المحرر الوجيز سورة القلم

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة القلم

تفسيرُ سورةِ القلم كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 44 دقيقة قراءة

تفسير سورة القلم كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

نٓ ۚ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ١ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍۢ ٢ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍۢ ٣ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍۢ ٤ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ٥ بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ ٦ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ٧ فَلَا تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٨ وَدُّوا۟ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ٩ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍۢ مَّهِينٍ ١٠ هَمَّازٍۢ مَّشَّآءٍۭ بِنَمِيمٍۢ ١١

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ [سُورَةِ القَلَمِ] وهِيَ مَكِّيَّةٌ، ولا خِلافَ فِيها بَيْنَ أحَدٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ ﴾ ﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ ﴿ وَإنَّ لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ ﴿ وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عن سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ﴾ ﴿ فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ ﴿ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ ﴾ ﴿ هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ "ن" حَرْفٌ مَقَطَّعٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، فَيَدْخُلُهُ مِنَ الِاخْتِلافِ ما يَدْخُلُ أوائِلَ السُورِ، ويَخْتَصُّ هَذا المَوْضِعُ مِنَ الأقْوالِ بِأنْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: "ن" اسْمُ الحُوتِ الأعْظَمِ الَّذِي عَلَيْهِ الأرْضُونَ السَبْعُ فِيما يُرْوى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ والضَحّاكُ: "ن" اسْمٌ لِلدَّواةِ، فَهَذا إمّا أنْ يَكُونَ لُغَةً لِبَعْضِ العَرَبِ أو تَكُونُ لَفْظَةً أعْجَمِيَّةً، قالَ الشاعِرُ: إذا ما الشَوْقُ بَرَّحَ بِي إلَيْهِمْ..

ألْقَتِ النُونُ بِالدَمْعِ السُجُومِ فَمَن قالَ بِأنَّهُ اسْمُ الحُوتِ جَعَلَ "القَلَمَ" القَلَمَ الَّذِي خَلَقَهُ اللهُ تَعالى وأمَرَهُ فَكَتَبَ الكائِناتِ، وجَعَلَ الضَمِيرَ في "يَسْطُرُونَ" لِلْمَلائِكَةِ، ومَن قالَ بِأنَّ"ن" اسْمٌ لِلدَّواةِ جَعَلَ "القَلَمَ" هو المُتَعارَفُ بِأيْدِي الناسِ، نَصَّ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ، وجَعَلَ الضَمِيرَ في ﴿ يَسْطُرُونَ ﴾ لِلنّاسِ، فَجاءَ القَسَمُ -عَلى هَذا- بِمَجْمُوعِ أمْرِ الكِتابِ الَّذِي هو قِوامٌ لِلْعُلُومِ والمَعارِفِ وأُمُورِ الدُنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ القَلَمَ أخُو اللِسانِ ومَطِيَّةُ الفَطِنَةِ ونِعْمَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى عامَّةٌ، ورَوى مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "ن لَوْحٌ مِن نُورٍ"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وغَيْرُهُ: "ن" حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الرَحْمَنِ، وقالُوا: إنَّهُ تَقَطَّعَ في القُرْآنِ إلى "الر" و"حم" و"ن".

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِخِلافٍ-: "نُونَ" بِالنُصْبِ، والمَعْنى: اذْكُرْ نُونَ، وهَذا يَقْوى مَعَ أنْ يَكُونُ اسْمًا لِلسُّورَةِ، فَهو مُؤَنَّثٌ سُمِّيَ بِهِ مُؤَنَّثٌ، فَفِيهِ تَأْنِيثٌ وتَعْرِيفٌ ولِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ، وانْصَرَفَ "نُوحٌ" لِأنَّ الخِفَّةَ بِكَوْنِهِ عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفٍ غَلَبَتْ عَلى عِلَّةِ العُجْمَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والحَسَنُ: "نُونِ" بِكَسْرِ النُونِ، وهَذا كَما تَقُولُ في القَسَمِ: اللهُ، وكَما قالُوا: "جَيْرِ"، وقِيلَ: كُسِرَتْ لِاجْتِماعِ الساكِنِينَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "نُونْ" بِسُكُونِ النُونِ، وهَذا عَلى أنَّهُ حَرْفٌ مُنْفَصِلٌ فَحَقُّهُ الوُقُوفُ عَلَيْهِ، وقَرَأ قَوْمٌ مِنهُمُ الكِسائِيُّ: "ن والقَلَمِ" بِالإدْغامِ دُونَ غُنَّةٍ، وقَرَأ آخَرُونَ بِإدْغامٍ وبِغُنَّةٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ بِالإخْفاءِ بَيْنَ الإدْغامِ والإظْهارِ، و"يَسْطُرُونَ" مَعْناهُ: يَكْتُبُونَ سُطُورًا، فَإنْ أرادَ اللهُ تَعالى المَلائِكَةَ فَهو كَتْبُ الأعْمالِ وما يُؤْمَرُونَ بِهِ، وإنْ أرادَ تَعالى بَنِي آدَمَ، فَهي الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ والعُلُومُ وما جَرى مَجْراها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ هو جَوابُ القَسَمِ، و"ما" هاهُنا عامِلَةٌ لَها اسْمٌ وخَبَرٌ، وكَذَلِكَ هي مَتى دَخَلَتِ الباءُ في الخَبَرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِنِعْمَةِ رَبِّكَ" اعْتِراضٌ، كَما تقُولُ لْإنْسانٍ: أنْتَ -بِحَمْدِ اللهِ- فاضِلٌ.

وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ قُرَيْشًا رَمَتْ رَسُولَ اللهِ  بِالجُنُونِ، وهو سَتْرُ العَقْلِ، بِمَعْنى أنَّ كَلامَهُ خَطَأٌ كَكَلامِ المَجْنُونِ، فَنَفى اللهُ تَعالى ذَلِكَ عنهُ، وأخْبَرَهُ بِأنَّ لَهُ الأجْرَ، وبِأنَّهُ عَلى الخُلُقِ العَظِيمِ تَشْرِيفًا لَهُ ومَدْحًا.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "مَمْنُونٍ"، فَقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هو الواهِنُ المُنْقَطِعُ، يُقالُ: "حَبْلٌ مَمْنُون"، أيْ: ضَعِيفٌ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: غَيْرُ مَمْنُونٍ عَلَيْكَ، أيْ: لا يُكَدِّرُهُ مَن بِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: غَيْرُ مُسَرَّدٍ ولا مَحْسُوبٍ مُحَصِّلٍ، أيْ: بِغَيْرِ حِسابٍ، «وَسُئِلَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عن خُلُقِ رَسُولِ اللهِ  فَقالَتْ: "خَلَقَهُ القُرْآنُ"» أى آدابُهُ وأوامِرُهُ، وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الخُلُقُ العَظِيمُ أدَبُ القُرْآنِ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ الخُلُقِ بِالدِينِ والشَرْعِ، وذَلِكَ لا مَحالَةَ رَأْسُ الخُلُقِ ووَكِيدُهُ، أما إنّ الظاهِرَ مِنَ الآيَةِ أنَّ الخَلْقَ هو الَّذِي يُضادُّ مَقْصِدَ الكُفّارِ في قَوْلِهِمْ: "مَجْنُونٌ" أيْ: غَيْرُ مُحَصَّلٍ لِما يَقُولُ، وإنَّما مَدْحُهُ تَعالى بِكَرَمِ السَجِيَّةِ وبَراعَةِ القَرِيحَةِ والمَلَكَةِ الجَمِيلَةِ وجَوْدَةِ الضَرائِبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ"،» وقالَ جُنَيْدُ: "سُمِّيَ خُلُقُهُ عَظِيمًا إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ هِمَّةً سِوى اللهُ تَعالى، عاشَرَ الخَلْقَ بِخُلُقِهِ وزايَلَهم بِقَلْبِهِ، فَكانَ ظاهِرُهُ مَعَ الخَلْقِ وباطِنُهُ مَعَ الحَقِّ"، وفي وصِيَّةِ بَعْضِ الحُكَماءِ" "عَلَيْكَ بِالتَخَلُّقِ مَعَ الخَلْقِ، وبِالصِدْقِ مَعَ الحَقِّ، وحُسْنِ الخَلْقِ خَيْرٌ كُلُّهُ"، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنَّ المُؤْمِنَ لَيُدْرِكَ بِحُسْنِ خَلْقِهِ دَرَجَةَ قائِمِ اللَيْلِ صائِمِ النَهارِ"،» وقالَ: « "ما شَيْءٌ أثْقَلُ في المِيزانِ مِن خُلُقٍ حَسَنٍ"،» وَقالَ: « "أحَبَّكم إلى اللهِ أحْسَنُكم أخْلاقًا"،» والعَدْلُ والإحْسانُ والعَفْوُ والصِلَةُ مِنَ الخُلُقِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسَتُبْصِرُ" أيْ: أنْتِ وأُمَّتُكِ، و"يُبْصِرُونَ" أيْ: هُمْ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ" فَقالَ أبُو عُثْمانَ المازِنِيُّ: الكَلامُ تامٌّ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَيُبْصِرُونَ"، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى: "بِأييِّكُمُ المَفْتُونُ"، وقالَ الأخْفَشُ: بَلِ الإبْصارُ عامِلٌ في الجُمْلَةِ المُسْتَفْهَمِ عنها، في مَعْناها، وأمّا الباءُ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ، وقَتادَةَ: هي زائِدَةٌ، والمَعْنى: أيُّكُمُ المَفْتُونُ؟

وقالَ الحَسَنُ، والضَحّاكُ: "المَفْتُونُ" بِمَعْنى الفِتْنَةِ، كَما قالُوا: "ما لَهُ مَعْقُولٌ" أيْ: عَقْلٌ، وكَما قالُوا: "اقْبَلْ مَيْسُورَهِ ودَعْ مَعْسُورَهُ"، فالمَعْنى: بِأيِّكُمُ هي الفِتْنَةُ والفَسادُ الَّذِي سَمَّوْهُ جُنُونًا؟

وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى: بِأيِّكُمُ فُتِنَ المَفْتُونُ؟

وقالَ الأخْفَشُ، المَعْنى: بِأيِّكُمُ فِتْنَةُ المَفْتُونِ؟

ثُمَّ حُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ، والفَرّاءُ: الباءُ بِمَعْنى "فِي" أيْ: في أيِّ فَرِيقٍ مِنكُمُ النَوْعُ المَفْتُونُ؟

وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ قَلِيلُ التَكَلُّفِ، ولا نَقُولُ إنَّ حَرْفًا بِمَعْنى حَرْفٍ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ هَذا المَعْنى يَتَوَصَّلُ إلَيْهِ بـ "فِي" وبِالباءِ أيْضًا.

وقَرَأ ابْنُ أبى عَبْلَةَ: "فِي أيِّكُمُ المَفْتُونُ".

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عن سَبِيلِهِ ﴾ الآيَةُ، وعِيدٌ، والعامِلُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِمَن ضَلَّ ﴾ هو "أعْلَمُ"، وقَدْ قَوّاهُ حَرْفُ الجَرِّ فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارِ فِعْلٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ ﴾ يُرِيدُ قُرَيْشًا، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا في بَعْضِ الأوقاتِ لِرَسُولِ اللهِ  : لَوْ عَبَدْتَ آلِهَتَنا وعَظَّمْتَها لَعَبَدْنا إلَهَكَ وعَظَّمْناهُ، ووَدُّوا أنْ يُداهِنَهم رَسُولُ اللهِ  ويَمِيلُ إلى ما قالُوا فَيَمِيلُوا هم أيْضًا إلى قَوْلِهِ ودِينِهِ، و"الِادِّهانُ": المُلايَنَةُ فِيما لا يَحِلُّ، والمُداراةُ: المُلايَنَةُ فِيما يَحِلُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَيُدْهِنُونَ" مَعْطُوفٌ ولَيْسَ بِجَوابٍ؛ لِأنَّهُ كانَ لَنُصِبَ.

و"الحَلّافُ": المُرَدِّدُ لِحَلِفِهِ الَّذِي قَدْ كَثُرَ مِنهُ، و"المَهِينُ": الضَعِيفُ العَقْلِ والرَأْيِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وهو مِن "مَهِنَ" إذا ضَعُفَ، والمِيمُ فاءُ الفِعْلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَهِينُ: الكَذّابُ.

و"الهَمّازُ": الَّذِي يَقَعُ في الناسِ، وأصْلُ الهَمْزِ في اللُغَةِ الضَرْبُ طَعْنًا بِاليَدِ أو بِالعَصا أو نَحْوِهِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلَّذِي يَنالُ بِلِسانِهِ، قالَ مُنْذِرٌ: وبِعَيْنِهِ وإشارَتِهِ، وسُمِّيَتِ الهَمْزَةَ لِأنَّ في النُطْقِ بِها حِدَّةً وعَجَلَةً فَشُبِّهَتْ بِالهَمْزِ بِاليَدِ، وقِيلَ لِبَعْضِ الأعْرابِ: أتَهْمِزُ الفَأْرَةَ؟

قالَ: الهِرَّةُ تَهْمِزُها، وقِيلَ لِآخَرَ: أتَهْمِزُ إسْرائِيلَ؟

فَقالَ: إنِّي إذًا لَرَجُلُ سُوءٍ.

و"النَمِيمُ" مَصْدَرٌ كالنَمِيمَةِ، وهو نَقْلُ ما يَسْمَعُ مِمّا يَسُوءُ ويَحْرِشُ النُفُوسَ، ورَوى حُذَيْفَةُ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتّاتٌ"،» وهو النَمّامُ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الأوصافَ هي أجْناسٌ لَمْ يُرَدْ بِها رَجُلٌ بِعَيْنِهِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: بَلْ نَزَلَتْ في مُعَيَّنٍ، واخْتُلِفَ فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ غِناهُ وأنَّهُ أشْهَرُهم بِالمالِ والبَنِينَ، وقالَ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ: هو الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ كانَتْ لَهُ هِنَةٌ في حَلْقِهِ كَزَنَمَةَ الشاةِ، وأيْضًا فَكانَ مِن ثَقِيفٍ مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: هو أبُو جَهْلٍ، وذَكَرَ النِقّاشُ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وظاهِرُ اللَفْظَةِ عُمُومُ مَن بِهَذِهِ الصِفَّةِ، والمُخاطَبَةُ بِهَذا المَعْنى مُسْتَمِرَّةٌ باقِي الزَمانِ لا سِيَّما لِوُلاةِ الأُمُورِ.

<div class="verse-tafsir"

مَّنَّاعٍۢ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ١٢ عُتُلٍّۭ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ ١٣ أَن كَانَ ذَا مَالٍۢ وَبَنِينَ ١٤ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَـٰتُنَا قَالَ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ١٥ سَنَسِمُهُۥ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ ١٦ إِنَّا بَلَوْنَـٰهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا۟ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ١٧ وَلَا يَسْتَثْنُونَ ١٨ فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌۭ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ ١٩ فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ ٢٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ ﴾ ﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾ ﴿ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ ﴾ ﴿ إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ ﴿ إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ﴾ ﴿ وَلا يَسْتَثْنُونَ ﴾ ﴿ فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ ﴾ ﴿ فَأصْبَحَتْ كالصَرِيمِ ﴾ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الخَيْرُ هُنا المالُ، فَوَصَفَهُ بِالشُحِّ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو عَلى عُمُومِهِ في المالِ والأفْعالِ الصالِحَةِ، ومَن يُمْنَعُ إيمانَهُ وطاعَتَهُ فَقَدْ مُنِعَ الخَيْرَ، و"المُعْتَدِي": المُتَجاوِزُ لِحُدُودِ الأشْياءِ، و"الأثِيمِ" فَعِيلٌ مِنَ الإثْمِ بِمَعْنى آثِمٍ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ أعْمالُهُ قَبِيحَةٌ تُكْسِبُ الإثْمَ.

و"العُتُلُّ": القَوِيُّ البِنْيَةِ، الغَلِيظُ الأعْضاءِ، المُصَحِّحُ، القاسِي القَلْبِ، البَعِيدُ الفَهْمِ، الأكُولُ الشَرُوبُ الَّذِي هو بِاللَيْلِ جِيفَةٌ وبِالنَهارِ حِمارٌ، وكُلُّ ما عَبَّرَ بِهِ المُفَسِّرُونَ عنهُ مِن خِلالِ النَقْصِ فَعن هَذِهِ الَّتِي ذُكِرَتْ تَصْدُرُ، وقَدْ ذَكَرَ النَقّاشُ، أنَّ النَبِيَّ  فَسَّرَ "العُتُلَّ" بِنَحْوِ هَذا، وهَذِهِ الصِفاتُ كَثِيرَةُ التَلازُمِ، والعَتْلُّ: الدَفْعُ بِشِدَّةٍ، ومِنهُ العَتَلَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ مَعْناهُ: بَعْدَ ما وصَفْناهُ بِهِ، فَهَذا التَرْتِيبُ إنَّما هو في قَوْلِ الواصِفِ لا في حُصُولِ تِلْكَ الصِفاتِ في المَوْصُوفِ، وإلّا فَكَوْنُهُ عُتُلًّا هو قَبْلَ كَوْنِهِ صاحِبَ خَيْرٍ يَمْنَعُهُ.

و"الزَنِيمُ" في كَلامِ العَرَبِ: المُلْصَقُ في القَوْمِ ولَيْسَ مِنهُمْ، وقَدْ فَسَّرَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ مُرَّةُ الهَمْدانِيُّ: إنَّما ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةٍ، يَعْنِي الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: وأنْتَ زَنِيمُ نِيطَ في آلِ هاشِمٍ كَما نِيطَ خَلْفَ الراكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ أيْضًا: زَنِيمُ تَداعاهُ الرِجالُ زِيادَةً ∗∗∗ كَما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعِ فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هَذا هو المُرادُ بِالآيَةِ، وذَلِكَ أنَّ الأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ كانَ مِن ثَقِيفٍ حَلِيفًا لِقُرَيْشٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ بِالزَنِيمِ أنَّ لَهُ زَنَمَةً في عُنُقِهِ كَزَنَمَةِ الشاةِ، وهي الهِنَةُ الَّتِي تتَعَلَّقُ في حَلْقِها، وما كُنّا نَعْرِفُ المُشارَ إلَيْهِ حَتّى نَزَلَتْ فَعَرَفْناهُ بِزَنَمَتِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ لِلتَّيْسِ زَنِيمٌ؛ إذْ لَهُ زَنَمَتانِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ في صِفَةِ شاتِهِ: "كَأنَّ زَنَمَتَيْها تَتْوا قُلَيْسِيَّةٍ" ورُوِيَ أنَّ الأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ كانَ بِهَذِهِ الصِفَةِ، كانَ لَهُ زَنَمَةٌ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الصِفاتُ لَمْ نَعْرِفْ صاحِبَها حَتّى نَزَلَ "زَنِيمٍ" فَعُرِفَ بِزَنَمَتِهِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الزَنِيمُ: المُرِيبُ، القَبِيحُ الأفْعالِ.

واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ ﴾ ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وأهْلُ المَدِينَةِ: "أنْ كانَ" عَلى الخَبَرِ، وَقَرَأ حَمْزَةُ: "أأنَّ كانَ" بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ: "آنَ كانَ" عَلى الِاسْتِفْهامِ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الثانِيَةِ، والعامِلُ في "أنْ" فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: كَفَرَ أو جَحَدَ أو عَنَدَ، ويُفَسِّرُ هَذا الفِعْلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا تُتْلى عَلَيْهِ ﴾ الآيَةُ، وجازَ أنْ يَعْمَلَ المَعْنى وهو مُتَأخِّرٌ مِن حَيْثُ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: "أنْ كانَ" في مَنزِلَةِ الظَرْفِ؛ إذْ يُقَدَّرُ بِاللامِ، أيْ: لِأنْ كانَ، وقَدْ قالَ فِيهِ بَعْضُ النُحاةِ: إنَّهُ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِاللامِ كَما لَوْ ظَهَرَتْ، فَكَما عَمِلَ المَعْنى في الظَرْفِ المُتَقَدِّمِ فَكَذَلِكَ يَعْمَلُ في هَذا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ  ﴾ ، فالعامِلُ في "إذا" مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ  ﴾ تَبْعَثُونَ، أو نَحْوِهِ مِنَ التَقْدِيرِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ: "يُنْبِئُ" في "إذا" لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ قَدْ أُضِيفَ إذًا إلى الجُمْلَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ في "أنْ"، قالَ: لِأنَّها جَوابٌ لِـ"إذا" ولا تَعْمَلُ فِيما قَبْلَها.

وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "عُتُلٍّ" وإنْ كانَ قَدْ وُصِفَ، ويَصِحُّ -عَلى هَذا النَظَرِ- أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "زَنِيمٍ" لا سِيَّما عَلى قَوْلِ مَن يُفَسِّرُهُ بِالقَبِيحِ الأفْعالِ، ويَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ في "أنْ كانَ" "تُطِيعُهُ" الَّتِي يَقْتَضِيها قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "وَلا تُطِعْ"، وهَذا عَلى قِراءَةِ الِاسْتِفْهامِ يَبْعُدُ، وإنَّما يَتَّجِهُ: لا تُطِعْهُ لِأجْلِ كَوْنِهِ كَذا، ولَهُ -عَلى كُلِّ وجْهٍ- مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وتَأمَّلْ.

وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في "الأساطِيرِ" في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ مَعْناهُ: عَلى الأنْفِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، وذَلِكَ أنِ الخُرْطُومِ يُسْتَعارُ في أنْفِ الإنْسانِ، وحَقِيقَتُهُ في مَخاطِمِ السِباعِ، ولَمْ يَقَعِ التَوَعُّدُ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنْ يُوسَمَ هَذا الإنْسانُ عَلى أنْفِهِ بِسِمَةٍ حَقِيقَةٍ بَلْ هَذِهِ عِبارَةٌ عن فِعْلٍ يُشْبِهُ الوَسْمَ عَلى الأنْفِ، واخْتَلَفَ الناسُ في ذَلِكَ الفِعْلِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الضَرْبُ بِالسَيْفِ، أيْ يَضْرِبُ في وجْهِهِ، وعَلى أنْفِهِ فَيَجِيءُ ذَلِكَ كالوَسْمِ عَلى الأنْفِ، وحَلَّ بِهِ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: ذَلِكَ في عَذابِ الآخِرَةِ في جَهَنَّمَ، وهو تَعْذِيبٌ بِنارٍ عَلى أُنُوفِهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ في يَوْمِ القِيامَةِ، أيْ يُوسَمُ عَلى أنْفِهِ بِسِمَةٍ يُعْرَفُ بِها كُفْرُهُ وانْحِطاطُ قَدْرِهِ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: سَيَفْعَلُ بِهِ في الدُنْيا مِنَ الذَمِّ لَهُ والمَقْتِ والإشْهارِ بِالشَرِّ ما يَبْقى فِيهِ ولا يَخْفى بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كالوَسْمِ عَلى الأنْفِ ثابِتًا بَيِّنًا، وهَذا المَعْنى كَما تَقُولُ: "سَأُطَوِّقُكَ طَوْقَ الحَمامَةِ" أيْ: أثْبَتَ الأمْرَ بَيِّنًا فِيكِ، ونَحْوُ هَذا أرادَ جَرِيرٌ بِقَوْلِهِ: لَمّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي ∗∗∗..............

وفِي الوَسْمِ عَلى الأنْفِ تَشْوِيهٌ، فَجاءَتِ اسْتِعارَتُهُ في المَذَمّاتِ بَلِيغَةً جِدًّا، وإذا تَأمَّلْتَ حالَ أبِي جَهْلٍ ونُظَرائِهِ وما ثَبَتَ لَهم في الدُنْيا مِن سُوءِ الأُحْدُوثَةِ رَأيْتَ أنَّهم قَدْ وُسِمُوا عَلى الخُراطِمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: "إنّا بَلَوْناهُمْ"، يُرِيدُ تَعالى قُرَيْشًا، أيِ: امْتَحَنّاهُمْ، و"أصْحابَ الجَنَّةِ" -فِيما ذَكَرَ- قَوْمُ إخْوَةٍ، كانَ لِأبِيهِمْ جَنَّةٌ وحَرْثٌ مُغَلٌّ، فَكانَ يُمْسِكُ مِنهُ قُوَّتَهُ ويَتَصَدَّقُ عَلى المَساكِينِ بِباقِيهِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ يَحْمِلُ المَساكِينَ مَعَهُ في وقْتِ حَصادِهِ وجَدَهُ فَيَجْذِيهِمْ مِنهُ، فَماتَ الشَيْخُ، فَقالَ ولَدُهُ: نَحْنُ جَماعَةٌ، وفِعْلُ أبِينا كانَ خَطًا، فَلْنَذْهَبْ إلى جَنَّتِنا، ولا يَدْخُلُها عَلَيْنا مِسْكِينٌ ولا نُعْطِي مِنها شَيْئًا، قالَ: فَبَيَّتُوا أمْرَهم وعَزْمَهم عَلى هَذا، فَبَعَثَ اللهُ طائِفًا بِاللَيْلِ مِنَ النارِ أو غَيْرِ ذَلِكَ فاحْتَرَقَتْ، فَقِيلَ: أصْبَحَتْ سَوْداءَ، وقِيلَ: بَيْضاءَ كالزَرْعِ اليابِسِ المَحْصُودِ، فَلَمّا أصْبَحُوا إلى جَنَّتِهِمْ لَمْ يَرْوِها فَحَسِبُوا أنَّهم قَدْ أخْطَئُوا الطَرِيقَ، ثُمَّ تَبَيَّنُوها فَعَلِمُوا أنَّ اللهَ تَعالى أصابَهم فِيها، فَتابُوا حِينَئِذٍ وأنابُوا وكانُوا مُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَشَبَّهَ اللهُ تَعالى قُرَيْشًا بِهِمْ، في أنَّهُ امْتَحَنَهم بِمُحَمَّدٍ  وهَداهُ كَما امْتُحِنَ أُولَئِكَ بِفِعْلِ أبِيهِمْ وبِأوامِرَ شَرْعِهِمْ، فَكَما حَلَّ بِأُولَئِكَ العِقابُ في جَنَّتِهِمْ كَذَلِكَ يَحِلُّ بِهَؤُلاءِ في جَمِيعِ دُنْياهم وحَياتِهِمْ، ثُمَّ التَوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ لِمَن بَقِيَ مِنهم كَما تابَ أُولَئِكَ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: السُنُونُ السَبْعُ الَّتِي أصابَتْ قُرَيْشًا هي بِمَثابَةِ ما أصابَ أُولَئِكَ في جَنَّتِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "لَيَصْرِمُنَّها" أيْ لِيَجِدْنَها، وصَرّامُ النَخْلِ جِدُّ ثَمَرِهِ، وكَذَلِكَ في كُلِّ شَجَرَةٍ، و"مُصْبِحِينَ" مَعْناهُ: إذا دَخَلُوا في الصَباحِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "وَلا يَسْتَثْنُونَ" مَعْناهُ ولا يَتَوَقَّفُونَ في ذَلِكَ ولا يَنْثَنُونَ عن رَأْيٍ مَنَعَ المَساكِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: ولا يَقُولُونَ "إنْ شاءَ اللهُ"، بَلْ عَزَمُوا عَلى ذَلِكَ عَزْمَ مَن يَمْلِكُ أمْرَهُ.

و"الطائِفُ": الأمْرُ الَّذِي يَأْتِي بِاللَيْلِ، ذَكَرَ هَذا التَخْصِيصَ الفَرّاءُ، ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَيْطانِ  ﴾ ، و"الصَرِيمُ" قالَ الفَرّاءُ ومُنْذِرٌ وجَماعَةٌ: أرادَ بِهِ اللَيْلَ، مِن حَيْثُ اسْوَدَّتْ جُثَثُهُمْ، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ بِهِ الصُبْحَ، مِن حَيْثُ ابْيَضَّتْ كالحَصِيدِ، قالَهُ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: و"الصَرِيمُ" يُقالُ لِلَّيْلِ ولِلنَّهارِ مِن حَيْثُ كَلُّ واحِدٍ مِنهُما يَنْصَرِمُ مِن صاحِبِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الصَرِيمُ" الرَمادُ الأسْوَدُ بِلُغَةِ جُذَيْمَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وغَيْرُهُ: الصَرِيمُ: رَمَلْةٌ بِاليَمَنِ مَعْرُوفَةٌ لا تَنْبُتُ، فَشَبَّهَ جُثَثَهم بِها.

<div class="verse-tafsir"

فَتَنَادَوْا۟ مُصْبِحِينَ ٢١ أَنِ ٱغْدُوا۟ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰرِمِينَ ٢٢ فَٱنطَلَقُوا۟ وَهُمْ يَتَخَـٰفَتُونَ ٢٣ أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا ٱلْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌۭ ٢٤ وَغَدَوْا۟ عَلَىٰ حَرْدٍۢ قَـٰدِرِينَ ٢٥ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوٓا۟ إِنَّا لَضَآلُّونَ ٢٦ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ٢٧ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ٢٨ قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ ٢٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ ﴾ ﴿ أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ ﴾ ﴿ فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ ﴾ ﴿ أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ ﴾ ﴿ وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ ﴾ ﴿ فَلَمّا رَأوها قالُوا إنّا لَضالُّونَ ﴾ ﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴾ ﴿ قالَ أوسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ ﴾ ﴿ قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ ﴾ "تَنادَوْا" مَعْناهُ: دَعا بَعْضُهم بَعْضًا إلى المُضِيِّ لِمِيعادِهِمْ، وقَرَأ بَعْضُ السَبْعَةِ: "أنُ اغْدُوا" بِضَمِّ النُونِ، وبَعْضُهم بِكَسْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا مِرارًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن "صِرامِ النَخْلِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ عَزْمٍ وإقْدامٍ عَلى رَأْيِكم مِن قَوْلِكَ: "سَيْفٌ صارِمٌ".

و"يَتَخافَتُونَ" مَعْناهُ: يَتَكَلَّمُونَ كَلامًا خَفِيًّا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "وَلا تُخافِتْ بِها"، وَكانَ هَذا التَخافُتُ خَوْفًا مِن أنْ يَشْعُرَ بِهِمُ المَساكِينُ، وكانَ لَفْظُهُمُ الَّذِي يَتَخافَتُونَ بِهِ ﴿ أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "لا يَدْخُلَنَّها" بِسُقُوطِ "أنْ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلى حَرْدٍ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: عَلى مَنعٍ، مِن قَوْلِهِمْ: "حارَدَتِ الإبِلُ" إذا قَلَّتْ ألْبانُها فَمَنَعَتْها، و"حارَدَتِ السَنَةُ" إذا كانَتْ شَهْباءَ لا غَلَّةَ لَها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وحارَدَتِ النُكْدُ الجِلادُ ولَمْ يَكُنْ لِعُقْبَةِ قِدْرِ المُسْتَعِيرِينَ مُعْقِبُ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالحَرْدِ: القَصْدُ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ، وأنْشَدَ عَلَيْهِ: أقْبَلَ سَيْلٌ جاءَ مِن عِنْدِ اللهِ ∗∗∗ يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ أيْ: يُقْصَدُ قَصْدُها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالحَرْدِ: الغَضَبُ، يُقالُ: "حَرَدَ الرَجُلُ يَحْرِدُ حَرْدًا" إذا غَضِبَ، ومِنهُ قَوْلُ الأشْهَبِ بْنِ رُمَيْلَةَ: أُسُودُ شَرْى لاقَتْ أُسُودَ خَفِيَّةً ∗∗∗ تَساقَوْا عَلى حَرْدِ دِماءِ الأساوِدِ وَقَوْلُهُ تَعالى: "قادِرِينَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ القُدْرَةِ، أيْ: هم قادِرُونَ في زَعْمِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ، كَأنَّهم قَدْ قَدَرُوا عَلى المَساكِينِ، أيْ ضَيَّقُوا عَلَيْهِمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا رَأوها ﴾ أيّ مُحْتَرِقَةً، حَسِبُوا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا الطَرِيقَ، وأنَّها لَيْسَتْ تِلْكَ، فَلَمّا تَحَقَّقُوها عَلِمُوا أنَّها قَدْ أُصِيبَتْ، فَقالُوا: "بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ"، أيْ: قَدْ حُرِمْنا غَلَّتَها وبَرَكَتَها، فَقالَ لَهم أعْدَلُهم قَوْلًا وعَقْلًا وخَلْقًا، وهو الأوسَطُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُمَّةً وسَطًا  ﴾ ، أيْ: عَدْلًا خَيارًا، و"تُسَبِّحُونَ" قِيلَ: هي عِبارَةٌ عن طاعَةِ اللهِ تَعالى وتَعْظِيمِهِ والعَمَلِ بِطاعَتِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ هي كانَتْ لَفْظَةُ الِاسْتِثْناءِ عِنْدَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّد رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ: "سُبْحانَ رَبِّنا".

فَبادَرَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ، وتابُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وسَبَّحُوا واعْتَرَفُوا بِظُلْمِهِمْ في اعْتِقادِهِمْ مَنعَ الفُقَراءِ.

<div class="verse-tafsir"

فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ يَتَلَـٰوَمُونَ ٣٠ قَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا طَـٰغِينَ ٣١ عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًۭا مِّنْهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَٰغِبُونَ ٣٢ كَذَٰلِكَ ٱلْعَذَابُ ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ٣٣ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٣٤ أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ ٣٥ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ٣٦ أَمْ لَكُمْ كِتَـٰبٌۭ فِيهِ تَدْرُسُونَ ٣٧ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ ٣٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ ﴾ ﴿ قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ ﴾ ﴿ عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها إنّا إلى رَبُّنا راغِبُونَ ﴾ ﴿ كَذَلِكَ العَذابُ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَعِيمِ ﴾ ﴿ أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ ﴿ أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ﴾ ﴿ إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ ﴾ "يَتَلاوَمُونَ" مَعْناهُ: يَجْعَلُ كُلُّ واحِدٍ اللَوْمَ في حَيِّزِ صاحِبِهِ ويُبَرِّئُ نَفْسَهُ، ثُمَّ أجْمَعُوا عَلى أنَّهم طَغَوْا، أيْ تَعُدُّوا ما يَلْزَمُ مِن مُواساةِ المَساكِينِ ثُمَّ انْصَرَفُوا إلى رَجاءِ اللهِ تَعالى وانْتِظارِ الفَرَجِ مِن لَدُنْهُ في أنْ يُبَدِّلَهم بِسَبَبِ تَوْبَتِهِمْ خَيْرًا مِن تِلْكَ الجَنَّةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ "يُبْدِلَنا" بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدالِّ، وكَذَلِكَ قَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو بِالتَثْقِيلِ وفَتْحِ الباءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "كَذَلِكَ العَذابُ" ابْتِداءُ مُخاطَبَةِ لِلنَّبِيِّ  في أمْرِ قُرَيْشٍ، والإشارَةُ بـ "ذَلِكَ" إلى العَذابِ الَّذِي نَزَلَ بِالجَنَّةِ أيْ: كذَلِكَ العَذابُ هو العَذابُ الَّذِي يَنْزِلُ بِقُرَيْشٍ بَغْتَةً، ثُمَّ عَذابُ الآخِرَةِ أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِ الدُنْيا، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: العَذابُ النازِلُ بِقُرَيْشٍ المُماثِلُ لِأمْرِ الجَنَّةِ هو الجَدْبُ الَّذِي أصابَهم سَبْعَ سِنِينَ حَتّى رَأوُا الدُخانَ وأكَلُوا الجُلُودَ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى: أنّ المُتَّقِينَ لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَعِيمِ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَتْ قُرَيْشٌ: إنْ كانَتْ ثُمَّ جَنّاتُ نَعِيمٍ فَلَنا فِيها أكْبَرُ الحَظِّ، فَنَزَلَتْ: ﴿ أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ ﴾ ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ والتَوْبِيخِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَكُمْ ﴾ تَوْبِيخٌ آخَرُ، ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، جُمْلَةٌ مُنْحازَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ جُمْلَةٌ مُنْحازَةٌ كَذَلِكَ، و"كَيْفَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بـ "تَحْكُمُونَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "أمْ" هي المَقَدَّرَةُ بِـ "بَلْ وألِفِ الِاسْتِفْهامِ"، و"كِتابٌ" مَعْناهُ: مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ ﴾ ، قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو اسْتِئْنافُ قَوْلٍ عَلى مَعْنى: إنْ كانَ لَكم كِتابٌ فَلَكم فِيهِ مُتَخَيِّرٌ، وقالَ آخَرُونَ: "إنَّ" مَعْمُولَةٌ لـِ "تَدْرُسُونَ"، أيْ: في الكِتابِ: إنَّ لَكم ما تَخْتارُونَ مِنَ النَعِيمِ، وكُسِرَتِ الألِفُ مِن "إنَّ" لِدُخُولِ اللامِ في الخَبَرِ، وهي في مَعْنى: "أنْ" بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأ طَلْحَةُ، والضَحّاكُ: "أنَّ لَكُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "أئِنَّ لَكُمْ" عَلى الِاسْتِفْهامِ.

<div class="verse-tafsir"

أَمْ لَكُمْ أَيْمَـٰنٌ عَلَيْنَا بَـٰلِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۙ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ ٣٩ سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ ٤٠ أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأْتُوا۟ بِشُرَكَآئِهِمْ إِن كَانُوا۟ صَـٰدِقِينَ ٤١ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍۢ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ٤٢ خَـٰشِعَةً أَبْصَـٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌۭ ۖ وَقَدْ كَانُوا۟ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَـٰلِمُونَ ٤٣ فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ٤٤ وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ ٤٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ ﴾ ﴿ سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ ﴾ ﴿ أمْ لَهم شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ ﴾ ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عن ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ ﴿ خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ وهم سالِمُونَ ﴾ ﴿ فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: هَلْ أقْسَمْنا لَكم قَسَمًا فَهو عَهْدٌ لَكم بِأنّا نُنَعِّمُكم في يَوْمِ القِيامَةِ وما بَعْدَهُ؟

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "بالِغَةٌ" بِالرَفْعِ عَلى الصِفَةِ لِـ "أيْمانٌ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بالِغَةً" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، وهي حالٌ مِن نَكِرَةٍ مُخَصَّصَةٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: "عَلَيْنا"، وقَرَأ الأعْرَجُ: "أئِنَّ لَكُمْ"، وكَذَلِكَ في الَّتِي تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ  ﴾ .

ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى مُحَمَّدًا  -عَلى جِهَةِ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ- أنْ يَسْألَهم عَنِ الزَعِيمِ لَهم بِذَلِكَ مَن هُوَ؟

والزَعِيمُ: الضامِنُ لِلْأمْرِ والقائِمُ بِهِ.

ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى عَلى أمْرِ الشُرَكاءِ عَسى أنْ يَظُنُّوا أنَّهم يَنْفَعُونَهم في شَيْءٍ مِن هَذا، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أمْ لَهم شِرْكٌ فَلْيَأْتُوا بِشِرْكِهِمْ" بِكَسْرِ الشِينِ دُونَ ألِفٍ، والمُرادُ بِذَلِكَ -عَلى القِراءَتَيْنِ- الأصْنامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ ﴾ قِيلَ: هو اسْتِدْعاءٌ وتَوْقِيفٌ في الدُنْيا، أيْ: لِيَحْضُرُوهم حَتّى نَرى هَلْ هم بِحالِ مَن يَضُرُّ ويَنْفَعُ أمْ لا، وقِيلَ: هو اسْتِدْعاءٌ وتَوْقِيفٌ عَلى أنْ يَأْتُوا بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، يَوْمَ يُكْشَفُ عن ساقٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عن ساقٍ ﴾ ، قالَ مُجاهِدٌ: هي أوَّلُ ساعَةٍ مِنَ القِيامَةِ، وهي أفْظَعُها، وتَظاهُرُ حَدِيثٍ عَنِ النَبِيِّ  « "أنَّهُ يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ: لِيَتْبَعَ كُلُّ أحَدٍ ما كانَ يَعْبُدُ، قالَ: فَيَتَّبِعُ مَن كانَ يَعْبُدُ الشَمْسَ الشَمْسَ، ويَتَّبِعُ مَن كانَ يَعْبُدُ القَمَرَ القَمَرَ، وكَذَلِكَ كَلُّ عابِدٍ لِكُلِّ مَعْبُودٍ، ثُمَّ تَبْقى هَذِهِ الأُمَّةُ وغَبَراتُ أهْلِ الكِتابِ مَعَهم مُنافِقُوهم وكَثِيرٌ مِنَ الكَفَرَةِ، فَيُقالُ لَهُمْ: ما شَأْنُكُمْ؟

لِمَ تَقِفُونَ وقَدْ ذَهَبَ الناسُ؟

فَيَقُولُونَ: نَنْتَظِرُ رَبَّنا، قالَ: فَيَجِيئُهُمُ اللهُ في غَيْرِ الصُورَةِ الَّتِي عَرِفُوهُ بِها، فَيَقُولُ: أنا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنكَ، قالَ: فَيَقُولُ: أتَعْرِفُونَهُ بِعَلامَةٍ تَرَوْنَها؟

فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَكْشِفُ لَهم عن ساقٍ، فَيَقُولُونَ نَعَمْ أنْتَ رَبُّنا، ويَخِرُّونَ لِلسُّجُودِ، فَيَسْجُدُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وتَرْجِعُ أصْلابُ المُنافِقِينَ والكُفّارِ كَصَياصِي البَقَرِ عَظْمًا واحِدًا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سُجُودًا".» هَكَذا هو الحَدِيثُ وإنِ اخْتَلَفَتْ مِنهُ ألْفاظٌ بِزِيادَةٍ ونُقْصانٍ، وعَلى كُلِّ وَجْهٍ مِمّا ذَكَرْتُهُ فِيهِ كَشْفُ الساقِ وما في الآيَةِ أيْضًا مِن ذَلِكَ فَإنَّما هو عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الهَوْلِ وعِظَمِ القُدْرَةِ الَّتِي يَرى اللهُ تَعالى ذَلِكَ اليَوْمَ، حَتّى يَقَعَ العِلْمُ أنَّ تِلْكَ القُدْرَةَ إنَّما هي لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ في صِفَةِ الحَرْبِ: كَشَفَتْ لَهم عن ساقِها وبَدا عَنِ الشَرِّ البَراحُ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: قَدْ شَمَّرَتْ عن ساقِها فَشَدُّوا ∗∗∗...............

وقَوْلُ الآخَرِ: في سَنَةٍ قَدْ كَشَفَتْ عن ساقِها ∗∗∗ حَمْراءَ تَبْرِي اللَحْمَ عن عِراقِها وَأصْلُ ذَلِكَ أنَّهُ مَن أرادَ الجِدَّ في أمْرٍ يُحاوِلُهُ فَإنَّهُ يَكْشِفُ عن ساقِهِ تَشْمِيرًا وجِدًّا، وقَدْ مَدَحَ الشُعَراءُ بِهَذا المَعْنى، فَمِنهُ قَوْلُ دُرَيْدٍ: كَمِيشُ الإزارِ خارِجٌ نِصْفُ ساقِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ صَبُورٌ عَلى الأعْداءِ طَلّاعُ أنْجَدُ وعَلى هَذا مَن أرادَ الجِدَّ والتَشْمِيرَ في طاعَةِ اللهِ تَعالى، قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إزْرَةُ المُؤْمِنِ إلى أنْصافِ ساقِهِ".» وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُكْشَفُ" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "يَكْشِفُ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الشِينِ عَلى مَعْنى: يَكْشِفُ اللهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "تَكْشِفُ" بِفَتْحِ التاءِ عَلى أنَّ القِيامَةَ هى الكاشِفَةُ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "تُكْشَفُ" بِضَمِّ التاءِ عَلى مَعْنى: تُكْشَفُ القِيامَةُ والشِدَّةُ الحالُ الحاضِرَةُ، وحَكى الأخْفَشُ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "نَكْشِفُ" بِالنُونِ مَفْتُوحَةً وكَسْرِ الشِينِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُدْعَوْنَ ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ ثَمَّ دُعاءٌ إلى سُجُودٍ، وهَذا يَرُدُّهُ ما قَدْ تَقَرَّرَ في الشَرْعِ مِن أنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ، وأنَّها لا تَكْلِيفَ فِيها، فَإذا كانَ هَذا فَإنَّما الداعِي ما يَرَوْنَهُ مِن سُجُودِ المُؤْمِنِينَ فَيُرِيدُونَ هم أنْ يَسْجُدُوا عِنْدَ ذَلِكَ فَلا يَسْتَطِيعُونَ، وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّهم يُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، وخَرَجَ بَعْضُ الناسِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ أنَّهم كانُوا يَسْتَطِيعُونَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ، وَعَقِيدَةُ الأشْعَرِيَّةِ أنَّ الِاسْتِطاعَةَ إنَّما تَكُونُ مَعَ التَلَبُّسِ بِالفِعْلِ لا قَبْلَهُ، وهَذا القَدْرُ كافٍ مِن هَذِهِ المَسْألَةِ هاهُنا.

و"خاشِعَةً" نُصِبَ عَلى الحالِ، وجَوارِحُهم كُلُّها خاشِعَةٌ، أيْ: ذَلِيلَةٌ، ولَكِنَّهُ تَعالى خَصَّ الأبْصارَ بِالذِكْرِ لِأنَّ الخُشُوعَ فِيها أبْيَنُ مِنهُ في كُلِّ جارِحَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ﴾ مَعْناهُ: تُزْعِجُ نُفُوسَهم وتَظْهَرُ عَلَيْهِمْ ظُهُورًا يُخْزِيهِمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ ﴾ يُرِيدُ في دارِ الدُنْيا وهم سالِمُونَ مِمّا نالَ عِظامُ ظُهُورِهِمْ مِنَ الِاتِّصالِ والعُتُوِّ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: السُجُودُ هُنا عِبارَةٌ عن جَمِيعِ الطاعاتِ، وخَصَّ السُجُودَ بِالذِكْرِ مِن حَيْثُ هو عِظَمُ الطاعاتِ، ومِن حَيْثُ بِهِ وقَعَ امْتِحانُهم في الآخِرَةِ، وقالَ إبْراهِيمُ التَيْمِيُّ، والشَعْبِيُّ: أرادَ بِالسُجُودِ الصَلَواتِ المَكْتُوبَةَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى: كانُوا يَسْمَعُونَ النِداءَ لِلصَّلاةِ و"حَيَّ عَلى الفَلاحِ" فَلا يُجِيبُونَ، وفَلَجَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ فَكانَ يُهادِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ إلى المَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّكَ لَمَعْذُورٌ، فَقالَ: مَن سَمِعَ "حَيَّ عَلى الفَلاحِ" فَلْيُجِبْ ولَوْ حَبْوًا،وَقِيلَ لِابْنِ المُسَيِّبِ: إنَّ طارِقًا يُرِيدُ قَتْلَكَ فاجْلِسْ في بَيْتِكَ، فَقالَ: أسْمَعُ "حَيَّ عَلى الفَلاحِ" فَلا أُجِيبُ؟

واللهِ لا فَعَلْتُ.

وهَذا كُلُّهُ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ ﴾ وعِيدٌ، ولَمْ يَكُنْ ثَمَّ مانِعٌ ولَكِنَّهُ كَما تَقُولُ: "دَعْنِي مَعَ فُلانٍ"، أيْ: سَأُعاقِبُهُ، و"مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى الضَمِيرِ فِي: "ذَرْنِي"، أو نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ، و"الحَدِيثُ" المُشارُ إلَيْهِ هو القُرْآنُ المُخْبِرُ بِهَذِهِ الغُيُوبِ.

و"الِاسْتِدْراجُ" هو الحَمْلُ مِن رُتْبَةٍ إلى رُتْبَةٍ حَتّى يَصِيرَ المَحْمُولُ إلى شَرٍّ، وإنَّما يُسْتَعْمَلُ الِاسْتِدْراجُ في الشَرِّ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الدُرْجِ، قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: تُسْبَغُ عَلَيْهِمُ النِعَمُ، ويَمْنَعُونَ الشُكْرَ، وقالَ غَيْرُهُ: كُلَّما زادُوا ذَنْبًا زِيدُوا نِعْمَةً، وفي مَعْنى الِاسْتِدْراجِ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "إنَّ اللهَ تَعالى يُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ"،» وقالَ الحَسَنُ: "كَمْ مِن مُسْتَدْرِجٍ بِالإحْسانِ إلَيْهِ ومَغْرُورٍ بِالسَتْرِ عَلَيْهِ".

و"أُمْلِي لَهُمْ" مَعْناهُ: أُؤَخِّرُهم مِلاوَةً مِنَ الزَمانِ، وهي البُرْهَةُ والقِطْعَةُ، يُقالُ: مُلاوَةٌ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِها وكَسْرِها، و"الكَيْدُ" عِبارَةٌ عَنِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَحِلُّ بِالكَفّارِ مِن حَيْثُ هي عَلى كَيْدٍ مِنهُمْ، فَسَمّى العُقُوبَةَ بِاسْمِ الذَنْبِ، و"المَتِينُ": القَوِيُّ الَّذِي لَهُ مَتانَةٌ، ومِنهُ المَتْنُ: الظَهْرُ.

<div class="verse-tafsir"

أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ أَجْرًۭا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍۢ مُّثْقَلُونَ ٤٦ أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ٤٧ فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌۭ ٤٨ لَّوْلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعْمَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌۭ ٤٩ فَٱجْتَبَـٰهُ رَبُّهُۥ فَجَعَلَهُۥ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ٥٠ وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَـٰرِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا۟ ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجْنُونٌۭ ٥١ وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ لِّلْعَـٰلَمِينَ ٥٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ﴾ ﴿ أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ ﴾ ﴿ فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ ﴾ ﴿ لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ ﴾ ﴿ فاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصالِحِينَ ﴾ ﴿ وَإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِكْرَ ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ ﴾ ﴿ وَما هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ﴾ هَذِهِ "أمْ" الَّتِي تَتَضَمَّنُ الإضْرابَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ لا عَلى جِهَةِ الرَفْضِ لَهُ، لَكِنَّ عَلى جِهَةِ التَرْكِ والإقْبالِ عَلى سِواهُ، وهَذا التَوْقِيفُ هو لِمُحَمَّدٍ  ، والمُرادُ بِهِ تَوْبِيخُ الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ لَوْ سَألَهم أجْرًا فَأثْقَلَهم عَدَمُ ذَلِكَ لَكانَ لَهم بَعْضُ العُذْرِ في إعْراضِهِمْ وقَرارِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ ﴾ مَعْناهُ: هَلْ لَهم عِلْمٌ بِما يَكُونُ فَيَدَّعُونَ مَعَ ذَلِكَ أنَّ الأمْرَ عَلى اخْتِيارِهِمْ جارٍ؟

ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ  بِالصَبْرِ لِحُكْمِهِ، وأنْ يَمْضِيَ لِما أمَرَ بِهِ مِنَ التَبْلِيغِ واحْتِمالِ الأذى والمَشَقَّةِ، ونَهى عَنِ الضَجَرِ والعَجَلَةِ الَّتِي وقَعَ فِيها يُونُسُ عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى القِصَّةَ بِاقْتِضابٍ وذَكَرَ ما وقَعَ في آخِرِها مِن نِدائِهِ مِن بَطْنِ الحُوتِ وهو مَكْظُومٌ، أيْ: غَيْظُهُ في صَدْرِهِ، وحَقِيقَةُ "الكَظْمِ" هو الغَيْظُ والحُزْنُ والنَدَمُ، فَحَمَلَ المَكْظُومَ عَلَيْهِ تَجَوُّزًا، وهو في الحَقِيقَةِ كاظِمٌ، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: وأنْتَ مِن حُبِّ مَيٍّ مُضْمِرٌ حَزَنًا عانِي الفُؤادِ قَرِيحُ القَلْبِ مَكْظُومُ وقالَ النَقّاشُ: المَكْظُومُ الَّذِي أخَذَ بِكَظْمِهِ وهو مُجارِي القَلْبِ، ومِنهُ سُمِّيَتْ "الكاظِمَةُ" وهي القَناةُ في جَوْفِ الأرْضِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ" أسْنَدَ الفِعْلَ دُونَ عَلامَةِ تَأْنِيثٍ لِأنَّ تَأْنِيثَ النِعْمَةِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ عَبّاسٍ: "لَوْلا أنْ تَدارَكَتْهُ" عَلى إظْهارِ العَلامَةِ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: "لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ" بِشَدِّ الدالِ عَلى مَعْنى: تَتَدارَكَهُ، وهي حِكايَةُ حالٍ تَأتِي فَلِذَلِكَ جاءَ بِالفِعْلِ مُسْتَقْبَلًا.

بِمَعْنى: لَوْلا أنْ يُقالَ فِيهِ: تَتَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَلانِ )، فَهَذا وجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ، ثُمَّ أُدْغِمَتِ التاءُ في الدالِ.

و"النِعْمَةُ" هي الصَفْحُ والتَوْبُ، والِاجْتِباءُ الَّذِي سَبَقَ لَهُ عِنْدَهُ، و"العَراءُ": الأرْضُ الواسِعَةُ الَّتِي لَيْسَ فِيها شَيْءٌ يُوارى مِن بِناءٍ أو نَباتٍ أو غَيْرِهِ مِن جَبَلٍ ونَحْوِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَرَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالأرْضِ العَراءَ ثِيابِي وقَدْ نَبَذَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَلامُ بِالأرْضِ العَراءَ غَيْرَ مَذْمُومٍ.

و"اجْتَباهُ" مَعْناهُ: اخْتارَهُ واصْطَفاهُ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى نَبِيَّهُ  بِحالِ نَظَرِ الكُفّارِ إلَيْهِ، وأنَّهم يَكادُونَ مِنَ الغَيْظِ والعَداوَةِ يَزْلِقُونَهُ فَيُذْهِبُونَ قَدَمَهُ مِن مَكانِها ويُسْقِطُونَهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لَيَزْلِقُونَكَ" بِضَمِّ الياءِ، مِن "أزَلَقَ"، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "لَيَزْلِقُونَكَ" بِفَتْحِ الياءِ مِن "زَلِقَتِ الرِجْلُ"، يُقالُ: زَلِقَتِ الرِجْلُ -بِكَسْرِ اللامِ- وزَلَقَتْهُ بِفَتْحِها-، مِثْلُ: "حَزَنَ" و"حَزَنَتْهُ"، و"شَتَرَتِ العَيْنُ" و"شَتَرَتْها"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "لَيَزْهِقُونَكَ" بِالهاءِ، ورَوى النَخْعِيُّ أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "لَيَنْفِدُونَكَ"، وفي هَذا المَعْنى الَّذِي في نَظَرِهِمْ مِنَ الغَيْظِ والعَداوَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: يَتَقارَضُونَ إذا التَقَوْا في مَجْلِسٍ ∗∗∗ نَظَرًا يُزِيلُ مَواطِئَ الأقْدامِ وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ وذَكَرَهُ الفَرّاءُ - إلى أنَّ المَعْنى: يَأْخُذُونَكَ بِالعَيْنِ، وذَكَرَ أنَّ اللَقْعَ بِالعَيْنِ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: كانَ رَجُلٌ يَتَجَوَّعُ ثَلاثَةَ أيّامٍ ثُمَّ لا يَتَكَلَّمُ عَلى شَيْءٍ إلّا أصابَهُ بِالعَيْنِ، فَسَألَهُ الكُفّارُ أنْ يُصِيبَ النَبِيَّ  فَأجابَهم إلى ذَلِكَ لَكِنْ عَصَمَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  ، وقالَ الزَجّاجُ: كانَتِ العَرَبُ إذا أرادَ أحَدُهم أنْ يَعْتانَ أحَدًا تَجَوَّعَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وقالَ الحَسَنُ: دَواءُ مَن أصابَتْهُ العَيْنُ أنْ يَقْرَأ هَذِهِ الآيَةَ، و"الذِكْرُ" في الآيَةِ القُرْآنُ، ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى أنَّ هَذا القُرْآنَ العَزِيزَ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، ووَعْظٌ لَهُمْ، وحَجَّةٌ عَلَيْهِمْ، فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْنا بِهِ، وجَعَلَنا أهْلَهُ وحَمَلَتَهُ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.

تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [القَلَمِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل