الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة التحريم
تفسيرُ سورةِ التحريم كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 32 دقيقة قراءةبِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَحْرِيمِ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ العِلْمِ بِلا خِلافٍ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكم واللهُ مَوْلاكم وهو العَلِيمُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ وَإذْ أسَرَّ النَبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ وأظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عن بَعْضِ فَلَمّا نَبَّأها بِهِ قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ ﴾ رُوِيَ في الحَدِيثِ عن زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ والشَعْبِيِّ وغَيْرِهِما ما مَعْناهُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ لَمّا أهْدى إلَيْهِ المُقَوْقِسُ مارِيَةَ القِبْطِيَّةَ اتَّخَذَها سُرِّيَّةً، فَلَمّا كانَ في بَعْضِ الأيّامِ وهو يَوْمُ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقِيلَ: بَلْ كانَ في يَوْمِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، جاءَ رَسُولُ اللهِ إلى بَيْتِ حَفْصَةَ فَوَجَدَها قَدْ مَرَّتْ إلى زِيارَةِ أبِيها، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ في جارِيَتِهِ فَقالَ مَعَها، فَجاءَتْ حَفْصَةُ فَوَجَدَتْهُما، فَأقامَتْ خارِجَ البَيْتِ حَتّى أخْرَجَ رَسُولُ اللهِ مارِيَةَ وذَهَبَتْ، فَدَخَلَتْ حَفْصَةُ غَيْرى مُتَغَيِّرَةً، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، أما كانَ في نِسائِكَ أهْوَنُ عَلَيْكَ مِنِّي؟
أفِي بَيْتِي غَيْرى وعَلى فِراشِي؟
فَقالَ لَها رَسُولُ اللهِ مُتَرَضِّيًا لَها: أيُرْضِيكِ أنْ أُحَرِّمَها؟
قالَتْ: نَعَمْ، فَقالَ: إنِّي قَدْ حَرَّمْتُها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وقالَ مَعَ ذَلِكَ: واللهِ لا أطَؤُها أبَدًا، ثُمَّ قالَ: لا تُخْبِرِي بِهَذا أحَدًا، فَمَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ في يَوْمِ عائِشَةَ قالَ: اسْتَكْتَمَها خَوْفًا مَن غَضِبِ عائِشَةَ، وحُسْنِ عِشْرَةٍ لَها، ومَن قالَ: بَلْ كانَ في يَوْمِ حَفْصَةَ قالَ: اسْتَكْتَمَتْها لِنَفْسِ الأمْرِ، ثُمَّ إنَّ حَفْصَةَ قَرَعَتِ الجِدارَ الَّذِي بَيْنَها وبَيْنَ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما وأخْبَرَتْها لِتُبَشِّرَها بِالأمْرِ، ولَمْ تَرَ في إفْشائِهِ إلَيْها حَرَجًا، واسْتَكْتَمَتْها، فَأوحى اللهُ بِذَلِكَ إلى نَبِيِّهِ ، ونَزَلَتِ الآيَةُ.» ورُوِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّ هَذا نَزَلَ بِسَبَبِ شَرِيكٍ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ، وذَكَرَ النَقّاشُ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
ورَوى عُبَيْدُ بْنُ عُمَرَ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّ هَذا التَحْرِيمَ المَذْكُورَ في الآيَةِ إنَّما هو بِسَبَبِ شَرابِ العَسَلِ الَّذِي شَرِبَهُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، «فَتَمالَأتْ عائِشَةُ وحَفْصَةُ وسَوْدَةُ عَلى أنْ تَقُولَ لَهُ مَن دَنا مِنها: أكَلْتَ مَغافِيرَ، والمَغافِيرُ صَمْغٌ العُرْفُطِ، وهو حُلْوٌ ثَقِيلُ الرِيحِ، فَفَعَلْنَ ذَلِكَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : لا، ولَكِنِّي شَرِبْتُ عَسَلًا، فَقُلْنَ لَهُ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ العُرْفُطَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : لا أشْرَبُهُ أبَدًا، وكانَ يَكْرَهُ أنْ تُوجَدَ مِنهُ رائِحَةٌ ثَقِيلَةٌ، فَدَخَلَ -بَعْدَ ذَلِكَ- عَلى زَيْنَبَ رَضِيَ اللهُ عنها فَقالَتْ لَهُ: ألا نَسْقِيكَ مِن ذَلِكَ العَسَلَ؟
فَقالَ: لا حاجَةَ لِي بِهِ.
قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: تَقُولُ سَوْدَةُ حِينَ بَلَغَها امْتِناعُهُ: واللهِ لَقَدْ حَرَّمْناهُ، قُلْتُ لَها: اسْكُتِي.» والقَوْلُ الأوَّلُ - إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ مارِيَةَ - أصَحُّ وأوضَحُ، وعَلَيْهِ تَفَقُّهُ الناسِ في الآيَةِ، ومَتى حَرَّمَ الرَجُلُ مالًا أو جارِيَةً دُونَ أنْ يَعْتِقَ أو يَشْتَرِطَ عِتْقًا أو نَحْوَ ذَلِكَ فَلَيْسَ تَحْرِيمُهُ بِشَيْءٍ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ إذا حَرَّمَ زَوْجَتَهُ بِأنْ يَقُولَ: "أنْتِ عَلِيَّ حَرامٌ" أو: "الحَلالُ عَلَيَّ حَرامٌ"، ولا يَسْتَثْنِي زَوْجَتَهُ، فَقالَ مالِكٌ: هي ثَلاثٌ في المَدْخُولِ بِها، ويَنْوِي في غَيْرِ المَدْخُولِ بِها، فَهو ما أرادَ مِن واحِدَةٍ أوِ اثْنَيْنِ أو ثَلاثٍ، وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ الماجَشُونِ: هي ثَلاثٌ في الوَجْهَيْنِ، ولا يَنْوِي في شَيْءٍ، وقالَ أبُو المُصْعَبِ وغَيْرُهُ -وَرَوى ابْنُ خُوَيْزٍ مِندادِ عن مالِكٍ -: أنَّها واحِدَةٌ بائِنَةٌ في المَدْخُولِ بِها، ورُوِيَ عن عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ الماجَشُونِ أنَّهُ قالَ: يَحْمِلُها عَلى واحِدَةٍ رَجْعِيَّةٍ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ: التَحْرِيمُ لا شَيْءَ، وإنَّما عاتَبَ اللهُ رَسُولَهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ فِيهِ ودَلَّهُ عَلى تَحِلَّةِ اليَمِينِ المُبَيِّنَةِ في المائِدَةِ لِقَوْلِهِ: "قَدْ حَرَّمْتُها وواللهِ لا أطَؤُها أبَدًا"، وقالَ مَسْرُوقٌ: ما أُبالِي أحَرَّمَتْها أو قَصْعَةً مِن ثَرِيدٍ، وكَذَلِكَ قالَ الشَعْبِيُّ: "لَيْسَ التَحْرِيمُ بِشَيْءٍ، قالَ تَعالى: ﴿ وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ ﴾ ، وقالَ تَعالى: ﴿ لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللهُ لَكُمْ ﴾ ، ومُحَرِّمٌ زَوْجَتَهُ قَدْ سُمِّيَ حَرامًا ما جَعَلَهُ اللهُ حَلالًا، وحَرَّمَ ما أحَلَّ اللهُ لَهُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ، وعُمَرُ الفارُوقُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وعائِشَةُ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ.
وأبُو ثَوْرٍ والأوزاعِيُّ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ: التَحْرِيمُ يَلْزَمُ فِيهِ تَكْفِيرُ يَمِينٍ بِاللهِ تَعالى، والتَحِلَّةُ إنَّما هي مِن أجْلِ جِهَةِ التَحْرِيمِ، ولَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللهِ : "واللهِ لا أطَؤُها"، وقالَ أبُو قُلابَةَ: "التَحْرِيمُ ظِهارٌ"، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، وسُفْيانُ، والكُوفِيُّونَ: "هُوَ ما أرادَ مِنَ الطَلاقِ، فَإنْ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ طَلاقًا فَهو لا شَيْءَ"، وقالَ آخَرُونَ: "هُوَ ما أرادَ مِنَ الطَلاقِ، فَإنْ لَمْ يُرِدْ طَلاقًا فَهو يَمِينٌ.
ودَعا اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِاسْمِ النُبُوَّةِ الَّذِي هو دالٌّ عَلى شَرَفِ مُنْزِلَتِهِ وعَلى فَضِيلَتِهِ الَّتِي خَصَّهُ بِها دُونَ البَشَرِ وقَدَّرَهُ، كالمُعاتِبِ عَلى سَبَبِ تَحْرِيمِهِ عَلى نَفْسِهِ ما أحَلَّ اللهُ تَعالى لَهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في "تُحَرِّمُ"، و"المَرْضاةُ" مَصْدَرٌ كالرِضى، ثُمَّ غَفَرَ لَهُ تَعالى ما عاتَبَهُ فِيهِ ورَحِمَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ فَرَضَ اللهُ ﴾ أيْ: بَيَّنَ وأثْبَتَ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى تَكْفِيرِ التَحْرِيمِ، وقالَ آخَرُونَ: هي إشارَةٌ إلى تَكْفِيرِ اليَمِينِ المُقْتَرِنَةِ بِالتَحْرِيمِ.
و"التَحِلَّةُ" مَصْدَرٌ، وزْنُها "تَفْعِلَةٌ"، وأدْغَمَ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ، وأحالَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الآيَةِ الَّتِي فَسَّرَ فِيها الإطْعامَ في كَفّارَةِ اليَمِينِ بِاللهِ تَعالى، و"المَوْلى": المُوالِي الناصِرُ العاضِدُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أسَرَّ النَبِيُّ ﴾ الآيَةُ مَعْناهُ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَأْنِيبِ والعَتْبِ لَهُنَّ، وقالَ الجُمْهُورُ: "الحَدِيثُ" هو قَوْلُهُ في أمْرِ مارِيَةَ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّما هو قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: «إنَّما شَرِبْتُ عَسَلًا»، و"بَعْضُ أزْواجِهِ" هي حَفْصَةُ رَضِيَ اللهُ عنها، و"نَبَّأتْ" مَعْناهُ: أخْبَرَتْ، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "أنْبَأتْ" وكانَ إخْبارُها لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، وهَذا ونَحْوُهُ هو التَظاهُرُ الَّذِي عُوتِبَتا فِيهِ، وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرانَ: الحَدِيثُ الَّذِي أسَرَّ إلى حَفْصَةَ أنَّهُ قالَ لَها: وأبْشِرِي بِأنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ يَمْلِكانِ أمْرَ أُمَّتِي بَعْدِي خِلافَةً، وتَعَدَّتْ "نَبَّأ" في هَذِهِ الآيَةِ مَرَّةً إلى مَفْعُولَيْنِ ومَرَّةً إلى واحِدٍ، لِأنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ في أنْبَأ ونَبَّأ إذا كانَ دُخُولُهُما عَلى غَيْرِ الِابْتِداءِ والخَبَرِ، فَمَتى دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَةِ تَعَدَّتْ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ، ولا يَجُوزُ الِاقْتِصارُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَأظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ ﴾ أيْ: أطْلَعَهُ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ وقَتادَةُ: "عَرَفَ" بِتَخْفِيفِ الراءِ، وقَرَأ الباقُونَ وجُمْهُورُ الناسِ: "عَرَّفَ" بِشَدِّها، والمَعْنى في اللَفْظَةِ مَعَ التَخْفِيفِ: جازى بِالعَتَبِ واللَوْمِ، كَما تَقُولُ لِإنْسانٍ يُؤْذِيكَ: قَدْ عَرَّفْتُ لَكَ هَذا، ولَأُعَرِّفَنَّ لَكَ هَذا، بِمَعْنى: لَأُجازِيَنَّكَ عَلَيْهِ، ونَحْوُهُ في المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما في قُلُوبِهِمْ، فَأعْرِضْ عنهُمْ ﴾ فَعِلْمُ اللهِ زَعِيمٌ بِمُجازاتِهِمْ، وكَذَلِكَ مَعْرِفَةُ النَبِيِّ ، والمَعْنى مَعَ الشَدِّ في الراءِ: أعْلَمَ بِهِ وأبَتَّ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأعْرَضَ عن بَعْضٍ" أيْ: تَكَرُّمًا وحَياءً وحُسْنَ عِشْرَةٍ، قالَ الحَسَنُ: ما اسْتَقْصى كَرِيمٌ قَطُّ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ طَلَّقَ حِينَئِذٍ حَفْصَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، ثُمَّ إنَّ اللهَ تَعالى أمَرَهُ بِمُراجَعَتِها، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ عاتَبَها ولَمْ يُطَلِّقْها، فَلَمّا أخْبَرَ رَسُولَ اللهِ بِالخَبَرِ وأنَّها أفْشَتْهُ إلى عائِشَةَ ظَنَّتْ أنَّ عائِشَةَ فَضَحَتْها، فَقالَتْ: "مَن أنْبَأكَ هَذا"؟
عَلى جِهَةِ التَثَبُّتِ، فَلَمّا أخْبَرَها أنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَهُ سَكَتَتْ وسَلَّمَتْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنْ تَتُوبا إلى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللهِ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ ﴿ عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا ﴾ المُخاطَبَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ تَتُوبا إلى اللهِ ﴾ هي لِحَفْصَةَ وعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وفي حَدِيثِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ: مَنِ اللَتانِ تَظاهَرَتا عَلى رَسُولِ اللهِ ؟
قالَ: حَفْصَةُ وعائِشَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ مَعْناهُ: مالَتْ عَنِ المَعْدَلَةِ والصَوابِ، والصَغا: المَيْلُ، ومِنهُ صاغِيَةُ الرَجُلِ، وهم حَواشِيهِ الَّذِينَ يَمِيلُونَ إلَيْهِ، ومِنهُ: أصْغى إلَيْهِ بِسَمْعِهِ، وأصْغى الإناءُ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَقَدْ زاغَتْ قُلُوبُكُما"، والزَيْغُ: المَيْلُ، وعُرْفُهُ في خِلافِ الحَقِّ، قالَ مُجاهِدٌ: كَما نَرى "صُغْتُ" شَيْئًا هَيِّنًا حَتّى سَمِعْنا قِراءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ: "زاغَتْ"، وجَمْعُ القُلُوبِ مِن حَيْثُ الِاثْنانِ جَمْعٌ ومِن حَيْثُ لا لَبْسَ في اللَفْظِ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِ الشاعِرِ: ...............
ظَهْراهُما مِثْلُ ظُهُورِ التُرْسَيْنِ وَمَعْنى الآيَةِ: إنْ تُبْتُما فَقَدْ كانَ مِنكُما ما يَنْبَغِي أنْ يُتابَ مِنهُ، وهَذا الجَوابُ الَّذِي هو لِلشَّرْطِ هو مُتَقَدِّمٌ في المَعْنى، وإنَّما تَرَتَّبَ جَوابًا في اللَفْظِ، و"إنْ تَظاهَرا" مَعْناهُ: تَتَعاوَنا، فَأُدْغِمَتِ التاءُ في الظاءِ بَعْدَ البَدَلِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ بِتاءَيْنِ عَلى الأصْلِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وطَلْحَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: بِتَخْفِيفِ الظاءِ عَلى حَذْفِ التاءِ الواحِدَةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قَرَأ بِتَشْدِيدِ الظاءِ والهاءِ دُونَ ألِفٍ، و"المَوْلى": الناصِرُ والمُعِينُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى في قَوْلِهِ: "هُوَ"، فَيَكُونُ ﴿ وَجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ في الوِلايَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "جِبْرِيلُ" رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، وما بَعْدَهُ عَطْفٌ عَلَيْهِ و"ظَهِيرٌ" الخَبَرُ، فَيَكُونُونَ حِينَئِذٍ مِنَ الظَهْرِ لا في الوِلايَةِ، ويَخْتَصُّ بِأنَّهُ مَوْلى اللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
واخْتَلَفَ الناسُ في "صالِحُ المُؤْمِنِينَ"، فَقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ العُلَماءِ: ذَلِكَ عَلى العُمُومِ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ صالِحٍ، وقالَ الضَحّاكُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ: المُرادُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ ، وقالَ مُجاهِدٌ نَحْوَهُ، وقالَ أيْضًا: وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ورَوى عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "صالِحُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ "» ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ، وقالَ قَتادَةُ، والعَلاءُ بْنُ زِيادٍ، وغَيْرُهُما: هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ، وإنَّما يَتَرَتَّبُ ذَلِكَ بِأنْ تَكُونَ مُظاهَرَتُهم بِأنَّهم قُدْوَةٌ وأُسْوَةٌ، فَهم عَوْنٌ بِهَذا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ مُفْرَدًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "وَصالِحُوا" فَحُذِفَتِ الواوُ في خَطِّ المُصْحَفِ كَما حَذَفُوها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ.
ويُرْوى عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ لِلنَّبِيِّ : يا رَسُولَ اللهِ، لا تَكْتَرِثْ بِأمْرِ نِسائِكَ، واللهُ مَعَكَ وجِبْرِيلُ مَعَكَ وأبُو بَكْرٍ مَعَكَ، وأنا مَعَكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُوافِقَةً نَحْوًا مِن قَوْلِ عُمَرَ.» قالَ المَهْدَوِيُّ: رُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى لِسانِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكَذا رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ لِزَوْجاتِ النَبِيِّ : "عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ، وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: قالَتْ لِي أُمُّ سَلَمَةَ: "يا ابْنَ الخَطّابِ أدْخَلْتَ نَفْسَكَ في كُلِّ شَيْءٍ حَتّى دَخَلْتَ بَيْنَ الرَسُولِ وبَيْنَ نِسائِهِ"، فَأخَذْتَنِي أخْذًا كَسَرْتَنِي بِهِ، وقالَتْ لِي زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ: يا عُمَرُ: أما يَقْدِرُ رَسُولُ اللهِ أنْ يَعِظَ نِساءَهُ حَتّى تَعِظَهُنَّ أنْتَ؟
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "طَلَّقَكُنَّ" بِفَتْحِ القافِ وإظْهارِهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ عنهُ- بِإدْغامِها في الكافِ وشَدِّها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وإدْغامُ القافِ في الكافِ حَسَنٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكُوفِيُّونَ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "أنْ يُبْدِلَهُ" بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدالِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "أنْ يُبَدِّلَهُ" بِفَتْحِ الباءِ وشَدِّ الدالِ، وهَذِهِ لُغَةُ القُرْآنِ في هَذا الفِعْلِ.
وكَرَّرَ اللهُ تَعالى الصِفاتِ مُبالَغَةً وإنْ كانَ بَعْضُها يَتَضَمَّنُ بَعْضًا، فالإسْلامُ إشارَةٌ إلى التَصْدِيقِ والعَمَلِ، والإيمانُ تَخْصِيصٌ وتَنْبِيهٌ عَلى شَرَفِ وقْعِهِ، و"قانِتاتٍ" مَعْناهُ: مُطِيعاتٍ، و"السائِحاتُ" قِيلَ: مَعْناهُ صائِماتٌ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ والضَحّاكُ، وذَكَرَ الزَجّاجُ أنَّ النَبِيَّ قالَهُ: وقِيلَ: مَعْناهُ: مُهاجِراتٍ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَيْسَ في الإسْلامِ سِياحَةً إلّا الهِجْرَةُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ذاهِباتٌ في طاعَةِ اللهِ، وشَبَّهَ الصائِمُ بِالسائِحِ مِن حَيْثُ يَنْهَمِكُ السائِحُ ولا يَنْظُرُ في زادٍ ولا مَطْعَمٍ، وكَذَلِكَ الصائِمُ يُمْسِكُ عن ذَلِكَ فَيَسْتَوِي هو والسائِحُ في الِامْتِناعِ وشَظَفِ العَيْشِ لِفَقْدِ الطَعامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "ثَيِّباتٍ وأبْكارًا" تَقْسِيمٌ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الصِفاتِ المُتَقَدِّمَةِ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الواوُ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ فِيها: واوُ الثَمانِيَةِ؛ لِأنَّها هُنا ضَرُورِيَّةٌ ولَوْ سَقَطَتْ لاخْتَلَّ المَعْنى.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا وقُودُها الناسُ والحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ عنكم سَيِّئاتِكم ويُدْخِلَكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهِ النَبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا واغْفِرْ لَنا إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكُمْ ﴾ مَعْناهُ: اجْعَلُوا وِقايَةَ بَيْنِكم وبَيْنَ النارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةِ تَعْلِيلُ اللَفْظَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأهْلِيكُمْ" مَعْناهُ: بِالوَصِيَّةِ لَهم والتَقْدِيمِ والحَمْلِ عَلى طاعَةِ اللهِ تَعالى، وفي حَدِيثِ: « "لا تَزْنِي فَيَزْنِي أهْلُكَ"»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ « "رَحِمَ اللهُ رَجُلًا قالَ: يا أهْلاهُ، صَلاتَكُمْ، صِيامَكُمْ، مِسْكِينَكُمْ، يَتِيمَكُمْ"،» وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَقُودُها" بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّها، وقِيلَ: هُما بِمَعْنى، وقِيلَ: الضَمُّ مَصْدَرٌ والفَتْحُ اسْمٌ، ويُرْوى أنَّ الحِجارَةَ هي حِجارَةُ الكِبْرِيتِ وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ، ويُرْوى أنَّها جَمِيعُ أنْواعِ الحِجارَةِ، وفي بَعْضِ الحَدِيثِ «أنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَلامُ سَمِعَ أنِينًا بِفَلاةٍ مِنَ الأرْضِ، فَتَبِعَهُ حَتّى بَلَغَ إلى حَجَرٍ يَئِنُّ ويَحْزَنُ، فَقالَ لَهُ: ما لَكَ أيُّها الحَجَرُ؟
قالَ: يا رُوحَ اللهِ إنِّي سَمِعْتُ اللهَ يَقُولُ: ﴿ وَقُودُها الناسُ والحِجارَةُ ﴾ فَخِفْتُ أنْ أكُونَ مِن تِلْكَ الحِجارَةِ، فَعَجِبَ مِنهُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وانْصَرَفَ،» ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا المَعْنى في التَوْراةِ أو في الإنْجِيلِ، فَذَلِكَ الَّذِي سَمِعَ الحَجَرَ إذا عُبِّرَ عنهُ بِالعَرَبِيَّةِ كانَ هَذا اللَفْظُ.
ووَصْفُ المَلائِكَةِ بِالغِلْظَةِ مَعْناهُ في القُلُوبِ والبَطْشِ الشَدِيدِ والفَظاظَةِ، كَما قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ : "وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ"، و"الشِدَّةُ": القُوَّةُ، وقِيلَ: المُرادُ شِدَّتُهم عَلى الكَفّارِ فَهي بِمَعْنى الغِلْظَةِ.
ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِالطَواعِيَةِ لِرَبِّهِمْ، وكَرَّرَ المَعْنى تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ ما يَقْتَضِي أنَّهم يَدْخُلُونَ الكَفّارَ النارَ بِجِدٍّ واخْتِيارٍ ويُغْلِظُونَ عَلَيْهِمْ، فَكَأنَّهُ قالَ بَعْدَ تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى: فَيُقالُ لِلْكُفّارِ: "لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ"، أيْ: إنَّ المَعْذِرَةَ لا تَنْفَعُكُمْ، وإنَّما تُجْزَوْنَ بِأعْمالِكُمْ، فَلا تَلُومُوا إلّا أنْفُسَكم.
ثُمَّ أمَرَ عِبادَهُ بِالتَوْبَةِ، والتَوْبَةُ فَرْضٌ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ، و"تابَ" مَعْناهُ: رَجَعَ، فَتَوْبَةُ العَبْدِ: رُجُوعُهُ مِنَ المَعْصِيَةِ إلى الطاعَةِ، وتَوْبَةُ اللهِ تَعالى عَلى العَبْدِ إظْهارُ صَلاحِهِ ونِعْمَتِهِ عَلَيْهِ في الهِدايَةِ لِلطّاعَةِ، وقَبُولُ تَوْبَةِ الكَفّارِ يَقْطَعُ بِها عَلى اللهِ تَعالى إجْماعًا مِنَ الأُمَّةِ، واخْتَلَفَ الناسُ في تَوْبَةِ العاصِي، فَجُمْهُورُ أهْلِ السُنَّةِ عَلى أنَّهُ لا يَقْطَعُ بِقَبُولِها ولا ذَلِكَ عَلى اللهِ بِواجِبٍ، والدَلِيلُ عَلى ذَلِكَ دُعاءُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ التائِبِينَ في قَبُولِ التَوْبَةِ، ولَوْ كانَ مَقْطُوعًا بِهِ لَما كانَ مَعْنًى لِلدُّعاءِ في قَبُولِها، وظَواهِرُ القُرْآنِ في ذَلِكَ هي كُلُّها بِمَعْنى المَشِيئَةِ، ورُوِيَ عن أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ أنَّهُ قالَ: التَوْبَةُ إذا تَوافَرَتْ شُرُوطُها قَطَعَ عَلى اللهِ تَعالى بِقَبُولِهِ لِأنَّهُ أخْبَرَ بِذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَمَسُّكٌ بِظَواهِرِ القُرْآنِ، وعَلى هَذا القَوْلِ أطْبَقَتِ المُعْتَزِلَةُ، والتَوْبَةُ: النَدَمُ عَلى فارِطِ مَعْصِيَةٍ، والعَزْمُ عَلى تَرْكِ مِثْلِها في المُسْتَقْبَلِ، وهَذا مِنَ المُتَمَكِّنِ، وأمّا غَيْرُ المُتَمَكِّنِ كالمَجْبُوبِ في الزِنا فالنَدَمُ وحْدَهُ يَكْفِيهِ، والتَوْبَةُ عِبادَةٌ كالصَلاةِ وغَيْرِها، فَإذا تابَ العَبْدُ وحَصَلَتْ تَوْبَتُهُ بِشُرُوطِها وقُبِلَتْ ثُمَّ عاوَدَ الذَنْبَ فَتَوْبَتُهُ الأُولى لا تُفْسِدُها عَوْدَةٌ، بَلْ هي كَسائِرِ ما يَحْصُلُ مِنَ العِباداتِ.
و"النَصُوحُ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِنَ النُصْحِ، أيْ: تَوْبَةٌ نَصَحَتْ صاحِبَها وأرْشَدَتْهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَصُوحًا" بِفَتْحِ النُونِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وخارِجَةَ عن نافِعٍ، والحَسَنِ، والأعْرَجِ، وعِيسى: "نَصُوحًا" بِضَمِّ النُونِ، وهو مَصْدَرٌ، يُقالُ: نَصَحَ يَنْصَحُ، نَصاحَةً ونُصُوحًا قالَهُ الزَجّاجُ، فَوَصَفَ التَوْبَةَ بِالمَصْدَرِ كالعَدْلِ والزُورِ ونَحْوِهِ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: التَوْبَةُ النَصُوحُ هي أنْ يَتُوبَ ثُمَّ لا يَعُودُ ولا يُرِيدُ أنْ يَعُودَ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: هي أنْ تَضِيقَ عَلَيْكَ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ كَتَوْبَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "عَسى رَبُّكُمْ" الآيَةُ، تَرْجِيَةٌ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ "عَسى" مِنَ اللهِ تَعالى واجِبَةٌ، والعامِلِ في "يَوْمَ" هو "يُدْخِلُكُمْ"، ورُوِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَبِيَّ ﴾ أنَّ مُحَمَّدًا تَضْرَّعَ في أمْرِ أُمَّتِهِ فَأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ حِسابَهم إلَيْكَ، فَقالَ: يا رَبِّ أنْتَ أرْحَمُ بِهِمْ، فَقالَ اللهُ تَعالى: إذًا لا أُخْزِيكَ فِيهِمْ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَبِيَّ ﴾ ، والخِزْيُ المَكْرُوهُ الَّذِي يَتْرُكُ الإنْسانَ حَيْرانَ خَجِلًا مَهْمُومًا بِأنْ يَرى نَقْصَهُ أو سُوءَ مَنزِلَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى "النَبِيِّ" فَيَخْرُجُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الخِزْيِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً، و"نُورُهم يَسْعى" جُمْلَةٌ هي خَبَرُهُ، ويَبْقى النَبِيُّ مَخْصُوصًا مُفَضَّلًا بِأنَّهُ لا يَخْزى، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ ﴾ ، وقَرَأ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ: "بِإيمانِهِمْ"، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَوْلُهُمْ: "أتْمِمْ لَنا نُورَنا" قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: هو عِنْدَما يَرَوْنَ مِنِ انْطِفاءِ نُورِ المُنافِقِينَ حَسَبَما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، وقِيلَ: يَقُولُ مَن أُعْطِيَ مِنَ النُورِ بِقَدْرِ ما يَرى مِن مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ فَقَطْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ ﴿ ضَرَبَ اللهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأتَ نُوحٍ وامْرَأتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عنهُما مِن اللهُ شَيْئًا وقِيلَ ادْخُلا النارَ مَعَ الداخِلِينَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَأْكِيدٌ لِأمْرِ الجِهادِ وفَرْضِهِ المُتَقَدِّمِ، والمَعْنى: دُمْ عَلى جِهادِ الكافِرِينَ بِالسَيْفِ، وجاهِدِ المُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ، وضَرْبِهِمْ في كُلِّ جَرائِمِهِمْ وعِنْدَ قُوَّةِ الظَنِّ بِهِمْ، ولَمْ يُعَيِّنِ اللهُ تَعالى لِرَسُولِهِ مُنافِقًا يَقَعُ القَطْعُ بِنِفاقِهِ؛ لِأنَّ التَشَهُّدَ الَّذِي كانُوا يُظْهِرُونَ كانَ مُلْبِسًا لِأمْرِهِمْ، مُشَبَّهًا لَهم بِالعُصاةِ مِنَ الأُمَّةِ، و"الغِلْظَةُ عَلَيْهِمْ" هي فَظاظَةُ القَلْبِ والِانْتِهارُ وقِلَّةُ الرِفْق بِهِمْ، وقَرَأ الضَحّاكُ: "وَأغْلِظْ" بِكَسْرِ اللامِ وقَطْعِ الألِفِ.
وهَذانَ المَثَلانِ اللَذانِ لِلْكُفّارِ والمُؤْمِنِينَ مَعْناهُما أنَّ مَن كَفَرَ لا يُغْنِي عنهُ مِنَ اللهِ شَيْءٌ، ولا يَنْفَعُهُ وِزْرٌ ولَوْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِأقْوى الأسْبابِ، وأنَّ مَن آمَنَ لا يَدْفَعُهُ دافِعٌ عن رِضْوانِ اللهِ تَعالى ولَوْ كانَ في أسْوَأِ مَنشَأٍ وأخَسِّ حالٍ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ في المَثَلَيْنِ عِبْرَةٌ لِزَوْجاتِ النَبِيِّ حِينَ تَقَدَّمَ عِتابُهُنَّ، وفي هَذا بُعْدٌ لِأنَّ النَصَّ أنَّهُ لِلْكُفّارِ يُبْعِدُ هَذا.
واخْتَلَفَ الناسُ في خِيانَةِ هاتَيْنِ المَرْأتَيْنِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: خانَتا في الكُفْرِ، وفي أنَّ امْرَأةَ نُوحٍ كانَتْ تَقُولُ لِلنّاسِ: إنَّهُ مَجْنُونٌ.
وأنَّ امْرَأةَ لُوطٍ كانَتْ تَقُولُ لِقَوْمِهِ مَتى ورَدَ ضَيْفٌ فَتُخْبِرُ بِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وما بَغَتْ زَوْجَةُ نَبِيٍّ قَطُّ ولا ابْتُلِيَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ في نِسائِهِمْ بِهَذا، وقالَ الحَسَنُ -فِي كِتابِ النَقّاشِ -: خانَتاهُما بِالكُفْرِ والزِنى وغَيْرِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُغْنِيا" بِالياءِ، وقَرَأ بِشْرُ بْنُ عُبَيْدٍ: "تَغَنِّيًا" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي مِن القَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ وكانَتْ مِن القانِتِينَ ﴾ امْرَأتَ فِرْعَوْنَ اسْمُها "آسِيَةُ" وقَوْلُها: "وَعَمَلِهِ" مَعْناهُ: وكُفْرِهِ وما هو عَلَيْهِ مِنَ الضَلالَةِ، وهَذا قَوْلُ كافَّةِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: مِن ظُلْمِهِ وعِقابِهِ وتَعْذِيبِهِ لِي، ورُوِيَ في هَذا أنَّ فِرْعَوْنَ اتَّصَلَ بِهِ إيمانُها بِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّها تُحِبُّ أنْ تَغْلِبَ، فَبَعَثَ إلَيْها قَوْمًا، فَقالَ: إنْ رَأيْتُمْ مِنها ذَلِكَ فابْطَحُوها في الأرْضِ، ووَتِّدُوا يَدَيْها ورِجْلَيْها، وألْقُوا عَلَيْها أعْظَمَ حَجَرٍ، وإنْ لَمْ تَرَوْا ذَلِكَ فَهي امْرَأتِي، قالَ: فَذَهَبَ القَوْمُ، فَلَمّا أحَسَّتِ الشَرَّ مِنهم دَعَتْ بِهَذِهِ الدَعَواتِ، فَقَبَضَ اللهُ رَوْحَها، ووَضَعَ أُولَئِكَ الحَجَرَ بِشَخْصٍ لا رُوحَ فِيهِ، ورُوِيَ غَيْرُ هَذا مِمّا يَطُولُ فاخْتَصَرْتُهُ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ.
وقالَ آخَرُونَ -فِي كِتابِ النَقّاشِ -: "وَعَمَلِهِ" كِنايَةٌ عَنِ الوَطْءِ والمُضاجَعَةِ، وهَذا ضَعِيفٌ.
واخْتَلَفَ الناسُ في الفَرْجِ الَّذِي أحْصَنَتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَلامُ، فَقالَ الجُمْهُورُ: هو فَرْجُ الدِرْعِ الَّذِي كانَ عَلَيْها، وأنَّها كانَتْ صَبِيَّةً، وأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ نَفَخَ فِيها الرُوحَ مِن جَيْبِ الدِرْعِ، وقالَ قَوْمٌ: هو الفَرْجُ الجارِحَةٌ، ولَفْظَةُ "أحْصَنَتْ" -إذا كانَ فَرْجَ الجارِحَةِ- مُتَمَكِّنَةٌ حَقِيقَةً، والإحْصانُ: صَوْنُهُ، وفِيهِ هي مُسْتَعْمَلَةٌ، وإذا قَدَّرْناهُ فَرْجَ الدِرْعِ فَلَفْظَةُ "أحْصَنَتْ" مُسْتَعارَةٌ مِن حَيْثُ أحْصَنَتْهُ وصانَتْهُ ومِن حَيْثُ سارَ مَسْلَكًا لِوَلَدِها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: "فَنَفَخْنا" عِبارَةٌ عن فِعْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، حَقِيقَةً، وإنْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنَّ النَفْخَ فِعْلُ اللهِ تَعالى، فَهو عِبارَةٌ عن خَلْقِهِ واخْتِراعِهِ الوَلَدَ في بَطْنِها، وشُبِّهَ ذَلِكَ بِالنَفْخِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُسَيِّرَ الشَيْءَ بِرِفْقٍ ولُطْفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن رُوحِنا" إضافَةُ مَخْلُوقٍ إلى خالِقٍ، ومَمْلُوكٍ إلى مالِكٍ، كَما تَقُولُ: بَيْتُ اللهِ، وناقَةُ اللهِ، وكَذَلِكَ الرُوحُ الجِنْسُ كُلُّهُ هو رُوحُ اللهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَصَدَّقَتْ" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ أبُو مِجْلِزٍ بِتَخْفِيفِها، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "بِكَلِماتِ" عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "بِكَلِمَةٍ" عَلى الإفْرادِ، فَأمّا الإفْرادُ فَيُقَوِّي أنْ يُرِيدَ أمْرَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ وهو التَوْراةُ، ومَن قَرَأ بِالجَمْعِ فَيُقَوِّي أنَّهُ يُرِيدُ التَوْراةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أمْرَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، ونافِعٌ: "وَكِتابِهِ" عَلى الوَحِيدِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، عن عاصِمٍ، وخارِجَةُ عن نافِعٍ: "وَكُتُبِهِ" بِضَمِّ التاءِ عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِسُكُونِ التاءِ: "وَكُتْبِهِ"، وذَلِكَ كُلُّهُ مُرادٌ بِهِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ.
و"القانِتُونَ": العابِدُونَ، والمَعْنى: كانَتْ مِنَ القَوْمِ القانِتِينَ في عِبادَتِها وحالِ دِينِها.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التَحْرِيمِ]، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ