تفسير سورة التوبة الآيات ٢٥-٢٧ عند المحرر الوجيز

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 9 التوبة > الآيات ٢٥-٢٧

لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍۢ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـًۭٔا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ٢٥ ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًۭا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٢٦ ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٢٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عنكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ أنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مِن يَشاءُ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، يُعَدِّدُ اللهُ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ، و"مَواطِنَ" جَمْعُ مَوْطِنٍ بِكَسْرِ الطاءِ، والمَوْطِنُ: مَوْضِعُ الإقامَةِ أوِ الحُلُولِ لِأنَّهُ أوَّلُ الإقامَةِ، والمَواطِنُ المُشارُ إلَيْها بَدْرٌ، والخَنْدَقُ، والنَضِيرُ، وقُرَيْظَةُ، ولَمْ يُصْرَفْ "مَواطِنُ" لِأنَّهُ جَمْعٌ وَنِهايَةُ جَمْعٍ.

و"يَوْمَ" عَطَفَ عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: "فِي مَواطِنَ" أو عَلى لَفْظَةٍ بِتَقْدِيرٍ: "وَفِي يَوْمِ"، فانْحَذَفَ حَرْفُ الخَفْضِ، و"حُنَيْنٍ" وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطائِفِ قَرِيبٌ مِن ذِي المَجازِ، وصُرِفَ حِينَ أُرِيدَ بِهِ المَوْضِعُ والمَكانُ، ولَوْ أُرِيدَ بِهِ البُقْعَةُ لَمْ يُصْرَفْ، كَما قالَ الشاعِرُ: نَصَرُوا نَبِيَّهم وشَدُّوا أزْرَهُ ∗∗∗ بِحُنَيْنَ يَوْمَ تَواكُلِ الأبْطالِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ ﴾ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  ، قالَ حِينَ رَأى حَمْلَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا: "لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ"،» ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ قالَها فَأرادَ اللهُ إظْهارَ العَجْزِ فَظَهَرَ حِينَ فَرَّ الناسُ، ثُمَّ عَطَفَ القَدَرُ بِنَصْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ﴾ أيْ: بِقَدْرِ ما هي رَحْبَةٌ واسِعَةٌ لِشِدَّةِ الحالِ وصُعُوبَتِها، فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾ يُرِيدُ فِرارَ الناسِ عَنِ النَبِيِّ  .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واخْتِصارُ هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  ، لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ وكانَ في عَشَرَةِ آلافٍ مِن أصْحابِهِ وانْضافَ إلَيْهِ ألْفانِ مِنَ الطُلَقاءِ فَصارَ في اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا سَمِعَ بِذَلِكَ كُفّارُ العَرَبِ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَجَمَعَتْ لَهُ هَوازِنُ وألْفافُها وعَلَيْهِمْ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَصْرِيُّ، وثَقِيفٌ وعَلَيْهِمْ عَبْدُ يالِيلَ بْنِ عَمْرٍو، وانْضافَ إلَيْهِمْ أخْلاطٌ مِنَ الناسِ حَتّى كانُوا ثَلاثِينَ ألْفًا، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ  حَتّى اجْتَمَعُوا بِحُنَيْنٍ، فَلَمّا تَصافَّ الناسُ حَمَلَ المُشْرِكُونَ مِن جَوانِبِ الوادِي، فانْهَزَمَ المُسْلِمُونَ، قالَ قَتادَةُ: ويُقالُ: إنَّ الطُلَقاءَ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَرُّوا وقَصَدُوا إلْقاءَ الهَزِيمَةِ في المُسْلِمِينَ، وكانَ رَسُولُ اللهِ  عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ، «وَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ الفِهْرِيُّ: كُنْتُ مَعَ النَبِيِّ  يَوْمَئِذٍ، وكانَ عَلى فَرَسٍ قَدِ اكْتَنَفَهُ العَبّاسُ عَمُّهُ وابْنُ عَمِّهِ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وبَيْنَ يَدَيْهِ أيْمَنُ بْنُ أمِّ أيْمَنَ -وَثُمَّ قُتِلَ رَحِمَهُ اللهُ- فَلَمّا رَأى رَسُولُ اللهِ  شِدَّةَ الحالِ نَزَلَ عن بَغْلَتِهِ إلى الأرْضِ -قالَهُ البَراءُ بْنُ عازِبٍ - واسْتَنْصَرَ اللهَ عَزَّ وجَلَّ فَأخَذَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ وحَصًى فَرَمى بِها وُجُوهَ الكُفّارِ، وقالَ: "شاهَتِ الوُجُوهُ"، وقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: تَطاوَلَ مِن فَرَسِهِ فَأخَذَ قَبْضَةَ التُرابِ ونَزَلَتِ المَلائِكَةُ لِنَصْرِهِ ونادى رَسُولُ اللهِ  : "يا لَلْأنْصارِ"، وأمَرَ رَسُولُ اللهِ  العَبّاسَ أنْ يُنادِيَ: أيْنَ أصْحابُ الشَجَرَةِ؟

أيْنَ أصْحابُ سُورَةِ البَقَرَةِ؟

فَرَجَعَ الناسُ عُنُقًا واحِدًا وانْهَزَمَ المُشْرِكُونَ، قالَ يَعْلى بْنُ عَطاءٍ: فَحَدَّثَنِي أبْناؤُهم عن آبائِهِمْ قالُوا: لَمْ يَبْقَ مِنّا أحَدٌ إلّا دَخَلَ في عَيْنَيْهِ مِن ذَلِكَ التُرابِ،» واسْتِيعابُ هَذِهِ القِصَّةِ في كِتابِ السِيَرِ.

وظاهِرُ كَلامِ النَحّاسِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ في أرْبَعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وهَذا غَلَطٌ.

وقَوْلُهُ: "مُدْبِرِينَ" نَصْبٌ عَلى الحالِ المُؤَكِّدَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا  ﴾ ، والمُؤَكِّدَةُ هي الَّتِي يَدُلُّ ما قَبْلَها عَلَيْها كَدَلالَةِ التَوَلِّي عَلى الإدْبارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ ﴾ الآيَةُ، "ثُمَّ" هاهُنا عَلى بابِها مِنَ التَرْتِيبِ، والسَكِينَةُ: النَصْرُ الَّذِي سَكَنَتْ إلَيْهِ ومَعَهُ النُفُوسُ والحالُ، والإشارَةُ بِالمُؤْمِنِينَ إلى الأنْصارِ عَلى ما رُوِيَ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  نادى في ذَلِكَ اليَوْمِ: "يا مَعْشَرَ الأنْصارِ"،» فانْصَرَفُوا وهم رَدُّوا الهَزِيمَةَ، والجُنُودُ: المَلائِكَةُ والرُعْبُ.

قالَ أبُو حاجِرٍ يَزِيدُ بْنُ عامِرٍ: "كانَ في أجْوافِنا مِثْلُ ضَرْبَةِ الحَجَرِ في الطَسْتِ مِنَ الرُعْبِ"، وعَذابُ الَّذِينَ كَفَرُوا هو القَتْلُ الَّذِي اسْتَحَرَّ فِيهِمْ والأسْرُ الَّذِي تَمَكَّنَ في ذَرارِيهِمْ، وكانَ مالِكُ ابْنُ عَوْفٍ النَصْرِيُّ قَدْ أخْرَجَ الناسَ بِالعِيالِ والذَرارِي لِيُقاتِلُوا عَلَيْها، فَخَطَّأهُ في ذَلِكَ دُرَيْدُ بْنُ الصِمَّةِ، وقالَ لِمالِكِ بْنِ عَوْفٍ: راعِي ضَأْنٍ، وهَلْ يَرُدُّ المُنْهَزِمَ شَيْءٌ؟

وفي ذَلِكَ اليَوْمِ قُتِلَ دُرَيْدُ بْنُ الصِمَّةِ القَتَلَةَ المَشْهُورَةَ، قَتَلَهُ رَبِيعُ بْنُ رَفِيعِ بْنِ أُهْبانِ السِلْمِيُّ، ويُقالُ ابْنُ الدُغُنَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مِن يَشاءُ ﴾ إعْلامٌ بِأنَّ مَن أسْلَمَ وتابَ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ نَجَوْا ذَلِكَ اليَوْمَ فَإنَّهم مَقْبُولُونَ مُسْلِمُونَ مَوْعُودُونَ بِالغُفْرانِ والرَحْمَةِ.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله