الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة نوح
تفسيرُ سورةِ نوح كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 24 دقيقة قراءةبِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ نُوحٍ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: قالَ رَسُولُ اللهِ : « "مَن قَرَأ سُورَةَ نُوحٍ كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تُدْرِكُهم دَعْوَةُ نُوحٍ".» قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ قالَ يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ أنِ اعْبُدُوا اللهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ ﴾ ﴿ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ أجَلٍ اللهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ هو نُوحُ بْنُ لامَكَ، وقَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ وذِكْرُ عُمْرِهِ ، وصُرِفَ "نُوحٌ" مَعَ عُجْمَتِهِ وتَعْرِيفِهِ لِخِفَّتِهِ وسُكُونِ الوَسَطِ مِن حُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ ﴾ ، يُحْتَمَلُ بِأنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: بِأنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ، وهي -عَلى هَذا- في مَوْضِعِ نَصْبٍ عِنْدَ قَوْمٍ مِنَ النُحاةِ، وفي مَوْضِعِ خَفْضٍ عِنْدَ آخَرِينَ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "إلى قَوْمِهِ أنْذِرْ قَوْمَكَ" دُونَ "أنْ"، و"العَذابُ الَّذِي تَوَعَّدُوا بِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَذابَ الدُنْيا، وهو الأظْهَرُ والألْيَقُ بِما يَأْتِي بَعْدُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَذابَ الآخِرَةِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "أنِ اعْبُدُوا"، بِضَمِّ النُونِ مِن "أنْ" اتِّباعًا لِضَمَّةِ الباءِ وتَرْكًا لِمُراعاةِ الحائِلِ لِخِفَّةِ السُكُونِ، فَهو كَأنْ لَيْسَ ثَمَّ حائِلٌ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وأبُو عَمْرٍو، وفي رِوايَةِ عَبْدِ الوارِثِ، "أنِ اعْبُدُوا" بِكَسْرِ النُونِ، وهَذا هو الأصْلُ في التِقاءِ الساكِنَيْنِ مِن كَلِمَتَيْنِ، ويَغْفِرْ جَوابُ الأمْرِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "مِن ذُنُوبِكُمْ" قالَ قَوْمٌ "مِن" زائِدَةٌ، وهَذا نَحْوٌ كُوفِيٌّ، وأمّا الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ فَلا يَجُوزُ عِنْدَهُما زِيادَتُها في الواجِبِ، وقالَ قَوْمٌ: هي لِبَيانِ الجِنْسِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لَيْسَ هُنا جِنْسٌ يُبَيِّنُ، وقالَ آخَرُونَ: هي بِمَعْنى "عن"، وهَذا غَيْرُ مَعْرُوفٍ في أحْكامِ "مِن"، وقالَ آخَرُونَ: هي لِابْتِداءِ الغايَةِ، وهَذا قَوْلٌ يَتَّجِهُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: يَبْتَدِئُ الغُفْرانَ مِن هَذِهِ الذُنُوبِ العِظامِ الَّتِي لَهُمْ، وقالَ آخَرُونَ: هي لِلتَّبْعِيضِ، وهَذا عِنْدِي أبْيَنُ الأقْوالِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَوْ قالَ: "يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكُمْ" لَعَمَّ هَذا اللَفْظُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الذُنُوبِ وما تَأخَّرَ عن إيمانِهِمْ، والإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلُهُ، فَهي بَعْضٌ مِن ذُنُوبِهِمْ، فالمَعْنى: يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكُمْ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: أرادَ: يَغْفِرُ لَكم مِن ذُنُوبِكُمُ المُهِمِّ المَوْبِقِ الكَبِيرِ؛ لِأنَّهُ أهَمُّ عَلَيْهِمْ، وبِهِ رُبَّما كانَ اليَأْسُ عَنِ اللهِ قَدْ وقَعَ لَهُمْ، وهَذا قَوْلٌ مُضَمِّنُهُ أنْ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، والله تَعالى المُوَفِّقُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "يَغْفِرْ لَكُمْ" بِالإدْغامِ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ ؛ لِأنَّ الراءَ حَرْفٌ مُكَرَّرٌ فَإذا أُدْغِمَ في اللامِ ذَهَبَ التَكْرِيرُ واخْتَلَّ المَسْمُوعُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ مِمّا تَعَلَّلَتِ المُعْتَزِلَةُ بِهِ في قَوْلِهِمْ: "إنَّ لِلْإنْسانِ أجَلَيْنِ"، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: لَوْ كانَ واحِدًا مُحَدَّدًا لَما صَحَّ التَأْخِيرُ إنْ كانَ الحَدُّ قَدْ بَلَغَ، ولا المُعاجَلَةُ إنْ كانَ الحَدُّ لَمْ يَبْلُغْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ لَهم في الآيَةِ تَعَلُّقٌ؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ، لَمْ يَعْلَمْ هَلْ هم مِمَّنْ يُؤَخِّرُ أو مِمَّنْ يُعاجِلُ، ولا قالَ لَهم إنَّكم تُؤَخِّرُونَ عن أجْلٍ قَدْ حانَ لَكُمْ، لَكِنْ قَدْ سَبَقَ في الأزَلِ أنَّهم إمّا مِمَّنْ قَضى لَهم بِالإيمانِ والتَأْخِيرِ، وإمّا مِمَّنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ والمُعاجَلَةِ، ثُمَّ تَشَدَّدَ هَذا المَعْنى ولاحَ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ أجَلَ اللهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ ﴾ .
.
وقَدْ حَكى مَكِّيٌّ القَوْلَ بِالأجَلَيْنِ ولَمْ يُقَدِّرْهُ قَدْرَهُ.
وجَوابُ "لَوْ" مُقَدَّرٌ يَقْتَضِيهِ المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ: فَما كانَ أحْزَمَكم وأسْرَعَكم إلى التَوْبَةِ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا ونَهارًا ﴾ ﴿ فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلا فِرارًا ﴾ ﴿ وَإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهم جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا ﴾ ﴿ ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا ﴾ ﴿ ثُمَّ إنِّي أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا ﴾ ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا ﴾ ﴿ يُرْسِلِ السَماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ﴾ هَذِهِ المَقالَةُ قالَها نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ بَعْدَ أنْ طالَ عُمْرُهُ وتَحَقَّقَ اليَأْسُ عن قَوْمِهِ، وقَوْلُهُ: "لَيْلًا ونَهارًا" عِبارَةٌ عَنِ اسْتِمْرارِ دُعائِهِ وأنَّهُ لِمَ يَنِ فِيهِ قَطُّ.
ويُرْوى عن قَتادَةَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يَجِيئُهُ الرَجُلُ مِن قَوْمِهِ بِابْنِهِ فَيَقُولُ لِابْنِهِ: يا بُنَيَّ احْذَرْ هَذا الرَجُلَ فَإنَّ أبِي حَذَّرَنِي إيّاهُ ويَقُولُ لَهُ إنَّهُ مَجْنُونٌ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "دُعائِي" بِالهَمْزِ وفَتَحِ الياءِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِسُكُونِ الياءِ دُونَ هَمْزٍ، ورَوى شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: بِنَصْبِ الياءِ دُونَ هَمْزٍ مِثْلَ "هُدايَ"، وقَرَأ عاصِمٌ أيْضًا ويَعْقُوبُ، وسَلامٌ بِهَمْزٍ وياءٍ ساكِنَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ مَعْناهُ: لِيُؤْمِنُوا فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ الغُفْرانِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عن إعْراضِهِمْ وشَدَّةَ رَفْضِهِمْ لِأقْوالِهِ ودُعائِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ ﴾ ، ومَعْناهُ: جَعَلُوها أغْطِيَةً عَلى رُءُوسِهِمْ.
و"الإصْرارُ": الثُبُوتُ عَلى مُعْتَقَدٍ ما، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في الذُنُوبِ.
ثُمَّ كَرَّرَ صِفَةَ دُعائِهِ لَهم بَيانًا وتَوْكِيدًا، و"جِهارًا" يُرِيدُ عَلانِيَةً في المَحافِلِ، و"الإسْرارُ" ما كانَ مِن دُعائِهِ الأفْرادُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَلى انْفِرادٍ، وهَذا غايَةُ الجِدِّ.
وقَوْلُهُ: ﴿ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ﴾ ...
﴿ يُرْسِلِ السَماءَ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ الِاسْتِغْفارَ سَبَبٌ لِنُزُولِ المَطَرِ في كُلِّ أُمَّةٍ، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ اسْتَسْقى بِالناسِ فَلَمْ يَزِدْ عَلى أنِ اسْتَغْفَرَ ساعَةً ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقالَ لَهُ قَوْمٌ: ما رَأيْناكَ اسْتَسْقَيْتَ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: واللهِ لَقَدِ اسْتَنْزَلْتُ المَطَرَ بِمَجادِيحِ السَماءِ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وشَكا رَجُلٌ إلى الحَسَنِ الجَدْبَ فَقالَ لَهُ: اسْتَغْفِرِ اللهَ، وشَكا إلَيْهِ آخَرُ الفَقْرَ فَقالَ لَهُ: اسْتَغْفِرِ اللهَ سُبْحانَهُ، وقالَ لَهُ آخَرُ: ادْعُ اللهَ تَعالى أنْ يَرْزُقَنِي ولَدًا، فَقالَ لَهُ: اسْتَغْفِرِ اللهَ تَعالى، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَنَزَعَ بِهَذِهِ الآيَةِ.
والِاسْتِغْفارُ الَّذِي أحالَ عَلَيْهِ الحَسَنُ لَيْسَ هو عِنْدِي لَفْظُ الِاسْتِغْفارِ فَقَطْ، بَلِ الإخْلاصُ والصِدْقُ في الأقْوالِ والأعْمالِ، وكَذَلِكَ كانَ اسْتِغْفارُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
ورُوِيَ أنَّ قَوْمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ قَدْ أصابَتْهم قُحُوطٌ وأزْمَةٌ فَلِذَلِكَ بَدَأهم في وعْدِهِ بِأمْرِ المَطَرِ ثُمَّ ثَنى بِالأمْوالِ والبَنِينِ، قالَ قَتادَةُ: لِأنَّهم كانُوا أهْلَ حُبٍّ لِلدُّنْيا وتَعْظِيمٍ لِأمْرِها، فاسْتَدْعاهُمُ اللهُ تَعالى إلى الآخِرَةِ مِنَ الطَرِيقِ الَّتِي يُحِبُّونَها.
و"مِدْرارًا" مِفْعالًا مِن "الدَرِّ" كَمِذْكارٍ ومِيقاتٍ، وهَذا البِناءُ لا تَلْحَقُهُ هاءُ التَأْنِيثِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا ﴾ ﴿ ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا ﴾ ﴿ وَقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا ﴾ ﴿ ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ﴾ ﴿ وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَمْسَ سِراجًا ﴾ ﴿ واللهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ ﴿ ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ويُخْرِجُكم إخْراجًا ﴾ ﴿ واللهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا ﴾ ﴿ لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلا فِجاجًا ﴾ وعَدَهم بِالأمْوالِ والبَنِينِ والجَنّاتِ والأنْهارِ لِمَكانِ حُبِّهِمْ لِلدُّنْيا، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عن نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا ﴾ ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: تَخافُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِي: إذا لَسَعَتْهُ النَحْلُ لَمْ يَرُجْ لَسْعَها ∗∗∗ وخالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَوامِلِ قالُوا: و"الوَقارُ" العَظْمَةُ والسُلْطانُ، فَكَأنَّ الكَلامَ -عَلى هَذا- وعِيدٌ وتَخْوِيفٌ.
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: "تَرْجُونَ" عَلى بابِها في الرَجاءِ، وكَأنَّهُ قالَ: ما لَكَمَ لا تَجْعَلُونَ رَجاءَكم لِلَّهِ تَعالى ولَلِقائِهِ، و"وَقارًا" ويَكُونُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مِنهُمْ، كَأنَّهُ يَقُولُ: تُؤَدَةُ مِنكم وتَمَكُّنًا في النَظَرِ؛ لِأنَّ الكُفْرَ مُضَمِّنُهُ الخِفَّةُ والطَيْشُ ورُكُوبُ الرَأْسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: هي إشارَةٌ إلى التَدْرِيجِ الَّذِي لِلْإنْسانِ في بَطْنِ أُمِّهِ مِنَ النُطْفَةِ والعَلَقَةِ والمُضْغَةِ، وقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ: هي إشارَةٌ إلى العِبْرَةِ في اخْتِلافِ ألْوانِ الناسِ وخَلْقِهِمْ ومِلَلِهِمْ، و"الأطْوارُ": الأحْوالُ المُخْتَلِفَةُ، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ: فَإنْ أفاقَ فَقَدْ طارَتْ عَمايَتُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ والمَرْءُ يَخْلُقُ طَوْرًا بَعْدَ أطْوارِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ألَمْ تَرَوْا" بِالتاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالياءِ عَلى فِعْلِ الغائِبِ، و"طِباقًا" قِيلَ: هو مَصْدَرٌ، أيْ: مُطابَقَةً، جَعَلَ كُلَّ واحِدَةٍ طَبَقًا لِلْأُخْرى، ونَحْوُ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ............
∗∗∗ طَبَّقَ الأرْضَ تَحَرّى وتَدِرْ وقِيلَ هو جَمْعُ "طَبَقٍ"، وهو نَعْتٌ لِـ "سَبَّعَ"، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " "طِباقٍ" بِالخَفْضِ عَلى النَعْتِ لِـ "سَماواتٍ"، وقَوْلُهُ تَعالى: وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ ساغَ نورًا ساغَ ذَلِكَ لِأنَّ القَمَرَ مِن حَيْثُ هو في إحْداها فَهو في الجَمِيعِ، ويُرْوى أنَّ القَمَرَ في السَماءِ الدُنْيا، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: إنَّ الشَمْسَ والقَمَرَ أقَفاؤُهُما إلى الأرْضِ وإقْبالُ نُورِهِما وارْتِفاعُهُ في السَماءِ، وهَذا الَّذِي تَقْتَضِيهِ لَفْظَةُ السِراجِ، وقِيلَ: إنَّ الشَمْسَ في السَماءِ الخامِسَةِ، وقِيلَ: في الرابِعَةِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: هي في الشِتاءِ في الرابِعَةِ، وفي الصَيْفِ في السابِعَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ اسْتِعارَةٌ، مِن حَيْثُ أُخِذَ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ الأرْضِ ثُمَّ صارَ الجَمِيعُ نابتًا مِنهُ، وقَوْلُهُ: "نَباتًا" مَصْدَرٌ جارٍ عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ، والتَقْدِيرُ: فَنَبَتُّمْ نَباتًا، و"الإعادَةُ فِيها" هي بِالدَفْنِ فِيها الَّذِي هو عُرْفُ البَشَرِ، و"الإخْراجُ" هو البَعْثُ يَوْمَ القِيامَةِ لِمَوْقِفِ العَرْضِ والجَزاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِساطًا" يَقْتَضِي ظاهِرُهُ أنَّ الأرْضَ بَسِيطَةٌ كُرَوِيَّةٌ، واعْتِقادُ أحَدِ الأمْرَيْنِ غَيْرُ قادِحٍ في الشَرْعِ بِنَفْسِهِ اللهُمَّ إلّا أنْ يَتَرَكَّبَ عَلى القَوْلِ بِالكُرَوِيَّةِ نَظَرٌ فاسِدٌ، وأمّا اعْتِقادُ كَوْنِها بَسِيطَةً فَهو ظاهِرُ كِتابِ اللهِ تَعالى، وهو الَّذِي لا يَلْحَقُ عنهُ فَسادٌ البَتَّةَ، واسْتَدَلَّ ابْن مُجاهِدٍ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ بِماءِ البَحْرِ المُحِيطِ بِالمَعْمُورِ فَقالَ: لَوْ كانَتِ الأرْضُ كُرَوِيَّةً لَما اسْتَقَرَّ الماءُ عَلَيْها.
و"السُبُلُ": الطُرُقُ، و"الفِجاجُ": الواسِعَةُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلا خَسارًا ﴾ ﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا ﴾ ﴿ وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا ﴾ ﴿ وَقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا ولا تَزِدِ الظالِمِينَ إلا ضَلالا ﴾ ﴿ مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهم مِن دُونِ اللهِ أنْصارًا ﴾ المَعْنى: فَلَمّا لَمْ يُطِيعُوا ويَئِسَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ مِن إيمانِهِمْ قالَ نُوحٌ: رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي واتَّبَعُوا أشْرافَهم وغُواتَهُمْ، فَعَبَّرَ عنهم بِأنَّ أمْوالَهم وأولادَهم زادَتْهم خَسارًا، أيْ خُسْرانًا.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ونافِعٌ - في رِوايَةٍ خارِجَةٍ عنهُ-: "وَوُلْدُهُ" بِضَمِّ الواوِ وسُكُون اللامِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ الزُبَيْرِ، والحَسَنِ، والأعْرَجِ، والنَخْعِيِّ، ومُجاهِدٍ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "وَوَلَدُهُ" بِفَتْحِ الواوِ واللامِ وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ كَبُخْلٍ وبَخَلٍ، وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، وابْنِ وثّابٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وقَرَأ: "وَوِلْدُهُ" بِكَسْرِ الواوِ والجَحْدَرِيِّ، وزِرٍّ، والحَسَنِ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، وطَلْحَةَ، قالَ أبُو عَمْرٍو: "وُلْدٌ" بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللامِ: العَشِيرَةُ والقَوْمُ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ "الوُلْدُ" بِضَمِّ الواوِ جَمْعُ "الوَلَدِ" وذَلِكَ كَخَشَبٍ وخُشُبٍ، وقَدْ قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: يا بَكْرَ آمِنَةَ المُبارَكِ ذِكْرُها ∗∗∗ مِن ولَدِ مُحْصَنَةٍ بِسَعْدِ الأسْعَدِ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كُبّارًا" بِشَدِّ الباءِ وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ نَحْوُ حَسّانَ، قالَ عِيسى: هي لُغَةٌ يَمانِيَةٌ، وعَلَيْها قَوْلُ الشاعِرِ: والمَرْءُ يَلْحَقُهُ بِفِتْيانِ النَدى ∗∗∗ ∗∗∗ خَلْقَ الكَرِيمِ ولَيْسَ بِالوَضّاءِ بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعِيسى ابْنُ عُمَرَ: "كُبارًا" بِتَخْفِيفِ الباءِ، وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ إلّا أنَّهُ دُونَ الأوَّلِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، فِيما رَوى عنهُ أبُو الأُخْرِيطِ وهْبُ بْنُ واضِحٍ-: "كِبارًا" بِكَسْرِ الكافِ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو جَمْعٌ كَبِيرٌ، فَكَأنَّهُ جَعَلَ "مَكْرَ" مَكانَ ذُنُوبٍ وأفاعِيلَ ونَحْوِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ﴾ إخْبارٌ عن تَواصِيهِمْ بِأصْنامِهِمْ عَلى العُمُومِ، وما كانَ مِنها مَشْهُورُ المَكانَةِ، وما كانَ مِنها يَخْتَصُّ بِواحِدٍ مِنَ الناسِ، ثُمَّ أخَذُوا يَنُصُّونَ عَلى المَشْهُورِ مِنَ الأصْنامِ، وهَذِهِ الأصْنامُ رُوِيَ أنَّها أسْماءُ رِجالٍ صالِحِينَ كانُوا في صَدْرِ الدُنْيا، فَلَمّا ماتُوا صَوَّرَهم أهْلُ ذَلِكَ العَصْرِ مِن حَجَرٍ وقالُوا: نَنْظُرُ إلَيْها فَنَذْكُرُ أفْعالَهُمْ، فَهَلَكَ ذَلِكَ الجِيلُ وكَثُرَ تَعْظِيمُ الآخَرِ لِتِلْكَ الحِجارَةِ ثُمَّ كَذَلِكَ حَتّى عُبِدَتْ ثُمَّ انْتَقَلَتْ تِلْكَ الأصْنامُ بِأعْيانِها -وَقِيلَ: بَلِ الأسْماءُ فَقَطْ- إلى قَبائِلَ مِنَ العَرَبِ، فَكانَتْ "وُدُّ" في كَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ، وكانَتْ "سُواعُ" في هُذَيْلٍ، وكانَتْ "يَغُوثَ" في مُرادٍ، وكانَتْ "يَعُوقَ" في هَمَذانَ، وكانَتْ "نَسْرُ" في ذِي الكُلاعِ مِن حَمِيرٍ.
وَقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ -وَرُوِيَتْ عن عاصِمٍ -: "وُادٍ" بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ -بِخِلافٍ عَنِ الثَلاثَةِ-: "وَدًّا" بِفَتْحِ الواوِ، قالَ الشاعِرُ: حَيّاكَ ودَّ فَإنّا لا يَحِلُّ لَنا ∗∗∗ ∗∗∗ لَهْوُ النِساءِ وإنَّ الدِينَ قَدْ عَزَما فَيُقالُ: إنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ الصَنَمَ، ويُرْوى بِضَمِّ الواوِ وفَتْحِها.
وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَلا يَغُوثا ويَعُوقا" بِالصَرْفِ، وذَلِكَ وهم لِأنَّ التَعْرِيفَ لازِمٌ ووَزْنُ الفِعْلِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا ﴾ هو إخْبارُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ عنهُمْ، وهو مُنْقَطِعٌ مِمّا حَكاهُ عنهُمْ، والمَعْنى: قَدْ أضَلَّ هَؤُلاءِ القائِلُونَ كَثِيرًا مِنَ الناسِ والأتْباعِ والعَوامِّ، ثُمَّ دَعا عَلَيْهِمْ إلى اللهِ تَعالى بِألّا يَزِيدَهم إلّا ضَلالًا، وذَكَرَ الظالِمِينَ لِتَعُمَّ الدَعْوَةُ كُلَّ مَن جَرى مُجْراهم.
وقالَ الحَسَنُ -فِي كِتابِ النَقّاشِ -: أرادَ بِقَوْلِهِ: "وَقَدْ أضَلُّوا" الأصْنامُ المَذْكُورَةُ، وعَبَّرَ عنها بِضَمِيرِ مَن يَعْقِلُ مِن حَيْثُ يُعامِلُها جُمْهُورُ أهْلِها مُعامَلَةَ مَن يَعْقِلُ ويُسْنَدُ إلَيْها أفْعالُ العَقْلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا خَطِيئاتِهِمْ" ابْتِداءُ إخْبارٍ مِنَ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ، أيْ أنَّ دَعْوَةَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ أُجِيبَتْ فَآلَ أمْرُهم إلى هَذا، و"ما" في قَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا" زائِدَةٌ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: مِن خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا، وهي لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقَرَأ "مِمّا خَطِيئَتِهِمْ" عَلى الإفْرادِ الجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ، والحَسَنُ، وعِيسى، والأعْرَجُ، وقَتادَةُ -بِخِلافٍ عنهُمْ-: "مِمّا خَطاياهُمْ" عَلى تَكْسِيرِ الجَمْعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأُدْخِلُوا نارًا ﴾ يَعْنِي جَهَنَّمَ، وعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِفِعْلِ المُضِيِّ مِن حَيْثُ الأمْرُ مُتَحَقِّقٌ، وقِيلَ: أرادَ عَرْضَهم عَلى النارِ غُدُوًّا وعَشِيًّا عَبَّرَ عنهم بِالإدْخالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلَمْ يَجِدُوا" أيْ: لَمْ يَجِدِ المُغْرِقُونَ أحَدًا سِوى اللهِ تَعالى يَنْصُرُهم ويَصْرِفُ عنهم بَأْسَ اللهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا ﴾ ﴿ إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلا فاجِرًا كَفّارًا ﴾ ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ولا تَزِدِ الظالِمِينَ إلا تَبارًا ﴾ رُوِيَ عن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، والرَبِيعِ، وابْنِ زَيْدٍ، أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَدْعُ بِهَذِهِ الدَعْوَةِ إلّا بَعْدَ أنْ أخْرَجَ اللهُ تَعالى كُلَّ مُؤْمِنٍ مِن أصْلابِهِمْ، وأعْقَمَ أرْحامَ النِساءِ قَبْلَ العَذابِ بِسَبْعِينَ سَنَةٍ، قالَ قَتادَةُ وبَعْدَ أنْ أوحى إلَيْهِ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مَن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ، وقَدْ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ طامِعًا حَدَبًا عَلَيْهِمْ، وفي حَدِيثِ النَبِيِّ « "أنَّهُ رُبَّما ضَرَبَهُ ناسٌ مِنهم أحْيانًا حَتّى يُغْشى عَلَيْهِ فَإذا أفاقَ قالَ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ.» و"دَيّارٌ" أصْلُهُ دِيوارًا، وهو فَيْعالُ مِنَ الدَوَرانِ، أيْ مِن يَجِيءُ ويَذْهَبُ، يُقالُ مِنهُ: دَوّارُ ووَزْنُهُ فَعّالُ، ودِيارٌ ووَزْنُهُ فَيْعالُ وأصْلُهُ دِيوارُ، وهَذا كالقِوامِ والقِيامِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَلِوالِدِيَّ" وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "وَلِأبَوِيَّ"، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "وَلِوالِدِي" بِكَسْرِ الدالِ، يَخُصُّ أباهُ بِالدَعْوَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمْ يَكْفُرْ لِنُوحٍ أبٌ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ عَلَيْهِما السَلامُ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، والجَحْدَرِيُّ: "وَلِوَلَدَيَّ" بِفَتْحِ اللامِ وشَدِّ الياءِ مَفْتُوحَةً، وهي قِراءَةُ النَخْعِيِّ، يَخُصُّ بِالدُعاءِ ابْنَيْهِ، وبَيْتَهُ: المَسْجِدُ فِيما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بَيْتُهُ: شَرِيعَتُهُ ودِينُهُ، اسْتَعارَ لَهُما بَيْتًا، كَما يُقالُ: قُبَّةُ الإسْلامِ وفُسْطاطُ الدِينِ، وقِيلَ: أرادَ سَفِينَتَهُ، وقِيلَ دارَهُ، وقَوْلُهُ: "وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ" تَعْمِيمٌ بِالدُعاءِ لِمُؤْمِنِي كُلِّ أُمَّةٍ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ الَّذِي اسْتَجابَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ فَأُغْرِقَ بِدَعْوَتِهِ أهْلُ الأرْضِ الكَفّارُ لِجَدِيرٌ أنْ يَسْتَجِيبَ لَهُ فَيَرْحَمُ بِدَعْوَتِهِ المُؤْمِنِينَ.
و"التَبارُ" الهَلاكُ وذَهابُ الرَسْمِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ، وهُشامٌ وأبُو قُرَّةَ عن نافِعٍ: "بَيْتِي" بِتَحْرِيكِ الياءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِها.
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [نُوحٍ ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ