لَمْ تَتَوَكَّلْ قالَهُ مَسْرُوقٌ، فَإنْ تَوَكَّلْتَ كَفاكَ وتَعَجَّلْتَ الراحَةَ والبَرَكَةَ، وإنْ لَمْ تَتَوَكَّلْ وكَلَكَ إلى عَجْزِكَ وتَسَخُّطِكَ، وأمْرُهُ عَزَّ وجَلَّ في الوَجْهَيْنِ نافِذٌ.
وقَرَأ داوُدُ بْنُ هِنْدَ -وَرُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو - "بالِغُ أمْرُهُ" بِرَفْعِ الأمْرِ، وحُذِفَ مَفْعُولٌ تَقْدِيرُهُ: بالِغٌ أمْرَهُ ما شاءَ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، والناسُ: "بالِغُ أمْرَهُ" بِنَصْبِ الأمْرِ، وقَرَأ حَفْصٌ والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "بالِغُ أمْرِهِ"" عَلى الإضافَةِ وتَرْكِ التَنْوِينَ فِي: "بالِغُ"، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، والأعْمَشِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "قَدْرًا" بِسُكُونِ الدالِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "قَدَرًا" فَتْحُ الدالِ وهَذا كُلُّهُ حَضٌّ عَلى التَوَكُّلِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِنَ نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللائِي لَمْ يَحِضْنَ وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ومَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنَ أمْرِهِ يُسْرًا ﴾ ﴿ ذَلِكَ أمْرُ اللهِ أنْزَلَهُ إلَيْكم ومَن يَتَّقِ اللهِ يُكَفِّرْ عنهُ سَيِّئاتِهِ ويُعْظِمْ لَهُ أجْرًا ﴾ ﴿ أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكم ولا تُضارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ وإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى ﴾ ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ "اللائِي": هو جَمْعُ ذاتٍ فِيما حَكى أبُو عُبَيْدَةَ، وهو ضَعِيفٌ، والَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أنَّهُ جَمْعُ "الَّتِي"، وقَدْ يَجِيءُ جَمْعًا لـ "لِذِي"، واليائِساتُ مِنَ المَحِيضِ عَلى مَراتِبَ، فَيائِسَةٌ هو أوَّلُ يَأْسِها فَهَذِهِ تُرْفَعُ إلى السُنَّةِ ويُبْقِيها الِاحْتِياطُ عَلى حُكْمِ مَن لَيْسَتْ بِيائِسَةٍ لِأنَّها لا تَدْرِي لَعَلَّ الدَمَ يَعُودُ، ويائِسَةٌ قَدِ انْقَطَعَ عنها الدَمُ لِأنَّها طَعَنَتْ في السِنِّ ثُمَّ طُلِّقَتْ وقَدْ مَرَّتْ عادَتُها بِانْقِطاعِ الدَمِ إلّا أنَّها مِمَّنْ يَخافُ أنْ تُحْمَلَ نادِرًا، فَهَذِهِ الَّتِي في الآيَةِ عَلى أحَدِ التَأْوِيلَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: "إنِ ارْتَبْتُمْ"، وهو قَوْلُ مَن جَعَلَ الِارْتِيابَ بِأمْرِ الحَوْلِ، وهو الأظْهَرُ، ويائِسَةٌ قَدْ هَرِمَتْ حَتّى تَتَيَقَّنَ أنَّها لا تَحْمِلُ، فَهَذِهِ لَيْسَتْ في الآيَةِ لِأنَّها لا تَرْتابُ بِحَمْلِها، لَكِنَّها في حُكْمِ الأشْهُرِ الثَلاثَةُ إجْماعًا فِيما عَلِمَتْ، وهي في الآيَةِ عَلى تَأْوِيلِ مَن يَرى قَوْلَهُ تَعالى: "إنِ ارْتَبْتُمْ" مَعْناهُ في حُكْمِ اليائِساتِ، وذَلِكَ أنَّهُ رَوى إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ «أنْ قَوْمًا مِنهم أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وخَلّادُ بْنُ النُعْمانِ لَمّا سَمِعُوا قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿ والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، فَما عِدَّةُ مَن لا قُرْءَ لَها مِن صِغَرٍ أو كِبَرٍ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ قائِلٌ مِنهُمْ: فَما عِدَّةُ الحامِلِ؟
فَنَزَلَتْ ﴿ وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ ،» وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في تَأْوِيلِ "إنِ ارْتَبْتُمْ".
و"أُولاتُ" جَمْعُ ذاتٍ، وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَعُمُّ الحَوامِلَ المُطَلَّقاتِ والمُعْتَدّاتِ مِنَ الوَفاةِ، والحُجَّةُ حَدِيثُ سُبَيْعَةَ الأسْلَمِيَّةِ، قالَتْ: « "كُنْتُ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ، فَتُوفِّيَ في حَجَّةِ الوَداعِ"، ووَضَعَتْ حَمْلَها قَبْلَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَقالَ لَها النَبِيُّ : "قَدْ حَلَلْتِ"، وأمَرَها أنْ تَتَزَوَّجَ.» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: نَزَلَتْ سُورَةُ النِساءِ القُصْرى بَعْدَ الطُولى، يَعْنِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ نَزَلَ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا ﴾ ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: إنَّما هَذِهِ في المُطَلَّقاتِ، وأمّا في الوَفاةِ فَعِدَّةُ الحامِلِ آخِرُ الأجَلَيْنِ، إنْ وُضِعَتْ قَبْلَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ تَمادَتْ إلى آخِرِها، والقَوْلُ الأوَّلُ أشْهُرُ، وعَلَيْهِ الفُقَهاءُ، وقَرَأ الضَحّاكُ: "أحْمالُهُنَّ" عَلى الجَمْعِ.
وَأمَرَ اللهُ تَعالى بِإسْكانِ المُطَلَّقاتِ، ولا خِلافَ في ذَلِكَ في الَّتِي لَمْ تَبُتُّ، وأمّا المَبْتُوتَةُ فَمالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى يَرى لَها السُكْنى لِمَكانِ حِفْظِ النَسَبِ، ولا يَرى لَها نَفَقَةً لِأنَّ النَفَقَةَ بِإزاءِ الِاسْتِمْتاعِ، وهو قَوْلُ الأوزاعِيِّ، والشافِعِيِّ، وابْنِ أبِي لَيْلى، وابْنِ عُبَيْدٍ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وعَطاءٍ، والشَعْبِيِّ، وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ.
وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ والشُورى: لَها السُكْنى والنَفَقَةُ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: لَيْسَ لَها سُكْنى ولا نَفَقَةٌ.
و"الوَجْدُ": السِعَةُ في المالِ، وضَمُّ الواوِ وفَتْحُها وكَسْرُها هي كُلُّها بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وُجْدِكُمْ" بِضَمِّ الواوِ بِمَعْنى سِعَةُ الحالِ، وقَرَأ الأعْرَجُ -فِيما ذَكَرَ عِصْمَةٌ-: "وَجَدَكُمْ" بِفَتْحِ الواوِ، وذَكَرَها أبُو عَمْرٍو عَنِ الحَسَنِ، وأبِي حَيْوَةَ، وقَرَأ الفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ، ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ الواوِ، وذَكَرَها المَهْدَوِيُّ عَنِ الأعْرَجِ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ.
وأمّا الحامِلُ فَلا خِلافَ في وُجُوبِ سُكْناها ونَفَقَتِها، بَتَّتْ أو لَمْ تَبُتَّ؛ لِأنَّها مُبِيَّنَةٌ في الآيَةِ، واخْتَلَفُوا في نَفَقَةِ الحامِلِ المُتَوَفّى عنها زَوْجُها عَلى قَوْلَيْنِ لِعُلَماءِ الأُمَّةِ، فَمَنَعَها قَوْمٌ، وأوجَبَها في التَرِكَةِ قَوْمٌ، وكَذَلِكَ النَفَقَةُ عَلى المُرْضِعِ واجِبَةٌ وهي الأجْرُ مَعَ الكُسْوَةِ وسائِرِ المُؤَنِ الَّتِي بَسَطَها في كُتُبِ الفِقْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ ﴾ أيْ: لِيَأْمُرَ كُلُّ واحِدٍ صاحِبَهُ بِخَيْرٍ، ولا شَكَّ أنَّ مَن أمَرَ بِخَيْرٍ فَهو أسْرَعُ إلى فِعْلِ ذَلِكَ الخَيْرِ، ولِيُقْبِلْ كُلُّ واحِدٍ ما أمَرَ بِهِ مِنَ المَعْرُوفِ فالقَبُولُ والِامْتِثالُ هو الِائْتِمارُ، وقالَ الكِسائِيُّ: "ائْتَمِرُوا " مَعْناهُ: تَشاوَرُوا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ المَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: .........
ويَعْدُو عَلى المَرْءِ ما يَأْتَمِرْ وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَإنْ تَعاسَرْتُمْ" أيْ: تَشَطَّطَتِ المَرْأةُ في الحَدِّ الَّذِي يَكُونُ أُجْرَةً عَلى الرَضاعِ فَلِلزَّوْجِ أنْ يَسْتَرْضِعَ أُخْرى بِما فِيهِ رِفْقُهُ، إلّا إنْ لَمْ يُقْبِلِ المَوْلُودُ غَيْرَ أُمِّهِ فَتُجْبَرُ حِينَئِذٍ عَلى رَضاعِهِ بِأُجْرَةِ مِثْلِها ومِثْلِ الزَوْجِ في حالِهِما أوَ غِناهِما.
ثُمَّ خَصَّ اللهُ تَعالى أهْلَ الجَدَّةِ عَلى الإنْفاقِ وأهْلَ الإقْتارِ عَلى التَوَسُّطِ، كُلٌّ بِقَدْرِ حالِهِ، وهَذا هو العَدْلُ بَيْنَهم لِئَلّا تَضِيعَ هي ولا يَتَكَلَّفُ هو ما لا يُطِيقُ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في الَّذِي يَعْجَزُ عن نَفَقَةِ امْرَأتِهِ - فَقالَ مالِكٌ، والشافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ المُسَيِّبِ، والحَسَنُ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُما، وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وجَماعَةٌ: لا يُفَرَّقُ بَيْنَهُما، ثُمَّ رَجّى تَعالى بِاليُسْرِ تَسْهِيلًا عَلى النُفُوسِ وتَطْيِيبًا لَها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَيُعْظِمُ" بِالياءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَنُعْظِمُ" بِالنُونِ، واخْتُلِفَ عنهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عن أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا ﴾ ﴿ فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا ﴾ ﴿ أعَدَّ اللهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا فاتَّقُوا اللهُ يا أُولِي الألْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أنْزَلَ اللهُ إلَيْكم ذِكْرًا ﴾ ﴿ رَسُولا يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ ومَن يُؤْمِن بِاللهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنَ تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا قَدْ أحْسَنَ اللهِ لَهُ رِزْقًا ﴾ "كَأيِّنْ" هي كافُ الجَرِّ دَخَلَتْ عَلى "أيِّ"، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وعُبَيْدُ عن أبِي عَمْرٍو: "وَكائِنٍ" مَمْدُودَةٌ مَهْمُوزَةٌ، كَما قالَ الشاعِرُ: وكائِنُ بِالأباطِحِ مِن صَدِيقٍ..........
وَقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "وَكايِنٍ" بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ، وفي هَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ قَلْبٌ؛ لِأنَّ الياءَ قَبْلَ الألِفاتِ.
و"العُتُوُّ": تَرْكُ الِائْتِمارِ والقَبُولِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَحاسَبْناها" قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: الآيَةُ في الآخِرَةِ، أيْ: ثُمَّ هو الحِسابُ والتَعْذِيبُ والذَوْقُ وخَسارُ العاقِبَةِ، وقالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ في الدُنْيا، ومَعْنى ( حاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا ) لَمْ نَغْتَفِرْ لَهم زَلَّةً بَلْ أخَذُوا بِالدَقائِقِ مِنَ الذُنُوبِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ وابْنُ ذَكْوانَ: "نُكُرًا" بِضَمِّ الكافِ، وأسْكَنَها الباقُونَ، وهي قِراءَةُ عِيسى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أعَدَّ اللهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا ﴾ يَظْهَرُ مِنهُ أنَّهُ بَيانٌ لِوَجْهِ خُسْرانِ عاقِبَتِهِمْ، فَيَتَأيَّدُ بِذَلِكَ أنْ تَكُونَ المُحاسَبَةُ والتَعْذِيبُ والذَوْقُ في الدُنْيا.
ثُمَّ نَدَبَ تَعالى أُولِي الألْبابِ إلى التَقْوى تَحْذِيرًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ صِفَةٌ لـ "أُولِي الألْبابِ"، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "نُدْخِلُهُ" بِالنُونِ، وكَذَلِكَ رَوى المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ أنْزَلَ اللهُ إلَيْكم ذِكْرًا ﴾ ﴿ رَسُولا ﴾ ، اخْتَلَفَ الناسُ في تَقْدِيرِ ذَلِكَ، فَقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المُرادُ بِالِاسْمَيْنِ القُرْآنُ، و"رَسُولًا" بِمَعْنى رِسالَةٍ، وذَلِكَ مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، وقالَ آخَرُونَ: "رَسُولًا" نَعْتٌ أو كالنَعْتِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ، "ذِكْرًا" فالمَعْنى ذِكْرًا ذا رَسُولٍ، وقِيلَ "الرَسُولُ": تَرْجَمَةٌ عن "الذِكْرِ" كَأنَّهُ بَدَلٌ مِنهُ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِهِما جَمِيعًا مُحَمَّدٌ، والمَعْنى: ذا ذِكْرٍ رَسُولًا، وقالَ بَعْضُ حُذّاقِ المُتَأوِّلِينَ: الذِكْرُ اسْمٌ مِن أسْماءِ الرَسُولِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام، واحْتَجَّ بِهَذا القاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِي في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ ﴾ ، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: مَعْنى الآيَةِ: ذِكْرًا بُعِثَ رَسُولًا، فَهو مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "رَسُولًا" مَعْمُولًا لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هو الذِكْرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأبَيْنُ الأقْوالِ عِنْدِي مَعْنى أنْ يَكُونَ "الذِكْرُ" لِلْقُرْآنِ، و"الرَسُولُ" مُحَمَّدٌ ، والمَعْنى: بَعَثَ رَسُولًا، لَكِنَّ الإيجازَ اقْتَضى اخْتِصارَ الفِعْلِ الناصِبِ لِلرَّسُولِ، ونَحا هَذا المَنحى السُدِّيُّ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ: "مُبَيَّناتٍ" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأها بِكَسْرِ الياءِ ابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وعِيسى.
وسائِرُ الآيَةِ بَيِّنٌ، والرِزْقُ المُشارُ إلَيْهِ رِزْقُ الجَنَّةِ لِدَوامِهِ ودُرُورِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللهُ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ لا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ السَمَواتِ سَبْعٌ لِأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ﴾ ، وفَسَّرَ رَسُولُ اللهِ أمْرَهُنَّ في حَدِيثِ الإسْراءِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِسَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: « "حَكَمْتَ بِحُكْمِ المَلِكِ مِن فَوْقِ سَبْعِ أرْقِعَةٍ"،» ونَطَقَتْ بِذَلِكَ الشَرِيعَةُ في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ، وأمّا "الأرْضُ" فالجُمْهُورُ عَلى أنَّها سَبْعُ أرْضِينَ، وهو ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ، وأنَّ المُماثَلَةَ إنَّما هي في العَدَدِ، ويَسْتَدِلُّ بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ : « "مَن غَصِبَ شِبْرًا مِن أرْضٍ طَوَّقَهُ مِن سَبْعِ أرْضِينَ"»، إلى غَيْرِ هَذا مِمّا ورَدَتْ بِهِ رِواياتٌ، ورُوِيَ عن قَوْمٍ مِنَ العُلَماءِ أنَّهم قالُوا: الأرْضُ واحِدَةٌ، وهي مُماثِلَةٌ لِكُلِّ سَماءٍ بِانْفِرادِها فِي ارْتِفاعِ جِرْمِها، وفي أنَّ فِيها عالَمًا يَعْبُدُ، كَما في كُلِّ سَماءٍ عالَمٌ يَعْبُدُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِثْلَهُنَّ " بِالنَصْبِ، وقَرَأ عاصِمٌ: "مِثْلُهُنَّ" بِالرَفْعِ، و"الأمْرُ" هُنا الوَحْيُ وجَمِيعُ ما يَأْمُرُ بِهِ تَعالى مَن يَعْقِلُ ومَن لا يَعْقِلُ، فَإنَّ الرِياحَ والسَحابَ وغَيْرَ ذَلِكَ مَأْمُورٌ كُلُّها، وباقِي السُورَةِ حَضٌّ عَلى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ( إنَّ اللهَ عَلى كُلِ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) عُمُومُ مَعْناهُ الخُصُوصُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ عُمُومٌ عَلى إطْلاقِهِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الطَلاقِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.