الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 68 القلم > الآيات ٢١-٢٩
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقوله عزّ وجلّ: ﴿ فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ ﴾ ﴿ أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ ﴾ ﴿ فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ ﴾ ﴿ أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ ﴾ ﴿ وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ ﴾ ﴿ فَلَمّا رَأوها قالُوا إنّا لَضالُّونَ ﴾ ﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴾ ﴿ قالَ أوسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ ﴾ ﴿ قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ ﴾ "تَنادَوْا" مَعْناهُ: دَعا بَعْضُهم بَعْضًا إلى المُضِيِّ لِمِيعادِهِمْ، وقَرَأ بَعْضُ السَبْعَةِ: "أنُ اغْدُوا" بِضَمِّ النُونِ، وبَعْضُهم بِكَسْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا مِرارًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن "صِرامِ النَخْلِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ عَزْمٍ وإقْدامٍ عَلى رَأْيِكم مِن قَوْلِكَ: "سَيْفٌ صارِمٌ".
و"يَتَخافَتُونَ" مَعْناهُ: يَتَكَلَّمُونَ كَلامًا خَفِيًّا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "وَلا تُخافِتْ بِها"، وَكانَ هَذا التَخافُتُ خَوْفًا مِن أنْ يَشْعُرَ بِهِمُ المَساكِينُ، وكانَ لَفْظُهُمُ الَّذِي يَتَخافَتُونَ بِهِ ﴿ أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "لا يَدْخُلَنَّها" بِسُقُوطِ "أنْ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلى حَرْدٍ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: عَلى مَنعٍ، مِن قَوْلِهِمْ: "حارَدَتِ الإبِلُ" إذا قَلَّتْ ألْبانُها فَمَنَعَتْها، و"حارَدَتِ السَنَةُ" إذا كانَتْ شَهْباءَ لا غَلَّةَ لَها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وحارَدَتِ النُكْدُ الجِلادُ ولَمْ يَكُنْ لِعُقْبَةِ قِدْرِ المُسْتَعِيرِينَ مُعْقِبُ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالحَرْدِ: القَصْدُ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ، وأنْشَدَ عَلَيْهِ: أقْبَلَ سَيْلٌ جاءَ مِن عِنْدِ اللهِ ∗∗∗ يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ أيْ: يُقْصَدُ قَصْدُها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالحَرْدِ: الغَضَبُ، يُقالُ: "حَرَدَ الرَجُلُ يَحْرِدُ حَرْدًا" إذا غَضِبَ، ومِنهُ قَوْلُ الأشْهَبِ بْنِ رُمَيْلَةَ: أُسُودُ شَرْى لاقَتْ أُسُودَ خَفِيَّةً ∗∗∗ تَساقَوْا عَلى حَرْدِ دِماءِ الأساوِدِ وَقَوْلُهُ تَعالى: "قادِرِينَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ القُدْرَةِ، أيْ: هم قادِرُونَ في زَعْمِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ، كَأنَّهم قَدْ قَدَرُوا عَلى المَساكِينِ، أيْ ضَيَّقُوا عَلَيْهِمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا رَأوها ﴾ أيّ مُحْتَرِقَةً، حَسِبُوا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا الطَرِيقَ، وأنَّها لَيْسَتْ تِلْكَ، فَلَمّا تَحَقَّقُوها عَلِمُوا أنَّها قَدْ أُصِيبَتْ، فَقالُوا: "بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ"، أيْ: قَدْ حُرِمْنا غَلَّتَها وبَرَكَتَها، فَقالَ لَهم أعْدَلُهم قَوْلًا وعَقْلًا وخَلْقًا، وهو الأوسَطُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُمَّةً وسَطًا ﴾ ، أيْ: عَدْلًا خَيارًا، و"تُسَبِّحُونَ" قِيلَ: هي عِبارَةٌ عن طاعَةِ اللهِ تَعالى وتَعْظِيمِهِ والعَمَلِ بِطاعَتِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ هي كانَتْ لَفْظَةُ الِاسْتِثْناءِ عِنْدَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّد رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ: "سُبْحانَ رَبِّنا".
فَبادَرَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ، وتابُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وسَبَّحُوا واعْتَرَفُوا بِظُلْمِهِمْ في اعْتِقادِهِمْ مَنعَ الفُقَراءِ.
<div class="verse-tafsir"