الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الملك
تفسيرُ سورةِ الملك كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 32 دقيقة قراءةبِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُلْكِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، «وَكانَ رَسُولُ اللهِ يَقْرَؤُها كُلَّ لَيْلَةٍ عِنْدَ أخْذِ مَضْجَعِهِ،» رَواهُ جَماعَةٌ مَرْفُوعًا إلى جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عنهُ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: « "إنَّها لِتُنْجِي مِن عَذابِ القَبْرِ، وتُجادِلُ عن حافِظِها حَتّى لا يُعَذَّبَ"،» ويُرْوى أنَّ في التَوْراةِ سُورَةَ المُلْكِ، مَن قَرَأها في لَيْلَةٍ فَقَدْ أجادَ وأطْيَبَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "وَدِدْتُ أنَّ سُورَةَ ﴿ [تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ]﴾ في قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ".» قوله عزّ وجلّ: ﴿ تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا وهو العَزِيزُ الغَفُورُ ﴾ ﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلَقَ الرَحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ ﴾ ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرَ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ ﴾ "تَبارَكَ" تَفاعَلَ، مِنَ البَرَكَةِ، وهي التَزَيُّدُ في الخَيْراتِ، ولَمْ يُسْتَعْمَلْ "يَتَبارَكَ" وَلا "مُتَبارِكَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِيَدِهِ المَلِكُ" عِبارَةٌ عن تَحْقِيقِ المُلْكِ، وذَلِكَ أنَّ اليَدَ في عُرْفِ الآدَمِيِّينَ هي آلَةُ التَمَلُّكِ، فَهي مُسْتَعارَةٌ لِذَلِكَ، و"المُلْكُ" عَلى الإطْلاقِ هو الَّذِي لا يَبِيدُ ولا يَخْتَلُّ مِنهُ شَيْءٌ، وذَلِكَ هو مُلْكُ اللهِ تَعالى، والمُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ: مَلِكُ المُلُوكِ، فَهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلِ اللهُمَّ مالِكَ المُلْكِ ﴾ ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ عُمُومٌ، فالشَيْءُ مَعْناهُ في اللُغَةِ: المَوْجُودُ.
و"المَوْتَ والحَياةَ" مَعْنَيانِ يَتَعاقَبانِ جِسْمَ الحَيَوانِ، يَرْتَفِعُ أحَدُهُما بِحُلُولِ الآخَرِ، وما جاءَ في الحَدِيثِ مِن قَوْلِهِ : « "يُؤْتى بِالمَوْتِ يَوْمَ القِيامَةِ في صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ فَيُذْبَحُ عَلى الصِراطِ"،» فَقالَ أهْلُ العِلْمِ: ذَلِكَ تِمْثالُ كَبْشٍ يُوَقِّعُ الله تَعالى عَلَيْهِ العِلْمَ الضَرُورِيَّ لِأهْلِ الدارَيْنِ إنَّهُ المَوْتُ الَّذِي خافُوهُ في الدُنْيا، ويَكُونُ ذَلِكَ التِمْثالُ حامِلًا لِلْمَوْتِ عَلى أنَّهُ يُحِلُّ المَوْتَ فِيهِ، فَتَذْهَبُ عنهُ حَياتُهُ، ثُمَّ يَقْرِنُ اللهُ تَعالى بِذَبْحِ ذَلِكَ التِمْثالِ إعْدامُ المَوْتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ ، أيْ: لِيَخْتَبِرَكم في حالِ الحَياةِ ويُجازِيَكم بَعْدَ المَوْتِ، وقالَ أبُو قَتادَةَ -وَنَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ، ما مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا ﴾ ؟
فَقالَ: "يَقُولُ تَعالى: أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا، وأشَدُّ لِلَّهِ تَعالى خَوْفًا، وأحْسَنُكم في أمْرِهِ ونَهْيِهِ نَظَرًا وإنْ كانُوا أقَلَّكم تَطَوُّعًا،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسُفْيانُ الثَوْرِيُّ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا: أزْهَدُكم في الدُنْيا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "لِيَبْلُوَكُمْ" دالٌّ عَلى فِعْلٍ، تَقْدِيرُهُ: فَيَنْظُرُ أو يَعْلَمُ أيُّكُمْ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المَوْتُ والحَياةُ عِبارَةٌ عَنِ الدُنْيا والآخِرَةِ، سَمّى هَذِهِ مَوْتًا مِن حَيْثُ إنَّ فِيها المَوْتَ، وسَمّى تِلْكَ حَياةَ مِن حَيْثُ لا مَوْتَ فِيها، فَوَصَفَهُما بِالمَصْدَرَيْنِ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ كَعَدْلٍ وزُورٍ، وقَدَّمَ المَوْتَ في اللَفْظِ لِأنَّهُ مُتَقَدِّمٌ في النَفْسِ هَيْبَةً وغِلْظَةً.
و"طِباقًا" قالَ الزَجّاجُ: هو مَصْدَرٌ، وقِيلَ: هو جَمْعُ طَبَقَةٍ أو جَمْعُ طَبَقٍ مِثْلُ رَحْبَةٍ ورِحابٍ أو جَبَلٍ وجِبالٍ، والمَعْنى: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وقالَ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَذُمُّ رَجُلًا فَقالَ: شَرُّهُ طِباقٌ، وخَيْرُهُ غَيْرُ باقٍ، وما ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في السَماواتِ أنَّ بَعْضَها مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ وياقُوتٍ ونَحْوِ هَذا ضَعِيفٌ كُلُّهُ ولَمْ يَثْبُتْ بِذَلِكَ حَدِيثٌ، ولا يَعْلَمُ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ حَقِيقَةً لِهَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما تَرى في خَلْقِ الرَحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ ﴾ مَعْناهُ: مِن قِلَّةٍ تُناسِبُ، ومِن خُرُوجٍ عَنِ الِاتِّفاقِ، والأمْرُ المُتَفاوِتُ هو الَّذِي يُجاوِزُ الحُدُودَ الَّتِي لَهُ زِيادَةً أو نَقْصًا، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "مِن تَفاوُتٍ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلْقَمَةُ، والأُسُودُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "مِن تَفَوُّتٍ" وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: "فِي خَلْقِ الرَحْمَنِ" يَعْنِي بِهِ السَماواتِ فَقَطْ، وهي الَّتِي تَتَضَمَّنُ اللَفْظَ، وإيّاها أرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ ﴾ ، وإيّاها أرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ ﴾ الآيَةُ، قالُوا: وإلّا فَفي الأرْضِ فُطُورٌ، وقالَ آخَرُونَ: "فِي خَلْقِ الرَحْمَنِ" مَعْنِيٌّ بِهِ جَمِيعَ ما خَلَقَ اللهُ تَعالى مِنَ الأشْياءِ فَإنَّها لا تَفاوُتَ فِيها ولا فُطُورَ جارِيَةً عَلى غَيْرِ إتْقانٍ، ومَتى كانَتْ فُطُورٌ لا تُفْسِدُ الشَيْءَ المَخْلُوقَ مِن حَيْثُ هو ذَلِكَ الشَيْءُ بَلْ هي إتْقانٌ فِيهِ فَلَيْسَتْ تِلْكَ المُرادَةَ في الآيَةِ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: أمَرَ اللهُ تَعالى بِالنَظَرِ إلى السَماءِ وخَلْقَها ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالتَكْرِيرِ في النَظَرِ، وكَذَلِكَ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ مَتى نَظَرَها ناظِرٌ لِيَرى فِيها خَلَلًا أو نَقْصًا فَإنَّ بَصَرَهُ يَنْقَلِبُ خاسِئًا حَسِيرًا، "وَرَجْعُ البَصَرِ" تَرْدِيدُهُ في الشَيْءِ المُبْصَرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كَرَّتَيْنِ" مَعْناهُ: مَرَّتَيْنِ، ونَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِ، و"الخاسِئُ": المُبْعَدُ بِذُلٍّ عن شَيْءٍ أرادَهُ وعُرِضَ عَلَيْهِ، ومِنهُ الكَلْبُ الخاسِئُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ لِابْنِ صَيّادٍ: « "اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ"،» ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى في الكُفّارِ الحَرِيصِينَ عَلى الخُرُوجِ مِن جَهَنَّمَ: "اخْسَئُوا فِيها"، وكَذَلِكَ هُنا البَصَرُ يَحْرِصُ عَلى رَوِيَّةٍ فَطَوْرٍ أو تَفاوُتٍ فَلا يَجِدُ ذَلِكَ، فَيَنْقَلِبُ خاسِئًا، و"الحَسِيرُ": العَيِيُّ الكالُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ لَهُنَّ الوَجى أنْ كُنَّ عَوْنًا عَلى النَوى ولا زالَ مِنها ظالِعٌ وحَسِيرُ <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنّا السَماءَ الدُنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَعِيرِ ﴾ ﴿ وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ ﴿ إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ ﴾ ﴿ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ ﴾ ﴿ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ ﴾ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ زَيَّنَ السَماءَ الدُنْيا الَّتِي تَلِينا -أيِ: الَّتِي تَلِينا- بِمَصابِيحَ وهي النُجُومُ، فَإنْ كانَ جَمِيعُ النُجُومِ في السَماءِ الدُنْيا فَهَذا اللَفْظُ عامٌّ لِلْكَواكِبِ، وإنْ كانَ في سائِرِ السَماواتِ كَواكِبُ فَإمّا أنْ يُرِيدَ كَواكِبَ سَماءِ الدُنْيا فَقَطْ، وإمّا أنْ يُرِيدَ الجَمِيعَ عَلى أنَّ ما في غَيْرِها لَمّا كانَتْ هي تَشِفُّ عنهُ ويَظْهَرُ مِنها فَقَدْ تَزَيَّنَتْ بِهِ بِوَجْهٍ ما، ومِن تَكَلُّفِ القَوْلِ لِمَواضِعِ الكَواكِبِ وفي أيِّ سَماءٍ هي فَقَوْلُهُ لَيْسَ مِنَ الشَرِيعَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْناها رُجُومًا ﴾ مَعْناهُ: وجَعَلْنا مِنها، وهَذا كَما تَقُولُ: أكْرَمْتُ بَنِي فُلانٍ وصَنَعْتُ بِهِمْ، وأنْتَ إنَّما فَعَلْتَ ذَلِكَ بِبَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ، ويُوجِبُ هَذا التَأْوِيلَ في الآيَةِ أنَّ الكَواكِبَ الثابِتَةَ والبُرُوجَ وكُلَّ ما يُهْتَدى بِهِ في البَرِّ والبَحْرِ فَلَيْسَتْ بِرَواجِمَ، وَهَذا نَصٌّ في حَدِيثِ السِيَرِ، وقالَ قَتادَةُ: رَحِمَهُ اللهُ خَلَقَ اللهُ تَعالى النُجُومَ زِينَةً ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ.
ولِيُهْتَدى بِها في البَرِّ والبَحْرِ، ومَن قالَ غَيْرَ هَذِهِ الخِصالِ الثَلاثِ فَقَدْ تَكَلَّفَ وأذْهَبَ حَظَّهُ مِنَ الآخِرَةِ.
و"أعْتَدْنا" مَعْناهُ أعْدَدْنا، والضَمِيرُ في "لَهُمْ" عائِدٌ عَلى الشَياطِينِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَلِلَّذِينِ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ في المَجْرُورِ المُتَقَدِّمِ، وقَرَأ الحَسَنُ في -رِوايَةِ هارُونَ عنهُ-: "عَذابَ جَهَنَّمَ" بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: وأعْتَدْنا لِلَّذِينِ كَفَرُوا عَذابَ جَهَنَّمَ، فالواوُ عاطِفَةُ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ، وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ، أنَّ عَذابَ جَهَنَّمَ لِلْكُفّارِ المُخَلَّدِينَ، وقَدْ جاءَ في الأثَرِ أنَّهُ يَمُرُّ عَلى جَهَنَّمَ زُمَرٌ تُخْفِقُ أبْوابَها، قَدْ أخْلَتْها الشَفاعَةُ، فالَّذِي يُقالُ في هَذا إنَّ "جَهَنَّمَ" تَخْتَصُّ بِهِ الطَبَقَةُ العُلْيا مِنَ النارِ، ثُمَّ قَدْ تُسَمّى الطَبَقاتُ كُلُّها "جَهَنَّمَ" بِاسْمٍ بَعْضِها، وهَكَذا كَما يُقالُ "نَجْمٌ" لِلثُّرَيّا، ثُمَّ يُقالُ ذَلِكَ لِلْكَواكِبِ اسْمُ جِنْسٍ، فالَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ جَهَنَّمُ بِأسْرِها، أيْ: جَمِيعِ الطَبَقاتِ، والَّتِي في الأثَرِ هي الطَبَقَةُ العُلْيا لِأنَّها مَقَرُّ العُصاةِ.
و"الشَهِيقُ" أقْبَحُ ما يَكُونُ مِن صَوْتِ الحِمارِ، فاحْتِدامُ النارِ وغَلَيانُها بِصَوْتٍ مِثْلِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ ﴾ ، أيْ: يُزايِلُ بَعْضَها بَعْضًا لِشِدَّةِ الِاضْطِرابِ، كَما قالَ الشاعِرُ في صِفَةِ الكَلْبِ يَحْتَدِمُ في جَرْيِهِ: يَكادُ أنْ يَخْرُجَ عن إهابِهِ وقَرَأ الضَحّاكُ: "تَمايَزَ" بِالألِفِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "تَتَمَيَّزُ" بِتاءَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَمَيَّزَ" مُخَفَّفَةَ التاءِ، وقَرَأ البَزِّيُّ وقَوْمٌ: "تَكادُ تَّمَيَّزُ" بِضَمِّ الدالِ وشَدِّ التاءِ عَلى أنَّها "تَتَمَيَّزُ" وأدْغَمَ إحْدى التاءَيْنِ في الأُخْرى، وقَرَأ قَوْمٌ بِإدْغامِ الدالِ في التاءِ، وهَذا فِيهِ إدْغامُ الأقْوى في الأضْعَفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِنَ الغَيْظِ" مَعْناهُ: عَلى الكَفَرَةِ بِاللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ ﴾ ، الفَوْجُ: الفَرِيقُ مِنَ الناسِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي دِينِ اللهِ أفْواجًا ﴾ الآيَةُ، تَقْتَضِي أنَّهُ لا يَلْقى فِيها أحَدٌ إلّا سُئِلَ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ -عَنِ النُذُرِ،فَأقَرَّ بِأنَّهم جاءُوا وكَذَّبُوهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "كُلَّما" حَصَرَ، فَإذًا الآيَةُ تَقْتَضِي في الأطْفالِ مِن أولادِ المُشْرِكِينَ وغَيْرِهِمْ وفِيمَن نُقَدِّرُهُ صاحِبُ فَتْرَةٍ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ النارَ لِأنَّهم لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ.
واخْتَلَفَ الناسُ في أمْرِ الأطْفالِ، فاجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ أولادَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ "أنَّهم في الجَنَّةِ"، وقالَ قَوْمٌ: هم في المَشِيئَةِ.
واخْتَلَفُوا في أولادِ المُشْرِكِينَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هم في النارِ، واحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ رُوِيَ « "هم مِن آبائِهِمْ"،» وتَأوَّلَ المُخالِفُ هَذا الحَدِيثَ أنَّهُ في أحْكامِ الدُنْيا، وقالَ آخَرُونَ: هم في المَشِيئَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هم في الجَنَّةِ واحْتَجَّ هَذا الفَرِيقُ بِهَذِهِ الآيَةِ في مُساءَلَةِ الخَزَنَةِ، وبِحَدِيثٍ وقَعَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ في كِتابِ التَعْبِيرِ، يَتَضَمَّنُ أنَّهم في الجَنَّةِ، وبُقُولِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ أو يُنَصِّرانِهِ أو يُمَجِّسانِهِ"،» والأطْفالُ لَمْ يَبْلُغُوا أنْ يَصْنَعَ بِهِمْ شَيْءٌ مِن هَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ لِلْكُفّارِ حِينَ أخْبَرُوا عن أنْفُسِهِمْ أنَّهم كَذَّبُوا النُذُرَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الكُفّارِ لِلنُّذُرِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أو نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَعِيرِ ﴾ ﴿ فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحابِ السَعِيرِ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ ﴿ وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ ﴿ ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَطِيفُ الخَبِيرُ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإلَيْهِ النُشُورُ ﴾ المَعْنى وقالَ الكُفّارُ لِلْخَزَنَةِ في مُحاوَرَتِهِمْ: لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أو نَعْقِلُ سَمْعًا أو عَقْلًا يَنْتَفِعُ بِهِ ويُغْنِي شَيْئًا لَآمَنّا ولَمْ نَسْتَوْجِبِ الخُلُودَ في السَعِيرِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى مُحَمَّدًا أنَّهُمُ اعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ في وقْتٍ لا يَنْفَعُ فِيهِ الِاعْتِرافُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسُحْقًا" نُصِبَ عَلى جِهَةِ الدُعاءِ عَلَيْهِمْ، وجازَ ذَلِكَ فِيهِ وهو مِن قِبَلِ اللهِ تَعالى مِن حَيْثُ هَذا القَوْلُ مُسْتَقِرٌّ أزَلًا وُجُودُهُ لَمْ يَقَعْ ولا يَقَعْ إلّا في الآخِرَةِ، فَكَأنَّهُ لِذَلِكَ في حَيِّزِ المُتَوَقَّعِ الَّذِي يُدْعى فِيهِ، كَما تَقُولُ: سُحْقًا لِزَيْدٍ وبُعْدًا، وتُنْصَبٌ في هَذا كُلِّهِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وأمّا ما وقَعَ وثَبَتَ فالوَجْهُ فِيهِ الرَفْعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ "وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ" ﴾ و ﴿ "سَلامٌ عَلَيْكُمْ"، ﴾ وغَيْرُ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَسَحْقًا" بِسُكُونِ الحاءِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ: "فَسَحُقًا" بِضَمِّ الحاءِ وهُما لُغَتانِ.
ثُمَّ وصَفَ تَعالى أهْلَ الإيمانِ وهُمُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى:"بِالغَيْبِ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: بِالغَيْبِ الَّذِي أخْبَرُوا بِهِ مِنَ الحَشْرِ والصِراطِ والمِيزانِ والجَنَّةِ والنارِ، فَآمَنُوا بِذَلِكَ وخَشُوا رَبَّهم فِيهِ، ونَحا إلى هَذا قَتادَةُ، والمَعْنى الثانِي: أنَّهم يَخْشَوْنَ رَبَّهم إذا غابُوا عن أعْيُنِ الناسِ، أيْ: في خَلَواتِهِمْ، ومِنهُ تَقَوُّلُ العَرَبِ: "فُلانٌ سالِمُ الغَيْبِ"، أيْ: لا يَضُرُّ، فالمَعْنى: يَعْمَلُونَ بِحَسَبِ الخَشْيَةِ في صَلاتِهِمْ وعِباداتِهِمْ وانْفِرادِهِمْ، فالِاحْتِمالُ الأوَّلُ مَدْحٌ بِالإخْلاصِ والإيمانِ، والثانِي مَدْحٌ بِالأعْمالِ الصالِحَةِ في الخَلَواتِ، وذَلِكَ أحْرى أنْ يَفْعَلُوها عَلانِيَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ ﴾ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سَبَبُها أنَّ المُشْرِكِينَ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أسِرُّوا قَوْلَكم لا يَسْمَعُكم إلّا مُحَمَّدٌ، فالمَعْنى: أنَّ الأمْرَ سَواءٌ عِنْدَ اللهِ تَعالى لِأنَّهُ يَعْلَمُ ما هَجَسَ في الصَدْرِ دُونَ أنْ يَنْطِقَ بِهِ، فَكَيْفَ إذا نَطَقَ بِهِ سِرًّا أو جَهْرًا، و"ذاتُ الصُدُورِ": ما فِيها، وهَذا كَما يُقالُ: "الذِئْبُ مَغْبُوطٌ بِذِي بَطْنِهِ"، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في إعْرابِ "مَن" فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: إعْرابُها رَفْعٌ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ألا يَعْلَمُ الخالِقُ خَلْقَهُ؟
فالمَفْعُولُ عَلى هَذا مَحْذُوفٌ، ومِنهم مَن قالَ: إعْرابُها نَصْبٌ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ألا يَعْلَمُ اللهُ مَن خَلَقَ؟
وقالَ مَكِّيٌّ: وتَعَلَّقَ أهْلُ الزَيْغِ بِهَذا التَأْوِيلِ؛ لِأنَّهُ يُعْطِي أنَّ الَّذِينَ خَلَقَهُمُ اللهُ تَعالى هُمُ العِبادُ مِن حَيْثُ قالَ: "مَن"، فَتَخْرُجُ الأعْمالُ عن ذَلِكَ، لِأنَّ المُعْتَزِلَةَ تَقُولُ: العِبادُ يَخْلُقُونَ أعْمالَهُمْ، وتَعَلُّقُهم بِهَذا التَأْوِيلِ ضَعِيفٌ، والكَلامُ مَعَ المُعْتَزِلَةِ في مَسْألَةِ خَلْقِ الأعْمالِ مَأْخَذُهُ غَيْرُ هَذا؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ حُجَّةٌ فِيها لَهم ولا عَلَيْهِمْ.
و"الذَلُولُ" فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَذْلُولَةٍ، فَهي كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ، يُقالُ: ذَلُولٌ بَيِّنُ الذِلِّ، بِكَسْرِ الذالِ، وذَلِيلٌ بَيِّنُ الذُلِّ، بِضَمِّ الذالِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى "المَناكِبِ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَناكِبُها: أطْرافُها، وهي الجِبالُ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: جَوانِبُها، وهي النَواحِي، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الطُرَفُ والفِجاجُ، وهَذا قَوْلٌ جارٍ مَعَ اللُغَةِ؛ لِأنَّها تَنْكَبُّ يَمْنَةً ويَسْرَةً، ويَنْكَبُّ الماشِي فِيها، في مَناكِبَ.
وهَذِهِ الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعَمٍ في تَقْرِيبِ التَصَرُّفِ لِلنّاسِ، وفي التَمَتُّعِ في رِزْقِ اللهِ تَعالى، و"النُشُورُ": الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أأمِنتُمْ مَن في السَماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإذا هي تَمُورُ ﴾ ﴿ أمْ أمِنتُمْ مَن في السَماءِ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إلا الرَحْمَنُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ﴾ ﴿ أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم مِن دُونِ الرَحْمَنِ إنِ الكافِرُونَ إلا في غُرُورٍ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ: "أمِنتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ مِن غَيْرِ مَدٍّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ: "النُشُورُ آمَنتُمْ" بِهَمْزَةٍ ومَدٍّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ: "النُشُورُ وأمِنتُمْ"، يُبْدِلُ الهَمْزَةَ واوًا لِكَوْنِها بَعْدَ ضَمَّةٍ، وبِمَدٍّ بَعْدَ الواوِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ( مَن في السَماءِ ) جارٍ عَلى عُرْفِ تَلَقِّي البَشَرِ أوامِرَ اللهِ تَعالى، ونُزُولُ القَدْرِ بِحَوادِثِهِ ونِعَمِهِ ونِقَمِهِ وآياتِهِ مِن تِلْكَ الجِهَةِ، وعَلى ذَلِكَ صارَ رَفْعُ الأيْدِي والوُجُوهِ في الدُعاءِ إلى تِلْكَ الجِهَةِ، وعَلى ذَلِكَ صارَ رَفْعُ الأيْدِي والوُجُوهِ في الدُعاءِ إلى تِلْكَ الجِهَةِ والناحِيَةِ.
"وَخَسْفُ الأرْضِ": أنْ تَذْهَبَ سُفْلًا.
و"تَمُورُ" مَعْناهُ: تَتَمَوَّجُ وتَذْهَبُ كَما يَذْهَبُ التُرابُ المَوّارُ في الرِيحِ، وكَما يَذْهَبُ الدَمُ المَوّارُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَغادَرَتِ التُرابَ مَوْرًا".
و"الحاصِبُ": البَرْدُ وما جَرى مَجْراهُ؛ لِأنَّهُ في اللُغَةِ الرِيحُ تَرْمِي بِالحَصْباءِ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشامِ تَرْجُمُهم بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورُ وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "فَسَتَعْلَمُونَ" بِالتاءِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "فَسَيَعْلَمُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ السَبْعَةُ وغَيْرُهُمْ: "نَذِيرٌ" بِغَيْرِ ياءٍ، عَلى طَرِيقِهِمْ في الفَواصِلِ المُشَبَّهَةِ بِالقَوافِي، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ ورْشٍ وحْدَهُ: "نَذِيرِي" بِالياءِ عَلى الأصْلِ، وكَذَلِكَ في "نَكِيرِي"، و"النَكِيرُ": كَذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: فَأنْذَرَ مِثْلَها نُصْحًا قُرَيْشًا ∗∗∗ مِنَ الرَحْمَنِ إنْ قَبِلْتَ نَذِيرِي ثُمَّ أحالَ عَلى العِبْرَةِ في أمْرِ الطَيْرِ وما أحْكَمَ مِن خِلْقَتِها، وذَلِكَ يُبَيِّنُ عَجْزَ الأصْنامِ والأوثانِ، و"صافّاتٍ" جَمْعُ "صافَّةٍ" وهي الَّتِي تَبْسُطُ جَناحَيْها وتَصِفُهُما حَتّى كَأنَّها ساكِنَةٌ، و"قَبْضُ الجَناحِ" ضَمُّهُ إلى الجَنْبِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي خِراشٍ: ............
∗∗∗ يُحِثُّ الجَناحَ بِالتَبَسُّطِ والقَبْضِ وهاتانِ حالانِ لِلطّائِرِ يَسْتَرِيحُ مِن إحْداهُما لِلْأُخْرى.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَيَقْبِضْنَ" عَطْفُ المُضارِعِ عَلى اسْمِ الفاعِلِ، وذَلِكَ كَما عَطَفَ اسْمَ الفاعِلِ عَلى المُضارِعِ في قَوْلِ الشاعِرِ: باتَ يُعَشِّيها بِعَضْبٍ باتِرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يَقْصِدُ في أسْوُقِها وجائِرِ وَقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أمَن" بِتَخْفِيفِ المِيمِ في هَذِهِ، وقَرَأ الَّتِي بَعْدَها مُثَقَّلَةً كالجَماعَةِ، و"الجُنْدُ" أعْوانُ الرَجُلِ عَلى مَذاهِبِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِ الكافِرُونَ إلا في غُرُورٍ ﴾ خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ بَعْدَ تَقْرِيرٍ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: أمَّنْ هَذا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمَّنْ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكم إنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا في عُتُوٍّ ونُفُورٍ ﴾ ﴿ أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ أهْدى أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ قُلْ هو الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ ﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ هَذا أيْضًا تَوْقِيفٌ عَلى أمْرٍ لا مَدْخَلَ لِلْأصْنامِ فِيهِ، والإشارَةُ بِالرِزْقِ إلى المَطَرِ لِأنَّهُ أعْظَمُ الأرْزاقِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهم لَجُّوا وتَمادَوْا في التَمَنُّعِ عن طاعَةِ اللهِ تَعالى، وهو العُتُوُّ، "والنُفُورُ" البُعْدُ عَنِ الحَقِّ بِسُرْعَةٍ ومُبادَرَةٍ، يُقالُ: نَفَرَ عَنِ الأمْرِ نُفُورًا، ونَفَرَ إلى الأمْرِ نَفِيرًا، ونَفَرَتِ الدابَّةُ نِفارًا.
واخْتَلَفَ أهْلُ التَأْوِيلِ في سَبَبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا ﴾ الآيَةُ، فَقالَ جَماعَةٌ مِن رُواةِ الأسْبابِ: نَزَلَتْ مَثَلًا لِحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عنهُ ولَأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الكَلْبِيِّ وغَيْرُهُما: نَزَلَتْ مَثَلًا لِمُحَمَّدٍ ولِأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: نَزَلَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ عَلى العُمُومِ، وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ مُخْبِرَةً بِأحْوالِ القِيامَةِ، وإنَّ الكُفّارَ يَمْشُونَ فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ، والمُؤْمِنُونَ يَمْشُونَ عَلى اسْتِقامَةٍ، «وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ : كَيْفَ يَمْشِي الكافِرُ عَلى وجْهِهِ؟
فَقالَ: "الَّذِي أمْشاهُ في الدُنْيا عَلى قَدَمَيْهِ قادِرٌ أنْ يُمْشِيهِ في الآخِرَةِ عَلى وجْهِهِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَوَقَفَ الكُفّارُ عَلى ما بَيْنَ الحالَتَيْنِ حِينَئِذٍ، فَفي الأقْوالِ الثَلاثَةِ الأوَّلُ المَشْيُ مَجاز يُتَخَيَّلُ، وفي القَوْلِ الرابِعِ هو حَقِيقَةٌ يَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ.
ويُقالُ: "أكَبَّ الرَجُلُ" إذا رَدَّ وجْهَهُ إلى الأرْضِ، و"كَبَّهُ غَبَّرَهُ"، قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "وَهَلْ يُكَبُّ الناسَ في النارِ عَلى مِنخارِهِمْ إلّا حَصائِدُ ألْسِنَتِهِمْ"؟» فَهَذا الفِعْلُ خِلافٌ لِلْبابِ، أفْعَلُ لا يَتَعَدّى، وفَعَلَ يَتَعَدّى، ونَظِيرُهُ "قَشَعَتِ الرِيحُ السَحابَ فانْقَشَعَ".
و"أهْدى" في هَذِهِ الآيَةِ "أفْعَلُ" مِنَ الهُدى.
وقَرَأ طَلْحَةُ: "أمَن يَمْشِي" بِتَخْفِيفِ المِيمِ، وأفْرَدَ تَعالى السَمْعَ لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ "وَقَلِيلًا" نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ ﴾ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ أنَّهم يَشْكُرُونَ قَلِيلًا، فَهَذا إمّا أنْ يُرِيدَ بِهِ ما عَسى أنْ يَكُونَ لِلْكافِرِ مِن شُكْرٍ، وهو قَلِيلٌ غَيْرُ نافِعٍ، وإمّا أنْ يُرِيدَ نَفْيَ الشُكْرِ عنهم جُمْلَةً فَعَبَّرَ بِالعِلَّةِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: "هَذِهِ أرْضٌ قلَّما تُنْبِتْ كَذا" وهي لا تُنْبِتُهُ البَتَّةَ، ومَن شُكْرِ رَسُولِ اللهِ عَلى هَذِهِ النِعْمَةِ «أنَّهُ كانَ يَقُولُ في سُجُودِهِ: "سَجَدَ وجْهِيَ لِلَّذِي خَلَقَهُ وصَوَّرَهُ وشَقَّ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ".» وَ"ذَرَأكُمْ" مَعْناهُ: بَثَّكُمْ، و"الحَشْرُ" المُشارُ إلَيْهِ هو بَعْثُ القِيامَةِ، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( هَذا الوَعْدُ )، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهم يَسْتَعْجِلُونَ أمْرَ القِيامَةِ ويُوقِفُونَ عَلى الصِدْقِ، في الإخْبارِ بِذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ فَلَمّا رَأوهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أهْلَكَنِيَ اللهُ ومَن مَعِيَ أو رَحِمَنا فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ مِن عَذابٍ ألِيمٍ ﴾ ﴿ قُلْ هو الرَحْمَنُ آمَنّا بِهِ وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ ﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يُخْبِرَهم أنَّ عِلْمَ يَوْمِ القِيامَةِ والوَعْدَ الصِدْقَ هو مِمّا يَنْفَرِدُ اللهُ تَعالى بِهِ، وأنْ مُحَمَّدًا إنَّما هو نَذِيرٌ يَعْلَمُ ما عُلِّمَ، ويُخْبَرُ بِما أُمِرَ أنْ يُخْبَرَ بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا رَأوهُ ﴾ ، الضَمِيرُ لِلْعَذابِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الوَعْدُ، وهَذِهِ حِكايَةُ حالٍ تَأْتِي، والمَعْنى: فَإذا رَأوهُ، و"زُلْفَةً" مَعْناهُ: قَرِيبًا وقالَ الحَسَنُ: عَيانًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: حاضِرًا، و"سِيئَتْ" مَعْناهُ: ظَهَرَ فِيها السُوءُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سِيئَتْ" بِكَسْرِ السِينِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، ونافِعٌ أيْضًا، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو رَجاءٍ، وشَيْبَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ بِالإشْمامِ بَيْنَ الضَمِّ والكَسْرِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَدَّعُونَ" بِفَتْحِ الدالِّ وشَدِّها، عَلى وزْنِ تَفْتَعِلُونَ، أيْ: تَتَداعُونَ أمْرَهُ بَيْنَكُمْ، وقالَ الحَسَنُ: تَدَّعُونَ أنَّهُ لا جَنَّةَ ولا نارَ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، والضَحّاكُ، وقَتادَةُ، وابْنُ يَسارٍ، وَسَلامٌ: "تَدْعُونَ" بِسُكُونِ الدالِ، عَلى مَعْنى: تَسْتَعْجِلُونَ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿ عَجِّلْ لَنا قِطَّنا ﴾ ، ﴿ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً ﴾ ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
ورُوِيَ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أهْلَكَنِيَ اللهُ ومَن مَعِيَ أو رَحِمَنا ﴾ الآيَةُ..
أنَّهم كانُوا يَدْعُونَ عَلى مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ بِالهَلاكِ، وقِيلَ: بَلْ كانُوا يَتَآمَرُونَ بَيْنَهم بِأنْ يُهْلِكُوهم بِالقِتالِ ونَحْوِهِ، فَقالَ اللهُ تَعالى لَهُ: قُلْ لَهُمْ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ هَذا الَّذِي تُرِيدُونَ بِنا وتَمَّ ذَلِكَ فِينا، أو أرَأيْتُمْ إنْ رَحِمَنا اللهُ فَنَصَرَنا ولَمْ يُهْلِكْنا مَن يُجِيرُكم مِنَ العَذابِ الَّذِي يُوجِبُهُ كُفْرُكم عَلى كُلِّ حالٍ؟
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "إنْ أهْلَكَنِيَ اللهُ ومِن مَعِي" بِنَصْبِ الياءَيْنِ، وأسْكَنَ الكِسائِيُّ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - الياءُ فِي: "مَعِي"، وقَرَأ حَمْزَةُ بِإسْكانِ الياءَيْنِ، ورَوى الحَسَنُ عن نافِعٍ أنَّهُ أسْكَنَ الياءَ مَن "أهْلَكَنِي"، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: التَحْرِيكُ في الياءَيْنِ حَسَنٌ وهو الأصْلُ، والإسْكانُ -كَراهِيَةُ الحَرَكَةِ في حَرْفِ اللِينِ- لِلنَّجاةِ مِن ذَلِكَ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "فَسَيَعْلَمُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى عَلى مِياهِهِمُ الَّتِي يَعِيشُونَ مِنها إنْ غارَتْ -أيْ ذَهَبَتْ في الأرْضِ- مَن يَجِيئُهم بِماءٍ كَثِيرٍ كافٍ؟
و"الغَوْرُ" مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ عَلى مَعْنى المُبالَغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَغادَرَتِ التُرابُ مَوْرًا والماءُ غَوْرًا".
و"المَعِينُ" فَعِيلٌ مِن "مَعِنَ الماءُ" إذا كَثُرَ، أو مَفْعُولٍ مِن "العَيْنِ"، أيْ: جارٍ كالعَيْنِ، أصْلُهُ مَعْيُونٌ، وقِيلَ: هو مِنَ "العَيْنِ" لَكِنْ مِن حَيْثُ يَرى بِعَيْنِ الإنْسانِ، لا مِن حَيْثُ يُشْبِهُ العَيْنَ الجارِيَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: معِينٍ: عَذْبٍ، وعنهُ -فِي كِتاب الثَعْلَبِيِّ - مَعِينٍ: جارٍ، وفي كِتابِ النِقّاشِ: مَعِينٍ طاهِرٍ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ وابْنُ الكَلْبِيُّ: أُشِيرَ في هَذا الماءِ إلى بِئْرِ زَمْزَمٍ وبِئْرِ مَيْمُونٍ، ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ هاتانِ عِظَمَ ماءِ مَكَّةَ، وإلّا فَكانَتْ فِيها آبارٌ كَثِيرَةٌ كَخَمِّ والجَفْرِ وغَيْرِهِما.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُلْكِ والحمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ