المحرر الوجيز سورة المرسلات

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة المرسلات

تفسيرُ سورةِ المرسلات كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 25 دقيقة قراءة

تفسير سورة المرسلات كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفًۭا ١ فَٱلْعَـٰصِفَـٰتِ عَصْفًۭا ٢ وَٱلنَّـٰشِرَٰتِ نَشْرًۭا ٣ فَٱلْفَـٰرِقَـٰتِ فَرْقًۭا ٤ فَٱلْمُلْقِيَـٰتِ ذِكْرًا ٥ عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ٦ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌۭ ٧ فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ ٨ وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ ٩ وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ ١٠ وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ ١١ لِأَىِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ١٢ لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ ١٣ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ١٤ وَيْلٌۭ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْمُكَذِّبِينَ ١٥

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُرْسَلاتِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المفَسِّرِينَ، وحَكى النَقّاشُ أنّهُ قِيلَ: إنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ  ﴾ ، عَلى تَأْوِيلِ مَن قالَ إنَّها حِكايَةً عن حالِ المُنافِقِينَ، وإنَّها بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ  ﴾ ، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُوَرَةُ ونَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخَيْبَرَ...

الحَدِيثُ بِطُولِهِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والمُرْسَلاتِ عُرْفًا ﴾ ﴿ فالعاصِفاتِ عَصْفًا ﴾ ﴿ والناشِراتِ نَشْرًا ﴾ ﴿ فالفارِقاتِ فَرْقًا ﴾ ﴿ فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا ﴾ ﴿ عُذْرًا أو نُذْرًا ﴾ ﴿ إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ ﴾ ﴿ فَإذا النُجُومُ طُمِسَتْ ﴾ ﴿ وَإذا السَماءُ فُرِجَتْ ﴾ ﴿ وَإذا الجِبالُ نُسِفَتْ ﴾ ﴿ وَإذا الرُسُلُ أُقِّتَتْ ﴾ ﴿ لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ﴾ ﴿ لِيَوْمِ الفَصْلِ ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ ﴾ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "المُرْسَلاتِ": الرُسُلُ إلى الناسِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والجَماعاتُ المُرْسَلاتُ، وقالَ أبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ: المُرْسَلاتِ: المَلائِكَةُ المُرْسَلَةُ بِالوَحْيِ وبِالتَعاقبِ عَلى العِبادِ طَرَفَيِ النَهارِ، وقالَ ابْنُ مسعود أيْضًا وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: المُرْسَلاتِ: الرياح، وقال الحسن بن أبي الحسن: المُرْسَلاتِ: السحاب.

و"عُرْفًا" معناه على القول الأول: عُرْفًا من الله وإفضالًا على عباده ببعثة الرسل عليهم السلام، ومنه قول الشاعر: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس ويحتمل أن يريد بِقَوْلِهِ "عُرْفًا" متتابعة، على التشبيه بتتابع عرف الفرس وأعراف الجبال ونحو ذلك، والعرب تقول: "الناس إلى فلان عرف واحد" إذا توجهوا إليه، ويحتمل أن يريد: بِالعرف، أي بِالحق والأمر بِالمعروف، وهذه الأقوال في "عرفًا" تتجه في قول من قال: في المُرْسَلاتِ هى الملائكة، ومن قال إن المُرْسَلاتِ هى الرياح اتجه في "العرف" أن يقال: التأول على تخصيص الرياح التي هي نعمة بها الأرزاق والنجاة في البحر وغير ذلك مما لا نقمة فيه، ويكون الصنف الآخر من الريح في قَوْلِهِ تَعالى "فالعاصِفاتِ عَصْفًا"، ويحتمل أن يكون "عرفًا" بمعنى: والمُرْسَلاتِ الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عقب بذكر الصنف المستنكر الضار وهي العاصفات، ويحتمل أن يريد بِالعرف مع الرياح التتابع كعرف الفرس ونحوه، وتقول العرب: "هب عرف من ريح"، والقول في العرف مع أن المُرْسَلاتِ هي الرياح يطرد على أن المُرْسَلاتِ السحاب، وقرأ عيسى: "عرفا" بضم الراء.

و"العاصف" من الريح الشديدة العاصفة للشجر وغيره.

واختلف الناس في قَوْلِهِ تَعالى: "والناشرات"، فقال مقاتل، والسُدِّيُّ: هي الملائكة تنشر صحف العباد بِالأعمال، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: هي الرياح تنشر رحمة الله ومطره، وقال بعض المتأولين: الناشِراتِ طوائف الملائكة التى تباشر إخراج الموتى من قبورهم للبعث، فكأنهم يحيونهم، وقال قوم: الناشرات الرمم في بعث يوم القيامه، يقال: نشر الميت، ومنه قول الأعشى: ............

∗∗∗ يا عجبًا للميت الناشرِ وقيل: الناشرات البقاع التى تحيا بِالأمطار، شبهت بِالميت ينشر، وقال أبو صالح: الناشرات الأمطار تحى الأرض.

"فالفارقات"، قال ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبو صالح، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: هى الملائكة تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وقال قتاده، والحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: الفارقات آيات القران.

وأما "الملقيات ذكرًا" فهى في قول الجمهور: الملائكة، قال مقاتل: جبريل  ونحوه، وقال آخرون: هى الرسل عليهم السلام، وقرأ جمهور الناس: "فالملقيات" بسكون اللام، أى تلقيه من عند الله تعالى وبأمره إلى الرسل عليهم السلام وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنه -فيما ذكر المهدوى- "فالملقيات" بفتح اللام وفتح القاف وشدها أى تلقاه من قبل الله تعالى.

وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا "فالملقيات" بفتح اللام وشد القاف وكسرها أى: تلقيه هى للرسل عليهم السلام، و"الذكر" الكتب والشرائع ومضمناتها.

وأختلف القراء في قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عُذْرًا أو نُذْرًا ﴾ ، فقرأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فى رواية أبى بكر- وأبُو جَعْفَرٍ، وشيبة بسكون الذال في "عذرا" وضمها في "نذرا"، وقرأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكسائى، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وإبراهيم التيمى بسكون الذال فيهما، وقرأ طَلْحَةُ، وعيسى، والحَسَنُ -بخلاف- وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْمَشُ عن ابْنُ كَثِيرٍ عن عاصِمٍ بضمها فيها.

وإسكان الذال على أنها مصدران، يقال: عذرا وعذير، ونذر ونذير، كنكير ونكر، وضم الذال يصح معه المصدر ويصح أن يكون جمعا لنذير وعاذر للذين هُما اسم فاعل، والمعنى أن الذكر يلقي بإعذار وإنذار، أو يلقيه معذورون ومنذرون، وأما النصب في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عُذْرًا أو نُذْرًا ﴾ فيصح إذا كانا مصدرين أن يكون ذلك على البدل من "الذكر"، ويصح أن يكون على المفعول للذكر، كأنه تعالى قال: فالمُلْقِياتِ أن يذكر عُذْرًا، ويصح أن يكون "عُذْرًا" مفعولا من أجله، أي تلقي الذكر من أجل الإعذار وأما إذا كان "عُذْرًا أو نُذْرًا" جمعا فالنصب على الحال، وقرأ إبراهيم التيمي: "عذرا ونذرا" بواو بدل "أو".

قَوْلُهُ تَعالى: "إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ"، هذا الذي وقع عليه القسم والإشارة إلى البعث، و"طمس النجوم": إزالة أضوئها واستوائها مع سائر جرم السماء، و"فرج السماء" هو بانفطارها حتى تحدث فيها فروج، و"نسف الجبال" هو بعد التسيير، وقيل: كونها هباء وهو تفريقها بِالريح، وقرأ الجمهور: "أقتت" بِالهمزة وشد القاف، وقرأ بتخفيف القاف مع الهمز عيسى، وخالد، وقرأ أبُو عَمْرٍو وحده "وقتت" بِالواو، وقرأ بها أبو الأشهب، وعيسى، وعمرو بن عبيد، قال عيسى: هي لغة سفلى مضر، وقرأ أبُو جَعْفَرٍ بواو واحدة خفيفة القاف، وهي قراءة ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "ووقتت" بواوين، على وزن فوعلت، والمعنى: جعل لها وقت مسطر فجاء وحان، والواو في هذا كله هي الأصل والهمزة بدل.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ﴾ تعجيب وتوقي على عظم ذلك اليوم وهوله، ثم فَسَّرَ تعالى ذلك الذي عجب منه بقوله: "لِيَوْمِ الفَصْلِ" يعني تعالى: بين الخلق في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، وفي هذه الآية انتزع القضاة الآجال في الحكومات ليقع فصل القضاء عند تمامها ثم عظم سبحانه يوم الفصل بقوله: "وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ"، على نحو قَوْلُهُ تَعالى: "وَما أدْراكَ ما الحاقَّة" وغير ذلك، ثم أثبت تعالى الويل لِلْمُكَذِّبِينَ في ذلك اليوم، والمعنى: لِلْمُكَذِّبِينَ به في الدنيا وبسائر فصول الشرع، و"الويل": هو الحرب والحزن على نوائب تحدث بِالمرء، ويروى عن النعمان بن بشير، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعمار بن ياسر، أن واديا في جهنم اسمه الويل.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلْأَوَّلِينَ ١٦ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلْـَٔاخِرِينَ ١٧ كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ ١٨ وَيْلٌۭ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْمُكَذِّبِينَ ١٩ أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍۢ مَّهِينٍۢ ٢٠ فَجَعَلْنَـٰهُ فِى قَرَارٍۢ مَّكِينٍ ٢١ إِلَىٰ قَدَرٍۢ مَّعْلُومٍۢ ٢٢ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَـٰدِرُونَ ٢٣ وَيْلٌۭ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْمُكَذِّبِينَ ٢٤ أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلْأَرْضَ كِفَاتًا ٢٥ أَحْيَآءًۭ وَأَمْوَٰتًۭا ٢٦ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ شَـٰمِخَـٰتٍۢ وَأَسْقَيْنَـٰكُم مَّآءًۭ فُرَاتًۭا ٢٧ وَيْلٌۭ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْمُكَذِّبِينَ ٢٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ ﴾ ﴿ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ ﴾ ﴿ فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ ﴾ ﴿ إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ ﴿ فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ ﴾ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا ﴾ ﴿ أحْياءً وأمْواتًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا ﴾ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ قرأ جمهور القراء: "ثم نتبعهم" بضم العين على استئناف الخبر، وقرأ أبُو عَمْرٍو - فيما روي عنه_: "ثم نتبعهم" بجزم العين عطفا على "نُهْلِكِ" وهي قراءة الأعرج، وعلى حسب هاتين القراءتين يجيء التأويل في "الأوَّلِينَ"، فمن قرأ الأولى جعل "الأوَّلِينَ" الأمم التي قدمت قريشا بأجمعها، ثم أخبر تعالى أنه يتبع "الآخِرِينَ" من قريش سير اولئك إذا كفروا وسلكوا سبيلهم، ومن قرأ الثانية جعل "الأوَّلِينَ"، قوم نوح وإبراهيم ومن كان معهم، و"الآخِرِينَ" قوم فرعون وكل من تأخر وقرب من مدة محمد  ، وفي حرف عبد الله: "وسنتبعهم" ثم قال تعالى: "كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ" أي في المستقبل، فتدخل هنا قريش وغيرها من الكفار.

وأما تكرار قَوْلُهُ تَعالى في هذه السورة: ( ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) فقيل: ذلك بمعنى التأكيد فقط، وقيل: بل في كل آية منها ما يقتضي التصديق، فجاء الوعد على التكذيب يؤكد ذلك الذي في الآية.

ثم وقف تعالى على أصل الخلقة الذي يقتضي النظر فيها تجويز البعث، و"الماء المهين" معناه: الضعيف، وهو المني من الرجل والمرأة، و"القرار المكين" الرحم وبطن المرأة، و"القدر المعلوم": وقت الولادة، ومعناه: معلوم عند الله تعالى في شخص شخص، وأما عند الآدميين فيختلف، فليس بمعلوم قدر شخص بعينه، وقرأ علي بن أبي طالب  ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ: "فقدّرنا" بتشديد الدال، وقرأ الباقون بتخفيفها، وهما بمعنى، من القدرة والقدر، ومن التَقْدِيرُ والتوقيف، وقوله تَعالى: "القادِرُونَ" يُرَجِّحُ قِراءَةَ الجَماعَةِ، أمّا أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَوى عَنِ النَبِيِّ  «أنَّهُ فَسَّرَ "القادِرِينَ" بِالمُقَدِّرِينَ،» وقَدَّرَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَقَدَّرْنا" بِتَشْدِيدِ الدالِ "فَنِعْمَ المُقْتَدِرُونَ" و"الكَفاتُ": السِتْرُ والوِعاءُ الجامِعُ لِلشَّيْءِ بِإجْماعٍ، تَقُولُ: كَفَتِ الرَجُلَ شِعْرَهُ، إذا جَمَعَهُ بِخِرْقَةٍ، فالأرْضُ تَكَفَّتِ الأحْياءَ عَلى ظَهْرِها، وتَكَفَّتِ الأمْواتَ في بَطْنِها، و"أحْياءً" عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "كِفاتًا" لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "أحْياءً وأمْواتًا"، إنَّما هو بِمَعْنى أنَّ الأرْضَ فِيها أقْطارُ أحْياءٍ وأقْطارُ أمْواتٍ، يُرادُ: ما يَنْبُتُ وما لا يَنْبُتُ، فَنَصْبُ "أحْياءً"- عَلى هَذا- إنَّما هو عَلى الحالِ مِن "الأرْضَ"، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أقْوى،وَقالَ بَنانُ: خَرَجْنا مَعَ الشَعْبِيِّ إلى جِنازَةٍ فَنَظَرَ إلى الجَبّانَةِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ المَوْتى، ثُمَّ نَظَرَ إلى البُيُوتِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ الأحْياءِ، وكانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي "بَقِيعَ الغَرْقَدِ" كَفْتَةٌ لِأنَّها مَقْبَرَةٌ تَضُمُّ المَوْتى، وفي الحَدِيثِ « "خَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ، وأوكُوا أسْقَيَتَكُمْ، واكْفِتُوا صِبْيانَكُمْ، وأغْلِقُوا أبْوابَكم وأطْفِئُوا مَصابِيحَكُمْ"».

ودَفَنَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَمْلَةً في المَسْجِدِ ثُمَّ قَرَأ: "ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا"، ولَمّا كانَ القَبْرُ كِفاتًا كالبَيْتِ قَطَعَ مَن سَرَقَ مِنهُ.

و"الرَواسِي" الجِبالُ؛ لِأنَّها رَسَتْ، أيْ ثَبَتَتْ، و"الشامِخُ": المُرْتَفِعُ، ومِنهُ: شَمَخَ بِأنْفِهِ، أيِ ارْتَفَعَ واسْتَعْلى، شَبَّهَ المَعْنى بِالشَخْصِ.

و"أسْقى" جَعَلَهُ سَقْيًا لِلْغَلّاتِ والمَنافِعِ، وسَقى مَعْناهُ لِلشَّفَةِ خاصَّةً؛ هَذا قَوْلٌ لِجَماعَةٍ مِن أهْلِ اللُغَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، و"الفُراتُ": الصافِي، ولا يُقالُ لِلْمِلِحِ فُراتٌ، وهي لَفْظَةٌ تَجْمَعُ ماءَ المَطَرِ ومِياهَ الأنْهارِ، وخُصَّ النَهْرُ المَشْهُورَ بهَذا تَشْرِيفًا لَهُ، وهو نَهْرُ الكُوفَةِ، وسَيُحانُ هو نَهْرُ بَلْخٍ، وجِيحانِ هو دِجْلَةُ، والنِيلُ نَهْرُ مِصْرَ.

وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّ كُلَّ ماءٍ في الأرْضِ فَهو مِن هَذِهِ، وفي هَذا بُعْدٌ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

ٱنطَلِقُوٓا۟ إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢٩ ٱنطَلِقُوٓا۟ إِلَىٰ ظِلٍّۢ ذِى ثَلَـٰثِ شُعَبٍۢ ٣٠ لَّا ظَلِيلٍۢ وَلَا يُغْنِى مِنَ ٱللَّهَبِ ٣١ إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍۢ كَٱلْقَصْرِ ٣٢ كَأَنَّهُۥ جِمَـٰلَتٌۭ صُفْرٌۭ ٣٣ وَيْلٌۭ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْمُكَذِّبِينَ ٣٤ هَـٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ ٣٥ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ٣٦ وَيْلٌۭ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْمُكَذِّبِينَ ٣٧ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ۖ جَمَعْنَـٰكُمْ وَٱلْأَوَّلِينَ ٣٨ فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌۭ فَكِيدُونِ ٣٩ وَيْلٌۭ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْمُكَذِّبِينَ ٤٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ ﴿ انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ﴾ ﴿ لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ ﴾ ﴿ إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ ﴾ ﴿ كَأنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ ﴾ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ﴾ ﴿ وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ ﴾ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ ﴾ ﴿ فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ ﴾ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "انْطَلِقُوا"، هو لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ لَهُمُ الوَيْلُ يُقالُ لَهُمْ: انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، ولا خِلافَ في كَسْرِ اللامِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "انْطَلِقُوا" في هَذا الأمْرِ الأوَّلِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ- في رِوايَةِ رُوَيْسٍ: "انْطَلَقُوا إلى ظِلٍّ" بِفَتْحِ اللامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "انْطَلِقُوا" بِكَسْرِ اللامِ، عَلى مَعْنى تَكْرَيرِ الأمْرِ الأوَّلِ، وبَيانِ المُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقالَ عَطاءٌ: الظِلُّ الَّذِي لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ فيَراهُ الكُفّارُ فَيَظُنُّونَ أنَّهُ مُغْنٍ فَيَهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ المُخاطَبَةُ إنَّما تُقالُ يَوْمَئِذَ لِعَبَدَةِ الصَلِيبِ إذا اتَّبَعَ كُلُّ أحَدٍ ما كانَ يَعْبُدُ، فَيَكُونُ المُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللهِ تَعالى، ولا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ، ويُقالُ لِعَبَدَةِ الصَلِيبِ انْطَلِقُوا إلى ظِلِّ مَعْبُودِكم وهو الصَلِيبُ ولَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والتَشَعُّبُ تُفَرُّقُ الجِسْمِ الواحِدِ فِرَقًا، ثُمَّ نَفى عنهُ تَعالى مَحاسِنَ الظِلِّ.

والضَمِيرُ في "إنَّها" لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ "بِشَرارِ" بِألِفٍ، جَمْعُ شَرارَةَ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، و"القَصْرُ" في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: اسْمُ نَوْعٍ القُصُورُ، وهُى الأدْؤُرُ الكِبارِ مُشَيَّدَةً، وقَدْ شَبَّهَتِ العَرَبُ بِها النُوقَ، ومِنَ المَعْنى قَوْلُ الأخْطَلِ: كَأنَّها بُرْجٌ رُومِيٌّ يُشَيِّدُهُ لُزَّ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "القَصْرُ" أيْضًا خَشَبٌ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يُقْطَعُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ مِنَ النَخْلِ وغَيْرِهِ، عَلى قَدْرِ الذِراعِ وفَوْقَهُ ودُونَهُ، يَسْتَعِدُّ بِهِ لِلشِّتاءِ، يُسَمّى القَصْرُ، واحِدُهُ قَصْرَةٌ وهو المُرادُ في الآيَةِ، وإنَّما سُمِّيَ بِالقَصّارِ لِأنَّهُ يُحْيطُ بِالقَصْرَةِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: "القَصْرُ" حِزَمُ الحَطَبِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وابْنُ جُبَيْرٍ: "كالقَصْرِ" بِفَتْحِ الصادِ، جَمْعُ قَصْرَةٍ وهي أعْناقُ الخَيْلِ والإبِلِ، وكَذَلِكَ أيْضًا هي في الناسِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جُذُورُ النَخْلِ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ: "كالقِصَرِ" بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصادِ، وهي جَمْعُ قَصْرَةٍ كَحَلْقَةٍ وحِلَقٍ مِنَ الحَدِيدِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "الجَمالاتِ"، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هي جَمْعُ "جِمالٍ" عَلى صَحِيحِ البِناءِ كَرِجالٍ ورِجالاتٍ، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ بِالصُفْرِ: السُودُ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ بَيْتَ الأعْشى: تِلْكَ خَيْلِي مِنهُ، وتِلْكَ رِكابِي ∗∗∗ هُنَّ صُفْرُ أولادِها كالزَبِيبِ وَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: بَلْ "الصُفْرُ": الفاقِعَةُ لِأنَّها أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَرَرِ، وشَبَّهَ الشَرَرَ بِالجِمالاتِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "صُفُرٌ" بِضَمِّ الصادِ والفاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ قُلُوسُ السُفُنِ، وهي جِمالاتُها العِظامُ إذا جُمِعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الجِمالاتُ" قِطَعُ النُحاسِ الكِبارِ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنَ اسْمِ الجُمْلَةِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ.

"جِمالَةٌ" بِكَسْرِ الجِيمِ لَحِقَتِ التاءَ جِمالًا لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ فَهي كَحِجْرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشُ: "جُمالَةٌ" بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ والجُمْهُورُ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ "جِمالاتٌ" عَلى ما تُفَسَّرُ بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ - بِخِلافٍ عنهُما: "جُمالاتٌ" بِضَمِّ الجِيمِ، واخْتُلِفَ عن نافِعٍ وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وكانَ ضَمُّ الجِيمِ فِيها مِنَ الجُمْلَةِ لا مِنَ الجُمَلِ وكَسْرِها مِنَ الجِمَلِ لا مِنَ الجِمْلَةِ.

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى المُكَذِّبِينَ قالَ مُخاطِبًا لِمُحَمَّدٍ  "هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ" أيْ: يَوْمُ القِيامَةِ أسْكَتَتْهُمُ الهَيْبَةُ وذُلُّ الكُفْرِ، وهَذا في مَوْطِنٍ خاضِّ فَإنَّهم لا يَنْطِقُونَ فِيهِ؛ إذْ قَدْ نَطَقَ القُرْآنُ بِنُطْقِهِمْ: "رَبَّنا أخْرِجْنا"، "رَبَّنا أمِتْنا".

فَهي مَواطِنُ، و"يَوْمَ" مُضافٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: "لا يَنْطِقُونَ".

وقَرَأ الأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: "هَذا يَوْمٌ"، لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ، فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا وتَكُونَ الإشارَةُ بِـ "هَذا" إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ كالقَصْرِ، وقَوْلَهُ "فَيَعْتَذِرُونَ" مَعْطُوفٌ عَلى "يُؤْذَنُ" ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ يَوْمَئِذٍ، و"الأوَّلُونَ" المُشارُ إلَيْهِمْ قَوْمُ نُوحِ وغَيْرُهم مِمَّنْ جاءَ في صَدْرِ الدُنْيا وعَلى وجْهِ الدَهْرِ.

ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَبِيدَهُ الكُفّارَ المُسْتَوْجَبِينَ عِقابَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ" أيْ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ أو مَكِيدَةٌ تُنْجِيكم فافْعَلُوها.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى ظِلَـٰلٍۢ وَعُيُونٍۢ ٤١ وَفَوَٰكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ٤٢ كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ هَنِيٓـًٔۢا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٤٣ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ٤٤ وَيْلٌۭ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْمُكَذِّبِينَ ٤٥ كُلُوا۟ وَتَمَتَّعُوا۟ قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ ٤٦ وَيْلٌۭ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْمُكَذِّبِينَ ٤٧ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُوا۟ لَا يَرْكَعُونَ ٤٨ وَيْلٌۭ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْمُكَذِّبِينَ ٤٩ فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَهُۥ يُؤْمِنُونَ ٥٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ ﴾ ﴿ وَفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ ﴾ ﴿ كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلا إنَّكم مُجْرِمُونَ ﴾ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ ﴾ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ ذَكَرَ تَعالى حالَةَ المُتَّقِينَ بِعَقِبِ ذِكْرِ حالَةِ أهْلِ النارِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، و"الظِلالُ" في الجَنَّةِ عِبارَةٌ عن تَكاثُفِ الأشْجارِ وجَوْدَةِ المَبانِي، وإلّا فَلا شَمْسَ تُؤْذِي هُنالِكَ حَتّى يَكُونَ ظِلٌّ يُجِيرُ مِن حَرِّها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فِي ظِلالٍ"، وقَرَأ الأعْرَجُ، والأعْمَشُ: "فِي ظُلَلٍ" بِضَمِّ الظاءِ، و"العُيُونُ" الماءُ النابِعُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا يَشْتَهُونَ" إعْلامٌ بِأنَّ المَأْكَلَ والمُشْرَبَ هُنالِكَ إنَّما يَكُونُ بِرَسْمِ شَهَواتِهِمْ، بِخِلافِ ما هي الدُنْيا عَلَيْهِ، فَإنَّ ذَلِكَ فِيهِ شاذٌّ نادِرٌ، والعُرْفُ أنَّ المَرْءَ يَرُدُّ شَهْوَتَهُ إلى ما يَقْتَضِيهِ وجْدُهُ، وهُنا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَفْظُ تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا.

و"هَنِيئًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى جِهَةِ الدُعاءِ.

والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا كَذَلِكَ ﴾ كافُ تَشْبِيهٍ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما ذَكَرَهُ مِن نَعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "كُلُوا وتَمَتَّعُوا" مُخاطَبَةٌ لِقُرَيْشٍ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وهَذِهِ صِيغَةُ أمْرٍ مَعْناها التَهْدِيدُ والوَعِيدُ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ "قَلِيلًا"، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى قَرَّرَ لَهُمُ الإجْرامَ المُوجِبَ لِتَعْذِيبِهِمْ، وقالَ مَن جَعَلَ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةً: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في كَفارِّ قُرَيْشٍ، وقالَ مَن جَعَلَ هَذِهِ الآيَةَ مِنها مَدَنِيَّةً: إنْ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ لِأنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ  : حُطَّ عَنّا الصَلاةَ فَإنّا لا نَنْحَنِي فَإنَّها مَسَبَّةٌ، فَأبى رَسُولُ اللهِ  وقالَ: لا خَيْرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ ﴾ ، قِيلَ: هي حِكايَةٌ عن حالِ المُنافِقِينَ في الآخِرَةِ إذا سَجَدَ الناسُ فَأرادُوا هُمُ السُجُودَ فانْصَرَفَتْ أصْلابُهم إلى الأرْضِ وصارَتْ فَقْاراتُهم كَصَياصِي البَقَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ، وقالَ قَتادَةُ فِي آخَرِينَ هَذِهِ حالُ كَفّارِ قُرَيْشٍ في الدُنْيا كانَ رَسُولُ اللهِ  يَدْعُوهم وهم لا يُجِيبُونَ، وذِكْرُ الرُكُوعِ عِبارَةٌ عن جَمِيعِ الصَلاةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: عَنى بِالرُكُوعِ التَواضُعَ، كَما قالَ الشاعِرُ: ................

تَرى الأكَمَ فِيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ أيْ مُتَذَلِّلَةً، وتَأوَّلَ قَتادَةُ الآيَةَ قاصِدَةً الرُكُوعَ نَفْسَهُ، وقالَ: عَلَيْكم بِحُسْنِ الرُكُوعِ، والَّذِي أقُولُ: إنَّ ذِكْرَ الرُكُوعِ هُنا وتَخْصِيصَهُ مِن بَيْنِ سائِرِ أحْوالِ العِبادَةِ إنَّما كانَ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ العَرَبِ كانَ يَأْنَفُ مِنَ الرُكُوعِ والسُجُودِ، ويَراها هَيْئَةً مُنْكَرَةً، لِما كانَ في أخْلاقِهِمْ مِنَ العَجْرَفَةِ، ألا تَرى أنَّ بَعْضَهم قَدْ سُئِلَ فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ تَقُولُ: اسْتَخْذَأْتُ أوِ اسْتَخْذَيْتُ؟

فَقالَ: كُلٌّ لا أقُولُ، قِيلَ لَهُ: لِمَ؟

قالَ: لِأنَّ العَرَبَ لا تَسْتَخْذِي، فَظَنَّ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المَعْنى، ولَمْ يَفْهَمْ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ اللَفْظَةِ، وفي كِتابِ السِيَرِ عن بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ اسْتَعْفى مُتَكَلِّمًا عن قَوْمِهِ ونَفْسِهِ رَسُولَ اللهِ  مِنَ الصَلاةِ، فَلَمْ يَجِبْهُ رَسُولُ اللهِ  ، قِيلَ لَهُ لا بُدَّ مِنَ الصَلاةِ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ: سَنُؤْتِيكَها وإنْ كانَتْ دَناءَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ يُؤَيِّدُ أنَّ الآيَةَ كُلَّها في قُرَيْشٍ، والحَدِيثُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الضَمِيرُ في "بُعْدِهِ" هو القُرْآنُ، وهَذا تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ، ورُوِيَ عن يَعْقُوبَ أنَّهُ قَرَأ "تُؤْمِنُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، عَلى المُواجَهَةِ ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عامِرٍ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُرْسِلاتِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر