الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة البروج
تفسيرُ سورةِ البروج كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 17 دقيقة قراءةبِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ البُرُوجِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ لا خِلافَ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والسَماءِ ذاتِ البُرُوجِ ﴾ ﴿ واليَوْمِ المَوْعُودِ ﴾ ﴿ وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ ﴾ ﴿ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ ﴾ ﴿ النارِ ذاتِ الوَقُودِ ﴾ ﴿ إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ ﴾ ﴿ وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴾ ﴿ وَما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ ﴾ ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في "البُرُوجِ"، فَقالَ الضَحّاكُ وقَتادَةُ: هي القُصُورُ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: كَأنَّها بُرْجٌ رُومِيٌّ يُشَيِّدُهُ بانٍ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: البُرُوجُ: النُجُومُ لِأنَّها تَتَبَرَّجُ بِنُورِها، والتَبَرُّجُ: التَظاهُرُ والتَبَدِّي، وقالَ الجُمْهُورُ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: البُرُوجُ هي المَنازِلُ الَّتِي عَرَفَتْها العَرَبُ، وهي اثْنا عَشَرَ عَلى ما قَسَّمَتْهُ العَرَبُ وهي الَّتِي تَقْطَعُها الشَمْسُ في سَنَةُ والقَمَرُ في ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: ذاتُ الرَمْلِ والماءِ يُرِيدُ أنَّها مَبْنِيَّةٌ في السَماءِ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
و"اليَوْمِ المَوْعُودِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقٍ، قالَهُ النَبِيُّ ، ومَعْناهُ: المَوْعُودُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: و"مَشْهُودٍ" مَعْناهُ: عَلَيْهِ، أو بِهِ، أو فِيهِ، وهَذا يَتَرَتَّبُ بِحَسْبَ الخِلافِ في تَعْيِينِ المُرادِ بـ ﴿ وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ ﴾ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الناسُ في المُشارِ إلَيْهِ بِهِما، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما الشاهِدُ: اللهُ تَعالى، والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ: الشاهِدُ: مُحَمَّدٌ ، والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ﴾ ، وقالَ تَعالى في يَوْمِ القِيامَةِ: ﴿ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ﴾ .
وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ أيْضًا: الشاهِدُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ذُرِّيَّتِهِ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ.
و"شاهِدٍ" اسْمُ جِنْسٍ عَلى هَذا، وقالَ بَعْضُ مَن بَسَطَ قَوْلَ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ "شاهِدٍ" يُرادُ بِهِ رِجْلٌ فَرْدٌ أو نَسَمَةٌ مِنَ النَسَمِ، فَفي هَذا تَذْكِيرٌ بِحَقارَةِ المِسْكِينِ ابْنِ آدَمَ، و"المَشْهُودِ" يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الشاهِدُ: يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الجُمْعَةِ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، وابْنُ المُسَيِّبِ وقَتادَةُ: "شاهِدٍ" يَوْمُ القِيامِهِ، و"مَشْهُودٌ" الناسُ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الشاهِدُ: أنْتَ يا بْنَ آدَمَ، والمَشْهُودُ: اللهُ تَعالى، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ بِالعَكْسِ، وتَلا: ( وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا )، وقالَ أبُو مالِكٍ: الشاهِدُ: عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، والمَشْهُودُ: أُمَّتُهُ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ﴾ ، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: "شاهِدٍ": يَوْمُ التَرْوِيَةِ، و"مَشْهُودٍ": يَوْمُ عَرَفَةَ، وقالَ بَعْضُ الناسِ في كِتابِ النَقّاشِ: الشاهِدُ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، والمَشْهُودُ يَوْمُ الجُمْعَةِ، وذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الشاهِدُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ النَحْرِ، وعنهُ أيْضًا: "شاهِدٍ": يَوْمُ القِيامَةِ، و"مَشْهُودٍ": يَوْمُ عَرَفَةَ، وَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ : « "شاهِدٍ": يَوْمُ الجُمْعَةَ، و"مَشْهُودٍ" يَوْمُ عَرَفَةَ،» قالَهُ عَلِيٌّ وأبُو بَكْرٍ والحَسَنُ.
وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: الشاهِدُ: يَوْمُ الأضْحى، والمَشْهُودُ: يَوْمُ عَرَفَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ووَصَفَ هَذِهِ الأيّامَ بِشاهِدٍ لِأنَّها تَشْهَدُ لِحاضِرِيها بِالأعْمالِ، والمَشْهُودُ فِيما مَضى مِنَ الأقْوالِ بِمَعْنى المُشاهَدِ -بِفَتْحِ الهاءِ-، وقالَ التِرْمِذِيُّ: الشاهِدُ: المَلائِكَةُ الحَفَظَةُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ: الناسُ، وقالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى -عِنْدَ الثَعْلَبِيِّ -: الشاهِدُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أُمَّتُهُ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ﴾ ، أيْ شاهِدًا، وقِيلَ: الشاهِدُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أُمَمُهُمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: الشاهِدُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ قَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ وسائِرُ الأُمَمِ حَسَبَ الحَدِيثِ المَنصُوصِ في ذَلِكَ.
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: الشاهِدُ، الجَوارِحُ الَّتِي تَنْطِقُ يَوْمَ القِيامَةِ فَتَشْهَدُ عَلى أصْحابِها، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أصْحابُها، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ المَلائِكَةُ المُتَعاقِبُونَ في الأُمَّةِ، والمَشْهُودُ قُرْآنُ الفَجْرَ، وتَفْسِيرُهُ ﴿ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا ﴾ .
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ النَجْمُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِ اللَيْلُ والنَهارُ، أيْ: يَشْهَدُ النَجْمُ بِإقْبالِ هَذا وإدْبارِ هَذا، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "حَتّى يَطَّلِعَ الشاهِدُ"،» "الشاهِدُ النَجْمُ" وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ هو اللهُ تَعالى والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ، والمَشْهُودُ بِهِ الوَحْدانِيَّةُ وأنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ، وقِيلَ: الشاهِدُ: مَخْلُوقاتُ اللهِ تَعالى، والمَشْهُودُ بِهِ وحْدانِيَّتُهُ، وأنْشَدَ الثَعْلَبِيُّ في هَذا المَعْنى قَوْلَ الشاعِرِ: وفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ وَ"قُتِلَ" مَعْناهُ: فَعَلَ اللهُ بِهِمْ ذَلِكَ لِأنَّهم أهْلٌ لَهُ، فَهو عَلى جِهَةِ الدُعاءِ بِحَسَبِ البَشَرِ، لا أنَّ اللهَ تَعالى يَدْعُو عَلى أحَدٍ، وقِيلَ -عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -: مَعْناهُ: لَعَنَ، وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، وقِيلَ: هو إخْبارٌ بِأنَّ النارَ قَتَلَتْهُمْ، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وسَيَأْتِي بَيانُهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في أصْحابِ الأُخْدُودِ، فَقِيلَ: هو قَوْمٌ كانُوا عَلى دِينٍ، وكانَ لَهم مَلِكٌ، فَزَنى بِأُخْتِهِ، ثُمَّ حَمَلَهُ بَعْضُ الناسِ عَلى أنْ يَسُنَّ في الناسِ نِكاحَ الأخَواتِ والبَناتِ، فَحَمَلَ الناسَ عَلى ذَلِكَ، فَأطاعَهُ كَثِيرٌ وعَصَتْهُ فَرِقَّةٌ، فَخَذَّ لَهم أخادِيدَ، وهي حَفائِرُ طَوِيلَةٌ كالخَنادِقِ، وأضْرَمَ لَهم نارًا وطَرَحَهم فِيها، ثُمَّ اسْتَمَرَّتِ المَجُوسِيَّةُ في مَطِيعِيهِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: صاحِبُ الأُخْدُودِ مَلِكٌ مِن حِمْيَرَ، كانَ بِمَزارِعَ مِنَ اليَمَنِ، اقْتَتَلَ هو والكُفّارُ مَعَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ غَلَبَ في آخِرِ الأمْرِ، فَحَرَقَهم عَلى دِينِهِ إذْ أبَوْا دِينَهُ، ومِنهم كانَتِ المَرْأةُ ذاتُ الطِفْلِ الَّتِي تَلَكَّأتْ فَقالَ لَها الطِفْلُ: امْضِ في النارِ فَإنَّكِ عَلى الحَقِّ.
وحَكى النَقّاشُ عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، أنَّ نَبِيَّ أصْحابِ الأُخْدُودِ كانَ حَبَشِيًّا، وأنَّ الحَبَشَةَ بَقِيَّةُ أصْحابِ الأُخْدُودِ، وقِيلَ: أصْحابُ الأُخْدُودِ ذُو نُواسِ في قِصَّةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الثامِرِ الَّتِي وقَعَتْ في السَيْرِ، وقِيلَ: كانَ أصْحابُ الأُخْدُودِ في بَنِي إسْرائِيلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ صْاحِبَّ الأُخْدُودِ هو مُحَرِّقُ، وأنَّهُ الَّذِي حَرَّقَ مِن بَنِي تَمِيمٍ المِائَةَ، ويَعْتَرِضُ هَذا القَوْلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴾ ، فَيَنْفَصِلُ عن هَذا الِاعْتِراضِ بِأنَّ هَذا الكَلامَ مُنْقَطِعٌ مِن قِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ، وأنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "هُمْ"قُرَيْشٌ الَّذِينَ كانُوا يَفْتِنُونَ الناسَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في جَوابِ القَسَمِ، فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: هو مَحْذُوفٌ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: هو قَوْلُهُ تَعالى: "قُتِلَ"، والتَقْدِيرُ: لَقُتِلَ، وقالَ قَتادَةُ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾ ، وقالَ آخَرُونَ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: "النارِ" بَدَلٌ مِن "الأُخْدُودِ"، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ "النارِ" بِخَفْضِ الراءِ، وقَرَأ قَوْمٌ "النارُ" بِالرَفْعِ، عَلى مَعْنى: قَتَلَتْهُمُ النارُ.
و"الوَقُودُ" بِالضَمِّ- مَصْدَرٌ مِن: وُقِدَتِ النارُ إذا اضْطَرَمَتْ، و"الوَقُودُ" -بِفَتْحِ الواوِ- ما تُوقَدُ بِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ: بِضَمِّها.
وكانَ مِن قِصَّةِ هَؤُلاءِ أنَّ الكُفّارَ قَعَدُوا، وضَمَّ المُؤْمِنُونَ فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الدُخُولَ في الكُفْرِ، فَمَن أبى رُمِيَ في أُخْدُودِ النارِ فاحْتَرَقَ، فَرُوِيَ أنَّهُ احْتَرَقَ عِشْرُونَ ألْفًا، قالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وأبُو العالِيَةِ: بَعَثَ اللهُ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ رِيحًا فَقَبَضَتْ أرْواحَهُمْ، أو نَحْوَ هَذا، وخَرَجَتِ النارُ وأحْرَقَتِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى حافَّتَيِ الأُخْدُودِ، وعَلى هَذا يَجِيءُ "قُتِلَ" خَبَرا الِادِّعاءِ، وقالَ قَتادَةُ: ﴿ إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ.
و"نَقَمُوا" مَعْناهُ: اعْتَدَوْا وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَقَمُوا" بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَقِمُوا" بِكَسْرِ القاءِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ ﴾ ﴿ إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾ ﴿ إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ ﴾ ﴿ وَهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ ﴾ ﴿ ذُو العَرْشِ المَجِيدُ ﴾ ﴿ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ ﴾ "فَتَنُوا" مَعْناهُ: أحْرَقُوا، وفَتَنْتُ الذَهَبَ والفِضَّةَ في النارِ: أحْرَقَتَهُما، والفَتِينُ: حِجارَةُ الحُرَّةِ السُودُ لِأنَّ الشَمْسَ كَأنَّها أحْرَقَتْها.
ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآياتِ الأواخِرَ في قُرَيْشٍ جَعَلَ الفِتْنَةَ الِامْتِحانَ والتَعْذِيبَ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ بَعْضُ التَقْوِيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ﴾ ؛ لِأنَّ هَذا اللَفْظَ في قُرَيْشٍ أحْكَمُ مِنهُ في أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ عَلِمَ أنَّهم ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ، وأمّا قُرَيْشٌ فَكانَ فِيهِمْ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مَن تابَ بَعْدَ ذَلِكَ وآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ، و"جَهَنَّمُ والحَرِيقُ" طَبَقَتانِ مِنَ النارِ، ومَن قالَ إنَّ النارَ خَرَجَتْ فَأحْرَقَتِ الكُفّارَ القُعُودَ جُعِلَ الحَرِيقُ في الدُنْيا.
و"البَطْشُ" الأخْذُ بِقُوَّةٍ وسُرْعَةٍ، "وَيُبْدِئُ ويُعِيدُ" قالَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: "يُبْدِئُ" الخَلْقَ بِالإنْشاءِ و"يُعِيدُ" بِالحَشْرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما مَعْناهُ: إنَّ ذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ، فَهي عِبارَةٌ عن أنَّهُ يَفْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ، أيْ: يُبْدِئُ كُلَّ ما يَبْدَأُ ويُعِيدُ كُلَّ ما يُعادُ، وهَذانَ قِسْمانِ يَسْتَوْفِيانِ جَمِيعَ الأشْياءِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: يُبْدِئُ العَذابَ ويُعِيدُهُ عَلى الكُفّارِ.
وَ"الغَفُورُ الوَدُودُ" صِفَتا فِعْلٍ، الأُولى سَتْرٌ عَلى عِبادِهِ، والثانِيَةُ لُطْفٌ بِهِمْ وإحْسانٌ إلَيْهِمْ، وخَصَّصَ العَرْشَ بِإضافَةِ نَفْسِهِ إلَيْهِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "المَجِيدِ" بِخَفْضِ الدالِ صِفَةً لِلْعَرْشِ، وهَذا عَلى أنَّ المَجْدَ والتَمَجُّدَ قَدْ يُوصَفُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ المَوْجُوداتِ، وقَدْ قالُوا: مَجَدَتِ الدابَّةُ إذا سَمِنَتْ، وأمْجَدَتْها إذا أحْسَنَتْ عَلَيْها، وقالُوا: "فِي كُلِّ شَجَرٍ نارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعِفارُ"، أيْ كَثُرَتْ نارُهُما، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: "المَجِيدُ" بِالرَفْعِ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعالى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ذُو العَرْشِ"، ورَوى ابْنُ عامِرٍ: "ذِي العَرْشِ" نَعْتًا لِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ ﴾ ﴿ فِرْعَوْنَ وثَمُودَ ﴾ ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ ﴾ ﴿ واللهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ ﴾ ﴿ بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ ﴾ ﴿ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴾ هَذا تَوْقِيفٌ لِلنَّبِيِّ بِمَعْنى: فاجْعَلْ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ يُخالِفُونَكَ وراءَ ظَهْرِكَ ولا تَهْتَمَّ، فَقَدِ انْتَقَمَ اللهَ تَعالى مِن أُولَئِكَ الأقْوِياءِ الأشِدّاءِ فَكَيْفَ بِهَؤُلاءِ؟
و"الجُنُودُ": الجُمُوعُ المُعَدَّةُ لِلْقِتالِ والجَرْيِ نَحْوُ غَرَضٍ واحِدٍ، ونابَ فِرْعَوْنُ الذِكْرَ مَنابَ قَوْمِهِ وآلِهِ إذْ كانَ رَأْسَهُمْ، و"فِرْعَوْنَ وثَمُودَ" في مَوْضِعِ حَفْضٍ عَلى البَدَلِ مِن "الجُنُودِ".
ثُمَّ تَرَكَ القَوْلَ بِحالِهِ، وأضْرَبَ عنهُ إلى الإخْبارِ بِأنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ بِمُحَمَّدٍ لا حُجَّةَ لَهم عَلَيْهِ ولا بُرْهانَ، بَلْ هو تَكْذِيبٌ مُجَرَّدٌ سَبَبُهُ الحَسَدُ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ ﴾ ، أيْ وعَذابُ اللهِ تَعالى ونِقْمَتُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن ورائِهِمْ ﴾ ، مَعْناهُ ما يَأْتِي بَعْدَ كُفْرِهِمْ وعِصْيانِهِمْ.
ثُمَّ أضْرَبَ تَعالى عن تَكْذِيبِهِمْ مُبْطِلًا لَهُ ورَدًّا عَلَيْهِ، أنَّهُ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، أيْ: لا مَذَمَّةَ فِيهِ، وهَذا مِمّا تَقَدَّمَ مِن وصْفٍ غَيْرِ اللهِ تَعالى بِالمَجْدِ والتَمَجُّدِ.
وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ: "قُرْآنُ مَجِيدٍ" عَلى الإضافَةِ، وأنْ يَكُونَ اللهُ تَعالى، هو المَجِيدُ و"اللَوْحُ" هو اللَوْحُ المَحْفُوظُ الَّذِي فِيهِ جَمِيعُ الأشْياءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ" بِالخَفْضِ صِفَةٌ للَّوْحِ المَشْهُورِ بِهَذِهِ الصِفَةِ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ -بِخِلافٍ عنهُ- وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْرَجُ: "مَحْفُوظٌ" بِالرَفْعِ صِفَةُ القُرْآنِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ﴾ ، أيْ هو مَحْفُوظٌ في القُلُوبِ لا يُدْرِكُهُ الخَطَأُ والتَبْدِيلُ.
وقالَ أنَسٌ: إنَّ اللَوْحَ المَحْفُوظَ هو في جَبْهَةِ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: هو مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهَذا كُلُّهُ مِمّا قَصَرَتْ بِهِ الأسانِيدُ، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ: "فِي لُوحٍ" بِضَمِّ اللامِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [البُرُوجِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.