المحرر الوجيز سورة الجن

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الجن

تفسيرُ سورةِ الجن كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 35 دقيقة قراءة

تفسير سورة الجن كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌۭ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًۭا ١ يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًۭا ٢ وَأَنَّهُۥ تَعَـٰلَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَـٰحِبَةًۭ وَلَا وَلَدًۭا ٣ وَأَنَّهُۥ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطًۭا ٤ وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا ٥

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الجِنِّ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا ﴾ ﴿ يَهْدِي إلى الرُشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا ﴾ ﴿ وَأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا ﴾ ﴿ وَأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللهِ شَطَطًا ﴾ ﴿ وَأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللهِ كَذِبًا ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "قُلْ أُوحِي" مِن "أوحى يُوحِي"، وقَرَأ أبُو إياسٍ جَؤَيَّةَ بْنِ عائِذٍ: "قُلْ وحِيَ" مِن "وَحى وأوحى " و"أوحى" بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ العَجّاجُ: وحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتْ وقَرَأ أيْضًا جَؤَيَّةُ فِيما رَوى عنهُ الكِسائِيُّ -: "قُلْ أُحِيَ" أُبْدِلَتِ الواوُ هَمْزَةً كَما أبْدَلُوها في وِسادَةِ وإسادَةٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن عاصِمٍ أنَّهُ كانَ يَكْسِرُ كُلَّ ألِفٍ في السُورَةِ مِن "أنْ" و"إنَّهُ" إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ  ﴾ ، وحُكِيَ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ كانَ يَكْسِرُ مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا  ﴾ فَإنَّهُ كانَ يَفْتَحُ هَذِهِ وما بَعْدَها إلى آخِرِ السُورَةِ، فَعَلى ما حُكِيَ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الألِفَ مَكْسُورَةً في قَوْلِهِ تَعالى "إنَّهُ اسْتَمَعَ"، ولَيْسَ ما ذُكِرَ بِثابِتٍ.

وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ، وأبا عَمْرٍو فَتَحا أرْبَعَةَ أحْرُفٍ مِنَ السُورَةِ وكَسَرا غَيْرَ ذَلِكَ، ﴿ أنَّهُ اسْتَمَعَ ﴾ ، ﴿ وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا  ﴾ ، ﴿ وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ  ﴾ ، ﴿ وَأنَّهُ لَمّا قامَ  ﴾ -وَأنَّ نافِعًا وعاصِمًا -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والمُفَضَّلِ - وافَقا في الثَلاثَةِ وكَسَرا ﴿ وَأنَّهُ لَمّا قامَ  ﴾ مَعَ سائِرِ ما في السُورَةِ، وذَكَرَ أنَّ ابْنَ عامِرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيَّ كانُوا يَقْرَءُونَ كُلَّ ما في السُورَةِ بِالفَتْحِ إلّا ما جاءَ بَعْدَ قَوْلٍ أو فاءِ جَزاءٍ، وكَذَلِكَ حَفْصٌ عن عاصِمٍ، فَتَرَتَّبَ إجْماعُ القُرّاءِ عَلى فَتْحِ الألِفِ مِن "أنَّهُ اسْتَمَعَ"، و"أنْ لَوِ اسْتَقامُوا"، "وَأنَّ المَساجِدَ"، وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ عن عَلْقَمَةَ أنَّهُ كانَ يَفْتَحُ الألِفَ في السُورَةِ كُلِّها.

واخْتَلَفَ الناسُ في الفَتْحِ مِن هَذِهِ الألِفاتِ وفي الكَسْرِ اخْتِلافًا كَثِيرًا يَطُولُ حَصْرُهُ وتَقَصِّي مَعانِيهِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: أمّا الفَتْحُ فَعَلى "أُوحِيَ" فَهو كُلُّهُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وأمّا الكَسْرُ فَحِكايَةٌ وابْتِداءٌ وبَعْدَ القَوْلِ.

وهَؤُلاءِ النَفَرُ مِنَ الجِنِّ هُمُ الَّذِينَ صادَفُوا رَسُولَ اللهِ  يَقْرَأُ بِبَطْنِ نَخْلَةٍ في صَلاةِ الصُبْحِ وهو يُرِيدُ عُكاظَ، وقَدْ تَقَدَّمَ قِصَصَهم في سُورَةِ [الأحْقافِ] في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ  ﴾ ، وكانَ سَبَبُ ذَلِكَ حِراسَةَ السَماءِ مِنَ اسْتِراقِ السَمْعِ.

وقَوْل الجِنِّ: "إنّا سَمِعْنا" الآياتُ هو خِطابٌ مِنهم لِقَوْمِهِمُ الَّذِينَ تَوَلَّوْا إلَيْهِمْ مُنْذِرِينَ، و ﴿ قُرْآنًا عَجَبًا ﴾ مَعْناهُ: ذُو عَجَبٍ؛ لِأنَّ العَجَبَ يَقَعُ مِن سامِعِ القُرْآنِ لِبَراعَتِهِ وَفَصاحَتِهِ ومُضَمَّناتِهِ، ولَيْسَ نَفْسُ القُرْآنِ هو العَجَبُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إلى الرُشْدِ" بِضَمِّ الراءِ وسُكُونِ الشِينِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "إلى الرُشْدِ" بِفَتْحِ الراءِ والشِينِ، ومَن كَسَرَ الهَمْزَةَ مِن قَوْلِهِ تَعالى "وَإنَّهُ تَعالى" فَعَلى القَطْعِ، وتُعْطَفُ الجُمْلَةُ عَلى قَوْلِهِمْ: "إنّا سَمِعْنا"، ومَن فَتَحَ الألِفَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَأنَّهُ تَعالى" فَقَدِ اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلٍ ذَلِكَ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هي عَطْفٌ عَلى "أنَّهُ اسْتَمَعَ"، فَيَجِيءُ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: "وَأنَّهُ تَعالى" مِمّا أُمِرَ أنْ يَقُولَ إنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ، ولَيْسَ يَكُونُ مِن كَلامِ الجِنِّ، وفي هَذا قَلَقٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هي عَطْفٌ عَلى الضَمِيرِ في "بِهِ"، فَكَأنَّهم يَقُولُونَ فَآمَنّا بِهِ وبِأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا، وهَذا القَوْلُ أبْيَنُ في المَعْنى لَكِنَّ فِيهِ مِن جِهَةِ النَحْوِ العَطْفَ عَلى الضَمِيرِ المَخْفُوضِ دُونَ إعادَةِ الخافِضِ، وذَلِكَ لا يَحْسُنُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "جَدُّ رَبِّنا" بِفَتْحِ الجِيمِ وإضافَتِهِ إلى "الرَبِّ" تَعالى، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: عَظْمَتُهُ، ورُوِيَ عن أنَسٍ أنَّهُ قالَ: كانَ الرَجُلُ إذا قَرَأ [البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ ] جَدَّ في أعْيُنِنا، أيْ: عَظُمَ، وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، والحَسَنُ: جَدُّ رَبِّنا: غِناهُ، فَهَذا هو مِنَ الجِدِّ الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ  : « "وَلا يَنْفَعُ ذا الجِدِّ مِنك الجِدُّ"» وقالَ مُجاهِدٌ: ذَكَرَهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: جَلالُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَدْرُهُ وأمْرُهُ، وهَذا كُلُّهُ مُتَّجِهٌ لِأنَّ الجِدَّ هو حَظُّ المَجْدُودِ مِنَ الخَيْراتِ والأوصافِ الجَمِيلَةِ، فَجَدَّ اللهُ تَعالى هو الحَظُّ الأكْمَل مِنَ السُلْطانِ القاهِرِ والطَبَقاتِ العَلِيَّةِ والعَظْمَةِ، ومِن هَذا قالَ اليَهُودِيُّ حِينَ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ  المَدِينَةَ: "يا بَنِي قَيْلَةَ هَذا جَدُّكُمُ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ" أيْ: حَظُّكم مِنَ الخَيْراتِ وبَخْتُكُمْ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وأبُو جَعْفَرٍ الباقِرُ، وابْنُهُ جَعْفَرُ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لَيْسَ لِلَّهِ تَعالى جَدٌّ، وهَذِهِ مُقالَةُ قَوْمٍ جَهَلَةٍ مِنَ الجِنِّ جَعَلُوا اللهَ جِدًّا، أيْ أبا أبٍ، قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وقَوْلُهُمْ: ﴿ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا ﴾ يَدْفَعُهُ، وكَوْنُهم عَلى شَرِيعَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ فِيما رَوى- وفَهْمُهم لِلْقُرْآنِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنَ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ: "جَدى رَبِّنا" وهو الجَدْوى والنَفْعُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "جَدُّ رَبِّنا" بِفَتْحِ الجِيمِ وضَمِّ الدالِ وتَنْوِينِها ورَفْعِ الرَبِّ، كَأنَّهم يَقُولُونَ: تَعالى عَظِيمٌ هو رَبُّنا، و"رَبُّنا" بَدَلٌ، والجَدُّ: العَظِيمُ في اللُغَةِ، وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: "جُدُّ رَبِّنا" بِضَمِّ الجِيمِ، ومَعْناهُ: العَظِيمُ، حَكاهُ سِيبَوَيْهِ وأضافَهُ إلى "الرَبِّ" فَكَأنَّهُ قالَ: "عَظِيمُ رَبِّنا"، وهَذِهِ إضافَةُ تَجْرِيدٍ، يَرْفَعُ النُحاةَ هَذا الِاسْمُ إذا أُضِيفَتِ الصِفَةُ إلى المَوْصُوفِ، كَما تَقُولُ: "جاءَنِي كَرِيمُ زَيْدٍ" تُرِيدُ: زَيْدٌ الكَرِيمُ، ويَجْرِي مَجْرى هَذا عِنْدَ بَعْضِهِمْ قَوْلُ المُتَنَبِّي: ...........

عَظِيمُ المُلْكِ في المُقَلِ أرادَ: المُلْكَ العَظِيمَ، قالَ بَعْضُ النُحاةِ: وهَذا المِثالُ يَعْتَرِضُ بِأنَّهُ أضافَ إلى جِنْسٍ فِيهِ العَظِيمُ والحَقِيرُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ أيْضًا: "جَدًّا رَبُّنا" بِفَتْحِ الجِيمِ والدالِ وتَنْوِينِها ورَفْعِ "الرَبِّ" نُصِبَ "جِدًّا" عَلى التَمْيِيزِ كَما تَقُولُ "تَفَقَّأْتُ شَحْمًا وتَصَبَّبَتْ عَرَقًا"، وقَرَأ قَتادَةُ: "جِدًّا رَبِّنا" بِكَسْرِ الجِيمِ وشَدِّ الدالِ فَنَصَبَ "جَدًّا" عَلى الحالِ، ومَعْناهُ: حَقِيقَةٌ ومُتَمَكِّنًا، وهَذا مَعْنًى غَيْرُ الأوَّلِ، وقَرَأ أبُو الدَرْداءِ: "تَعالى ذِكْرُ رَبِّنا"، ورُوِيَ عنهُ " جَلالُ رَبِّنا".

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّهُ كانَ يَقُولُ ﴾ لا خِلافَ أنَّ هَذا قَوْلُ الجِنِّ، وكَسْرُ الألِفِ فِيهِ أبْيَنُ وفَتْحُها لا وجْهَ لَهُ إلّا اتِّباعُ العَطْفِ عَلى الضَمِيرِ، كَأنَّهم قالُوا: وآمَنّا الآنَ بِأنَّ سَفِيهُنا كانَ قَوْلُهُ عَلى اللهِ شَطَطًا، والسَفِيهُ المَذْكُورُ قالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو إبْلِيسٌ لَعَنَهُ اللهُ، وقالَ آخَرُونَ: هو اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ سَفِيهٍ مِنهُمْ، ولا مَحالَةَ أنَّ إبْلِيسَ صَدْرٌ في السُفَهاءِ، وهَذا القَوْلُ أحْسَنُ، و"الشَطَطُ": التَعَدِّي وتَجاوُزُ الحَدِّ بِقَوْلٍ أو بِفِعْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: أتَنْتَهُونَ؟

ولا يَنْهى ذَوِي شَطَطٍ ∗∗∗ كالطَعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَيْتُ والفَتْلُ وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأنّا ظَنَنّا" هو كَلامُ أُولَئِكَ النَفَرِ مِنَ الجِنِّ، لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وكَسْرُ الألِفِ فِيهِ أبْيَنُ، والمَعْنى: إنّا كُنّا نَظُنُّ قَبْلَ إيمانِنا أنَّ الأقْوالَ الَّتِي كُنّا نَسْمَعُ مِن إبْلِيسَ وغُواةِ الجِنِّ والإنْسِ في جِهَةِ الآلِهَةِ وما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ حَقٌّ ولَيْسَتْ بِكَذِبٍ؛ لِأنّا كُنّا نَظُنُّ بِهِمْ أنَّهم لا يَكْذِبُونَ عَلى اللهِ تَعالى ولا يَرْضَوْنَ ذَلِكَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَقُولُ" بِالتاءِ وضَمَّ القافَ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي بَكْرَةَ، ويَعْقُوبُ: "تَقَوَّلَ" بِفَتْحِ التاءِ والقافِ والواوِ مُشَدَّدَةً، والتَقَوُّلُ خاصٌّ بِالكَذِبِ، والقَوْلُ عامٌّ لَهُ ولِلصِّدْقِ ولَكِنَّ قَوْلَهُمْ: "كَذِبًا" يَرُدُّ القَوْلَ هُنا إلى مَعْنى التَقَوُّلِ.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالٌۭ مِّنَ ٱلْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍۢ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًۭا ٦ وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا۟ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَدًۭا ٧ وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَـٰهَا مُلِئَتْ حَرَسًۭا شَدِيدًۭا وَشُهُبًۭا ٨ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَـٰعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلْـَٔانَ يَجِدْ لَهُۥ شِهَابًۭا رَّصَدًۭا ٩ وَأَنَّا لَا نَدْرِىٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًۭا ١٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ فَزادُوهم رَهَقًا ﴾ ﴿ وَأنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أحَدًا ﴾ ﴿ وَأنّا لَمَسْنا السَماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا ﴾ ﴿ وَأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا ﴾ ﴿ وَأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا ﴾ هَذِهِ الألِفُ مِن "أنَّهُ" اخْتَلَفَ في فَتْحِها وكَسْرِها والكَسْرُ أوجَهُ، والمَعْنى في الآيَةِ ما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ في أسْفارِها وتُغْرِبُها في الرَعْيِ وغَيْرِهِ، فَإنَّ جُمْهُورَ المُفَسِّرِينَ رَوَوْا أنَّ الرَجُلَ كانَ إذا أرادَ المَبِيتَ والحُلُولَ في وادٍ صاحَ بِأعْلى صَوْتِهِ: يا عَزِيزُ هَذا الوادِي إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ السُفَهاءِ الَّذِينَ في طاعَتِكَ، فَيَعْتَقِدُ بِذَلِكَ أنَّ الجِنِّيَّ الَّذِي بِالوادِي يَمْنَعُهُ ويَحْمِيهِ، فَرُوِيَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ عِنْدَ ذَلِكَ: ما نَمْلِكُ لَكم ولِأنْفُسِنا مِنَ اللهِ شَيْئًا، قالَ مُقاتِلٌ: أوَّلُ مَن تَعَوَّذَ بِالجِنِّ قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ ثُمَّ بَنُو حَنِيفَةَ ثُمَّ فَشا ذَلِكَ في العَرَبِ، ورُوِيَ عن قَتادَةَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ لِذَلِكَ تَحْتَقِرُ بَنِي آدَمَ وتَزْدَرِيهِمْ لِما يُرْوى مِن جَهْلِهِمْ، فَكانُوا يَزِيدُونَهم مَخافَةً، ويَتَعَرَّضُونَ لِلتَّخَيُّلِ لَهم بِمُنْتَهى طاقاتِهِمْ، ويُغْوُونَهم في إرادَتِهِمْ لَمّا رَأوا رِقَّةَ أحْلامِهِمْ، فَهَذا هو الرَهَقُ الَّذِي زادَتْهُ الجِنُّ بِبَنِي آدَمَ، وقالَ مُجاهِدٌ، والنَخْعِيُّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: بَنُو آدَمَ زادُوا الجِنَّ رَهَقًا وهي الجُرْأةُ والِانْتِخاءُ عَلَيْهِمْ والطُغْيانُ وغَشَيانُ المَحارِمِ والإعْجابُ لِأنَّهم قالُوا: سُدْنا الجِنَّ والإنْسَ، وقَدْ فَسَّرَ قَوْمٌ الرَهَقَ بِالإثْمِ، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ بَيْتَ الأعْشى: لا شَيْءَ يَنْفَعُنِي مِن دُونِ رُؤْيَتِها ∗∗∗ هَلْ يَشْتَفِي وامِقُ ما لَمْ يُصِبْ رَهَقا؟

وقالَ مَعْناهُ: ما لَمْ يَغُشْ مُحْرَّمًا، فالمَعْنى: زادَتِ الجِنُّ الإنْسَ إثْمًا لِأنَّهم عَظَّمُوهم فَزادُوهُمُ اسْتِحْلالًا لِمَحارِمِ اللهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأنَّهم ظَنُّوا" يُرِيدُ بَنِي آدَمَ الكُفّارَ، "كَما ظَنَنْتُمْ" مُخاطَبَةً لِقَوْمِهِمْ مِنَ الجِنِّ، وقَوْلُهُمْ: "أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أحَدًا" يُحْتَمَلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما بَعْثُ الحَشْرِ مِنَ القُبُورِ، والآخَرُ بَعْثُ آدَمِيٍّ رَسُولًا، وً"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ لَنْ يَبْعَثَ ﴾ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَقِيلَةِ، وهي تَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ تَأْوِيلًا أنَّ المَعْنى: وأنَّ الجِنَّ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الإنْسُ، فَهي مُخاطَبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى.

وقَوْلُهُمْ: "أنّا لَمَسْنا السَماءَ" مَعْناهُ: التَمَسْنا، ويَظْهَرُ بِمُقْتَضى كَلامِ العَرَبِ أنَّها اسْتِعارَةٌ لِتَجْرِيبِهِمْ أمْرَها وتَعَرُّضِهِمْ لَها، فَسُمِّيَ ذَلِكَ لَمْسًا إذْ كانَ اللَمْسُ غايَةَ غَرَضِهِمْ، ونَحْوُ هَذا قَوْلُالمُتَنَبِّي: تَعَدَّ القُرى والمِسْ بِنا الجَيْشَ لَمْسَةً ∗∗∗ ∗∗∗ نُبادِرْ إلى ما تَشْتَهِي يَدُكَ اليُمْنى فَعَبَّرَ عن صَدْمِ الجَيْشِ بِالجَيْشِ وحَرْبِهِ بِاللَمْسِ، وهَذا كَما تَقُولُ: "المِسْ فُلانًا في أمْرِ كَذا" أيْ: جَرِّبْ مَذْهَبَهُ فِيهِ، و"مُلِئَتْ" إمّا أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثانِي لِـ "وَجَدْنا"، وإمّا أنْ يَقْصُرَ الفِعْلُ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ ويَكُونُ "مُلِئَتْ" في مَوْضِعِ الحالِ، وكانَ الأعْرَجُ يَقْرَأُ "مُلِيتَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، و"الشُهُبُ" كَواكِبُ الرَجْمِ، و"الحَرَسُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الرَمْيَ بِالشُهُبِ وكَرَّرَ المَعْنى بِلَفْظٍ مُخْتَلِفٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المَلائِكَةَ.

و"مَقاعِدَ" جَمْعُ مُقْعَدٍ، وقَدْ «فَسَّرَ رَسُولُ اللهِ  صُورَةَ قُعُودِ الجِنِّ أنَّهم كانُوا واحِدًا فَوْقَ واحِدٍ، فَمَتى أحْرَقَ الأعْلى طَلَعَ الَّذِي تَحْتَهُ مَكانَهُ، فَكانُوا يَسْتَرِقُونَ الكَلِمَةَ فَيُبَلِّغُونَها إلى الكُهّانِ ويَزِيدُونَ مَعَها، ويَزِيدُ الكُهّانُ لِلْكَلِمَةِ مِائَةَ كِذْبَةٍ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ ﴾ الآيَةُ...

قَطَعَ عَلى أنَّ كُلَّ مَنِ اسْتَمَعَ الآنَ أحْرَقَهُ شِهابٌ، فَلَيْسَ هُنا بَعْدَ سَمْعٍ، إنَّما الإحْراقُ عِنْدَ الِاسْتِماعِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الرَجْمَ كانَ في الجاهِلِيَّةِ ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِمُسْتَأْصِلٍ، وكانَ الحَرَسُ ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَدِيدًا، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ اشْتَدَّ الأمْرُ حَتّى لَمْ يَكُنْ فِيهِ يَسِيرٌ ولا سَماحَةٌ، ويَدُلُّ عَلى هَذا «قَوْلُ النَبِيِّ  لِأصْحابِهِ وقَدْ رَأوا كَوْكَبًا راجِمًا: "ماذا كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهَذا في الجاهِلِيَّةِ؟" قالُوا: كُنّا نَقُولُ: ولَدُ مَلَكٍ ماتَ مَلَكٌ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ"، ثُمَّ وصَفَ صُعُودَ الجِنِّ.» وَقَدْ قالَ عَوْفُ بْنُ الخَرْعِ -وَهُوَ جاهِلِيٌّ-: فانْقَضَّ كالدُرِّيِّ يَتْبَعُهُ ∗∗∗ نَقْعٌ يَثُورُ تَخالُهُ طَنْبًا وهَذا في أشْعارِهِمْ كَثِيرٌ.

و"رَصَدًا" نَعْتٌ لِلشِّهابِ، ووَصَفَهُ بِالمَصْدَرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ ﴾ الآيَةُ...

مَعْناهُ: لا نَدْرِي، أيُؤْمِنُ الناسُ بِهَذا النَبِيِّ فَيُرْشِدُوا أمْ يَكْفُرُونَ بِهِ فَيَنْزِلُ بِهِمُ الشَرُّ؟

<div class="verse-tafsir"

وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّـٰلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَ ۖ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَدًۭا ١١ وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُۥ هَرَبًۭا ١٢ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰٓ ءَامَنَّا بِهِۦ ۖ فَمَن يُؤْمِنۢ بِرَبِّهِۦ فَلَا يَخَافُ بَخْسًۭا وَلَا رَهَقًۭا ١٣ وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ ۖ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ تَحَرَّوْا۟ رَشَدًۭا ١٤ وَأَمَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ فَكَانُوا۟ لِجَهَنَّمَ حَطَبًۭا ١٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأنّا مِنّا الصالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا ﴾ ﴿ وَأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ في الأرْضِ ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا ﴾ ﴿ وَأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى آمَنّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا ﴾ ﴿ وَأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ﴾ ﴿ وَأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ﴾ هَذا كُلُّهُ مِن قَوْلِ الجِنِّ إلى آخِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَمِنّا دُونُ ذَلِكَ أيْ غَيْرُ الصالِحِينَ، كَأنَّهم قالُوا: ومِنّا قَوْمٌ أو فِرَقُةٌ دُونَ صالِحِينَ، وهى لَفْظَةٌ تَقَعُ أحْيانًا مَوْقِعَ "غَيْرَ"، و"الطَرائِقَ": السِيَرُ المُخْتَلِفَةُ، و"القِدَدُ" كَذَلِكَ هى الأشْياءُ المُخْتَلِفَةُ كَأنَّهُ قَدْ بَعَّضَها مِن بَعْضٍ وفَصَلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ: "طَرائِقَ قِدَدًا" أهْواءٌ مُخْتَلِفَةٌ، وقالَ غَيْرُهُمْ: فِرَقٌ مُخْتَلِفُونَ، قالَ الكُمَيْتُ: جَمَعْتُ بِالرَأْيِ مِنهم كُلَّ رافِضَةٍ ∗∗∗ إذْ هم طَرائِقُ في أهْوائِهِمْ قِدَدُ قَوْلُهُمْ: ﴿ وَأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ ﴾ ، الظَنُّ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، وهَذا إخْبارٌ مِنهم عن حالِهِمْ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِما سَمِعُوا مِن مُحَمَّدٍ  ، و"الهُدى" يُرِيدُونَ بِهِ القُرْآنَ، سَمُّوهُ هُدًى مِن حَيْثُ هو سَبَبُ الهُدى، و"البَخْسُ" نَقْصُ الحَسَناتِ، والرَهَقُ الزِيادَةُ في السَيِّئاتِ، وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "فَلا يَخَفْ" بِالجَزْمِ دُونَ ألِفٍ.

وقَسَّمَ اللهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ حالَ الناسِ في الآخِرَةِ عَلى نَحْوِ ما قَسَّمَ قائِلُ الجِنِّ فَقَوْلُهُ: ﴿ وَأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ ﴾ ، و"القاسِطُ": الظالِمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والناسُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: قَوْمٌ هم قَتَلُوا ابْنَ هِنْدٍ عنوَةً ∗∗∗ ∗∗∗ عُمْرًا وهم قَسَطُوا عَلى النُعْمانِ والمُقْسِطُ: العادِلُ، وإنَّما هَذا التَقْسِيمُ لِيَذْكُرَ حالَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ النَجاةِ والهَلَكَةِ، ويَرْغَبُ في الإسْلامِ مَن لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ، فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ "فَمَن أسْلَمَ" مُخاطَبَةً مِنَ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ  ، ويُؤَيِّدُهُ ما بَعْدَهُ مِنَ الآياتِ.

و"تَحَرَّوْا" مَعْناهُ: طَلَبُوا بِاجْتِهادِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "لا تَتَحَرَّوْا بِصَلاتِكم طُلُوعَ الشَمْسِ ولا غُرُوبَها".» وقَوْلُهُ تَعالى: (جَهَنَّمَ حَطَبًا ) نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ( وقُودُها الناسُ والحِجارَةُ ).

<div class="verse-tafsir"

وَأَلَّوِ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَـٰهُم مَّآءً غَدَقًۭا ١٦ لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِۦ يَسْلُكْهُ عَذَابًۭا صَعَدًۭا ١٧ وَأَنَّ ٱلْمَسَـٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا۟ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدًۭا ١٨ وَأَنَّهُۥ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا۟ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًۭا ١٩ قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُوا۟ رَبِّى وَلَآ أُشْرِكُ بِهِۦٓ أَحَدًۭا ٢٠ قُلْ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّۭا وَلَا رَشَدًۭا ٢١ قُلْ إِنِّى لَن يُجِيرَنِى مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌۭ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلْتَحَدًا ٢٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَرِيقَةِ لأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا ﴾ ﴿ لِنَفْتِنَهم فِيهِ ومَن يُعْرِضْ عن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا ﴾ ﴿ وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أحَدًا ﴾ ﴿ وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾ ﴿ قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا ﴾ ﴿ قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا ﴾ ﴿ قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أحَدٌ ولَنْ أجِدَ مِنَ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "اسْتَقامُوا".

قالَ أبُو مِجْلَزٍ، والفَرّاءُ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والضَحّاكُ -بِخِلافٍ عنهُ-: هو عائِدٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "مَن أسْلَمَ"، "الطَرِيقَةُ" طَرِيقَةُ الكُفْرِ، لَوْ كَفَرَ مَن أسْلَمَ مِنَ الناسِ لَأسْقَيْناهم ماءً إمْلاءً لَهم واسْتِدْراجًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "القاسِطِينَ"، والمَعْنى: عَلى طَرِيقَةِ الإسْلامِ والحَقِّ، وهَذا المَعْنى نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عنهم سَيِّئاتِهِمْ  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ  ﴾ ، وهَذا قَوْلٌ أبْيَنُ، لِأنَّ اسْتِعارَةَ الِاسْتِقامَةِ لِلْكُفْرِ قَلِقَةٌ.

وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا" بِضَمِّ الواوِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا تَشْبِيهٌ بِواوِ الجَماعَةِ ﴿ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى  ﴾ ، والماءُ الغَدَقُ هو الماءُ الكَثِيرُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "غَدَقًا" بِفَتْحِ الدالِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ الأعْمَشِ عنهُ- بِكَسْرِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: "لِنَفْتِنَهم فِيهِ" إنْ كانَ المُسْلِمُونَ فَمَعْناهُ: لِنَخْتَبِرَهُمْ، وإنْ كانَ القاسِطُونَ فَمَعْناهُ: لِنَمْتَحِنَهم ونَسْتَدْرِجَهُمْ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "حَيْثُ يَكُونُ الماءُ فَثَمَّ المالُ، وحَيْثُ المالُ فَثَمَّ الفِتْنَةُ"، ونَزَعَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وجَماعَةٌ مِنَ التابِعِينَ: كانَتِ الصَحابَةُ مُطِيعِينَ سامِعِينَ، فَلَمّا فَتُحِتْ كُنُوزُ كِسْرى وقَيْصَرَ وثَبَ بِعُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَقَتَلَ وثارَتِ الفِتَنُ.

و"يَسْلُكْهُ" مَعْناهُ: يَدْخُلْهُ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَسْلُكْهُ" بِفَتْحِ الياءِ أيْ: يَسْلُكُهُ اللهُ، وقَرَأ بَعْضُ التابِعِينَ "يُسْلِكُهُ" بِضَمِّ الياءِ، مِن أسْلَكَ، وهُما بِمَعْنًى، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ: "نَسْلُكُهُ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: "نَسْلُكُهُ" بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ ولامٍ مَكْسُورَةٍ، و"صَعَدًا" مَعْناهُ: شاقًّا، تَقُولُ: "فُلانٌ في صَعَدٍ مِن أمْرِهِ" أيْ في مَشَقَّةٍ، و"هَذا أمْرٌ يَتَصَعَّدُنِي"، وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ "ما تَصَعَّدَنِي شَيْءُ كَما تَتَصَعَّدَنِي خُطْبَةُ النِكاحِ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: صَعِدَ: جَبَلٌ في النارِ، وقَرَأ قَوْمٌ: "صُعُدًا" بِضَمِّ الصادِ والعَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الصادِ والعَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بِضَمِّ الصادِ وفَتْحِ العَيْنِ، قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: لا راحَةَ فِيهِ.

ومَن فَتَحَ الألِفَ مِن "وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ" جَعَلَها عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ  ﴾ ، ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ، و"المَساجِدَ" قِيلَ: أرادَ بِها البُيُوتَ الَّتِي هي لِلْعِبادَةِ والصَلاةِ في كُلِّ مِلَّةٍ، وقالَ الحَسَنُ: أرادَ كُلَّ مَوْضِعِ سَجَدَ فِيهِ، كانَ مَخْصُوصًا لِذَلِكَ أو لَمْ يَكُنْ؛ إذِ الأرْضُ كُلُّها مَسْجِدٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ تَغَلُّبِ قُرَيْشٍ عَلى الكَعْبَةِ حِينَئِذٍ، فَقِيلَ لِمُحَمَّدٍ  : المَواضِعُ كُلُّها لِلَّهِ تَعالى فاعْبُدْهُ حَيْثُ كانَ، وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: المَساجِدُ: الآرابُ الَّتِي يُسْجَدُ عَلَيْها، واحِدُها مَسْجَدٌ -بِفَتْحِ الجِيمِ-، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتِ الآيَةُ لِأنَّ الجِنَّ قالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ نَشْهَدُ الصَلاةَ مَعَكَ عَلى نَأْيِنا عنكَ؟

فَنَزَلَتِ الآيَةُ يُخاطِبُهم بِها عَلى مَعْنى: أنَّ عِبادَتَكم حَيْثُ كُنْتُمْ مَقْبُولَةٌ، وقالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: مَعْنى الآيَةِ: ولِأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا -أيْ لِهَذا السَبَبِ-، وكَذَلِكَ عِنْدَهُ "لِإيلافِ قُرَيْشٍ...

فَلْيَعْبُدُوا"، وكَذَلِكَ عِنْدَهُ ﴿ إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً  ﴾ والمَساجِدُ المَخْصُوصَةُ بَيِّنَةُ التَمَكُّنِ في كَوْنِها لِلَّهِ تَعالى فَيَصِحُّ أنَّ تُفْرَدَ لِلصَّلاةِ والدُعاءِ وقِراءَةِ العِلْمِ وكُلِّ ما هو خالِصٌ لِلَّهِ تَعالى، وألّا يَتَحَدَّثَ فِيها في أُمُورِ الدُنْيا، ولا يَتَّجِرُ، وتُتَّخَذُ طُرُقًا، ولا يُجْعَلُ فِيها لِغَيْرِ اللهِ نَصِيبٌ، ولَقَدْ قَعَدْتُ لِلْقَضاءِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في المَسْجِدِ الجامِعِ بِالمِرْيَةِ ثُمَّ رَأيْتُ فِيهِ مِن سُوءِ خُلُقِ المُتَخاصِمِينَ وصِياحِهِمْ وأيْمانِهِمْ وفُجُورِ الخِصامِ وغائِلَتِهِ ودُخُولِ النِسْوانِ ما رَأيْتُ تَنْزِيهَ البَيْتِ عنهُ فَقَطَعَتِ القُعُودُ لِلْأحْكامِ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِنَ اللهِ تَعالى ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنِ الجِنِّ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ -عَلى ما تَقَدَّمَ-: "وَأنَّهُ" بِفَتْحِ الألِفِ، وهَذا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "أنَّهُ اسْتَمَعَ"، و"العَبْدُ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، قالَ قَوْمٌ: هو نُوحٌ والضَمِيرُ في "كادُوا" لِلْجِنِّ، والمَعْنى أنَّهم كادُوا يَتَقَصَّفُونَ عَلَيْهِ لِاسْتِماعِ القُرْآنِ، وقَرَأ آخَرُونَ: "وَإنَّهُ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، و"العَبْدُ" مُحَمَّدٌ  ، والضَمِيرُ في "كادُوا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْجِنِّ عَلى المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِكُفّارِ قَوْمِهِ ولِلْعَرَبِ في اجْتِماعِهِمْ عَلى رَدِّ أمْرِهِ، ولا يَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ "العَبْدُ" نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ إلّا عَلى تَحامُلٍ في تَأْوِيلِ نَسَّقَ الآيَةُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مَعْنى الآيَةِ إنَّها قَوْلُ الجِنِّ لِقَوْمِهِمْ يَحْكُونَ، و"العَبْد" مُحَمَّد  ، والضَمِيرُ في "كادُوا" لِأصْحابِهِ الَّذِينَ يُطَوِّعُونَ لَهُ وَيَقْتَدُونَ بِهِ في الصَلاةِ، فَهم عَلَيْهِ لِبَدُ، واللُبَدُ الجَماعاتُ، شُبِّهَتْ بِالشَيْءِ المُتَلَبِّدِ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ بْنِ مَنافِ بْنِ رُبْعٍ: صابُوا بِسِتَّةِ أبْياتٍ وأرْبَعَةٍ....

حَتّى كَأنَّ عَلَيْهِمْ جانِيًا لَبَدا يُرِيدُ الجَرادَ، سَمّاهُ جانِيًا لِأنَّهُ يَجْنِي كُلَّ الأشْياءِ بِأكْمَلِهِ، [وَيُرْوى جابِيًا بِالباءِ لِأنَّهُ يَجْبِي الأشْياءَ بِأكْلِهِ].

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ السَبْعَةِ: "لَبَدا" بِكَسْرِ اللامِ، جَمْعُ لُبْدَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْوانًا، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ -بِخِلافٍ عنهُ- ومُجاهِدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "لَبَدا" بِضَمِّ اللامِ وتَخْفِيفِ الباءِ المَفْتُوحَةِ، وهو جَمْعٌ أيْضًا، ورُوِيَ عَنِ الجَحْدَرِيِّ "لُبُدًا" بِضَمِّ اللامِ والباءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "لِبَّدا" بِكَسْرِ اللامِ وشَدِّ الباءِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ بِخِلافٍ عنهُما-: "لُبَّدًا" بِضَمِّ اللامِ وشَدِّ الباءِ، وهو جَمْعُ "لابُدَ"، فَإنَّ قَدَّرْنا الضَمِيرَ لِلْجِنِّ فَبِتَقَصُّفِهِمْ عَلَيْهِ لِاسْتِماعِ الذِكْرِ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ والضَحّاكِ، وإنْ قَدَّرْناهُ لِلْكَفّارِ فَبِتَمالُئِهِمْ عَلَيْهِ وإقْبالِهِمْ عَلى أمْرِهِ بِالتَكْذِيبِ والرَدِّ، وهَذا تَأْوِيلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ.

و"يَدْعُوهُ" مَعْناهُ: يَعْبُدُهُ.

وقَرَأ عَلِيُّ بِنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "قالَ إنَّما أدْعُوا رَبِّي"، وهي قِراءَةُ جُمْهُورِ السَبْعَةِ، هو جَمْعٌ لا بُدَّ فَإنَّ قَدَّرْنا الضَمِيرَ لِلْجِنِّ فَتَقْصِفُهم عَلَيْهِ لِاسْتِماعِ الذِكْرِ، وهَذا تَأْوِيلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ وأدْعُوا مَعْناهُ أعْبُدُهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، وهَذِهِ قِراءَةٌ تُؤَيِّدُ أنَّ "العَبْدَ" هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وأيُّوبُ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ-: "قالَ إنَّما أدْعُوا"، وهَذِهِ تُؤَيِّدُ أنَّهُ مُحَمَّدٌ  ، وإنْ كانَ الِاحْتِمالُ باقِيًا مِن كِلَيْهِما، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في فَتْحِ الياءِ مِن "رَبِّي" وفي سُكُونِها.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى مُحَمَّدًا  بِالتَبَرِّي مِنَ القُدْرَةِ، وأنَّهُ لا يَمْلِكُ لِأحَدٍ ضَرًّا ولا رَشَدًا، بَلِ الأمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ تَعالى وقَرَأ الأعْرَجُ "رُشُدا" بِضَمِّ الراءِ والشِينِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "لا أمْلِكُ لَكم غَيًّا ولا رُشْدًا"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ أيْ: مِن عِنْدِ سِواهُ.

و"المُلْتَحَدُ": المَلْجَأُ الَّذِي يُمالُ إلَيْهِ ويَرْكَنُ، ومِنهُ الإلْحادُ والمَيْلُ، ومِنهُ اللَحْدُ الَّذِي يُمالُ بِهِ إلى أحَدِ شِقَّيِ القَبْرِ.

<div class="verse-tafsir"

إِلَّا بَلَـٰغًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَـٰلَـٰتِهِۦ ۚ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ٢٣ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوْا۟ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًۭا وَأَقَلُّ عَدَدًۭا ٢٤ قُلْ إِنْ أَدْرِىٓ أَقَرِيبٌۭ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُۥ رَبِّىٓ أَمَدًا ٢٥ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِۦٓ أَحَدًا ٢٦ إِلَّا مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍۢ فَإِنَّهُۥ يَسْلُكُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ رَصَدًۭا ٢٧ لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا۟ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًۢا ٢٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إلا بَلاغًا مِنَ اللهِ ورِسالاتِهِ ومَن يَعْصِ اللهِ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ﴾ ﴿ حَتّى إذا رَأوا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا ﴾ ﴿ قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا ﴾ ﴿ عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا ﴾ ﴿ إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مَنِ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا ﴾ ﴿ لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى "إلّا بَلاغًا"، فَقالَ الحَسَنُ ما مَعْناهُ: إنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أحَدٌ إلّا بَلاغًا، فَإنِّي إنْ بَلَغْتُ رَحِمَنِي بِذَلِكَ، والإجارَةُ لِلْبَلاغِ مُسْتَعارَةٌ إذْ هو سَبَبُ إجارَةِ اللهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: عَلى هَذا المَعْنى هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: لَنْ أجِدَ مُلْتَحَدًا إلّا بَلاغًا، أيْ: شَيْئًا أمِيلُ إلَيْهِ وأعْتَصِمُ بِهِ إلّا أنَّ أُبَلِّغَ وأُطِيعَ فَيُجِيرُنِي اللهُ.

وقالَ قَتادَةُ: التَقْدِيرُ: لا أمْلِكُ إلّا بَلاغًا فَأمّا الإيمانُ أوِ الكُفْرُ فَلا أمْلِكُهُ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "إلّا" بِتَقْدِيرِ الِانْفِصالِ، و"لَنْ" شَرْطٌ، و"لا" نافِيَةٌ، كَأنَّهُ يَقُولُ: ولَنْ أجِدَ مُلْتَحَدًا إنْ لَمْ أبْلُغْ مِنَ اللهِ ورِسالاتِهِ، و"مِنَ" في قَوْلِهِ.

"مِنَ اللهِ" لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَمَن يَعْصِ اللهَ ﴾ يُرِيدُ الكُفْرَ بِدَلِيلِ الخُلُودِ المَذْكُورِ، وقَرَأ طَلْحَةُ وابْنُ مُصَرِّفٍ: "فَإنَّ لَهُ" عَلى مَعْنى: فَجَزاؤُهُ أنَّ لَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا رَأوا ﴾ ، ساقَ الفِعْلَ في صِيغَةِ الماضِي تَحْقِيقًا لِوُقُوعِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مَن أضْعَفُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "مَن" في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ والِابْتِداءِ، و"أضْعَفُ" خَبَرُها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "مِن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِقَوْلِهِ: "فَسَيَعْلَمُونَ"، و"أضْعَفُ" خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ.

ثُمَّ أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالتَبَرِّي مِن مَعْرِفَةِ الغَيْبِ في وقْتِ عَذابِهِمُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ، و"الأمَدُ: المُدَّةُ والغايَةُ، و"عالِمُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن "رَبِّي"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ عَلى القَطْعِ، وقَرَأ السُدِّيُّ: "عالَمُ" عَلى الفِعْلِ الماضِي ونَصْبِ الباءِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "فَلا يَظْهَرُ" بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ "أحَدٌ" بِالرَفْعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ ﴾ مَعْناهُ: فَإنَّهُ يُظْهِرُهُ عَلى ما شاءَ مِمّا هو قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ، ثُمَّ يَبُثُّ اللهُ تَعالى حَوْلَ ذَلِكَ المَلَكِ الرَسُولِ حَفَظَةً رَصَدًا لِإبْلِيسَ وحِزْبِهِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لِيَعْلَمَ"، ﴾ قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ أنَّ الرُسُلَ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وحَفِظُوا ومَنَعَ مِنهُمْ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَعْناهُ: يَعْلَمُ مُحَمَّدٌ أنَّ المَلائِكَةَ الحَفَظَةَ الرُصَّدَ النازِلِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ- وخَلْفَهُ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ: لِيَعْلَمَ مَن كَذَبَ أوَ أنْكَرَ أنَّ الرُسُلَ قَدْ بَلَّغَتْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا العِلْمُ لا يَقَعُ لَهم إلّا في الآخِرَةِ.

وقِيلَ: المَعْنى: لِيَعْلَمَ اللهُ رُسُلَهُ مُبَلِّغِينَ خارِجِينَ إلى الوُجُودِ، لِأنَّ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ قَدْ تَقَدَّمَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيَعْلَمَ" بِفَتْحِ اللامِ أيْ: لِيَعْلَمَ اللهُ تَعالى، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "لِيُعْلَمَ" بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "رِسالَةَ رَبِّهِمْ" عَلى التَوْحِيدِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَأُحِيطَ" عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ﴾ مَعْناهُ: كُلُّ شَيْءٍ مَعْدُودٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ ﴾ الآيَةُ، مُضَمِّنُهُ أنَّهُ تَعالى قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ، فَعَلى هَذا الفِعْلِ المُضْمَرِ انْعَطَفَ "أحاطَ أحْصى"، واللهُ تَعالى المُرْشِدُ بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الجِنِّ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد