المحرر الوجيز سورة الإنسان

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الإنسان

تفسيرُ سورةِ الإنسان كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 35 دقيقة قراءة

تفسير سورة الإنسان كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ حِينٌۭ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْـًۭٔا مَّذْكُورًا ١ إِنَّا خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍۢ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًا ٢ إِنَّا هَدَيْنَـٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًۭا وَإِمَّا كَفُورًا ٣ إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ سَلَـٰسِلَا۟ وَأَغْلَـٰلًۭا وَسَعِيرًا ٤ إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍۢ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ٥ عَيْنًۭا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًۭا ٦

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الإنْسانِ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هي مَكِّيَّةٌ كُلُّها، وحَكى النَقّاشُ، والثَعْلَبِيُّ عن مُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةُ، وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: مِنها آيَةٌ مَكِّيَّةٌ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أو كَفُورًا  ﴾ ، والباقِي مَدَنِيٌّ، وأنَّها نَزَلَتْ في صَنِيعِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في إطْعامِهِ عَشاءَهُ وعَشاءَ أهْلِهِ ووَلَدِهِ لِمِسْكِينٍ لَيْلَةً، ثُمَّ لِيَتِيمٍ لَيْلَةً، ثُمَّ لِأسِيرٍ لَيْلَةً ثالِثَةً، مُتَوالِياتٍ، وقِيلَ نَزَلَتْ في صَنِيعِ ابْنِ الدَحْداحِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾ ﴿ إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ ﴿ إنّا هَدَيْناهُ السَبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا ﴾ ﴿ إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالا وسَعِيرًا ﴾ ﴿ إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا ﴾ ﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا ﴾ "هَلْ" في كَلامِ العَرَبِ قَدْ تَجِيءُ بِمَعْنى "قَدْ"، حَكاهُ سِيبَوَيْهِ، لَكِنَّها لا تَخْلُو مِن تَقْرِيرٍ، وبابُها المَشْهُورُ الِاسْتِفْهامُ المَحْضُ، والتَقْرِيرُ أحْيانًا، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي هُنا بِمَعْنى "قَدْ"، و"الإنْسانُ" يُرادُ بِهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، و"الحِينُ" هو المُدَّةُ الَّتِي بَقِيَ فِيها طِينًا قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُوحُ، أيْ أنَّهُ شَيْءٌ ولَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا مُنَوِّهًا بِهِ في العالَمِ وفي حالَةِ العَدَمِ المَحْضِ قَبْلَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا ولا مَذْكُورًا.

وقالَ أكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ: "هَلْ" تَقْرِيرٌ، و"الإنْسانُ" اسْمُ الجِنْسِ، أيْ: إذا تَأمَّلَ كُلُّ إنْسانٍ نَفْسَهُ عَلِمَ بِأنَّهُ قَدْ مَرَّ حِينٌ مِنَ الدَهْرِ عَظِيمٌ لَمْ يَكُنْ هو فِيهِ شَيْئًا مَذْكُورًا، أيْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، وقَدْ يُسَمّى المَوْجُودُ شَيْئًا فَهو مَذْكُورٌ بِهَذا الوَجْهِ، و"الحِينُ" هُنا: المُدَّةُ مِنَ الزَمَنِ غَيْرِ مَحْدُودَةٍ تَقَعُ على القَلِيلِ والكَثِيرِ، وإنَّما يُحْتاجُ إلى تَحْدِيدِ الحِينِ في الأيْمانِ، فَمَن حَلَفَ أنْ ألّا يُكَلِّمَ أخاهُ حِينًا، فَذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ الحِينَ سَنَةٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: سِتَّةُ أشْهُرٍ، والقَوِيُّ في هَذا أنَّ "الإنْسانَ" اسْمُ جِنْسٍ، وأنَّ الآيَةَ جُعِلَتْ عِبْرَةً لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ الناسِ لِيَعْلَمَ أنَّ الصانِعَ لَهُ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ ﴾ ، هو هُنا اسْمُ الجِنْسِ بِلا خِلافٍ لِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يُخْلَقْ مِن نُطْفَةٍ، و"أمْشاجٍ" مَعْناهُ: أخْلاطٌ، واحِدُها "مَشَجٌ" بِفَتْحِ المِيمِ والشِينِ، قالَهُ ابْنُ السِكِّيتِ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: "مَشْجٍ" مِثْلُ عَدْلٍ وأعْدالٍ، وقِيلَ: "مَشِيجٌ" مِثْلِ شَرِيفٍ وأشْرافٍ.

واخْتُلِفَ في المَقْصُودِ مِن "الخَلْطِ"، فَقِيلَ: هو أمْشاجُ ماءِ الرَجُلِ بِماءِ المَرْأةِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ حَدِيثًا، -وَهُوَ أيْضًا في بَعْضِ المُصَنَّفاتِ- «إنَّ عِظامَ ابْنِ آدَمَ وعَصْبَةً مِن ماءِ الرَجُلِ، ولَحْمَهُ وشَحْمَهُ مِن ماءِ المَرْأةِ،» وقِيلَ: هو اخْتِلاطُ أمْرِ الجَنِينِ بِالنَقْلِهِ مِنَ النُطْفَةِ إلى العَلَقَةِ إلى المُضْغَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَهو أمْرٌ مُخْتَلَطٌ، وقِيلَ: هو اخْتِلاطُ الدَمِ والبَلْغَمِ والسَوْداء والصَفْراء فِيهِ.

و"نَبْتَلِيهِ" مَعْناهُ: نَخْتَبِرُهُ بِالإيجادِ والكَوْنِ في الدُنْيا، وهو حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "خَلَقْنا"، كَأنَّهُ قالَ: مُخْتَبِرِينَ لَهُ بِذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَجَعَلْناهُ" عَطْفُ جُمْلَةٍ نِعَمٍ عَلى جُمْلَةِ نِعَمٍ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: إنَّما المَعْنى فَلَنَبْتَلِيهِ جَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، ثُمَّ تَرَتَّبَ اللَفْظُ مُؤَخَّرًا مُتَداخِلًا كَأنَّهُ قالَ: نَحْن نَبْتَلِيهِ فَلِذَلِكَ جَعَلْناهُ، والِابْتِلاءُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- هو بِالإسْماعِ والإبْصارِ لا بِالإيجادِ، ولَيْسَ "نَبْتَلِيهِ" حالًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: "إنّا هَدَيْناهُ السَبِيلَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ السَبِيلَ العامَّةَ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَذَلِكَ بِخَلْقِ الحَواسِّ ومَوْهِبَةِ الفِطْرَةِ ونَصْبِ الصَنْعَةِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، و"هَدَيْناهُ" -عَلى هَذا- بِمَعْنى أرْشَدْناهُ، كَما يُرْشَدُ الإنْسانُ إلى الطَرِيقِ ويُوقَفُ عَلَيْهِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالسَبِيلِ اسْمَ الجِنْسِ، أيْ: هَدى المُؤْمِنَ لِإيمانِهِ والكافِرَ لِكُفْرِهِ، فَـ "هَدَيْناهُ"- عَلى هَذا كَأنَّهُ بِمَعْنى أرَيْناهُ فَقَطْ ولَيْسَ الهُدى في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى خَلَقَ الهُدى والإيمانَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا ﴾ حالانِ وقَسَّمَتْها "إمّا".

قالَهُ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: وَقَرَأ أبُو العاجِ: "إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا" وأبُو العاجِ هو كُثَيِّرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ السِلْمِيُّ، شامِيٌّ، ولّى البَصْرَةَ لِهُشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ.

و"أعْتَدْنا" مَعْناهُ: أعْدَدْناهُ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "سَلاسِلًا" بِالصَرْفِ، وهَذا عَلى ما حَكاهُ الأخْفَشُ مِن لُغَةِ مَن يَصْرِفُ كُلَّ ما لا يُصْرَفُ إلّا أفْعَلُ، وهي لُغَةُ الشُعَراءِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى جَرى في كَلامِهِمْ، وقَدْ عَلَّلَ بِعِلَّةٍ وهي أنَّهُ لَمّا كانَ هَذا الضَرْبُ مِنَ الجُمُوعِ يَجْمَعُ لِشِبْهِ الآحادِ فَصُرِفَ، وذَلِكَ مِن شِبْهِ الآحادِ مَوْجُودٌ في قَوْلِهِمْ: "صَواحِبُ وصَواحِباتٌ"، وفي قَوْلِ الشاعِرِ: ............

نَواكِسِي الأبْصارِ بِالياءِ جَمْعُ "نَواكِسَ"، وهَذا الإجْراءُ في "سَلاسِلًا" و"قَوارِيرا" ثَبَتَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ ومُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ومُصْحَفِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ والكُوفَةِ والبَصْرَةِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: "سَلاسِلَ" عَلى تَرْكِ الصَرْفِ في الوَقْفِ والوَصْلِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ -فِيما رُوِيَ عنهُما-: "سَلاسِلَ" في الوَصْلِ و"سَلاسِلا" بِألْفٍ دُونِ تَنْوِينٍ في الوَقْفِ، ورَواهُ هِشامُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ ؛ لِأنَّ العَرَبَ مَن يَقُولُ: "رَأيْتُ عَمْرًا"، يَقِفُ بِألِفٍ، وأيْضًا فالوَقْفُ بِالألِفِ "سَلاسِلا" اتِّباعٌ لِخَطِّ المُصْحَفِ.

و"الأبْرارَ" جَمْعُ "بارٍّ" كَشاهِدٍ وأشْهادٍ، قالَ الحَسَنُ: هُمُ الَّذِينَ لا يُؤْذُونَ الذَرَّ ولا يَرْضَوْنَ الشَرَّ، و"الكَأْسُ": ما فِيهِ نَبِيذٌ ونَحْوُهُ مِمّا يُشْرَبُ بِهِ، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: ولا يُقالُ "كَأْسٌ" إلّا لِما فِيهِ نَبِيذٌ ونَحْوُهُ، ولا يُقالُ "ظَعِينَةٌ" إلّا إذا كانَ عَلَيْها امْرَأةٌ، ولا يُقالُ "مائِدَةٌ" إلّا وعَلَيْها طَعامٌ، وإلّا فَهو "خَوّانٌ".

و"المِزاجُ": ما تُمْزَجُ بِهِ الخُمُورُ ونَحْوُها، وهي أيْضًا مِزاجٌ لَهُ لِأنَّهُما تَمازَجا مِزاجًا، قالَ بَعْضُ الناسِ: المِزاجُ نَفْسُ الكافُورِ، وقالَ قَتادَةُ: قَوْمٌ يُمْزَجُ لَهم بِالكافُورِ وتُخْتَمُ بِالمِسْكِ، وقالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: إنَّ في الجَنَّةِ عَيْنٌ تُسَمّى كافُورًا، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إنَّما أرادَ كافُورًا في النَكْهَةِ والعُرْفِ كَما تَقُولُ إذا مَدَحْتَ طَعامًا: هَذا الطَعامُ مِسْكٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "عَيْنًا" قِيلَ: هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كافُورًا"، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: "يَشْرَبُونَ" أيْ يَشْرَبُونَ ماءَ هَذِهِ العَيْنِ مِن كَأْسٍ عَطِرَةٍ كالكافُورِ، وقِيلَ: نَصَبَ "عَيْنًا" عَلى المَدْحِ أو بِإضْمارِ "أعْنِي"، وقَوْلُهُ تَعالى: "يَشْرَبُ بِها" بِمَنزِلَةِ "يَشْرَبُها"، فالباءُ زائِدَةٌ، قالَ الهُذَلِيُّ: شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ.

∗∗∗...............

أيْ: شَرِبْنَ ماءَ البَحْرِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يَشْرَبُها عِبادُ اللهِ"، و"عِبادُ اللهِ" هُنا خُصُوصٌ في المُؤْمِنَيْنِ الناعِمِينَ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ عِبادُهُ.

"وَيُفَجِّرُونَها" مَعْناهُ: يَشُقُّونَها بِعُودِ قَصَبٍ ونَحْوِهِ حَيْثُ شاءُوا، فَهي تَجْرِي عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ مِنهُمْ، هَكَذا ورَدَ الأثَرُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: عَيْنٌ في دارِ النَبِيِّ  تُفَجَّرُ إلى دَوْرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ ودَوْرِ المُؤْمِنِينَ.

وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.

<div class="verse-tafsir"

يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًۭا كَانَ شَرُّهُۥ مُسْتَطِيرًۭا ٧ وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسْكِينًۭا وَيَتِيمًۭا وَأَسِيرًا ٨ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءًۭ وَلَا شُكُورًا ٩ إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًۭا قَمْطَرِيرًۭا ١٠ فَوَقَىٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ ٱلْيَوْمِ وَلَقَّىٰهُمْ نَضْرَةًۭ وَسُرُورًۭا ١١ وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُوا۟ جَنَّةًۭ وَحَرِيرًۭا ١٢ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ ۖ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًۭا وَلَا زَمْهَرِيرًۭا ١٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يُوفُونَ بِالنَذْرِ ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ﴾ ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا ﴾ ﴿ إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا ﴾ ﴿ إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ﴾ ﴿ فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا ﴾ ﴿ وَجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا ﴾ ﴿ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا ﴾ وصَفَ اللهُ تَعالى حالَ الأبْرارِ بِأنَّهم كانُوا يُوفُونَ بِالنَذْرِ، أيْ بِكُلِّ ما نَذَرُوهُ وأعْطَوْا بِهِ عَهْدًا، يُقالُ: وفى الرَجُلُ وأوفى، واليَوْمُ المُشارُ إلَيْهِ يَوْمُ القِيامَةِ، و"مُسْتَطِيرًا" مَعْناهُ: مُتَّصِلًا شائِعًا كاسْتِطارَةِ الفَجْرِ والصَدْعِ في الزَجّاجُةِ، وبِهِ شُبِّهَ في القَلْبِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: فَبانَتْ وقَدْ أورَثَتْ في الفُؤا دِ صَدْعًا- عَلى نَأْيِها مُسْتَطِيرًا وَقَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: أرادَ الطاعِنُونَ لِيَحْزِنُونِي فَهاجُوا ∗∗∗ صَدْعَ قَلْبِي فاسْتَطارا وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلى حُبِّهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى "الطَعامِ"، أيْ: وهو مَحْبُوبٌ لِلْفاقَةِ والحاجَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، أيْ: لِوَجْهِهِ وابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدَرانِيُّ، والأوَّلُ أمْدَحُ لَهم لِأنَّ فِيهِ الإيثارَ عَلى النَفْسِ، وعَلى الِاحْتِمالِ الثانِي فَقَدْ يَفْعَلُهُ الأغْنِياءُ أكْثَرَ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الإطْعامِ، أيْ مُحِقِّينَ في فِعْلِهِمْ ذَلِكَ، لا رِياءَ فِيهِ ولا تَكَلُّفَ.

و"المِسْكِينُ": الطَوّافُ المُنْكَشِفُ في السُؤالِ، و"اليَتِيمُ": الصَبِيُّ الَّذِي لا أب لَهُ مِنَ الناسِ، والَّذِي لا أُمَّ لَهُ مِنَ البَهائِمِ، وهي صِفَةٌ قَبْلَ البُلُوغِ، وقالَ النَبِيُّ  : « "لا يَتِمُّ بَعْدَ حُلْمٍ"،» و"الأسِيرُ" مَعْرُوفٌ، فَقالَ قَتادَةُ: أرادَ أسْرى الكُفّارِ وإنْ كانُوا عَلى غَيْرِ الإسْلامِ، قالَ الحَسَنُ: ما كانَ أسْراهم إلّا مُشْرِكِينَ، لِأنَّ كُلَّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرًا وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذا مِمّا نُسِخَ بِآيَةِ السَيْفِ، وإمّا أنَّهُ مُحْكَمٌ لِيَحْفَظَ حَياةَ الأسِيرِ إلى أنْ يَرى الإمامُ فِيهِ رَأْيَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ: أرادَ المَسْجُونِينَ مِنَ الناسِ، ولِهَذا يَحُضُّ عَلى صَدَقَةِ السِجْنِ، فَهَذا تَشْبِيهٌ، ومِن قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لا يُؤْسَرُ أحَدٌ في الإسْلامِ بِغَيْرِ العُدُولِ" ورَوى الخُدْرِيُّ أنَّ النَبِيَّ  فَسَّرَ الأسِيرَ هُنا بِالمَمْلُوكِ المَسْجُونِ، وقالَ: أرادَ أسْرى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ تُرِكُوا في بِلادِ الحَرْبِ رَهائِنَ وخَرَجُوا في طَلَبِ الفِداءِ، وقالَ أبُو حَمْزَةَ الثَمّالِيُّ: الأسِيرُ هُنا المَرْأةُ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ  : « "اسْتَوْصُوا بِالنِساءِ خَيْرًا فَإنَّهُنَّ عَوانٌ عِنْدَكُمْ"،» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللهِ ﴾ المَعْنى: يَقُولُونَ لَهم عِنْدَ الإطْعامِ، وهَذا إمّا أنْ يَكُونَ المُطْعِمُ يَقُولُ ذَلِكَ نَصًّا، فَحُكِيَ ذَلِكَ، وإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمّا يُقالُ في الأنْفُسِ وبِالنِيَّةِ فَمُدِحَ بِذَلِكَ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ بِجَزْمِ المِيمِ مِن "نُطْعِمُكُمْ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: أسْكَنَ تَخْفِيفًا، و"الشَكُورُ" مَصْدَرٌ كالشُكْرِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِالعُبُوسِ هو عَلى التَجَوُّزِ، كَما تَقُولُ: "لَيْلٌ نائِمٌ" أيْ فِيهِ نَوْمٌ، و"القَمْطَرِيرُ" والقُماطِرُ هو في مَعْنى العُبُوسُ والِارْبِدادِ، يُقالُ: "اقْمَطَرَّ الرَجُلُ" إذا جَمَعَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ غَضَبًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: بَنِي عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلاءَنا عَلَيْكم ∗∗∗ إذا ما كانَ يَوْمَ قُماطِرِ وَقالَ الآخَرُ: فَفِرُّوا إذا ما الحَرْبُ ثارَ غُبارُها ∗∗∗ ولُجْ بِها اليَوْمَ العَبُوسَ القَماطِرَ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَعْبِسُ الكافِرُ يَوْمَئِذٍ حَتّى يَسِيلَ مِن بَيْنِ عَيْنَيْهِ مِثْلُ القَطْرانِ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ القَمْطَرِيرِ بِالطَوِيلِ، وعَبَّرَ عنهُ ابْنُ الكَلْبِيِّ بِالشَدِيدِ، وذَلِكَ كُلُّهُ قَرِيبٌ في المَعْنى.

وقَرَأ الجُمْهُور "فَوَقاهُمْ" بِتَخْفِيفِ القافِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ "فَوَقّاهُمْ" بِشَدِّ القافِ، و"النَضِرَةُ" حالُ البَشَرَةِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ فَرَحِ النَفْسِ وقُرَّةِ العَيْنِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَجازاهُمْ" بِألِفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِما صَبَرُوا" عامٌّ عَنِ الشَهَواتِ وعَلى الطاعاتِ والشَدائِدِ، فَفي هَذا يَدْخُلُ كُلُّ ما خَصَّصَ الناسُ مِن صَوْمٍ ونَحْوِهِ، و"مُتَّكِئِينَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ المَنصُوبِ في "جَزاهُمْ" وهو الهاءُ والمِيمُ، وقَرَأأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: "مُتَّكِينَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، و"الأرائِكُ": السُرُرُ المَسْتُورَةُ بِالحِجالِ، وهَذا شَرْطٌ لِبَعْضِ اللُغَوِيِّينَ، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: كُلُّ ما يُتَوَسَّدُ ويُفْتَرَشُ مِمّا لَهُ حَشْوٌ فَهو أرِيكَةٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ في حَجْلَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "لا يَرَوْنَ" الآيَةُ عِبارَةٌ عَنِ اعْتِدالِ مَسِّ هَوائِها، وذَهابِ ضَرُورَتَيِ الحَرِّ والقَرِّ عنها، وكَوْنُ هَوائِها سَجْسَجًا كَما في الحَدِيثِ المَأْثُورِ، ومَسُّ الشَمْسِ وهو أشَدُّ الحَرِّ، والزَمْهَرِيرُ: هو أشَدُّ البَرْدِ، وقالَ ثَعْلَبٌ: الزَمْهَرِيرُ بِلُغَةِ طَيْءٍ القَمَرُ.

<div class="verse-tafsir"

وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَـٰلُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًۭا ١٤ وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِـَٔانِيَةٍۢ مِّن فِضَّةٍۢ وَأَكْوَابٍۢ كَانَتْ قَوَارِيرَا۠ ١٥ قَوَارِيرَا۟ مِن فِضَّةٍۢ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًۭا ١٦ وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًۭا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا ١٧ عَيْنًۭا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلًۭا ١٨ ۞ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَٰنٌۭ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًۭا مَّنثُورًۭا ١٩ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًۭا وَمُلْكًۭا كَبِيرًا ٢٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلا ﴾ ﴿ وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرا ﴾ ﴿ قَوارِيرا مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا ﴾ ﴿ وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلا ﴾ ﴿ عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلا ﴾ ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا ﴾ ﴿ وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا ﴾ اخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في إعْرابِ قَوْلِهِ تَعالى: "وَدانِيَةً"، فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: هو حالٌ عَطْفًا عَلى "مُتَّكِئِينَ"، وقالَ أيْضًا: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْجَنَّةِ، فالمَعْنى: وجَزاهم جَنَّةً دانِيَةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "دانِيَةً"، وقَرَأ الأعْمَشُ "وَدانِيًا عَلَيْهِمْ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَدانِيَةٌ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَدانٍ"، فَهو مُفْرَدٌ مَرْفُوعٌ في الإعْرابِ، ودُنُوُّ الظِلالِ بِتَوَسُّطٍ أنْعَمَ لَها لِأنَّ الشَيْءَ المُظِلَّ إذا بَعُدَ فَتْرَ ظِلُّهُ لا سِيَّما مِنَ الشَجَرِ.

و"التَذْلِيلُ" أنَّ تَطِيبَ الثَمَرَةُ فَتَتَدَلّى وتَنْعَكِسُ نَحْوَ الأرْضِ، والتَذْلِيلُ في الجَنَّةِ هو بِحَسَبِ إرادَةِ ساكِنِيها، قالَ قَتادَةُ، وسُفْيانُ ومُجاهِدٌ: إنْ كانَ الإنْسانُ قائِمًا تَناوَلَ الثَمَرَ دُونَ كُلْفَةٍ، وإنْ كانَ قاعِدًا فَكَذَلِكَ.

وإنْ كانَ مُضْطَجِعًا فَكَذَلِكَ، فَهَذا تَذْلِيلُها، لا يَرُدُّ اليَدَ عنها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ، ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ...........

كَأُنْبُوبِ السَقْيِ المُذَلَّلِ ومِنهُ قَوْلُ الأنْصارِيِّ: "والنَخْلُ قَدْ ذُلِّلَتْ فَهي مُطَوَّقَةٌ بِثَمَرِها"، و"القُطُوفُ" جَمْعُ قَطْفٍ وهو العُنْقُودُ مِنَ النَخْلِ والعِنَبِ ونَحْوِهِما.

و"الآنِيَةُ" جَمْعُ إناءٍ، و"الكُوبُ" ما لا عُرْوَةَ لَهُ ولا أُذُنَ مِنَ الأوانِي، وهي مَعْرُوفَةُ الشَكْلِ في تِلْكَ البِلادِ، وهو الَّذِي تَقُولُ لَهُ العامَّةُ "القَبُّ"، لَكِنَّها تُسَمِّي ذَلِكَ ما لَهُ عُرْوَةٌ، وذَلِكَ خَطَّأٌ أيْضًا، وقالَ قَتادَةُ: الكُوبُ القَدَحُ، و"القَوارِيرُ" الزُجاجُ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ، فَقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "قَوارِيرا، قَوارِيرا" بِالإجْراءِ فِيهِما عَلى ما قَدْ تَقَدَّمَ في "سَلاسِلًا"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "قَوارِيرًا، قَوارِيرًا" بِتَرْكِ الإجْراءِ فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالإجْراءِ في الأوَّلِ وتَرْكِهِ في الثانِي، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو إذا وقَفَ في الأوَّلِ بِألِفٍ دُونَ تَنْوِينٍ، وبِتَرْكِ الإجْراءِ في الثانِي.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن فِضَّةٍ ﴾ يَقْتَضِي أنَّها مِن زُجاجٍ ومِن فِضَّةٍ، وذَلِكَ مُتَمَكِّنٌ لِكَوْنِهِ مِن زُجاجٍ في شُفُوفِهِ ومِن فِضَّةٍ في جَوْهَرِهِ، وكَذَلِكَ فِضَّةُ الجَنَّةِ شَفّافَةٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: جَعَلَها مِن فِضَّةٍ لِصَفائِها ومُلازَمَتِها لِتِلْكَ الصِفَةِ، ولَيْسَتْ مِن فِضَّةٍ في حَقِيقِ أمْرِها، وإنَّما هَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ: ألا أصْبَحَتْ أسْماءُ جاذِمَةَ الوَصْلِ ∗∗∗ وضَنَّتْ عَلَيْنا والضَنِينُ مِنَ البُخْلِ وقَوْلُهُ تَعالى: "قَدَّرُوها" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلْمَلائِكَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلطّائِفِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُنْعِمِينَ، والتَقْدِيرُ إمّا أنْ يَكُونَ عَلى قَدْرِ الأكُفِّ، قالَهُ الرَبِيعُ، أو عَلى قَدْرِ الرَيِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا كُلُّهُ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "قَدَّرُوها" بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأ ابْنُ أبْزى، وعَلَيٌّ والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والشَعْبِيُّ، وقَتادَةُ: "قُدِّرُوها" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الدالِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: كَأنَّ اللَفْظَ "قًدِّرُوا عَلَيْها"، وفي المَعْنى قَلْبٌ لِأنَّ حَقِيقَةَ المَعْنى أنْ يُقالَ: قُدِّرَتْ عَلَيْهِمْ، فَهي مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ  ﴾ ، ومِثْلُ قَوْلِ العَرَبِ: "إذا طَلَعَتِ الجَوْزاءُ ألْقى العَوْدَ عَلى الحِرْباءِ"، حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ.

وَكَوْنُ الزَنْجَبِيلِ مِزاجًا هو عَلى ما ذَكَرْناهُ في العُرْفِ ولَذْعِ اللِسانِ، وذَلِكَ مِن لَذّاتِ المَشْرُوبِ، والزَنْجَبِيلِ طَيِّبٌ حارٌّ، وقالَ الشاعِرُ: كَأنَّ جِنِّيًّا مِنَ الزَنْجَبِيـ ∗∗∗ ـلِ باتَ بِفِيها وأرْيًا حَشُورًا وقالَ المُسَيِّبُ بْنُ عَلَسٍ: وكَأنَّ طَعْمَ الزَنْجَبِيلِ بِهِ ∗∗∗ إذْ ذُقْتَهُ وسُلافَةَ الخَمْرِ وقالَ قَتادَةُ: الزَنْجَبِيلُ اسْمٌ لِعَيْنٍ يَشْرَبُ مِنها المُقَرَّبُونَ صَرْفًا، ويُمْزَجُ لِسائِرِ أهْلِ الجَنَّةِ، و"عَيْنًا" بَدَلٌ مِن "كَأْسًا"، أو مِن "زَنْجَبِيلًا" عَيْنٌ عَلى القَوْلِ الثانِي.

و"سَلْسَبِيلًا" قِيلَ: هو اسْمٌ بِمَعْنى السَلِسِ المُنْقادِ الجَرْيَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: حَدِيدُ الجَرْيَةِ، وقِيلَ: هي عِبارَةٌ عَنِ اتِّساعِها، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لَمْ أسْمَعْ هَذِهِ اللَفْظَةَ إلّا في القُرْآنِ، وقالَ آخَرُونَ: "سَلْسَبِيلًا" صِفَةٌ لِقَوْلُهُ تَعالى: "عَيْنًا"، و"تُسَمّى" بِمَعْنى: تُوصَفُ وتُشْهَرُ، وكَوْنُهُ مَصْرُوفًا مِمّا يُؤَكِّدُ كَوْنُهُ صِفَةً لا اسْمًا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "سَلْسَبِيلًا" أمْرٌ للنَّبِيِّ صَلّى اللهُ الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِأُمَّتِهِ بِسُؤالِ السَبِيلِ إلَيْها، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لِأنَّ بَراعَةَ القُرْآنِ وفَصاحَتَهُ لا تَجِيءُ هَكَذا، واللَفْظَةُ مَعْرُوفَةٌ في اللِسانِ، وأنَّ "السَلَسَ والسَلْسَبِيلَ" بِمَعْنًى واحِدٍ ومُتَقارِبٍ.

و"مُخَلَّدُونَ" قالَ جُمْهُورُ الناسِ: مَعْناهُ: باقُونَ، مِنَ الخُلُودِ، وجَعَلَهم وِلْدانًا لِأنَّهم في هَيْئَةِ الوِلْدانِ في السِنِّ، لا يَتَغَيَّرُونَ عن تِلْكَ الحالِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: "مُخَلَّدُونَ" مَعْناهُ: مُقَرِّطُونَ، والخَلَداتُ حُلِيٌّ تُعَلَّقُ في الآذانِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ومُخَلَّداتٌ بِاللُجَيْنِ كَأنَّما ∗∗∗ أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ وشُهْرَةُ هَذِهِ اللُغَةِ في حَمِيرٍ.

وشَبَّهَهم تَعالى بِاللُؤْلُؤِ المَنثُورِ في بَياضِهِمْ وانْتِشارِهِمْ في المَساكِنِ يَجِيئُونَ ويَذْهَبُونَ، وفي جَمالِهِمْ، ومِنهُ سُمِّيَتِ المَرْأةُ دُرَّةً وجَوْهَرَةً، ثُمَّ كَرَّرَ تَعالى ذِكْرَ الرُؤْيَةِ مُبالَغَةً، و"ثَمَّ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "رَأيْتَ" أو مَعْناهُ، وقالَ الفَرّاءُ: التَقْدِيرُ: إذا رَأيْتَ ما ثَمَّ رَأيْتَ، وحُذِفَتْ "ما".

وقَرَأ حُمَيْدُ الأعْرَجُ: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، و"النَعِيمُ": ما هم فِيهِ مِن حُسْنِ عَيْشٍ.

و"المَلِكُ الكَبِيرُ" قالَ سُفْيانُ: هو اسْتِئْذانُ المَلائِكَةِ وتَسْلِيمُهم عَلَيْهِمْ وتَعْظِيمُهم لَهم في ذَلِكَ كالمُلُوكِ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: "المُلْكُ الكَبِيرُ" اتِّساعُ مَواضِعِهِمْ، رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: ما مِن أهْلِ الجَنَّةِ مِن أحَدٍ إلّا يَسْعى عَلَيْهِ ألْفُ غُلامٍ، كُلُّهم مُخْتَلِفٌ شُغْلُهُ مَن شَغْلِ أصْحابِهِ، وأدْنى أهْلُ الجَنَّةِ مَنزِلَةً مَن يُنْظَرُ في مُلْكِهِ مَسِيرَةَ ألْفِ عامٍ، يَرى أقْصاهُ كَما يَرى أدْناهُ.

<div class="verse-tafsir"

عَـٰلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌۭ وَإِسْتَبْرَقٌۭ ۖ وَحُلُّوٓا۟ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍۢ وَسَقَىٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًۭا طَهُورًا ٢١ إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءًۭ وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا ٢٢ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ تَنزِيلًۭا ٢٣ فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِمًا أَوْ كَفُورًۭا ٢٤ وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةًۭ وَأَصِيلًۭا ٢٥ وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُۥ وَسَبِّحْهُ لَيْلًۭا طَوِيلًا ٢٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا ﴾ ﴿ إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا ﴾ ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلا ﴾ ﴿ فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أو كَفُورًا ﴾ ﴿ واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلا ﴾ ﴿ وَمِنَ اللَيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وأبانُ عن عاصِمٍ: "عالِيَهُمْ" عَلى الرَفْعِ لِلِابْتِداءِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عنهُ-، وقَرَأ الباقُونَ وعاصِمٌ: "عالِيَهُمْ" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ "لَقّاهُمْ" أو "جَزاهُمْ"، وهي قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والجَحْدَرِيِّ، وأهْلِ مَكَّةَ.

وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ: "عالِيَتُهُمْ"، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ، وقَرَأ أيْضًا الأعْمَشُ: "عالِيَتَهُمْ" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، وقَدْ يَجُوزُ في النَصْبِ في القِراءَتَيْنِ أنْ تَكُونَ عَلى الظَرْفِ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى: فَوْقَهُمْ، وقَرَأتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: "عَلَتْهُمْ" بِتاءِ فِعْلٍ ماضٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو حَيْوَةَ: "عَلَيْهِمْ" بِالياءِ.

و"السُنْدُسُ" رَقِيقُ الدِيباجِ والمُرْتَفَعُ مِنهُ، وقِيلَ: "السُنْدُسُ" هو الحَرِيرُ الأخْضَرُ، و"الإسْتَبْرَقُ" والدِمْقَسُ هُما الأبْيَضُ، والأُرْجُوانُ هو الأحْمَرُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" بِالخَفْضِ فِيهِما، وهى قِراءَةُ الأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ عُمَرَ -بِخِلافٍ عنهُما-، عَلى أنْ "خُضْرًا" نَعْتٌ لِلسُّنْدُسِ، وجائِزٌ جَمْعَ صِفَةِ اسْمِ الجِنْسِ إذا كانَ اسْمًا مُفْرَدًا كَما قالُوا: "أهْلَكَ الناسَ الدِينارُ الصِفْرُ والدِرْهَمُ البِيضُ"، وفي هَذا قُبْحٌ، والعَرَبُ تُفْرِدُ اسْمَ الجِنْسِ وهو جَمْعٌ أحْيانًا فَيَقُولُونَ: "هُوَ حَصًى أبْيَضُ"، وفي القُرْآنِ: ﴿ مِنَ الشَجَرِ الأخْضَرِ  ﴾ ، و"نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" فَكَيْفَ بِأنْ لا يُفْرَدَ هَذا الَّذِي هو صِفَةٌ لِواحِدٍ في مَعْنى جَمْعٍ.

"وَإسْتَبْرَقٍ" في هَذِهِ القِراءَةِ عَطْفٌ عَلى سُنْدُسٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، وعِيسى: "خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" بِالرَفْعِ فِيهِما، "خُضْرٌ" نَعْتْ لـِ "ثِيابُ"، و"إسْتَبْرَقٍ" عَطْفٌ عَلى "ثِيابٍ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ أيْضًا "خُضْرٌ" رَفْعًا و"إسْتَبْرَقٍ" خَفْضًا، و"خُضْرٍ" صِفَةٌ لـ "ثِيابٍ" و"إسْتَبْرَقٍ" عُطِفَ عَلى "سُنْدُسٍ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "خُضْرٍ" خَفْضًا "وَإسْتَبْرَقٍ" رَفْعًا، فَخَفَضَ "خُضْرٍ" عَلى ما تَقَدَّمَ أوَّلًا، "وَإسْتَبْرَقٍ" عَطْفٌ عَلى "ثِيابٍ"، و"الإسْتَبْرَقُ" غَلِيظُ الدِيباجِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَإسْتَبْرَقٌ" مَوْصُولَةُ الألِفِ مَفْتُوحَةُ القافِ، كَأنَّهُ مِثالُ الماضِي مِن بَرْقٍ وإسْتَبْرَقٍ كَعَجِبَ واسْتَعْجَبَ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ، والصَوابُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ لا يَنْبَغِي أنْ يَحْمِلَ ضَمِيرًا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ دُخُولُ اللامِ المُعَرَّفَةِ عَلَيْهِ، والصَوابُ فِيهِ قَطْعُ الألِفِ وإجْراؤُهُ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "عَلَيْهِمْ ثِيابٌ" بِالرَفْعِ "سُنْدُسٌ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" رَفْعًا في الثَلاثَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَحُلُّوا" أيْ: جَعَلَ لَهم حُلِيَّ، و"أساوِرَ" جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةٌ جَمْعُ سَوارٍ، وهي مِن حُلِيِّ الذِراعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: "شَرابًا طَهُورًا"، قالَ أبُو قُلابَةَ، والنَخْعِيُّ: مَعْناهُ لا يَصِيرُ بَوْلًا بَلْ يَكُونُ رَشْحًا مِنَ الأبْدانِ أطْيَبَ مِنَ المِسْكِ، وهُنا مَحْذُوفٌ يَقْتَضِيهِ القَوْلُ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُ اللهُ تَعالى لَهم والمَلائِكَةُ عنهُ: ﴿ إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً ﴾ الآيَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ ﴾ الآيَةُ...

تَثْبِيتٌ لِمُحَمَّدٍ  ، وتَقْوِيَةٌ لِنَفْسِهِ عَلى أفْعالِ قُرَيْشٍ وأحْوالِهِمْ، و"حَكَمَ رَبُّهُ" تَعالى أنْ يُبَلِّغَ ويُكافِحَ ويَتَحَمَّلَ المَشَقَّةَ ويَصْبِرَ عَلى الأذى لِيَعْرِفَ اللهَ تَعالى إلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آثِمًا أو كَفُورًا ﴾ هو تَخْيِيرٌ في أنْ يَعْرِفَ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ لا يُطِيعَهُ بِأيِّ وصْفٍ كانَ مِن هَذَيْنَ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم فَهو آثِمٌ وهو كَفُورٌ، ولَمْ تَكُنِ الأُمَّةُ حِينَئِذٍ مِنَ الكَثْرَةِ بِحَيْثُ يَقَعُ الإثْمُ عَلى العاصِي، واللَفْظُ أيْضًا يَقْتَضِي نَهْيَ الإمامِ عن طاعَةِ آثِمٍ مِنَ العُصاةِ أو كَفُورٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أو" بِمَعْنًى "الواوِ" ولَيْسَ في هَذا تَخْيِيرٌ.

ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِذِكْرِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ دَأْبًا بُكْرَةً وأصِيلًا، ومِنَ اللَيْلِ بِالسُجُودِ والتَسْبِيحِ الَّذِي هو الصَلاةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ قَوْلَ: "سُبْحانَ اللهِ"، وذَهَبَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ الخَمْسِ، مِنهُمُ ابْنُ حَبِيبٍ وغَيْرُهُ، فالبَكْرَةُ: صَلاةُ الصُبْحِ، والأصِيلُ الظَهْرُ والعَصْرُ، ومِنَ اللَيْلِ: المَغْرِبُ والعَشاءُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: كانَ هَذا فَرْضًا ونُسِخَ فَلا فَرْضَ إلّا الخَمْسَةُ، وقالَ قَوْمٌ، هو مَحْكَمٌ عَلى جِهَةِ النَدْبِ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْمًۭا ثَقِيلًۭا ٢٧ نَّحْنُ خَلَقْنَـٰهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ ۖ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَـٰلَهُمْ تَبْدِيلًا ٢٨ إِنَّ هَـٰذِهِۦ تَذْكِرَةٌۭ ۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًۭا ٢٩ وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا ٣٠ يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِۦ ۚ وَٱلظَّـٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۢا ٣١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلا ﴾ ﴿ نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهم وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلا ﴾ ﴿ إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا ﴾ ﴿ وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ إنَّ اللهُ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ ﴿ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا ﴾ الإشارَةُ بِـ "هَؤُلاءِ" إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، و"العاجِلَةَ" الدُنْيا، وحُبُهم لَها، أنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ غَيْرَها، ﴿ وَيَذَرُونَ وراءَهُمْ ﴾ مَعْناهُ: فِيما يَأْتِي مِنَ الزَمَنِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وقالَ لَبِيدُ: ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي لُزُومُ العَصا تُحْنى عَلَيْها الأصابِعُ ووَصْفُ اليَوْمَ بِالثِقَلِ عَلى جِهَةِ النَسَبِ، أيْ: ذا ثِقَلٍ مِن حَيْثُ الثِقَلُ فِيهِ عَلى الكُفّارِ، فَهو كَلَيْلٍ نائِمٍ.

ثُمَّ عَدَّدَ النِعْمَةَ عَلى عِبادِهِ في خَلْقِهِمْ وإيجادِهِمْ وإتْقانٍ بِنِيَّتِهِمْ وشَدِّ خِلْقَتِهِمْ، و"الأُسَرُ": الخِلْقَةُ واتِّساقُ الأعْضاءِ والمَفاصِلِ، وقَدْ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، والرَبِيعُ: الأُسَرُ: المَفاصِلُ والأوصالُ، وقَدْ قالَ بَعْضُهُمْ: الأسْرُ: القُوَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَأنْجاهُ غَداةَ المَوْتِ مِنِّي ∗∗∗ شَدِيدَ الأُسَرِ عَضَّ عَلى اللِجامِ وقَوْلُ الآخَرِ: مِن كُلِّ مُجْتَنِبٍ شَدِيدٍ أسْرُهُ ∗∗∗ سَلِسِ القِيادِ تَخالُهُ مُخْتالًا قالَ الطَبَرِيُّ: ومِنهُ قَوْلُ العامَّةِ: "خُذْهُ بِأسْرِهِ" يُرِيدُونَ: خُذْهُ كُلَّهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأصْلُ هَذا في ما لَهُ شَدٌّ ورِباطٌ كالعَظْمِ ونَحْوِهِ، ولَيْسَ هَذا مِمّا يُخْتَصُّ بِالعامَّةِ، بَلْ هُوَ مِن فَصِيحِ كَلامِ العَرَبِ.

اللهُمَّ إلّا أنْ يُرِيدَ بِالعامَّةِ جُمْهُورُ العَرَبِ ومِنَ اللَفْظَةِ "الإسارُ" وهو القَيْدُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الأسِيرُ.

ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى بِالتَبْدِيلِ واجْتَمَعَ مِنَ القَوْلَيْنِ تَعْدِيدُ النِعْمَةِ والوَعِيدِ بِالتَبَدُّلِ احْتِجاجٌ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ، أيْ مِن هَذا الإيجادِ والتَبْدِيلُ -إذا شاءَ- في قُدْرَتِهِ، فَكَيْفَ تَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الإعادَةُ؟

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى هَذِهِ الآيَةَ أو إلى السُورَةِ بِأسْرِها أو إلى الشَرِيعَةِ بِجُمْلَتِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن شاءَ ﴾ لَيْسَ عَلى جِهَةِ التَخْيِيرِ بَلْ فِيهِ قَرِينَةُ التَحْذِيرِ والحَضِّ عَلى اتِّخاذِ السَبِيلِ، و"السَبِيلُ" هُنا: لَيْسَ النَجاةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ ﴾ نَفَيٌ لِقُدْرَتِهِمْ عَلى الِاخْتِراعِ وإيجادِ المَعانِي في نُفُوسِهِمْ، ولا يَرِدُ هَذا وُجُودُ ما لَهم مِنَ الِاكْتِسابِ والمَيْلِ إلى الكُفْرِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ "وَما تَشاءُونَ إلّا ما شاءَ اللهُ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابِ "تِشاءُونَ" بِكَسْرِ التاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ مَعْناهُ يَعْلَمُ ما يَنْبَغِي أنْ يُيَسَّرَ عَبْدُهُ إلَيْهِ، وفي ذَلِكَ حِكْمَةٌ لا يَعْلَمُها إلّا هو.

و"الظالِمِينَ" نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: ويُعَذِّبَ الظالِمِينَ أعَدَّ لَهُمْ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "وَلِلظّالِمِينَ أعَدَّ لَهُمْ" بِتَكْرِيرِ اللامِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ "وَما تَشاءُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو "يَشاءُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وأبانُ بْنُ عُثْمانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "والظالِمُونَ" بِالرَفْعِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وذَلِكَ عَلى ارْتِجالِ جُمْلَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ.

تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الإنْسانِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله