الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة المعارج
تفسيرُ سورةِ المعارج كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 35 دقيقة قراءةبِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المَعارِجِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ، لا خِلافَ بَيْنِ الرُواةِ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ ﴾ ﴿ لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ ﴾ ﴿ مِنَ اللهِ ذِي المَعارِجِ ﴾ ﴿ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ ﴾ ﴿ فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا ﴾ ﴿ إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ﴾ ﴿ وَنَراهُ قَرِيبًا ﴾ ﴿ يَوْمَ تَكُونُ السَماءُ كالمُهْلِ ﴾ ﴿ وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ ﴾ ﴿ وَلا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "سَألَ" بِهَمْزَةٍ مُخَفَّفَةٍ، قالُوا: والمَعْنى: دَعا داعٍ، والإشارَةُ إلى مَن قالَ مِن قُرَيْشٍ: "اللهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ"، ورُوِيَ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ النَضِرُ بْنُ الحارِثِ، وإلى مَن قالَ: "رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا".
وقالَ بَعْضُهُمْ: المَعْنى: بَحَثَ باحِثٌ واسْتَفْهَمَ مُسْتَفْهِمٌ، قالُوا: والإشارَةُ إلى قَوْلِ قُرَيْشٍ: "مَتى هَذا الوَعْدُ"؟
وما جَرى مَجْراهُ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
فَأمّا مَن قالَ: المَعْنى: دَعا داعٍ فالباءُ فى قَوْلِهِ تَعالى: "بِعَذابٍ" عَلى عُرْفِها، وأمّا مَن قالَ: المَعْنى: اسْتَفْهَمَ مُسْتَفْهِمٌ فالباءُ تُوَصَّلُ تَوْصِيلَ "عن"، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: "عن عَذابٍ"، وهَذا كَقَوْلِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ: فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِساءِ فَإنَّنِي بَصِيرٌ بِأدْواءِ النِساءِ طَبِيبُ وَقَرَأ نافِعُ بْنُ عامِرٍ: "سالَ" ساكِنَةَ الألِفِ، واخْتَلَفَ القِراءَةُ فِيها، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هي "سَألَ" المَهْمُوزَةُ إلّا أنَّها سُهِّلَتْ، كَما قالَ: ...............................
∗∗∗ لا هُناكَ المَرْتَعُ ونَحْوُ ذَلِكَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هي لُغَةُ مَن يَقُولُ: "سَلْتُ أسْألُ ويَتَساوَلانِ"، وهي بِلُغَةٍ مَشْهُورَةٍ حَكاها سِيبَوَيْهِ، فَتَجِيءُ الألِفُ مُنْقَلِبَةً عَنِ الواوِ الَّتِي هي عَيْنٌ كَقالَ وخافَ، وأمّا قَوْلُ الشاعِرِ: سالَتْ هُذَيْلُ رَسُولَ اللهِ فاحِشَةً ∗∗∗ ضَلَّتْ هُذَيْلُ بِما سالَتْ ولَمْ تَصِبْ فَإنَّ سِيبَوَيْهِ قالَ: هو عَلى لُغَةِ تَسْهِيلِ الهَمْزَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: هو عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "سَلَّتْ"، وقالَ بَعْضُهم في الآيَةِ: هى مِن "سالَ يَسِيلُ" إذا جَرى، ولَيْسَتْ مِن مَعْنى السُؤالَ، قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وغَيْرُهُ: في جَهَنَّمَ وادٍ يُسَمّى "سائِلًا"، والأخْبارُ هُنا عنهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ -إنْ لَمْ يَصِحَّ أمْرُ الوادِي- أنْ يَكُونَ الإخْبارُ عن نُفُوذِ القَدَرِ بِذَلِكَ العَذابِ، فاسْتُعِيرَ لَهُ لَفْظُ السَيْلِ لِما عَهِدَ مِن نُفُوذِ السَيْلِ وتَصْمِيمِهِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "سالَ سَيْلَ" بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "سالَ سالَ" مِثْلَ "قالَ"، "قالَ"، أُلْغِيَتِ الياءُ مِنَ الخَطِّ تَخْفِيفًا، والمُرادُ "سائِلٌ" إذًا سُؤالُ الكُفّارِ عَنِ العَذابِ -حَسَبَ قِراءَةِ الجَماعَةِ- إنَّما كانَ عَلى أنَّهُ كَذَبَ، فَوَصَفَهُ اللهُ تَعالى بِأنَّهُ واقِعٌ وعِيدًا لَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: "لِلْكافِرِينَ" قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: اللامُ تُوَصَّلُ المَعْنى تَوْصِيلَ "عَلى"، ورُوِيَ أنَّهُ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: قَوْلُهُ تَعالى "عَلى الكافِرِينَ"، وقالَ قَتادَةَ والحَسَنُ: المَعْنى: كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَن هَذا العَذابُ الواقِعُ؟
فَقِيلَ "لِلْكافِرِينَ".
و"المَعارِجِ" في اللُغَةِ: الدُرْجُ في الأجْرامِ، وهي هُنا مُسْتَعارَةٌ في الرُتَبِ والصِفاتِ الحَمِيدَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "المَعارِجُ": السَماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ، وقالَ الحَسَنُ: هي المَراقِي إلى السَماءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ ﴾ مَعْناهُ: تَصْعَدُ، عَلى أصْلِ اللُغَةِ فى اللَفْظَةِ.
و"الرُوحُ" عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، خَصَّصَهُ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا، وقالَ مُجاهِدٌ: الرُوحُ: مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لا تَراهُمُ المَلائِكَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ المَلائِكَةَ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو اسْمُ الجِنْسِ في أرْواحِ الحَيَوانِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ ﴾ ، فَقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وجَماعَةٌ مِنَ الحُذّاقِ: المَعْنى: تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومِقْدارُ المَسافَةِ -إنْ لَوْ عَرَجَها آدَمِيٌّ- خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وقالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، فَمَن جَعَلَ "الرُوحَ" جِبْرِيلَ ونَوْعًا مِنَ المَلائِكَةِ قالَ: المَسافَةُ هي مِن قَعْرِ الأرْضِ السابِعَةِ إلى العَرْشِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومِن جَعَلَ "الرُوحَ" جِنْسَ أرْواحِ الحَيَوانِ قالَ: المَسافَةُ مِن وجْهِ هَذِهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ عُلُوًّا، قالَهُ وهْبُ بْن مُنَبِّهٍ، وقالَ: قَوْمٌ المَعْنى: تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ في نَفْسِهِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِكُمْ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في تَعْيِينِ ذَلِكَ اليَوْمَ، فَقالَ عِكْرِمَةُ، والحَكَمُ: أرادَ اللهُ تَعالى مُدَّةَ الدُنْيا فَإنَّها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها ولا ما بَقِيَ، فالمَعْنى: تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُوحُ إلَيْهِ في مُدَّةِ الدُنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةِ، ويَتَمَكَّنُ -عَلى هَذا فِي- "الرُوحِ" أنْ يَكُونَ جِنْسَ أرْواحِ الحَيَوانِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: بَلِ اليَوْمَ المُشارِ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ -ثُمَّ اخْتَلَفُوا- فَقالَ بَعْضُهُمْ: قَدْرُهُ في الطُولِ قَدْرَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وهَذا هو ظاهِرُ قَوْلِ النَبِيِّ : « "ما مِن رَجُلٍ لا يُؤَدِّي زَكاةَ مالِهِ إلّا جَعَلَ لَهُ صَفائِحَ مِن نارِ يَوْمِ القِيامَةِ تُكْوى بِها جَبْهَتُهُ وظَهْرُهُ وجَنْباهُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ".» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: بَلْ قَدْرُهُ في هَوْلِهِ وشِدَّتِهِ ورَزاياهُ لِلْكُفّارِ قَدْر خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وهَذا كَما تَقُولُ في اليَوْمِ العَصِيبِ: إنَّهُ كَسَنَةٍ، ونَحْوُ هَذا، قالَ أبُو سَعِيدٍ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللهِ، ما أطْوَلُ يَوْمًا مِقْدارُهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ؟
فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِيَخِفَّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ أخَفَّ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ"،» وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى كانَ مِقْدارَ ما يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ القَضايا والحِسابِ قَدْرَ ما يَنْقَضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُنْيا.
وقَدْ ورَدَ في يَوْمِ القِيامَةِ أنَّهُ كَألْفِ سَنَةٍ، وهَذا يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ في طَوائِفَ دُونَ طَوائِفَ.
والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" - عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ - قَوْلُهُ تَعالى: "مِن دافِعٍ"، وعَلى سائِرِ الأقْوالِ "تَعْرُجُ".
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "تَعْرُجُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "يُعَرِّجُ" بِالياءِ لِأنَّ التَأْنِيثَ بِالياءِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، وبِالياءِ مِن تَحْتٍ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ لِأنَّهُ كانَ يَذْكُرُ المَلائِكَةَ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ بِالصَبْرِ الجَمِيلِ، وهو الَّذِي لا يَلْحَقُهُ عَتَبَ مِن فَشَلِ ولا شَكَّ ولا قِلَّة رَضِيَ ولا غَيْرَ ذَلِكَ، والأمْرُ بِالصَبْرِ الجَمِيلِ مُحْكَمٌ في كُلِّ حالَةٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا" يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّهم يُكَذِّبُونَ بِهِ فَهو في غايَةِ البُعْدِ عِنْدَهُمْ، وإنَّهُ تَعالى يَراهُ قَرِيبًا مِن حَيْثُ هو واقِعٌ وآتٍ وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الضَمِيرُ في "يَرَوْنَهُ" عائِدٌ عَلى العَذابِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "يَوْمَ" تَكُونُ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ المَنصُوبِ، و"المُهْلِ": عَكِرَ الزَيْتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، فَهي لِسَوادِها وانْكِدارِ أنْوارِها تُشْبِهُ ذَلِكَ، والمُهْلُ أيْضًا ما أُذِيبَ مِن فِضَّةٍ ونَحْوِها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ، فَتَجِيءُ لَهُ ألْوانٌ وتَمَيُّعٌ مُخْتَلَطٌ، والسَماءُ أيْضًا لِلْأهْوالِ الَّتِي تُدْرِكُها تَصِيرُ مِثْلَ ذَلِكَ، و"العِهْنُ" الصُوفُ دُونَ تَقْيِيدٍ، وقَدْ قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هو الصُوفُ المَصْبُوغُ ألْوانًا، وقِيلَ المَصْبُوغُ أيُّ لَوْنٍ كانَ، وقالَ الحَسَنُ: هو الأحْمَرُ، واسْتَدَلَّ مَن قالَ إنَّهُ المَصْبُوغُ ألْوانًا بِقَوْلِ زُهَيْرٍ: كَأنَّ فُتاتَ العِهْنِ في كُلِّ مَنزِلٍ ∗∗∗ نَزَلْنَ بِهِ حَبَّ الفَنا لَمْ يُحَطِّمِ وحَبُّ الفَنا هو عِنَبُ الثَعْلَبِ، وكَذَلِكَ هو عِنْدَ طِيبِهِ وقَبْلَ تَحْطِيمِهِ ألْوانٌ، بَعْضُهُ أحْمَرُ، وبَعْضُهُ أصْفَرُ، وبَعْضُهُ أخْضَرُ؛ لِاخْتِلافِهِ في النُضْجِ، وتُشْبِهُ الجِبالَ بِهِ عَلى هَذا لِأنَّها جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ وسُودٌ، فَيَجِيءُ التَشْبِيهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما في الألْوانِ، والثانِي وَفِي الِانْتِفاشِ، ومَن قالَ إنَّ "العِهْنَ" الصُوفُ دُونَ تَقْيِيدٍ جَعَلَ التَشْبِيهَ في الِانْتِفاشِ وتَخَلْخُلِ الأجْزاءِ فَقَطْ، قالَ الحَسَنُ: والجِبالُ يَوْمَ القِيامَةِ تَسِيرُ بِالرِياحِ ثُمَّ يَشْتَدُّ الأمْرُ بِها فَتَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ لا يَزالُ الأمْرُ بِها فَتَصِيرُ هَباءً مُنْبَثًّا.
وقَرَأ السَبْعَةُ والحَسَنُ والمَدَنِيُّونَ وطَلْحَةُ والناسُ: "وَلا يَسْألُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، و"الحَمِيمُ" -فِي هَذا المَوْضِعِ-: القَرِيبُ والوالِي، فالمَعْنى: ولا يَسْألُهُ نُصْرَةً ولا مَنفَعَةً لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُها عِنْدَهُ، قالَ قَتادَةُ: المَعْنى: ولا يَسْألُهُ عن حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ، قَدْ بَصَّرَ كُلُّ أحَدٍ حالَةَ الجَمِيعِ وشُغِلَ بِنَفْسِهِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -مِن طَرِيقِ السُدِّيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ - بِخِلافٍ عنهُما- وأبُو حَيْوَةَ "وَلا يُسْألُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، فالمَعْنى: ولا يُسْألُ إبْصارُهُ؛ لِأنَّ كُلَّ مُجْرِمٍ لَهُ سِيما يَعْرِفُ بِها، وكَذَلِكَ كَلُّ مُؤْمِنٍ لَهُ سِيما خَيْرٍ، وقِيلَ: المَعْنى: لا يُسْألُ عن أعْمالِهِ وذُنُوبِهِ لِيُؤْخَذَ بِها ولَيُّهُ ووِزْرُهُ.
و"يُبَصَّرُونَهُمْ"- عَلى هَذِهِ القِراءَةِ قِيلَ: مَعْناهُ: في النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: في المَحْشَرِ يُبَصَّرُ المُجْرِمُ حَمِيمَهُ ثُمَّ يَفِرُّ عنهُ لِشَغْلِهِ بِنَفْسِهِ، تَقُولُ: بَصَرُ فُلانٍ بِالشَيْءِ وبَصَّرْتُهُ بِهِ: أرَيْتُهُ إيّاهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إذا بَصَرَتْكَ البَيْداءَ فاسْرِي ∗∗∗ وأمّا الآنَ فاقْتَصِدِي وقَيْلِي وقَرَأ قَتادَةُ: "يُبَصِّرُونَهُمْ" بِسُكُونِ الباءِ وكَسَرَ الصادَ خَفِيفَةً، وقالَ مُجاهِدٌ: "يُبَصَّرُونَهُمْ" مَعْناهُ:يُبْصِرُ المُؤْمِنُونَ الكُفّارُ في النارِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الكُفّارُ مَن أضَلَّهم في النارِ عِبْرَةً وإشْفاقًا عَلَيْهِمْ وخِزْيًا لَهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يُبَصَّرُونَهم يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ﴾ ﴿ وَصاحِبَتِهِ وأخِيهِ ﴾ ﴿ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ ﴾ ﴿ وَمَن في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ ﴾ ﴿ كَلا إنَّها لَظى ﴾ ﴿ نَزّاعَةً لِلشَّوى ﴾ ﴿ تَدْعُو مَن أدْبَرَ وتَوَلّى ﴾ ﴿ وَجَمَعَ فَأوعى ﴾ ﴿ إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴾ ﴿ إذا مَسَّهُ الشَرُّ جَزُوعًا ﴾ ﴿ وَإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا ﴾ ﴿ إلا المُصَلِّينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ﴾ المُجْرِمُ -فِي هَذِهِ الآيَةِ-: الكافِرُ بِدَلِيلِ شِدَّةِ الوَعْدِ وذَكَرَ "لَظى"، وقَدْ يَدْخَلُ مُجْرِمٌ المَعاصِي فِيما ذَكَرَ مِنَ الِابْتِداءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَوْمَئِذٍ" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ الأعْرَجُ بِفَتْحِها، ومِن حَيْثُ أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ جازَ فِيهِ الوَجْهانِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "مِن عَذابٍ" مَنَّوْنا "يَوْمَئِذٍ" مَفْتُوحُ المِيمِ، و"الصاحِبَةِ": هُنا-: الزَوْجَةُ.
و"الفَصِيلَةُ"- في هَذِهِ الآيَةِ-: قُرابَةَ الرَجُلِ الأدْنَوْنَ، مِثالُ ذَلِكَ بَنُو هاشِمٍ مَعَ النَبِيِّ ، والفَصِيلَةُ في كَلامِ العَرَبِ أيْضًا: الزَوْجَةُ، ولَكِنَّ ذِكْرَ "الصاحِبَةِ" في هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يُبْقِ في مَعْنى الفَصِيلَةِ إلّا الوَجْهُ الَّذِي ذَكَرْناهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يُنْجِيهِ" الفاعِلُ هو الفِداءُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "لَوْ يَفْتَدِي"، فَهو المُتَقَدِّمُ الذِكْرِ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "تُؤْوِيهِ" و"تُنْجِيهِ" بِرَفْعِ الهاءَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا إنَّها لَظى ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ وما ودُّوهُ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، ثُمَّ ابْتَدَأ الإخْبارَ عن "لَظى" وهي طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ، وفي هَذا اللَفْظِ تَعْظِيمٌ لِأمْرِها وهَوْلِها.
وقَرَأ السَبْعَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ، والناسُ: "نَزّاعَةٌ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ: "نَزّاعَةً" بِالنَصْبِ، فالرَفْعُ عَلى أنْ يَكُونَ "لَظى" بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ المَنصُوبِ "وَنَزّاعَةٌ" خَبَرِ "إنَّ"، أو عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأِ، أيْ: هي نَزّاعَةٌ، أو عَلى أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "إنَّها" لِلْقِصَّةِ و"لَظى" ابْتِداءٌ، و"نَزّاعَةٌ" خَبَرٍ، أو عَلى أنْ يَكُونَ "لَظى" خَبَرُ "إنَّ" و"نَزّاعَةً" بَدَلًا مِن لَظى، أو عَلى أنْ يَكُونَ "لَظى" خَبَرًا و"نَزّاعَةٌ" خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وقالَ الزَجّاجُ: "نَزّاعَةٌ"، رَفَعَ بِمَعْنى المَدْحِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو القَوْلُ بِأنَّها خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: هي نَزّاعَةٌ؛ لِأنَّهُ إذا تَضَمَّنَ الكَلامُ مَعْنى المَدْحِ أوِ الذَمِّ جازَ لَكَ القَطْعُ رَفْعًا بِإضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أو نَصْبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ.
ومَن قَرَأ بِالنَصْبِ فَذَلِكَ إمّا عَلى مَدْحِ "لَظى" كَما قُلْنا، وإمّا عَلى الحالِ مِن "لَظى" لِما فِيها مِن مَعْنى التَلَظِّي، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: كَلّا، إنَّها النارُ تَتَلَظّى نَزّاعَةً، قالَ الزَجّاجُ: فَهي حالٌ مُؤَكَّدَةٌ.
و"الشَوى" جِلْدُ الإنْسانِ، وقِيلَ: جِلْدُ الرَأْسِ والهامَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لَهُ ∗∗∗ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ ورَواهُ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ "سَراتُهُ" فَلا شاهِدَ في البَيْتِ عَلى هَذِهِ الرِوايَةِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَقُولُ: "اقْشَعَرَّتْ شَواتِي".
والشَوى أيْضًا قَوائِمُ الحَيَوانِ، ومِنهُ "عَبْلُ الشَوى"، الشَوى أيْضًا كُلُّ عُضْوٍ لَيْسَ بِمَقْتَلٍ، ومِنهُ "رَمى فَأشْوى" إذا لَمْ يُصِبِ المَقْتَلَ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الشَوى العَصَبُ والعَقِبُ، فَنارُ "لَظى" تَذْهَبُ هَذا مِنَ ابْنِ آدَمَ وتَنْزِعُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَدْعُو مَن أدْبَرَ وتَوَلّى ﴾ يُرِيدُ الكُفّارَ، واخْتَلَفَ الناسُ في دُعائِها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: هو حَقِيقَةٌ، تَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ، وقالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: هي عِبارَةٌ عن حِرْصِها عَلَيْهِمْ واسْتِدْنائِها لَهم وما تَوَقَّعَهُ مِن عَذابِها، وقالَ ثَعْلَبٌ: "تَدْعُوا" مَعْناهُ: تَهْلَكُ، تَقُولُ العَرَبُ: "دَعاكَ اللهُ" أيْ أهْلَكَكَ، وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنِ العَرَبِ.
و"أوَعْى" مَعْناهُ: جَعَلَهُ في الأوعِيَةِ، تَقُولُ: وعَيْتُ العِلْمَ وأُوعَيْتُ المالَ والمَتاعَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: الخَيْرُ يَبْقى وإنْ طالَ الزَمانُ بِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ والشَرُّ أخْبَثُ ما أوعَيْتَ مِن زادِ وهَذِهِ إشارَةُ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ جَعَلُوا جَمْعَ المالِ وكَدَّ أمْرِهِمْ ومَعْنى حَياتِهِمْ، فَجَمَعُوهُ مِن غَيْرِ حَلٍّ، ومَنَعُوهُ مِن حُقُوقِ اللهِ تَعالى، وكانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حَكِيمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ: سَمِعْتُ اللهَ تَعالى يَقُولُ: "وَجَمَعَ فَأوعى".
وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّ الإنْسانَ" عُمُومُ لِاسْمِ الجِنْسِ، لَكِنَّ الإشارَةَ هُنا إلى الكُفّارِ لِأنَّ الأمْرَ فِيهِمْ وكِيدٌ كَثِيرٌ، و"الهَلَعُ" فَزَعٌ واضْطِرابٌ يَعْتَرِي الإنْسانَ عِنْدَ المَخاوِفِ وعِنْدَ المَطامِعِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "شَرُّ ما في الإنْسانِ شُحٌّ هالِعٌ وجُبْنٌ خالِعٌ"،» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا المُصَلِّينَ" ﴾ مَعْناهُ: إلّا المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أمْرُ الآخِرَةِ أوكَدُ عَلَيْهِمْ مِن أمْرِ الدُنْيا، والمَعْنى: إنَّ هَذا المَعْنى فِيهِمْ يَقِلُّ لِأنَّهم يُجاهِدُونَ بِالتَقْوى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَلى صَلاتِهِمْ" بِالإفْرادِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "عَلى صَلَواتِهِمْ" بِالجَمْعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "دائِمُونَ"، قالَ الجُمْهُورُ: المَعْنى: مُرابِطُونَ قائِمُونَ لا يَخْلُونَ في وقْتٍ مِنَ الأوقاتِ بِها فَيَتْرُكُونَها، وهَذا في المَكْتُوبَةِ، وأمّا النافِلَةُ فالدَوامُ عَلَيْها الإكْثارُ مِنها بِحَسَبِ الطاقَةِ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أحَبُّ العَمَل إلى اللهِ ما داوَمَ عَلَيْهِ صاحِبُهُ"،» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الدَوامُ: صَلاتُها لِوَقْتِها، وتَرْكُها كُفْرٌ، وقالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ: "دائِمُونَ": يَقْرَءُونَ في صَلاتِهِمْ ولا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا، ومِنهُ الماءُ الدائِمُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ﴾ ﴿ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ ﴾ ﴿ والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِينِ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴾ ﴿ إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ﴾ ﴿ إلا عَلى أزْواجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ ﴿ فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ ﴾ قالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ، وقَوْمٌ: "الحَقُّ المَعْلُومُ" هي الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: هَذِهِ الآيَةُ في الحُقُوقِ الَّتِي سِوى الزَكاةِ، وهي ما نَدَبَتِ الشَرِيعَةُ إلَيْهِ مِنَ المُواساةِ، وقَدْ قالَ ابْنُ عُمَرَ، والثَعْلَبِيُّ، ومُجاهِدٌ، وكَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ في المالِ حَقًّا سِوى الزَكاةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الأصَحُّ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ وفَرْضُ الزَكاةِ وبَيانُها إنَّما كانَ بِالمَدِينَةِ.
و"السائِلُ": المُتَكَفِّفُ، "والمَحْرُومُ": الَّذِي قَدْ ثَبَتَ فَقْرُهُ ولَمْ تَنْجَحْ سِعايَتُهُ لِدُنْياهُ، قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: هو الَّذِي لا يَكادُ يَتَيَسَّرُ لَهُ مَكْسَبُهُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: المَحْرُومُ مَنِ احْتَرَقَ زَرَعَهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: المَحْرُومُ مَن ماتَتْ ماشِيَتِهِ.
وهَذِهِ أنْواع الحِرْمانِ، لا أنَّ الِاسْمَ يَسْتَلْزِمُ هَذا خاصَّةً.
وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المَحْرُومُ: الكَلْبُ، أرادَ، واللهُ أعْلَمُ، أنْ يُعْطِيَ مِثالًا مِنَ الحَيَوانِ ذِي الكَبِدِ الرَطْبَةِ لِما فِيهِ مِنَ الأجْرِ حَسَبَ الحَدِيثِ المَأْثُورِ، وقالَ الشَعْبِيُّ: أعْيانِي أنْ أعْلَمَ ما المَحْرُومُ، وحَكى عنهُ النَقّاشُ أنَّهُ قالَ وهو ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةً سَألْتُ عنهُ وأنا غُلامٌ فَما وجَدْتُ شِفاءً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَرْحَمُ اللهُ الشَعْبِيَّ فَإنَّهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ مَحْرُومٌ، ولَوْ أخَذَهُ اسْمُ جِنْسِ فِيمَن عَسَرَتْ مَطالِبُهُ بِأنَّ لَهُ، وإنَّما كانَ يَطْلُبُهُ نَوْعًا مَخْصُوصًا كالسائِلِ.
و"يَوْمَ الدِينِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَوْمُ المُجازاةِ، والدِينُ: الجَزاءُ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: "كَما تَدِينُ تُدانُ".
ومِنهُ قَوْلُ الفَنَدِ الزَمانِيِّ: ولَمْ يَبْقَ سِوى العُدْوا ∗∗∗ نِ دِنّاهم كَما دانُوا و"الإشْفاقُ" الخَوْفُ مِن أمْرٍ يُتَوَقَّعُ؛ لِأنَّ نَيْلَ عَذابِ اللهِ لِلْمُؤْمِنِينَ مُتَوَقَّعٌ، والأكْثَرُ ناجٍ بِحَمْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، لَكِنَّ عَذابَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لا يَأْمَنُهُ إلّا مَن لا بَصِيرَةَ لَهُ.
وُ"الفُرُوجُ" في هَذِهِ الآيَةِ هي الفُرُوجُ المَعْرُوفَةُ، والمَعْنى: "يَحْفَظُونَها" مِنَ الزِنى، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: أرادَ فَرُوجَ الثِيابِ، وإلى مَعْنى الوَطْءِ يَعُودُ، ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى الوَطْءَ الَّذِي أباحَهُ الشَرْعُ في الزَوْجاتِ والمَمْلُوكاتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا عَلى أزْواجِهِمْ ﴾ ، حَسَنٌ دُخُولُ "عَلى" في هَذا المَوْضُوعِ قَوْلُهُ تَعالى: "غَيْرُ مَلُومِينَ"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إلّا أنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ عَلى أزْواجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ابْتَغى" مَعْناهُ: طَلَبَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "وَراءَ ذَلِكَ" مَعْناهُ: سِوى ما ذَكَرَ، كَأنَّهُ أمْرٌ قَدْ حُدَّ فِيهِ حَدٌّ فَمَن طَلَبَ بُغْيَتَهُ وراءَ الحَدِّ فَهو كَمُسْتَقْبَلٍ حُدَّ في الأجْرامِ وهو يَتَعَدّى وراءَهُ أيْ: خَلْفَهُ، و"العادُونَ": الَّذِينَ يَتَجاوَزُونَ حُدُودَ الأشْياءِ الَّتِي لَها حُدُودٌ، كانَ ذَلِكَ في الأجْرامِ أو في المَعْنى.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ ﴾ ﴿ فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ ﴾ ﴿ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِمالِ عِزِينَ ﴾ ﴿ أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ﴾ ﴿ كَلا إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ ﴾ "الأماناتُ" جَمْعُ أمانَةٍ، وجَمَعَها لِأنَّها تَكُونُ مُتَنَوِّعَةً مِن حَيْثُ هي في الأمْوالِ والأسْرارِ، وفِيما بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ فِيما أمَرَهُ ونَهاهُ عنهُ، قالَ الحَسَنُ: الدِينُ كُلُّهُ أمانَةٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ: "لِأمانَتِهِمْ" بِالإفْرادِ، و"العَهْدُ": كُلُّ ما تَقَلَّدَهُ الإنْسانُ مِن قَوْلٍ أو فِعْلٍ أو مَوَدَّةٍ، إذا كانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ عَلى طَرِيقِ البَرِّ فَهو عَهْدٌ يَنْبَغِي رَعْيُهُ وحِفْظُهُ، وقَدْ قالَ النَبِيُّ : « "حَسَنُ العَهْدِ مِنَ الإيمانِ".» و"راعُونَ" جَمْعُ راعٍ أيْ: حافِظٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ ﴾ مَعْناهُ -فِي قَوْلِ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ- أنَّهم يَحْفَظُونَ ما يَشْهَدُونَ فِيهِ ويَتَيَقَّنُونَهُ ويَقُومُونَ بِمَعانِيهِ حَتّى لا يَكُونَ لَهم فِيهِ تَقْصِيرٌ، وهَذا هو وصْفٌ مِن تَمْثِيلِ قَوْلِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ « "عَلى مِثْلِ الشَمْسِ فاشْهَدْ"،» وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: الَّذِينَ إذا كانَتْ عِنْدَهم شَهادَةٌ ورَأوا حَقًّا يَدْرُسُ، أو حُرْمَةً لِلَّهِ تَعالى تُنْتَهَكُ قامُوا بِشَهادَتِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: شَهادَتُهم في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "خَيْرُ الشُهَداءِ الَّذِي يَأْتِي بِشَهادَتِهِ قَبْلَ أنْ يَسْألَها".» واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى هَذا الحَدِيثِ بِحَسَبِ المَعْنَيَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا في الآيَةِ: إحْداهُما أنْ يَكُونَ يَحْفَظُهُما مُتْقَنَةٌ فَيَأْتِي بِها ولا يَحْتاجُ أنْ يُسْتَفْهَمَ عن شَيْءٍ مِنها ولا أنْ يُعارِضَ، والثانِي إذا ما رَأى حَقًّا يَعْمَلُ بِخِلافِهِ وعِنْدَهُ في إحْياءِ الحَقِّ شَهادَةٌ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "سَيَأْتِي قَوْمٌ يُخَوَّنُونَ ولا يُؤْتَمَنُونَ، ويَشْهَدُونَ ولا يُسْتَشْهَدُونَ، ويَظْهَرُ فِيهِمُ السِمَنُ"،» واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى هَذا الحَدِيثِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هم قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ يَتَعَرَّضُونَ ويَحْرِصُونَ عَلى وضْعِ أسْمائِهِمْ في وثائِقِ الناسِ، ويَنْصِبُونَ لِذَلِكَ الحَبائِلَ مِن زِيٍّ وهَيْئَةٍ، وهم غَيْرُ عُدُولٍ في أنْفُسِهِمْ، فَيَغُرُّونَ بِذَلِكَ ويَضُرُّونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا في ابْتِداءِ الشَهادَةِ لا في أدائِها، ويَجِيءُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "وَلا يُسْتَشْهَدُونَ"،» أيْ: وهم غَيْرُ أهْلِ لِذَلِكَ.
وقالَ آخَرُونَ مِنَ العُلَماءِ: هم شُهُودُ الزُورِ، يُؤَدُّونَها والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ لَمْ يُشْهِدْهم ولا الآخَرُ.
وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ: "بِشَهاداتِهِمْ" عَلى الجَمْعِ، وهي قِراءَةُ عَبْدِ الرَحْمَنِ، والباقُونَ "بِشَهادَتِهِمْ" عَلى الإفْرادِ الَّذِي هو اسْمُ الجِنْسِ.
و"المُحافَظَةُ عَلى الصَلاةِ" إقامَتُها في أوقاتِها بِشُرُوطِ صِحَّتِها وكَمالِها، وقالَ ابنُ جُرَيْجٍ: يَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ التَطَوُّعُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ ﴾ الآيَةُ.
نَزَلَتْ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ كانَ يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ أحْيانًا ويَقْرَأُ القُرْآنَ، فَكانَ كَثِيرٌ مِنَ الكُفّارِ يَقُومُونَ مِن مَجالِسِهِمْ مُسْرِعِينَ إلَيْهِ يَتَسَمَّعُونَ قِراءَتَهُ، ويَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: شاعِرٌ وكاهِنٌ ومُفْتَرٍ وغَيْرُ ذَلِكَ.
و"قِبَلَكَ" مَعْناهُ: فِيما يَلِيكَ، و"المُهْطِعُ" الَّذِي يَمْشِي مُسْرِعًا إلى شيءٍ قَدْ أقْبَلَ عَلَيْهِ بِبَصَرِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا يَطْرِفُ.
وَ"عِزِينَ" جَمْعُ عِزَّةٍ، قالَ بَعْضُ النُحاةِ: أصْلُها عِزْوَةٌ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ، أصْلُها عِزْهَةٌ وجُمِعَتْ بِالواوِ والنُونِ عِوَضًا مِمّا انْحَذَفَ مِنها نَحْوُ سَنَةٍ وسُنُونَ، ومَعْنى العِزَّةِ: الجَمْعُ اليَسِيرُ، فَكَأنَّهم قالُوا: ثَلاثَةً ثَلاثَةً، وأرْبَعَةً أرْبَعَةً، ومِنهُ قَوْلُ الراعِي: أخَلِيفَةُ الرَحْمَنِ إنَّ عَشِيرَتِي ∗∗∗ أمْسى سُراتُهم إلَيْكَ عِزِينا وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خَرَجَ النَبِيُّ عَلى أصْحابِهِ وهم حِلَقٌ مُتَفَرِّقُونَ فَقالَ: "ما لِي أراكم عِزِينَ"؟» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ﴾ نَزَلَتْ لِأنَّ بَعْضَ الكُفّارِ قالَتْ: إنْ كانَتْ ثَمَّ آخِرَةً وجَنَّةً فَنَحْنُ أهْلُها وفِيها؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُنْعِمْ عَلَيْنا في الدُنْيا بِالمالِ والبَنِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ إلّا لِرِضاهُ عَنّا.
وقَرَأ السَبْعَةُ، والحَسَنُ، والجُمْهُورُ: "يَدْخُلُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو رَجاءٍ وطَلْحَةُ: "يَدْخُلُ" بِفَتْحِ وضَمِّ الخاءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ وطَمَعِهِمْ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن خَلْقِهِمْ مِن نُطْفَةٍ قَذِرَةٍ، فَأحالَ في العِبارَةِ عنها إلى عِلْمِ الناسِ، أيْ: مِن خُلِقَ مِن ذَلِكَ فَلَيْسَ بِنَفْسِ خَلْقِهِ يُعْطى الجَنَّةَ، بَلْ بِالأعْمالِ الصالِحَةِ إنْ كانَتْ، وقالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِها: إنَّما خُلِقْتَ مِن قَذَرٍ يا ابْنَ آدَمَ فاتَّقِ اللهَ تَعالى، وقالَ أنَسٌ: كانَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ إذا خَطَبَنا ذَكَرَ مَناتِنَ ابْنِ آدَمَ، ومُرُورَهُ في مَجْرى البَوْلِ مَرَّتَيْنِ، وكَوْنَهُ نُطْفَةً في الرَحِمِ ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً إلى أنْ يَخْرُجَ فَيَتَلَوَّثَ في نَجَساتِهِ طِفْلًا، فَلا يُقْلِعُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ حَتّى يَقْذِرَ أحَدُنا نَفْسَهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ ﴾ ﴿ عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ ﴿ فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا كَأنَّهم إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ﴾ ﴿ خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلا أُقْسِمُ" وذَلِكَ عَلى أنْ تَكُونَ "لا" زائِدَةً، أو تَكُونُ رَدًّا لِفِعْلِ الكَفّارِ وقَوْلِهِمْ، ثُمَّ يَقَعُ الِابْتِداءُ بِالقَسَمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "فَلَأُقْسِمُ" دُونَ ألِفٍ مُفْرَدَةٍ.
و"المَشارِقُ والمَغارِبُ" هي مَطالِعُ الشَمْسِ والقَمَرِ وسائِرِ الكَواكِبِ وحَيْثُ تَغْرُبُ لِأنَّها مُخْتَلِفَةٌ عِنْدَ التَفْضِيلِ، فَلِذَلِكَ جَمَعَ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "بِرَبِّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" عَلى الإفْرادِ، ومَتى ورَدَ "المَشْرِقُ والمَغْرِبُ عَلى الإفْرادِ فَهي عِبارَةٌ عن مَوْضِعِ الشُرُوقِ ومَوْضِعِ الغُرُوبِ بِجُمْلَتِهِ وإنْ كانَ يَتَفَصَّلُ، ومَتى ورَدَ المَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ فَهي عِبارَةٌ عن طَرَفَيْ مَوْضِعِ الشُرُوقِ وطَرَفَيْ مَوْضِعِ الغُرُوبِ.
وأقْسَمَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِمَخْلُوقاتِهِ عَلى إيجابِ قُدْرَتِهِ عَلى أنَّ تُبْدَلَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ العالَمِ، وأنَّهُ لا يَسْبِقُهُ شَيْءٌ إلى إرادَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَرْهم يَخُوضُوا ﴾ الآيَةُ وعِيدٌ، وما فِيهِ مِن مَعْنى المُهادَنَةِ فَمَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ: "يُلْقُوا" بِغَيْرِ ألِفٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ.
و"يَوْمَ يُخْرَجُونَ" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَهُمُ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَخْرُجُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ، ورَوى أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: ضَمَّ الياءِ وفَتْحِ الراءِ.
و"الأجْداثِ": القُبُورُ.
و"النَصْبُ": ما نُصِبَ لِلْإنْسانِ فَهو يَقْصِدُ مُسْرِعًا إلَيْهِ مِن عِلْمٍ أو بِناءٍ أو صَنَمٍ لِأهْلِ الأصْنامِ، وقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمالُ هَذا الِاسْمِ في الأصْنامِ حَتّى قِيلَ لَها: الأنْصابُ، ويُقالُ لِشَبَكَةِ الصائِدِ: نُصُبٌ، وقالَ أبُو العالِيَةِ "إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ" مَعْناهُ: إلى غاياتٍ يَسْتَبِقُونَ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "نَصَبَ" بِفَتْحِ النُونِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٍ، وشَيْبَةَ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْرَجِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ -بِخِلافٍ عنهُما-: "نُصُبٍ" بِضَمِّ النُونِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "نُصُبٍ" بِضَمِّ النُونِ والصادِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ عن أبِي العالِيَةِ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وأبِي رَجاءٍ.
وقَرَأ مُجاهِدٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ "نَصَبٍ" بِفَتْحِ النُونِ والصادِ.
و"يُوفِضُونَ" مَعْناهُ: يُسْرِعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: لَأنْعِتَنَّ نَعامَةً مِيفاضًا ∗∗∗ خَرْجاءَ ظَلَّتْ تَطْلُبُ الإضاضا و"خاشِعَةً" نُصِبَ عَلى الحالِ ومَعْناهُ: ذَلِيلَةً مُنْكَسِرَةً، و"تَرْهَقُهُمْ" مَعْناهُ: تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ وتَلِحُّ وتَضِيقُ نُفُوسُهُمْ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ "المُرْهَقُ"، مِنَ السادَةِ بِحَوائِجِ الناسِ، و"المُرْهَقُ"، بِالدِينِ، "وَخُلِقَ فِيها رَهَقٌ"، أيْ: إسْراعٌ إلى الناسِ، و"سَيْفُ فُلانٍ فِيهِ رَهَقٌ"، ومِنهُ "مُراهِقَةُ الأحْلامِ"، و"إرْهاقُ الصَلاةِ" أيْ: مُزاحَمَةُ وقْتِها.
تَمَّ تَفْسِيرُ [سُورَةِ المَعارِجِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ