الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الانشقاق
تفسيرُ سورةِ الانشقاق كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 16 دقيقة قراءةبِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الِانْشِقاقِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ بَيْنِ المُتَأوِّلِينَ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذا السَماءُ انْشَقَّتْ ﴾ ﴿ وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ ﴾ ﴿ وَإذا الأرْضُ مُدَّتْ ﴾ ﴿ وَألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ ﴾ ﴿ وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ ﴾ ﴿ يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ﴾ ﴿ فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ ﴿ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا ﴾ ﴿ وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا ﴾ ﴿ وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ ﴾ ﴿ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ﴾ ﴿ وَيَصْلى سَعِيرًا ﴾ ﴿ إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا ﴾ ﴿ إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ ﴾ ﴿ بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا ﴾ هَذِهِ أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"انْشِقاقُ السَماءِ" هو تَفَطُّرُها لِهَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وانْشَقَّتِ السَماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ ﴾ ، وقالَ الفَرّاءُ، والزَجّاجُ، وغَيْرُهُما: هو تَشَقُّقُها بِالغَمامِ، وقالَ قَوْمٌ: تَشَقُّقُها هو تَفَتُّحُها أبْوابًا لِنُزُولِ المَلائِكَةِ وصُعُودِهِمْ في هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "انْشَقَّتْ" يَقِفُ عَلى التاءِ كَأنَّهُ يَشُمُّها شَيْئًا مِنَ الجَرِّ، وكَذَلِكَ في أخَواتِها.
قالَ أبُو حاتِمٍ: وسَمِعْتُ أعْرابِيًّا فَصِيحًا في بِلادِ قَيْسٍ بِكَسْرِ هَذِهِ التاءاتِ، وهي لُغَةٌ.
و"أذِنَتْ" مَعْناهُ: اسْتَمْتَعَتْ وسَمِعَتْ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "ما أذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ أذِنَهُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ"،» ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإذا ذُكِرْتَ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا وقَوْلُهُ تَعالى: و"حُقَّتْ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، مَعْناهُ: وحُقَّ لَها أنْ تَسْمَعَ وتُطِيعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وحُقَّ لَها أنْ تَنْشَقَّ لِشِدَّةِ الهَوْلِ وخَوْفِ اللهِ تَعالى.
و"مَدُّ الأرْضِ" هو إزالَةُ جِبالِها حَتّى لا يَبْقى فِيها عِوَجٌ ولا أمْتٌ، فَذَلِكَ مَدُّها، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يَمُدُّ الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ".» و"ألْقَتْ ما فِيها"، يُرِيدُ: مِنَ المَوْتى، قالَهُ الجُمْهُورُ، وقالَ الزَجّاجُ: مِنَ الكُنُوزِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ وقْتَ خُرُوجِ الدَجّالِ، وإنَّما تُلْقِي يَوْمَ القِيامَةِ المَوْتى.
و"تَخَلَّتْ" مَعْناهُ: خَلَتْ عَمّا كانَ فِيها، أيْ لَمْ تَتَمَسَّكْ مِنهم بِشَيْءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الإنْسانُ ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْجِنْسِ، و"الكادِحُ": العامِلُ بِشِدَّةٍ وسُرْعَةٍ واجْتِهادٍ مُؤَثِّرٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "مَن سَألَ ولَهُ ما يُغْنِيهِ جاءَتْ مَسْألَتُهُ حُدُوثًا أو كُدُوحًا في وجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ"،» والمَعْنى: أنَّكَ عامِلٌ خَيْرًا أو شَرًّا، وأنْتَ لا مَحالَةَ في ذَلِكَ سائِرٌ إلى رَبِّكَ لِأنَّ الزَمَنَ يَطِيرُ بِعُمْرِ الإنْسانِ، وإنَّما هو مُدَّةُ عُمْرِهِ في سَيْرٍ حَثِيثٍ إلى رَبِّهِ.
وهَذِهِ آيَةُ وعْظٍ وتَذْكِيرٍ، أيْ: فَكُنْ عَلى حَذَرٍ مِن هَذِهِ الحالِ، واعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا تَجِدُهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: بِإدْغامِ كافِ "إنَّكَ" في كافِ "كادِحٍ"، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: وما الإنْسانُ إلّا ذُو اغْتِرارٍ ∗∗∗ طَوالَ الدَهْرِ يَكْدَحُ في سَفالِ وقالَ قَتادَةُ: مَنِ اسْتَطاعَ أنْ يَكُونَ كَدْحُهُ في طاعَةِ اللهِ فَلْيَفْعَلْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمُلاقِيهِ" مَعْناهُ: فَمُلاقٍ عَذابَهُ أو تَنْعِيمَهُ.
واخْتَلَفَ النُحاةُ في العامِلُ في "إذا" فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: العامِلُ: "انْشَقَّتْ"، وأبى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّتِهِمْ، لِأنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "انْشَقَّتْ"، ومَن يُجِيزُ ذَلِكَ تَضْعُفُ عِنْدَهُ الإضافَةُ ويَقْوى مَعْنى الجَزاءِ.
وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: العامِلُ "فَمُلاقِيهِ"، وقالَ بَعْضُ حُذّاقِهِمْ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ.
وكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا في جَوابِ إذا"، فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ النُحاةِ: هو مَحْذُوفٌ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ، والأخْفَشُ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ﴾ ، أيْ: إذا انْشَقَّتِ السَماءُ فَأنْتَ مُلاقِي اللهَ تَعالى، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ، وجَوابُ "إذا" في الفاءِ المَقَدَّرَةِ.
وقالَ الفَرّاءُ عن بَعْضِ النُحاةِ: هو "أذِنَتْ" عَلى زِيادَةِ تَقْدِيرِ الواوِ.
فَأمّا الضَمِيرُ "فَمُلاقِيهِ" فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: هو عائِدٌ عَلى الرَبِّ تَعالى، فالفاءُ -عَلى هَذا- عاطِفَةٌ "مُلاقٍ" عَلى "كادِحٍ"، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو عائِدٌ عَلى الكَدْحِ، فالفاءُ -عَلى هَذا- هى عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، والمَعْنى: مُلاقٍ جَزاءَهُ خَيْرًا كانَ أو شَرًّا.
ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الناسَ إلى المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالمُؤْمِنُونَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، ومَن يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِن عُصاتِهِمْ فَإنَّهُ يُعْطى كِتابَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النارِ، وقَدْ جَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُعْطاهُ أوَّلًا قَبْلَ دُخُولِهِ النارَ، وهَذِهِ الآيَةُ تُرَدُّ عَلى هَذا القَوْلِ.
و"الحِسابُ اليَسِيرُ" هو العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ ويُعَذَّبُ، كَذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللهِ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: « "مَن حُوسِبَ عُذِّبَ" فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: ألَمْ يَقُلِ اللهُ تَعالى: ﴿ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا ﴾ الآيَةُ؟
فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: وسَلَّمَ: "إنَّما ذَلِكَ العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ "،» وفي الحَدِيثِ مِن طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، « " يُدْنِي اللهُ تَعالى العَبْدَ حَتّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيَقُولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِكَ كَذا وكَذا؟
-يُعَدِّدُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ-، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: فَلِمَ فَعَلْتَ كَذا وكَذا لِمَعاصِيهِ- فَيَقِفُ العَبْدُ خَزْيانًا، فَيَقُولُ اللهُ تَعالى: سَتَرْتُها عَلَيْكَ في الدُنْيا وأنا أغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ.» وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: سَمِعْتُ النَبِيَّ يَقُولُ: « "اللهُمَّ حاسِبْنِي حِسابًا يَسِيرًا"، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ وما هُوَ؟
فَقالَ: "أنْ يَتَجاوَزَ عَنِ السَيِّئاتِ"»، ورَوى ابْنُ عُمَرَ، أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "مَن حاسَبَ نَفْسَهُ في الدُنْيا هَوَّنَ اللهُ تَعالى حِسابَهُ يَوْمَ القِيامَةِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: "إلى أهْلِهِ" أيِ الَّذِينَ أعَدَّ اللهُ تَعالى لَهُ في الجَنَّةِ، إمّا مِن نِساءِ الدُنْيا وإمّا مِنَ الحُورِ العَيْنِ وإمّا مِنَ الجَمِيعِ.
والكافِرُ يُؤْتى كِتابَهُ مِن ورائِهِ لِأنْ يَدَيْهِ مَغْلُولَتانِ، ورُوِيَ أنْ يَدَهُ تُدْخَلُ مِن صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ فَيَأْخُذُ كِتابُهُ بِها.
ويُقالُ إنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا في أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ وفي أخِيهِ الأسْوَدِ، وكانَ أبُو سَلَمَةَ مِن أفْضَلِ المُسْلِمِينَ وأخُوهُ مِن عُتاةِ الكافِرِينَ و"يَدْعُوا ثُبُورًا" مَعْناهُ: يَصِيحُ مُنْتَحِبًا: وا ثَبُوراهُ وا حُزْناهُ ونَحْوُ هَذا مِمّا مَعْناهُ: هَذا وقْتُكَ، وأوانُكَ، أيْ احْضُرْنِي، الثُبُورُ اسْمٌ جامِعٌ لِلْمَكارِهِ كالوَيْلِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو الشَعْثاءِ، والأعْرَجُ: "وَيُصَلّى" بِشَدِّ اللامِ وضَمِّ الياءِ عَلى المُبالَغَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبانَ- بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ اللامِ، وهي قِراءَةُ أبِي الأشْهَبِ، وعِيسى، وهارُونُ عن أبِي عَمْرٍو.
وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَسَيَصْلى".
وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي أهْلِهِ" يُرِيدُ في الدُنْيا، أيْ تَمَلُّكُهُ ذَلِكَ لا يَدْرِي إلّا السُرُورَ بِأهْلِهِ دُونَ مَعْرِفَةِ اللهِ تَعالى، والمُؤْمِنُ إنْ سُرَّ بِأهْلِهِ لا حَرَجَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ ﴾ مَعْناهُ: لَنْ يَرْجِعَ إلى اللهِ تَعالى مَبْعُوثًا مَحْشُورًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمْ أعْلَمْ ما مَعْنى "يَحُورَ" حَتّى سَمِعْتُ أعْرابِيَّةً تَقُولُ لِبُنَيَّةٍ لَها: حُورِي، أيِ ارْجِعِي.
والظَنُّ هُنا عَلى بابِهِ، و"أنَّ" وما بَعْدَها تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "ظَنَّ"، وهي "أنْ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، و"الحَوَرُ": الرُجُوعُ عَلى الأدْراجِ، ومِنهُ: "اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الحُورِ بَعْدَ الكُورِ".
ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى عَلى ظَنِّ هَذا الكافِرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "بَلى"، أيْ: يَحُورُ ويَرْجِعُ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يَزَلْ بَصِيرًا بِهِمْ، لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُ أحَدٍ مِنهُمْ، وفي هَذا وعِيدٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِالشَفَقِ ﴾ ﴿ واللَيْلِ وما وسَقَ ﴾ ﴿ والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ ﴾ ﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عن طَبَقٍ ﴾ ﴿ فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ ﴾ ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ﴾ ﴿ واللهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ ﴾ ﴿ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ ﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ "لا" زائِدَةٌ، والتَقْدِيرُ: فَأُقْسِمُ، وقِيلَ: "لا" رادَّ عَلى أقْوالِ الكُفّارِ، وابْتَدَأ القَوْلَ: أُقْسِمُ، وقَسَمُ اللهِ تَعالى بِمَخْلُوقاتِهِ هو عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها وتَعْرِيضُها لِلْعِبْرَةِ، إذِ القَسَمُ بِها مُنَبِّهٌ مِنها.
و"الشَفَقُ": الحُمْرَةُ الَّتِي تَعْقُبُ غَيْبُوبَةَ الشَمْسِ مَعَ البَياضِ التابِعِ لَها في الأغْلَبِ، وقِيلَ الشَفَقُ هُنا النَهارُ كُلُّهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: الشَفَقُ البَياضُ الَّذِي تَتْلُوهُ الحُمْرَةُ.
و"وَسَقَ" مَعْناهُ: جَمَعَ وضَمَّ، ومِنهُ الوَسْقُ، أيِ الأصْوُعُ المَجْمُوعَةُ، واللَيْلُ يَسِقُ الحَيَوانَ جُمْلَةً، أيْ يَجْمَعُها في نَفْسِهِ ويَضُمُّها، وكَذَلِكَ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ الَّتِي في الأرْضِ والهَواءِ مِنَ البِحارِ والجِبالِ والرِياحِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
و"اتِّساقُ القَمَرِ" كَمالُهُ وتَمامُهُ بَدْرًا، فالمَعْنى: امْتَلَأ مِنَ النُورِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عَبّاسٍ -بِخِلافٍ عنهُما- وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ "لَتَرْكَبُنَّ" بِضَمِّ الباءِ، عَلى مُخاطَبَةِ الناسِ، والمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الشَدائِدَ، المَوْتَ والبَعْثَ والحِسابَ حالًا بَعْدَ حالٍ، أو تَكُونُ الأحْوالُ مِنَ النُطْفَةِ إلى الهَرَمِ، كَما تَقُولُ: طَبَقَةٌ بَعْدَ طَبَقَةٍ، و"عن" تَجِيءُ بِمَعْنى "بَعْدُ"، كَما تَقُولُ: "وَرِثَ المَجْدَ كابِرًا عن كابِرٍ" وقِيلَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبَدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في النَبِيِّ : وأنْتَ لَمّا بُعِثْتَ أشْرَقَتِ الأرْ ضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الطُرُقُ تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ أيْ قَرْنٌ مِنَ الناسِ؛ لِأنَّهُ طَبَقُ الأرْضِ، قالَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ: إنِّي امْرُؤٌ قَدْ حَلَبْتُ الدَهْرَ أشْطُرَهُ ∗∗∗ وساقَنِي طَبَقٌ مِنهُ إلى طَبَقِ أيْ حالٌ بَعْدَ حالٍ، وقِيلَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الآخِرَةَ بَعْدَ الأُولى، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَيَرْكَبُنَّ" عَلى أنَّهم غَيْبٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَن قَبْلَكم.
/ ٥٠ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَما في الحَدِيثِ: « "شِبْرًا بِشِبْرٍ، وذِراعًا بِذِراعٍ"،» فَهَذا هو طَبَقٌ عن طَبَقٍ، ويَلْتَئِمُ هَذا المَعْنى مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ الَّتِي ذَكَرْنا عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ويَحْسُنُ مَعَ القِراءَةِ الأُولى، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعَمْرُو بْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأُسُودُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومَعْرُوفٌ والشَعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى: "لَتَرْكَبَنَّ" بِفَتْحِ الباءِ، عَلى مَعْنى: أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقِيلَ: المَعْنى: حالًا بَعْدَ حالٍ مِن مُعالَجَةِ الكُفّارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَماءٌ بَعْدَ سَماءٍ في الإسْراءِ، وقِيلَ: هي عِدَةٌ بِالنَصْرِ، أيْ لَتَرْكَبَنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ كَما كانَ ووُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: المَعْنى: لَتَرْكَبَنَّ السَماءَ في أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ حالًا بَعْدَ حالٍ، تَكُونُ كالمَهْلِ وكالدِهانِ وتَنْفَطِرُ وتَتَشَقَّقُ، فالسَماءُ هي الفاعِلَةُ، وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "لَيَرْكَبُنَّ" عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، فَإمّا أنْ يُرادَ مُحَمَّدٌ عَلى المَعانِي المُتَقَدِّمَةِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ يَعْنِي: نَبِيُّكم ، إمامًا، قالَ بَعْضُ الناسِ في كِتابِ النَقّاشِ مِن أنَّ المُرادَ القَمَرُ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا وأسْرارًا واسْتِهْلالًا.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى نَبِيَّهُ ، -والمُرادُ أُولَئِكَ الكُفّارُ- بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ، أيْ: مَن حُجَّتُهم مَعَ هَذِهِ البَراهِينِ الساطِعَةِ؟
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُكَذِّبُونَ" بِضَمِّ الياءِ وشَدِّ الذالِ، وقَرَأ الضَحّاكُ بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الذالِ وإسْكانِ الكافِ.
و"يُوعُونَ" مَعْناهُ: يَجْمَعُونَ مِنَ الأعْمالِ والتَكْذِيبِ والكُفْرِ، كَأنَّهم يَجْعَلُونَها في أوعِيَةٍ، تَقُولُ: وعَيْتُ العِلْمَ وأوعَيْتُ المَتاعَ، وجَعَلَ تَعالى البِشارَةَ في العَذابِ لَمّا صَرَّحَ بِهِ، وإذا جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما هي مِنَ الخَيرِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا سَبَقَ لَهُمُ الإيمانُ في قَضائِهِ.
و"مَمْنُونٍ" مَعْناهُ: مَقْطُوعٌ، مِن قَوْلِهِمْ: حَبْلٌ مَنِينٌ، أيْ مَقْطُوعٌ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ اليَشْكُرِي: فَتَرى خَلْفَهُنَّ مِنَ الرَجْعِ والوَقْـ ∗∗∗ ـعِ مَنِينًا كَأنَّهُ أهْباءُ يُرِيدُ غُبارًا مُتَقَطِّعًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مَمْنُونٍ" مُعَدَّدٌ عَلَيْهِمْ مَحْسُوبٌ مُنَغَّصٌ بِالمَنِّ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الِانْشِقاقِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ