المحرر الوجيز سورة النبأ

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة النبأ

تفسيرُ سورةِ النبأ كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 29 دقيقة قراءة

تفسير سورة النبأ كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ ١ عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ ٢ ٱلَّذِى هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ٣ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ٤ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ٥ أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلْأَرْضَ مِهَـٰدًۭا ٦ وَٱلْجِبَالَ أَوْتَادًۭا ٧ وَخَلَقْنَـٰكُمْ أَزْوَٰجًۭا ٨ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًۭا ٩ وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ لِبَاسًۭا ١٠ وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشًۭا ١١ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًۭا شِدَادًۭا ١٢ وَجَعَلْنَا سِرَاجًۭا وَهَّاجًۭا ١٣ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَٰتِ مَآءًۭ ثَجَّاجًۭا ١٤ لِّنُخْرِجَ بِهِۦ حَبًّۭا وَنَبَاتًۭا ١٥ وَجَنَّـٰتٍ أَلْفَافًا ١٦

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَبَإ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، ولَيْسَ فِيها نَسْخٌ ولا حُكْمٌ إلّا ما قالَهُ بَعْضُ الناسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لابِثِينَ فِيها أحْقابًا  ﴾ مِن أنَّهُ مَنسُوخٌ، وهو قَوْلٌ خُلِفَ، لِأنَّ الأخْبارَ لا تُنْسَخُ، وإنَّما ذَكَرْنا هَذا القَوْلَ تَنْبِيهًا عَلى فَسادِهِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ عَمَّ يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ عَنِ النَبَإ العَظِيمِ ﴾ ﴿ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا ﴾ ﴿ والجِبالَ أوتادًا ﴾ ﴿ وَخَلَقْناكم أزْواجًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا اللَيْلَ لِباسًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا النَهارَ مَعاشًا ﴾ ﴿ وَبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا سِراجًا وهّاجًا ﴾ ﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا ﴾ ﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا ﴾ ﴿ وَجَنّاتٍ ألْفافًا ﴾ أصْلُ "عَمَّ" عن ما، ثُمَّ أُدْغِمَتِ النُونُ بَعْدَ قَلْبِها فَبَقِيَ "عَمّا" في الخَبَرِ وفي الِاسْتِفْهامِ، ثُمَّ حَذَفُوا الألِفَ في الِاسْتِفْهامِ فَرْقًا بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَبَرِ، ثُمَّ مِنَ العَرَبِ مَن يُخَفِّفُ المِيمَ تَخْفِيفًا فَيَقُولُ: "عَمَ"، وهَذا الِاسْتِفْهامُ بِـ "عَمَّ" هو اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ وتَعَجُّبٍ مِنهم.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ وعِكْرِمَةُ، وعِيسى: "عَمّا" بِالألِفِ، وقَرَأ الضَحّاكُ: "عَمَّهْ" بَهاءٍ، وهَذا إنَّما يَكُونُ عِنْدَ الوَقْفِ.

و"النَبَإ العَظِيمِ" قالَ قَوْمٌ: هو الشَرْعُ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ  ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: هو القُرْآنُ خاصَّةً، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: هو البَعْثُ مِنَ القُبُورِ.

ويُحْتَمَلُ الضَمِيرُ في "يَتَساءَلُونَ" أنْ يُرِيدَ بِهِ جَمِيعَ العالَمِ، فَيَكُونُ "الِاخْتِلافُ" حِينَئِذٍ يُرادُ بِهِ تَصْدِيقَ المُؤْمِنِينَ وتَكْذِيبَ الكافِرِينَ ونَزَغاتِ المُلْحِدِينَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَرِيدَ بِالضَمِيرِ الكَفّارَ مِن قُرَيْشٍ، فَيَكُونُ "الِاخْتِلافُ" شَكُّ بَعْضٍ وتَكْذِيبُ بَعْضٍ، وقَوْلُهم سِحْرٌ وكَهانَةٌ وجُنُونٌ وغَيْرُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَنِ النَبَإ العَظِيمِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَتَساءَلُونَ" الظاهِرِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لِمَ يَتَساءَلُونَ عن هَذا النَبَأِ؟

وقالَ الزَجّاجُ: الكَلامُ تامٌّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَمَّ يَتَساءَلُونَ ﴾ ، ثُمَّ كانَ مُقْتَضى القَوْلِ أنْ يُجِيبَ مُجِيبٌ فَيَقُولُ: يَتَساءَلُونَ عَنِ النَبَإ العَظِيمِ، فاقْتَضى إيجازُ القُرْآنِ بِبَلاغَتِهِ أنْ يُبادِرَ المُحْتَجُّ بِالجَوابِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحالُ والمُجاوَرَةُ، اقْتِضابًا لِلْحُجَّةِ وإسْراعًا إلى مَوْضِعِ قَطْعِهِمْ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلْ اللهُ شَهِيدٌ  ﴾ ، ولَهُ أمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ، وقَدْ وقَعَ التَنْبِيهُ عَلَيْها في مَواضِعِها.

وقَرَأ السَبْعَةُ والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ: "كَلّا سَيَعْلَمُونَ" بِالياءِ في المَوْضِعَيْنِ، عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، فَظاهِرُ الكَلامِ أنَّهُ رَدٌّ عَلى الكُفّارِ في تَكْذِيبِهِمْ، ووَعِيدٌ لَهم في المُسْتَقْبَلِ، وكَرَّرَ الزَجْرَ تَأْكِيدًا، وقالَ الضَحّاكُ: المَعْنى: كَلّا سَيَعْلَمُونَ، يَعْنِي الكُفّارَ عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ، ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ: يَعْنِي المُؤْمِنِينَ عَلى جِهَةِ الوَعْدِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ -فِيما رَوى عنهُ- ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، والحَسَنُ بِخِلافٍ- "كَلّا سَتَعْلَمُونَ" بِالتاءِ في المَوْضِعَيْنِ، عَلى مُخاطَبَةِ الحاضِرِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وكَرِّرْ عَلَيْهِمُ الزَجْرَ والوَعِدَ تَأْكِيدًا، وكُلُّ تَأْوِيلٍ في هَذِهِ القِراءَةِ غَيْرُ هَذا مُتَعَسِّفٌ.

وقَرَأ قَوْمٌ: "كَلّا سَيَعْلَمُونَ" بِالياءِ عَلى جِهَةِ الرَدِّ والوَعِيدِ لِلْكَفّارِ، ثُمَّ "كَلّا سَتَعْلَمُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ عَلى جِهَةِ الرَدِّ عَلى الكُفّارِ والوَعْدِ والمُؤْمِنِينَ، فالعِلْمُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى "سَتَعْرِفُونَ"، فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَدَّ.

ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى عَلى آياتِهِ وغَرائِبَ مَخْلُوقاتِهِ وقُدْرَتِهِ الَّتِي يُوجِبُ النَظَرُ فِيها الإقْرارَ بِالبَعْثِ والإيمانِ بِاللهِ تَعالى، و"المِهادُ": الفِراشُ المُمَهَّدُ الوَطْئِ، وكَذَلِكَ الأرْضُ لِبِنْيَتِها، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وعِيسى، وبَعْضُ الكُوفِيِّينَ: "مَهْدًا"، والمَعْنى نَحْوُ الأوَّلِ، وشَبَّهَ الجِبالَ"بِالأوتادِ" لِأنَّها تَمْسِكُ وتَثْقُلُ وتَمْنَعُ الأرْضَ أنْ تَمِيدَ، و"أزْواجًا" مَعْناهُ أنْواعًا في ألْوانِكم وصُوَرِكم وألْسِنَتِكُمْ، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: مُزْدَوَجَيْنِ ذَكَرًا وأُنْثى.

و"السُباتُ" السُكُونُ، وسَبَتَ الرَجُلُ مَعْناهُ: اسْتَراحَ واتَّدَعَ وتَرَكَ الشُغْلَ، ومِنهُ السُباتُ وهي عِلَّةٍ مَعْرُوفَةٍ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ السُكُونَ أوالسُكُوتَ أفْرَطَ عَلى الإنْسانِ حَتّى صارَ ضارًّا قاتِلًا، والنَوْمُ شَبِيهٌ بِهِ إلّا في الضَرَرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "سُباتًا": قِطَعًا لِلْأعْمالِ والتَصَرُّفِ، والسَبْتُ: القَطْعُ، ومِنهُ "سَبْتُ الرَجُلِ شَعْرُهُ" إذا قُطِعَ شَعْرُهُ، ومِنهُ النِعالُ السَبْتِيَّةُ وهي الَّتِي قُطِعَ عنها الشِعْرُ.

و"لِباسًا" مَصْدَرٌ، وكانَ اللَيْلُ كَذَلِكَ مِن حَيْثُ يُغْشِي الأشْخاصَ فَهي تَلْبَسُهُ وتَتَدَرَّعُهُ، ويُقالُ: جَعَلَهُ لِباسًا لِأنَّهُ يَطْمِسُ نُورَ الأبْصارِ ويَلْبَسُ عَلَيْها الأشْياءَ، والتَصْرِيفُ يُضْعِفُ هَذا القَوْلَ لِأنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ "مَلْبَسًا"، ولا يُقالُ "لِباسٌ" إلّا مِن لَبِسَ الثِيابَ ﴿ وَجَعَلْنا النَهارَ مَعاشًا ﴾ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، أو عَلى النَسَبِ، وهَذا كَما تَقُولُ "لَيْلٌ نائِمٌ"، و"السَبْعُ الشِدادُ": السَمَواتُ، والأفْصَحُ في لَفْظَةِ السَماءِ التَأْنِيثُ، ووَصَفَها بِالشِدَّةِ، لِأنَّهُ لا يُسْرِعُ إلَيْها فَسادٌ لِوِثاقَتِها، و"السِراجُ": الشَمْسُ، و"الوَهّاجُ": الحارُّ المُضْطَرِمُ الِاتِّقاِد، المُتَعالِي اللهَبِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ: إنَّ الشَمْسَ في السَماءِ الرابِعَةِ إلَيْنا ظَهْرُها، ولَهَبُها مُضْطَرِمٌ عُلُوًّا.

واخْتَلَفَ الناسُ في "المُعْصِراتِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُقاتِلٌ، وقَتادَةُ: هي السَمَواتُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، والرَبِيعُ، والضَحّاكُ: المُعْصِراتُ هى السَحابُ القاطِرَةُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ العَصْرِ؛ لِأنَّ السَحابَ يَنْعَصِرُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وبِهِ فَسَّرَ الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ العنبَرِيُّ القاضِي بَيْتَ حَسّانَ: كِلْتاهُما حَلَبُ العَصِيرِ.....

البَيْتُ.

وَقالَ بَعْضُ مَن سُمِّيَتْ: هي السَحابُ الَّتِي فِيها الماءُ ولَمّا تُمْطِرْ، كالمَرْأةِ المُعْصِرِ، وهي الَّتِي دَنا حَيْضُها ولَمْ تَحِضْ بَعْدُ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: قِيلَ لِلسَّحابِ مُعْصِراتٌ مِن حَيْثُ تُغِيثُ، فَهي مِن "العَصْرَةِ" ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "وَفِيهِ يَعْصِرُونَ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ المُعْصِراتُ: الرِياحُ لِأنَّها تَعْصِرُ السَحابَ، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ، وابْنُ عَبّاسٍ والفَضْلُ بْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ: "وَأنْزَلَنا بِالمُعْصِراتِ"، فَهَذا يُقَوِّي أنَّهُ أرادَ الرِياحَ.

و"الثَجّاجُ": السَرِيعُ الِانْدِفاعِ كَما يَنْدَفِعُ الدَمُ عن عُرُوقِ الذَبِيحَةِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  وقَدْ «قِيلَ لَهُ: ما أفْضَلَ الحَجَّ؟

فَقالَ: "العَجُّ والثَجُّ"» أرادَ: التَضَرُّعَ بِالدُعاءِ الجَهِيرِ وذَبْحِ الهَدْيِ.

و"الحُبُّ": جِنْسُ الحُبُوبِ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ الحَيَوانُ، و"النَباتُ": العُشْبُ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ رُطَبًا لِإنْسانٍ أو بَهِيمَةٍ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى مَوْضِعَ المَنفَعَتَيْنِ.

و"ألْفافًا" جَمْعُ "لُفٍّ" بِضَمِّ اللامِ، و"لُفٌّ" جَمْعُ "لَفّاءَ"، والمَعْنى مُلْتَفّاتُ الأغْصانِ والأوراقِ، وذَلِكَ أبَدًا مَوْجُودٌ مَعَ النَضْرَةِ والرَيِّ، وقالَ قَوْمٌ: "ألْفافًا" جَمْعُ "لِفَّ" بِكَسْرِ اللامِ، واللَفُّ: الجَنَّةُ المُلْتَفَّةُ بِالأغْصانِ، وقالَ الكِسائِيُّ: "ألْفافًا"، جَمْعُ "لَفِيفٍ"، وقَدْ قالَ الشاعِرُ: ؎ أحابِيشُ ألْفافٍ تَبايَنَ فَرْعُهم ∗∗∗ وجِذْمُهم عن نِسْبَةِ المُتَقَرِّبِ <div class="verse-tafsir"

إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَـٰتًۭا ١٧ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًۭا ١٨ وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَٰبًۭا ١٩ وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ٢٠ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًۭا ٢١ لِّلطَّـٰغِينَ مَـَٔابًۭا ٢٢ لَّـٰبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَابًۭا ٢٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا ﴾ ﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُورِ فَتَأْتُونَ أفْواجًا ﴾ ﴿ وَفُتِحَتِ السَماءُ فَكانَتْ أبْوابًا ﴾ ﴿ وَسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا ﴾ ﴿ إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا ﴾ ﴿ لِلطّاغِينَ مَآبًا ﴾ ﴿ لابِثِينَ فِيها أحْقابًا ﴾ "يَوْمَ الفَصْلِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى يَفْصِلُ فِيهِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وبَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، و"المِيقاتُ" مَفْعالٌ مِنَ الوَقْتِ، كَمِيعادٍ مِنَ الوَعْدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "يَوْمَ يُنْفَخُ" بَدَلٌ مِن "يَوْمَ" الأوَّلِ، و"الصُورُ": القَرْنُ الَّذِي يُنْفَخُ فِيهِ لِبَعْثِ الناسِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، ويُحْتَمَلُ هَذا المَوْضِعُ أنْ يَكُونَ "الصُوَرَ" فِيهِ جَمْعُ "صُورَةٍ" أيْ: يَوْمَ يَرُدُّ اللهُ تَعالى الأرْواحَ إلى الأبْدانِ، هَذا قَوْلُ بَعْضِهِمْ في "الصُوَرِ" وجَوَّزَهُ أبُو حاتِمٍ، والأوَّلُ أشْهَرُ، وبِهِ تَظاهَرَتِ الآثارُ، وهو ظاهِرُ كِتابِ اللهِ تَعالى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى  ﴾ ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: في "الصُوَرِ" بِفَتْحِ الواوِ.

و"الأفْواجُ": الجَماعاتُ يَتْلُو بَعْضُها بَعْضًا، واحِدُها فَوْجٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ: "وَفُتِّحَتْ"، بِشَدِّ التاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَفُتِحَتْ" دُونَ شَدٍّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكانَتْ أبْوابًا ﴾ قِيلَ مَعْناهُ: تَتَفَطَّرُ وتَتَشَقَّقُ حَتّى يَكُونَ فِيها فُتُوحٌ كالأبْوابِ في الجِداراتِ، وقالَ آخَرُونَ -فِيما حَكى مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ -: الأبْوابُ هُنا فَلْقُ الخَشَبِ الَّتِي تُجْعَلُ أبْوابًا لِفَتُوحِ الجُدْارانِ، أيْ تَتَقَطَّعُ السَماءُ قِطَعًا صِغارًا حَتّى تَكُونَ كَألْواحِ الأبْوابِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أحْسَنُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: تَتَفَتَّحُ في السَماءِ أبْوابٌ لِلْمَلائِكَةِ مِن حَيْثُ يَنْزِلُونَ ويَصْعَدُونَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكانَتْ سَرابًا ﴾ عِبارَةٌ عن تَلاشِيها وفَنائِها بَعْدَ كَوْنِها هَباءً مُنْبَثًّا، ولَمْ يُرِدْ تَعالى: أنَّ الجِبالَ تَعُودُ تُشْبِهُ الماءَ عَلى بُعْدٍ مِنَ الناظِرِ إلَيْها.

و"مِرْصادًا" مَوْضِعُ الرَصْدِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ  ﴾ ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ حَتّى يَجُوزَ عَلى جَهَنَّمَ، فَمَن كانَتْ لَهُ أسْبابُ نَجاةٍ نَجا وإلّا هَلَكَ، وقالَ قَتادَةُ: تَعْلَمُوا أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى الجَنَّةِ حَتّى تُقْطَعَ النارُ، وفي الحَدِيثِ الصَحِيحِ: « "إنَّ الصِراطَ جِسْرٌ يُنْصَبُ عَلى مَتْنِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يَجُوزُ عَلَيْهِ الناسُ، فَناجٍ ومَكْدُوسٍ"»، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "مِرْصادًا" مِفْعالٌ بِمَعْنى راصِدٍ، وقَرَأ أبُو مَعْمَرَ المُنْقِرِيُّ: "أنَّ جَهَنَّمَ" بِفَتْحِ الألِفِ، والجُمْهُورُ عَلى كَسْرِها، و"الطاغُونَ": الكافِرُونَ، و"المَآبُ: المَرْجِعُ، و"الأحْقابُ": جَمْعُ حُقَبٍ بِضَمِّ الحاءِ وفَتْحِ القافِ، وحِقَبٍ بِكَسْرِ الحاءِ، وحَقُبٍ: وضَمِّ القافِ، وهو جَمْعُ حُقْبَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ مُتَمِّمٍ: وكُنّا كَنَدْمانِيَّ جَذِيمَةَ حِقْبَةً مِنَ الدَهْرِ حَتّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعا وهِيَ المُدَّةُ الطَوِيلَةُ مِنَ الدَهْرِ غَيْرِ مَحْدُودَةٍ ويُقالُ لِلسَّنَةِ أيْضًا: حُقْبَةٌ، وقالَ بِشْرُ بْنُ كَعْبٍ: حَدُّها عَلى ما ورَدَ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ، وقالَ هِلالُ الهِجْرِيُّ: ثَمانُونَ سَنَةً، قالا: في كُلِّ سَنَةٍ، ثَلاثَمِائَةٍ وسِتُّونَ يَوْمًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: ثَمانُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وقالَ الحَسَنُ: سَبْعُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وقِيلَ: خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وقالَ أبُو أُمامَةَ عَنِ النَبِيِّ  : «إنَّهُ ثَلاثُونَ ألْفَ سَنَةٍ،» وكَثُرَ الناسُ في هَذا، واللازِمُ أنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَ عَنِ الكُفّارِ أنَّهم يَلْبَثُونَ أحْقابًا، كُلَّما مَرَّ حِقْبٌ جاءَ غَيْرُهُ، إلى غَيْرِ نِهايَةٍ، قالَ الحَسَنُ: لَيْسَ لَها عِدَّةٌ إلّا الخُلُودُ في النارِ، ومِنَ الناسِ مِن ظَنَّ لِذِكْرِ الأحْقابِ أنَّ مُدَّةَ العَذابِ تَنْحَصِرُ وتَتِمُّ، فَطَلَبُوا التَأْوِيلَ لِذَلِكَ، فَقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: الحِقْبُ سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفَ سَنَةٍ، وهي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا  ﴾ ، وقَدْ ذَكَرْنا فَسادَ هَذا القَوْلَ.

وقالَ آخَرُونَ: المَوْصُوفُونَ بِاللُبْثِ أحْقابًا هم عُصاةُ المُؤْمِنِينَ.

وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ، ما بَعْدَهُ في السُورَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّما المَعْنى: لابِثِينَ فِيها أحْقابًا غَيْرَ ذائِقِينَ بَرْدًا ولا شَرابًا، فَبِهَذِهِ الحالِ يَلْبَثُونَ أحْقابًا، ثُمَّ يَبْقى العَذابُ سَرْمَدًا وهم يَشْرَبُونَ أشْرِبَةَ جَهَنَّمَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "لابِثِينَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلْقَمَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، وعَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ "لَبِثِينَ" جَمْعُ "لَبِثٍ"، وهي قِراءَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، لِأنَّ فِعْلًا إنَّما يَكُونُ لِما صارَ خَلْقًا كَحَذِرٍ وفَرِقٍ، وقَدْ جاءَ شاذًّا فِيما لَيْسَ بِخَلْقٍ، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ في ذَلِكَ بَيْتَ لَبِيدٍ: أو مِسْحَلٍ عَمِلٍ عِضادَةَ سَمْحَجٍ ∗∗∗ بِسَراتِها نَدَبٌ لَهُ وكُلُومُ قالَ المُعْتَرِضُ في القِراءَةِ: لا حُجَّةَ في هَذا البَيْتِ لِأنَّ "عَمَلًا" قَدْ صارَ كالخَلْقِ الَّذِي واظَبَ عَلى العَمَلِ بِهِ حَتّى أنَّهُ لِيُسَمّى بِهِ في وقْتٍ لا يَعْمَلُ فِيهِ، كَما تَقُولُ "كاتِبٌ" لِمَن كانَتْ لَهُ صِناعَةٌ وإنْ لَمْ يَكْتُبْ أكْثَرَ أحْيانِهِ، قالَ المُحْتَجُّ لَها: شِبْهُ "لَبَثَ" لدَوامِهِ بِالخُلُقِ لَمّا صارَ اللُبْثُ مِن شَأْنِهِ.

<div class="verse-tafsir"

لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًۭا وَلَا شَرَابًا ٢٤ إِلَّا حَمِيمًۭا وَغَسَّاقًۭا ٢٥ جَزَآءًۭ وِفَاقًا ٢٦ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ لَا يَرْجُونَ حِسَابًۭا ٢٧ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا كِذَّابًۭا ٢٨ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَـٰهُ كِتَـٰبًۭا ٢٩ فَذُوقُوا۟ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا ٣٠ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ٣١ حَدَآئِقَ وَأَعْنَـٰبًۭا ٣٢ وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًۭا ٣٣ وَكَأْسًۭا دِهَاقًۭا ٣٤ لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًۭا وَلَا كِذَّٰبًۭا ٣٥ جَزَآءًۭ مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَابًۭا ٣٦ رَّبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلرَّحْمَـٰنِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًۭا ٣٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا ﴾ ﴿ إلا حَمِيمًا وغَسّاقًا ﴾ ﴿ جَزاءً وِفاقًا ﴾ ﴿ إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا ﴾ ﴿ وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا ﴾ ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ كِتابًا ﴾ ﴿ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا ﴾ ﴿ إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا ﴾ ﴿ حَدائِقَ وأعْنابًا ﴾ ﴿ وَكَواعِبَ أتْرابًا ﴾ ﴿ وَكَأْسًا دِهاقًا ﴾ ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا ﴾ ﴿ جَزاءً مِن رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا ﴾ ﴿ رَبِّ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما الرَحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والكِسائِيُّ، والفَضْلُ بْنُ خالِدٍ، ومُعاذٌ النَحْوِيُّ: البَرْدُ في هَذِهِ الآيَةِ النُوَّمُ، والعَرَبُ تَسِمُهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَبْرِدُ سُورَةَ العَطَشِ، ومِن كَلامِهِمْ: "مَنَعَ البَرْدُ البَرْدَ"، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: "البَرْدُ في الآيَةِ: مَسُّ الهَواءِ البارِدِ، وهو القَرُّ، أيْ: لا يَمَسُّهم مِنهُ ما يَسْتَلِذُّ ويَكْسِرُ عَذابَ الحَررِّ، فالذَوْقُ -عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ- مُسْتَعارٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: البَرْدُ الشَرابُ البارِدُ المُسْتَلَذُّ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: يَسْقُونَ مِن ورْدِ البَرِيصِ عَلَيْهِمْ بِرَدى يُصَفِّقُ بِالرَحِيقِ السَلْسَلِ وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: أمانِي مِن سُعْدى حِسانٌ كَأنَّما ∗∗∗ سَقَتْكَ بِها سُعْدى عَلى ظَمَأٍ بَرْدا ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا شَرابًا ﴾ ﴿ إلا حَمِيمًا ﴾ ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، و"الحَمِيمُ": الحارُّ الذائِبُ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في الماءِ السُخْنِ والعَرَقِ، ومِنهُ الحَمّامُ، وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الحَمِيمُ دُمُوعُ أعْيُنِهِمْ، وقالَ النَقّاشُ: الحَمِيمُ الصُفْرُ المُذابُ المُتَناهِي الحَرِّ، واخْتَلَفَ الناسُ في "الغَسّاقِ"، فَقالَ قَتادَةُ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو ما يَسِيلُ مِن أجْسامِ أهْلِ النارِ مِن صَدِيدٍ ونَحْوِهِ، يُقالُ: غَسَقَ الجُرْحُ: إذا سالَ مِنهُ قَيْحٌ ودَمٌ، وغَسَقَتِ العَيْنُ: إذا دَمَعَتْ وإذا خَرَجَ قَذاها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: الغَسّاقُ مَشْرُوبٌ لَهم مُفْرِطُ الزَمْهَرِيرِ، كَأنَّهُ في الطَرَفِ الثانِي مِنَ الحَمِيمِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِبَرْدِهِ.

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ بِرِيدَةَ: "الغَسّاقُ" المُنْتِنُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وجَماعَةٌ مِنَ الجُمْهُورِ: "غَساقًا" مُخَفَّفَةَ السِينِ، وهو اسْمٌ عَلى ما قَدَّمْناهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والشَعْبِيُّ، والحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "غَسّاقًا" مُشَدَّدَةَ السِينِ، وهي صِفَةٌ أُقِيمَتْ مَقامَ المَوْصُوفِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ومَشْرُوبًا غَسّاقًا، أيْ سائِلٌ مِن أبْدانِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَزاءً وِفاقًا ﴾ مَعْناهُ: لِأعْمالِهِمْ وكُفْرِهِمْ، أيْ: هو جَزاؤُهُمُ الجَدِيرُ بِهِمْ، المُوافِقُ مَعَ التَحْذِيرِ لِأعْمالِهِمْ، فَهي كُفْرٌ والجَزاءُ نارٌ.

و"يَرْجُونَ" قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: يَخافُونَ، وقالَ غَيْرُهُ: الرَجاءُ هُنا عَلى بابِهِ، ولا رَجاءَ إلّا وهو مُقْتَرِنٌ بِخَوْفٍ، ولا خَوْفَ إلّا وهو مُقْتَرِنٌ بِرَجاءٍ، فَذَكَرَ أحَدَ القِسْمَيْنِ لِأنَّ المَقْصِدَ العِبارَةُ عن تَكْذِيبِهِمْ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّهم كانُوا لا يُصَدِّقُونَ بِالحِسابِ، فَهم لِذَلِكَ لا يَرْجُونَهُ ولا يَخافُونَهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كَذّابًا" بِشَدِّ الذالِ وكَسْرِ الكافِ، وهو مَصْدَرٌ بِلُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ، وهي يَمانِيَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ أحَدِهِمْ وهو يَسْتَفْتِي: "الحَلْقُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ القِصّارُ"؟

ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لَقَدْ طالَما ثَبَّطَتْنِي عن صَحابَتَيْ ∗∗∗ وعن حِوَجٍ قَضاؤُها مِن شِفائِيا وهَذا عِنْدَهم مَصْدَرٌ مَن فَعَّلَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في هَذا المَوْضِعِ في "كِذّابًا"، وأراهُ أرادَ السَبْعَةَ، وأمّا في الشاذِّ فَقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَوْفُ الأعْرابِيُّ، وعِيسى -بِخِلافٍ- والأعْمَشُ، وأبُو رَجاءٍ: "كِذّابًا" بِكَسْرِ الكافِ وبِتَخْفِيفِ الذالِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: "كُذّابًا" بِضَمِّ الكافِ وشَدِّ الذالِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ كاذِبٍ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ ﴾ يُرِيدُ كُلَّ شَيْءٍ شَأْنُهُ أنْ يُحْصى، وفي هَذا الخَبَرِ رَبْطٌ لِأجْزاءِ القِصَّةِ بِأوَّلِها أيْ: هم مُكَذِّبُونَ وكافِرُونَ ونَحْنُ قَدْ أحْصَيْنا فالقَوْلُ لَهم في الآخِرَةِ: "ذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلّا عَذابًا"، وكانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما يَقُولُ: ما نَزَلَتْ في أهْلِ النارِ آيَةٌ أشَدُّ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا ﴾ ورَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ  .

وَلَمّا ذَكَرَ تَعالى أمْرَ أهْلِ النارِ عَقَّبَ بِذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، و"المَفازُ" مَوْضِعُ الفَوْزِ؛ لِأنَّهم زُحْزِحُوا عَنِ النارِ، وأُدْخِلُوا الجَنَّةَ، و"الحَدائِقُ" البَساتِينُ الَّتِي عَلَيْها جِدْراتٌ أوَ حَظائِرُ، و"أتْرابًا" مَعْناهُ: عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ، والتُرْبانُ هُما اللَذانِ مَسّا التُرابَ في وقْتٍ واحِدٍ، و"الدِهاقُ" المُتْرَعَةُ فِيما قالَ الجُمْهُورُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ مَعْناهُ: المُتابَعَةُ، وهي مِنَ الدَهْقِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هي الصافِيَةُ، وفي البُخارِيِّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَمِعْتُ أُبَيَّ في الجاهِلِيَّةِ يَقُولُ لِلسّاقِي: اسْقِنا كَأْسًا دِهاقًا.

و"اللَغْوُ" سَقْطُ الكَلامُ، وهو ضُرُوبٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في "كِذّابًا" إلّا أنَّ الكِسائِيَّ مِنَ السَبْعَةِ قَرَأ في هَذا المَوْضِعِ "كَذابًا" بِالتَخْفِيفِ، وهو مَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: فَصَدَقْتُها وكَذَبْتُها والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذابُهُ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: "حِسابًا"، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ واللُغَوِيِّينَ: مَعْناهُ: مُحْسِبًا، أيْ كافِيًا، مِن قَوْلِهِمْ: أحْسَبُنِي هَذا الأمْرَ، أيْ كَفانِي، ومِنهُ، حَسْبِيَ اللهُ، وقالَ مُجاهِدٌ مَعْناهُ: إنَّ "حِسابًا" مَعْناهُ: مُقْسِطًا عَلى الأعْمالِ، لِأنَّ نَفْسَ دُخُولِ الجَنَّةِ هو بِرَحْمَةِ اللهِ وتَفَضُّلِهِ لا بِعَمَلٍ، والدَرَجاتُ فِيها والنِعَمُ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، فَإذا ضاعَفَ اللهُ تَعالى لِقَوْمٍ حَسَناتِهِمْ بِسَبْعِمائَةٍ مَثَلًا ومِنهُمُ المُكْثِرُ مِنَ الأعْمالِ والمُقِلُّ أخَذَ كُلَّ واحِدٍ سَبْعَمِائَةٍ بِحَسَبِ عَمَلِهِ، وكَذَلِكَ في كُلِّ تَضْعِيفٍ، فالحِسابُ ها هو بِمُوازَنَةِ أعْمالِ القَوْمِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ "حِسابًا" بِكَسْرِ الحاءِ وتَخْفِيفِ السِين مَفْتُوحَةً، وقَرَأ ابْنُ قَطِيبٍ "حِسابًا" بِفَتْحِ الحاءِ وشَدِّ السِينِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: جاءَ بِالِاسْمِ مِن أفْعَلَ عَلى فِعالٍ كَما قالُوا: أدْرَكَ فَهُوَ: دِراكٌ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وسِراجٌ: " عَطاءً حَسَنًا" بِالنُونِ مِنَ الحُسْنِ، وحَكى عنهُ المَهْدَوِيُّ أنَّهُ قَرَأ: "حَسِبا" بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ السِينِ وبِالباءِ، وقَرَأ شُرَيْحُ بْنُ يَزِيدَ الحِمْصِيُّ: "حِسّابًا" بِكَسْرِ الحاءِ وشَدِّ السِينِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأهْلُ الحَرَمَيْنِ: "رَبُّ" بِالرَفْعِ، وكَذَلِكَ "الرَحْمَنُ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ: "رَبِّ" بِالخَفْضِ، وكَذَلِكَ "الرَحْمَنِ".

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "رَبِّ": بِالخَفْضِ، و"الرَحْمَنُ" بِالرَفْعِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ- بِخِلافٍ عنهُما ووُجُوهُ هَذِهِ القِراءاتِ بَيِّنَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا" الضَمِيرُ لِلْكُفّارِ، أيْ: لا يَمْلِكُونَ مِن أفْضالِهِ وإجْمالِهِ أنْ يُخاطِبُوهُ بِمَعْذِرَةٍ ولا غَيْرِها، وهَذا في مَوْطِنٍ خاصٍّ.

<div class="verse-tafsir"

يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ صَفًّۭا ۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَابًۭا ٣٨ ذَٰلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ مَـَٔابًا ٣٩ إِنَّآ أَنذَرْنَـٰكُمْ عَذَابًۭا قَرِيبًۭا يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ تُرَٰبًۢا ٤٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَحْمَنُ وقالَ صَوابًا ﴾ ﴿ ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا ﴾ ﴿ إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ويَقُولُ الكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في "الرُوحُ" المَذْكُورَةُ في هَذا المَوْضِعِ- فَقالَ الشَعْبِيُّ والضَحّاكُ: هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، ذَكَرَهُ خاصَّةً مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ تَشْرِيفًا، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هو مَلِكٌ عَظِيمٌ، أكْبَرُ المَلائِكَةِ خِلْقَةً يُسَمّى "بِالرُوحِ"، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ أبِي يَقُولُ هو القُرْآنُ، وقَدْ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ أوحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا  ﴾ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالقِيامُ فِيهِ مُسْتَعارٌ يُرادُ بَيانُهُ وظُهُورُهُ وشِدَّةُ آثارِهِ، والأشْياءُ الكائِنَةُ عن تَصْدِيقِهِ أو تَكْذِيبِهِ، ومَعَ هَذا في القَوْلِ قَلَقٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: الرُوحُ خَلْقٌ عَلى صُورَةِ بَنِي آدَمَ يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ النَبِيِّ  : « "الرُوحُ خَلْقٌ غَيْرُ المَلائِكَةِ، وحَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ كَما المَلائِكَةُ حَفَظَةٌ لِلْأنْبِياءِ ولَنا"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: الرُوحُ هُنا اسْمُ جِنْسٍ: يُرادُ بِهِ أرْواحُ بَنِي آدَمَ، والمَعْنى: يَوْمَ تَقُومُ الرُوحُ في أجْسادِها إثْرَ البَعْثِ والنَشْأةِ الآخِرَةِ، ويَكُونُ الجَمِيعُ مِنَ الإنْسِ والمَلائِكَةِ صَفًّا، ولا يَتَكَلَّمُ أحَدٌ هَيْبَةً وفَزَعًا، إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَحْمَنُ مِن مَلَكٍ أو نَبِيٍّ، وكانَ أهْلًا أنْ يَقُولَ صَوابًا في ذَلِكَ المَوْطِنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الضَمِيرُ في "يَتَكَلَّمُونَ" عائِدٌ عَلى الناسِ خاصَّةً و"الصَوابُ" المُشارُ إلَيْهِ هو "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، قالَ عِكْرِمَةُ: أيْ قالَها في الدُنْيا.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ" أيْ: الحَقُّ كَوْنُهُ ووُجُودُهُ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ وتَحْرِيضٌ، و"المَآبُ": المَرْجِعُ ومَوْضِعُ الأوبَةِ، والضَمِيرُ الَّذِي هو الكافُ والمِيمُ في "أنْذَرْتُكُمْ" هو لِجَمِيعِ العالَمِ وإنْ كانَتِ المُخاطَبَةُ لِمَن حَضَرَ النَبِيَّ  مِنَ الكُفّارِ، و"العَذابُ القَرِيبُ" عَذابُ الآخِرَةِ، ووَصْفَهُ بِالقُرْبِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وأنَّهُ آتٍ وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، والجَمِيعُ داخِلٌ في النِذارَةِ مِنهُ، "وَنَظَرُ المَرْءِ إلى ما قَدَّمَتْ يَداهُ مَن عَمِلٍ" قِيامُ لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "المَرْءُ" هُنا المُؤْمِنُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "المُرْءُ" بِضَمِّ المِيمِ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُ الكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا ﴾ قِيلَ: إنَّ هَذا تَمَنٍّ أنْ يَكُونَ شَيْئًا حَقِيرًا لا يُحاسَبُ ولا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وهَذا قَدْ نَجِدُهُ في الخائِفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَقَدْ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَيْتَنِي كُنْتُ بَعْرَةً"، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ اللهَ تَعالى يُحْضِرُ البَهائِمَ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقْتَصُّ لِبَعْضِها مِن بَعْضٍ، ثُمَّ يَقُولُ لَها بَعْدِ ذَلِكَ: كُونِي تُرابًا، فَيَعُودُ جَمِيعُها تُرابًا، فَإذا رَأى الكُفّارُ ذَلِكَ تَمَنّى مِثْلَهُ، قالَ أبُو القاسِمِ بْنُ حَبِيبٍ: رَأيْتُ في بَعْضِ التَفاسِيرِ أنَّ الكافِرَ هَنا إبْلِيسُ إذا رَأى ما حَصَلَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن بَنِي آدَمَ مِنَ الثَوابِ قالَ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا، أيْ كَآدَمَ الَّذِي خُلِقَ مِن تُرابٍ واحْتَقَرَهُ هو أوَّلًا.

كَمُلَ تَفْسِيرُ [سُورَةِ النَبَإ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله