المحرر الوجيز سورة المطففين

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة المطففين

تفسيرُ سورةِ المطففين كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 26 دقيقة قراءة

تفسير سورة المطففين كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

وَيْلٌۭ لِّلْمُطَفِّفِينَ ١ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُوا۟ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ٢ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ٣ أَلَا يَظُنُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ ٤ لِيَوْمٍ عَظِيمٍۢ ٥ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٦

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُطَفِّفِينَ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، واحْتَجُّوا لِذِكْرِ الأساطِيرِ، وهَذا عَلى أنَّ هَذا تَطْفِيفُ الكَيْلِ والوَزْنِ كانَ بِمَكَّةَ حَسَبَ ما هو في كُلِّ أُمَّةٍ، لا سِيَّما مَعَ كُفْرِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ، والنَقّاشُ، وغَيْرُهُمْ: السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ، قالَ السُدِّيُّ: كانَ بِالمَدِينَةِ رَجُلٌ يُكَنّى أبا جُهَيْنَةَ، لَهُ مِكْيالانِ، يَأْخُذُ بِالأوفى ويُعْطِي بِالأنْقَصِ، فَنَزَلَتِ السُورَةُ، ويُقالُ: إنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا -فِيما رُوِيَ عنهُ-: نَزَلَ بَعْضُها بِمَكَّةَ، ونَزَلَ أمْرُ التَطْفِيفِ بِالمَدِينَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا أشَدَّ الناسِ فَسادًا في هَذا المَعْنى، فَأصْلَحَهُمُ اللهُ تَعالى.

بِهَذِهِ السُورَةِ، وقالَ آخَرُونَ: نَزَلَتِ السُورَةُ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وذَلِكَ لِيُصْلِحَ اللهُ تَعالى قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأمْرُ الكَيْلِ والوَزْنِ وكِيدٌ جِدًّا، وتَصَرُّفُهُ في المُدُنِ ضَرُورِيٌّ في الأمْوالِ الَّتِي هي حَرامٌ بِغَيْرِ حَقٍّ، والإفْسادُ فِيهِ كَبِيرَة لا تَنْفَعُ فِيها دافِعٌ إلّا التَوْبَةُ، ولا يَخْلُصُ إلّا رَدُّ المَظْلَمَةِ إلى صاحِبِها.

قالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: احْتَضَرَ جارٌ لِي، فَجَعَلَ يَقُولُ: جَبَلانِ مِن نارٍ، فَقُلْتُ لَهُ: ما هَذا؟

فَقالَ: يا أبا يَحْيى، كانَ لِي مِكْيالانِ، آخُذُ بِالوافِي وأُعْطِي بِالناقِصِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: أشْهَدُ عَلى كُلِّ كَيّالٍ أو وزّانٍ أنَّهُ في النارِ، وقالَ بَعْضُ العَرَبِ: لا تَلْتَمِسُوا المُرُوءَةَ مِمَّنْ مُرُوءَتُهُ في رُؤُوسِ المَكايِيلِ وألْسِنَةِ المَوازِينِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى الناسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾ ﴿ وَإذا كالُوهم أو وزَنُوهم يُخْسِرُونَ ﴾ ﴿ ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ ﴾ ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناسُ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى "وَيْلٌ" مَعْناهُ: الثُبُورُ والحُزْنُ والشَقاءُ الأدْوَمُ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِ أنَّ وادِيًا في جَهَنَّمَ يُسَمّى "وَيْلًا"، ورُفِعَ "وَيْلٌ" عَلى الِابْتِداءِ، ورُفِعَ عَلى مَعْنى: ثَبَتَ لَهم واسْتَقَرَّ، وما كانَ في حَيِّزِ الدُعاءِ والتَرَقُّبِ فَهو مَنصُوبٌ نَحْوُ قَوْلِهِمْ: رَعْيًا وسَقْيًا.

و"المُطَفِّفُ": الَّذِي يَنْقُصُ الناسَ حُقُوقَهُمْ، والتَطْفِيفُ: النُقْصانُ، أصْلُهُ مِنَ الشَيْءِ الطَفِيفُ وهو النَزْرُ، والمُطَفِّفُ إنَّما يَأْخُذُ بِالمِيزانِ شَيْئًا طَفِيفًا.

وقالَ سَلْمانُ: الصَلاةُ مِكْيالٌ، فَمَن أوفى وفِيَ لَهُ، ومَن طَفَّفَ فَقَدْ عَلِمْتُمْ ما قالَ اللهُ تَعالى في المُطَفِّفِينَ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: يَدْخُلُ التَطْفِيفُ في كُلِّ عَمَلِ قَوْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: طَفَّفَتْ مَعْناهُ: نَقَصَتِ الأجْرَ والعَمَلَ، ولِذَلِكَ قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: يُقالُ لِكُلِّ شَيْءٍ وفاءٌ وتَطْفِيفٌ، فَجاءَ بِالنَقِيضَيْنِ.

وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ التَطْفِيفَ هو تَجاوُزُ الحَدِّ في وفاءٍ أو نُقْصانٍ، والمَعْنى والقَرائِنُ بِحَسَبِ قَوْلٍ قَوْلٍ تَبَيَّنُ المُرادَ، وهَذا عِنْدِي حَدٌّ صَحِيحٌ، وقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعالى أنَّ التَطْفِيفَ ها هُنا إنَّما أرادَ بِهِ أمْرَ الوَزْنِ والكَيْلِ.

"واكْتالُوا عَلى الناسِ" مَعْناهُ: قَبَضُوا مِنهُمْ، و"كالُوهُمْ" مَعْناهُ: أقْبَضُوهُمْ، يُقالُ: كِلْتُ مِنكَ واكْتَلْتُ عَلَيْكَ، ويُقالُ: كِلْتُكَ وكِلْتُ لَكَ، فَلَمّا حُذِفَتِ اللامُ تَعَدّى الفِعْلُ، قالَ الفَرّاءُ والأخْفَشُ وأنْشَدَ أبُو زَيْدٍ: ولَقَدْ جَنَيْتُكَ أكْمُؤًا وعَساقِلًا ∗∗∗ ولَقَدْ نَهَيْتُكَ عن بَناتِ الأوبَرِ وعَلى هَذا المَعْنى هي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وكانَ عِيسى بْنُ عُمَرَ يَجْعَلُها حَرْفَيْنِ، ويَقِفُ عَلى "كالُوا" "أو وزَنُوا" ويَبْتَدِئُ "هم يَخْسَرُونَ"، أيْ: إذا كالُوا أو وزَنُوا، وَرَوَيْتُ عن حَمْزَةَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "هُمْ" تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ.

وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ الكَيْلَ والوَزْنَ عَلى البائِعِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِالجَلِيِّ، وصَدْرُ الآيَةِ هو في المُشْتَرِينَ، قَدَّمَهم بِأنَّهم يَسْتَوْفُونَ ويُشاحُّونَ في ذَلِكَ، إذْ لا تُمْكِنُهُمُ الزِيادَةُ عَلى الِاسْتِيفاءِ لِأنَّ البائِعَ يَحْفَظُ نَفْسَهُ، فَهَذا مَبْلَغُ قُدْرَتِهِمْ في تَرْكِ الفَضِيلَةِ والسَماحَةِ المَندُوبِ إلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهم إذا باعُوا أمْكَنَهم مِنَ الظُلْمِ والتَطْفِيفِ أنْ يَخْسَرُوا لِأنَّهم يَتَوَلَّوْنَ الكَيْلَ لِلْمُشْتَرِي مِنهم وذَلِكَ هم بِحالَةِ مَن يَخْسَرُ البائِعُ إنْ قَدَرَ.

و"يَخْسَرُونَ" تَعَدّى بِالهَمْزَةِ يُقالُ: خَسِرَ الرَجُلُ وأخْسَرُ غَيْرَهُ، والمَفْعُولُ بـ "كالُوا" مَحْذُوفٌ.

ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى عَلى أمْرِ القِيامَةِ وذَكَّرَهم بِها، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في قَوْمٍ مِن مُؤْمِنِينَ، وأُرِيدَ بِها -مَعَ ذَلِكَ- مِن غَيْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ.

ويَظُنُّ هُنا بِمَعْنى يَتَحَقَّقُ ويَعْلَمُ.

و"اليَوْمُ العَظِيمُ" يَوْمُ القِيامَةِ، و"يَوْمَ" ظَرْفٌ عَمِلَ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ، "تَبْعَثُونَ" ونَحْوُهُ، وقالَ الفَرّاءُ: هو بَدَلٌ مِن "يَوْمٍ عَظِيمٍ" لَكِنَّهُ مَبْنِيٌّ، ويَأْبى ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ لِأنَّهُ مُضافٌ إلى مُعْرَبٍ.

و"قامَ الناسُ فِيهِ لِرَبِّ العالَمِينَ" يَخْتَلِفُ الناسُ فِيهِ بِحَسَبِ مَنازِلِهِمْ، فَرُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَبِيِّ  «أنَّهُ يُقامُ فِيهِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ،» وهَذا بِتَقْدِيرِ شِدَّتِهِ، وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةِ سَنَةٍ، قالَهُ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ: مِائَةُ سَنَةٍ، وقِيلَ: ثَمانُونَ سَنَةً، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أرْبَعُونَ سَنَةً رافِعِي رُؤُوسِهِمْ إلى السَماءِ لا يُؤْمَرُونَ ولا يُكَلَّمُونَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، ومِن هَذا كُلِّهِ آثارٌ مَرْوِيَّةٌ، ومَعْناها إنَّ كُلَّ مُدَّةٍ لِقَوْمٍ ما تَقْتَضِي حالَهم وشَدَّةَ أمْرِهِمْ ذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّ القِيامَ فِيهِ عَلى المُؤْمِنِ هو عَلى ما بَيْنَ الظُهْرِ إلى العَصْرِ، ورُوِيَ عن بَعْضِ الناسِ عَلى قَدْرِ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ، وفي هَذا القِيامِ هو إلْجامُ العَرَقِ لِلنّاسِ، وهو أيْضًا مُخْتَلَفٌ، فَيُرْوى عَنِ النَبِيِّ  مِن طَرِيقِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أنَّهُ يُلْجِمُ الكافِرَ إلْجامًا، ويُرْوى أنَّ بَعْضَ الناسِ يَكُونُ فِيهِ إلى أنْصافِ ساقَيْهِ، وبَعْضُهم إلى فَوْقٍ، وبَعْضُهم إلى أسْفَلَ.

<div class="verse-tafsir"

كَلَّآ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْفُجَّارِ لَفِى سِجِّينٍۢ ٧ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا سِجِّينٌۭ ٨ كِتَـٰبٌۭ مَّرْقُومٌۭ ٩ وَيْلٌۭ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْمُكَذِّبِينَ ١٠ ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ ١١ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِۦٓ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ١٢ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَـٰتُنَا قَالَ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ١٣ كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ١٤ كَلَّآ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍۢ لَّمَحْجُوبُونَ ١٥ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا۟ ٱلْجَحِيمِ ١٦ ثُمَّ يُقَالُ هَـٰذَا ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ١٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَلا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما سِجِّينٌ ﴾ ﴿ كِتابٌ مَرْقُومٌ ﴾ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِينِ ﴾ ﴿ وَما يُكَذِّبُ بِهِ إلا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ ﴾ ﴿ إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ كَلا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ كَلا إنَّهم عن رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ ﴾ ﴿ ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها يَظْهَرُ أنَّها مِن نَمَطِ المَكِّيِّ، وهو أحَدُ الأقْواِل الَّتِي ذَكَرْناها قَبْلُ.

و"كَلّا" يَجُوزُ أنْ تَكُونَ رَدًّا لِأقْوالِ قُرَيْشٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْتاحًا بِمَنزِلَةِ "ألّا"، وهَذا قَوْلُ أبِي حاتِمٍ واخْتِيارُهُ، و"الفُجّارُ": الكُفّارُ، و"كِتابُهُمْ" يُرادُ فِيهِ الَّذِي فِيهِ تَحْصِيلُ أمْرِهِمْ وأفْعالِهِمْ، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ المَعْنى: وعِدادُهم وكِتابُ كَوْنِهِمْ هو في سِجِّينٍ، أيْ: هُنالِكَ كَتَبُوا في الأزَلِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ وعِيسى: "الفُجّارُ" بِالإمالَةِ، و"الأبْرارُ" بِالفَتْحِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "سِجِّينٍ" ما هُوَ؟

فَقالَ الجُمْهُورُ: هو فَعِيلٌ مِنَ السِجْنِ، كَسِكِّيرٍ وشِرِّيبٍ، أيْ في مَوْضِعٍ ساجِنٍ وساكِرٍ وشارِبٍ، فَجاءَ "سَجِينٍ" بِناءَ مُبالِغَةٍ، قالَ مُجاهِدٌ: وذَلِكَ في صَخْرَةٍ تَحْتَ الأرْضِ السابِعَةِ، وقالَ كَعْبُ حاكِيًا عَنِ التَوْراةِ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: هو في شَجَرَةٍ سَوْداءَ هُنالِكَ، وقِيلَ -عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام- صَلّى اللهُ عَلَيْهِ «فِي بِئْرٍ هُنالِكَ،» وقِيلَ تَحْتَ خَدِّ إبْلِيسَ، وقالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: هي الأرْضُ السُفْلى، وقالَهُ البَراءُ عَنِ النَبِيِّ  وقالَ عِكْرِمَةُ: "سِجِّينٌ" عِبارَةٌ عَنِ الخَسارِ والهَوانِ، كَما تَقُولُ: بَلَغَ فُلانٌ الحَضِيضَ، إذا صارَ في غايَةِ الخُمُولِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ: "سِجِّينٌ" نُونُهُ بَدَلٌ مِن لامَ، هو مِنَ "السِجِّيلِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما سِجِّينٌ ﴾ تَعْظِيمٌ لِأمْرِ هَذا السِجِّينِ وتَعَجُّبٌ مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَقْرِيرَ اسْتِفْهامٍ، أيْ: هَذا مِمّا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُهُ قَبْلَ الوَحْيِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "كِتابٌ مَرْقُومٌ" مَن قالَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ في "سِجِّينٍ" فـ "كِتابٌ" مُرْتَفِعٌ عِنْدَهُ عَلى خَبَرِ "إنَّ"، والظَرْفُ الَّذِي هُوَ"لفِي سِجِّينٍ" مُلْغى، ومَن قالَ في "سِجِّينٍ" بِالقَوْلِ الثانِي فـ "كِتابٌ" مُرْتَفِعٌ عِنْدَهُ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، والتَقْدِيرُ، هو كِتابٌ مَرْقُومٌ، ويَكُونُ هَذا الكَلامُ مُفَسَّرًا لـ"سَجِينٍ"، ما هُوَ؟

و"مَرْقُومٌ" مَعْناهُ: مَكْتُوبُ رَقْمٍ لَهم بِشَرٍّ، ثُمَّ أثْبَتَهُ تَعالى لِلْمُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الحِسابِ والدِينُ الوَيْلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "يَوْمَئِذٍ" إشارَةٌ إلى ما يَتَضَمَّنُهُ المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: "كِتابٌ مَرْقُومٌ" وذَلِكَ أنَّهُ يَتَضَمَّنُ أنَّهُ يَرْفَعُ لِيَوْمِ عَرْضٍ وجَزاءٍ، وبِهَذا يَتِمُّ الوَعِيدُ ويَتَّجِهُ مَعْناهُ و"المُتَعَدِّي": الَّذِي يَتَجاوَزُ حُدُودَ الأشْياءِ، و"أثِيمٌ" مُبالَغَةٌ في "آثِمٍ" وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُتْلى"، بِالتاءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "يُتْلى" بِالياءِ مِن تَحْتٍ.

و"الأساطِيرُ" جَمْعُ أُسْطُورَةٍ وهي الحِكاياتُ الَّتِي سُطِرَتْ قَدِيمًا، وقِيلَ هو جَمْعُ أسْطارٍ، وأسْطارٌ جَمْعُ سَطْرٍ، ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ في النَضِرِ بْنِ الحارِثِ بْنِ كِلْدَةَ، وهو الَّذِي كانَ يَقُولُ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وكانَ هو قَدْ كَتَبَ بِالحَيْرَةِ أحادِيثَ رُسْتُمَ واسْفَنْدِيارَ، وكانَ يُحَدِّثُ بِها أهْلَ مَكَّةَ، ويَقُولُ: أنا أحْسَنُ حَدِيثًا مِن مُحَمَّدٍ، فَإنَّما يُحَدِّثُكم بأساطِيرَ الأوَّلِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدَ لِقَوْلِهِمْ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ"، ثُمَّ أوجَبَ تَعالى أنَّ ما كَسَبُوا مِنَ الكُفْرِ والطُغْيانِ والعُتُوِّ قَدْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ، أيْ غَطّى عَلَيْها وغَلَبَ، فَهم مَعَ ذَلِكَ لا يُبْصِرُونَ رُشْدًا، ولا يَخْلُصُ إلى قُلُوبِهِمْ خَبَرٌ، يُقالُ: رانَتِ الخَمْرُ عَلى عَقْلِ شارِبِها، ورانَ الغِشُّ عَلى قَلْبِ المَرِيضِ، وكَذَلِكَ المَوْتُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ثُمَّ لَمّا رَآهُ رانَتْ بِهِ الخَمْـ ـرُ وألّا تَرَيْنَهُ بِاتِّقاءِ والبَيْتُ لِأبِي زُبَيْدٍ، قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: الرَيْنُ: الذَنْبُ عَلى الذَنْبِ حَتّى يَمُوتَ القَلْبُ، ويُرْوى عن أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "إنَّ الرَجُلَ إذا أذْنَبَ صارَتْ نُكْتَةً سَوْداءَ في قَلْبِهِ، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتّى يَتَغَطّى، فَذَلِكَ الرانُّ الَّذِي قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ كَلا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ ».

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِإدْغامِ اللامِ في الراءِ، وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا بِالإدْغامِ والإمالَةِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: القِراءَةُ بِالفَتْحِ والإدْغامِ، وعَلَّقَ تَعالى اللَوْمَ بِهِمْ فِيما كَسَبُوهُ، -وَإنْ كانَ ذَلِكَ بِخَلْقٍ مِنهُ سُبْحانَهُ واخْتِراعِ-لِأنَّ الثَوابَ والعِقابَ مُتَعَلِّقٌ بِكَسْبِ العَبْدِ، و"كَلّا" في قَوْلِهِ تَعالى: "كَلّا إنَّهُمْ" يَصْلُحُ فِيها الوَجْهانِ اللَذانِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "إنَّهُمْ" وفي "رَبِّهِمْ" هو لِلْكُفّارِ فَمَن قالَ بِالرُؤْيَةِ -وَهم أهْلُ السُنَّةِ، قالَ إنَّ هَؤُلاءِ لا يَرَوْنَ رَبَّهُمْ، فَهم مَحْجُوبُونَ عنهُ، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مالِكُ بْنُ أنَسِ عن مَسْألَةِ الرُؤْيَةِ مِن جِهَةِ دَلِيلِ الخِطابِ، وإلّا فَلَوْ حَجَبَ الرُؤْيَةَ عَنِ الكُلِّ لَما أغْنى هَذا التَخَصُّصُ، وقالَ الشافِعِيُّ: فَلَمّا حَجَبَ قَوْمًا بِالسُخْطِ دَلَّ أنَّ قَوْمًا يَرَوْنَهُ بِالرِضى.

ومَن قالَ بِألّا رُؤْيَةَ -وَهُوَ قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ- قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّهم مَحْجُوبُونَ عن رَحْمَةِ رَبِّهِمْ وغُفْرانِهِ.

و"صَلِيَ الجَحِيمَ" هو مُباشَرَةُ حَرِّ النارِ دُونَ حائِلٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يُقالُ" هو عَلى مَعْنى التَوْبِيخُ لَهم والتَقْرِيعُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ لِأنَّهُ قَوْلٌ بُنِيَ لَهُ الفِعْلُ الَّذِي "يُقالُ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا" إشارَةٌ إلى تَعْذِيبِهِمْ وكَوْنِهِمْ في الجَحِيمِ.

<div class="verse-tafsir"

كَلَّآ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْأَبْرَارِ لَفِى عِلِّيِّينَ ١٨ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا عِلِّيُّونَ ١٩ كِتَـٰبٌۭ مَّرْقُومٌۭ ٢٠ يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ٢١ إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ ٢٢ عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ ٢٣ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ ٢٤ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍۢ مَّخْتُومٍ ٢٥ خِتَـٰمُهُۥ مِسْكٌۭ ۚ وَفِى ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَـٰفِسُونَ ٢٦ وَمِزَاجُهُۥ مِن تَسْنِيمٍ ٢٧ عَيْنًۭا يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ ٢٨ إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ كَانُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يَضْحَكُونَ ٢٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَلا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ ﴾ ﴿ كِتابٌ مَرْقُومٌ ﴾ ﴿ يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ ﴾ ﴿ إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ ﴾ ﴿ عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ ﴾ ﴿ تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَعِيمِ ﴾ ﴿ يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ﴾ ﴿ خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ ﴾ ﴿ وَمِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ ﴾ ﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أمَرَ كِتابِ الفُجّارِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ كِتابٍ ضِدَّهم لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، و"الأبْرارُ" جَمْعُ بَرٍّ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ "الأبْرارُ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ بِفَتْحِها، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِإمالَتِها.

و"عِلِّيُّونَ" هو جَمْعٌ عِلِّيِّي، عَلى وزْنِ فِعِّيلٍ بِناءُ مُبالِغَةٍ، يُرِيدُ بِذَلِكَ المَلائِكَةَ فَلِذَلِكَ أعْرَبَ بِالواوِ والنُونِ، وقِيلَ: يُرِيدُ المَواضِعَ العَلِيَّةَ لِأنَّهُ عُلُوٌّ فَوْقَ عُلُوٍّ، فَلَمّا كانَ هَذا الِاسْمُ عَلى هَذا الوَزْنِ لا واحِدَ لَهُ أشْبَهَ "عِشْرِينَ" فَأُعْرِبَ إعْرابَ الجُمُوعِ إذْ أشْبَهَها، وهو أيْضًا مِثْلُ "قَنْسَرِينَ"، فَإنَّكَ تَقُولُ: طابَتْ قَنْسَرِينَ ودَخَلَتْ قَنْسَرِينَ.

واخْتَلَفَ الناسُ في المَوْضِعِ المَعْرُوفِ بِعِلِّيِّينَ، ما هُوَ؟

فَقالَ قَتادَةُ: قائِمَةُ العَرْشِ اليُمْنى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السَماءُ السابِعَةُ تَحْتَ العَرْشِ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام وقالَ الضَحّاكُ: هو عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العِلِّيُّونَ: الجَنَّةُ، وقالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ هو في السَماءِ الرابِعَةِ، وقالَ الفَرّاءُ عن بَعْضِ العُلَماءِ: هو في السَماءِ الدُنْيا، والمَعْنى أنَّ كِتابَهُمُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُهم هُنالِكَ تَهَمَّما بِها وتَرْفِيعًا لَها، وأعْمالُ الفُجّارِ في سِجِّينٍ في أسْفَلِ سافِلِينَ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أعْمالَهم يُصْعَدُ بِها إلى السَماءِ فَتَأْباها، ثُمَّ تُرَدُّ إلى الأرْضِ فَتَأْباها أرْضٌ بَعْدَ أرْضٍ حَتّى تَنْتَهِي في سِجِّينٍ تَحْتَ الأرْضِ السابِعَةِ.

و"كِتابٌ مَرْقُومٌ" في هَذِهِ الآيَةِ خَبَرُ "إنَّ" والظَرْفُ مُلْغًى.

و"المُقَرَّبُونَ" في هَذا المَوْضِعِ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللهِ تَعالى، أهْلُ كُلِّ سَماءٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ.

و"الأرائِكِ" جَمْعُ أرِيكَةٍ، وهي السُرُرُ في الحِجالِ، و"يَنْظُرُونَ" مَعْناهُ: إلى ما عِنْدَهم مِنَ النَعِيمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وقِيلَ -عَنِ النَبِيِّ  -: يَنْظُرُونَ إلى أعْدائِهِمْ في النارِ كَيْفَ يُعَذَّبُونَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "تُعَرِّفَ" عَلى مُخاطَبَةِ مُحَمَّدٍ  بِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ الراءِ "نَضِرَةً" نَصْبًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ "" وطَلْحَةُ "" ويَعْقُوبُ: "تُعْرَفُ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الراءِ، "نَضِرَةٌ" رَفْعًا، وقَرَأ قَوْمٌ "يُعْرَفُ" بِالياءِ لِأنَّ تَأْنِيثَ "النَضِرَةِ" لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، و"النَضِرَةُ": النِعْمَةُ والرَوْنَقُ، و"الرَحِيقُ": لِلْخَمْرٍ الصافِيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: يَسْقُونَ مِن ورْدِ البَرِيصِ عَلَيْهِمُ بِرَدى يُصَفِّقُ بِالرَحِيقِ السَلْسَلِ ومَخْتُومٍ، يُحْتَمَلُ أنْ يُخْتَمَ عَلى كُؤُوسِهِ الَّتِي يُشْرَبُ بِها تَهَمُّمًا وتَنْظِيفًا، والأظْهَرُ أنَّهُ مَخْتُومٌ شُرْبُهُ بِالرائِحَةِ المِسْكِيَّةِ حَسَبَ ما فَسَّرَهُ قَوْلُهُ تَعالى: "خِتامُهُ مِسْكٌ".

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: "خِتامُهُ مِسْكٌ"، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وعَلْقَمَةُ مَعْناهُ: خَلْطُهُ ومِزاجُهُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَعْناهُ: خاتِمَتُهُ، أى تَجِدُ الرائِحَةَ عِنْدَ خاتِمَتِهِ الشُرْبَ رائِحَةَ المِسْكِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: المُرادُ لَذاذَةُ المَقْطَعِ وَذَكاءُ الرائِحَةِ مَعَ طِيبِ الطَعْمِ، وكَذَلِكَ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانَ مِزاجُها كافُورًا  ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: "زَنْجَبِيلًا"، أيْ تَجِدُ في اللِسانِ، وقَدْ قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ: مِمّا يُعْتَقُ في الحانُوتِ باطِنُها ∗∗∗ بِالفُلْفُلِ الجَوْنِ والرُمّانِ مَخْتُومُ وقالَ مُجاهِدٌ مَعْناهُ: طِينُهُ الَّذِي يَخْتِمُ بِهِ مِسْكٌ بَدَلَ الطِينِ الَّذِي في الدُنْيا، وهَذا إنَّما يَكُونُ في الكُؤُوسِ، لِأنَّ خَمْرَ الآخِرَةِ لَيْسَتْ في دَنانٍ، إنَّما هي في أنْهارٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خِتامُهُ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والكِسائِيُ، والضَحّاكُ، والنَخْعِيُّ: "خاتَمَهُ"، وهَذِهِ بَيِّنَةٌ، المَعْنى: أنَّهُ يُرادُ بِها الطَبْعُ عَلى الرَحِيقِ، ورُوِيَ عنهم أيْضًا كَسْرُ التاءِ.

ثُمَّ حَرِضَ تَعالى عَلى الجَنَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ ﴾ ، والتَنافُسُ في الشَيْءِ المُغالاةُ فِيهِ، وأنْ يَتْبَعَهُ كُلُّ واحِدٍ نَفْسَهُ، فَكَأنَّ نَفْسَيْهِما تَتَبارَيانِ فِيهِ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِكَ: شَيْءٌ نَفِيسٌ، فَكانَ هَذا يُعَظِّمُهُ، ويُعَظِّمُهُ الآخَرُ، ويَسْتَبِقانِ إلَيْهِ.

و"المِزاجُ": الخَلْطُ، والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الرَحِيقِ"، واخْتَلَفَ الناسُ في "تَسْنِيمٍ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: التَسْنِيمُ أشْرَفُ تُرابٍ في الجَنَّةِ، وهو اسْمٌ مُذَكَّرٌ لِماءِ عَيْنٍ في الجَنَّةِ، وهي عَيْنٌ يَشْرَبُها المُقَرَّبُونَ صَرْفًا، ويُمْزَجُ رَحِيقُ الأبْرارِ بِها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ، وغَيْرُهم.

وقالَ مُجاهِدٌ ما مَعْناهُ: إنَّ "تَسْنِيمًا" مَصْدَرٌ مِن "سَنِمْتُ" إذا عَلَوْتُ، ومِنهُ السَنامُ، فَكَأنَّها عَيْنٌ قَدْ عَلَتْ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ فَهي تَنْحَدِرُ، وقالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الأبْرارَ والمُقَرَّبِينَ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنًى واحِدٍ يَقَعُ لِكُلَّ مَن نَعِمَ في الجَنَّةِ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ المُتَأوِّلِينَ إلى أنَّ مَنزِلَةَ الأبْرارِ دُونَ المُقَرَّبِينَ، وأنَّ الأبْرارَ هم أصْحابُ اليَمِينِ، وأنَّ المُقَرَّبِينَ هُمُ السابِقُونَ.

وَ"عَيْنًا" مَنصُوبٌ إمّا عَلى المَدْحِ، وإمّا أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "تَسْنِيمٍ" عَلى رَأْيِ مَن رَآهُ مَصْدَرًا، أو يَنْتَصِبُ عَلى الحالِ مِن "تَسْنِيمٍ"، أو "يُسْقَوْنَ"، قالَهُ الأخْفَشُ، وفِيهِ بُعْدٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: "يَشْرَبُ بِها" مَعْناهُ: يَشْرَبُها، كَقَوْلِ الشاعِرِ: شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ ∗∗∗ مَتى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا بِالكُفْرِ -أيْ كَسَبُوهُ- كانُوا في دُنْياهم يَضْحَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ويَسْتَخِفُّونَ بِهِمْ، ويَتَّخِذُونَهم هُزُوءًا.

ويُرْوى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ نَزَلَتْ في صَنادِيدِ قُرَيْشٍ وضَعْفَةِ المُؤْمِنِينَ، ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجِماعَةً مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ مَرُّوا بِجَمْعٍ مِنَ الكُفّارِ في مَكَّةَ، فَضَحِكُوا مِنهُمْ، واسْتَخَفُّوا بِهِمْ عَبَثًا ونُقْصانَ عَقْلٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا مَرُّوا۟ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ٣٠ وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُوا۟ فَكِهِينَ ٣١ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوٓا۟ إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ لَضَآلُّونَ ٣٢ وَمَآ أُرْسِلُوا۟ عَلَيْهِمْ حَـٰفِظِينَ ٣٣ فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ٣٤ عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ ٣٥ هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ ٣٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ ﴾ ﴿ وَإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ﴾ ﴿ وَإذا رَأوهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ ﴾ ﴿ وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ ﴾ ﴿ فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ ﴾ ﴿ عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ ﴾ ﴿ هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ الضَمِيرُ في "مَرُّوا" لِلْمُؤْمِنِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْكُفّارِ، وأمّا الضَمِيرُ في "يَتَغامَزُونَ" فَهو لِلْكُفّارِ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: "انْقَلَبُوا" و"فاكِهِينَ" مَعْناهُ: أصْحابُ فاكِهَةٍ ومَزْجٍ ونَشاطٍ وسُرُورٍ بِاسْتِخْفافِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ، يُقالُ: رَجُلٌ فاكِهٌ كَلابِن وتامِرٌ وهَكَذا، بِألِفٍ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، ويُقالُ: رَجُلٌ فَكِهٌ، مِن هَذا المَعْنى، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ: "فَكِهِينَ" بِغَيْرِ ألِفٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وأبِي رَجاءٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ.

وَأمّا الضَمِيرُ فِي: "رَأوا" وفي "قالُوا" فَقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: هو لِلْكَفّارِ، والمَعْنى أنَّهم يَرْمُونَ المُؤْمِنِينَ بِالضَلالِ، والكُفّارُ لَمْ يُرْسَلُوا عَلى المُؤْمِنِينَ حَفَظَةً لَهُمْ، وقالَ قَوْمٌ: بَلِ المَعْنى بِالعَكْسِ، وإنَّ مَعْنى الآيَةِ: وإذا رَأى المُؤْمِنُونَ الكُفّارَ قالُوا: إنَّهم لَضالُّونَ، وهو الحَقُّ فِيهِمْ، ولَكِنَّ ذَلِكَ يُثِيرُ الكَلامَ بَيْنَهُمْ، فَكَأنَّ في الآيَةِ حَضًّا عَلى المُوادَعَةِ، أيْ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يُرْسَلُوا حافِظِينَ عَلى الكَفّارِ، وهَذا كُلُّهُ مَنسُوخٌ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِآيَةِ السَيْفِ.

ولَمّا كانَتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ قَدْ نُطِقَتْ بِيَوْمِ القِيامَةِ وأنَّ الوَيْلَ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ، ساغَ أنْ يَقُولَ: "فاليَوْمَ" عَلى حِكايَةِ ما يُقالُ يَوْمَئِذٍ وما يَكُونُ، و"الَّذِينَ" رُفَعَ عَلى الِابْتِداءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ ﴾ مَعْناهُ: إلى أعْدائِهِمْ في النارِ، قالَ كَعْبٌ: لِأهْلِ الجَنَّةِ كُوى يَنْظُرُونَ مِنها، وقالَ غَيْرُهُ: بَيْنَهم جِسْمٌ عَظِيمٌ شَفّافٌ يَرَوْنَ مَعَهُ حالَهم.

و"هَلْ ثُوِّبَ" تَقْرِيرٌ وتَوْقِيفٌ لِمُحَمَّدٍ  وأُمَّتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ"، فالنَظَرُ واقِعٌ عَلى "هَلْ ثُوِّبَ"، والمَعْنى: هَلْ جُوزِيَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "هَثُّوِّبَ" بِإدْغامِ اللامِ في الثاءِ، لِتَقارُبِهِما في المَخْرَجِ، وقَرَأ الباقُونَ: "هَلْ ثُوِّبَ" لا يُدْغِمُونَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: "ما كانُوا" حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: جَزاءُ ما كانُوا، أو عَذابُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُطَفِّفِينَ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله