الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة التوبة
تفسيرُ سورةِ التوبة كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 417 دقيقة قراءةبِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَوْبَةِ هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ: ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ ﴾ إلى آخِرِها، وتُسَمّى سُورَةَ التَوْبَةِ، قالَهُ حُذَيْفَةُ وغَيْرُهُ، وتُسَمّى الفاضِحَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وتُسَمّى الحافِرَةَ لِأنَّها حَفَرَتْ عن قُلُوبِ المُنافِقِينَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مازالَ يَنْزِلُ: "وَمِنهُمْ، ومِنهُمْ" حَتّى ظُنَّ أنَّهُ لا يَبْقى أحَدٌ، وقالَ حُذَيْفَةُ: هي سُورَةُ العَذابِ، قالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كُنّا نَدْعُوها المُقَشْقِشَةَ، قالَ الحارِثُ بْنُ يَزِيدَ: كانَتْ تُدْعى المُبَعْثِرَةَ، ويُقالُ لَها المُثِيرَةُ، ويُقالُ لَها البُحُوثُ.
وقالَ أبُو مالِكٍ الغِفارِيُّ: أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِن بَراءَةٍ ﴿ انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا ﴾ ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتْ بَراءَةٌ مِثْلَ سُورَةِ البَقَرَةِ في الطُولِ.
واخْتُلِفَ -لِمَ سَقَطَ سَطْرُ ( بِسْمِ اللهِ الرَحْمَن الرَحِيم ) مِن أوَّلِها- فَقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أشْبَهَتْ مَعانِيها مَعانِيَ الأنْفالِ، وكانَتْ تُدْعى القَرِينَتَيْنِ في زَمَنِ رَسُولِ اللهِ ، فَلِذَلِكَ قُرِنَتْ بَيْنَهُما، ولَمْ أكْتُبْ ( بِسْمِ اللهِ الرَحْمَن الرَحِيم )، ووَضَعْتُها في السَبْعِ الطُوَلِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ( بِسْمِ اللهِ الرَحْمَن الرَحِيم ) أمانٌ وبِشارَةٌ، و"بَراءَةٌ" نَزَلَتْ بِالسَيْفِ ونَبْذِ العُهُودِ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَبْدَأْ بِالأمانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُعْزى هَذا القَوْلُ لِلْمُبَرِّدِ وهو لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وهَذا كَما يَبْدَأُ المُخاطَبُ الغاضِبُ: "أمّا بَعْدُ"، دُونَ تَقْرِيظٍ ولا اسْتِفْتاحٍ بِتَبْجِيلٍ، ورُوِيَ أنَّ كَتَبَةَ المُصْحَفِ في مُدَّةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ اخْتَلَفُوا في الأنْفالِ وبَراءَةٍ، هَلْ هي سُورَةٌ واحِدَةٌ أو هُما سُورَتانِ؟
فَتَرَكُوا فَصْلًا بَيْنَهُما مُراعاةً لِقَوْلِ مَن قالَ: هُما سُورَتانِ، ولَمْ يَكْتُبُوا ( بِسْمِ اللهِ الرَحْمَن الرَحِيم ) مُراعاةً لِقَوْلِ مَن قالَ مِنهُمْ: هُما واحِدَةٌ، فَرَضِيَ جَمِيعُهم بِذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَوْلُ يُضَعِّفُهُ النَظَرُ أنْ يَخْتَلِفَ في كِتابِ اللهِ هَكَذا، ورُوِيَ عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللهِ يَأْمُرُنا بِوَضْعِ ( بِسْمِ اللهِ الرَحْمَن الرَحِيم ) في أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، ولَمْ يَأْمُرْنا في هَذا بِشَيْءٍ، فَلِذَلِكَ لَمْ نَضَعُهُ نَحْنُ،» ورُوِيَ عن مالِكٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنا أنَّها كانَتْ نَحْوَ سُورَةِ البَقَرَةِ ثُمَّ نُسِخَ ورُفِعَ كَثِيرٌ مِنها وفِيهِ البَسْمَلَةُ، فَلَمْ يَرَوْا بَعْدُ أنْ يَضَعُوهُ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
وسُورَةُ بَراءَةٍ مِن آخِرِ ما نَزَلَ عَلى النَبِيِّ ، وحَكى عِمْرانُ بْنُ جُدَيْرٍ أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ سُورَةَ بَراءَةٍ فَقالَ: أظُنُّ هَذِهِ مِن آخِرِ ما أنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ تَقُولُ ذَلِكَ؟
فَقالَ: أرى أشْياءَ تُنْقَضُ وعُهُودًا تُنْبَذُ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ بَراءَةٌ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وأنَّ اللهِ مُخْزِي الكافِرِينَ ﴾ ﴿ وَأذانٌ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ إلى الناسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أنَّ اللهِ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولِهِ فَإنْ تُبْتُمْ فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ "بَراءَةٌ" رَفْعٌ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ الآياتُ بَراءَةٌ، ويَصِحُّ أنْ تَرْتَفِعَ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿ إلى الَّذِينَ ﴾ وجازَ الِابْتِداءُ بِالنَكِرَةِ لِأنَّها مَوْصُوفَةٌ فَتَعَرَّفَتْ تَعْرِيفًا ما، وجازَ الإخْبارُ عنها، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "بَراءَةً" بِالنَصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: الزَمُوا بَراءَةً، فَفِيها مَعْنى الإغْراءِ.
و ﴿ بَراءَةٌ ﴾ مَعْناها: تَخَلُّصٌ وتَبَرُّؤٌ مِنَ العُهُودِ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَ الكُفّارِ البادِئِينَ بِالنَقْضِ، تَقُولُ: بَرِئْتُ إلَيْكَ مِن كَذا، فَبَرِئَ اللهُ تَعالى ورَسُولُهُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى الكُفّارِ مِن تِلْكَ العُهُودِ الَّتِي كانَتْ ونَقَضَها الكُفّارُ، وقَرَأ أهْلُ نَجْرانَ: "مِنِ اللهِ" بِكَسْرِ النُونِ.
وهَذِهِ الآيَةُ حُكْمٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِنَقْضِ العُهُودِ والمُوادَعاتِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ وبَيْنَ طَوائِفِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ ظَهَرَ مِنهم أو تَحَسَّسَ مِن جِهَتِهِمْ نَقْضٌ، ولَمّا كانَ عَهْدُ رَسُولِ اللهِ لازِمًا لِأُمَّتِهِ حَسُنَ أنْ يَقُولَ: "عاهَدْتُمْ" قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ مِنَ العُلَماءِ: كانَتِ العَرَبُ قَدْ واثَقَها رَسُولُ اللهِ عَهْدًا عامًا عَلى أنْ لا يُصَدَّ أحَدٌ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ المُوادَعاتِ، فَنَقَضَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأجَّلَ لِجَمِيعِهِمْ أرْبَعَةً، فَمَن كانَ لَهُ مَعَ النَبِيِّ عَهْدٌ خاصٌّ وبَقِيَ مِنهُ أقَلُّ مِنَ الأرْبَعَةِ الأشْهَرِ بَلَغَ بِهِ تَمامَها، ومَن كانَ أمَدُهُ أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ أتَمَّ لَهُ عَهْدَهُ، إلّا إنْ كانَ مِمَّنْ تُحُسِّسَ مِنهُ نَقْضٌ فَإنَّهُ قُصِرَ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ خاصٌّ فُرِضَتْ لَهُ الأرْبَعَةُ الأشْهُرِ يَسِيحُ فِيها في الأرْضِ، أيْ يَذْهَبُ مَسْرَحًا آمِنًا كالسَيْحِ مِنَ الماءِ وهو الجارِي المُنْبَسِطُ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ: لَوْ خِفْتُ هَذا مِنكَ ما نِلْتَنِي ∗∗∗ حَتّى نَرى خَيْلًا أمامِي تَسِيحُ وهَذا يُنْبِئُ عن أنَّ رَسُولَ اللهِ اسْتَشْعَرَ مِنَ الكُفّارِ نَقْضًا وتَرَبُّصًا بِهِ إلّا مِنَ الطائِفَةِ المُسْتَثْناةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أوَّلُ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ شَوّالٌ وحِينَئِذٍ نَزَلَتِ الآيَةُ، وانْقِضاؤُها عِنْدَ انْسِلاخِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وهو انْقِضاءُ المُحَرَّمِ بَعْدَ يَوْمِ الأذانِ بِخَمْسِينَ يَوْمًا، فَكانَ أجَلُ مَن لَهُ عَهْدٌ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ مِن يَوْمِ نُزُولِ الآيَةِ، وأجَلُ سائِرِ المُشْرِكِينَ خَمْسُونَ لَيْلَةً مِن يَوْمِ الأذانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: اعْتُرِضَ هَذا بِأنَّ الأجَلَ لا يَلْزَمُ إلّا مِن يَوْمِ سُمِعَ، ويُحْتَمَلُ أنَّ البَراءَةَ قَدْ كانَتْ سُمِعَتْ مِن أوَّلِ شَوّالٍ، ثُمَّ كُرِّرَ إشْهارُها مَعَ الأذانِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ، وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: بَلْ أوَّلُها يَوْمُ الأذانِ وآخِرُها العِشْرُونَ مِن رَبِيعِ الآخَرِ، وهي الحُرُمُ، اسْتُعِيرَ لَها الِاسْمُ بِهَذِهِ الحُرْمَةِ والأمْنِ الخاصِّ الَّذِي رَسَمَهُ اللهُ وألْزَمَهُ فِيها، وهي أجَلُ الجَمِيعِ مِمَّنْ لَهُ عَهْدٌ وتُحُسِّسَ مِنهُ نَقْضٌ، ومِمَّنْ لا عَهْدَ لَهُ.
وقالَ الضَحّاكُ وغَيْرُهُ مِنَ العُلَماءِ: "كانَ مِنَ العَرَبِ مَن لا عَهْدَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللهِ جُمْلَةً، وكانَ مِنهم مَن بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَهْدٌ وتَحَسَّسَ مِنهُمُ النَقْضَ، وكانَ مِنهم مَن بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَهْدٌ ولَمْ يَنْقُضُوا، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ ﴾ هو أجَلٌ ضَرَبَهُ لِمَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَهْدٌ وتَحَسَّسَ مِنهم نَقْضَهُ، وأوَّلُ هَذا الأجَلِ يَوْمُ الأذانِ، وآخِرُهُ انْقِضاءُ العَشْرِ الأُوَلِ مِن رَبِيعِ الآخِرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ﴾ هو حُكْمٌ مُبايِنٌ لِلْأوَّلِ حُكِمَ بِهِ في المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا عَهْدَ لَهُمُ البَتَّةَ، فَجاءَ أجَلُ تَأْمِينِهِمْ خَمْسِينَ يَوْمًا، أوَّلُها يَوْمُ الأذانِ وآخِرُها انْقِضاءُ المُحَرَّمِ، وقَوْلُهُ: ﴿ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ ﴾ يُرِيدُ بِهِ الَّذِينَ لَهم عَهْدٌ ولَمْ يَنْقُضُوا ولا تُحُسِّسْ مِنهم نَقْضٌ، وهم -فِيما رُوِيَ- بَنُو ضِمْرَةَ مِن كِنانَةَ، عاهَدَ لَهُمُ المُحَسِّرُ بْنُ خُوَيْلِدٍ، وكانَ بَقِي مِن عَهْدِهِمْ يَوْمَ الأذانِ تِسْعَةُ أشْهُرٍ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: إنَّما أجَلُ اللهِ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ مَن كانَ عَهْدُهُ يَنْصَرِمُ عِنْدَ انْقِضائِها أو قَبْلَهُ، والمَعْنى: فَقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: سِيحُوا، وأمّا مَن كانَ لَهُ عَهْدٌ يَتَمادى بَعْدَ الأرْبَعَةِ الأشْهَرِ، فَهُمُ الَّذِينَ أمَرَ اللهُ لَهم بِالوَفاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ ﴾ ، مَعْناهُ: واعْلَمُوا أنَّكم لا تَغْلِبُونَ اللهَ وَلا تُعْجِزُونَهُ هَرَبًا مِن عِقابِهِ، ثُمَّ أعْلَمَهم بِحُكْمِهِ بِخِزْيِ الكافِرِينَ، وذَلِكَ حَتْمٌ إمّا في الدُنْيا وإمّا في الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأذانٌ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ إلى الناسِ ﴾ الآيَةُ.
و( أذانٌ ) مَعْناهُ: إعْلامٌ وإشْهارٌ، و( الناسِ ) هاهُنا: عامٌّ في جَمِيعِ الخَلْقِ، و( يَوْمَ ) مَنصُوبٌ عَلى الظَرْفِ، والعامِلُ فِيهِ ( أذانٌ ) وإنْ كانَ قَدْ وُصِفَ فَإنَّ رائِحَةَ الفِعْلِ باقِيَةٌ، وهي عامِلَةٌ في الظَرْفِ، وقِيلَ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ إذْ قَدْ وُصِفَ المَصْدَرُ فَزالَتْ عنهُ قُوَّةُ الفِعْلِ، ويَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْتَضِيهِ الألْفاظُ، وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ صِفَةُ الأذانِ، وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ "مُخْزِي".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بَعِيدٌ.
"وَيَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ" قالَ عُمَرُ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وغَيْرُهُمْ: هو يَوْمُ عَرَفَةَ، وقالَ بِهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا أنَّهُ يَوْمُ النَحْرِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن أبِي هُرَيْرَةَ وجَماعَةٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ: كانَ الناسُ يَوْمَ عَرَفَةَ مُفْتَرِقِينَ إذْ كانَتِ الحُمْسُ تَقِفُ بِالمُزْدَلِفَةِ.
وكانَ الجَمْعُ يَوْمَ النَحْرِ بِمِنًى، فَلِذَلِكَ كانُوا يُسَمُّونَهُ "الحَجَّ الأكْبَرَ" أيْ: مِنَ الأصْغَرِ الَّذِي هم فِيهِ مُفْتَرِقُونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا زالَ في حَجَّةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِأنَّهُ لَمْ يَقِفْ أحَدٌ بِالمُزْدَلِفَةِ، وقَدْ ذَكَرَ المَهْدَوِيُّ أنَّ الحُمْسَ ومَنِ اتَّبَعَها وقَفُوا بِالمُزْدَلِفَةِ في حَجَّةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والَّذِي تَظاهَرَتْ بِهِ الأحادِيثُ في هَذا المَعْنى أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُ أذَّنَ بِتِلْكَ الآيَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ إثْرَ خُطْبَةِ أبِي بَكْرٍ، ثُمَّ رَأى أنَّهُ لَمْ يُعْلِمِ الناسَ بِالإسْماعِ فَتَتَبَّعَهم بِالأذانِ بِها يَوْمَ النَحْرِ، وفي ذَلِكَ اليَوْمِ بَعَثَ مَعَهُ أبُو بَكْرٍ مَن يُعِينُهُ بِالأذانِ بِها كَأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ، وتَتَبَّعُوا بِها أيْضًا أسْواقَ العَرَبِ كَذِي المَجازِ وغَيْرِهِ، فَمِن هُنا يَتَرَجَّحُ قَوْلُ سُفْيانَ: إنَّ "يَوْمَ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى أيّامِ، بِسَبَبِ ذَلِكَ قالَتْ طائِفَةٌ: يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ: عَرَفَةُ حَيْثُ وقَعَ أوَّلَ الأذانِ، وقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: هو يَوْمُ النَحْرِ حَيْثُ وقَعَ إكْمالُ الأذانِ، واحْتَجُّوا أيْضًا بِأنَّهُ مَن فاتَهُ الوُقُوفُ يَوْمَ عَرَفَةَ فَإنَّهُ يَجْزِيهِ الوُقُوفُ لَيْلَةَ النَحْرِ، فَلَيْسَ يَوْمُ عَرَفَةَ -عَلى هَذا- يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا حُجَّةَ في هَذا، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: المُرادُ أيّامُ الحَجِّ كُلُّها كَما تَقُولُ يَوْمُ صِفِّينَ ويَوْمُ الجَمَلِ يُرِيدُ جَمِيعَ أيّامِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أيّامُ مِنًى كُلُّها، ومَجامِعُ المُشْرِكِينَ حَيْثُ كانُوا بِذِي المَجازِ وعُكاظٍ حِينَ نُودِيَ فِيهِمْ ألّا يَجْتَمِعَ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كَما قالَ عُثْمانُ لِعُمَرَ حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ زَواجَ حَفْصَةَ: إنِّي قَدْ رَأيْتُ ألّا أتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذا، وكَما ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ: تَقُولُ لِرَجُلٍ: ما شَغْلُكَ اليَوْمَ؟
وأنْتَ تُرِيدُ في أيّامِكَ هَذِهِ، واخْتُلِفَ لِمَ وُصِفَ بِالأكْبَرِ؟
فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وعَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ لِأنَّهُ حَجَّ ذَلِكَ العامَ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ وصادَفَ أيْضًا عِيدَ اليَهُودِ والنَصارى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ أنْ يَصِفَهُ اللهُ في كِتابِهِ بِالكِبَرِ لِهَذا، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: إنَّما سُمِّيَ أكْبَرَ لِأنَّهُ حَجَّ فِيهِ أبُو بَكْرٍ ونُبِذَتْ فِيهِ العُهُودُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو القَوْلُ الَّذِي يُشْبِهُ نَظَرَ الحَسَنِ، وبَيانُهُ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ كانَ المُفْتَتَحَ بِالحَقِّ وإمارَةِ الإسْلامِ بِتَقْدِيمِ رَسُولِ اللهِ ، ونُبِذَتْ فِيهِ العُهُودُ، وعَزَّ فِيهِ الدِينُ وذَلَّ الشِرْكُ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في عامِ ثَمانٍ حِينَ ولّى رَسُولُ اللهِ الحَجَّ عَتّابَ بْنَ أُسِيدٍ، بَلْ كانَ أمْرُ العَرَبِ عَلى أوَّلِهِ، فَكُلُّ حَجٍّ بَعْدَ حَجِّ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَمُتَرَكَّبٌ عَلَيْهِ، فَحَقُّهُ لِهَذا أنْ يُسَمّى أكْبَرَ.
وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وغَيْرُهُ: الحَجُّ أكْبَرُ بِالإضافَةِ إلى الحَجِّ الأصْغَرِ وهي العُمْرَةُ، وقالَ الشَعْبِيُّ: بِالإضافَةِ إلى العُمْرَةِ في رَمَضانَ فَإنَّها الحَجُّ الأصْغَرُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحَجُّ الأكْبَرُ: القِرانُ، والأصْغَرُ: الإفْرادُ، وهَذا لَيْسَ مِنَ الآيَةِ في شَيْءٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما ذَكَرَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، ويَتَّجِهُ أنْ يُوصَفَ بِالأكْبَرِ عَلى جِهَةِ المَدْحِ لا بِالإضافَةِ إلى أصْغَرَ مُعَيَّنٍ، بَلْ يَكُونُ المَعْنى: الأكْبَرُ مِن سائِرِ الأيّامِ، فَتَأمَّلْهُ.
واخْتِصارُ ما تَحْتاجُ إلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ما ذَكَرَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ مِن صُورَةِ تِلْكَ الحالِ، أنَّ رَسُولَ اللهِ افْتَتَحَ مَكَّةَ سَنَةَ ثَمانٍ، فاسْتَعْمَلَ عَلَيْها عَتّابَ بْنَ أُسَيْدٍ، وقَضى أمْرَ حَنِينٍ والطائِفِ وانْصَرَفَ إلى المَدِينَةِ، فَأقامَ بِها حَتّى خَرَجَ إلى تَبُوكَ، ثُمَّ انْصَرَفَ مِن تَبُوكَ في رَمَضانَ سَنَةَ تِسْعٍ، فَأرادَ الحَجَّ، ثُمَّ نَظَرَ في أنَّ المُشْرِكِينَ يَحُجُّونَ في تِلْكَ السَنَةِ ويَطُوفُونَ عُراةً فَقالَ: لا أُرِيدُ أنْ أرى ذَلِكَ، فَأمَرَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى الحَجِّ بِالناسِ وأنْفَذَهُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى ناقَتِهِ العَضْباءِ، وأمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ في الناسِ بِأرْبَعَةِ أشْياءَ، وهِيَ: « "لا يَحُجُّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ -وَفِي بَعْضِ الرِواياتِ: ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ كافِرٌ- ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ومَن كانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ عَهْدٌ فَهو لَهُ إلى مُدَّتِهِ"،» وفي بَعْضِ الرِواياتِ: «وَمَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللهِ عَهْدٌ فَأجَلُهُ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ يَسِيحُ فِيها، فَإذا انْقَضَتْ فَإنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأقُولُ: إنَّهم كانُوا يُنادُونَ بِهَذا كُلِّهِ، فَهَذا لِلَّذِينِ لَهم عَهْدٌ وتُحُسِّسَ مِنهم نَقْضُهُ، والإبْقاءُ إلى المُدَّةِ لِمَن لَمْ يُخْبَرْ مِنهُ نَقْضٌ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ العَرَبَ قالَتْ يَوْمَئِذٍ: نَحْنُ نَبْرَأُ مِن عَهْدِكَ وعَهْدِ ابْنِ عَمِّكَ إلّا مِنَ الطَعْنِ والضَرْبِ، فَلامَ بَعْضُهم بَعْضًا وقالُوا: ما تَصْنَعُونَ وقَدْ أسْلَمَتْ قُرَيْشٌ؟
فَأسْلَمُوا كُلُّهم ولَمْ يَسِحْ أحَدٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحِينَئِذٍ دَخَلَ الناسُ في دِينِ اللهِ أفْواجًا، وكانَ رَسُولُ اللهِ قَدْ أمَرَ عَلِيًّا أنْ يَقْرَأ عَلى الناسِ الأرْبَعِينَ آيَةً صَدْرَ سُورَةِ بَراءَةٍ، وقِيلَ: ثَلاثِينَ، وقِيلَ: عِشْرِينَ، وفي بَعْضِ الرِواياتِ: عَشْرُ آياتٍ، وفي بَعْضِها: تِسْعُ آياتٍ، ذَكَرَها النَقّاشُ، وقالَ سُلَيْمانُ بْنُ مُوسى الشامِيُّ: ذَلِكَ ثَمانٍ وعِشْرُونَ آيَةً، فَلِحَقَ عَلِيٌّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في الطَرِيقِ، فَقالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أمِيرٌ أو مَأْمُورٌ؟
فَقالَ: بَلْ مَأْمُورٌ، فَنَهَضا حَتّى بَلَغا المَوْسِمَ، فَلَمّا خَطَبَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِعَرَفَةَ: قالَ: قُمْ يا عَلِيٌّ فَأدِّ رِسالَةَ رَسُولِ اللهِ ، فَقامَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَفَعَلَ، قالَ: ثُمَّ وقَعَ في نَفْسِي أنَّ جَمِيعَ الناسِ لَمْ يُشاهِدُوا خُطْبَةَ أبِي بَكْرٍ، فَجَعَلْتُ أتَتَبَّعُ الفَساطِيطَ يَوْمَ النَحْرِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنَّ اللهَ بَرِيءٌ" بِفَتْحِ الألِفِ عَلى تَقْدِيرِ: بِأنَّ اللهَ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ: "إنَّ اللهَ" بِكَسْرِ الألِفِ عَلى القَطْعِ، إذِ الأذانُ في مَعْنى القَوْلِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَرَسُولُهُ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ وحَذْفِ الخَبَرِ، وتَقْدِيرُهُ: ورَسُولُهُ بَرِيءٌ مِنهم، هَذا هو عِنْدَ شَيْخِنا الفَقِيهِ الأُسْتاذِ أبِي الحَسَنِ بْنِ الباذِشِ رَحِمَهُ اللهُ مَعْنى العَطْفِ عَلى المَوْضِعِ، أيْ تُؤْنِسُ بِالجُمْلَةِ الأُولى الَّتِي هي مِنِ ابْتِداءٍ وخَبَرٍ فَعُطِفَتْ عَلَيْها هَذِهِ الجُمْلَةُ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ المَكْتُوبَةِ قَبْلَ دُخُولِ "أنَّ" الَّتِي لا تُغَيِّرُ مَعْنى الِابْتِداءِ بَلْ تُؤَكِّدُهُ و"إذْ" قَدْ قُرِئَتْ بِالكَسْرِ، لِأنَّهُ لا يُعْطَفُ عَلى مَوْضِعِ "أنَّ" بِالفَتْحِ، وانْظُرْهُ فَإنَّهُ مُخْتَلِفٌ في جَوازِهِ، لِأنَّ حُكْمَ "أنَّ" رَفْعُ حُكْمِ الِابْتِداءِ إلّا في هَذا المَوْضِعِ وما أشْبَهَهُ، وهَذا قَوْلُ أبِي العَبّاسِ، وأبِي عَلِيٍّ رَحِمَهُما اللهُ، ومَذْهَبُ الأُسْتاذِ عَلى مُقْتَضى كَلامِ سِيبَوَيْهِ ألّا مَوْضِعَ لِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ "أنْ" إذْ هو مُعْرَبٌ قَدْ ظَهَرَ فِيهِ عَمَلُ العامِلِ، ولِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ "أنَّ" و"لَيْتَ" و"لَعَلَّ"، والإجْماعُ ألّا مَوْضِعَ لِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ،:وَقِيلَ عَطْفٌ عَلى الضَمِيرِ المَرْفُوعِ الَّذِي في "بَرِيءٌ"، وحَسَّنَ ذَلِكَ أنَّ المَجْرُورَ قامَ مَقامَ التَوْكِيدِ، كَما قامَتْ "وَلا" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ﴾ .
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "رَسُولَهُ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى لَفْظِ المَكْتُوبَةِ، وبِهَذِهِ الآيَةِ امْتَحَنَ مُعاوِيَةُ أبا الأسْوَدِ حَتّى وضَعَ النَحْوَ إذْ جَعَلَ قارِئًا يَقْرَأُ بِخَفْضِ "وَرَسُولُهُ".
والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: بَرِيءٌ مِن عُهُودِهِمْ وأدْيانِهِمْ بَراءَةً عامَّةً تَقْتَضِي المُحارَجَةَ وإعْمالَ السَيْفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تُبْتُمْ ﴾ أيْ: عَنِ الكُفْرِ، ووَعَدَهم مَعَ شَرْطِ التَوْبَةِ، وتَوَعَّدَهم مَعَ شَرْطِ التَوَلِّي، وجازَ أنْ تَدْخُلَ البِشارَةُ في المَكْرُوهِ لَمّا جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ مَرْفُوعَ الإشْكالِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ ﴾ ﴿ فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَلاةَ وآتَوُا الزَكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهم إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ هَذا هو الِاسْتِثْناءُ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في المُشْرِكِينَ الَّذِينَ بَقِيَ مِن عَهْدِهِمْ تِسْعَةُ أشْهُرٍ وكانُوا قَدْ وفَّوْا بِالعَهْدِ عَلى ما يَجِبُ، وقالَ قَتادَةُ: هم قُرَيْشٌ الَّذِينَ عُوهِدُوا زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَرْدُودٌ بِإسْلامِ قُرَيْشٍ في الفَتْحِ قَبْلَ الأذانِ بِهَذا كُلِّهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى مُدَّتِهِمْ ﴾ : إلى الأرْبَعَةِ الأشْهَرِ الَّتِي في الآيَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَنْقُصُوكُمْ" بِالصادِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، وقَرَأ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "يَنْقُضُوكُمْ" بِالضادِ، مِنَ النَقْضِ، وهي مُتَمَكِّنَةٌ مَعَ العَهْدِ.
ولَكِنَّها قَلِقَةٌ في تَعَدِّيها إلى الضَمِيرِ، ويُحَسِّنُ ذَلِكَ أنَّ النَقْضَ نَقْضُ وفاءٍ وحَقٌّ لِلْمَعاهَدِ، وكَذَلِكَ تَعَدّى "أتِمُّوا" بِـ "إلى" لَمّا كانَ العَهْدُ في مَعْنى ما يُؤَدّى ويُبَرَأُ بِهِ وكَأنَّهم يَقْتَضُونَ العَهْدَ، و"يُظاهِرُوا" مَعْناهُ: يُعاوِنُوا، فالظَهْرُ: المُعِينُ، وأصْلُهُ مِنَ الظَهْرِ، كَأنَّ هَذا يُسْنِدُ ظَهْرَهُ إلى الآخَرِ، والآخَرُ كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ مِنَ التَقْوى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ ﴾ الآيَةُ، الِانْسِلاخُ: خُرُوجُ الشَيْءِ عَنِ الشَيْءِ المُتَلَبِّسِ بِهِ، كانْسِلاخِ الشاةِ عَنِ الجِلْدِ والرَجُلِ عَنِ الثِيابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَسْلَخُ مِنهُ النَهارَ ﴾ ، فَشَبَّهَ انْصِرامَ الأشْهُرِ بِأسْمائِها وأحْكامِها مِنَ الزَمَنِ بِذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيمَن جَعَلَ لَهُ انْقِضاءَ الأشْهُرِ الحُرُمِ أجَلًا، وما المَعْنى بِـالأشْهُرِ الحُرُمِ بِما أغْنى عن إعادَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ﴾ أمْرٌ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ فَخَرَجَ الأمْرُ بِذَلِكَ بِلَفْظِ "اقْتُلُوا" عَلى جِهَةِ التَشْجِيعِ وتَقْوِيَةِ النَفْسِ، أيْ: هَكَذا يَكُونُ أمْرُكم مَعَهُمْ، وهَذِهِ الآيَةُ نَسَخَتْ كُلَّ مُوادَعَةٍ في القُرْآنِ أو مُهادَنَةٍ وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ، وهي عَلى ما ذُكِرَ مِائَةُ آيَةٍ وأرْبَعَ عَشْرَةَ آيَةً، وقالَ الضَحّاكُ، والسُدِّيُّ، وعَطاءٌ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً ﴾ ، وقالُوا: لا يَجُوزُ قَتْلُ أسِيرٍ البَتَّةَ صَبْرًا، إمّا أنْ يُمَنَّ عَلَيْهِ وإمّا أنْ يُفادى، وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً ﴾ مَنسُوخٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: لا يَجُوزُ المَنُّ عَلى أسِيرٍ ولا مُفاداتُهُ، ولا شَيْءَ إلّا القَتْلُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُما مُحْكَمَتانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ يُفَسِّرْ أكْثَرَ مِن هَذا، وقَوْلُهُ هو الصَوابُ، والآيَتانِ لا يُشْبِهُ مَعْنى واحِدَةٍ مَعْنى الأُخْرى، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ﴾ ، ﴿ وَخُذُوهم واحْصُرُوهُمْ ﴾ أفْعالٌ إنَّما تَمْتَثِلُ مَعَ المُحارِبِ المُرْسَلِ المُناضِلِ، ولَيْسَ لِلْأسِيرِ فِيها ذِكْرٌ ولا حُكْمٌ، وإذا أُخِذَ الكافِرُ خَرَجَ عن دَرَجاتِ هَذِهِ الآيَةِ وانْتَقَلَ إلى حُكْمِ الآيَةِ الأُخْرى، وتِلْكَ الآيَةُ لا مَدْخَلَ فِيها لِغَيْرِ الأسِيرِ، فَقَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ هو الصَوابُ، وقَوْلُهُ: ( خُذُوهم ) مَعْناهُ: الأسْرُ، وقَوْلُهُ: ﴿ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ مَعْناهُ: في مَواضِعِ الغِرَّةِ حَيْثُ يُرْصَدُونَ، وقالَ النابِغَةُ: أعاذِلُ إنَّ الجَهْلَ مِن لَذَّةِ الفَتى ∗∗∗ وإنَّ المَنايا لِلنُّفُوسِ بِمَرْصَدِ ونَصْبُ "كُلَّ" عَلى الظَرْفِ، وهو اخْتِيارُ الزَجّاجِ، أو بِإسْقاطِ الخافِضِ، التَقْدِيرُ: في كُلِّ مَرْصَدٍ، أو عَلى كُلِّ مَرْصَدٍ، وحَكى سِيبَوَيْهِ: ضُرِبَ الظَهْرَ والبَطْنَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تابُوا ﴾ يُرِيدُ: مِنَ الكُفْرِ، فَهي مُتَضَمِّنَةٌ الإيمانَ، ثُمَّ قَرَنَ بِها إقامَةَ الصَلاةِ وإيتاءَ الزَكاةِ تَنْبِيهًا عَلى مَكانِ الصَلاةِ والزَكاةِ مِنَ الشَرْعِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ﴾ تَأْمِينٌ.
وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: هَذا هو دِينُ اللهِ الَّذِي جاءَتْ بِهِ الرُسُلُ، وهو مِن آخِرِ ما نَزَلَ قَبْلَ اخْتِلافِ الأهْواءِ، وفِيهِ قالَ النَبِيُّ : « "مَن فارَقَ الدُنْيا مُخْلِصًا لِلَّهِ تَعالى مُطِيعًا لَهُ لَقِيَ اللهَ وهو عنهُ راضٍ"»، ثُمَّ وعَدَ بِالمَغْفِرَةِ في صِيغَةِ الخَبَرِ عن أوصافِهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم إنَّ اللهِ يُحِبُّ المُتَّقِينَ ﴾ أُمِرَ رَسُولُ اللهِ في هَذِهِ الآيَةِ -بَعْدَ الأمْرِ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ- بِأنْ يَكُونَ مَتى طَلَبَ مُشْرِكٌ عَهْدًا يَأْمَنُ بِهِ يَسْمَعُ القُرْآنَ ويَرى حال الإسْلامِ أنْ يُعْطِيَهُ ذَلِكَ، وهي الإجارَةُ وهو مِنَ الجِوارِ.
ثُمَّ أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ المَأْمَنَ إذا لَمْ يَرْضَ الإسْلامَ ولَمْ يُهْدَ إلَيْهِ، وقالَ الحَسَنُ: هي مُحْكَمَةٌ سُنَّةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وقالَ الضَحّاكُ، والسُدِّيُّ: هَذا مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ﴾ ، وقالَ غَيْرُهُما: هَذِهِ الآيَةُ إنَّما كانَ حُكْمُها مُدَّةَ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ الَّتِي ضُرِبَتْ لَهم أجَلًا.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، وهي إضافَةُ صِفَةٍ إلى مَوْصُوفٍ، لا إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ، والمَعْنى: ويَفْهَمُ أحْكامَهُ وأوامِرَهُ ونَواهِيَهُ، فَذَكَرَ السَماعَ بِالآذانِ إذْ هو الطَرِيقُ إلى الفَهْمِ، وقَدْ يَجِيءُ السَماعُ في كَلامِ العَرَبِ مُسْتَعْمَلًا بِمَعْنى الفَهْمِ، كَما تَقُولُ لِمَن خاطَبْتَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنكَ: "أنْتَ لَمْ تَسْمَعْ قَوْلِي"، تُرِيدُ: لَمْ تَفْهَمْهُ، وذَلِكَ في كِتابِ اللهِ تَعالى في عِدَّةِ مَواضِعَ.
و"أحَدٌ" في هَذِهِ الآيَةِ مُرْتَفِعٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْتَجارَكَ ﴾ ويَضْعُفُ فِيهِ الِابْتِداءُ لِوِلايَةِ الفِعْلِ لِـ"إنْ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى هَذا اللُطْفِ في الإجارَةِ والإسْماعِ وتَبْلِيغِ المَأْمَنِ، و"لا يَعْلَمُونَ" نُفِيَ عِلْمُهم بِمَراشِدِهِمْ في اتِّباعِ مُحَمَّدٍ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ ﴾ الآيَةُ.
لَفْظُ اسْتِفْهامٍ وهو عَلى جِهَةِ التَعَجُّبِ والِاسْتِبْعادِ، أيْ: عَلى أيِّ وجْهٍ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ وهم قَدْ نَقَضُوا وجاهَرُوا بِالتَعَدِّي؟
ثُمَّ اسْتَثْنى مِن عُمُومِ المُشْرِكِينَ القَوْمَ الَّذِينَ عُوهِدُوا عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ، أيْ: في ناحِيَتِهِ وجِهَتِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيما رُوِيَ عنهُ: المَعْنِيُّ بِهَذا قُرَيْشٌ.
وقالَ السُدِّيُّ: المَعْنِيُّ بَنُو جُذَيْمَةَ مِنَ الدَيْلِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هي قَبائِلُ بَنِي بَكْرٍ، كانُوا دَخَلُوا وقْتَ الحُدَيْبِيَةِ في المُدَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ وبَيْنَ قُرَيْشٍ، فَلَمْ يَكُنْ نَقْضٌ إلّا قُرَيْشٌ وبَنُو الدَيْلِ مِن بَنِي بَكْرٍ، فَأمَرَ المُسْلِمُونَ بِإتْمامِ العَهْدِ لِمَن لَمْ يَكُنْ نَقَضَ، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنِيُّ خُزاعَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهو مَرْدُودٌ بِإسْلامِ خُزاعَةَ عامَ الفَتْحِ، وقالَ بَعْضُ مَن قالَ إنَّهم قُرَيْشٌ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، بَلْ نَقَضُوا فَنَزَلَ تَأْجِيلُهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ بَعْدَ ذَلِكَ، وحَكى الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وهو ضَعِيفٌ مُتَناقِضٌ، لِأنَّ قُرَيْشًا وقْتَ الأذانِ بِالأرْبَعَةِ الأشْهَرِ لَمْ يَكُنْ مِنهم إلّا مُسْلِمٌ، وذَلِكَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ بِسَنَةٍ، وكَذَلِكَ خُزاعَةُ، قالَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ المُوفِينَ بِالعَهْدِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَلِذَلِكَ جاءَ بِلَفْظٍ مُعَرَّفٍ لِلْوَفاءِ بِالعَهْدِ مُتَضَمِّنٌ الإيمانَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلا ولا ذِمَّةً يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهم وأكْثَرُهم فاسِقُونَ ﴾ ﴿ اشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَصَدُّوا عن سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ ﴾ بَعْدَ "كَيْفَ" في هَذِهِ الآيَةِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ ولا بُدَّ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ، فَيَحْسُنُ أنْ يُقَدَّرَ: "كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ"؟
ونَحْوُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وخَبَّرْ تُمانِي أنَّما المَوْتُ في القُرى ∗∗∗ فَكَيْفَ وهاتا هَضْبَةٌ وكَثِيبُ وَفِي "كَيْفَ" هُنا تَأْكِيدٌ لِلِاسْتِبْعادِ الَّذِي في الأُولى، و"لا يَرْقُبُوا" مَعْناهُ: لا يُراعُوا ولا يُحافِظُوا، وأصْلُ الِارْتِقابِ بِالبَصَرِ، ومِنهُ الرَقِيبُ في المَيْسِرِ وغَيْرِهِ، ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ مَن حافَظَ عَلى شَيْءٍ وراعاهُ: راقَبَهُ وارْتَقَبَهُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إلًّا"، وقَرَأ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ خَفِيفَةَ اللامِ: "إيلًا"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ألًّا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، فَأمّا مَن قَرَأ: "إلًّا" فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو مِجْلَزٍ، وهو اسْمُهُ بِالسُرْيانِيَّةِ وعُرِّبَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ سَمِعَ كَلامَ مُسَيْلِمَةَ، فَقالَ: هَذا كَلامٌ لَمْ يَخْرُجْ مِن إلٍّ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ العَهْدُ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْعَهْدِ والخُلُقِ والجِوارِ ونَحْوِ هَذِهِ المَعانِي: إلًّا، ومِنهُ قَوْلُ أبِي جَهْلٍ: لِإلٍّ عَلَيْنا واجِبٌ لا نُضَيِّعُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ مَتِينٌ قُواهُ غَيْرُ مُنْتَكَثِ الحَبْلِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ القَرابَةُ، فَإنَّ القَرابَةَ في لُغَةِ العَرَبِ يُقالُ لَها: إلٌّ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: أفْسَدَ الناسَ خُلُوفٌ خَلَفُوا ∗∗∗ ∗∗∗ قَطَعُوا الإلَّ وأعْراقَ الرَحِمْ أنْشُدَهُ أبُو عُبَيْدَةَ عَلى القَرابَةِ، وظاهِرُهُ أنَّهُ في العُهُودِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: لَعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ في قُرَيْشٍ ∗∗∗ ∗∗∗ كَإلِّ السَقْبِ مِن رَأْلِ النَعامِ وأمّا مَن قَرَأ: "ألًّا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ فَهو مَصْدَرٌ مِن فِعْلِ الألِّ الَّذِي هو العَهْدُ، ومَن قَرَأ: "إيلًا" فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، فَإنَّهُ يُقالُ: إلٌّ وإيلٌ، وفي البُخارِيِّ: قالَ اللهُ: جِبْرَ، ومِيكَ، وسِرافَ: عَبْدٌ بِالسُرْيانِيَّةِ، وإيلُ: اللهُ عَزَّ وجَلَّ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ "إلًّا" المُتَقَدِّمَ فَأبْدَلَ مِن أحَدِ المِثْلَيْنِ ياءً، كَما فَعَلُوا ذَلِكَ في قَوْلِهِمْ: أمّا وأيْما، ومِنهُ قَوْلُ سَعْدِ بْنِ قُرْطٍ يَهْجُو أُمَّهُ: يا لَيْتَما أُمُّنا شالَتْ نَعامَتُها ∗∗∗ ∗∗∗ أيْما إلى جَنَّةٍ أيْما إلى نارِ ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: رَأتْ رَجُلًا أيْما إذا الشَمْسُ عارَضَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ فَيَضْحى وأمّا بِالعَشِيِّ فَيَخْصَرُ وقالَ آخَرُ: لا تُفْسِدُوا أبًا لَكم ∗∗∗ ∗∗∗ إيما لَنا إيما لَكُمْ قالَ أبُو الفَتْحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِن آلَ يَؤُولُ إذا ساسَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَما قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "قَدْ أُلْنا وإيلَ عَلَيْنا"، فَكانَ المَعْنى -عَلى هَذا-: لا يَرْقُبُونَ فِيكم سِياسَةً ولا مُداراةً ولا ذِمَّةً، وقُلَبَتِ الواوُ ياءً لِسُكُونِها والكَسْرَةِ قَبْلَها.
و"الذِمَّةُ" أيْضًا بِمَعْنى المَتابِ والحِلْفِ والجِوارِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الأصْمَعِيِّ: "الذِمَّةُ كُلُّ ما يَجِبُ أنْ يُحْفَظَ ويُحْمى"، فَمَن رَأى في "الإلِّ" أنَّهُ العَهْدُ جَعَلَهُما لَفْظَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ لِمَعْنًى واحِدٍ أو مُتَقارِبٍ، ومَن رَأى "الإلَّ" لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهُما لَفْظانِ لِمَعْنَيَيْنِ.
و( تَأْبى قُلُوبُهم ) مَعْناهُ: تَأْبى أنْ تُذْعِنَ لِما يَقُولُونَهُ بِالألْسِنَةِ، وأبى يَأْبى شاذٌّ، لا يُحْفَظُ فَعَلَ يَفْعَلُ بِفَتْحِ العَيْنِ في الماضِي والمُسْتَقْبَلِ، وقَدْ حُكِيَ رَكَنَ يَرْكَنُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَأكْثَرُهُمْ ﴾ يُرِيدُ بِهِ الكُلَّ، أو يُرِيدُ اسْتِثْناءَ مَن قَضى لَهُ بِالإيمانِ، كُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ الآيَةُ.
اللازِمُ مِن ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الطائِفَةَ الكافِرَةَ المَوْصُوفَةَ بِما تَقَدَّمَ لَمّا تَرَكَتْ آياتِ اللهِ ودِينَهُ وآثَرَتِ الكُفْرَ وحالَها في بِلادِها، كُلُّ ذَلِكَ كالشِراءِ والبَيْعِ لَمّا كانَ تَرْكًا لِما قَدْ مُكِّنُوا مِنهُ وأخْذًا لِما يُمْكِنُ نَبْذُهُ، وهَذِهِ نَزْعَةُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ في مَنعِ اخْتِيارِ المُشْتَرِي فِيما تَخْتَلِفُ آحادُ جِنْسِهِ، ولا يَجُوزُ التَفاضُلُ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَصَدُّوا عن سَبِيلِهِ ﴾ يُرِيدُ: صَدُّوا أنْفُسَهم وغَيْرَهُمْ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّ عَمَلَهم سَيِّئٌ، و"ساءَ" في هَذِهِ الآيَةِ -إذْ لَمْ يُذْكَرْ مَفْعُولُها- يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُضَمَّنَةً كَبِئْسَ، فَأمّا إذا قُلْتَ: "ساءَنِي فِعْلُ زَيْدٍ" فَلَيْسَ تَضْمِينٌ بِوَجْهٍ، وإنْ قَدَّرْتَ في هَذِهِ الآيَةِ مَفْعُولًا زالَ التَضْمِينُ.
ورُوِيَ أنَّ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ جَمَعَ بَعْضَ العَرَبِ عَلى طَعامٍ، ونَدَبَهم إلى وجْهٍ مِن وُجُوهِ النَقْضِ فَأجابُوا إلى ذَلِكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هَذِهِ في اليَهُودِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَوْلُ وإنَّ كانَتْ ألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ تَقْتَضِيهِ فَما قَبْلَها وما بَعْدَها يَرُدُّهُ ويَتَبَرَّأُ مِنهُ، ويَخْتَلُّ أُسْلُوبُ القَوْلِ بِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَرْقُبُونَ ﴾ الآيَةُ، وصْفٌ لِهَذِهِ الطائِفَةِ المُشْتَرِيَةِ يَضْعُفُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ مَن قالَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ اشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ﴾ هو في اليَهُودِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي مُؤْمِنٍ ﴾ إعْلامٌ بِأنَّ عَداوَتَهم إنَّما هي بِحَسَبِ الإيمانِ فَقَطْ، وقَوْلُهُ أوَّلًا: فِيكم كانَ يُحْتَمَلُ أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ ذَلِكَ لِلْإحَنِ الَّتِي وقَعَتْ فَزالَ هَذا الِاحْتِمالُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فِي مُؤْمِنٍ ﴾ ثُمَّ وصَفَهم بِالِاعْتِداءِ والبَداءَةِ بِالنَقْضِ لِلْعُهُودِ والتَعَمُّقِ في الباطِلِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَلاةَ وآتَوُا الزَكاةَ فَإخْوانُكم في الدِينِ ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ ﴾ "تابُوا": رَجَعُوا عن حالِهِمْ، والتَوْبَةُ مِنهم تَتَضَمَّنُ الإيمانَ، ثُمَّ قَرَنَ تَعالى بِإيمانِهِمْ إقامَةَ الصَلاةِ وإيتاءَ الزَكاةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: حَرَّمَتْ هَذِهِ الآيَةُ دِماءَ أهْلِ القِبْلَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَرَنَ اللهُ الصَلاةَ بِالزَكاةِ ولَمْ يَرْضَ بِإحْداهُما دُونَ الأُخْرى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذا مَرَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقْتَ الرِدَّةِ.
والأُخُوَّةُ في الدِينِ هي أُخُوَّةُ الإسْلامِ، وجَمْعُ الأخِ مِنها: إخْوانٌ، وجَمْعُهُ مِنَ النَسَبِ: إخْوَةٌ قالَهُ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ الأخَ مِنَ النَسَبِ يُجْمَعُ عَلى إخْوانٍ أيْضًا، وذَلِكَ ظاهِرٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكم أو بُيُوتِ آبائِكم أو بُيُوتِ أُمَّهاتِكم أو بُيُوتِ إخْوانِكم أو بُيُوتِ أخَواتِكُمْ ﴾ ويُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ أو صَدِيقِكُمْ ﴾ ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في هَذِهِ السُورَةِ: ﴿ قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكُمْ ﴾ الآيَةُ.
فَأمّا الأخُ مِنَ التَوادِّ فَفي كِتابِ اللهِ: ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ ﴾ .
وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ في البُخارِيِّ: "كانَ إخْوَتِي مِنَ المُهاجِرِينَ يَشْغَلُهم صَفْقٌ بِالأسْواقِ"، فَيَصِحُّ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّ الأخَ يُجْمَعُ إخْوَةً وإخْوانًا سَواءٌ كانَ مِن نَسَبٍ أو مَوَدَّةِ، وتَفْصِيلُ الآياتِ: بَيانُها وإيضاحُها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ ﴾ الآيَةُ.
النَكْثُ: النَقْضُ، وأصْلُهُ في كُلِّ ما قُبِلَ ثُمَّ حُلَّ، فَهي في الأيْمانِ والعُهُودُ مُسْتَعارَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَطَعَنُوا في دِينِكُمْ ﴾ أيْ بِالِاسْتِنْقاصِ والحَرْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَفْعَلُهُ المُشْرِكُ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ حِينَ أمَّرَ أُسامَةَ: "إنْ تَطْعَنُوا في إمارَتِهِ فَقَدْ طَعنتُمْ في إمارَةِ أبِيهِ مِن قَبْلُ"» الحَدِيثُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَلِيقُ هُنا ذِكْرُ شَيْءٍ مِن طَعْنِ الذِمِّيِّ في الدِينِ، فالمَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ: أنَّهُ إذا فَعَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ مِثْلُ تَكْذِيبِ الشَرِيعَةِ وسَبِّ النَبِيِّ ونَحْوِهِ قُتِلَ، وقِيلَ: إذا كَفَرَ وأعْلَنَ بِما هو مَعْهُودٌ مِن مُعْتَقَدِهِ، وكُفْرِهِ أُدِّبَ عَلى الإعْلانِ وتُرِكَ، وإذا كَفَرَ بِما لَيْسَ مِن مَعْهُودِ كُفْرِهِ كالسَبِّ ونَحْوِهِ قُتِلَ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ في هَذا: إنَّهُ يُسْتَتابُ، واخْتُلِفَ إذا سَبَّ الذِمِّيُّ النَبِيَّ ثُمَّ أسْلَمَ تَقِيَّةَ القَتْلِ، فالمَشْهُورُ مِنَ المَذْهَبِ أنْ يُتْرَكَ، وقَدْ قالَ : « "الإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ"»، وفي "العَتَبِيَّةِ" أنَّهُ يُقْتَلُ ولا يَكُونُ أحْسَنَ حالًا مِنَ المُسْلِمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ ﴾ أيْ: رُؤُوسُهم وأعْيانُهُمُ الَّذِينَ يَقُودُونَ الناسَ إلَيْهِ، وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِهَذا أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ، وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وغَيْرُهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا -إنْ لَمْ يُتَأوَّلْ أنَّهُ ذَكَرَهم عَلى جِهَةِ المِثالِ- ضَعِيفٌ، لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ بَدْرٍ بِكَثِيرٍ، ورُوِيَ عن حُذَيْفَةَ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَجِئْ هَؤُلاءِ بَعْدُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ: لَمْ يَنْقَرِضُوا فَهم يَحْيَوْنَ أبَدًا ويُقْتَلُونَ، وأصْوَبُ ما في هَذا أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا يُعْنى بِها مُعَيَّنٌ، وإنَّما وقَعَ الأمْرُ بِقِتالِ أئِمَّةِ الناكِثِينَ بِالعُهُودِ مِنَ الكَفَرَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ دُونَ تَعْيِينٍ، واقْتَضَتْ حالُ كُفّارِ العَرَبِ ومُحارِبِي رَسُولِ اللهِ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلَيْهِمْ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ أئِمَّةَ الكُفْرِ ﴾ ، وهم حَصَلُوا حِينَئِذٍ تَحْتَ اللَفْظَةِ إذِ الَّذِي يَتَوَلّى قِتالَ النَبِيِّ والدَفْعَ في صَدْرِ شَرِيعَتِهِ هو إمامُ كُلِّ مَن يَكْفُرُ بِذَلِكَ الشَرْعِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ تَأْتِي في كُلِّ جِيلٍ مِنَ الكُفّارِ أئِمَّةٌ خاصَّةٌ بِجِيلٍ جِيلٍ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "أيِمَّةَ" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ وبَعْدَها ياءٌ مَكْسُورَةٌ، وقَدْ رُوِيَ عن نافِعٍ مَدُّ الهَمْزَةِ، ورَوى عنهُ ابْنُ أبِي أُوَيْسٍ: "أئِمَّةَ" بِهَمْزَتَيْنِ، وأصْلُها: "أأْمِمَةٌ" وزْنُها أفَعِلَةٌ جَمْعُ إمامٍ، كَعِمادٍ وأعْمِدَةٍ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ المِيمِ إلى الهَمْزَةِ الَّتِي هي فاءُ الفِعْلِ، وأُدْغِمَتِ المِيمُ في المِيمِ الأُخْرى وقُلِبَتِ الهَمْزَةُ ياءً لِانْكِسارِها ولِاجْتِماعِ هَمْزَتَيْنِ مِن كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أئِمَّةَ" والتَعْلِيلُ واحِدٌ، إلّا أنَّهم لَمْ يَقْلِبُوا الهَمْزَةَ ياءً.
وقَرَأ المُسَيِّبِيُّ عن نافِعٍ: "آيِمَّةَ" بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ، وقَرَأ هِشامٌ عن أبِي عامِرٍ بِمَدَّةٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ.
وقَرَأ الناسُ الجَمُّ الغَفِيرُ: "لا أيْمانَ لَهُمْ" عَلى جَمْعِ يَمِينٍ، ولَيْسَ المُرادُ نَفْيَ الأيْمانِ جُمْلَةً، وإنَّما المَعْنى: لا أيْمانَ لَهم يُوَفّى بِها ويُبَرُّ، وهَذا المَعْنى يُشْبِهُ الآيَةَ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ: "لا إيمانَ لَهُمْ"، وهَذا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: لا تَصْدِيقَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا غَيْرُ قَوِيٍّ لِأنَّهُ تَكْرِيرٌ، وذَلِكَ أنَّهُ وصَفَ أئِمَّةَ الكُفْرِ بِأنَّهم لا إيمانَ لَهُمْ، فالوَجْهُ في كَسْرِ الألِفِ أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن آمَنَهُ إيمانًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( آمَنَهم مِن خَوْفٍ ) فالمَعْنى أنَّهم لا يُؤَمَّنُونَ كَما يُؤَمَّنُ أهْلُ الذِمَّةِ الكِتابِيُّونَ، إذِ المُشْرِكُونَ لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا الإسْلامُ أوِ السَيْفُ، قالَ أبُو حاتِمٍ: فَسَّرَ الحَسَنُ قِراءَتَهُ: لا إسْلامَ لَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَكْرِيرُ الَّذِي فَرَّ أبُو عَلِيٍّ مِنهُ مُتَّجِهٌ لِأنَّهُ بَيانُ المُبْهَمِ الَّذِي يُوجِبُ قَتْلَهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَسُولِ وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ أتَخْشَوْنَهم فاللهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ويَتُوبُ اللهُ عَلى مَن يَشاءُ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا تُقاتِلُونَ ﴾ عَرْضٌ وتَحْضِيضٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَهَمُّوا بِإخْراجِ الرَسُولِ وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ ، قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المُرادُ: مِنَ المَدِينَةِ، وهَذا يَسْتَقِيمُ كَغَزْوَةِ أُحُدٍ والأحْزابِ وغَيْرِهِما، وقالَ السُدِّيُّ: المُرادُ: مِن مَكَّةَ، فَهَذا عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى: هَمُّوا وفَعَلُوا، أو عَلى أنْ يُقالَ هَمُّوا بِإخْراجِهِ بِأيْدِيهِمْ فَلَمْ يَصِلُوا إلى ذَلِكَ، بَلْ خَرَجَ بِأمْرِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا يَجْرِي مَعَ إنْكارِ النَبِيِّ عَلى أبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثَةِ قَوْلَهُ: ورَدَّنِي لِلَّهِ مِن ∗∗∗ طَرَّدْتُهُ كُلَّ مُطَرَّدِ ولا يُنْسَبُ الإخْراجُ إلَيْهِمْ إلّا إذا كانَ الكَلامُ في طَرِيقِ تَذْنِيبِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللهِ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ ﴾ ، والأوَّلُ عَلى أنَّ ما فَعَلُوا بِهِ مِن أسْبابِ الإخْراجِ هو الإخْراجُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ قِيلَ: يُرادُ أفْعالُهم بِمَكَّةَ بِالنَبِيِّ وبِالمُؤْمِنِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: يُرادُ بِهِ ما بَدَأتْ بِهِ قُرَيْشٌ مِن مَعُونَةِ بَنِي بَكْرٍ حُلَفائِهِمْ عَلى خُزاعَةَ حُلَفاءِ رَسُولِ اللهِ ، فَكانَ هَذا بَدْءَ النَقْضِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: يَعْنِي فِعْلَهم يَوْمَ بَدْرٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ أتَخْشَوْنَهُمْ ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَقْرِيرِ والتَوْبِيخِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فاللهُ ﴾ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ و ﴿ أحَقُّ ﴾ خَبَرُهُ، و ﴿ أنْ تَخْشَوْهُ ﴾ بَدَلٌ مِنِ اسْمِ اللهِ، بَدَلَ اشْتِمالٍ، أو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ خافِضٍ تَقْدِيرُهُ: بِأنْ تَخْشَوْهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "اللهُ" ابْتِداءً، وأحَقُّ ابْتِداءٌ ثانٍ وأنْ تَخْشَوْهُ خَبَرُ الثانِي، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ كَما تَقُولُ: افْعَلْ كَذا إنْ كُنْتَ رَجُلًا، أيْ: رَجُلًا كامِلًا، فَهَذا مَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ كامِلِي الإيمانِ، لِأنَّ إيمانَهم كانَ قَدِ اسْتَقَرَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللهُ ﴾ الآيَةُ.
قَرَّرَتِ الآياتُ قَبْلَها أفْعالَ الكَفَرَةِ، ثُمَّ حَضَّ عَلى القِتالِ مُقْتَرِنًا بِذُنُوبِهِمْ لِتَنْبَعِثَ الحَمِيَّةُ مَعَ ذَلِكَ، ثُمَّ جَزَمَ الأمْرَ بِقِتالِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ مُقْتَرِنًا بِوَعْدٍ وكَيْدٍ يَتَضَمَّنُ النُصْرَةَ عَلَيْهِمْ والظَفَرَ بِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ يُعَذِّبْهُمُ ﴾ مَعْناهُ: بِالقَتْلِ والأسْرِ وذَلِكَ كُلُّهُ عَذابٌ، ويُخْزِهِمْ مَعْناهُ: يُذِلُّهم عَلى ذُنُوبِهِمْ، يُقالُ: خَزِيَ الرَجُلُ يَخْزى خِزْيًا إذا ذَلَّ مِن حَيْثُ وقَعَ في عارٍ، وأخْزاهُ غَيْرُهُ، وخَزِيَ يَخْزى خِزايَةً إذا اسْتَحْيا، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ﴾ فَإنَّ الكَلامَ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ جَماعَةَ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ كُلَّ ما يَهْدِ مِنَ الكُفْرِ هو شِفاءٌ مِن هَمِّ صُدُورِ المُؤْمِنِينَ، وَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَخْصِيصَ قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ورُوِيَ أنَّهم خُزاعَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُدِّيُّ، ووَجَّهَ تَخْصِيصَهم أنَّهُمُ الَّذِينَ نَقَضَ فِيهِمُ العَهْدَ ونالَتْهُمُ الحَرْبُ، وكانَ يَوْمَئِذٍ في خُزاعَةَ مُؤْمِنُونَ كَثِيرٌ، ويَقْتَضِي ذَلِكَ قَوْلُ الخُزاعِيِّ عَنِ المُسْتَنْصِرِ بِالنَبِيِّ : ........................
∗∗∗ ∗∗∗ ثُمَّتْ أسْلَمْنا فَلَمْ تَنْزِعْ يَدا وفِي آخِرِ الرَجَزِ يَقُولُ: ..........................
∗∗∗ ∗∗∗ وقَتَّلُونا رُكَّعًا وسُجَّدا وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ" عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيَذْهَبْ غَيْظُ قُلُوبِهِمْ" عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الغَيْظِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَيَتُوبُ" بِالرَفْعِ عَلى القِطَعِ مِمّا قَبْلَهُ، والمَعْنى أنَّ الآيَةَ اسْتَأْنَفَتِ الخَبَرَ بِأنَّهُ قَدْ يَتُوبُ عَلى بَعْضِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ أمَرَ بِقِتالِهِمْ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذا أمْرٌ مَوْجُودٌ سَواءٌ قُوتِلُوا أو لَمْ يُقاتَلُوا، فَلا وجْهَ لِإدْخالِ التَوْبَةِ في جَوابِ الشَرْطِ الَّذِي في "قاتِلُوهُمْ" عَلى قِراءَةِ النَصْبِ، وإنَّما الوَجْهُ الرَفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ والقَطْعِ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى الثَقَفِيُّ، وعَمْرُو بْنُ عَبِيدٍ، وأبُو عَمْرٍو -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "وَيَتُوبَ" بِالنَصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: "وَأنْ يَتُوبَ"، ويَتَوَجَّهَ ذَلِكَ عِنْدِي إذا ذَهَبْتَ إلى أنَّ التَوْبَةَ إنَّما يُرادُ بِها هُنا أنَّ قَتْلَ الكافِرِينَ والجِهادَ في سَبِيلِ اللهِ هو تَوْبَةٌ لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ وَكَمالٌ لِإيمانِكُمْ، فَتَدَخَّلُ التَوْبَةُ -عَلى هَذا- في شَرْطِ القِتالِ.
و ﴿ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ صِفَتانِ نِسْبَتُهُما إلى الآيَةِ واضِحَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللهُ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم وفي النارِ هم خالِدُونَ ﴾ "أمْ" في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَتِ المُعادِلَةَ، وإنَّما هي المُتَوَسِّطُ في الكَلامِ، وهي عِنْدُ سِيبَوَيْهِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ إضْرابًا عَنِ اللَفْظِ لا مَعْناهُ، واسْتِفْهامًا، فَهي تَسُدُّ مَسَدَّ "بَلْ وألِفِ الِاسْتِفْهامِ"، وهي الَّتِي في قَوْلِهِمْ: "إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ"، التَقْدِيرُ: بَلْ أهِيَ شاءٌ؟
وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ تُتْرَكُوا ﴾ يَسُدُّ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "حَسِبَ"، وقالَ المُبَرِّدُ: "أنْ" وما بَعْدَها مَفْعُولٌ أوَّلُ، والثانِي مَحْذُوفٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّ تَقْدِيرَهُ: مُهْمَلِينَ، أو سُدًى، ونَحْوُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلَمّا" هي "ما" دَخَلَتْ عَلى "لَمْ" وفِيها مُبالَغَةٌ، ومَعْنى الآيَةِ: أظْنَنْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا دُونَ اخْتِبارٍ وامْتِحانٍ؟
فَـ "لَمّا" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِ الشاعِرِ: بِأيْدِي رِجالٍ لَمْ يَشِيمُوا سُيُوفَهم ∗∗∗ ولَمْ تَكْثُرِ القَتْلى بِها حِينَ سُلَّتِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَمّا يَعْلَمِ ﴾ لَمّا يَعْلَمْ ذَلِكَ مَوْجُودًا كَما عَلِمَهُ أزَلًا بِشَرْطِ الوُجُودِ، ولَمّا يَظْهَرْ فِعْلُكم واكْتِسابُكُمُ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ الثَوابُ والعِقابُ، فَفي العِبارَةِ تَجَوُّزٌ، وإلّا فَحَتْمٌ أنَّهُ قَدْ عَلِمَ اللهُ في الأزَلِ الَّذِينَ وصَفَهم بِهَذِهِ الصِفَةِ مَشْرُوطًا وُجُودُهُمْ، ولَيْسَ يَحْدُثُ لَهُ عِلْمٌ تَبارَكَ وتَعالى عن ذَلِكَ.
و ﴿ وَلِيجَةً ﴾ مَعْناهُ: بِطانَةً ودَخِيلَةً، وقالَ عُبادَةُ بْنُ صَفْوانَ الغَنَوِيُّ: ولائِجُهم في كُلِّ مَبْدى ومَحْضَرِ ∗∗∗ ∗∗∗ إلى كُلِّ مَن يُرْجى ومَن يُتَخَوَّفُ وهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الوُلُوجِ، فالمَعْنى: أمْرًا باطِنًا مِمّا يُنْكِرُهُ الحَقُّ.
وهَذِهِ الآيَةُ مُخاطِبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مَعْناها أنَّهُ لا بُدَّ مِنِ اخْتِبارِهِمْ، فَهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ ﴾ ، وكَقَوْلِهِ: ﴿ الم ﴾ ﴿ أحَسِبَ الناسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ ﴾ ، وفي هَذِهِ الآيَةِ طَعْنٌ عَلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الوَلائِجَ لا سِيَّما عِنْدَما فُرِضَ القِتالُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ -فِي رِوايَةِ رُؤَيْسٍ- وسَلامٍ بِالياءِ عَلى الحِكايَةِ عَنِ الغائِبِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ بِحَقِّ الواجِبِ أنْ يَعْمُرُوا، وهَذا هو الَّذِي نَفى اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وإلّا فَقَدْ عَمَّرُوا مَساجِدَهُ قَدِيمًا وحَدِيثًا وتَغَلُّبًا وظُلْمًا، وقَرَأ حَمّادُ بْنُ أبِي سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، والجَحْدَرِيِّ: "مَسْجِدَ اللهِ" بِالإفْرادِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُمْ: "مَساجِدَ" بِالجَمْعِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا، وأبُو عَمْرٍو: "مَسْجِدَ" بِالإفْرادِ في هَذا المَوْضِعِ الأوَّلِ، و"مَساجِدَ" بِالجَمْعِ في الثانِي، كَأنَّهُ ذَكَرَ أوَّلًا فِيهِ النازِلَةَ ذَلِكَ الوَقْتَ، ثُمَّ عَمَّمَ المَساجِدَ ثانِيًا في الحُكْمِ الثابِتِ ما بَقِيَتِ الدُنْيا، ولَفْظُ الجَمْعِ يَقْتَضِي عُمُومَ المَساجِدِ كُلِّها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ في المَوْضِعَيْنِ وحْدَهُ عَلى أنْ يُقَدَّرَ كُلُّ مَوْضِعِ سُجُودٍ فِيهِ مَسْجِدًا ثُمَّ يُجْمَعُ، ولَفْظُ الإفْرادِ في المَوْضِعَيْنِ يَقْتَضِي خُصُوصَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحْدَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ فَيَعُمَّ المَساجِدَ كُلَّها، ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ إضافَتُهُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ مَن لا بَصَرَ لَهُ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: الثانِي في هَذِهِ القِراءَةِ يُرادُ بِهِ الأوَّلُ وسائِرُ المَساجِدِ كُلُّها حُكْمُها حُكْمُ المَسْجِدِ الحَرامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ ﴾ إشارَةٌ إلى حالِهِمْ، إذْ أقْوالُهم وأفْعالُهم تَقْتَضِي الإقْرارَ بِالكُفْرِ والتَحَلِّيَ بِهِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى قَوْلِهِمْ في التَلْبِيَةِ: "إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ" ونَحْوُ ذَلِكَ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ السُدِّيِّ أنَّهُ قالَ: الإشارَةُ إلى أنَّ النَصْرانِيَّ كانَ يَقُولُ: أنا نَصْرانِيٌّ، واليَهُودِيُّ كَذَلِكَ، والوَثَنِيُّ يَقُولُ: أنا مُشْرِكٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لَمْ يُحْفَظْ، ثُمَّ حَكَمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّ أعْمالَهم قَدْ حَبِطَتْ، أيْ: بَطَلَتْ، ولا أحْفَظُها تُسْتَعْمَلُ إلّا في السَعْيِ والعَمَلِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مِنَ الحَبَطِ وهو داءٌ قاتِلٌ يَأْخُذُ السائِمَةَ إذا رَعَتْ وبِيلًا، وهو الَّذِي في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنَّ مِمّا يَنْبُتُ الرَبِيعُ ما يَقْتُلُ حَبَطًا أو يُلِمُّ"» الحَدِيثُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَلاةَ وآتى الزَكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلا اللهِ فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مَن المُهْتَدِينَ ﴾ ﴿ أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ بِالحَقِّ لَهم والواجِبِ، ولَفْظُ هَذِهِ الآيَةِ الخَبَرُ وفي ضِمْنِها أمْرُ المُؤْمِنِينَ بِعِمارَةِ المَساجِدِ، وقَدْ قالَ بَعْضُ السَلَفِ: إذا رَأيْتُمُ الرَجُلَ يَعْمُرُ المَساجِدَ فَحَسِّنُوا بِهِ الظَنَّ، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "إذا رَأيْتُمُ الرَجُلَ يَعْتادُ المَساجِدُ فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ"» وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلَ في قِراءَةِ "مَساجِدَ"، وقَوْلُهُ: ﴿ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَلاةَ وآتى الزَكاةَ ﴾ يَتَضَمَّنُ الإيمانَ بِالرَسُولِ إذْ لا يُتَلَقّى ذَلِكَ إلّا مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَمْ يَخْشَ إلا اللهَ ﴾ حُذِفَتِ الألِفُ مِن "يَخْشى" لِلْجَزْمِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: "واعْلَمْ أنَّ الأخِيرَ إذا كانَ يُسَكَّنُ في الرَفْعِ حُذِفَ في الجَزْمِ لِئَلّا يَكُونَ الجَزْمُ بِمَنزِلَةِ الرَفْعِ"، ويُرِيدُ خَشْيَةَ التَعْظِيمِ والعِبادَةِ والطاعَةِ، وهَذِهِ مَرْتَبَةُ العَدْلِ بَيْنَ الناسِ، ولا مَحالَةَ أنَّ الإنْسانَ يَخْشى غَيْرَهُ ويَخْشى المَحاذِيرَ الدُنْيَوِيَّةَ، ويَنْبَغِي أنْ يَخْشى في ذَلِكَ كُلِّهِ قَضاءَ اللهِ وتَصْرِيفَهُ، و"عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ حَيْثُما وقَعَتْ في القُرْآنِ، ولَمْ يَرْجُ اللهَ بِالِاهْتِداءِ إلّا مَن حَصَلَ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ العَظِيمَةِ مِنَ العَدالَةِ، فَفي هَذا حَضٌّ بَلِيغٌ عَلى التَقْوى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ "، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ، وأبُو حَمْزَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو جَعْفَرٍ القارِي: "أجَعَلْتُمْ سُقاةَ الحاجِّ وعَمَرَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ "، وقَرَأها كَذَلِكَ ابْنُ جُبَيْرٍ إلّا أنَّهُ نَصَبَ "المَسْجِدَ" عَلى إرادَةِ التَنْوِينِ في "عَمَرَةَ".
وقَرَأ الضَحّاكُ، وأبُو وجْزَةَ، وأبُو جَعْفَرٍ القارِي: "سُقايَةَ" بِضَمِّ السِينِ، "وَعَمَرَةَ"، فَأمّا مَن قَرَأ "سِقايَةَ" و"عِمارَةَ" فَفي الكَلامِ عِنْدَهُ مَحْذُوفٌ إمّا في أوَّلِهِ وإمّا في آخِرِهِ، فَإمّا أنْ يُقَدِّرَ: "أجَعَلْتُمْ أهْلَ سِقايَةِ"، وإمّا أنْ يُقَدِّرَ: كَفِعْلِ مَن آمَنَ بِاللهِ.
وأمّا مَن قَرَأ: "سُقاةَ" و"عَمَرَةَ" فَنَمَطُ قِراءَتِهِ مُسْتَوٍ، وأمّا قِراءَةُ الضَحّاكِ فَجَمْعُ ساقٍ إلّا أنَّهُ ضَمَّ أوَّلَهُ، كَما قالُوا: عُرْقٌ وعُراقٌ وظِئْرٌ وظُؤارٌ، وكانَ قِياسُهُ أنْ يُقالَ: سُقاءٌ، وإنْ أنَّثَ كَما أُنِّثَ مِنَ الجُمُوعِ "حِجارَةٌ" وغَيْرُهُ.
وسِقايَةُ الحاجِّ كانَتْ في بَنِي هاشِمٍ، وكانَ العَبّاسُ يَتَوَلّاها، قالَ الحَسَنُ: «وَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ العَبّاسُ: ما أرانِي إلّا أتْرُكُ السِقايَةَ، فَقالَ النَبِيُّ : "أقِيمُوا عَلَيْها فَإنَّها لَكم خَيْرٌ".» وَعِمارَةُ المَسْجِدِ، قِيلَ: هي حِفْظُهُ مِنَ الظُلْمِ فِيهِ أو يُقالُ هُجْرًا، وكانَ ذَلِكَ إلى العَبّاسِ، وقِيلَ: هي السَدانَةُ خِدْمَةُ البَيْتِ خاصَّةً، وكانَتْ في بَنِي عَبْدِ الدارِ، وكانَ يَتَوَلّاها عُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ -واسْمُ أبِي طَلْحَةَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ العُزّى بْنِ عَبْدِ الدارِ- وشَيْبَةُ بْنُ عُثْمانَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ المَذْكُورُ، هَذانَ هُما اللَذانِ دَفَعَ إلَيْهِما رَسُولُ اللهِ مِفْتاحَ الكَعْبَةِ في ثانِي يَوْمِ الفَتْحِ بَعْدَ أنْ طَلَبَهُ العَبّاسُ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُما، «وَقالَ لِعُثْمانَ وشَيْبَةَ: "يَوْمَ وفاءٍ وبِرٍّ، خُذُوها خالِدَةً تالِدَةً لا يُنازِعُكُمُوها إلّا ظالِمٌ"».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَعْنِي السَدانَةَ، واخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فَقِيلَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِلْيَهُودِ: إنّا نَسْقِي الحَجِيجَ ونُعَمِّرُ البَيْتَ، أفَنَحْنُ أفْضَلُ أمْ مُحَمَّدٌ ودِينُهُ؟
فَقالَتْ لَهم أحْبارُ اليَهُودِ: بَلْ أنْتُمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ الكُفّارَ افْتَخَرُوا بِهَذِهِ الآيَةِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى النُعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّهُ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ النَبِيِّ في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ، فَقالَ أحَدُهُمْ: ما أتَمَنّى بَعْدَ الإسْلامِ إلّا أنْ أكُونَ ساقَيَ الحُجّاجِ، وقالَ الآخَرُ: إلّا أنْ أكُونَ خادِمَ البَيْتِ وعامِرَهُ، وقالَ الثالِثُ: إلّا أنْ أكُونَ مُجاهِدًا في سَبِيلِ اللهِ، فَسَمِعَهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ: اسْكُتُوا حَتّى أدْخُلَ عَلى النَبِيِّ فَأسْتَفْتِيَهُ، فَدَخَلَ فاسْتَفْتاهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: إنَّ المُسْلِمِينَ عَيَّرُوا أسْرى بَدْرٍ بِالكُفْرِ، فَقالَ العَبّاسُ: بَلْ نَحْنُ سُقاةُ الحاجِّ وَعَمَرَةُ البَيْتِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقالَ مُجاهِدٌ: أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ فَقالَ العَبّاسُ: أنا أسْقِي الحاجَّ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ: أنا حاجِبٌ لِلْكَعْبَةِ فَلا نُهاجِرُ، فَنَزَلَتْ ﴿ أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأمْرِهِ ﴾ ، قالَ مُجاهِدٌ: وهَذا كُلُّهُ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّ العَبّاسَ، وعَلِيًّا وعُثْمانَ بْنَ طَلْحَةَ تَفاخَرُوا، فَقالَ العَبّاسُ: أنا ساقِي الحاجِّ، وقالَ عُثْمانُ: أنا عامِرُ البَيْتِ ولَوْ شِئْتُ بَتُّ فِيهِ، وقالَ عَلِيٌّ: أنا صاحِبُ جِهادِ الكُفّارِ مَعَ النَبِيِّ والَّذِي آمَنتُ وهاجَرْتُ قَدِيمًا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ ﴾ ﴿ يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ ﴾ ﴿ خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أولِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ ﴾ لَمّا حَكَمَ اللهُ تَعالى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِأنَّ الصِنْفَيْنِ لا يَسْتَوُونَ بَيَّنَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ الأخِيرَةِ، وأوضَحَهُ، فَعَدَّدَ الإيمانَ والهِجْرَةَ، والجِهادَ بِالمالِ والنَفْسِ، وحَكَمَ أنَّ أهْلَ هَذِهِ الخِصالِ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ مِن جَمِيعِ الخَلْقِ، ثُمَّ حَكَمَ لَهم بِالفَوْزِ بِرَحْمَتِهِ، ورِضْوانِهِ، والفَوْزُ: بُلُوغُ البُغْيَةِ، إمّا في نَيْلِ رَغْبَةٍ، أو نَجاةٍ مِن مَهْلَكَةٍ، ويَنْظُرُ إلى مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الحَدِيثُ الَّذِي جاءَ "دَعُوا لِي أصْحابِي، فَلَوْ أنَّ أحَدَكم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ أصْحابَ هَذِهِ الخِصالِ عَلى سُيُوفِهِمُ انْبَنى الإسْلامُ، وهم رَدُّوا الناسَ إلى الشَرْعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ آيَةُ وعْدٍ، وقِراءَةُ الناسِ: "يُبَشِّرُهُمْ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الشِينِ المُشَدَّدَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ،، وحُمَيْدُ بْنُ هِلالٍ: "يَبْشُرُهُمْ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِينِ خَفِيفَةً، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى جابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ : « "إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: أعْطَيْتُكم أفْضَلَ مِن هَذا، فَيَقُولُونَ: رَبَّنا أيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن هَذا؟
قالَ: رِضْوانِي"»، وفي البُخارِيِّ في كِتابِ السُنَّةِ مِنهُ: « "فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا"».
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَرِضْوانٌ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وعَمْرٌو: "وَرُضْوانٌ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِضَمِّ الراءِ والضادِ جَمِيعًا، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ هَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ ﴾ الآيَةُ.
ظاهِرُ هَذِهِ المُخاطَبَةِ أنَّها لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ كافَّةً، وهي باقِيَةُ الحُكْمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ورَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في الحَضِّ عَلى الهِجْرَةِ ورَفْضِ بِلادِ الكُفْرِ، فالمُخاطَبَةُ -عَلى هَذا- إنَّما هي لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا في مَكَّةَ وغَيْرِها مِن بِلادِ العَرَبِ، خُوطِبُوا بِألا يُوالُوا الآباءَ والإخْوَةَ فَيَكُونُونَ لَهم تَبَعًا في سُكْنى بِلادِ الكُفْرِ، ولَمْ يَذْكُرِ الأبْناءَ في هَذِهِ الآيَةِ إذِ الأغْلَبُ مِنَ البَشَرِ أنَّ الأبْناءَ هُمُ التَبَعُ لِلْآباءِ.
و"الإخْوانُ" في هَذِهِ الآيَةِ جَمْعُ أخِ النَسَبِ، وكَذَلِكَ هي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أو بُيُوتِ إخْوانِكُمْ ﴾ .
وَقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "أنِ اسْتَحَبُّوا" بِفَتْحِ الألِفِ مِن "أنْ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ "إنْ" بِكَسْرِ الألِفِ عَلى الشَرْطِ، و"اسْتَحَبُّوا" مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنى: فَضَّلُوا وآثَرُوا، ولِذَلِكَ تَعَدَّتْ بِـ "عَلى".
ثُمَّ حَكَمَ اللهُ تَعالى بِأنَّ مَن والاهم واتَّبَعَهم في أغْراضِهِمْ فَإنَّهُ ظالِمٌ، أيْ واضِعٌ لِلشَّيْءِ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، وهَذا ظُلْمُ المَعْصِيَةِ لا ظُلْمُ الكُفْرِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهِ بِأمْرِهِ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تُقَوِّي مَذْهَبَ مَن رَأى أنَّ هَذِهِ والَّتِي قَبْلَها إنَّما مَقْصُودُها الحَضُّ عَلى الهِجْرَةِ، وفي ضِمْنِ قَوْلِهِ: ﴿ فَتَرَبَّصُوا ﴾ وعِيدٌ بَيِّنٌ، وقَوْلُهُ: "بِأمْرِهِ" قالَ الحَسَنُ: الإشارَةُ إلى عَذابٍ أو عُقُوبَةٍ مِنَ اللهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الإشارَةُ إلى فَتْحِ مَكَّةَ، والمَعْنى: فَإذا جاءَ اللهُ بِأمْرِهِ فَلَمْ تُسْلِفُوا ما يَكُونُ لَكم بِهِ أجْرًا ومَكانَةً في الإسْلامِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذُكِرَ الأبْناءُ في الآيَةِ لَمّا جَلَبَتْ ذَكَرَهُمُ المُحِبَّةُ، والأبْناءُ صَدْرٌ في المَحَبَّةِ، ولَيْسُوا كَذَلِكَ في أنْ يَتْبَعَهم آباؤُهم في آرائِهِمْ كَما في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَعَشِيرَتُكُمْ"، وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ بِخِلافٍ عنهُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعِصْمَةٌ: "وَعَشِيراتُكُمْ"، وحَسَّنَ هَذا الجَمْعَ إذْ لِكُلِّ أحَدٍ عَشِيرَةٌ تَخْتَصُّ بِهِ، ويُحَسِّنُ الإفْرادَ أنَّ أبا الحَسَنِ الأخْفَشَ قالَ: إنَّما تَجْمَعُ العَرَبُ "عَشائِرَ" ولا تَكادُ تَقُولُ "عَشِيراتٍ"، و ﴿ اقْتَرَفْتُمُوها ﴾ مَعْناهُ: اكْتَسَبْتُمُوها، وأصْلُ الِاقْتِرافِ والمُقارَفَةِ: مُقارَبَةُ الشَيْءِ.
﴿ وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ﴾ بَيِّنٌ في أنْواعِ المالِ، وقالَ ابْنُ المُبارَكِ: الإشارَةُ إلى البَناتِ اللَواتِي لا يَتَزَوَّجْنَ ولا يُوجَدُ لَهُنَّ خاطِبٌ، و"مَساكِنُ" جَمْعُ مَسْكَنٍ بِفَتْحِ الكافِ، مَفْعَلٌ مِنَ السُكْنى، وما كانَ مِن هَذا مُعْتَلَّ الفاءِ فَإنَّما يَأْتِي عَلى مَفْعِلٍ بِكَسْرِ العَيْنِ كَمَوْعِدٍ ومَوْطِنٍ، والمَساكِنُ: القُصُورُ والدُورُ، و"أحَبَّ" خَبَرُ كانَ، وكانَ الحَجّاجُ بْنُ يُوسُفَ يَقْرَؤُها: "أحَبُّ" بِالرَفْعِ، ولَهُ في ذَلِكَ خَبَرٌ مَعَ يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ، سَألَهُ الحَجّاجُ: هَلْ تَسْمَعُنِي ألْحَنُ؟
قالَ: نَعَمْ، في هَذا الحَرْفِ، وذَكَرَ لَهُ رَفْعَ "أحَبَّ" فَنَفاهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ خارِجٌ في العَرَبِيَّةِ عَلى أنْ يُضْمَرَ في كانَ الأمْرُ والشَأْنُ، ولَمْ يُقْرَأْ بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ عُمُومُ لَفْظٍ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ فِيمَن يُوافى عَلى فِسْقِهِ، أو عُمُومٌ مُطْلَقٌ عَلى أنَّهُ لا هِدايَةَ مِن حَيْثُ الفِسْقُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عنكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ أنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مِن يَشاءُ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، يُعَدِّدُ اللهُ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ، و"مَواطِنَ" جَمْعُ مَوْطِنٍ بِكَسْرِ الطاءِ، والمَوْطِنُ: مَوْضِعُ الإقامَةِ أوِ الحُلُولِ لِأنَّهُ أوَّلُ الإقامَةِ، والمَواطِنُ المُشارُ إلَيْها بَدْرٌ، والخَنْدَقُ، والنَضِيرُ، وقُرَيْظَةُ، ولَمْ يُصْرَفْ "مَواطِنُ" لِأنَّهُ جَمْعٌ وَنِهايَةُ جَمْعٍ.
و"يَوْمَ" عَطَفَ عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: "فِي مَواطِنَ" أو عَلى لَفْظَةٍ بِتَقْدِيرٍ: "وَفِي يَوْمِ"، فانْحَذَفَ حَرْفُ الخَفْضِ، و"حُنَيْنٍ" وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطائِفِ قَرِيبٌ مِن ذِي المَجازِ، وصُرِفَ حِينَ أُرِيدَ بِهِ المَوْضِعُ والمَكانُ، ولَوْ أُرِيدَ بِهِ البُقْعَةُ لَمْ يُصْرَفْ، كَما قالَ الشاعِرُ: نَصَرُوا نَبِيَّهم وشَدُّوا أزْرَهُ ∗∗∗ بِحُنَيْنَ يَوْمَ تَواكُلِ الأبْطالِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ ﴾ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ، قالَ حِينَ رَأى حَمْلَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا: "لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ"،» ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ قالَها فَأرادَ اللهُ إظْهارَ العَجْزِ فَظَهَرَ حِينَ فَرَّ الناسُ، ثُمَّ عَطَفَ القَدَرُ بِنَصْرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ﴾ أيْ: بِقَدْرِ ما هي رَحْبَةٌ واسِعَةٌ لِشِدَّةِ الحالِ وصُعُوبَتِها، فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾ يُرِيدُ فِرارَ الناسِ عَنِ النَبِيِّ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واخْتِصارُ هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ، لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ وكانَ في عَشَرَةِ آلافٍ مِن أصْحابِهِ وانْضافَ إلَيْهِ ألْفانِ مِنَ الطُلَقاءِ فَصارَ في اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا سَمِعَ بِذَلِكَ كُفّارُ العَرَبِ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَجَمَعَتْ لَهُ هَوازِنُ وألْفافُها وعَلَيْهِمْ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَصْرِيُّ، وثَقِيفٌ وعَلَيْهِمْ عَبْدُ يالِيلَ بْنِ عَمْرٍو، وانْضافَ إلَيْهِمْ أخْلاطٌ مِنَ الناسِ حَتّى كانُوا ثَلاثِينَ ألْفًا، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ حَتّى اجْتَمَعُوا بِحُنَيْنٍ، فَلَمّا تَصافَّ الناسُ حَمَلَ المُشْرِكُونَ مِن جَوانِبِ الوادِي، فانْهَزَمَ المُسْلِمُونَ، قالَ قَتادَةُ: ويُقالُ: إنَّ الطُلَقاءَ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَرُّوا وقَصَدُوا إلْقاءَ الهَزِيمَةِ في المُسْلِمِينَ، وكانَ رَسُولُ اللهِ عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ، «وَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ الفِهْرِيُّ: كُنْتُ مَعَ النَبِيِّ يَوْمَئِذٍ، وكانَ عَلى فَرَسٍ قَدِ اكْتَنَفَهُ العَبّاسُ عَمُّهُ وابْنُ عَمِّهِ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وبَيْنَ يَدَيْهِ أيْمَنُ بْنُ أمِّ أيْمَنَ -وَثُمَّ قُتِلَ رَحِمَهُ اللهُ- فَلَمّا رَأى رَسُولُ اللهِ شِدَّةَ الحالِ نَزَلَ عن بَغْلَتِهِ إلى الأرْضِ -قالَهُ البَراءُ بْنُ عازِبٍ - واسْتَنْصَرَ اللهَ عَزَّ وجَلَّ فَأخَذَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ وحَصًى فَرَمى بِها وُجُوهَ الكُفّارِ، وقالَ: "شاهَتِ الوُجُوهُ"، وقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: تَطاوَلَ مِن فَرَسِهِ فَأخَذَ قَبْضَةَ التُرابِ ونَزَلَتِ المَلائِكَةُ لِنَصْرِهِ ونادى رَسُولُ اللهِ : "يا لَلْأنْصارِ"، وأمَرَ رَسُولُ اللهِ العَبّاسَ أنْ يُنادِيَ: أيْنَ أصْحابُ الشَجَرَةِ؟
أيْنَ أصْحابُ سُورَةِ البَقَرَةِ؟
فَرَجَعَ الناسُ عُنُقًا واحِدًا وانْهَزَمَ المُشْرِكُونَ، قالَ يَعْلى بْنُ عَطاءٍ: فَحَدَّثَنِي أبْناؤُهم عن آبائِهِمْ قالُوا: لَمْ يَبْقَ مِنّا أحَدٌ إلّا دَخَلَ في عَيْنَيْهِ مِن ذَلِكَ التُرابِ،» واسْتِيعابُ هَذِهِ القِصَّةِ في كِتابِ السِيَرِ.
وظاهِرُ كَلامِ النَحّاسِ أنَّ رَسُولَ اللهِ كانَ في أرْبَعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وهَذا غَلَطٌ.
وقَوْلُهُ: "مُدْبِرِينَ" نَصْبٌ عَلى الحالِ المُؤَكِّدَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا ﴾ ، والمُؤَكِّدَةُ هي الَّتِي يَدُلُّ ما قَبْلَها عَلَيْها كَدَلالَةِ التَوَلِّي عَلى الإدْبارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ ﴾ الآيَةُ، "ثُمَّ" هاهُنا عَلى بابِها مِنَ التَرْتِيبِ، والسَكِينَةُ: النَصْرُ الَّذِي سَكَنَتْ إلَيْهِ ومَعَهُ النُفُوسُ والحالُ، والإشارَةُ بِالمُؤْمِنِينَ إلى الأنْصارِ عَلى ما رُوِيَ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ نادى في ذَلِكَ اليَوْمِ: "يا مَعْشَرَ الأنْصارِ"،» فانْصَرَفُوا وهم رَدُّوا الهَزِيمَةَ، والجُنُودُ: المَلائِكَةُ والرُعْبُ.
قالَ أبُو حاجِرٍ يَزِيدُ بْنُ عامِرٍ: "كانَ في أجْوافِنا مِثْلُ ضَرْبَةِ الحَجَرِ في الطَسْتِ مِنَ الرُعْبِ"، وعَذابُ الَّذِينَ كَفَرُوا هو القَتْلُ الَّذِي اسْتَحَرَّ فِيهِمْ والأسْرُ الَّذِي تَمَكَّنَ في ذَرارِيهِمْ، وكانَ مالِكُ ابْنُ عَوْفٍ النَصْرِيُّ قَدْ أخْرَجَ الناسَ بِالعِيالِ والذَرارِي لِيُقاتِلُوا عَلَيْها، فَخَطَّأهُ في ذَلِكَ دُرَيْدُ بْنُ الصِمَّةِ، وقالَ لِمالِكِ بْنِ عَوْفٍ: راعِي ضَأْنٍ، وهَلْ يَرُدُّ المُنْهَزِمَ شَيْءٌ؟
وفي ذَلِكَ اليَوْمِ قُتِلَ دُرَيْدُ بْنُ الصِمَّةِ القَتَلَةَ المَشْهُورَةَ، قَتَلَهُ رَبِيعُ بْنُ رَفِيعِ بْنِ أُهْبانِ السِلْمِيُّ، ويُقالُ ابْنُ الدُغُنَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مِن يَشاءُ ﴾ إعْلامٌ بِأنَّ مَن أسْلَمَ وتابَ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ نَجَوْا ذَلِكَ اليَوْمَ فَإنَّهم مَقْبُولُونَ مُسْلِمُونَ مَوْعُودُونَ بِالغُفْرانِ والرَحْمَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ إنْ اللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ قالَ قَتادَةُ، ومَعْمَرُ بْنُ راشِدٍ، وغَيْرُهُما: صِفَةُ المُشْرِكِ بِالنَجَسِ إنَّما كانَتْ لِأنَّهُ جُنُبٌ، إذْ غُسْلُهُ مِنَ الجَنابَةِ لَيْسَ بِغُسْلٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: بَلْ مَعْنى الشِرْكِ هو الَّذِي نَجَّسَهُ كَنَجاسَةِ الخَمْرِ، قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: مَن صافَحَ مُشْرِكًا فَلْيَتَوَضَّأْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَمَن قالَ: "بِسَبَبِ الجَنابَةِ" أوجَبَ الغُسْلَ عَلى مَن يُسَلِّمُ مِنَ المُشْرِكِينَ، ومَن قالَ بِالقَوْلِ الآخَرِ لَمْ يُوجِبِ الغُسْلَ، والمَذْهَبُ كُلُّهُ عَلى القَوْلِ بِإيجابِ الغُسْلِ إلّا ابْنَ عَبْدِ الحَكَمِ فَإنَّهُ قالَ: لَيْسَ بِواجِبٍ.
وقَرَأ أبُو حَيَوَةَ: "نِجْسٌ" بِكَسْرِ النُونِ وسُكُونِ الجِيمِ.
وَنَصَّ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَلى المُشْرِكِينَ وعَلى المَسْجِدِ الحَرامِ، فَقاسَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ وغَيْرُهُ جَمِيعَ الكُفّارِ مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ، وقاسَ سائِرَ المَساجِدِ عَلى المَسْجِدِ الحَرامِ، ومَنَعَ مِن دُخُولِ الجَمِيعِ في جَمِيعِ المَساجِدِ، وكَذَلِكَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إلى عُمّالِهِ، ونَزَعَ في كِتابِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللهُ أنْ تُرْفَعَ ﴾ ، وقالَ الشافِعِيُّ: هي عامَّةٌ في الكُفّارِ خاصَّةً في المَسْجِدِ الحَرامِ، فَأباحَ دُخُولَ اليَهُودِ والنَصارى والوَثَنِيِّينَ في سائِرِ المَساجِدِ، ومِن حُجَّتِهِ حَدِيثُ رَبْطِ ثُمامَةَ بْنِ أثالٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ " هي خاصَّةٌ في عَبَدَةِ الأوثانِ وفي المَسْجِدِ الحَرامِ، فَأباحَ دُخُولَ اليَهُودِ والنَصارى في المَسْجِدِ الحَرامِ وغَيْرِهِ، ودُخُولَ عَبَدَةِ الأوثانِ في سائِرِ المَساجِدِ، وقالَ عَطاءٌ: وصْفُ المَسْجِدِ بِالحَرامِ ومَنعُ القُرْبِ يَقْتَضِي مَنعَهم مِن جَمِيعِ الحَرَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقُوَّةُ قَوْلِهِ: ﴿ فَلا يَقْرَبُوا ﴾ تَقْتَضِي أمْرَ المُسْلِمِينَ بِمَنعِهِمْ، «وَقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وقَتادَةُ: لا يَقْرَبُ المَسْجِدَ الحَرامَ مُشْرِكٌ إلّا أنْ يَكُونَ صاحِبَ جِزْيَةٍ أو عَبْدًا لِمُسْلِمٍ،» وعَبَدَةُ الأوثانِ مُشْرِكُونَ بِإجْماعٍ.
واخْتُلِفَ في أهْلِ الكِتابِ فَمَذْهَبُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وغَيْرِهِ أنَّهم مُشْرِكُونَ، وقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: لَيْسُوا بِمُشْرِكِينَ، وفائِدَةُ هَذا الخِلافِ تَتَبَيَّنُ في فِقْهِ مَناكِحِهِمْ وذَبائِحِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا ﴾ يُرِيدُ: بَعْدَ عامِ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وهو عامَ حَجَّ أبُو بَكْرٍ بِالناسِ وأذَّنَ عَلِيٌّ بِسُورَةِ بَراءَةٍ.
وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ﴾ قالَ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ: المَعْنى: وإذْ خِفْتُمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ عُجْمَةٌ، والمَعْنى بارِعٌ بِـ "وَإنْ"، وكانَ المُسْلِمُونَ لَمّا -مُنِعَ المُشْرِكُونَ مِنَ المَوْسِمِ وهم كانُوا يَجْلِبُونَ الأطْعِمَةَ والتِجاراتِ- قَذَفَ الشَيْطانُ في نُفُوسِهِمُ الخَوْفَ مِنَ الفَقْرِ، وقالُوا: مِن أيْنَ نَعِيشُ؟
فَوَعَدَهُمُ اللهُ بِأنْ يُغْنِيَهم مِن فَضْلِهِ، قالَ الضَحّاكُ: فَفَتَحَ عَلَيْهِمْ بابَ أخْذِ الجِزْيَةِ مِن أهْلِ الذِمَّةِ، بِقَوْلِهِ: ﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَهم صاغِرُونَ ﴾ ، وقالَ عِكْرِمَةُ: أغْناهم بِإدْرارِ المَطَرِ عَلَيْهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأسْلَمَتِ العَرَبُ فَتَمادى حَجُّهم وتَجْرُهم وأغْنى اللهُ مِن فَضْلِهِ بِالجِهادِ والظُهُورِ عَلى الأُمَمِ.
والعَيْلَةُ: الفَقْرُ، يُقالُ: عالَ الرَجُلُ يَعِيلُ عَيْلَةً إذا افْتَقَرَ، قالَ الشاعِرُ: وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ وقَرَأ عَلْقَمَةُ وغَيْرُهُ مِن أصْحابِ ابْنِ مَسْعُودٍ، "عائِلَةً" وهو مَصْدَرٌ كالقائِلَةِ مِن قالَ يَقِيلُ، وكالعاقِبَةِ والعافِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ نَعْتًا لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: "حالًا عائِلَةً"، وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ يُقالُ: "عالَ يَعُولُ" إذا افْتَقَرَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عن يَدٍ وهم صاغِرُونَ ﴾ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ قِتالَ أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَصارى حَتّى يَقْتُلُوا أو يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ، قالَ مُجاهِدٌ: وعِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أخَذَ رَسُولُ اللهِ في غَزْوِ الرُومِ، ومَشى نَحْوَ تَبُوكَ، ومَن جَعَلَ أهْلَ الكِتابِ مُشْرِكِينَ فَهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَهُ ناسِخَةٌ بِما فِيها مِن أخْذِ الجِزْيَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ﴾ ، ونَفى عنهُمُ الإيمانَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ مِن حَيْثُ تَرَكُوا شَرْعَ الإسْلامِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمُ الدُخُولُ فِيهِ، فَصارَ جَمِيعُ ما لَهم وفي اللهِ عَزَّ وجَلَّ وفي البَعْثِ مِن تَخَيُّلاتٍ واعْتِقاداتٍ لا مَعْنى لَها، إذْ تَلَقَّوْها مِن غَيْرِ طَرِيقِها، وأيْضًا فَلَمْ تَكُنِ اعْتِقاداتُهم مُسْتَقِيمَةً، لِأنَّهم تَشَعَّبُوا وقالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، واللهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وغَيْرَ ذَلِكَ، ولَهم أيْضًا في البَعْثِ آراءٌ كَثِيرَةٌ، كَشِراءِ مَنازِلِ الجَنَّةِ مِنَ الرُهْبانِ، وقَوْلِ اليَهُودِ في النارِ: نَكُونُ فِيها أيّامًا بِعَدَدٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ ورَسُولُهُ ﴾ فَبَيَّنَ ونَصَّ عَلى مُخالَفَتِهِمْ لِمُحَمَّدٍ ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ وَلا يَدِينُونَ ﴾ فَمَعْناهُ: ولا يُطِيعُونَ ويَمْتَثِلُونَ، ومِنهُ قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: ما عَقَلْتُ أبَوَيَّ إلّا وهُما يَدِينانِ الدِينَ، والدِينُ في اللُغَةِ لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ وهي هاهُنا: الشَرِيعَةُ، وهي مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ ﴾ ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ فَنَصٌّ في بَنِي إسْرائِيلَ وفي الرُومِ، وأجْمَعَ الناسُ في ذَلِكَ، وأمّا المَجُوسُ فَقالَ ابْنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ خِلافًا في أنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: « "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ"،» فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: مَعْنى ذَلِكَ في أخْذِ الجِزْيَةِ مِنهُمْ، ولَيْسُوا أهْلَ الكِتابِ، فَعَلى هَذا لَمْ يَتَعَدَّ التَشْبِيهُ إلى ذَبائِحِهِمْ ومَناكِحِهِمْ، وهَذا هو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ في "الواضِحَةِ".
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْناهُ: سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ إذْ هم أهْلُ كِتابٍ، فَعَلى هَذا يَتَّجِهُ التَشْبِيهُ في ذَبائِحِهِمْ وغَيْرِها، والأوَّلُ هو قَوْلُ مالِكٍ وجُمْهُورِ أصْحابِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ قَدْ كانَ بُعِثَ في المَجُوسِ نَبِيٌّ اسْمُهُ زَرادِشْتُ، وأمّا مَجُوسُ العَرَبِ فَقالَ ابْنُ وهْبٍ: لا تُقْبَلُ مِنهم جِزْيَةٌ ولا بُدَّ مِنَ القِتالِ أوِ الإسْلامِ، وقالَ سِحْنُونُ، وابْنُ القاسِمِ، وأشْهَبُ: تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ مِن مَجُوسِ العَرَبِ والأُمَمِ كُلِّها، وأمّا عَبَدَةُ الأوثانِ مِنَ العَرَبِ فَلَمْ يَسْتَثْنِ اللهُ فِيهِمْ جِزْيَةً، ولا بَقِيَ مِنهم عَلى الأرْضِ بَشَرٌ، قالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وإنَّما لَهُمُ القِتالُ أوِ الإسْلامُ، وهو قَوْلُ أبُو حَنِيفَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُوجَدُ لِابْنِ القاسِمِ أنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنهُمْ، وذَلِكَ أيْضًا في "التَفْرِيعِ" لِابْنِ الجَلّابِ، وهو احْتِمالٌ لا نَصٌّ، وأمّا أهْلُ الكِتابِ مِنَ العَرَبِ فَذَهَبَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ إلى أنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنهُمْ، وأشارَ إلى المَنعِ مِن ذَلِكَ أبُو حَنِيفَةَ، وأمّا السامِرَةُ والصابِئَةُ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهم مِنَ اليَهُودِ والنَصارى تُؤْخَذُ مِنهُمُ الجِزْيَةُ وتُؤْكَلُ ذَبائِحُهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: لا تُؤْكَلُ ذَبائِحُهم وعَلى هَذا لا تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ مِنهُمْ، ومَنَعَ بَعْضُهُمُ الذَبِيحَةَ مَعَ إباحَةِ أخْذِ الجِزْيَةِ مِنهُمْ، وأمّا عَبَدَةُ الأوثانِ والنِيرانِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى قَبُولِ الجِزْيَةِ مِنهُمْ، وهو قَوْلُ مالِكٍ في "المُدَوَّنَةِ"، وقالَ الشافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ: "لا تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ إلّا مِنَ اليَهُودِ والنَصارى والمَجُوسِ فَقَطْ" ومَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ أنَّ الجِزْيَةَ لا تُؤْخَذُ إلّا مِنَ الرِجالِ البالِغِينَ الأحْرارِ العُقَلاءِ، وهو قَوْلُ الشافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ، ولا تُضْرَبُ عَلى الصِبْيانِ والنِساءِ والمَجانِينِ، ولا تُضْرَبُ عَلى رُهْبانِ الدِياراتِ والصَوامِعِ المُنْقَطِعِينَ، قالَ مالِكٌ في "الواضِحَةِ": "وَأمّا إنْ كانَتْ قَدْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ ثُمَّ انْقَطَعُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَلا تَسْقُطُ عنهُمْ"، وأمّا رُهْبانُ الكَنائِسِ فَتُضْرَبُ عَلَيْهِمْ، واخْتُلِفَ في الشَيْخِ الفانِي، ومَن راعى أنَّ عِلَّتَها الإذْلالُ أمْضاها في الجَمِيعِ، وقالَ النَقّاشُ: "العُقُوبَةُ الشَرْعِيَّةُ تَكُونُ في الأمْوالِ والأبْدانِ، فالجِزْيَةُ مِن عُقُوباتِ الأمْوالِ".
وأمّا قَدْرُها فَذَهَبَ رَحِمَهُ اللهُ وكَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ عَلى ما فَرَضَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ وذَلِكَ أرْبَعَةُ دَنانِيرَ عَلى أهْلِ الذَهَبِ، وأرْبَعُونَ دِرْهَمًا عَلى أهْلٍ الفِضَّةِ، وفَرَضَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ ضِيافَةً وأرْزاقًا وكُسْوَةً، قالَ مالِكٌ في "الواضِحَةِ": ويُحَطُّ ذَلِكَ عنهُمُ اليَوْمَ لِما عَلَيْهِمْ مِنَ اللَوازِمِ" فَهَذا أحَدُ ما ذُكِرَ عن عُمَرَ، وبِهِ أخْذَ مالِكٌ، قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: "رُوِيَتْ عن عُمَرَ ضَرائِبُ مُخْتَلِفَةٌ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأظُنُّ ذَلِكَ بِحَسَبِ اجْتِهادِهِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في يُسْرِهِمْ وعُسْرِهِمْ.
وقالَ الشافِعِيُّ، وغَيْرُهُ: قَدْرُ الجِزْيَةِ دِينارٌ عَلى الرَأْسِ، ودَلِيلُ ذَلِكَ أمْرُ رَسُولِ اللهِ مُعاذًا بِذَلِكَ، وأخْذُهُ جِزْيَةَ اليَمَنِ كَذَلِكَ أو قِيمَتُهُ مُعافِرَ، وهي ثِيابٌ، وقالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: لَيْسَ لِذَلِكَ في الشَرْعِ حَدٌّ مَحْدُودٌ، وإنَّما ذَلِكَ إلى اجْتِهادِ الإمامِ في كُلِّ وقْتٍ، وبِحَسَبِ قَوْمٍ قَوْمٍ، وهَذا كُلُّهُ في العنوَةِ، وأمّا الصُلْحُ فَهو ما صُولِحُوا عَلَيْهِ مِن قَلِيلٍ أو كَثِيرٍ، واخْتُلِفَ في المَذْهَبِ في العَبْدِ الَّذِي يُعْتِقُهُ الذِمِّيُّ أوِ المُسْلِمُ، هَلْ يَلْزَمُهُ جِزْيَةٌ أمْ لا؟
وقالَ ابْنُ القاسِمِ: لا يُنْقَصُ أحَدٌ مِن أرْبَعَةِ دَنانِيرَ كانَ فَقِيرًا أو غَنِيًّا، وقالَ أصْبَغُ: يُحَطُّ الفَقِيرُ بِقَدْرِ ما يُرى مِن حالِهِ، وقالَ ابْنُ الماجِشُونَ: لا يُؤْخَذُ مِنَ الفَقِيرِ شَيْءٌ.
والجِزْيَةُ وزْنُها فِعْلَةٌ مَن جَزى يَجْزِي إذا كافَأ عَمّا أُسْدِيَ إلَيْهِ، فَكَأنَّهم أعْطَوْها جَزاءَ ما مُنِحُوا مِنَ الأمْنِ، وهي كالقِعْدَةِ والجِلْسَةِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: يَجْزِيكَ أو يُثْنِي عَلَيْكَ وإنَّ مَن ∗∗∗ أثْنى عَلَيْكَ بِما فَعَلْتَ كَمَن جَزى وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عن يَدٍ ﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلاتٍ، مِنها أنْ يُرِيدَ سَوْقَ الذِمِّيِّ لَها بِيَدِهِ لا مَعَ رَسُولٍ لِيَكُونَ في ذَلِكَ إذْلالٌ لَهُ، ومِنها أنْ يُرِيدَ: عن نِعْمَةٍ مِنكم قِبَلَهم في قَبُولِها مِنهم وتَأْمِينِهِمْ، واليَدُ في اللُغَةِ: النِعْمَةُ والصُنْعُ الجَمِيلُ، ومِنها أنْ يُرِيدَ: عن قُوَّةٍ مِنكم عَلَيْهِمْ وقَهْرٍ لا تَبْقى لَهم مَعَهُ رايَةٌ ولا مَعْقِلٌ، واليَدُ في كَلامِ العَرَبِ: القُوَّةُ، يُقالُ: فُلانٌ ذُو يَدٍ، ويُقالُ: لَيْسَ لِي بِكَذا وكَذا يَدٌ، أيْ: قُوَّةٌ.
ومِنها أنْ يُرِيدَ: أنْ يُنْقِدُوها ولا يُؤَخِّرُوها، كَما تَقُولُ: بِعْتُهُ يَدًا بِيَدٍ، ومِنها أنْ يُرِيدَ: عَنِ اسْتِسْلامٍ مِنهم وانْقِيادٍ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: "ألْقى فُلانٌ بِيَدِهِ" إذا عَجَزَ واسْتَسْلَمَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَهم صاغِرُونَ ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ وُجُوهًا لا تَنْحَصِرُ لِكَثْرَتِها، ذُكِرَ مِنها -عن عِكْرِمَةَ - أنْ يَكُونَ قابِضُها جالِسًا والدافِعُ مِن أهْلِ الذِمَّةِ قائِمٌ، وهَذا ونَحْوُهُ داعٍ إلى صَغارِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وقالَتِ النَصارى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللهِ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ الَّذِي كَثُرَ في كُتُبِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ فِرْقَةً مِنَ اليَهُودِ تَقُولُ هَذِهِ المَقالَةَ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْها إلّا فِنْحاصُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: قالَها أرْبَعَةٌ مِن أحْبارِهِمْ، سَلامُ بْنُ مِشْكَمٍ، ونُعْمانُ بْنُ أبِي أوفى، وشاسُ بْنُ قَيْسٍ، ومالِكُ بْنُ الصَيْفِ، وقالَ النَقّاشُ: لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ يَقُولُها بَلِ انْقَرَضُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَإذا قالَها واحِدٌ فَيَتَوَجَّهُ أنْ يَلْزَمَ الجَماعَةَ شُنْعَةُ المَقالَةِ لِأجْلِ نَباهَةِ القائِلِ فِيهِمْ، وأقْوالُ النُبَهاءِ أبَدًا مَشْهُورَةٌ في الناسِ يُحْتَجُّ بِها، فَمِن هُنا صَحَّ أنْ تَقُولَ الجَماعَةُ قَوْلَ نَبِيِّها.
وقَرَأ عاصِمٌ، والكِسائِيُّ: "عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ" بِتَنْوِينِ "عُزَيْرٍ"، والمَعْنى أنَّ "ابْنًا" -عَلى هَذا- خَبَرُ ابْتِداءٍ عن "عُزَيْرٌ"، وهَذا هو أصَحُّ المَذاهِبِ لِأنَّهُ المَعْنى المَنعِيُّ عَلَيْهِمْ.
و"عُزَيْرٌ" ونَحْوُهُ- يَنْصَرِفُ عَجَمِيًّا كانَ أو عَرَبِيًّا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "عُزَيْرُ ابْنُ اللهِ" دُونَ تَنْوِينِ "عُزَيْرٌ"، فَقالَ بَعْضُهُمُ: "ابْنُ" خَبَرٌ عن "عُزَيْرٌ"، وإنَّما حُذِفَ التَنْوِينُ مِن "عُزَيْرٌ" لِاجْتِماعِ الساكِنِينَ، ونَحْوُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "أحَدُ اللهُ الصَمَدُ".
قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهو كَثِيرٌ في الشِعْرِ، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ: لِتَجِدَنِّي بِالأمِيرِ بَرّا وبِالقَناةِ مِدْعَسًا مِكَرّا إذا عُطَيْفُ السُلَمِيُّ فَرّا قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالألِفُ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ والتَأْوِيلِ- ثابِتَةٌ في "ابْنِ"، وقالَ بَعْضُهُمُ: "ابْنُ" صِفَةٌ لِـ "عُزَيْرٌ"، كَما تَقُولُ: "زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو "، وجُعِلَتِ الصِفَةُ والمَوْصُوفُ بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ، وحُذِفَ التَنْوِينُ إذا جاءَ الساكِنانِ كَأنَّهُما التَقَيا مِن كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، والمَعْنى: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ مَعْبُودُنا وإلَهُنا، أوِ المَعْنى: مَعْبُودُنا أو إلَهُنا عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقِياسُ هَذِهِ القِراءَةِ والتَأْوِيلِ أنْ يُحْذَفَ الألِفُ مِنِ "ابْنُ" لَكِنَّها تَثْبُتُ في خَطِّ المُصْحَفِ، فَيَتَدَرَّجُ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّ قِراءَةَ التَنْوِينِ في "عُزَيْرٌ" أقْواها.
وحَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أصابَتْهم فِتَنٌ وبَلاءٌ -وَقِيلَ مَرَضٌ- وأذْهَبَ اللهُ عنهُمُ التَوْراةَ في ذَلِكَ ونَسُوها، وكانَ عُلَماؤُهم قَدْ دَفَنُوها أوَّلَ ما أحَسُّوا بِذَلِكَ البَلاءِ، فَلَمّا طالَتِ المُدَّةُ فُقِدَتِ التَوْراةُ جُمْلَةً فَحَفَّظَها اللهُ عُزَيْرًا كَرامَةً مِنهُ لَهُ، فَقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ اللهَ قَدْ حَفَّظَنِي التَوْراةَ فَجَعَلُوا يَدْرُسُونَها مِن عِنْدِهِ، ثُمَّ إنَّ التَوْراةَ المَدْفُونَةَ وُجِدَتْ فَإذا هي مُساوِيَةٌ لِما كانَ عُزَيْرٌ يَدْرُسُ، فَضَلُّوا عِنْدَ ذَلِكَ وقالُوا: إنَّ هَذا لَنْ يَتَهَيَّأ إلّا وهو ابْنُ اللهِ، وظاهِرُ قَوْلِ النَصارى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ أنَّها بُنُوَّةُ النَسْلِ كَما قالَتِ العَرَبُ في المَلائِكَةِ، وكَذَلِكَ يَقْتَضِي قَوْلُ الضَحّاكِ والطَبَرِيِّ وغَيْرِهِما، وهَذا أشْنَعُ في الكُفْرِ، قالَ أبُو المَعالِي: أطْبَقَتِ النَصارى عَلى أنَّ المَسِيحَ إلَهٌ وأنَّهُ ابْنُ الإلَهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقالُ: إنَّ بَعْضَهم يَعْتَقِدُها بُنُوَّةَ حُنُوٍّ ورَحْمَةٍ، وهَذا المَعْنى أيْضًا لا يُحِلُّ أنْ تُطْلَقَ البُنُوَّةُ عَلَيْهِ، وهو كُفْرٌ لِمَكانِ الإشْكالِ الَّذِي يَدْخُلُ مِن جِهَةِ التَناسُلِ، وكَذَلِكَ كَفَرَتِ اليَهُودُ في قَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، وقَوْلُهُمْ: نَحْنُ أبْناءُ اللهِ، وإنَّما تُوجَدُ في كَلامِ العَرَبِ اسْتِعارَةُ البُنُوَّةِ عِبارَةً عن نَسَبٍ ومُلازِماتٍ تَكُونُ بَيْنَ الأشْياءِ إذا لَمْ يُشْكِلِ الأمْرُ وكانَ أمْرُ النَسْلِ مِنَ الِاسْتِحالَةِ، زَمَنَ ذَلِكَ قَوْلُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: وقَدْ زَبَنَتْنا الحَرْبُ وزَبَنّاها، فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا.
يُرِيدُ المُلازَمَةَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ حُرَيْثِ بْنِ مِحْصَنٍ: بَنُو المَجْدِ لَمْ تَقْعُدْ بِهِمْ أُمَّهاتُهم ∗∗∗ ∗∗∗ وآباؤُهم أبْناءُ صِدْقٍ فَأنْجَبُوا وَمِن ذَلِكَ: ابْنُ نَعْشٍ، وابْنُ ماءٍ، وابْنُ السَبِيلِ، ونَحْوُ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: والأرْضُ تَحْمِلُنا وكانَتْ أُمَّنا ومِنهُ أحَدُ التَأْوِيلاتِ في قَوْلِهِ : « "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ ابْنُ زِنى"» أيْ مُلازِمُهُ، والتَأْوِيلُ الآخَرُ: أنْ لا يَدْخُلَها مُشْكَلُ الأمْرِ، والتَأْوِيلانِ في قَوْلِ النَصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللهِ كَما تَقَدَّمَ مِنَ الصِفَةِ والخَبَرِ إلّا أنَّ شَغَبَ التَنْوِينِ ارْتَفَعَ هاهُنا، وعُزَيْرٌ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِأفْواهِهِمْ ﴾ يَتَضَمَّنُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: إلْزامُهُمُ المَقالَةَ والتَأْكِيدُ في ذَلِكَ كَما قالَ: ﴿ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ﴾ ، وكَقَوْلِهِ: ﴿ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ ﴾ ، والمَعْنى الثانِي في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِأفْواهِهِمْ ﴾ أيْ هو ساذَجٌ لا حُجَّةَ عَلَيْهِ ولا بُرْهانَ، غايَةُ بَيانِهِ أنْ يُقالَ بِالأفْواهِ قَوْلًا مُجَرَّدًا نَفْسَ دَعْوى.
و"يُضاهُونَ" قِراءَةُ الجَماعَةِ، ومَعْناهُ: يُحاكُونَ ويُبارُونَ ويُماثِلُونَ، وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "يُضاهِئُونَ" بِالهَمْزِ عَلى أنَّهُ مِن "ضاهَأ" وهي لُغَةُ ثَقِيفٍ بِمَعْنى "ضاهى".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَن قالَ إنَّ هَذا مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمُ: "امْرَأةٌ ضَهْياءُ" وهي الَّتِي لا تَحِيضُ، وقِيلَ: الَّتِي لا ثَدْيَ لَها، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِشَبَهِها بِالرِجالِ فَقَوْلُهُ خَطَأٌ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، لِأنَّ الهَمْزَةَ في "ضاهَأ" أصْلِيَّةٌ، وفي "ضَهْياءَ" زائِدَةٌ كَحَمْراءَ، وإنْ كانَ الضَمِيرُ في "يُضاهِئُونَ" لِلْيَهُودِ والنَصارى جَمِيعًا فالإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ﴾ هي إمّا لِمُشْرِكِي العَرَبِ إذْ قالُوا: "المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ"، وهم أوَّلُ كافِرٍ، وهو قَوْلُ الضَحّاكِ، وإمّا لِأُمَمٍ سالِفَةٍ قَبْلَهُما، وإمّا لِلصَّدْرِ الأوَّلِ مِن كَفَرَةِ اليَهُودِ والنَصارى، ويَكُونُ "يُضاهِؤُونَ" لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ، وإنْ كانَ الضَمِيرُ في "يُضاهِئُونَ" لِلنَّصارى فَقَطْ كانَتِ الإشارَةُ بِـ "الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ" إلى اليَهُودِ، وعَلى هَذا فَسَّرَ الطَبَرِيُّ، وحَكاهُ الزَهْراوِيُّ عن قَتادَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قاتَلَهُمُ اللهُ ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ عامٌّ لِأنْواعِ الشَرِّ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن قاتَلَهُ اللهُ فَهو المَغْلُوبُ المَقْتُولُ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ المَعْنى: لَعَنَهُمُ اللهُ.
و ﴿ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ مَقْصِدُهُ: أنّى تَوَجَّهُوا وأنّى ذَهَبُوا، وبُدِّلَ مَكانَ هَذا الفِعْلِ المَقْصُودِ فِعْلُ سُوءٍ يَحِلُّ بِهِمْ، وذَلِكَ فَصِيحٌ في الكَلامِ كَما تَقُولُ: "لَعَنَ اللهُ الكافِرَ أنّى هَلَكَ" كَأنَّكَ تُحَتِّمُ عَلَيْهِ بِهَلاكٍ، وكَأنَّهُ حَتْمٌ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهم يُؤْفَكُونَ، ومَعْناهُ: يُحْرَمُونَ ويُصْرَفُونَ عَنِ الخَيْرِ، والأرْضُ المَأْفُوكَةُ الَّتِي لَمْ يُصِبْها مَطَرٌ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( يُؤْفَكُونَ ) مَعْناهُ: يَحُدُّونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ: مِن قَوْلِكَ: "رَجُلٌ مَحْدُودٌ" أيْ: مَحْرُومٌ لا يُصِيبُ خَيْرًا، وكَأنَّهُ مِنَ الإفْكِ الَّذِي هو الكَذِبُ، فَكَأنَّ المَأْفُوكَ هو الَّذِي تُكَذِّبُهُ أراجِيهِ فَلا يَلْقى خَيْرًا.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ ابْتِداءُ تَقْرِيرٍ، أيْ: بِأيِّ سَبَبٍ ومِن أيِّ جِهَةٍ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ لَهُمْ؟
و"قاتَلَ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى "قَتَلَ"، وهي مُفاعَلَةٌ مِن واحِدٍ، وهَذا كُلُّهُ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأفْواهِهِمْ ويَأْبى اللهِ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ ﴾ واحِدُ "الأحْبارِ" حِبْرٌ بِكَسْرِ الحاءِ، ويُقالُ: حَبْرٌ بِفَتْحِ الحاءِ، والأوَّلُ أفْصَحُ ومِنهُ مِدادُ الحِبْرِ، والحَبْرُ بِالفَتْحِ: العالِمُ، وقالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: لَمْ أسْمَعْهُ إلّا بِكَسْرِ الحاءِ، وقالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ فَتْحَ الحاءِ وكَسْرَها في العالِمِ، وقالَ ابْنُ السِكِّيتِ: الحِبْرُ بِالكَسْرِ: المِدادُ، والحَبْرُ بِالفَتْحِ: العالِمُ، والرُهْبانُ: جَمْعُ راهِبٍ وهو الخائِفُ، مِنَ الرَهْبَةِ، وسَمّاهم أرْبابًا وهم لا يَعْبُدُوهم ولَكِنْ مِن حَيْثُ تَلَقَّوُا الحَلالَ والحَرامَ مِن جِهَتِهِمْ، وهو أمْرٌ لا يُتَلَقّى إلّا مِن جِهَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ونَحْوُ هَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وأبُو العالِيَةِ، وحَكى الطَبَرِيُّ «أنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ قالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللهِ وفي عُنُقِي صَلِيبُ ذَهَبٍ، فَقالَ: يا عَدِيُّ اطْرَحْ هَذا الصَلِيبَ مِن عُنُقِكَ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: ﴿ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللهِ ﴾ ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ وكَيْفَ ولَمْ نَعْبُدْهُمْ؟
فَقالَ: ألَيْسَ تَسْتَحِلُّونَ ما أحَلُّوا وتُحَرِّمُونَ ما حَرَّمُوا؟
قُلْتُ: نَعَمْ.
قالَ: فَذاكَ،» و"المَسِيحَ" عَطْفٌ عَلى الأحْبارِ والرُهْبانِ، وَ"سُبْحانَهُ" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مِنَ المَعْنى؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن لَفْظِ "سُبْحانَ" فِعْلٌ، والتَقْدِيرُ: أُنَزِّهُهُ تَنْزِيهًا، فَمَعْنى: "سُبْحانَهُ": تَنْزِيهًا لَهُ، واحْتَجَّ مَن يَقُولُ إنَّ أهْلَ الكِتابِ مُشْرِكُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ، والغَيْرُ يَقُولُ: إنَّ اتِّخاذَ هَؤُلاءِ الأرْبابِ ضَرْبٌ ما مِنَ الإشْراكِ، وقَدْ يُقالُ في المُرائِي: إنَّهُ أشْرَكَ، وفي ذَلِكَ آثارٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ( يُرِيدُونَ أنْ يُطْفئوُا نُورَ اللهِ ) الآيَةُ، نُورُ اللهِ في هَذِهِ الآيَةِ: هُداهُ الصادِرُ عَنِ القُرْآنِ والشَرْعُ المُثْبَتُ في قُلُوبِ الناسِ، فَمِن حَيْثُ سَمّاهُ نُورًا سَمّى مُحاوَلَةَ إفْسادِهِ والصَدَّ في وجْهِهِ إطْفاءً.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: النُورُ: القُرْآنُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا مَعْنى لِتَخْصِيصِ شَيْءٍ مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ المَقْصُودِ بِالنُورِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ بِأفْواهِهِمْ ﴾ عِبارَةٌ عن قِلَّةِ حِيلَتِهِمْ وضَعْفِها، أخْبَرَ عنهم أنَّهم يُحاوِلُونَ مُقاوَمَةَ أمْرٍ جَسِيمٍ بِسَعْيٍ ضَعِيفٍ، فَكانَ الإطْفاءَ بِنَفْخِ الأفْواهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: بِأقْوالٍ لا بُرْهانَ عَلَيْها، فَهي لا تُجاوِزُ الأفْواهَ إلى فَهْمِ سامِعٍ، وقَوْلُهُ: "وَيَأْبى" إيجابٌ يَقَعُ بَعْدَهُ أحْيانًا "إلّا" وذَلِكَ لِوُقُوعِهِ هو مَوْقِعَ الفِعْلِ المَنفِيِّ، لِأنَّ التَقْدِيرَ: ولا يُرِيدُ اللهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ، وقالَ الفَرّاءُ: "هُوَ إيجابٌ فِيهِ طَرَفٌ مِنَ النَفْيِ"، ورَدَّ الزَجّاجُ عَلى هَذِهِ العِبارَةِ وبَيانُهُ ما قُلْناهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ ﴾ الآيَةُ، "رَسُولَهُ" يُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ، وقَوْلُهُ: "بِالهُدى" يَعُمُّ القُرْآنَ وجَمِيعَ الشَرْعِ، وقَوْلُهُ: "وَدِينِ الحَقِّ" إشارَةٌ إلى الإسْلامِ والمِلَّةِ بِجَمْعِها وهي الحَنِيفِيَّةُ، وقَوْلُهُ: "لِيُظْهِرَهُ" قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ما مَعْناهُ: إنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى الدِينِ، وإظْهارُهُ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وكَوْنُ الأدْيانِ كُلِّها راجِعَةً إلى دِينِ الإسْلامِ، فَذَلِكَ إظْهارُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّ هَذِهِ الفِرْقَةَ رَأتِ الإظْهارَ عَلى أتَمِّ وُجُوهِهِ، أيْ: حَتّى لا يَبْقى مَعَهُ دِينٌ آخَرُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِينِ ﴾ أيْ لِيَجْعَلَهُ أعْلاها وأظْهَرَها، وإنْ كانَ مَعَهُ غَيْرُهُ كانَ دُونَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا لا يَحْتاجُ إلى نُزُولِ عِيسى، بَلْ كانَ هَذا في صَدْرِ الأُمَّةِ وهو حَتّى الآنَ إنْ شاءَ اللهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الرَسُولِ، ومَعْنى "لِيُظْهِرَهُ" لِيُطْلِعَهُ ويُعْلِّمَهُ الشَرائِعَ كُلَّها والحَلالَ والحَرامَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ وإنْ كانَ صَحِيحًا جائِزًا فالآخَرُ أبْرَعُ مِنهُ وألْيَقُ بِنِظامِ الآيَةِ وأجْرى مَعَ كَراهِيَةِ المُشْرِكِينَ، وخَصَّ المُشْرِكُونَ هُنا بِالذِكْرِ لَمّا كانَتْ كَراهِيَةً مُخْتَصَّةً بِظُهُورِ دِينِ مُحَمَّدٍ ، فَذُكِرَ العُظْمُ والأُوَّلُ مِمَّنْ كَرِهَ وصَدَّ فِيهِ، وذُكِرَ الكافِرُونَ في الآيَةِ قَبْلُ لِأنَّها كَراهِيَةُ إتْمامِ نُورِ اللهِ في قَدِيمِ الدَهْرِ وفي باقِيهِ فَعَمَّ الكُفْرُ مِن لَدُنْ خَلْقِ الدُنْيا إلى انْقِراضِها إذْ قَدْ وقَعَتِ الكَراهِيَةُ والإتْمامُ مِرارًا كَثِيرَةً.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ الناسِ بِالباطِلِ ويَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ ﴿ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ بَيانُ نَقائِصِ المَذْكُورِينَ، ونَهْيُ المُؤْمِنِينَ عن تِلْكَ النَقائِصِ مُتَرَتِّبٌ ضِمْنَ ذَلِكَ، واللامُ في "لَيَأْكُلُونَ" لامُ التَأْكِيدِ، وصُورَةُ هَذا الأكْلِ هي أنَّهم يَأْخُذُونَ مِن أمْوالِ أتْباعِهِمْ ضَرائِبَ وفُرُوضًا بِاسْمِ الكَنائِسِ والبِيَعِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُوهِمُونَهم أنَّ النَفَقَةَ فِيهِ مِنَ الشَرْعِ والتَزَلُّفِ إلى اللهِ، وهم خِلالَ ذَلِكَ يَحْتَجِنُونَ تِلْكَ الأمْوالَ كالَّذِي ذَكَرَهُ سَلْمانُ في كِتابِ السِيَرِ عَنِ الراهِبِ الَّذِي اسْتُخْرِجَ كَنْزُهُ، وقِيلَ: كانُوا يَأْخُذُونَ مِنهم مِن غَلّاتِهِمْ وأمْوالِهِمْ ضَرائِبَ بِاسْمِ حِمايَةِ الدِينِ والقِيامِ بِالشَرْعِ، وقِيلَ: كانُوا يَرْتَشُونَ في الأحْكامِ، ونَحْوَ ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِالباطِلِ ﴾ يَعُمُّ كُلَّ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ( يَصُدُّونَ ) الأشْبَهُ هُنا أنْ يَكُونَ مُعَدًّى أيْ: يَصُدُّونَ غَيْرَهُمْ، وهَذا التَرْجِيحُ إنَّما هو لِنَباهَةِ مَنازِلِهِمْ في قَوْمِهِمْ، و"صَدَّ" يُسْتَعْمَلُ واقِفًا ومُتَجاوِزًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَمِينا و"سَبِيلُ اللهِ": الإسْلامُ وشَرِيعَةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ويَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ في أكْلِهِمُ الأمْوالَ بِالباطِلِ، والأوَّلُ أرْجَحُ.
وقَوْلُهُ: "والَّذِينَ" ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ "فَبَشِّرْهُمْ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ" مَعْطُوفًا عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: "يَأْكُلُونَ" عَلى نَظَرٍ في ذَلِكَ، لِأنَّ الضَمِيرَ لَمْ يُؤَكَّدْ، وأسْنَدَ أبُو حاتِمٍ إلى عِلْباءَ بْنِ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: لَمّا أمَرَ عُثْمانُ بِكَتْبِ المُصْحَفِ أرادَ أنْ يَنْقُصَ الواوَ في قَوْلِهِ: "والَّذِينَ يَكْنِزُونَ" فَأبِي ذَلِكَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وقالَ: "لَتُلْحِقَنَّها أو لَأضَعَنَّ سَيْفِي عَلى عاتِقِي" فَألْحَقُها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى إرادَةِ عُثْمانَ يَجْرِي قَوْلُ مُعاوِيَةَ: إنَّ الآيَةَ في أهْلِ الكِتابِ، وخالَفَهُ أبُو ذَرٍّ فَقالَ: بَلْ هي فِينا، فَشَكاهُ إلى عُثْمانَ فاسْتَدْعاهُ مِنَ الشامِ ثُمَّ خَرَجَ إلى الرِبْذَةِ، والَّذِي يَظْهَرُ مِنَ الألْفاظِ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ بَعْضَ الأحْبارِ والرُهْبانِ الآكِلِينَ المالَ بِالباطِلِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مَقُولَةَ نَقْصِ الكانِزِينَ المانِعِينَ حَقَّ المالِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "الَّذِينَ يَكْنِزُونَ" بِغَيْرِ واوٍ، و"يَكْنِزُونَ" مَعْناهُ: يَجْمَعُونَ ويَحْفَظُونَ في الأوعِيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ المُنَخَّلِ الهُذَلِيِّ: لا دَرَّ دَرِّي إنْ أطْعَمْتُ جائِعَهم ∗∗∗ ∗∗∗ قِرْفَ الحَتِيِّ وعِنْدِي البُرُّ مَكْنُوزُ أيْ مَحْفُوظٌ في أوعِيَتِهِ، ولَيْسَ مِن شُرُوطِ الكَنْزِ الدَفْنُ لَكِنْ كَثُرَ في حَفَظَةِ المالِ أنْ يَدْفِنُوهُ حَتّى تُعُورِفَ في المَدْفُونِ اسْمُ الكَنْزِ، ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُهُمْ: "رَجُلٌ مُكْتَنِزُ الخَلْقِ" أيْ مُجْتَمِعُ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: عَلى شَدِيدٍ لَحْمُهُ كِنازْ ∗∗∗ ∗∗∗ باتَ يُنَزِّينِي عَلى أوفازْ والتَوَعُّدُ في الكَنْزِ إنَّما وقَعَ عَلى مَنعِ الحُقُوقِ مِنهُ، ولِذَلِكَ قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: الكَنْزُ هو المالُ الَّذِي لا تُؤَدّى زَكاتُهُ وإنْ كانَ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وأمّا المَدْفُونُ إذا أُخْرِجَتْ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ كَما قالَ رَسُولُ اللهِ : « "كُلُّ ما أدَّيْتَ زَكاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ"»، وهَذِهِ الألْفاظُ مَشْهُورَةٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عن عِكْرِمَةَ، والشَعْبِيِّ، والسُدِّيِّ، ومالِكٍ، وجُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أرْبَعَةُ آلافِ دِرْهَمٍ فَما دَوْنَها نَفَقَةٌ، وما زادَ عَلَيْها فَهو كَنْزٌ وإنْ أدَّيْتَ زَكاتَهُ".
وقالَ أبُو ذَرٍّ وجَماعَةٌ مَعَهُ: "ما فَضُلَ مِن مالِ الرَجُلِ عن حاجَةِ نَفْسِهِ فَهو كَنْزٌ"، وهَذانَ القَوْلانِ يَقْتَضِيانِ أنَّ الذَمَّ في حَبْسِ المالِ لا في مَنعِ زَكاتِهِ فَقَطْ، ولَكِنْ قالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ فَأتى فَرْضُ الزَكاةِ عَلى هَذا كُلِّهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كانَ مُضَمَّنُ الآيَةِ: "لا تَجْمَعُوا مالًا فَتُعَذَّبُوا" فَنَسَخَهُ التَقْرِيرُ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ ﴾ .
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "يُنْفِقُونَها" يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى الأمْوالِ والكُنُوزِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها المَعْنى، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى الذَهَبِ والفِضَّةِ إذْ هُما أنْواعٌ، وقِيلَ: عادَ عَلى الفِضَّةِ واكْتُفِيَ بِضَمِيرِ الواحِدِ عن ضَمِيرِ الآخَرِ إذا أفْهَمَهُ المَعْنى، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَأْيُ مُخْتَلِفُ وَنَحْوُ قَوْلِ حَسّانَ: إنَّ شَرْخَ الشَبابِ والشَعَرِ الأسْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ودَ ما لَمْ يُعاصَ كانَ جُنُونا وسِيبَوَيْهِ يَكْرَهُ هَذا في الكَلامِ، وقَدْ شَبَّهَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذا رَأوا تِجارَةً أو لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها ﴾ ، وهي لا تُشْبِهُها لِأنَّ "أو" قَدْ فَصَلَتِ التِجارَةَ عَنِ اللهْوِ وحَسَّنَتْ عَوْدَ الضَمِيرِ عَلى أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ.
والذَهَبُ يُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ والتَأْنِيثُ أشْهَرُ، ورُوِيَ «أنَّ أصْحابَ النَبِيِّ قالُوا: قَدْ ذَمَّ اللهُ كَسْبَ الذَهَبِ والفِضَّةِ، فَلَوْ عَلِمْنا أيُّ المالِ خَيْرٌ حَتّى نَكْسِبَهُ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنا أسْألُ لَكم رَسُولَ اللهِ عن ذَلِكَ فَسَألَهُ، فَقالَ: "لِسانٌ ذاكِرٌ، وقَلْبٌ شاكِرٌ، وزَوْجَةٌ تُعِينُ المُؤْمِنَ عَلى دِينِهِ"».
ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ قالَ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ: "تَبًّا لِلذَّهَبِ تَبًّا لِلْفِضَّةِ"»، فَحِينَئِذٍ أشْفَقَ أصْحابُهُ وقالُوا ما تَقَدَّمَ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَبَشِّرْهُمْ ﴾ جَوابُ لِما في قَوْلِهِ: ( والَّذِينَ ) مِن مَعْنى الشَرْطِ، وجاءَتِ البِشارَةُ مَعَ العَذابِ لَمّا وقَعَ التَصْرِيحُ بِالعَذابِ، وذَلِكَ أنَّ البِشارَةَ تُقَيَّدُ بِالخَيْرِ والشَرِّ فَإذا أُطْلِقَتْ لَمْ تُحْمَلْ إلّا عَلى الخَيْرِ فَقَطْ، وقِيلَ: بَلْ هي أبَدًا لِلْخَيْرِ فَمَتى قُيِّدَتْ بِشَرٍّ فَإنَّما المَعْنى: أقِمْ لَهُمُ البِشارَةَ عَذابًا ألِيمًا، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: وخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَها بِخَيْلٍ...
تَحِيَّةُ بَيْنَهم ضَرْبٌ وجِيعُ وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها ﴾ الآيَةُ.
"يَوْمَ" ظَرْفٌ والعامِلُ فِيهِ "ألِيمٌ".
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُحْمى" بِالياءِ بِمَعْنى: تُحْمى الوَقُودُ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تَحْمى" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ بِمَعْنى: تَحْمى النارُ، والضَمِيرُ في "عَلَيْها" عائِدٌ عَلى الكُنُوزِ أوِ الأمْوالِ حَسَبَما تَقَدَّمَ.
وقَرَأ قَوْمٌ "جِباهُّمْ" بِالإدْغامِ وأشَمُّوها الضَمَّ، حَكاهُ أبُو حاتِمٍ.
ووَرَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الوَعِيدِ لَكِنَّها مُفَسَّرَةٌ في مَنعِ الزَكاةِ فَقَطْ لا في كَسْبِ المالِ الحَلالِ وحِفْظِهِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ حالُ الصَحابَةِ وأمْوالُهم رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، فَمِن تِلْكَ الأحادِيثِ قَوْلُهُ : « "مَن تَرَكَ بَعْدَهُ كَنْزًا لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعًا أقْرَعَ"» الحَدِيثُ.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ قالَ: «كانَ نَعْلُ سَيْفِ أبِي هُرَيْرَةَ مِن فِضَّةٍ فَنَهاهُ أبُو ذَرٍّ، وقالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ : "مَن تَرَكَ صَفْراءَ أو بَيْضاءَ كُوِيَ بِها"،» وأسْنَدَ إلى أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ قالَ: « "ماتَ رَجُلٌ مِن أهْلِ الصُفَّةِ فَوُجِدَ في بُرْدَتِهِ دِينارٌ فَقالَ رَسُولُ اللهِ : كَيَّةٌ، ثُمَّ ماتَ آخَرُ فَوُجِدَ لَهُ دِينارانِ فَقالَ رَسُولُ اللهِ : كَيَّتانِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا إمّا لِأنَّهُما كانا يَعِيشانِ مِنَ الصَدَقاتِ وعِنْدَهُما التِبْرُ، وإمّا لِأنَّ هَذا كانَ في صَدْرِ الإسْلامِ، ثُمَّ قَرَّرَ الشَرْعُ ضَبْطَ المالِ وأداءَ حَقِّهِ، ولَوْ كانَ ضَبْطُ المالِ مَمْنُوعًا لَكانَ حَقُّهُ أنْ يُخْرَجَ كُلُّهُ لا زَكاتُهُ فَقَطْ، ولَيْسَ في الأُمَّةِ مَن يُلْزِمُ هَذا.
وَقَوْلُهُ: ﴿ هَذا ما كَنَزْتُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى المالِ الَّذِي يُكَوَ ى بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إلى الفِعْلِ النازِلِ بِهِمْ، أيْ: هَذا جَزاءُ ما كَنَزْتُمْ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: واللهِ لا يَمَسُّ دِينارٌ دِينارًا، بَلْ يُمَدُّ الجِلْدُ حَتّى يُكْوى بِكُلِّ دِينارٍ وبِكُلِّ دِرْهَمٍ، وقالَ الأحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ المَدِينَةِ وإذا رَجُلٌ خَشِنُ الهَيْئَةِ رَثُّها يَطُوفُ في الحِلَقِ وهو يَقُولُ: بَشِّرْ أصْحابَ الكُنُوزِ بِكَيٍّ في جِباهِهِمْ وجَنُوبِهِمْ وظُهُورِهِمْ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَتَذَمَّرُ وهو يَقُولُ: وما عَسى تَصْنَعُ في قُرَيْشٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِينُ القَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكم وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً واعْلَمُوا أنَّ اللهِ مَعَ المُتَّقِينَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ -والَّتِي بَعْدَها- تَتَضَمَّنُ ما كانَتِ العَرَبُ شَرَعَتْهُ في جاهِلِيَّتِها مِن تَحْرِيمِ شُهُورِ الحِلِّ، وتَحْلِيلِ شُهُورِ الحُرْمَةِ، وإذا نُصَّ ما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ تَبَيَّنَ مَعْنى الآياتِ، فالَّذِي تَظاهَرَتْ بِهِ الرِواياتُ ويَنْفَكُّ مِن مَجْمُوعِ ما ذَكَرَ الناسُ أنَّ العَرَبَ كانَتْ لا عَيْشَ لِأكْثَرِها إلّا مِنَ الغاراتِ وإعْمالِ سِلاحِها، فَكانُوا إذا تَوالَتْ عَلَيْهِمْ حَرَكَةُ ذِي القِعْدَةِ وذِي الحِجَّةِ والمُحَرَّمِ صَعُبَ عَلَيْهِمْ وأمْلَقُوا، وكانَ بَنُو فُقَيْمٍ مِن كِنانَةَ أهْلَ دِينٍ في العَرَبِ وتَمَسُّكٍ بِشَرْعِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، فانْتُدِبَ مِنهُمُ القَلَمَّسُ وهو حُذَيْفَةُ بْنُ عَبْدِ فُقَيْمٍ فَنَسَأ الشُهُورَ لِلْعَرَبِ، ثُمَّ خَلَّفَهُ عَلى ذَلِكَ ابْنُهُ عَبّادُ بْنُ حُذَيْفَةَ، ثُمَّ خَلَّفَ ابْنَهُ قَلْعَ بْنَ عَبّادٍ، ثُمَّ خَلَفَهُ ابْنُهُ أُمَيَّةُ بْنُ قَلْعٍ، ثُمَّ خَلَفَهُ ابْنُهُ عَوْفُ بْنُ أُمَيَّةَ، ثُمَّ خَلَفَهُ ابْنُهُ أبُو ثُمامَةَ جُنادَةُ بْنُ عَوْفٍ، وعَلَيْهِ قامَ الإسْلامُ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ الأمْرَ كانَ في عُدْوانٍ قَبْلَ بَنِي مالِكِ بْنِ كِنانَةَ، وكانَتْ صُورَةُ فِعْلِهِمْ أنَّ العَرَبَ كانَتْ إذا فَرَغَتْ مَن حَجِّها جاءَ إلَيْهِ مَن شاءَ مِنهم مُجْتَمِعِينَ، فَقالُوا: أنْسِئْنا شَهْرًا، أيْ: أخِّرَ عَنّا حُرْمَةَ المُحَرَّمِ فاجْعَلْها في صَفَرَ، فَيُحِلُّ لَهُمُ المُحَرَّمَ فَيُغِيرُونَ فِيهِ ويَعِيشُونَ، ثُمَّ يَلْتَزِمُونَ حُرْمَةَ صَفَرَ لِيُوافِقُوا عِدَّةَ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ، قالَ مُجاهِدٌ: ويُسَمُّونَ ذَلِكَ الصَفَرَ المُحَرَّمَ، ثُمَّ يُسَمَّوْنَ رَبِيعًا الأوَّلَ صَفَرًا ورَبِيعًا الآخَرَ رَبِيعًا الأوَّلَ، وهَكَذا في سائِرِ الشُهُورِ يَسْتَقْبِلُونَ سَنَتَهم مِنَ المُحَرَّمِ المَوْضُوعِ لَهم فَيَسْقُطُ عَلى هَذا حُكْمُ المُحَرِّمِ الَّذِي حُلِّلَ لَهُمْ، وتَجِيءُ السَنَةُ مِن ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا أوَّلُها المُحَرَّمُ المُحَلَّلُ ثُمَّ المُحَرَّمُ الَّذِي هو في الحَقِيقَةِ صَفَرُ، ثُمَّ اسْتِقْبالُ السَنَةِ كَما ذَكَرْنا، فَفي هَذا قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا ﴾ أيْ: لَيْسَتْ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا، قالَ الطَبَرِيُّ: حَدَّثَنِي ابْنُ وكِيعٍ عن عِمْرانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عن حُصَيْنٍ عن أبِي مالِكٍ قالَ: كانُوا يَجْعَلُونَ السَنَةَ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا، قالَ مُجاهِدٌ: ثُمَّ كانُوا يَحُجُّونَ في كُلِّ شَهْرٍ عامَيْنِ ولاءً ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُبَدِّلُونَ فَيَحُجُّونَ عامَيْنِ ولاءً، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتّى جاءَتْ حَجَّةُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في ذِي القِعْدَةِ حَقِيقَةً، وهم يُسَمُّونَهُ ذا الحِجَّةِ، ثُمَّ حَجَّ رَسُولُ اللهِ سَنَةَ عَشْرٍ في ذِي الحِجَّةِ حَقِيقَةً، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: « "إنَّ الزَمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَمَواتِ والأرْضَ، السَنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ ورَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمادى وشَعْبانَ"،» وفي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما «أنَّ رَسُولَ اللهِ خَطَبَ في حَجَّةِ الوَداعِ فَساقَ الحَدِيثَ فَقالَ فِيهِ: "أوَّلُهُنَّ رَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمادى وشَعْبانَ، وذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَجِيءُ في أكْثَرِ الكُتُبِ أنَّهم كانُوا يَجْعَلُونَ حُرْمَةَ المُحَرَّمِ في صَفَرَ ويَسْكُتُ عن تَمامِ القِصَّةِ، والَّذِي ذَكَرْناهُ هو بَيانُها، وأمّا كَوْنُ المُحَرَّمِ أوَّلَ السَنَةِ العَرَبِيَّةِ، وكانَ حَقُّهُ -إذِ التارِيخُ مِنَ الهِجْرَةِ- أنْ يَكُونَ أوَّلَ السَنَةِ في رَبِيعٍ الأوَّلِ، فَإنَّ ذَلِكَ فِيما يَرْوى، لِأنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ دَ وَّنَ دِيوانَ المُسْلِمِينَ وجَعَلَ تارِيخَهُ المُحَرَّمَ إذْ قَبْلَهُ انْقِضاءُ المَوْسِمِ والحَجِّ، فَكانَ الحَجُّ خاتِمَةً لِلسَّنَةِ، واعْتَدَّ بِعامِ الهِجْرَةِ وإنْ كانَ قَدْ نَقَصَ مِن أوَّلِهِ شَيْءٌ، ولَمّا كانَتْ سَنَةُ العَرَبِ هِلالِيَّةً، بَدَأ العامُ مِن أوَّلِ شَهْرٍ، ولَمْ يَكُنْ في الثانِي عَشَرَ مِن رَبِيعٍ الَّذِي هو يَوْمُ دُخُولِ النَبِيِّ المَدِينَةَ، ولا كانَ عِنْدَ تَمامِ الحَجِّ؛ لِأنَّهُ في كَسْرِ شَهْرٍ، وأمّا الأرْبَعَةُ الحُرُمُ فَهِيَ: ذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ ورَجَبٌ، ومَعْنى قَوْلِ النَبِيِّ : « "وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمادى وشَعْبانَ"» قَصَدَ التَفْرِيقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما كانَتْ تَفْعَلُهُ قَبائِلُ رَبِيعَةَ بِأسْرِها، فَإنَّها كانَتْ تَجْعَلُ رَجَبَها رَمَضانَ وتُحَرِّمُهُ ابْتِداعًا مِنها، وكانَتْ قُرَيْشٌ ومَن تابَعَها في ذَلِكَ مِن قَبائِلِ مُضَرَ عَلى الحَقِّ، فَقَرَّرَ رَسُولُ اللهِ ذَلِكَ ونَسَبَهُ إلى مُضَرَ إذْ كانَ حُكْمُهُ وتَحْرِيمُهُ إنَّما كانَ مِن قِبَلِ قُرَيْشٍ، وفي المُفَضَّلِيّاتِ لِبَعْضِ شُعَراءِ الجاهِلِيَّةِ: وشَهَرُ بَنِي أُمَيَّةَ والهَدايا ∗∗∗............................
البَيْتُ، قالَ الأصْمَعِيُّ: يُرِيدُ رَجَبًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "اثْنا عْشَرَ شَهْرًا" بِسُكُونِ العَيْنِ، وذَلِكَ تَخْفِيفٌ لِتَوالِي الحَرَكاتِ، وكَذَلِكَ قَرَأ: "أحَدَ عْشَرَ" و"تِسْعَةَ عْشَرَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي كِتابِ اللهِ ﴾ أيْ فِيما كَتَبَهُ وأثْبَتَهُ في اللَوْحِ المَحْفُوظِ أو غَيْرِهِ، فَهي صِفَةُ فِعْلٍ مِثْلُ خَلْقِهِ ورِزْقِهِ ولَيْسَتْ بِمَعْنى قَضائِهِ، وتَقْدِيرِهِ: لِأنَّ تِلْكَ هي قَبْلَ خَلْقِ السَمَواتِ والأرْضِ، والكِتابُ الَّذِي هو المَصْدَرُ هو العامِلُ في "يَوْمَ"، و"فِي" مِن قَوْلِهِ: ﴿ فِي كِتابِ اللهِ ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"مُسْتَقِرَّةٌ أو ثابِتَةٌ" ونَحْوُهُ، ويُقْلِقُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ: القُرْآنُ في هَذا المَوْضِعِ، وتَأمَّلْ، ولا يَتَعَلَّقُ "فِي" بِـ"عِدَّةَ" لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الصِلَةِ والمَوْصُولِ بِخَبَرِ "إنَّ".
وقَوْلُهُ: ﴿ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾ نَصٌّ عَلى تَفْضِيلِ هَذِهِ الأرْبَعَةِ وتَشْرِيفِها، قالَ قَتادَةُ: "اصْطَفى اللهُ مِنَ المَلائِكَةِ والبَشَرِ رُسُلًا، ومِنَ الشُهُورِ المُحَرَّمَ ورَمَضانَ، ومِنَ البُقَعِ المَساجِدَ، ومِنَ الأيّامِ الجُمْعَةَ، ومِنَ اللَيالِي لَيْلَةَ القَدْرِ، ومِنَ الكَلامِ ذِكْرَهُ، فَيَنْبَغِي أنْ يُعَظَّمَ ما عَظَّمَ اللهُ".
وقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكَ الدِينُ القَيِّمُ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: الحِسابُ المُسْتَقِيمُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيما حَكى المَهْدَوِيُّ: مَعْناهُ: القَضاءُ المُسْتَقِيمُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأصْوَبُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ "الدِينُ" هاهُنا عَلى أشْهَرِ وُجُوهِهِ، أيْ ذَلِكَ الشَرْعُ والطاعَةُ لِلَّهِ.
"القَيِّمُ" أيِ:القائِمُ المُسْتَقِيمُ، وهو مِن "قامَ يَقُومُ" بِمَنزِلَةِ "سَيِّدٍ" مِن "سادَ يَسُودُ" أصْلُهُ قَيْوِمٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الِاثْنا عَشَرَ شَهْرًا" أيْ: لا تَظْلِمُوا أنْفُسَكم بِالمَعاصِي في الزَمَنِ كُلِّهِ، وقالَ قَتادَةُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الأرْبَعَةِ الأشْهَرِ"، ونُهِيَ عَنِ الظُلْمِ فِيها تَشْرِيفًا لَها بِالتَخْصِيصِ والذِكْرِ وإنْ كانَ مَنهِيًّا عنهُ في كُلِّ الزَمَنِ، وزَعَمَ النُحاةُ أنَّ العَرَبَ تُكَنِّي عَمّا دُونَ العَشْرَةِ مِنَ الشُهُورِ: "فِيهِنَّ"، وعَمّا فَوْقَ العَشْرَةِ: "فِيها"، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: إنِّي لَأتَعَجَّبُ مِن فِعْلِ العَرَبِ هَذا، وكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِيما دُونَ العَشْرَةِ مِنَ اللَيالِي: "خَلَوْنَ"، وفِيما فَوْقَها: "خَلَتْ".
وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى "فِيهِنَّ" أيْ بِسَبَبِهِنَّ ومِن جَرّاهُنَّ في أنْ تُحِلُّوا حَرامَها وتُبَدِّلُوهُ بِما لا حُرْمَةَ لَهُ، وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّهُ قِيلَ: "لا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكم بِالقِتالِ".
ثُمَّ نُسِخَ بِفَرْضِ القِتالِ في كُلِّ زَمَنٍ، قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: «كانَ رَسُولُ اللهِ يُحَرِّمُ القِتالَ في الأشْهُرِ الحُرُمِ بِما أنْزَلَ اللهُ في ذَلِكَ حَتّى نَزَّلَتْ بَراءَةٌ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ ﴾ مَعْناهُ: فِيهِنَّ فَأحْرى في غَيْرِهِنَّ، وقَوْلُهُ: ﴿ كافَّةً ﴾ مَعْناهُ: جَمِيعًا، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، قالَ الطَبَرِيُّ: كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ، فَهو -عَلى هَذا- كَما تَقُولُ: خاصَّةً وعامَّةً، ويَظْهَرُ أيْضًا أنَّهُ مَن كَفَّ يَكُفُّ، أيْ جَماعَةً تَكُفُّ مَن عارَضَها، وكَذَلِكَ نَقُولُ: الكافَّةُ، أيْ تَكُفُّ مَن خالَفَها، فاللَفْظَةُ -عَلى هَذا- اسْمُ فاعِلٍ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: مَعْناهُ: يَكُفُّ بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ التَخَلُّفِ، وما قَدَّمْناهُ أعَمُّ وأحْسَنُ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: كانَ الفَرْضُ بِهَذِهِ الآيَةِ قَدْ تُوُجِّهَ عَلى الأعْيانِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بَعْدُ وجُعِلَ فَرْضَ كِفايَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الَّذِي قالُوهُ لَمْ يُعْلَمْ قَطُّ مِن شَرْعِ النَبِيِّ أنَّهُ ألْزَمَ الأُمَّةَ جَمِيعًا النَفَرَ، وإنَّما مَعْنى الآيَةِ الحَضُّ عَلى قَتْلاهم والتَحَزُّبِ عَلَيْهِمْ وجَمْعِ الكَلِمَةِ، ثُمَّ قَيَّدَها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كَما يُقاتِلُونَكُمْ ﴾ ، فَبِحَسَبِ قِتالِهِمْ واجْتِماعِهِمْ لَنا يَكُونُ فَرْضُ اجْتِماعِنا لَهُمْ، وأمّا الجِهادُ الَّذِي يُنْدَبُ إلَيْهِ فَإنَّما هو فَرْضٌ عَلى الكِفايَةِ إذا قامَ بِهِ بَعْضُ الأُمَّةِ سَقَطَ عَنِ الغَيْرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ ﴾ خَبَرٌ في ضِمْنِهِ أمْرٌ بِالتَقْوى ووَعْدٌ عَلَيْها بِالنَصْرِ والتَأْيِيدِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما النَسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ "النَسِيءُ" عَلى وزْنِ فَعِيلٍ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَأْخِيرِ، تَقُولُ العَرَبُ: أنْسَأ اللهُ في أجْلِكَ ونَسَأ في أجْلِكَ.
ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "مَن سَرَّهُ النَسْأ في الأجَلِ والسَعَةَ في الرِزْقِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ"».
وهَذِهِ قِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ والسَبْعَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ فِيما رُوِيَ عنهُ وقَوْمٌ مَعَهُ في الشاذِّ: "النَسِيَّ" مُشَدَّدَةَ الياءِ، وقَرَأ فِيما رَوى عنهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، والزُهْرِيُّ: "النَسِيءُ"، وقَرَأ أيْضًا فِيما رُوِيَ عنهُ: "النَسْءُ" عَلى وزْنِ "النَسْعِ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "النَسْيُ".
فَأمّا "النَسِيءُ" بِالمَدِّ والهَمْزِ فَقالَ أبُو عَلِيٍّ: هو مَصْدَرٌ مِثْلُ النَكِيرِ والنَذِيرِ وعَذِيرِ الحَيِّ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ المَعْنى: إنَّما المُؤَخَّرُ زِيادَةٌ، والمُؤَخَّرُ الشَهْرُ، ولا يَكُونُ الشَهْرُ زِيادَةً في الكُفْرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ أبُو حاتِمٍ: هو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، ويَنْفَصِلُ عن إلْزامِ أبِي عَلِيٍّ بِأنْ يُقَدَّرَ مُضافٌ، كَأنَّ المَعْنى: إنَّما إنْساءُ النَسِيءِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: هو مِن مَعْنى الزِيادَةِ، أيْ زِيادَتُهم في الأشْهُرِ، وقالَ أبُو وائِلٍ: كانَ "النَسِيءُ" رَجُلًا مِن بَنِي كِنانَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، وأمّا "النَسْيُّ" فَهو الأوَّلُ بِعَيْنِهِ خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ، وقِيلَ: قُلِبَتِ الهَمْزَةُ ياءً وأُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ، وأمّا "النَسْءُ" فَهو مَصْدَرٌ مَن نَسَأ إذا أخَّرَ، وأمّا "النَسْيُ" فَقِيلَ: تَخْفِيفُ هَمْزَةِ "النَسْءِ" وذَلِكَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وقالَ الطَبَرِيُّ: هو مَصْدَرٌ مِن نَسِيَ يَنْسى إذا تَرَكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والنَسِيءُ هو فِعْلُ العَرَبِ في تَأْخِيرِهِمُ الحُرْمَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ زِيادَةٌ في الكُفْرِ ﴾ أيْ: جارٍ مَعَ كُفْرِهِمْ بِاللهِ، وخِلافٌ مِنهم لِلْحَقِّ، فالكُفْرُ مُتَكَثِّرٌ بِهَذا الفِعْلِ الَّذِي هو باطِلٌ في نَفْسِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِمّا وُجِدَ في أشْعارِها مِن هَذا المَعْنى قَوْلُ بَعْضِهِمْ: ومِنّا مُنْسِئُ الشَهْرِ القَلَمَّسْ وقالَ الآخَرُ: نَسَؤُوا الشُهُورَ بِها وكانُوا أهْلَها ∗∗∗ مِن قَبْلِكم والعِزُّ لَمْ يَتَحَوَّلِ ومِنهُ قَوْلُ جِذْلِ الطِعانِ: وقَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ أنَّ قَوْمِي ∗∗∗ ∗∗∗ كِرامُ الناسِ إنَّ لَهم كِراما فَأيُّ الناسِ فاتُونا بِوِتْرٍ؟
∗∗∗ ∗∗∗ وأيُّ الناسِ لَمْ تَعُلْكَ لِجاما؟
ألَسْنا الناسِئِينَ عَلى مَعَدٍّ ∗∗∗ ∗∗∗ شُهُورَ الحِلِّ نَجْعَلُها حَراما؟
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يَضِلُّ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الضادِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: "يُضِلُّ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الضادِ، فَإمّا عَلى مَعْنى: يُضِلُّ اللهُ، وإمّا عَلى مَعْنى: يُضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا أتْباعَهُمْ، فَـ "الَّذِينَ" في التَأْوِيلِ الأوَّلِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وفي الثانِي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقَرَأ عاصِمٌ أيْضًا، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "يُضَلُّ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الضادِ عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ويُؤَيَّدْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ( زُيِّنَ ) لِلتَّناسُبِ في اللَفْظِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "يَضَلُّ" مِن ضَلَّ يَضَلُّ، عَلى وزْنِ فَعِلَ بِكَسْرِ العَيْنِ يَفْعَلُ بِفَتْحِها، وهي لُغَتانِ، يُقالُ: ضَلَّ يَضِلُّ وضَلَّ يَضَلُّ والوَزْنُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُما، وكَذَلِكَ يُرْوى قَوْلُ النَبِيِّ : "حَتّى يَضِلَّ الرَجُلُ أنْ يَدْرِيَ كَمْ صَلّى" بِفَتْحِ الضادِ وكَسْرِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا ﴾ مَعْناهُ: عامًا مِنَ الأعْوامِ، ولَيْسَ يُرِيدُ أنَّ تِلْكَ كانَتْ مُداوَلَةً في الشَهْرِ بِعَيْنِهِ، عامٌ حَلالٌ وعامٌ حَرامٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ تَأوَّلَ بَعْضُ الناسِ القِصَّةَ أنَّهم كانُوا إذا شَقَّ عَلَيْهِمْ تَوالِي الأشْهُرِ الحُرُمِ أحَلَّ لَهُمُ المُحَرَّمَ وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ صَفَرَ بَدَلًا مِنهُ، ثُمَّ مَشَتِ الشُهُورُ مُسْتَقِيمَةً عَلى أسْمائِها المَعْهُودَةِ، فَإذا كانَ مِن قابِلٍ حَرَّمَ المُحَرَّمَ عَلى حَقِّهِ، وأحَلَّ صَفَرَ، ومَشَتِ الشُهُورُ مُسْتَقِيمَةً، ورَأتْ هَذِهِ الطائِفَةُ أنَّ هَذِهِ كانَتْ حالَةَ القَوْمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي قَدَّمْناهُ قَبْلُ ألْيَقُ بِألْفاظِ الآياتِ، وقَدْ بَيَّنَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ النَبِيِّ : « "إنَّ الزَمانَ قَدِ اسْتَدارَ"» مَعَ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ قَدْ تَقَضّى، واللهُ أعْلَمُ أيَّ ذَلِكَ كانَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ لِيُواطِئُوا ﴾ مَعْناهُ: لِيُوافِقُوا، والمُواطَأةُ: المُوافَقَةُ، تَواطَأ الرَجُلانِ عَلى كَذا إذا اتَّفَقا عَلَيْهِ، ومَعْنى ﴿ لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ ﴾ : لِيَحْفَظُوا في كُلِّ عامٍ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ في العَدَدِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَأزالُوا الفَضِيلَةَ الَّتِي خَصَّ اللهُ بِها الأشْهُرَ الحُرُمَ وحْدَها، بِمَثابَةِ أنْ يُفْطِرَ أحَدٌ رَمَضانَ ويَصُومَ شَهْرًا مِنَ السَنَةِ بِغَيْرٍ مَرَضٍ أو سَفَرٍ، وقَوْلُهُ: زُيِّنَ يَحْتَمِلُ هَذا التَزْيِينُ أنْ يُضافَ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ والمُرادُ بِهِ خَلْقُهُ لِكُفْرِهِمْ وإقْرارُهم عَلَيْهِ وتَحْبِيبُهُ لَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُضافَ إلى مُغْوِيهِمْ ومُضِلِّهِمْ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يَهْدِيهِمْ ولا يُرْشِدُهُمْ، وهو عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ في المُوافِينَ أو عُمُومٌ مُطْلَقٌ لَكِنْ لا هِدايَةَ مِن حَيْثُ هم كُفّارٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ البَغْدادِيُّ في أمْرِ النَسِيءِ أنَّهُ كانَ إذا صَدَرَ الناسُ مِن "مِنًى" قامَ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ نَعِيمُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، فَيَقُولُ: أنا الَّذِي لا أُعابُ ولا يُرَدُّ لِي قَضاءٌ، فَيَقُولُونَ: أنْسِئْنا شَهْرًا، أيْ أخِّرْ عَنّا حُرْمَةَ المُحَرَّمِ فاجْعَلْها في صَفَرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واسْمُ نَعِيمٍ لَمْ يُعْرَفْ في هَذا، وما أرى ذَلِكَ إلّا كَما حَكى النَقّاشُ مِن بَنِي فُقَيْمٍ، كانُوا يُسَمَّوْنَ القُلامِسَ وأحَدَهم قَلَمَّسَ، وكانُوا يُفْتُونَ العَرَبَ في المَوْسِمِ، يَقُومُ كَبِيرُهم في الحِجْرِ، ويَقُومُ آخَرُ عِنْدَ البابِ، ويَقُومُ آخَرُ عِنْدَ الرُكْنِ فَيُفْتُونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهم -عَلى هَذا- عِدَّةٌ، مِنهم نَعِيمٌ وصَفْوانُ ومِنهم ذُرِّيَّةُ القَلَمَّسِ حُذَيْفَةَ وغَيْرِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ رَسُولُ اللهِ : « "لا عَدْوى ولا هامَةَ ولا صَفَرَ"،» فَقالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: "لا صَفَرَ" هَذا النَسِيءَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكم انْفِرُوا في سَبِيلِ اللهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا في الآخِرَةِ إلا قَلِيلٌ ﴾ ﴿ إلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ هي بِلا اخْتِلافٍ نازِلَةٌ عِتابًا عَلى تَخَلُّفِ مَن تَخْلَّفَ عن رَسُولِ اللهِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، غَزا فِيها الرُومَ في عِشْرِينَ ألْفًا بَيْنَراكِبٍ وراجِلٍ، وتَخَلَّفَ عنهُ قَبائِلُ مِنَ الناسِ ورِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَثِيرُ ومُنافِقُونَ، فالعِتابُ في هَذِهِ الآيَةِ هو لِلْقَبائِلِ ولِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا بِالمَدِينَةِ، وخَصَّ الثَلاثَةَ: كَعْبَ بْنَ مالِكٍ، ومَرارَةَ بْنَ الرَبِيعِ، وهِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ بِذَلِكَ التَذْنِيبِ الشَدِيدِ بِحَسَبِ مَكانِهِمْ مِنَ الصُحْبَةِ إذْ هم مِن أهْلِ بَدْرٍ ومِمَّنْ يُقْتَدى بِهِمْ، وكانَ تَخَلُّفُهم لِغَيْرِ عِلَّةٍ كَما يَأْتِي.
وقَوْلُهُ: ﴿ ما لَكُمْ ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ والتَوْبِيخِ، وقَوْلُهُ: قِيلَ يُرِيدُ النَبِيَّ إلّا أنَّ صَرْفَهُ الفِعْلَ لا يُسَمّى فاعِلُهُ يَقْتَضِي غِلاظًا ومُخاشَنَةً ما.
والنَفْرُ هو التَنَقُّلُ بِسُرْعَةٍ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ لِأمْرٍ يَحْدُثُ، يُقالُ في ابْنِ آدَمَ: نَفَرَ إلى الأمْرِ يَنْفِرُ نَفِيرًا ونَفْرًا، ويُقالُ في الدابَّةِ: نَفَرَتْ تَنْفُرُ بِضَمِّ الفاءِ نُفُورًا، وقَوْلَهُ: ﴿ اثّاقَلْتُمْ ﴾ أصْلُهُ تَثاقَلْتُمْ أُدْغِمَتِ التاءُ في الثاءِ فاحْتِيجَ إلى ألِفِ الوَصْلِ، كَما قالَ: ﴿ فادّارَأْتُمْ ﴾ وكَما تَقُولُ: "ازَّيَّنَ"، وكَما قالَ الشاعِرُ: تُولِي الضَجِيجَ إذا ما اسْتافَها خَصِرًا ∗∗∗ عَذْبَ المَذاقِ إذا ما اتّابَعَ القُبَلُ وقَرَأ الأعْمَشُ -فِيما حَكى المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ-: "تَثاقَلْتُمْ" عَلى الأصْلِ، وذَكَرَها أبُو حاتِمٍ "تَتَثاقَلْتُمْ" بِتاءَيْنِ ثُمَّ ثاءٍ مُثَلَّثَةٍ، وقالَ: هي خَطَأٌ أو غَلَطٌ، وصَوَّبَ "تَثاقَلْتُمْ" بِتاءٍ واحِدَةٍ وثاءٍ مُثَلَّثَةٍ إنْ لَوْ قُرِئَ بِها، وقَوْلُهُ: ﴿ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ ﴾ عِبارَةٌ عن تَخَلُّفِهِمْ ونُكُولِهِمْ وتَرْكِهِمُ الغَزْوَ لِسُكْنى دِيارِهِمْ والتِزامِ نَخْلِهِمْ وظِلالِهِمْ، وهو نَحْوُ مَن: أخْلَدَ إلى الأرْضِ، وقَوْلُهُ: "أرَضِيتُمْ" تَقْرِيرٌ يَقُولُ: أرْضِيتُمْ نَزْرَ الدُنْيا عَلى خَطِيرِ الآخِرَةِ وحَظِّها الأسْعَدِ؟
ثُمَّ أخْبَرَ فَقالَ: إنَّ الدُنْيا بِالإضافَةِ إلى الآخِرَةِ قَلِيلٌ نَزْرٌ، فَتُعْطِي قُوَّةُ الكَلامِ التَعَجُّبَ مِن ضَلالِ مَن يَرْضى النَزْرَ بَدَلَ الكَثِيرِ الباقِي.
وقَوْلُهُ: ﴿ إلا تَنْفِرُوا ﴾ الآيَةُ، ﴿ إلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ ﴾ شَرْطٌ وجَوابٌ، وقَوْلُهُ: "يُعَذِّبْكُمْ" لَفْظٌ عامٌّ يَدْخُلُ تَحْتَهُ أنْواعُ عَذابِ الدُنْيا والآخِرَةِ، والتَهْدِيدُ بِعُمُومِهِ أشَدُّ تَخْوِيفًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ: يُعَذِّبُكم بِإمْساكِ المَطَرِ عنكُمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: «اسْتَنْفَرَ رَسُولُ اللهِ قَبِيلَةً مِنَ القَبائِلِ فَقَعَدَتْ فَأمْسَكَ اللهُ عنها المَطَرَ وعَذَّبَها بِهِ،» و"ألِيمٌ" بِمَعْنى مُؤْلِمٍ، بِمَنزِلَةِ قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيَكْرِبَ: أمِن رَيْحانَةَ الداعِي السَمِيعِ ∗∗∗ ∗∗∗......................
وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ تَوَعُّدٌ بِأنْ يُبَدِّلَ لِرَسُولِ اللهِ قَوْمًا لا يَقْعُدُونَ عِنْدَ اسْتِنْفارِهِ إيّاهُمْ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ﴾ عائِدٌ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، أيْ: لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِن عِزِّهِ وعِزِّ دِينِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَبِيِّ ، وهو ألْيَقُ.
﴿ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ أيْ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ مَقْدُورٌ، وتَبْدِيلُهم مِنهُ لَيْسَ بِمُحالٍ مُمْتَنِعٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللهُ مَعَنا فَأنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُفْلى وكَلِمَةُ اللهُ هي العُلْيا واللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ هَذا أيْضًا شَرْطٌ وجَوابٌ والجَوابُ في الفاءِ مِن قَوْلِهِ: "فَقَدْ" وفِيما بَعْدَها، قالَ النَقّاشُ: هَذِهِ أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِن سُورَةِ التَوْبَةِ، ومَعْنى الآيَةِ: إنَّكم إنْ تَرَكْتُمْ نَصْرَهُ فاللهُ مُتَكَفِّلٌ بِهِ، إذْ قَدْ نَصَرَهُ في مَوْضِعِ القِلَّةِ والِانْفِرادِ وكَثْرَةِ العَدُوِّ، فَنَصْرُهُ إيّاهُ اليَوْمَ أحْرى مِنهُ حِينَئِذٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يُرِيدُ: فَعَلُوا مِنَ الأفاعِيلِ ما أدّى إلى خُرُوجِهِ، وأسْنَدَ الإخْراجَ إلَيْهِمْ إذِ المَقْصُودُ تَذْنِيبُهُمْ، ولَمّا كانَ مَقْصِدُ أبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ الفَخْرَ في قَوْلِهِ: "مَن طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَّرَدِ" لَمْ يُقَرِّرْهُ النَبِيُّ ، والإشارَةُ إلى خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، وفي صُحْبَتِهِ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، واخْتِصارُ القِصَّةِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ كانَ يَنْتَظِرُ أمْرَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ، وكانَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ تَرَكَ ذِمَّةَ ابْنِ الدُغُنَّةِ قَدْ أرادَ الخُرُوجَ مِن مَكَّةَ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ : "اصْبِرْ فَلَعَلَّ اللهَ أنْ يُسَهِّلَ في الصُحْبَةِ"، فَلَمّا أذِنَ اللهُ لِرَسُولِهِ في الخُرُوجِ تَجَهَّزَ مِن دارِ أبِي بَكْرٍ وخَرَجا فَبَقِيا في الغارِ الَّذِي في جَبَلٍ ثَوْرٍ في غَرْبِيِّ مَكَّةَ ثَلاثَ لَيالٍ، وخَرَجَ المُشْرِكُونَ في أثَرِهِمْ حَتّى انْتَهَوْا إلى الغارِ، فَطُمِسَ عَلَيْهِمُ الأثَرُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ : "لَوْ نَظَرَ أحَدُهم إلى قَدَمِهِ لَرَآنا"، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ : "ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثالِثُهُما"؟» ويُرْوى أنَّ العنكَبُوتَ نَسَجَتْ عَلى بابِ الغارِ، ويُرْوى أنَّ الحَمامَةَ عَشَّشَتْ عِنْدَ بابِ الغارِ، ويُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ أمَرَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنْ يَجْعَلَ ثُمامًا في بابِ الغارِ فَتَخَيَّلَهُ المُشْرِكُونَ نابِتًا وصَرَفَهُمُ اللهُ عنهُ، ووَقَعَ في "الدَلائِلِ" في حَدِيثِ النَبِيِّ أنَّهُ نَبَتَتْ عَلى بابِ الغارِ "راءَةٌ" أمَرَها اللهُ بِذَلِكَ في الحِينِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: جَمْعُها "راءٌ" وهي مِن نَباتِ السَهْلِ.
ورُوِيَ «أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لَمّا دَخَلَ الغارَ خَرَقَ رِداءَهُ فَسَدَّ بِهِ كُواءَ الغارِ لِئَلّا يَكُونَ فِيها حَيَوانٌ يُؤْذِي النَبِيَّ ،» ورُوِيَ أنَّهُ بَقِيَتْ واحِدَةٌ فَسَدَّها بِرِجْلِهِ فَوَقى اللهُ تَعالى، وكانَ يَرُوحُ عَلَيْهِما بِاللَبَنِ عامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ ثانِيَ اثْنَيْنِ ﴾ مَعْناهُ: أحَدُ اثْنَيْنِ، وهَذا كَثالِثِ ثَلاثَةٍ ورابِعِ أرْبَعَةٍ، فَإذا اخْتَلَفَ اللَفْظُ فَقُلْتَ: "رابِعَ ثَلاثَةٍ فالمَعْنى: صَيَّرَ الثَلاثَةَ بِنَفْسِهِ أرْبَعَةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ثانِيَ اثْنَيْنِ" بِنَصْبِ الياءِ مِن "ثانِي".
قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يُعْرَفُ غَيْرُ هَذا، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ثانِي اثْنَيْنِ" بِسُكُونِ الياءِ مِن "ثانِي"، قالَ أبُو الفَتْحِ: حَكاها أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ سَكَّنَ الياءَ تَشْبِيهًا لَها بِالألِفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذِهِ كَقِراءَةِ: "ما بَقِيَ مِنَ الرِبا" وكَقَوْلِ جَرِيرٍ: هو الخَلِيفَةُ فارْضَوْا ما رَضِيَ لَكُمُ ∗∗∗ ماضِي العَزِيمَةِ ما في حُكْمِهِ جَنَفُ وصاحِبُهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ورُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِدِّيقَ قالَ يَوْمًا وهو عَلى المِنبَرِ: أيُّكم يَحْفَظُ سُورَةَ التَوْبَةِ؟
فَقالَ رَجُلٌ: أنا، فَقالَ: اقْرَأْ، فَقَرَأ، فَلَمّا انْتَهى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنا ﴾ بَكى وقالَ: أنا واللهِ صاحِبُهُ، وقالَ اللَيْثُ: ما صَحِبَ الأنْبِياءَ مِثْلُ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: خَرَجَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِنَ المُعاتَبَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا تَنْصُرُوهُ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أقُولُ: بَلْ خَرَجَ مِنها كُلُّ مَن شاهَدَ غَزْوَةَ تَبُوكَ ولَمْ يَتَخَلَّفْ، وإنَّما المُعاتَبَةُ لِمَن تَخَلَّفَ فَقَطْ، أما إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُنَوِّهَةٌ بِأبِي بَكْرٍ حاكِمَةٌ بِتَقَدُّمِهِ وسابِقَتِهِ في الإسْلامِ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللهَ مَعَنا ﴾ يُرِيدُ بِهِ النَصْرَ والإنْجاءَ واللُطْفَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾ الآيَةُ، قالَ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ: الضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى أبِي بَكْرٍ لِأنَّ النَبِيَّ لَمْ يَزَلْ ساكِنَ النَفْسِ ثِقَةً بِاللهِ عَزَّ وجَلَّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلُ مَن لَمْ يَرَ السَكِينَةَ إلّا سُكُونَ النَفْسِ والجَأْشِ، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى النَبِيِّ ، وهَذا أقْوى، والسَكِينَةُ عِنْدِي إنَّما هي ما يُنْزِلُ اللهُ عَلى أنْبِيائِهِ مِنَ الحِياطَةِ لَهم والخَصائِصِ الَّتِي لا تَصْلُحُ إلّا لَهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ فَأنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ يُرادُ بِهِ ما صَنَعَهُ اللهُ لِنَبِيِّهِ إلى وقْتِ تَبُوكَ مِنَ الظُهُورِ والفُتُوحِ، لا أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ تَخْتَصُّ بِقِصَّةِ الغارِ والنَجاةِ إلى المَدِينَةِ، فَعَلى هَذا تَكُونُ الجُنُودُ المَلائِكَةَ النازِلِينَ بِبَدْرٍ وحُنَيْنٍ، ومَن رَأى أنَّ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِتِلْكَ القِصَّةِ قالَ: الجُنُودُ: مَلائِكَةٌ بَشَّرُوهُ بِالنَجاةِ وبِأنَّ الكُفّارَ لا يَنْجَحُ لَهم سَعْيٌ، وفي مُصْحَفِ حَفْصَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: "فَأنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِما وأيَّدَهُما"، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "وَآيَدَهُ" بِألِفَيْنِ، والجُمْهُورُ: "وَأيَّدَهُ" بِشَدِّ الياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُفْلى ﴾ يُرِيدُ بِإدْحارِها ودَحْضِها وإذْلالِها، ﴿ وَكَلِمَةُ اللهِ هي العُلْيا ﴾ قِيلَ: يُرِيدُ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وقِيلَ: الشَرْعُ بِأسْرِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَكَلِمَةُ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، ويَعْقُوبُ: "وَكَلِمَةَ" بِالنَصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: "وَجَعَلَ كَلِمَةَ"، قالَ الأعْمَشُ: ورَأيْتُ في مُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ المَنسُوبِ إلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَجَعَلَ كِلَمَتَهُ هي العُلْيا".
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللهِ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُقَّةُ وسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوْ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم واللهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ تَعالى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ بِالنَفِيرِ إلى الغَزْوِ، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: هَذا أمْرٌ عامٌّ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ فَعَبَّرَ عنهُ بِالفَرْضِ عَلى الأعْيانِ في تِلْكَ المُدَّةِ، ثُمَّ نَسَخَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا ﴾ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ.
وقالَ جُلُّ الناسِ: بَلْ هَذا حَضٌّ، والأمْرُ في نَفْسِهِ مَوْقُوفٌ عَلى فَرْضِ الكِفايَةِ، ولَمْ يُقْصَدْ بِالآيَةِ فَرْضُهُ عَلى الأعْيانِ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ خِفافًا وثِقالا ﴾ فَنَصْبٌ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: "انْفِرُوا"، ومَعْنى الخِفَّةِ والثِقَلِ هُنا مُسْتَعارٌ لِمَن يُمْكِنُهُ السَفَرُ بِسُهُولَةٍ ومَن يُمْكِنُهُ بِصُعُوبَةٍ، وأمّا مَن لا يُمْكِنُهُ كالعُمْيِ ونَحْوِهِمْ فَخارِجٌ عن هَذا، ورُوِيَ «أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ جاءَ إلى النَبِيِّ فَقالَ: أعَلَيَّ أنْ أنْفِرَ؟
فَقالَ لَهُ: نَعَمْ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿ لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ﴾ »، وذَكَرَ الناسُ مِن مَعانِي الخِفَّةِ والثِقَلِ أشْياءَ لا وجْهَ لِتَخْصِيصِ بَعْضِها دُونَ بَعْضٍ، بَلْ هي وُجُوهٌ مُتَّفِقَةٌ، فَقِيلَ: الخَفِيفُ: الغَنِيُّ، والثَقِيلُ: الفَقِيرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: الخَفِيفُ: الشابُّ والثَقِيلُ: الشَيْخُ، قالَهُ الحَسَنُ وجَماعَةٌ، وقِيلَ: الخَفِيفُ: النَشِيطُ والثَقِيلُ: الكاسِلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وقِيلَ: المَشْغُولُ ومَن لا شُغْلَ لَهُ، قالَهُ الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وقِيلَ: الَّذِي لَهُ ضَيْعَةٌ هو الثَقِيلُ ومَن لا ضَيْعَةَ لَهُ هو الخَفِيفُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ: وقِيلَ: الشُجاعُ هو الخَفِيفُ والجَبانُ هو الثَقِيلُ، حَكاهُ النَقّاشُ، وقِيلَ: الرَجُلُ هو الثَقِيلُ والفارِسُ هو الخَفِيفُ، قالَهُ الأوزاعِيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانِ الوَجْهانِ الآخَرانِ يَنْعَكِسانِ، وقَدْ قِيلَ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ بِحَسَبِ وطْأتِهِمْ عَلى العَدُوِّ، فالشُجاعُ هو الثَقِيلُ، وكَذَلِكَ الفارِسُ، والجَبانُ هو الخَفِيفُ وكَذَلِكَ الراجِلُ، وكَذَلِكَ يَنْعَكِسُ الفَقِيرُ والغَنِيُّ، فَيَكُونُ الغَنِيُّ هو الثَقِيلَ بِمَعْنى صاحِبِ الشُغْلِ، ومَعْنى هَذا أنَّ الناسَ أُمِرُوا جُمْلَةً، وهَذِهِ الأقْوالُ إنَّما هي عَلى مَعْنى المِثالِ في الثِقَلِ والخِفَّةِ، وقالَ أبُو طَلْحَةَ: ما سَمِعَ اللهُ عُذْرَ أحَدٍ، وخَرَجَ إلى الشامِ فَجاهَدَ حَتّى ماتَ، وقالَ أبُو أيُّوبٍ: ما أجِدُنِي أبَدًا إلّا ثَقِيلًا أو خَفِيفًا، ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ الناسِ رَأى في غَزَواتِ الشامِ رَجُلًا سَقَطَ حاجِباهُ عَلى عَيْنَيْهِ مِنَ الكِبَرِ، فَقالَ لَهُ: يا عَمِّ، إنَّ اللهَ قَدْ عَذَرَكَ، فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، إنّا قَدْ أُمِرْنا بِالنَفْرِ خِفافًا وثِقالًا، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عَمَّنْ رَأى المِقْدادَ بْنَ الأسْوَدِ بِحِمْصٍ، وهو عَلى تابُوتٍ صَرّافٍ وقَدْ فَضُلَ عَلى التابُوتِ مِن سِمَنِهِ وهو يَتَجَهَّزُ لِلْغَزْوِ، فَقالَ لَهُ: لَقَدْ عَذَرَكَ اللهُ، فَقالَ: أتَتْ عَلَيْنا سُورَةُ البُعُوثِ ﴿ انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا ﴾ ، ورُوِيَ: سُورَةُ البُحُوثِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ ﴾ وصْفٌ لِأكْمِلِ ما يَكُونُ مِنَ الجِهادِ وأنْفَسِهِ عِنْدَ اللهِ تَعالى، فَحَضَّ عَلى أكْمَلِ الأوصافِ، وقُدِّمَتِ الأمْوالُ في الذِكْرِ إذْ هي أوَّلُ مَصْرَفٍ وقْتَ التَجْهِيزِ، فَرَتَّبَ الأمْرَ كَما هو في نَفْسِهِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ لَهم خَيْرٌ لِلْفَوْزِ بِرِضى اللهِ وغَلَبَةِ العَدُوِّ ووِراثَةِ الأرْضِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ تَنْبِيهٌ وهَزٌّ لِلنُّفُوسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا ﴾ الآيَةُ، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ وما يُحْفَظُ مِن قِصَّةِ تَبُوكَ أنَّ اللهَ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِغَزْوِ الرُومِ نَدَبَ الناسَ، وكانَ ذَلِكَ في شِدَّةٍ مِنَ الحَرِّ وطِيبٍ مِنَ الثِمارِ والظِلالِ، فَنَفَرَ المُؤْمِنُونَ، واعْتَذَرَ مِنهم لا مَحالَةَ فَرِيقٌ لا سِيَّما مِنَ القَبائِلِ المُجاوِرَةِ لِلْمَدِينَةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكم انْفِرُوا في سَبِيلِ اللهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ ﴾ ، لِأنَّ هَذا الخِطابَ لَيْسَ لِلْمُنافِقِينَ خاصَّةً، بَلْ هو عامٌّ، واعْتَذَرَ المُنافِقُونَ بِأعْذارٍ كاذِبَةٍ، وكانُوا بِسَبِيلِ كَسَلٍ مُفْرِطٍ وقَصْدٍ لِلتَّخَلُّفِ، وكانَتْ أعْذارُ المُؤْمِنِينَ حَفِيفَةً ولَكِنَّهم تَرَكُوا الأولى مِنَ التَحامُلِ، فَنَزَلَ ما سَلَفَ مِنَ الآياتِ في عِتابِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ ابْتَدَأ مِن هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ المُنافِقِينَ وكَشْفُ ضَمائِرِهِمْ، فَيَقُولُ: لَوْ كانَ هَذا الغَزْوُ لِعَرَضٍ أيْ: لِمالٍ وغَنِيمَةٍ تُنالُ قَرِيبًا بِسِفْرٍ قاصِدٍ يَسِيرٍ، لَبادَرُوا إلَيْهِ، لا لِوَجْهِ اللهِ ولا لِظُهُورِ كَلِمَتِهِ، ﴿ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُقَّةُ ﴾ في غَزْوِ الرُومِ، أيِ المَسافَةُ الطَوِيلَةُ.
وذَكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ أعْرابِيًّا قَدِمَ البَصْرَةَ وكانَ قَدْ حَمَلَ حِمالَةً فَعَجَزَ عنها، وكانَ مَعَهُ ابْنٌ لَهُ يُسَمّى الأحْوَصَ، فَبادَرَ الأحْوَصُ أباهُ بِالقَوْلِ فَقالَ: "إنّا مَن تَعْلَمُونَ، وابْنا سَبِيلٍ، وجِئْنا مِن شُقَّةٍ، ونَطْلُبُ في حَقِّ، وتُنْطُونَنا ويَجْزِيكُمُ اللهُ".
فَتَهَيَّأ أبُوهُ لِيَخْطُبَ فَقالَ لَهُ: "يا، إيّاكَ، إنِّي قَدْ كَفَيْتُكَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: "يا": تَنْبِيهٌ، و"إيّاكَ": نَهْيٌ، وقَرَأ عِيسى ابْنُ عُمَرَ: "الشِقَّةُ" بِكَسْرِ الشِينِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "بَعِدَتْ" بِكَسْرِ العَيْنِ، وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّها لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ في اللَفْظَتَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ ﴾ يُرِيدُ المُنافِقِينَ، وهَذا إخْبارٌ بِغَيْبٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ ﴾ يُرِيدُ عِنْدَ تَخَلُّفِهِمْ مُجاهَرَةً وكُفْرِهِمْ، فَكَأنَّهم يُوجِبُونَ عَلى أنْفُسِهِمُ الحَتْمَ بِعَذابِ اللهِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ اللهَ الَّذِي هو أعْدَلُ الشاهِدِينَ يَعْلَمُ كَذِبَهُمْ، وأنَّهم كانُوا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ ولَكِنَّهم تَرَكُوهُ كُفْرًا ونِفاقًا، وهَذا كُلُّهُ في الجُمْلَةِ لا بِتَعْيِينِ شَخْصٍ، ولَوْ عُيِّنَ، لَقُتِلَ بِالشَرْعِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ عَلى جِهَةِ التَشْبِيهِ بِواوِ ضَمِيرِ الجَماعَةِ: "لَوُ اسْتَطَعْنا" بِضَمِّ الواوِ، ذَكَرَهُ ابْنُ جِنِّيِّ، ومَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ ﴾ ، ﴿ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ ﴾ ، و ﴿ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ ﴾ وما أشْبَهَهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ عَفا اللهُ عنكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ ﴾ ﴿ لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ في صِنْفٍ مُبالِغٍ في النِفاقِ واسْتَأْذَنُوا دُونَ اعْتِذارٍ، مِنهم عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ورِفاعَةُ بْنُ التابُوتِ، ومَنِ اتَّبَعَهُمْ، فَقالَ بَعْضُهُمُ:ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي، وقالَ بَعْضُهُمُ:ائْذَنْ لَنا في الإقامَةِ، فَأذِنَ لَهم رَسُولُ اللهِ اسْتِبْقاءً مِنهُ عَلَيْهِمْ، وأخْذًا بِالأسْهَلِ مِنَ الأُمُورِ، وتَوَكُّلًا عَلى اللهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: قالَ بَعْضُهُمْ: نَسْتَأْذِنُهُ فَإنْ أذِنَ لَنا في القُعُودِ قَعَدْنا، وإلّا قَعَدْنا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ رَسُولَ اللهِ أذِنَ لَهم دُونَ أنْ يُؤْمَرَ بِذَلِكَ فَعُفِيَ عنهُ ما يَلْحَقُ مِن هَذا، وقَدَّمَ ذِكْرَ العَفْوِ قَبْلَ العِتابِ إكْرامًا لَهُ ، وقالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الأودِيُّ: إنَّ رَسُولَ اللهِ صَدَعَ بِرَأْيِهِ في قِصَّتَيْنِ دُونَ أنْ يُؤْمَرَ فِيهِما بِشَيْءٍ، هَذِهِ وأمْرُ أُسارى بَدْرٍ، فَعاتَبَهُ اللهُ فِيهِما، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ عَفا اللهُ عنكَ ﴾ اسْتِفْتاحُ كَلامٍ، كَما تَقُولُ: أصْلَحَكَ اللهُ، وأعَزَّكَ اللهُ، ولَمْ يَكُنْ مِنهُ ذَنْبٌ يُعْفى عنهُ، لِأنَّ صُورَةَ الِاسْتِنْفارِ وقَبُولَ الإعْذارِ مَصْرُوفَةٌ إلى اجْتِهادِهِ، وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لِمَ أذِنْتَ ﴾ فَهي عَلى مَعْنى التَقْرِيرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾ يُرِيدُ: في اسْتِئْذانِكَ وأنَّكَ لَوْ لَمْ تَأْذَنْ لَهم خَرَجُوا مَعَكَ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَتَعْلَمَ الكاذِبِينَ ﴾ يُرِيدُ: في أنَّهُمُ اسْتَأْذَنُوكَ يُظْهِرُونَ لَكَ أنَّهم يَقِفُونَ عِنْدَ حَدِّكَ وهم كَذَبَةٌ قَدْ عَزَمُوا عَلى العِصْيانِ أذِنْتَ لَهم أو لَمْ تَأْذَنْ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: حَتّى تَعْلَمَ الصادِقِينَ في أنَّ لَهم عُذْرًا والكافِرِينَ في ألّا عُذْرَ لَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذا التَأْوِيلِ يَخْتَلِطُ المُتَعَذِّرُونَ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنِينَ كالمُسْتَأْذِنِينَ وهم لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ، والأوَّلُ أصْوَبُ، واللهُ أعْلَمُ.
وأدْخَلَ الطَبَرِيُّ أيْضًا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عن قَتادَةَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَها الآيَةُ الأُخْرى في سُورَةِ النُورِ ﴿ فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا غَلَطٌ لِأنَّ آيَةَ النُورِ نَزَلَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ في اسْتِئْذانِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ رَسُولَ اللهِ في بَعْضِ شَأْنِهِمْ في بُيُوتِهِمْ في بَعْضِ الأوقاتِ، فَأباحَ اللهُ لَهُ أنْ يَأْذَنَ، فَتَبايَنَتِ الآيَتانِ في الوَقْتِ والمَعْنى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْتَأْذِنُكَ ﴾ الآيَةُ، نَفْيٌ عَنِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوا رَسُولَ اللهِ في التَخَلُّفِ دُونَ عُذْرٍ كَما فَعَلَ الصِنْفُ المَذْكُورُ مِنَ المُنافِقِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ يُجاهِدُوا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى مَعْنى: لا يَسْتَأْذِنُونَ في التَخَلُّفِ كَراهِيَةَ أنْ يُجاهِدُوا، قالَ سِيبَوَيْهِ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَلى مَعْنى: لا يَحْتاجُونَ إلى أنْ يَسْتَأْذِنُوا في أنْ يُجاهِدُوا، بَلْ يُمْضُونَ قُدُمًا، أيْ: فَهم أحْرى ألّا يَسْتَأْذِنُوا في التَخَلُّفِ، ثُمَّ أخْبَرَ بِعِلْمِهِ تَعالى بِالمُتَّقِينَ، وفي ذَلِكَ تَعْيِيرٌ لِلْمُنافِقِينَ وطَعْنٌ عَلَيْهِمْ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ ﴾ ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا ولأوضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَنُصُّ عَلى أنَّ المُسْتَأْذِنِينَ إنَّما هم مُخْلَصُونَ لِلنِّفاقِ، ﴿ وارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ مَعْناهُ: شَكَّتْ، والرَيْبُ نَحْوُ الشَكِّ، ويَتَرَدَّدُونَ أيْ: يَتَحَيَّرُونَ ولا يَتَّجِهُ لَهم هُدًى، ومِن هَذِهِ الآيَةِ نَزَعَ أهْلُ الكَلامِ في حَدِّ الشَكِّ أنَّهُ تَرَدُّدٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ، والصَوابُ في حَدِّهِ أنَّهُ تَوَقُّفٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ، والتَرَدُّدُ في الآيَةِ إنَّما هو في رَيْبِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، إذْ كانُوا تَخْطُرُ لَهم صِحَّةُ أمْرِ النَبِيِّ أحْيانًا، وأنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ أحْيانًا، ولَمْ يَكُونُوا شاكِّينَ طالِبِينَ لِلْحَقِّ؛ لِأنَّهُ كانَ يَتَّضِحُ لَهم لَوْ طَلَبُوهُ، بَلْ كانُوا مُذَبْذَبِينَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ كالشاةِ العائِرَةِ بَيْنَ الغَنْمَيْنِ، وأيْضًا فَبَيْنَ الشَكِّ والرَيْبِ فَرْقٌ ما، وحَقِيقَةُ الرَيْبِ إنَّما هو الأمْرُ يَسْتَرِيبُ بِهِ الناظِرُ، فَيَخْلِطُ عَلَيْهِ عَقِيدَتَهُ، ورُبَّما أدّى إلى شَكٍّ وحَيْرَةٍ، ورُبَّما أدّى إلى عِلْمِ النازِلَةِ الَّتِي هو فِيها، ألا تَرى أنَّ قَوْلَ الهُذَلِيِّ: كَأنِّي أرَبْتُهُ بِرَيْبِ لا يَتَّجِهُ أنْ يُفَسَّرَ بِشَكٍّ.
قالَ الطَبَرِيُّ: وكانَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ يَرَوْنَ أنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مَنسُوخَتانِ بِالآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنا في سُورَةِ النُورِ، وأسْنَدَ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ أنَّهُما قالا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ : مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ النُورِ: ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ ﴾ إلى ﴿ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا غَلَطٌ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ ﴾ الآيَةُ، حُجَّةٌ عَلى المُنافِقِينَ، أيْ: ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ بِنِيّاتِهِمْ، لَنَظَرُوا في ذَلِكَ واسْتَعَدُّوا لَهُ قَبْلَ كَوْنِهِ.
والعُدَّةُ: ما يُعَدُّ لِلْأمْرِ ويُرْوى لَهُ مِنَ الأشْياءِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عُدَّةً" بِضَمِّ العَيْنِ وتاءِ تَأْنِيثٍ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ وابْنُهُ مُعاوِيَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "عُدَّهُ" بِضَمِّ العَيْنِ وهاءِ إضْمارٍ، يُرِيدُ: "عُدَّتَهُ" فَحُذِفَتْ تاءُ التَأْنِيثِ لَمّا أضافَ، كَما قالَ: "وَإقامِ الصَلاةِ" يُرِيدُ: "وَإقامَةِ الصَلاةِ"، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، وضَعَّفَهُ أبُو الفَتْحِ وقالَ: إنَّما حَذَفَ تاءَ التَأْنِيثِ وجَعَلَ هاءَ الضَمِيرِ عِوَضًا مِنها، وقالَ أبُو حاتِمٍ: هو جَمْعُ "عُدَّةٌ" عَلى "عُدٍّ" كَبُرَّةٍ وبُرٍّ ودُرَّةٍ ودُرٍّ، والوَجْهُ فِيهِ عُدَّدَ ولَكِنْ لا يُوافِقُ خَطَّ المُصْحَفِ، وقَرَأ عاصِمٌ فِيما رَوى عنهُ أبانُ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: "عِدَّهُ" بِكَسْرِ العَيْنِ وهاءِ إضْمارٍ، وهو عِنْدِي اسْمٌ لِما يُعَدُّ كالذِبْحِ والقِتْلِ، لِأنَّ العَدُوَّ سُمِّيَ قِتْلًا إذْ حَقُّهُ أنْ يُقْتَلَ، هَذا في مُعْتَقَدِ العَرَبِ حِينَ سَمَّتْهُ.
وانْبِعاثَهم نُفُوذَهم لِهَذِهِ الغَزْوَةِ، والتَثْبِيطُ: التَكْسِيلُ وكَسْرُ العَزْمِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَقِيلَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً عَنِ اللهِ تَعالى، أيْ: قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في سابِقِ قَضائِهِ: ﴿ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً عنهُمْ، أيْ: كانَتْ هَذِهِ مَقالَةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، إمّا لَفْظًا وإمّا مَعْنًى، فَحُكِيَ في هَذِهِ الألْفاظِ الَّتِي تَقْتَضِي لَهم مَذَمَّةً، إذِ القاعِدُونَ النِساءُ والأطْفالُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عن إذْنِ مُحَمَّدٍ في القُعُودِ، أيْ: لَمّا كَرِهَ اللهُ خُرُوجَهم يَسَّرَ أنْ قُلْتَ لَهُمْ: ﴿ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ ﴾ ، والقُعُودُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ التَخَلُّفِ والتَراخِي كَما هو في قَوْلِ الشاعِرِ: ...............................
∗∗∗ واقْعُدْ فَإنَّكَ أنْتَ الطاعِمُ الكاسِي وَلَيْسَ لِلْهَيْئَةِ في هَذا كُلِّهِ مَدْخَلٌ، وكَراهِيَةُ اللهِ انْبِعاثَهم رِفْقٌ بِالمُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ﴾ الآيَةُ...
خَبَرٌ بِأنَّهم لَوْ خَرَجُوا لَكانَ خُرُوجُهم مَضَرَّةً، وقَوْلُهُ: "إلّا خَبالًا" اسْتِثْناءٌ مِن غَيْرِ الأوَّلِ، وهَذا قَوْلُ مَن قَدَّرَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في عَسْكَرِ رَسُولِ اللهِ خَبالٌ فَيَزِيدُ المُنافِقُونَ فِيهِ، فَكَأنَّ المَعْنى: ما زادُوكم قُوَّةً ولا شِدَّةَ لَكِنْ خَبالًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، وذَلِكَ أنَّ عَسْكَرَ رَسُولِ اللهِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ كانَ فِيهِ مُنافِقُونَ كَثِيرٌ ولَهم لا مَحالَةَ خَبالٌ، فَلَوْ خَرَجَ هَؤُلاءِ، لالتَأمُوا مَعَ الخارِجِينَ فَزادَ الخَبالُ، والخَبالُ: الفَسادُ في الأشْياءِ المُؤْتَلِفَةِ المُلْتَحِمَةِ كالمَوَدّاتِ وبَعْضِ الأجْرامِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: يا بَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا يَدًا مَخْبُولَةَ العَضُدِ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "ما زادَكُمْ" بِغَيْرِ واوٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لَأوضَعُوا" ومَعْناهُ: لَأسْرَعُوا السَيْرَ.
و"خِلالَكُمْ" مَعْناهُ: فِيما بَيْنَكم مِن هُنا إلى هُنا لِسَدِّ المَوْضِعِ الخَلَّةِ بَيْنَ الرَجُلَيْنِ، والإيضاعُ: سُرْعَةُ السَيْرِ، وقالَ الزَجّاجُ: "خِلالَكُمْ" مَعْناهُ: فِيما يُخِلُّ بِكم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، وماذا يَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَجاسُوا خِلالَ الدِيارِ ﴾ ، وقَرَأ مُجاهِدٌ فِيما حَكى النَقّاشُ عنهُ: "وَلَأوفَضُوا"، وهو بِمَعْنى الإسْراعِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ﴾ ، وحُكِيَ عَنِ الزُبَيْرِ أنَّهُ قَرَأ: "وَلَأرْفَضُوا"، قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذِهِ مِن "رَفَضَ البَعِيرُ" إذا أسْرَعَ في مَشْيِهِ رَفَضًا ورَفَضانًا، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: بِزُجاجَةٍ رَفَضَتْ بِما في قَعْرِها ∗∗∗ ∗∗∗ رَفَضَ القَلُوصِ بِراكِبٍ مُسْتَعْجِلِ ووَقَعَتْ "وَلا أوضَعُوا" بِألِفٍ بَعْدَ "لا" في المُصْحَفِ، وكَذَلِكَ وقَعَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أو لأذْبَحَنَّهُ ﴾ ، قِيلَ: وذَلِكَ لِخُشُونَةِ هِجاءِ الأوَّلِينَ، قالَ الزَجّاجُ: وإنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ لِأنَّ الفَتْحَةَ في العِبْرانِيَّةِ وكَثِيرٌ مِنَ الألْسِنَةِ تَكْتُبُ ألِفًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَمْطُلَ حَرَكَةُ اللامِ فَيَحْدُثُ بَيْنَ اللامِ والهَمْزَةِ الَّتِي مِن "أوضَعَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ لَكُمُ الفِتْنَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَفِيكم سَمّاعُونَ ﴾ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: جَواسِيسُ يَسْتَمِعُونَ الأخْبارَ ويَنْقُلُونَها إلَيْهِمْ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ النَقّاشُ: بِناءُ المُبالِغَةِ يُضْعِفُ هَذا القَوْلَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: وفِيكم مُطِيعُونَ سامِعُونَ لَهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ ﴾ تَوَعُّدٌ لَهم ولِمَن كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللهِ وهم كارِهُونَ ﴾ ﴿ وَمِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ ﴾ ﴿ إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ويَتَوَلَّوْا وهم فَرِحُونَ ﴾ ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلا ما كَتَبَ اللهُ لَنا هو مَوْلانا وعَلى اللهُ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ فِي هَذِهِ الآيَةِ تَحْقِيرٌ لَهُمْ، وذَلِكَ أنَّهُ أخْبَرَ أنَّهم قَدِيمًا سَعَوْا عَلى الإسْلامِ فَأبْطَلَ اللهُ سَعْيَهُمْ، ومَعْنى قَوْلِهِ: "مِن قَبْلُ" ما كانَ مِن حالِهِمْ مِن وقْتِ هِجْرَةِ رَسُولِ اللهِ ورُجُوعِهِمْ عنهُ في أُحُدٍ وغَيْرِها، ومَعْنى ﴿ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ ﴾ دَبَّرُوها ظَهْرًا لِبَطْنٍ.
ونَظَرُوا في نَواحِيها وأقْسامِها، وسَعَوْا بِكُلِّ حِيلَةٍ، وقَرَأ مُسْلِمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: "وَقَلَبُوا لَكَ" بِالتَخْفِيفِ في اللامِ، و"أمْرُ اللهِ": الإسْلامُ ودَعَوْتُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ﴾ نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وذُكِرَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ لَمّا أمَرَ بِالغَزْوِ إلى بِلادِ الرُومِ حَرَّضَ الناسَ فَقالَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: (هَلْ لَكَ العامَ في جِلادِ بَنِي الأصْفَرِ؟)، وقالَ لَهُ ولِلنّاسِ: (اغْزُوا تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ)، فَقالَ لَهُ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ: ائْذَنْ لِي في التَخَلُّفِ ولا تَفْتِنِّي بِذِكْرِ بَناتِ الأصْفَرِ، فَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أنِّي لا أتَمالَكُ عَنِ النِساءِ إذا رَأيْتُهُنَّ،» وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ نَحْوَ هَذا مِنَ القَوْلِ الَّذِي فِيهِ فُتُورٌ كَثِيرٌ وتَخَلُّفٌ في الِاعْتِذارِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ «أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: "اغْزُوا تَبُوكَ تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ"، فَقالَ الجَدُّ: ائْذَنْ ولا تَفْتِنّا بِالنِساءِ،» وهَذا مَنزَعٌ غَيْرُ الأوَّلِ إذا نُظِرَ، وهو أشْبَهُ بِالنِفاقِ والمُحادَّةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ الجَدَّ قالَ: "وَلَكِنِّي أُعِينُكَ بِمالِي" وتَأوَّلَ بَعْضُ الناسِ قَوْلَهُ: "وَلا تَفْتِنِّي" أيْ: لا تُصَعِّبُ عَلَيَّ حَتّى أحْتاجَ إلى مُواقَعَةِ مَعْصِيَتِكَ ومُخالَفَتِكَ، فَسَهِّلْ أنْتَ عَلَيَّ ودَعْنِي غَيْرَ مُجَلَّحٍ، وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ واقِفٌ مَعَ اللَفْظِ، لَكِنَّ تَظاهُرَ ما رُوِيَ مِن ذِكْرِ بَناتِ الأصْفَرِ، وذَلِكَ مُعْتَرَضٌ في هَذا التَأْوِيلِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "وَلا تُفْتِنِّي" بِضَمِّ التاءِ الأُولى، قالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، والأصْفَرُ هو الرُومُ بْنُ عِيصُو بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِما السَلامُ، وكانَ أصْفَرَ اللَوْنِ فَيُقالُ لِلرُّومِ: بَنُو الأصْفَرِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي سُفْيانَ: "أمِرَ أمْرُ ابْنِ أبِي كَبْشَةَ، إنَّهُ يَخافُهُ مَلِكُ بَنِي الأصْفَرِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وبَنُو الأصْفَرِ الكِرامُ مُلُوكُ الرُو ∗∗∗ مِ لَمْ يَبْقَ مِنهم مَذْكُورُ وذَكَرَ النَقّاشُ والمَهْدَوِيُّ أنَّ الأصْفَرَ رَجُلٌ مِنَ الحَبَشَةِ وقَعَ بِبِلادِ الرُومِ، فَتَزَوَّجَ وأنْسَلَ بَناتٍ لَهُنَّ جَمالٌ، وهَذا ضَعِيفٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا ﴾ أيْ في الَّذِي أظْهَرُوا الفِرارَ مِنهُ بِما تَبَيَّنَ لَكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ مِن نِفاقِهِمْ، وصَحَّ عِنْدَكم مِن كُفْرِهِمْ، وفَسَدَ ما بَيْنَكم وبَيْنَهم.
و ﴿ سَقَطُوا ﴾ عِبارَةٌ مُنْبِئَةٌ عن تَمَكُّنِ وُقُوعِهِمْ، ومِنهُ: "عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ"، ثُمَّ قالَ: ﴿ وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ ﴾ وهَذا تَوَعُّدٌ شَدِيدٌ لَهُمْ، أيْ: هي مَآلُهم ومَصِيرُهم كَيْفَما تَقَلَّبُوا في الدُنْيا فَإلَيْها يُرْجَعُونَ، فَهي مُحِيطَةٌ بِهَذا الوَجْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ ﴾ الآيَةُ، أخْبَرَ تَعالى عن مُعْتَقَدِهِمْ وما هم عَلَيْهِ، والحَسَنَةُ هُنا بِحَسَبِ الغَزْوَةِ هي الغَنِيمَةُ والظَفَرُ، والمُصِيبَةُ الهَزْمُ والخَيْبَةُ، واللَفْظُ عامٌّ -بَعْدَ ذَلِكَ- في كُلِّ مَحْبُوبٍ ومَكْرُوهٍ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ﴾ أيْ حَزَمْنا نَحْنُ في تَخَلُّفِنا ونَظَرْنا لِأنْفُسِنا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنا ﴾ الآيَةُ.
أمَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ نَبِيَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَرُدَّ عَلى المُنافِقِينَ ويُفْسِدَ عَلَيْهِمْ فَرَحَهم بِأنْ يُعَلِمَهم أنَّ الشَيْءَ الَّذِي يَعْتَقِدُونَهُ مُصِيبَةٌ لَيْسَ كَما اعْتَقَدُوهُ، بَلِ الجَمِيعُ مِمّا قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ ظَفَرًا وسُرُورًا في الدُنْيا وإمّا أنْ يَكُونَ ذُخْرًا لِلْآخِرَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "قُلْ هَلْ يُصِيبُنا" ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ، وعِنْدَ ابْنِ جِنِّيٍّ: وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وأعْيَنُ قاضِي الرَيِّ: "قُلْ لَنْ يُصَيِّبَنا" بِشَدِّ الياءِ الثانِيَةِ وكَسْرِها، كَذا ذَكَرَهُ أبُو الفَتْحِ وشَرَحَ ذَلِكَ، وهو وهْمٌ، واللهُ أعْلَمُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: قالَ عَمْرُو بْنُ شَفِيقٍ: سَمِعْتُ أعْيَنَ قاضِيَ الرَيِّ يَقْرَأُ: "قُلْ لَنْ يُصِيبَنّا" النُونُ مُشَدَّدَةٌ، قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأنَّ النُونَ لا تَدْخُلُ مَعَ "لَنْ" ولَوْ كانَتْ لِطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ لَجازَتْ لِأنَّها مَعَ "هَلْ"، قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ كَتَبَ اللهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ ما قَضى وقَدَّرَ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ ما كَتَبَ اللهُ لَنا في قُرْآنِنا عَلَيْنا مِن أنّا إمّا أنْ نَظْفَرَ بِعَدُوِّنا وإمّا أنْ نُسْتَشْهَدَ، فَنَدْخُلَ الجَنَّةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الِاحْتِمالُ يَرْجِعُ إلى الأوَّلِ، وقَدْ ذَكَرَهُما الزَجّاجُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ مَعْناهُ: مَعَ سَعْيِهِمْ وجَدِّهِمْ إذْ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ العُلَماءِ، وهو الصَحِيحُ، والَّذِي فَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ مُدَّةَ عُمْرِهِ، ومِنهُ مُظاهَرَتُهُ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، وتَخَبَّطَ الناسُ في مَعْنى التَوَكُّلِ في الرِزْقِ، فالأظْهَرُ والأصَحُّ أنَّ الرَجُلَ الَّذِي يُمْكِنُهُ التَحَرُّفُ الحَلالُ المَحْضُ الَّذِي لا تَدْخُلُهُ كَراهِيَةٌ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَمْتَثِلَ مِنهُ ما يَصُونُهُ ويَحْمِلُهُ مِثْلَ الِاحْتِطابِ ونَحْوِهِ، وقَدْ قَرَنَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى الرِزْقَ بِالتَسَبُّبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ﴾ .
ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ في الطَيْرِ: « "تَغْدُو خِماصًا»..." الحَدِيثُ.
ومِنهُ قَوْلُهُ : « "قَيَّدْها وتَوَكَّلْ"»، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ الرَجُلَ القَوِيَّ الجَلْدَ إذا بَلَغَ مِنَ التَوَكُّلِ إلى أنْ يَدْخُلَ غارًا أو بَيْتًا يَجْهَلُ أمْرَهُ فِيهِ، ويَبْقى في ذِكْرِ اللهِ مُتَوَكِّلًا يَقُولُ: إنْ كانَ بَقِيَ لِي رِزْقٌ فَسَيَأْتِي اللهُ بِهِ، وإنْ كانَ رِزْقِي قَدْ تَمَّ مُتُّ إنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ بالِغٌ عِنْدَ قَوْمٍ، وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ في الحَرَمِ رَجُلٌ مُلازِمٌ يُخْرَجُ مِن جَيْبِهِ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ بِطاقَةً يَنْظُرُ فِيها ثُمَّ يَصْرِفُها ويَبْقى عَلى حالِهِ حَتّى ماتَ في ذَلِكَ المَوْضِعِ، فَقَرَأتُ البِطاقَةَ فَإذا فِيها مَكْتُوبٌ ﴿ واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الطَرِيقَةُ لا يَراها جُلُّ أهْلِ العِلْمِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَسْعى الرَجُلُ لِقَدَرِ القُوتِ سَعْيًا جَمِيلًا لا يُواقِعُ فِيهِ شُبْهَةً، فَإنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وخَرَجَ إلى حَدِّ الِاضْطِرارِ، فَحِينَئِذٍ إنْ تَسامَحَ في السُؤالِ وأكَلَ المَيْتَةَ وما أمْكَنَهُ مِن ذَلِكَ فَهو لَهُ مُباحٌ، وإنْ صَبَرَ وتَحْتَسِبُ نَفْسَهُ كانَ في أعْلى رُتْبَةٍ عِنْدَ قَوْمٍ، ومِنَ الناسِ مَن يَرى أنَّ فَرْضًا عَلَيْهِ إبْقاءَ رَمَقَهُ.
وأمّا مِن يَخْتارُ الإلْقاءَ بِاليَدِ -والسَعْيُ مُمْكِنٌ- فَما كانَ هَذا قَطُّ مَن خُلُقِ الرَسُولِ ولا الصَحابَةِ ولا العُلَماءِ، واللهُ سُبْحانَهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ، ومِن حُجَجِ مَن يَقُولُ بِالتَوَكُّلِ حَدِيثُ النَبِيِّ في قَوْلِهِ: « "يَدْخُلُ الجَنَّةَ سَبْعُونَ ألْفًا مِن أُمَّتِي بِلا حِسابٍ، وهُمُ الَّذِينَ لا يَرْقُونَ ولا يَسْتَرْقُونَ ولا يَكْتَوُونَ ولا يَتَطَبَّبُونَ، وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ"»، وفي هَذا الحَدِيثِ أنَّ رَسُولَ اللهِ دَعا لِعُكّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ أنْ يَكُونَ مِنهُمْ، فَقِيلَ: ذَلِكَ لِأنَّهُ عَرَفَ مِنهُ أنَّهُ لِذَلِكَ، وقالَ لِلْآخَرِ: «سَبَقَكَ بِها عُكّاشَةُ»، وبَرَدَتِ الدَعْوَةُ، فَقِيلَ: ذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ مُنافِقًا، وقِيلَ: بَلْ عَرَفَ مِنهُ أنَّهُ لا يَصْحُّ لِهَذِهِ الدَرَجَةِ مِنَ التَوَكُّلِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أو بِأيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أو كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ ﴾ فالمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ الرَدُّ عَلى المُنافِقِينَ في مُعْتَقَدِهِمْ في المُؤْمِنِينَ، وإزالَةُ ظَنِّهِمْ أنَّ المُؤْمِنِينَ تَنْزِلُ بِهِمْ مَصائِبُ، والإعْلامُ بِأنَّها حُسْنى كَيْفَ تَصَرَّفَتْ.
وتَرَبَّصُونَ مَعْناهُ: تَنْتَظِرُونَ، والحُسْنَيانِ: الشَهادَةُ والظَفَرُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "إلّا احْدى الحُسْنَيَيْنِ" بِوَصْلِ ألِفِ "إحْدى".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ لُغَةٌ ولَيْسَتْ بِالقِياسِ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ الشاعِرِ: يا بالمُغِيرَةِ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ وقَوْلِ الآخَرِ: إنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبِسِينِي بُرْقُعا وَقَوْلُهُ: ﴿ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ ﴾ يُرِيدُ المَوْتَ بِإحْداثِ الأسَفِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَوَعُّدًا بِعَذابِ الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ أو بِأيْدِينا ﴾ يُرِيدُ القَتْلَ.
وقِيلَ: ﴿ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ ﴾ يُرِيدُ أنْواعَ المَصائِبِ والقَوارِعِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ ﴾ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أو كَرْهًا ﴾ سَبَبُها أنَّ الجَدَّ بْنَ قَيْسٍ حِينَ قالَ: ﴿ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ﴾ قالَ: "إنِّي أُعِينُكَ بِمالٍ" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِ، وهي عامَّةٌ بَعْدَهُ.
والطَوْعُ والكُرْهُ يَعُمّانِ كُلَّ إنْفاقٍ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: "أو كُرْهًا" بِضَمِّ الكافِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَّصِلُ هُنا ذِكْرُ أفْعالِ الكافِرِ إذا كانَتْ بِرًّا كَصِلَةِ القَرابَةِ وجَبْرِ الكَسِيرِ وإغاثَةِ المَظْلُومِ، هَلْ يَنْتَفِعُ بِها أمْ لا؟
فاخْتِصارُ القَوْلِ في ذَلِكَ أنَّ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ ثَوابَ الكافِرِ عَلى أفْعالِهِ البَرَّةِ هو في الطُعْمَةِ يُطْعَمُها"» ونَحْوُ ذَلِكَ، فَهَذا مُقْنِعٌ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى نَظَرٍ، وأمّا أنْ يَنْتَفِعَ بِها في الآخِرَةِ فَلا دَلِيلَ، ذَلِكَ «أنَّ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ قالَتْ لِلنَّبِيِّ : يا رَسُولَ اللهِ، أرَأيْتَ عَبْدَ اللهِ بْنَ جُدْعانَ، أيَنْفَعُهُ ما كانَ يُطْعِمُ ويَصْنَعُ مِن خَيْرٍ؟
فَقالَ: "لا، إنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِينِ"»، ودَلِيلٌ آخَرُ في قَوْلِ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِابْنِهِ: "ذاكَ العاصِي بْنُ وائِلٍ لا جَزاهُ اللهُ خَيْرًا"، وكانَ هَذا القَوْلُ بَعْدَ مَوْتِ العاصِي، الحَدِيثُ بِطُولِهِ، ودَلِيلٌ ثالِثٌ في حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ عَلى أحَدِ التَأْوِيلَيْنِ، أعْنِي في قَوْلِ النَبِيِّ : « "أسَلَمْتَ عَلى ما سَلَفَ لَكَ مِن خَيْرٍ"،» ولا حُجَّةَ في أمْرِ أبِي طالِبٍ وكَوْنِهِ في ضَحْضاحٍ مِن نارٍ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما هو بِشَفاعَةِ مُحَمَّدٍ ، وبِأنَّهُ وجَدَهُ في غَمْرَةٍ مِنَ النارِ فَأخْرَجَهُ، ولَوْ فَرَضْنا أنَّ ذَلِكَ بِأعْمالِهِ لَمْ يَحْتَجْ إلى شَفاعَةٍ.
وأمّا أفْعالُ الكافِرِ القَبِيحَةُ، فَإنَّها تَزِيدُ في عَذابِهِ، وبِذَلِكَ تَفاضُلُهم في عَذابِ جَهَنَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْفِقُوا ﴾ أمْرٌ في ضِمْنِهِ جَزاءٌ، وهَذا مُسْتَمِرٌّ في كُلِّ أمْرٍ مَعَهُ جَوابٌ، فالتَقْدِيرُ: "إنْ تُنْفِقُوا لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنكُمْ"، وأمّا إذا عُرِّيَ الأمْرُ مِن جَوابٍ، فَلَيْسَ يُصِبْهُ تَضَمُّنُ الشَرْطِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلا أنَّهم كَفَرُوا بِاللهِ وبِرَسُولِهِ ولا يَأْتُونَ الصَلاةَ إلا وهم كُسالى ولا يُنْفِقُونَ إلا وهم كارِهُونَ ﴾ ﴿ فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أولادُهم إنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ ﴾ ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: وما مَنَعَهُمُ اللهُ مِن أنْ تُقْبَلَ إلّا لِأجْلِ أنَّهم كَفَرُوا بِاللهِ، فَـ "أنْ" الأُولى -عَلى هَذا- في مَوْضِعِ خَفْضٍ نَصَبَها الفِعْلُ حِينَ زالَ الخافِضُ، و"أنَّ" الثانِيَةُ، في مَوْضِعِ نَصْبٍ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وما مَنَعَهُمُ اللهُ قَبُولَ نَفَقاتِهِمْ إلّا لِأجْلِ كُفْرِهِمْ، فالأُولى -عَلى هَذا- في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وما مَنَعَهم قَبُولَ نَفَقاتِهِمْ إلّا كُفْرُهُمْ، فالثانِيَةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فاعِلَةٌ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ونافِعٌ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "أنْ يُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ" بِالياءِ، وقَرَأ الأعْرَجُ بِخِلافٍ عنهُ: "أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقَتُهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ وإفْرادِ النَفَقَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، "أنْ يُقْبَلَ مِنهم صَدَقاتُهُمْ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أنْ نَقْبَلَ مِنهم نَفَقَتَهُمْ" بِالنُونِ ونَصْبِ النَفَقَةِ.
وَ"كُسالى": جَمْعٌ "كَسْلانَ"، و"كَسْلانُ" إذا كانَتْ مُؤَنَّثَةَ "كَسْلى" لا يَنْصَرِفُ بِوَجْهٍ، وإنْ كانَتْ مُؤَنَّثَةَ "كَسْلانَةٍ" فَهو يَنْصَرِفُ في النَكِرَةِ.
ثُمَّ أخْبَرَ عنهم تَبارَكَ وتَعالى أنَّهم "لا يُنْفِقُونَ إلّا عَلى كَراهِيَةٍ" إذْ لا يَقْصِدُونَ بِها وجْهَ اللهِ ولا مَحَبَّةَ المُؤْمِنِينَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا فَقْدُ المالِ وهو مِن مَكارِهِهِمْ لا مَحالَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ ﴾ الآيَةُ، حَقَّرَ هَذا اللَفْظُ شَأْنَ المُنافِقِينَ وعَلَّلَ إعْطاءَ اللهِ لَهُمُ الأمْوالَ والأولادَ بِإرادَتِهِ تَعْذِيبَهم بِها، واخْتُلِفَ في وجْهِ التَعْذِيبِ، فَقالَ قَتادَةُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، فالمَعْنى: "فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أولادُهم في الحَياةِ الدُنْيا، إنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبِهم بِها في الآخِرَةِ"، وقالَ الحَسَنُ: الوَجْهُ في التَعْذِيبِ أنَّهُ بِما ألْزَمَهم فِيها مِن أداءِ الزَكاةِ والنَفَقَةِ في سَبِيلِ اللهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "بِها" عائِدٌ -فِي هَذا القَوْلِ- عَلى الأمْوالِ فَقَطْ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: التَعْذِيبُ هو مَصائِبُ الدُنْيا، ورَزاياها هي لَهم عَذابٌ، إذْ لا يُؤْجَرُونَ عَلَيْها، وهَذا القَوْلُ وإنْ كانَ يَسْتَغْرِقُ قَوْلَ الحَسَنِ، فَإنَّ قَوْلَ الحَسَنِ يَتَقَوّى تَخْصِيصُهُ بِأنَّ تَعْذِيبَهم بِإلْزامِ الشَرِيعَةِ أعْظَمُ مِن تَعْذِيبِهِمْ بِسائِرِ الرَزايا، وذَلِكَ لِاقْتِرانِ الذِلَّةِ والغَلَبَةِ بِأوامِرِ الشَرِيعَةِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿ وَتَزْهَقَ أنْفُسُهُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ويَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وتَزْهَقَ أنْفُسُهم مِن شِدَّةِ التَعْذِيبِ الَّذِي يَنالُهم.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَهم كافِرُونَ ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ، ولَيْسَ يَلْزَمُ ذَلِكَ عَلى التَأْوِيلِ الثانِي.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَحْلِفُونَ ﴾ الآيَةُ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم يَحْلِفُونَ أنَّهم مِنَ المُؤْمِنِينَ في الدِينِ والشَرِيعَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم -عَلى الجُمْلَةِ لا عَلى التَعْيِينِ- أنَّهم لَيْسُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ، وإنَّما هم يَفْزَعُونَ مِنهم فَيُظْهِرُونَ الإيمانَ وهم يُبْطِنُونَ النِفاقَ، والفَرَقُ: الخَوْفُ، والفَرُوقَةُ: الجَبانُ، وفي المَثَلِ: "وَفَرَقٌ خَيْرٌ مِن حُبَّيْنِ".
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أو مَغاراتٍ أو مُدَّخَلا لَوَلَّوْا إلَيْهِ وهم يَجْمَحُونَ ﴾ ﴿ وَمِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَدَقاتِ فَإنْ أُعْطُوا مِنها رَضُوا وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها إذا هم يَسْخَطُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللهُ سَيُؤْتِينا اللهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ إنّا إلى اللهُ راغِبُونَ ﴾ المَلْجَأُ: مِن لَجَأ يَلْجَأُ إذا أوى واعْتَصَمَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أو مَغاراتٍ" بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: "أو مُغاراتٍ" بِضَمِّ المِيمِ، وهي الغِيرانُ في أعْراضِ الجِبالِ، فَفَتْحُ المِيمِ مِن: "غارَ الشَيْءُ" إذا دَخَلَ، كَما تَقُولُ: "غارَتِ العَيْنُ"، إذا دَخَلَتْ في الحِجاجِ، وضَمُّ المِيمِ مِن: "أغارَ الشَيْءُ غَيْرَهُ" إذا أدْخَلَهُ، فَهَذا وجْهٌ مِنِ اشْتِقاقِ اللَفْظَةِ، وقِيلَ: إنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "غارَ الرَجُلُ وأغارَ" بِمَعْنًى واحِدٍ، أيْ: دَخَلَ، قالَ الزَجّاجُ: إذا دَخَلَ الغَوْرَ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اللَفْظَةُ أيْضًا مِن هَذا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ في قِراءَةٍ ضَمِّ المِيمِ أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: "حَبْلٌ مُغارٌ" أيْ مَفْتُولٌ، ثُمَّ يُسْتَعارُ ذَلِكَ في الأمْرِ المُحْكَمِ المُبْرَمِ فَيَجِيءُ التَأْوِيلُ عَلى هَذا: لَوْ يَجِدُونَ عَصْرَةً أو أُمُورًا مُرْتَبِطَةً مُشَدَّدَةً تَعْصِمُهم مِنكم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو مُدَّخَلا لَوَلَّوْا إلَيْهِ ﴾ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُدَّخَلًا" أصْلُهُ مُفْتَعَلٌ، وهو بِناءُ تَأْكِيدٍ ومُبالَغَةٍ، ومَعْناهُ: السِرْبُ والنَفَقُ في الأرْضِ، وبِما ذَكَرْناهُ في "المَلْجَإ والمَغاراتِ والمُدَّخَلِ" فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
وقالَ الزَجّاجُ: المُدَّخَلُ: مَعْناهُ: قَوْمًا يُدْخِلُونَهم في جُمْلَتِهِمْ.
وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ كَثِيرٍ بِخِلافٍ عنهُ: "أو مَدْخَلًا" فَهَذا مِن دَخَلَ، وقَرَأ قَتادَةُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْمَشُ: "أو مُدَّخَّلًا" بِتَشْدِيدِهِما، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "مُنْدَخَلًا" بَنُونٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ: ...............................
∗∗∗ ولا يَدِي في حَمِيتِ السَمْنِ تَنْدَخِلُ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ أبُو حاتِمٍ: قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "مُتْدَخَلًا" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، ورُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ، وعِيسى: "مُدْخَلًا" بِضَمِّ المِيمِ فَهو مَن أدْخَلَ.
وقَرَأ الناسُ: "لَوَلَّوْا"، وقَرَأ جَدُّ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ قَرْمَلَ: "لَوالَوْا" مِنَ المُوالاةِ، وَأنْكَرَها سَعِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وقالَ: أظُنُّها: "لَوَألُوا" بِمَعْنى "لَجَؤُوا"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَجْمَحُونَ"، مَعْناهُ: يُسْرِعُونَ مُصَمِّمِينَ غَيْرَ مُنْثَنِينَ، ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ: لَقَدْ جَمَحْتُ جِماحًا في دِمائِهِمُ ∗∗∗ ∗∗∗ حَتّى رَأيْتُ ذَوِي أحِسابِهِمْ خَمَدُوا وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: "يَجْمَزُونَ" ومَعْناهُ: يَهْرُبُونَ، ومِنهُ قَوْلُهم في حَدِيثِ الرَجْمِ: "فَلَمّا أذْلَقَتْهُ الحِجارَةُ جَمَزَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَلْمِزُكَ ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَمِنهُمْ" عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ أنَّهُ قالَ: «جاءَ ابْنُ ذِي الخُوَيْصِرَةِ التَمِيمِيُّ ورَسُولُ اللهِ يُقَسِّمُ قَسْمًا فَقالَ: "اعْدِلْ يا مُحَمَّدُ"» الحَدِيثُ المَشْهُورُ بِطُولِهِ، وفِيهِ: قالَ أبُو سَعِيدٍ: فَنَزَلَتْ في ذَلِكَ ﴿ وَمِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَدَقاتِ ﴾ ، ورَوى داوُدُ بْنُ أبِي عاصِمٍ «أنَّ النَبِيَّ أُتِيَ بِصَدَقَةٍ فَقَسَّمَها ووَراءَهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ فَقالَ: "ما هَذا بِالعَدْلِ" فَنَزَلَتِ الآيَةُ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ نَزْعَةُ مُنافِقٍ، وكَذَلِكَ رُوِيَ مِن غَيْرِ ما طَرِيقٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ كَلامِ المُنافِقِينَ إذْ لَمْ يُعْطَوْا بِحَسَبِ شَطَطِ آمالِهِمْ.
و ﴿ يَلْمِزُكَ ﴾ مَعْناهُ: يَعِيبُكَ ويَأْخُذُ مِنكَ في الغَيْبَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إذا لَقِيتُكَ تُبْدِي لِي مُكاشَرَةً ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ أغِيبُ فَأنْتَ الهامِزُ اللَمِزُ ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ: ................................
∗∗∗ ∗∗∗ في ظِلِّ عَصْرَيْ باطِلِي ولَمْزِي والهَمْزُ أيْضًا في نَحْوِ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾ ، وقِيلَ لِبَعْضِ العَرَبِ: أتُهْمَّزُ الفَأْرَةُ؟
فَقالَ: إنَّها تَهْمِزُها الهِرَّةُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَجَعَلَ الأكْلَ هَمْزًا، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ كَما اسْتَعارَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ الغَرْثَ في قَوْلِهِ: .................................
∗∗∗ ∗∗∗ وتُصْبِحُ غَرْثى مِن لُحُومِ الغَوافِلِ تَرْكِيبًا عَلى اسْتِعارَةِ الأكْلِ في الغَيْبَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ يَجْعَلِ الأعْرابِيُّ الهَمْزَ الأكْلَ، وإنَّما أرادَ ضَرْبَها إيّاها بِالنابِ والظُفْرِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَلْمِزُكَ" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ فِيما رَوى عنهُ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ "يَلْمُزُكَ" بِضَمِّ المِيمِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ وقِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، وغَيْرِهِمْ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "يُلَمِّزُكَ"، ورَوى أيْضًا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "يُلامِزُكَ"، وهي مُفاعَلَةٌ مِن واحِدٍ لِأنَّهُ فِعْلٌ لَمْ يَقَعْ مِنَ النَبِيِّ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ ورَسُولُهُ ﴾ الآيَةُ.
وصْفٌ لِلْحالِ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْها المُسْتَقِيمُونَ، يَقُولُ تَعالى: "وَلَوْ أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ رَضُوا قِسْمَةَ اللهِ الرِزْقَ لَهم وما أعْطاهم عَلى يَدَيْ رَسُولِهِ ورَجَّوْا أنْفُسَهم فَضْلَ اللهِ ورَسُولِهِ، وأقَرُّوا بِالرَغْبَةِ إلى اللهِ، لَكانَ خَيْرًا لَهم وأفْضَلَ مِمّا هم فِيهِ".
وحُذِفَ الجَوابُ مِنَ الآيَةِ لِدَلالَةِ ظاهِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ مِن فَصِيحِ الكَلامِ وإيجازِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما الصَدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ والعامِلِينَ عَلَيْها والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم وفي الرِقابِ والغارِمِينَ وفي سَبِيلِ اللهِ وابْنِ السَبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ "إنَّما" في هَذِهِ الآيَةِ حاصِرَةٌ تَقْتَضِي وُقُوفَ الصَدَقاتِ عَلى الثَمانِيَةِ الأصْنافِ، وإنَّما اخْتُلِفَ في صُورَةِ القِسْمَةِ فَقالَ مالِكٌ وغَيْرُهُ: ذَلِكَ عَلى قَدْرِ اجْتِهادِ الإمامِ وبِحَسَبِ أهْلِ الحاجَةِ، وقالَ الشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: هي ثَمانِيَةُ أقْسامٍ عَلى ثَمانِيَةِ أصْنافٍ لا يُخَلُّ بِواحِدٍ مِنها إلّا أنَّ المُؤَلَّفَةَ انْقَطَعُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَقُولُ صاحِبُ هَذا القَوْلِ: إنَّهُ لا يَجْزِي المُتَصَدِّقَ والقاسِمَ مِن كُلِّ صِنْفٍ أقَلَّ مِن ثَلاثَةٍ.
وَأمّا الفَقِيرُ والمِسْكِينُ فَقالَ الأصْمَعِيُّ، وغَيْرُهُ: الفَقِيرُ أبْلَغُ فاقَةً، وقالَ غَيْرُهُمُ:المِسْكِينُ أبْلَغُ فاقَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا طَرِيقَ إلى هَذا الِاخْتِلافِ ولا إلى التَرْجِيحِ إلّا النَظَرُ في شَواهِدِ القُرْآنِ، والنَظَرُ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِها، فَمِن حُجَّةِ الأوَّلِينَ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أمّا السَفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ ﴾ .
واعْتُرِضَ هَذا الشاهِدُ بِوُجُوهٍ مِنها، أنْ يَكُونَ سَمّاهم مَساكِينَ بِالإضافَةِ إلى الغاصِبِ وإنْ كانُوا أغْنِياءَ عَلى جِهَةِ الشُفْعَةِ، كَما تَقُولُ في جَماعَةٍ: "تَظْلِمُ مَساكِينَ لا حِيلَةَ لَهُمْ"، ورُبَّما كانُوا مَياسِيرَ، ومِنها أنَّهُ قُرِئَ "لِمَسّاكِينَ" بِشَدِّ السِينِ بِمَعْنى: دَبّاغِينَ يَعْمَلُونَ المُسُوكَ، قالَهُ النَقّاشُ وغَيْرُهُ، ومِنها: أنْ تَكُونَ إضافَتُها إلَيْهِمْ لَيْسَتْ بِإضافَةِ مِلْكٍ، بَلْ كانُوا عامِلِينَ بِها، فَهي كَما تَقُولُ: سَرْجُ الفَرَسِ، وبابُ الدارِ.
ومِن حُجَّةِ الآخَرِينَ قَوْلُ الراعِي: أمّا الفَقِيرُ الَّذِي كانَتْ حَلُوبَتُهُ ∗∗∗ وفْقَ العِيالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ وقَدِ اعْتُرِضَ هَذا الشاهِدُ بِأنَّهُ إنَّما سَمّاهُ فَقِيرًا بَعْدَ أنْ صارَ لا حَلُوبَةَ لَهُ، وإنَّما ذَكَرَ الحَلُوبَةَ بِأنَّها كانَتْ، وهَذا اعْتِراضٌ يَرُدُّهُ مَعْنى القَصِيدَةِ، ومَقْصِدُ الشاعِرِ بِأنَّهُ إنَّما يَصِفُ سِعايَةً أتَتْ عَلى مالِ الحَيِّ بِأجْمَعِهِ فَقالَ: أما الفَقِيرُ فاسْتُؤْصِلَ مالُهُ فَكَيْفَ بِالغَنِيِّ مَعَ هَذِهِ الحالَةِ؟
وذَهَبَ مَن يَقُولُ إنَّ المِسْكِينَ أبْلَغُ فاقَةً إلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السُكُونِ، وأنَّ الفَقِيرَ مُشْتَقٌّ مِن فَقارِ الظَهْرِ؛ كَأنَّهُ أُصِيبَ فَقارُهُ، وذَهَبَ مَن يَقُولُ إنَّ الفَقِيرَ أبْلَغُ فاقَةً إلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ مَن فَقَرْتُ البِئْرَ إذا نَزَعْتَ جَمِيعَ ما فِيها، وأنَّ المِسْكِينَ مِنَ السَكَنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعَ هَذا الِاخْتِلافِ فَإنَّهُما صِنْفانِ يَعُمُّهُما الإقْلالُ والفاقَةُ، فَيَنْبَغِي أنْ نَبْحَثَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي مِن أجْلِهِ جَعَلَهُما اللهُ اثْنَيْنِ، والمَعْنى فِيهِما واحِدٌ، وقَدِ اضْطَرَبَ الناسُ في هَذا، فَقالَ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ: الفُقَراءُ هم مِنَ المُهاجِرِينَ، والمَساكِينُ مَن لَمْ يُهاجِرْ، وقالَ النَخْعِيُّ نَحْوَهُ، قالَ سُفْيانُ: لا يُعْطى فُقَراءُ الأعْرابِ مِنها شَيْئًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمِسْكِينُ: السائِلُ يُعْطى في المَدِينَةِ وغَيْرِها، وهَذا القَوْلُ هو حِكايَةُ الحالِ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ، وأمّا مُنْذُ زالَتِ الهِجْرَةُ فاسْتَوى الناسُ، وتُعْطى الزَكاةُ لِكُلِّ مُتَّصِفٍ بِفَقْرٍ، وقالَ عِكْرِمَةُ: الفُقَراءُ مِنَ المُسْلِمِينَ، والمَساكِينُ مِن أهْلِ الذِمَّةِ، ولا تَقُولُوا لِفُقَراءِ المُسْلِمِينَ: مَساكِينُ، وقالَ الشافِعِيُّ في كِتابِ ابْنِ المُنْذِرِ: الفَقِيرُ: مَن لا مالَ لَهُ ولا حِرْفَةَ سائِلًا كانَ أو مُتَعَفِّفًا، والمِسْكِينُ: الَّذِي لَهُ حِرْفَةٌ أو مالٌ ولَكِنْ لا يُغْنِيهِ ذَلِكَ سائِلًا كانَ أو غَيْرَ سائِلٍ، وقالَ قَتادَةُ بْنُ دِعامَةَ: الفَقِيرُ: الزَمِنُ المُحْتاجُ، والمِسْكِينُ: الصَحِيحُ المُحْتاجُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والزُهْرِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: المَساكِينُ: الَّذِينَ يَسْعَوْنَ ويَسْألُونَ، والفُقَراءُ هُمُ الَّذِينَ يَتَصاوَنُونَ، وهَذا القَوْلُ الأخِيرُ -إذا لُخِّصَ وحُرِّرَ- أحْسَنُ ما يُقالُ في هَذا.
وتَحْرِيرُهُ أنَّ الفَقِيرَ هو الَّذِي لا مالَ لَهُ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَذِلَّ ولا بُذِلَ وجْهُهُ، وذَلِكَ إمّا لِتَعَفُّفٍ مُفْرِطٍ وإمّا لَبُلْغَةٍ تَكُونُ لَهُ كالحَلُوبَةِ وما أشْبَهَها، والمِسْكِينُ هو الَّذِي يَقْتَرِنُ بِفَقْرِهِ تَذَلُّلٌ وخُضُوعٌ وسُؤالٌ، فَهَذِهِ هي المَسْكَنَةُ، فَعَلى هَذا كُلُّ مِسْكِينٍ فَقِيرٌ ولَيْسَ كُلُّ فَقِيرٍ مِسْكِينًا، ويُقَوِّي هَذا أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ وصَفَ بَنِي إسْرائِيلَ بِالمَسْكَنَةِ وقَرَنَها بِالذِلَّةِ مَعَ غِناهُمْ، وإذا تَأمَّلْتَ ما قُلْناهُ، بانَ أنَّهُما صِنْفانِ مَوْجُودانِ في المُسْلِمِينَ، ويُقَوِّي هَذا قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَعَفُّفِ ﴾ ، وقِيلَ لِأعْرابِيٍّ: أفَقِيرٌ أنْتَ؟
فَقالَ: إنِّي واللهِ مِسْكِينٌ، وقالَ النَبِيُّ : « "لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذا الطَوّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُقْمَةُ واللُقْمَتانِ، ولَكِنَّ المِسْكِينَ هو الَّذِي لا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ ولا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ"،» اقْرَأُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿ لا يَسْألُونَ الناسَ إلْحافًا ﴾ ، فَدَلَّ هَذا الحَدِيثُ عَلى أنَّ المِسْكِينَ في اللُغَةِ هو الطَوّافُ، وجَرى تَنْبِيهُ النَبِيِّ في هَذا الحَدِيثِ عَلى المُتَصاوِنِ مَجْرى تَقْدِيمِ الفُقَراءِ في الآيَةِ لِمَعْنى الِاهْتِمامِ، إذْ هم بِحَيْثُ إنْ لَمْ يُتَهَمَّمْ بِهِمْ هَلَكُوا، والمِسْكِينُ يُلِحُّ ويُذَكِّرُ بِنَفْسِهِ.
وأمّا العامِلُ فَهو الرَجُلُ الَّذِي يَسْتَنِيبُهُ الإمامُ في السَعْيِ عَلى الناسِ وجَمْعِ صَدَقاتِهِمْ، وكُلُّ مَن يَصْرِفُ مِن عَوْنٍ لا يُسْتَغْنى عنهُ، فَهو مِنَ العامِلِينَ؛ لِأنَّهُ يَحْشُرُ الناسَ عَلى الساعِي، وقالَ الضَحّاكُ: لِلْعامِلِينَ ثَمَنُ ما عَمِلُوا عَلى قِسْمَةِ القُرْآنِ، وقالَ الجُمْهُورُ: لَهم قَدْرُ تَعَبِهِمْ ومُؤْنَتِهِ، قالَهُ مالِكٌ، والشافِعِيُّ في كِتابِ ابْنِ المُنْذِرِ، فَإنْ تَجاوَزَ ذَلِكَ ثَمَنَ الصَدَقَةِ فاخْتُلِفَ، فَقِيلَ: يُتِمُّ لَهم ذَلِكَ مِن سائِرِ الأنْصِباءِ وقِيلَ: بَلْ يُتِمُّ لَهم ذَلِكَ مِن خُمْسِ الغَنِيمَةِ.
واخْتُلِفَ إذا عَمِلَ في الصَدَقاتِ هاشِمِيٌّ فَقِيلَ: يُعْطى مِنها عِمالَتَهُ، وقِيلَ: بَلْ يُعْطاها مِنَ الخُمْسِ، ولا يَجُوزُ لِلْعامِلِ قَبُولُ الهَدِيَّةِ والمُصانَعَةُ مِمَّنْ يَسْعى عَلَيْهِ، وإنْ فَعَلَ ذَلِكَ رُدَّ في بَيْتِ المالِ كَما فَعَلَ النَبِيُّ بِابْنِ اللَتَبِيَّةِ حِينَ اسْتَعْمَلَهُ عَلى الصَدَقَةِ «فَقالَ: "هَذا لَكم وهَذا أُهْدِيَ لِي"، فَقالَ النَبِيُّ : "هَلّا قَعَدْتَ في بَيْتِ أبِيكَ وأُمِّكَ حَتّى تَعْلَمَ ما يُهْدى لَكَ"؟» وأخَذَ الجَمِيعَ مِنهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَأمَّلَ عِمالَةَ الساعِي هَلْ يَأْخُذُها قَبْلَ العَمَلِ أو بَعْدَهُ؟
وهَلْ هي إجازَةٌ أو هي جُعْلٌ؟
وهَلِ العَمَلُ مَعْلُومٌ أو هو يُتَتَبَّعُ وإنَّما يُعْرَفُ قَدْرُهُ بَعْدَ الفَراغِ؟
وأمّا المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم فَكانُوا صِنْفَيْنِ: مُسْلِمِينَ وكافِرِينَ مُساتِرِينَ، قالَ يَحْيى بْنُ كَثِيرٍ: كانَ مِنهم أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، والحارِثُ بْنُ هِشامٍ، وصَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ، وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وعُيَيْنَةُ، والأقْرَعُ، ومالِكُ بْنُ عَوْفٍ، والعَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ، والعَلاءُ بْنُ جارِيَةَ الثَقَفِيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأكْثَرُ هَؤُلاءِ مِنَ الطُلَقاءِ الَّذِينَ ظاهِرُ أمْرِهِمْ يَوْمَ الفَتْحِ الكُفْرُ، ثُمَّ بَقُوا مُظْهِرِينَ الإسْلامَ حَتّى وثَّقَهُ الِاسْتِئْلافُ في أكْثَرِهِمْ، واسْتِئْلافُهم إمّا كانَ لِتُجْلَبَ إلى الإسْلامِ مَنفَعَةٌ أو تُدْفَعَ عنهُ مَضَرَّةٌ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، والشَعْبِيُّ، وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: انْقَطَعَ هَذا الصِنْفُ بِعِزَّةِ الإسْلامِ وظُهُورِهِ، وهَذا مَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، قالَ عَبْدُ الوَهّابِ: إنِ احْتِيجَ إلَيْهِمْ في بَعْضِ الأوقاتِ أُعْطُوا مِنَ الصَدَقَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ عِنْدِي- إنَّما هو لِمُعَيَّنِينَ، فَإنَّهُ قالَ لِأبِي سُفْيانَ حِينَ أرادَ أخْذَ عَطائِهِ القَدِيمِ: "إنَّما تَأْخُذُ كَرَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَإنَّ اللهَ قَدْ أغْنى عنكَ وعن ضُرَبائِكَ"، يُرِيدُ: في الِاسْتِئْلافِ، وأمّا أنْ يُنْكِرَ عُمَرُ الِاسْتِئْلافَ جُمْلَةً وفي ثُغُورِ الإسْلامِ فَبَعِيدٌ، وقالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم مَوْجُودُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإذا تُأُمِّلَتِ الثُغُورُ وُجِدَ فِيها الحاجَةُ إلى الِاسْتِئْلافِ.
وقالَ الزُهْرِيُّ: المُؤَلَّفَةُ: مَن أسْلَمَ مِن يَهُودِيٍّ أو نَصْرانِيٍّ وإنْ كانَ غَنِيًّا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ: لِتُبْسَطَ نَفْسُهُ ويُحَبَّبَ دِينُ الإسْلامِ إلَيْهِ.
وأمّا الرِقابُ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومالِكٌ، وغَيْرُهُمْ: هو ابْتِداءُ العِتْقِ وعَوْنُ المُكاتِبِ بِما يَأْتِي عَلى حُرِّيَّتِهِ، واخْتُلِفَ هَلْ يُعانُ بِها المُكاتَبُ في أثْناءِ نُجُومِهِ بِالمَنعِ والإباحَةِ، واخْتُلِفَ عَلى القَوْلِ بِإباحَةِ ذَلِكَ إنْ عَجَزَ، فَقِيلَ: يَرُدُّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ السَيِّدِ، وقِيلَ: يُمْضى؛ لِأنَّهُ كانَ يَوْمَ دَفْعِهِ بِوَجْهٍ مُتَرَتِّبٍ، وقالَ الشافِعِيُّ: مَعْنى ﴿ وَفِي الرِقابِ ﴾ : في المُكاتِبِينَ، ولا يُبْتَدَأُ مِنها عِتْقُ عَبْدٍ، وقالَهُ اللَيْثُ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الأصْنافَ إنَّما تُعْطى إمّا لِمَنفَعَةِ المُسْلِمِينَ أو لِحاجَةٍ في أنْفُسِها، والعَبْدُ لَيْسَ لَهُ واحِدَةٌ مِن هاتَيْنِ العِلَّتَيْنِ، والمُكاتِبُ قَدْ صارَ مِن ذَوِي الحاجَةِ، وقالَ الزُهْرِيُّ: سَهْمُ الرِقابِ نِصْفانِ، نِصْفٌ لِلْمُكاتَبِينَ، ونِصْفٌ يُعْتَقُ مِنهُ رِقابٌ مُسْلِمُونَ مِمَّنْ صَلّى، ويُفْدى مِنهُ أُسارى المُسْلِمِينَ ومَنَعَ ذَلِكَ غَيْرُهُ.
وأمّا الغارِمُ فَهو رَجُلٌ يَرْكَبُهُ دَيْنٌ في غَيْرِ مَعْصِيَةٍ ولا سَفَهٍ، قالَ العُلَماءُ: فَهَذا يُؤَدّى عنهُ دَيْنُهُ وإنْ كانَتْ لَهُ عُرُوضٌ تُقِيمُ رَمَقَهُ وتَكْفِي عِيالَهُ، وكَذَلِكَ الرَجُلُ يَتَحَمَّلُ بِحِمالَةٍ فِي دِياتٍ أو إصْلاحٍ بَيْنَ القَبائِلِ، ونَحْوُ هَذا، وهو أحَدُ الخَمْسَةِ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ : « "لا تَحِلُّ الصَدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلّا لِخَمْسَةٍ، لِعامِلٍ عَلَيْها، أو غازٍ في سَبِيلِ اللهِ، أو رَجُلٍ تَحَمَّلَ بِحِمالَةٍ، أو مَن أُهْدِيَتْ لَهُ، أو مَنِ اشْتَراها بِمالِهِ"».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ سَقَطَ المُؤَلَّفَةُ مِن هَذا الحَدِيثِ، ولا يُؤَدّى مِنَ الصَدَقَةِ دَيْنُ مَيِّتٍ، ولا يُعْطى مِنها مَن عَلَيْهِ كَفارَّةٌ ونَحْوُ ذَلِكَ مِن حُقُوقِ اللهِ، وإنَّما الغارِمُ مَن عَلَيْهِ دَيْنٌ يُسْجَنُ فِيهِ، وقَدْ قِيلَ في مَذْهَبِنا وغَيْرِهِ: يُؤَدّى دَيْنُ المَيِّتِ مِنَ الصَدَقاتِ، قالَهُ أبُو ثَوْرٍ.
وأمّا في سَبِيلِ اللهِ فَهو المُجاهِدُ، يَجُوزُ أنْ يَأْخُذَ مِنَ الصَدَقَةِ لِيُنْفِقَها في غَزْوِهِ وإنْ كانَ غَنِيًّا، قالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ولا يُعْطى مِنها الحاجُّ إلّا أنْ يَكُونَ فَقِيرًا فَيُعْطى لِفَقْرِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ: يُعْطى مِنها الحاجُّ وإنْ كانَ غَنِيًّا، والحَجُّ سَبِيلُ اللهِ، ولا يُعْطى مِنها في بِناءِ مَسْجِدٍ ولا قَنْطَرَةٍ ولا شِراءِ مُصْحَفٍ ونَحْوِ هَذا.
وأمّا ابْنُ السَبِيلِ فَهو الرَجُلُ في الغُرْبَةِ والسَفَرِ يُعْدِمُ، فَإنَّهُ يُعْطى مِنَ الزَكاةِ وإنْ كانَ غَنِيًّا في بَلَدِهِ، وسُمِّي المُسافِرُ ابْنَ السَبِيلِ لِمُلازَمَتِهِ السَبِيلِ، كَما يُقالُ لِلطّائِرِ: "ابْنُ ماءٍ" لِمُلازَمَتِهِ لَهُ، ومِنهُ عِنْدِي قَوْلُهُمُ: "ابْنُ جَلا"، وقَدْ قِيلَ فِيهِ غَيْرُ هَذا، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "بَنُو الحَرْبِ وبَنُو المَجْدِ".
ولا يُعْطى بَنُو هاشِمٍ مِنَ الصَدَقَةِ المَفْرُوضَةِ، قالَ ابْنُ الماجِشُونَ، ومُطَرِّفٌ، وأصْبَغُ، وابْنُ حَبِيبٍ: ولا مِنَ التَطَوُّعِ، ولا يُعْطى مُوالِيهِمْ لِأنَّ مَوْلى القَوْمِ مِنهُمْ، وقالَ ابْنُ القاسِمِ: يُعْطى بَنُو هاشِمٍ مِن صَدَقَةِ التَطَوُّعِ ويُعْطى مُوالِيهِمْ مِنَ الصَدَقَتَيْنِ، ومَن سَألَ مِنَ الصَدَقَةِ وقالَ إنَّهُ فَقِيرٌ؟
فَقالَتْ فِرْقَةٌ: يُعْطى دُونَ أنْ يُكَلَّفَ بَيِّنَةً عَلى فَقْرِهِ، بِخِلافِ حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ يَدَّعِي مَعَها الفَقِيرُ فَإنَّهُ يُكَلَّفُ البَيِّنَةَ لِأنَّها حُقُوقُ الناسِ يُؤْخَذُ لَها بِالأحْوَطِ، وأيْضًا فالناسُ إذا تَعَلَّقَتْ بِهِمْ حُقُوقٌ لِآدَمِيِّينَ مَحْمُولُونَ عَلى الغِنى حَتّى يَثْبُتَ العَدَمُ، ويَظْهَرُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ ﴾ ، أيْ إنْ وقَعَ فَيُعْطِي هَذا أنَّ الأصْلَ الغِنى، فَإنْ وقَعَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الرَجُلُ الصَحِيحُ الَّذِي لا يُعْلَمُ فَقْرُهُ لا يُعْطى إلّا أنْ يُعْلَمَ فَقْرُهُ، وأمّا إنِ ادَّعى أنَّهُ غارِمٌ أو مُكاتِبٌ أوِ ابْنُ سَبِيلٍ أو في سَبِيلِ اللهِ أو نَحْوُ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يُعْلَمْ مِنهُ فَلا يُعْطى إلّا بِبَيِّنَةٍ قَوْلًا واحِدًا، وقَدْ قِيلَ في الغارِمِ: تُباعُ عُرُوضُهُ وجَمِيعُ ما يَمْلِكُ ثُمَّ يُعْطى بِالفَقْرِ، ويُعْطِي الرَجُلُ قَرابَتَهُ الفُقَراءَ، وهم أحَقُّ مِن غَيْرِهِمْ، فَإنْ كانَ قَرِيبُهُ غائِبًا في مَوْضِعٍ تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَلاةُ فَجارُهُ الفَقِيرُ أُولى، وإنْ كانَ في غَيْبَةٍ لا تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَلاةُ، فَقِيلَ: هو أولى مِنَ الجارِ الفَقِيرِ، وقِيلَ: الجارُ أولى، ويُعْطِي الرَجُلُ قَرابَتَهُ الَّذِينَ لا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ، وتُعْطِي المَرْأةُ زَوْجَها، وقالَ بَعْضُ الناسِ: ما لَمْ يُنْفِقْ ذَلِكَ عَلَيْها، ويُعْطِي الرَجُلُ زَوْجْتَهُ إذا كانَتْ مِنَ الغارِمِينَ، واخْتَلَفَ في ولاءِ الَّذِي يُعْتَقُ مِنَ الصَدَقَةِ، فَقالَ مالِكٌ: ولاؤُهُ لِجَماعَةِ المُسْلِمِينَ، وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: ولاؤُهُ لِلْمُعْتِقِ، وقالَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الحَسَنِ: يُجْعَلُ مالُهُ في بَيْتِ الصَدَقاتِ، وقالَ الحَسَنُ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ: ويُعْتَقُ مِن مالِهِ رِقابٌ، وإذا كانَ لِرَجُلٍ عَلى مُعْسِرٍ دِينٌ، فَقِيلَ: يَتْرُكُهُ لَهُ ويَقْطَعُ ذَلِكَ مِن صَدَقَتِهِ، وقِيلَ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ جُمْلَةً، وقِيلَ: إنْ كانَ مِمَّنْ لَوْ رَفَعَهُ لِلْحاكِمِ أمْكَنَ أنْ يُؤَدِّيَهُ جازَ ذَلِكَ، وإلّا لَمْ يَجُزْ لِأنَّهُ قَدْ تُوُفِّيَ.
وأمّا السَبِيلُ فَهو الَّذِي قَدَّمْنا ذِكْرَهُ، يُعْطى الرَجُلُ الغازِي وإنْ كانَ غَنِيًّا، وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ: لا يُعْطى الغازِي في سَبِيلِ اللهِ إلّا أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا بِهِ، قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وهَذا خِلافُ ظاهِرِ القُرْآنِ وحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللهِ ﴾ ، وأمّا الحَدِيثُ فَقَوْلُهُ: « "إلّا لِخَمْسَةٍ، لِعامِلٍ عَلَيْها، أو غازٍ في سَبِيلِ اللهِ"»، وأمّا صُورَةُ التَفْرِيقِ فَقالَ مالِكٌ وغَيْرُهُ: عَلى قَدْرِ الحاجَةِ ونَظَرِ الإمامِ، يَضَعُها في أيِّ صِنْفٍ رَأى، وكَذَلِكَ المُتَصَدِّقُ، وقالَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وإبْراهِيمُ، وأبُو العالِيَةِ.
قالَ الطَبَرِيُّ: وقالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: إذا قَسَّمَ المُتَصَدِّقُ قَسَّمَ في سِتَّةِ أصْنافٍ، لِأنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ عامِلٌ، ولِأنَّ المُؤَلِّفَةَ قَدِ انْقَطَعُوا، فَإنَّ قَسَّمَ الإمامُ فَفي سَبْعَةِ أصْنافٍ، وقالَ الشافِعِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والزُهْرِيُّ: هي ثَمانِيَةُ أقْسامٍ لِثَمانِيَةِ أصْنافٍ لا يُخَلُّ بِواحِدٍ مِنها، واحْتَجَّ الشافِعِيُّ، بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ لِلرَّجُلِ الَّذِي سَألَهُ: « "إنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يَرْضَ في الصَدَقاتِ بِقَسْمِ نَبِيٍّ ولا غَيْرِهِ حَتّى قَسَمَها بِنَفْسِهِ فَجَعَلَها ثَمانِيَةَ أقْسامٍ لِثَمانِيَةِ أصْنافٍ، فَإنْ كُنْتَ واحِدًا مِنها أعْطَيْتُكَ"».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والحَدِيثُ في مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ، وقالَ أبُو ثَوْرٍ: إذا قَسَّمَها الإمامُ لَمْ يُخِلَّ بِصِنْفٍ مِنها، وإنْ أعْطى الرَجُلُ صَدَقَتَهُ صِنْفًا دُونَ صِنْفٍ أجَزَأهُ ذَلِكَ.
وقالَ النَخْعِيُّ: إذا كانَ المالُ كَثِيرًا قُسِّمَ عَلى الأصْنافِ كُلِّها، وإذا كانَ قَلِيلًا أعْطاهُ صِنْفًا واحِدًا، وقالَتْ فَرِقَةٌ مِنَ العُلَماءِ: مَن لَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا فَلا يُعْطى مِنَ الزَكاةِ، وقالَ الحَسَنُ، وأبُو عُبَيْدٍ: لا يُعْطى مَن لَهُ أُوقِيَّةٌ وهي أرْبَعُونَ دِرْهَمًا، قالَ الحَسَنُ: وهو غَنِيٌّ.
وقالَ الشافِعِيُّ: قَدْ يَكُونُ الرَجُلُ الَّذِي لا قَدْرَ لَهُ غَنِيًّا بِالدِرْهَمِ مَعَ سَعْيِهِ وتَحَيُّلِهِ، وقَدْ يَكُونُ الرَجُلُ لَهُ القَدْرُ والعِيالُ ضَعِيفَ النَفْسِ والحِيلَةِ فَلا تُغْنِيهِ آلافٌ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَأْخُذُ الصَدَقَةَ مِن لَهُ مِائَتا دِرْهَمٍ، ومَن كانَ لَهُ أقَلُّ فَلا بَأْسَ أنْ يَأْخُذَ.
قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: لا يُدْفَعُ إلى أحَدٍ مِنَ الزَكاةِ أكْثَرُ مِن خَمْسِينَ دِرْهَمًا إلّا أنْ يَكُونَ غارِمًا، وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ: إنْ أُعْطِيَ ألْفًا وهو مُحْتاجٌ أجَزَأ ذَلِكَ، وقالَ أبُو ثَوْرٍ: يُعْطى مِنَ الصَدَقَةِ حَتّى يَغْنى ويَزُولَ عنهُ اسْمُ المَسْكَنَةِ، ولا بَأْسَ أنْ يُعْطى الفَقِيرُ الألْفَ وأكْثَرَ مِن ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أكْثَرُ مَن يُحْفَظُ عنهُ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ لِمَن لَهُ دارٌ وخادِمٌ لا يَسْتَغْنِي عنهُما أنْ يَأْخُذَ مِنَ الزَكاةِ، ولِلْمُعْطِي أنْ يُعْطِيَهُ، وقالَ مالِكٌ: إنْ لَمْ يَكُنْ في ثَمَنِ الدارِ أوِ الخادِمِ فَضْلَةٌ عَمَّنْ يَحْتاجُ إلَيْهِ مِنهُما جازَ لَهُ الأخْذُ، وإلّا لَمْ يَجُزْ، وأمّا الرَجُلُ يُعْطِي الآخَرَ يَظُنُّهُ فَقِيرًا فَإذا هو غَنِيٌّ، فَإنَّهُ إنْ كانَ تَعُودُ ذَلِكَ أخَذَها مِنهُ، فَإنْ فاتَتْ نُظِرَ، فَإنْ كانَ الآخِذُ غَنِيًّا وأخَذَها مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّها لا تَحِلُّ لَهُ ضَمِنَها عَلى كُلِّ وجْهٍ، وإنْ كانَ لَمْ يُغَرْ بَلِ اعْتَقَدَ أنَّها تَجُوزُ لَهُ، أو لَمْ يَتَحَقَّقْ مَقْصِدَ المُعْطِي نُظِرَ، فَإنْ كانَ لَبِسَها أو أكَلَها ضَمِنَها، وإنْ كانَتْ تَلْفِتُ لَمْ يَضْمَن.
واخْتُلِفَ في إجْزائِها عَنِ المُتَصَدِّقِ فَقالَ الحَسَنُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: تَجْزِيهِ، وقالَ الثَوْرِيُّ، وغَيْرُهُ: لا تَجْزِيهِ، وأهْلُ بَلَدِ الصَدَقَةِ أحَقُّ بِها إلّا أنْ تَفْضُلَ فَضْلَةٌ فَتُنْقَلُ إلى غَيْرِها بِحَسَبِ نَظَرِ الإمامِ، قالَ ابْنُ حَبِيبٍ في "الواضِحَةِ": أمّا المُؤَلَّفَةُ فانْقَطَعَ سَهْمُهُمْ، وأمّا سَبِيلُ اللهِ فَلا بَأْسَ أنْ يُعْطِيَ الإمامُ الغُزاةَ إذا قَلَّ الفَيْءُ في بَيْتِ المالِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الشَرْطُ فِيهِ نَظَرٌ، قالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ويَنْبَغِي لِلْإمامِ أنْ يَأْمُرَ السُعاةَ بِتَفْرِيقِها بِالمَواضِعِ الَّتِي جُبِيَتْ مِنها، ولا يُحْمَلُ مِنها شَيْءٌ إلى الإمامِ إلّا أنْ يَرى ذَلِكَ لِحاجَةٍ أو فاقَةٍ نَزَلَتْ بِقَوْمٍ، قالَهُ مالِكٌ.
ومَن لَهُ مَزْرَعَةٌ أو شَيْءٌ في ثَمَنِهِ إذا باعَهُ ما يُغْنِيهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أخْذُ الصَدَقَةِ.
وهَذِهِ جُمْلَةٌ مِن فِقْهِ الآيَةِ كافِيَةٌ عَلى شَرْطِنا في الإيجازِ، واللهُ المُوَفِّقِ بِرَحْمَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ ﴾ أيْ مُوجَبَةً مَحْدُودَةً، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الفَرْضِ في الشَيْءِ بِمَعْنى الحَزِّ والقَطْعِ لِثُبُوتِ ذَلِكَ ودَوامِهِ شِبْهُ ما يُفْرَضُ مِنَ الأحْكامِ، ونَصْبُ "فَرِيضَةً" عَلى المَصْدَرِ، ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِصِفَتَيْنِ مُناسِبَتَيْنِ لِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ صَدَرَ عن عِلْمٍ مِنهُ بِخَلْقِهِ، وحِكْمَةٍ مِنهُ في القِسْمَةِ بَيْنَهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ قُلْ أُذُنٌ خَيْرٍ لَكم يُؤْمِنُ بِاللهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكم لِيُرْضُوكم واللهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَمِنهُمْ" عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ، و"يُؤْذُونَ" لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ ويَقُولُونَهُ في جِهَةِ رَسُولِ اللهِ مِنَ الأذى، وخَصَّ -بَعْدَ ذَلِكَ- مِن قَوْلِهِمْ: "هُوَ أُذُنٌ"، ورُوِيَ أنَّ قائِلَ هَذِهِ اللَفْظَةِ نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ وكانَ مِن مَرَدَةِ المُنافِقِينَ، وهو الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ : « "مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى الشَيْطانِ فَلْيَنْظُرْ إلى نَبْتَلَ بْنِ الحارِثِ» "، وكانَ ثائِرَ الرَأْسِ، مُنْتَفِشَ الشَعْرَةِ، أحْمَرَ العَيْنَيْنِ، أسْفَعَ الخَدَّيْنِ، مُشَوَّهًا.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ، ومُجاهِدٍ أنَّهُما تَأوَّلا أنَّهم أرادُوا بِقَوْلِهِمْ: "هُوَ أُذُنٌ" أنَّهُ يَسْمَعُ مِنّا مَعاذِيرَنا وتَنَصُّلَنا ويَقْبَلُهُ، أيْ: فَنَحْنُ لا نُبالِي عن أذاهُ، ولا الوُقُوعِ فِيهِ إذْ هو سَمّاعٌ لِكُلِّ ما يُقالُ مِنِ اعْتِذارٍ ونَحْوِهِ، فَهَذا تَنَقُّصٌ بِقِلَّةِ الحَزامَةِ والِانْخِداعِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وجَماعَةٍ مَعَهُ أنَّهم أرادُوا بِقَوْلِهِمْ: "هُوَ أُذُنٌ" أنَّهُ يَسْمَعُ كُلَّ ما يُنْقَلُ إلَيْهِ عَنّا ويُصْغِي إلَيْهِ ويَقْبَلُهُ، فَهَذا تَشَكُّكٌ مِنهُ ووَصْفٌ بِأنَّهُ تَسُوغُ عِنْدَهُ الأباطِيلُ والنَمائِمُ.
ومَعْنى "أُذُنٌ" سَمّاعٌ، ويُسَمّى الرَجُلُ السَمّاعُ لِكُلِّ قَوْلٍ أُذُنًا إذا كَثُرَ مِنهُ اسْتِعْمالُ الأُذُنِ، فَهَذِهِ تَسْمِيَةُ الشَيْءِ بِالشَيْءِ إذا كانَ مِنهُ بِسَبَبٍ، كَما يُقالُ لِلرَّبِيئَةِ: عَيْنٌ، وكَما يُقالُ لِلسَّمِينَةِ مِنَ الإبِلِ الَّتِي قَدْ بَزَلَ نابُها: نابَ، وقِيلَ: مَعْنى الكَلامِ: ذُو أُذُنٍ، أيْ: ذُو سَماعٍ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "أُذُنٌ" مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِهِمْ: "أذِنَ لِلشَّيْءِ" إذا اسْتَمَعَ، كَما قالَ الشاعِرُ وهو عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ: أيُّها القَلْبُ تَعَلَّلْ بِدَدَنْ ∗∗∗ إنَّ هَمِّي في سَماعِ وأذَنْ وفِي التَنْزِيلِ: ﴿ وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ ﴾ ، ومِن هَذا قَوْلُ النَبِيِّ : « "ما أذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ كَإذْنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ"،» ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: في سَماعٍ يَأْذَنُ الشَيْخُ لَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ وحَدِيثٍ مِثْلَ ماذِيٍّ مُشارِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا وقَرَأ نافِعٌ "أُذْنٌ" بِسُكُونِ الذالِ فِيهِما، وقَرَأ الباقُونَ: "أُذُنٌ" بِضَمِّ الذالِ فِيهِما، وكُلُّهم قَرَأ بِالإضافَةِ إلى "خَيْرٍ" إلّا ما رُوِيَ عن عاصِمٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، ومُجاهِدٌ، وعِيسى بِخِلافٍ- "أُذُنٌ خَيْرٌ" بِرَفْعِ "خَيْرٌ" وتَنْوِينِ "أُذُنٌ"، وهَذا يَجْرِي مَعَ تَأْوِيلِ الحَسَنِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، أيْ: مَن يَقْبَلُ مَعاذِيرَكم خَيْرٌ لَكُمْ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عن عاصِمٍ، ومَعْنى "أُذُنُ خَيْرٍ" عَلى الإضافَةِ، أيْ سَمّاعُ خَيْرٍ وحَقٍّ.
و ﴿ يُؤْمِنُ بِاللهِ ﴾ مَعْناهُ: يُصَدِّقُ بِاللهِ، و( يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ) قِيلَ: مَعْناهُ: ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ، واللامُ زائِدَةٌ كَما هي في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ رَدِفَ لَكُمْ ﴾ ، وقالَ المُبَرِّدُ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ مِنَ الفِعْلِ كَأنَّهُ قالَ: وإيمانُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ تَصْدِيقُهُ، ويُقالُ: "آمَنتُ لَكَ" بِمَعْنى صَدَّقْتُكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعِنْدِي أنَّ هَذِهِ الَّتِي مَعَها اللامُ في ضِمْنِها باءٌ، فالمَعْنى: ويُصَدِّقُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِما يُخْبِرُونَهُ بِهِ، وكَذَلِكَ: وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا بِما نَقُولُهُ لَكَ، واللهُ المُسْتَعانَ.
وقَرَأ جَمِيعُ السَبْعَةِ إلّا حَمْزَةَ: "وَرَحْمَةٌ" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى "أُذُنٌ"، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "وَرَحْمَةٍ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "خَيْرٍ"، وهي قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَبْدِ اللهِ، والأعْمَشِ، وخَصَّصَ الرَحْمَةَ لِلَّذِينَ آمَنُوا إذْ هُمُ الَّذِينَ نَجَوْا بِالرَسُولِ وفازُوا بِهِ، ثُمَّ أوجَبَ تَبارَكَ وتَعالى لِلَّذِينِ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ العَذابَ الألِيمَ وحَتَّمَ عَلَيْهِمْ بِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ ﴾ الآيَةُ، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُرادَ بِها جَمِيعُ المُنافِقِينَ الَّذِينَ يَحْلِفُونَ لِرَسُولِ اللهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّهم مِنهم في الدِينِ، وأنَّهم مَعَهم في كُلِّ أمْرٍ وكُلِّ حِزْبٍ، وهم في ذَلِكَ يُبْطِنُونَ النِفاقَ ويَتَرَبَّصُونَ الدَوائِرَ، وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ، وقَدْ رَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: « "إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَأنا شَرٌّ مِنَ الحُمُرِ"، فَبَلَغَ قَوْلُهُ رَسُولَ اللهِ فَدَعاهُ ووَقَفَ عَلى قَوْلِهِ ووَبَّخَهُ، فَحَلَفَ مُجْتَهِدًا أنَّهُ ما فَعَلَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ،» وقَوْلُهُ: "واللهُ".
مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُما جُمْلَتانِ حُذِفَتِ الأُولى لِدَلالَةِ الثانِيَةِ عَلَيْها، والتَقْدِيرُ عِنْدَهُ: واللهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ، ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ، وهَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ: نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْـ ∗∗∗ ∗∗∗ دَكَ راضٍ والرَأْيُ مُخْتَلِفٌ وَمَذْهَبُ المُبَرِّدِ أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، وتَقْدِيرُهُ: واللهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ، ورَسُولُهُ، قالَ: وكانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُجْمَعَ الرَسُولُ مَعَ اللهِ في ضَمِيرٍ، حَكاهُ النَقّاشُ عنهُ، ولَيْسَ هَذا بِشَيْءٍ، وفي مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ «أنَّ النَبِيَّ قالَ: "مَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، ومَن يَعْصِهِما فَقَدْ غَوى"» فَجَمَعَ في ضَمِيرٍ، وقَوْلُهُ في الحَدِيثِ الآخَرِ: « "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ"» إنَّما ذَلِكَ وقَفَ عَلى "وَمَن يَعْصِهِما" فَأدْخَلَ العاصِيَ في الرَشَدِ، وقِيلَ: الضَمِيرُ في "يُرْضُوهُ" عائِدٌ عَلى المَذْكُورِ كَما قالَ رُؤْبَةُ:.
فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ ∗∗∗ ∗∗∗ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: عَلى قَوْلِهِمْ ودَعْواهم.
وقَوْلُهُ: ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا ﴾ الآيَةُ، قَوْلُهُ: "ألَمْ" تَقْرِيرٌ ووَعِيدٌ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "ألَمْ تَعْلَمْ" عَلى خِطابِ النَبِيِّ ، وهو وعِيدٌ لَهُمْ، وقَرَأ الأعْرَجُ، والحَسَنُ: "ألَمْ تَعْلَمُوا" بِالتاءِ، و"يُحادِدْ" مَعْناهُ: يُخالِفُ ويُشاقُّ، وهو أنْ يُعْطِيَ هَذا حَدَّهُ لِهَذا وهَذا حَدَّهُ لِهَذا، وقالَ الزَجّاجُ: هو أنْ يَكُونَ هَذا في حَدٍّ وهَذا في حَدٍّ.
وقَوْلُهُ: "فَأنَّ" مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها بَدَلٌ مِنَ الأولى، وهَذا مُعْتَرَضٌ بِأنَّ الشَيْءَ لا يُبْدَلُ مِنهُ حَتّى يُسْتَوْفى، والأُولى في هَذا المَوْضِعِ لَمْ يَأْتِ خَبَرُها بَعْدَ إذْ لَمْ يَتِمَّ جَوابُ الشَرْطِ، وتِلْكَ الجُمْلَةُ هي الخَبَرُ، وأيْضًا فَإنَّ الفاءَ تُمانِعُ البَدَلَ، وأيْضًا فَهي في مَعْنًى آخَرَ غَيْرِ الأوَّلِ فَيُقْلِقُ البَدَلُ، وإذا تُلُطِّفَ لِلْبَدَلِ فَهو بَدَلُ الِاشْتِمالِ، وقالَ غَيْرُ سِيبَوَيْهِ: هي مُجَرَّدَةٌ لِتَأْكِيدِ الأُولى، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ النُحاةِ: هي في مَوْضِعِ خَبَرِ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: "فَواجِبٌ أنَّ لَهُ"، وقِيلَ: المَعْنى: "فَلَهُ أنَّ لَهُ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي ابْتِداءٌ والخَبَرُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ واجِبٌ"، وهَذا مَرْدُودٌ لِأنَّ الِابْتِداءَ بِـ "أنَّ" لا يَجُوزُ مَعَ إضْمارِ الخَبَرِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، وحُكِيَ عن أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ قَوْلٌ يَقْرُبُ مَعْناهُ مِن مَعْنى القَوْلِ الثالِثِ مِن هَذِهِ الَّتِي ذَكَرْنا لا أقِفُ الآنَ عَلى لَفْظِهِ، وجَمِيعُ القُرّاءِ عَلى فَتْحِ "أنَّ" الثانِيَةِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ نَحْوِيِّي البَصْرَةِ أنَّهُ اخْتارَ في قِراءَتِها كَسْرَ الألِفِ، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدانِي أنَّها قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ، ووَجْهُهُ في العَرَبِيَّةِ قَوِيٌّ لِأنَّ الفاءَ تَقْتَضِي القَطْعَ والِاسْتِئْنافَ، ولِأنَّهُ يَصْلُحُ في مَوْضِعِها الِاسْمُ ويَصْلُحُ الفِعْلُ، وإذا كانَتْ كَذَلِكَ وجَبَ كَسْرُها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ ﴾ ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أبِاللهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ﴿ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم إنْ نَعْفُ عن طائِفَةٍ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةٍ بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى:" يَحْذَرُ" خَبْرٌ عن حالِ قُلُوبِهِمْ، وحَذَرُهم إنَّما هو أنْ تُتْلى سُورَةٌ، ومُعْتَقَدُهم -هَلْ تَنْزِلُ أمْ لا- لَيْسَ بِنَصٍّ في الآيَةِ لَكِنَّهُ ظاهِرٌ، فَإنْ حُمِلَ عَلى مُقْتَضى نِفاقِهِمْ واعْتِقادِهِمْ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللهِ فَوَجْهٌ بَيِّنٌ، وإنْ قِيلَ: إنَّهم يَعْتَقِدُونَ نُزُولَ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ وهم يُنافِقُونَ مَعَ ذَلِكَ فَهَذا كُفْرٌ وعِنادٌ.
وقالَ الزَجّاجُ وبَعْضُ مِن ذَهَبَ إلى التَحَرُّزِ مِن هَذا الِاحْتِمالِ: مَعْنى "يَحْذَرُ": الأمْرُ وإنْ كانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الخَبَرِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: "لِيَحْذَرْ".
وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو وجَماعَةٌ مَعَهُ: "أنْ تَنْزِلَ"، ساكِنَةَ النُونِ خَفِيفَةَ الزايِ، وقَرَأ بِفَتْحِ النُونِ مُشَدَّدَةَ الزايِ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ، وعِيسى: و"أنْ" مِن قَوْلِهِ: "أنْ تُنَزَّلَ" مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ "يَحْذَرُ" عامِلٌ فَهي مَفْعُولُهُ، وقالَ غَيْرُهُ: "حَذِرَ" إنَّما هي مِن هَيْئاتِ النَفْسِ الَّتِي لا تَتَعَدّى، مِثْلُ "فَزِعَ"، وإنَّما التَقْدِيرُ: "يَحْذَرُ المُنافِقُونَ مِن أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْتَهْزِئُوا ﴾ لَفْظُهُ الأمْرُ ومَعْناهُ التَهْدِيدُ، ثُمَّ ابْتَدَأ الإخْبارَ عن أنَّهُ يَخْرُجُ لَهم إلى حَيِّزِ الوُجُودِ ما يَحْذَرُونَهُ، وفَعَلَ ذَلِكَ تَبارَكَ وتَعالى في سُورَةِ التَوْبَةِ فَهي تُسَمّى الفاضِحَةَ؛ لِأنَّها فَضَحَتِ المُنافِقِينَ.
وقالَ الطَبَرِيُّ: «كانَ المُنافِقُونَ إذا عابُوا رَسُولَ اللهِ وذَكَرُوا شَيْئًا مِن أمْرِهِ قالُوا: "لَعَلَّ اللهَ لا يُفْشِي سِرَّنا"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَقْتَضِي كُفْرَ العِنادِ الَّذِي قُلْناهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ ﴾ الآيَةُ، نَزَلَتْ -عَلى ما ذَكَرَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ- في ودِيعَةَ بْنِ ثابِتٍ، وذَلِكَ أنَّهُ مَعَ قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَسِيرُونَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: هَذا يُرِيدُ أنْ يَفْتَحَ قُصُورَ الشامِ ويَأْخُذَ حُصُونَ بَنِي الأصْفَرِ، هَيْهاتَ هَيْهاتَ.
فَوَقَفَهم رَسُولُ اللهِ عَلى ذَلِكَ، وقالَ لَهُمْ: قُلْتُمْ كَذا وكَذا، فَقالُوا: "إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ"، يُرِيدُونَ: كُنّا غَيْرَ مُجِدِّينَ، وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ «أنَّ قَوْمًا مِنهم تَقَدَّمُوا النَبِيَّ ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كَأنَّكم واللهِ غَدًا في الحِبالِ أسْرى لِبَنِي الأصْفَرِ، إلى نَحْوِ هَذا مِنَ القَوْلِ، فَقالَ النَبِيُّ : "أدْرِكِ القَوْمَ فَقَدِ احْتَرَقُوا، وأخْبِرْهم بِما قالُوا"، ونَزَلَتِ الآيَةُ.» ورُوِيَ أنَّ ودِيعَةَ بْنَ ثابِتٍ المَذْكُورَ قالَ في جَماعَةٍ مِنَ المُنافِقِينَ: ما رَأيْتُ كَقُرّائِنا هَؤُلاءِ، لا أرْغَبُ بُطُونًا ولا أكْثَرُ كَذِبًا ولا أجْبَنُ عِنْدَ اللِقاءِ، فَعَنَّفَهم رَسُولُ اللهِ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ فَقالُوا: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، ثُمَّ أمَرَهُ بِتَقْرِيرِهِمْ: ﴿ أبِاللهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾ وفي ضِمْنِ هَذا التَقْرِيرِ وعِيدٌ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ «عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ قائِلَ هَذِهِ المَقالَةِ ودِيعَةَ مُتَعَلِّقًا بِحَقَبِ ناقَةِ رَسُولِ اللهِ يُماشِيها تَنْكُبُهُ وهو يَقُولُ: "إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ"، والنَبِيُّ يَقُولُ: ﴿ أبِاللهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ؟»، وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ هَذا المُتَعَلِّقَ كانَ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، وذَلِكَ خَطَأٌ لِأنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ تَبُوكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَعْتَذِرُوا ﴾ الآيَةُ، المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: "لا تَعْتَذِرُوا" عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، كَأنَّهُ قالَ: لا تَفْعَلُوا ما لا يَنْفَعُ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ فَقالَ: قُلْ لَهُمْ: ﴿ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ ﴾ الَّذِي زَعَمْتُمُوهُ ونَطَقْتُمْ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ عن طائِفَةٍ مِنكُمْ ﴾ يُرِيدُ -فِيما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ- رَجُلًا واحِدًا، قِيلَ اسْمُهُ مِخْشَنُ بْنُ حُمَيِّرٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ هِشامٍ، ومُقاتِلٌ: مَخْشِيُّ، وقالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيّاطٍ في تارِيخِهِ: مُخاشِنُ بْنُ حُمَيِّرٍ، وذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: مُخاشِنُ الحِمْيَرِيُّ، وذَكَرَ جَمِيعُهم أنَّهُ اسْتُشْهِدَ بِاليَمامَةِ، وكانَ قَدْ تابَ وتَسَمّى عَبْدَ الرَحْمَنِ، فَدَعا اللهَ أنْ يُسْتَشْهَدَ، ويُجْهَلَ أمْرُهُ فَكانَ ذَلِكَ بِاليَمامَةِ، ولَمْ يُوجَدْ جَسَدُهُ، وذَكَرَ أيْضًا ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: مَخْشِيُّ بْنُ حُمَيْرٍ بِضَمِّ الحاءِ وفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الياءِ، ولَمْ يُتْقِنِ القِصَّةَ.
وكانَ مَخْشِيٌّ مَعَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ قالُوا: "إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ"، فَقِيلَ: كانَ مُنافِقًا ثُمَّ تابَ تَوْبَةً صَحِيحَةً، وقِيلَ: كانَ مُسْلِمًا مُخْلِصًا إلّا أنَّهُ سَمِعَ كَلامَ المُنافِقِينَ فَضَحِكَ لَهم ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ، فَعَفا اللهُ عنهُ في كِلا الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ أوجَبَ العَذابَ لِباقِي المُنافِقِينَ الَّذِينَ قالُوا ما تَقَدَّمَ.
وَقَرَأ جَمِيعُ السَبْعَةِ سِوى عاصِمٍ: "إنْ يُعْفَ عن طائِفَةٍ" بِالياءِ "تُعَذَّبْ" بِالتاءِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "إنْ يَعْفُ" بِالياءِ المَفْتُوحَةِ عَلى تَقْدِيرِ: إنْ يَعْفُ اللهُ، "يُعَذِّبْ" اللهُ، "طائِفَةً" بِالنَصْبِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "إنْ نَعْفُ" بِالنُونِ "نُعَذِّبْ" بِنُونِ الجَمِيعِ أيْضًا، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "إنْ تُعْفَ" بِالتاءِ المَضْمُومَةِ عَلى تَقْدِيرِ: إنْ تُعْفَ هَذِهِ الذُنُوبُ "تُعَذَّبْ" بِالتاءِ أيْضًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهم نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهم إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ ﴿ وَعَدَ اللهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هي حَسْبُهم ولَعَنَهُمُ اللهُ ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ ﴾ ﴿ كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالا وأولادًا فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ هَذا ابْتِداءُ إخْبارٍ عنهم وحُكْمٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ.
فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ ﴾ يُرِيدُ: في الحُكْمِ والمَنزِلَةِ مِنَ الكُفْرِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِمُ: "الأُذُنانِ مِنَ الرَأْسِ" يُرِيدُونَ: في حُكْمِ المَسْحِ، وإلّا فَمَعْلُومٌ أنَّهُما مِنَ الرَأْسِ، ولَمّا تَقَدَّمَ مِن قَبْلُ: "وَما هم مِنكُمْ" حَسُنَ هَذا الإخْبارُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ﴾ يُرِيدُ: بِالكُفْرِ وعِبادَةُ غَيْرِ اللهِ، وسائِرُ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ لِأنَّ المُنافِقِينَ الَّذِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ فِيهِمْ لَمْ يَكُونُوا أهْلَ قُدْرَةٍ ولا أفْعالٍ ظاهِرَةٍ وذَلِكَ بِسَبَبِ ظُهُورِ الإسْلامِ وكَلِمَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، والقَبْضُ هو عَنِ الصَدَقَةِ وفِعْلِ الخَيْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾ أيْ: تَرَكُوهُ حِينَ تَرَكُوا نَبِيَّهُ وشِرْعَتِهِ فَتَرَكَهم حِينَ لَمْ يَهْدِهِمْ ولا كَفاهم عَذابَ النارِ، وإنَّما يُعَبَّرُ بِالنِسْيانِ عَنِ التَرْكِ مُبالَغَةً إذْ أبْلَغُ وُجُوهِ التُرْكِ الوَجْهُ الَّذِي يَقْتَرِنُ بِهِ نِسْيانٌ، وعَلى هَذا يَجِيءُ ﴿ وَلا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾ ، ﴿ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُنْيا ﴾ ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ عَزَّ وجَلَّ بِالفِسْقِ وهو فُسُوقُ الكُفْرِ المُقْتَضِي لِلْخُلُودِ في النارِ.
وكانَ قَتادَةُ يَقُولُ: "فَنَسِيَهُمْ" أيْ: مِنَ الخَيْرِ ولَمْ يَنْسَهم مِنَ الشَرِّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَدَ اللهُ المُنافِقِينَ ﴾ الآيَةُ، لَمّا قُيِّدَ الوَعْدُ بِالتَصْرِيحِ بِالشَرِّ صَحَّ ذَلِكَ وحَسُنَ وإنْ كانَتْ آيَةَ وعِيدٍ مَحْضٍ، والكُفّارُ في هَذِهِ الآيَةِ: المُعْلِنُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿ هِيَ حَسْبُهُمْ ﴾ أيْ: كافِيَتُهم وكافِيَةُ جُرْمِهِمْ وكُفْرِهِمْ نَكالًا وجَزاءً، فَلَوْ تَمَنّى أحَدٌ لَهم عَذابًا لَكانَ ذَلِكَ عِنْدَهُ حَسْبًا لَهم.
﴿ وَلَعَنَهُمُ اللهُ ﴾ مَعْناهُ: أبْعَدَهم عن رَحْمَتِهِ، و ﴿ عَذابٌ مُقِيمٌ ﴾ مَعْناهُ: مُؤَبَّدٌ لا نَقْلَةَ لَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ الآيَةُ، أمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ أنْ يُخاطِبَ بِها المُنافِقِينَ فَيَقُولُ لَهُمْ: كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ، والمَعْنى: أنْتُمْ كالَّذِينِ، أو مَثَلُكم مَثَلُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ، وقالَ الزَجّاجُ: المَعْنى: وعْدٍا كَما وعَدَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم فَهو مُتَعَلِّقٌ بِـ"وَعَدَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا قَلَقٌ، ثُمَّ قالَ: كانُوا أشَدَّ مِنكم وأعْظَمَ فَعَصَوْا فَأُهْلِكُوا، فَأنْتُمْ أحْرى بِالإهْلاكِ لِمَعْصِيَتِكم وضَعْفِكم.
والخَلاقُ: الحَظُّ مِنَ القَدْرِ والدِينِ وجَمِيعِ حالِ المَرْءِ، وخَلاقُ المَرْءِ: الشَيْءُ الَّذِي هو بِهِ خَلِيقٌ، والمَعْنى: عَجَّلُوا حَظَّهم في دُنْياهم وتَرَكُوا بابَ الآخِرَةِ فاتَّبَعْتُمُوهم أنْتُمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأورَدَ الطَبَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ : « "لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكم شِبْرًا بِشِبْرٍ وذِراعًا بِذِراعٍ، حَتّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ"»، وما شاكَلَ هَذا الحَدِيثَ مِمّا يَقْتَضِي اتِّباعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ لِسائِرِ الأُمَمِ، وهو مَعْنًى لا يَلِيقُ بِالآيَةِ جِدًّا، إذْ هي مُخاطَبَةٌ لِمُنافِقِينَ كُفّارٍ أعْمالُهم حابِطَةٌ، والحَدِيثُ مُخاطَبَةٌ لِمُوَحِّدِينَ يَتَّبِعُونَ سَنَنَ مَن مَضى في أفْعالٍ دُنْيَوِيَّةٍ لا تُخْرِجُ عَنِ الدِينِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا ﴾ أيْ: خَلَطْتُمْ كالَّذِي خَلَطُوا، وهو مُسْتَعارٌ مِنَ الخَوْضِ في المائِعاتِ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الباطِلِ، لِأنَّ التَصَرُّفَ في الحَقائِقِ إنَّما هو عَلى تَرْتِيبٍ ونِظامٍ، وأُمُورُ الباطِلِ إنَّما هي خَوْضٌ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "رُبَّ مُتَخَوِّضٍ في مالِ اللهِ لَهُ النارُ يَوْمَ القِيامَةِ"».
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُنْيا والآخِرَةِ ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ "أُولَئِكَ" القَوْمُ الَّذِينَ وصَفَهم بِالشِدَّةِ وكَثْرَةِ الأمْوالِ والِاسْتِمْتاعِ بِالخَلاقِ، والمَعْنى: وأنْتُمْ أيْضًا كَذَلِكَ يَعْتَرِيكم بِإعْراضِكم عَنِ الحَقِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "أُولَئِكَ" المُنافِقِينَ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ ، ويَكُونُ الخِطابُ لِمُحَمَّدٍ ، وفي ذَلِكَ خُرُوجٌ مِن خِطابٍ إلى خِطابٍ غَيْرِ الأوَّلِ، وحَبِطَ العَمَلُ وما جَرى مَجْراهُ يَحْبَطُ حَبَطًا إذا بَطَلَ بَعْدَ التَعَبِ، وحَبِطَ البَطْنُ حَبَطًا بِفَتْحِ الباءِ، وهو داءٌ في البَطْنِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "إنَّ مِمّا يُنْبِتُ الرَبِيعُ ما يَقْتُلُ حَبَطًا أو يُلِمُّ"»، وقَوْلُهُ: في "الدُنْيا" مَعْناهُ: -إذا كانَ في المُنافِقِينَ-: ما يُصِيبُهم في الدُنْيا مِن مَقْتٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ وفَسادِ أعْمالِهِمْ وفي الآخِرَةِ بِألّا تَنْفَعَ ولا يَقَعَ عَلَيْها جَزاءٌ، ويُقَوِّي أنَّ الإشارَةَ بِـ "أُولَئِكَ" إلى المُنافِقِينَ قَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ المُسْتَقْبَلَةِ: ﴿ ألَمْ يَأْتِهِمْ ﴾ فَتَأمَّلْهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وأصْحابِ مَدْيَنَ والمُؤْتَفِكاتِ أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ ﴿ والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أولِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَلاةَ ويُؤْتُونَ الزَكاةَ ويُطِيعُونَ اللهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهَ إنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتٍ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِن اللهُ أكْبَرُ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ يَقُولُ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ : ألَمْ يَأْتِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ خَبَرُ الأُمَمِ السالِفَةِ الَّتِي عَصَتِ اللهَ بِتَكْذِيبِ رُسُلِهِ فَأهْلَكَها؟
وعادٌ وثَمُودُ قَبِيلَتانِ، وقَوْمُ إبْراهِيمَ: نَمْرُودٌ وأصْحابُهُ وتُبّاعُ دَوْلَتِهِ، وأصْحابُ مَدْيَنَ: قَوْمُ شُعَيْبٍ، والمُؤْتَفِكاتُ: أهْلُ القُرى الأرْبَعَةِ، وقِيلَ: السَبْعَةُ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ لُوطٌ ، ومَعْنى المُؤْتَفِكاتِ: المُنْصَرِفاتُ والمُنْقَلِباتُ، أفِكَتْ فائْتَفَكَتْ لِأنَّهُ جَعَلَ أعالِيَها أسافِلَها، وقَدْ جاءَتْ في القُرْآنِ مُفْرَدَةً تَدُلُّ عَلى الجَمْعِ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ عِمْرانَ بْنِ حَطّانِ: بِمَنطِقٍ مُسْتَبِينٍ غَيْرِ مُلْتَبِسٍ ∗∗∗ بِهِ اللِسانُ وإنِّي غَيْرُ مُؤْتَفِكِ أيْ: غَيْرُ مُنْقَلِبٍ مُنْصَرِفٍ مُضْطَرِبٍ، ومِنهُ يُقالُ لِلرِّيحِ: مُؤْتَفِكَةٌ لِتَصَرُّفِها، ومِنهُ: ( أنّى يُؤْفَكُونَ )، والإفْكُ صَرْفُ القَوْلِ مِنَ الحَقِّ إلى الكَذِبِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ أتَتْهم رُسُلُهُمْ ﴾ عائِدٌ عَلى هَذِهِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ، وقِيلَ: عَلى المُؤْتَفِكاتِ خاصَّةً، وجَعَلَ لَهم رُسُلًا وإنَّما كانَ نَبِيُّهم واحِدًا لِأنَّهُ كانَ يُرْسِلُ إلى كُلِّ قَرْيَةٍ رَسُولًا داعِيًا، فَهم رُسُلُ رَسُولِ اللهِ، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ في عَوْدِ الضَمِيرِ عَلى جَمِيعِ الأُمَمِ أبْيَنُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ بِالبَيِّناتِ ﴾ يُرِيدُ: بِالمُعْجِزاتِ، وهي بَيِّنَةٌ في نَفْسِها بِالإضافَةِ إلى الحَقِّ لا بِالإضافَةِ إلى المُكَذِّبِينَ بِها.
ولَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ المُنافِقِينَ بِالأشْياءِ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ تَصْرِفَ عَنِ النِفاقِ وتَنْهى عنهُ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ بِالأشْياءِ الَّتِي تُرَغِّبُ في الإيمانِ وتُنَشِّطُ إلَيْهِ تَلَطُّفًا مِنهُ تَبارَكَ وتَعالى بِعِبادِهِ لا رَبَّ غَيْرُهُ، وذُكِرَتْ هُنا الوِلايَةُ إذْ لا وِلايَةَ بَيْنَ المُنافِقِينَ، ولا شَفاعَةَ لَهُمْ، ولا يَدْعُو بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وكَأنَّ المُرادَ هُنا الوِلايَةُ في اللهِ خاصَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿ بِالمَعْرُوفِ ﴾ يُرِيدُ: بِعِبادَةِ اللهِ وتَوْحِيدِهِ وكُلِّ ما اتَّبَعَ ذَلِكَ، وقَوْلِهِ: ﴿ عَنِ المُنْكَرِ ﴾ يُرِيدُ عن عِبادَةِ الأوثانِ وكُلِّ ما اتَّبَعَ ذَلِكَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن أبِي العالِيَةِ أنَّهُ قالَ: كَلُّ ما ذَكَرَ اللهُ في القُرْآنِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ فَهو دُعاءٌ مِنَ الشِرْكِ إلى الإسْلامِ، وكُلُّ ما ذُكِرَ مِنَ النَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَهو النَهْيُ عن عِبادَةِ الأوثانِ والشَياطِينِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُقِيمُونَ الصَلاةَ ﴾ هي الصَلَواتُ الخَمْسُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِحَسَبِ هَذا تَكُونُ الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ، والمَدْحُ عِنْدِي بِالنَوافِلِ أبْلَغُ، إذْ مَن يُقِيمُ النَوافِلَ أحْرى بِإقامَةِ الفَرْضِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَيُطِيعُونَ اللهَ ورَسُولَهُ ﴾ جامِعٌ لِلْمَندُوباتِ، والسِينُ في قَوْلِهِ: ﴿ سَيَرْحَمُهُمُ ﴾ مَدْخَلٌ في الوَعْدِ مُهْلَةً، لِتَكُونَ النُفُوسُ تَنْعَمُ بِرَجائِهِ، وفَضْلُهُ تَعالى زَعِيمٌ بِالإنْجازِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ ﴾ الآيَةُ، وعْدُهُ في هَذِهِ الآيَةِ صَرِيحٌ نَصٌّ في الخَيْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن تَحْتِها ﴾ إمّا مِن تَحْتِ أشْجارِها، وإمّا مِن تَحْتِ عُلِّيّاتِها، وإمّا مِن تَحْتِ مَجالِسِها بِالإضافَةِ إلى هَذا، كَما تَقُولُ في دارَيْنِ مُتَجاوِرَتَيْنِ مُتَساوِيَتَيِ المَكانَ: هَذِهِ تَحْتَ هَذِهِ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً ﴾ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: سَألْتُ عنها عِمْرانَ بْنَ الحُصَيْنِ وأبا هُرَيْرَةَ فَقالا: عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ، سَألْنا عنها رَسُولَ اللهِ فَقالَ: "قَصْرٌ في الجَنَّةِ مِنَ اللُؤْلُؤِ، فِيهِ سَبْعُونَ دارًا مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ، في كُلِّ دارٍ سَبْعُونَ بَيْتًا مِن زُمُرُّدَةٍ خَضْراءَ، في كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيرًا"،» ونَحْوُ هَذا مِمّا يُشْبِهُ هَذِهِ الألْفاظَ أو يَقْرُبُ مِنها فاخْتَصَرْتُها طَلَبَ الإيجازِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ فِي جَنّاتِ عَدْنٍ ﴾ فَمَعْناهُ: في جَنّاتِ إقامَةٍ وثُبُوتٍ، يُقالُ: عَدَنَ الشَيْءُ في المَكانِ إذا أقامَ بِهِ وثَبَتَ، ومِنهُ المَعْدِنُ، أيْ مَوْضِعُ ثُبُوتِ الشَيْءِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: وإنْ يَسْتَضِيفُوا إلى حِلْمِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ يُضافُوا إلى راجِحٍ قَدْ عَدَنْ هَذا الكَلامُ اللُغَوِيُّ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: جَنّاتُ عَدْنٍ هي بِالفارِسِيَّةِ: جَنّاتُ الكُرُومِ والأعْنابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأظُنُّ هَذا وهْمًا اخْتَلَطَ بِالفِرْدَوْسِ، وقالَ الضَحّاكُ: جَنّاتُ عَدْنٍ هِيَ: مَدِينَةُ الجَنَّةِ وعُظْمُها، فِيها الأنْبِياءُ والعُلَماءُ والشُهَداءُ وأئِمَّةُ العَدْلِ والناسُ حَوْلَهم بَعْدُ والجَنّاتُ حَوْلَها، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: عَدْنٌ هي بُطْنانُ الجَنَّةِ وسُرَّتُها، وقالَ عَطاءٌ: عَدْنٌ: نَهْرٌ في الجَنَّةِ جَنّاتُهُ عَلى حافَّتِهِ، وقالَ الحَسَنُ: عَدْنٌ: قَصْرٌ في الجَنَّةِ لا يَدْخُلُهُ إلّا نَبِيٌّ أو صِدِّيقٌ أو شَهِيدٌ أو حَكَمٌ عَدْلٌ، ومَدَّ بِها صَوْتَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والآيَةُ تَأْبى هَذا التَخْصِيصَ إذْ قَدْ وعَدَ اللهُ بِها جَمْعَ المُؤْمِنِينَ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أكْبَرُ ﴾ فَرُوِيَ فِيهِ «أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ لِعِبادِهِ إذا اسْتَقَرُّوا في الجَنَّةِ: "هَلْ رَضِيتُمْ؟
فَيَقُولُونَ: وكَيْفَ لا نَرْضى يا رَبَّنا؟
فَيَقُولُ: إنِّي سَأُعْطِيكم أفْضَلَ مِن هَذا كُلِّهِ، رِضْوانِي، أرْضى عَلَيْكُمْ، فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا".» الحَدِيثُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ أكْبَرُ ﴾ يُرِيدُ: أكْبَرَ مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَ، ومَعْنى الآيَةِ والحَدِيثِ مُتَّفِقٌ.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: وصَلَ إلى قُلُوبِهِمْ بِرِضْوانِ اللهِ مِنَ اللَذَّةِ والسُرُورِ ما هو ألَذُّ عِنْدَهم وأقَرُّ لِأعْيُنِهِمْ مِن كُلِّ شَيْءٍ أصابُوهُ مِن لَذَّةِ الجَنَّةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَظْهَرُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أكْبَرُ ﴾ إشارَةً إلى مَنازِلِ المُقَرَّبِينَ الشارِبِينَ مِن تَسْنِيمِ الَّذِينَ يُرَوْنَ كَما يُرى النَجْمُ الغائِرُ في الأُفُقِ، وجَمِيعُ مَن في الجَنَّةِ راضٍ والمَنازِلُ مُخْتَلِفَةٌ، وفَضْلُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى مُتَّسِعٌ، والفَوْزُ: النَجاةُ والخَلاصُ ﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ ﴾ ، والمُقَرَّبُونَ هم في الفَوْزِ العَظِيمِ، والعِبارَةُ عِنْدِي عن حالِهِمْ بِسُرُورٍ وكَمالٍ أجْوَدُ مِنَ العِبارَةِ عنها بِلَذَّةٍ، واللَذَّةُ أيْضًا مُسْتَعْمَلَةٌ في هَذا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وما نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهم وإنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُنْيا والآخِرَةِ وما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ قَوْلُهُ: "جاهِدْ" مَأْخُوذٌ مِن بُلُوغِ الجَهْدِ، وهي مَقْصُودٌ بِها المُكافَحَةُ والمُخالَفَةُ، وتَتَنَوَّعُ بِحَسَبِ المُجاهِدِ، فَجِهادُ الكافِرِ المُعْلِنِ بِالسَيْفِ، وجِهادُ المُنافِقِ المُتَسَتِّرِ بِاللِسانِ والتَعْنِيفِ، والِاكْفِهْرارِ في وجْهِهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
ألا تَرى أنَّ مِن ألْفاظِ الشَرْعِ قَوْلَهُ : « "والمُجاهِدٌ مَن جاهَدَ نَفْسَهُ في طاعَةِ اللهِ"»، فَجِهادُ النَفْسِ إنَّما هو مُصابَرَتُها بِاتِّباعِ الحَقِّ وتَرْكِ الشَهَواتِ، فَهَذا الَّذِي يَلِيقُ بِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، لَكِنّا نَجْلِبُ أقْوالَ المُفَسِّرِينَ نَصًّا لِتَكُونَ مُعَرَّضَةً لِلنَّظَرِ، قالَ الزَجّاجُ (وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ في ذَلِكَ بِألْفاظِ ابْنِ مَسْعُودٍ ): أمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِجِهادِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ بِالسَيْفِ، وأُبِيحَ لَهُ فِيها قَتْلُ المُنافِقِينَ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنْ قَدَرَ وإلّا فَبِاللِسانِ، وإلّا فَبِالقَلْبِ والِاكْفِهْرارِ في الوَجْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَتْلُ لا يَكُونُ إلّا مَعَ التَجْلِيحِ، ومَن جَلَحَ خَرَجَ عن رُتْبَةِ النِفاقِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: جاهِدِ المُنافِقِينَ بِاللِسانِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: جاهِدِ المُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ، قالَ: وأكْثَرُ ما كانَتِ الحُدُودُ يَوْمَئِذٍ تُصِيبُ المُنافِقِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ووَجْهُ تَرْكِ النَبِيِّ المُنافِقِينَ بِالمَدِينَةِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُجَلِّحِينَ، بَلْ كانَ كُلُّ مَغْمُوصٍ عَلَيْهِ إذا وقَفَ ادَّعى الإسْلامَ، فَكانَ في تَرْكِهِمْ إبْقاءٌ وحِياطَةٌ لِلْإسْلامِ، ومَخافَةٌ أنْ تَنْفِرَ العَرَبُ إذا سَمِعَتْ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ مَن يُظْهِرُ الإسْلامَ، وقَدْ أوعَبْتُ هَذا المَعْنى في صَدْرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَذْهَبُ الطَبَرِيِّ أنَّ النَبِيَّ كانَ يَعْرِفُهم ويَسْتُرُهم.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ فَلَفْظَةٌ عامَّةٌ تَتَصَرَّفُ في الأفْعالِ والأقْوالِ واللَحَظاتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُ النِسْوَةِ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنْتَ أفَظُّ وأغْلَظُ مِن رَسُولِ اللهِ ، ومَعْنى الغِلَظِ: خُشُونَةُ الجانِبِ، فَهي ضِدُّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ، ثُمَّ خَبَّرَتِ الآيَةُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ في عَقِبِ الأمْرِ بِإخْبارِهِ أنَّهم في جَهَنَّمَ، والمَعْنى: هم أهْلٌ لِجَمِيعِ ما أُمِرْتَ أنْ تَفْعَلَ بِهِمْ، والمَأْوى: حَيْثُ يَأْوِي الإنْسانُ ويَسْتَقِرُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في الجُلاسِ بْنِ سُوِيدِ بْنِ الصامِتِ، وذَلِكَ كَأنَّهُ كانَ يَأْتِي مِن قُباءٍ ومَعَهُ ابْنُ امْرَأتِهِ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ -فِيما قالَ ابْنُ إسْحاقَ - وقالَ عُرْوَةُ: اسْمُهُ مُصْعَبٌ، وقالَ غَيْرُهُ: وهُما عَلى حِمارَيْنِ، «وَكانَ رَسُولُ اللهِ قَدْ سَمّى قَوْمًا مِمَّنِ اتَّهَمَهم بِالنِفاقِ، وقالَ: "إنَّهم رِجْسٌ"، فَقالَ الجُلاسُ لِلَّذِي كانَ يَسِيرُ مَعَهُ: واللهِ ما هَؤُلاءِ الَّذِينَ سَمّى مُحَمَّدٌ إلّا كُبَراؤُنا وسادَتُنا، ولَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَنَحْنُ شَرٌّ مِن حُمُرِنا هَذِهِ، فَقالَ لَهُ رَبِيبُهُ أوِ الرَجُلُ الآخَرُ: واللهِ إنَّهُ لَحَقٌّ، وإنَّكَ لَشَرٌّ مِن حِمارِكَ، ثُمَّ خَشِيَ الرَجُلُ مِن أنْ يَلْحَقَهُ في دِينِهِ دَرْكٌ، فَخَرَجَ وأخْبَرَ رَسُولَ اللهِ بِالقِصَّةِ، فَأرْسَلَ النَبِيُّ في أثَرِ الجُلاسِ فَقَرَّرَهُ فَحَلَفَ بِاللهِ ما قالَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» والإشارَةُ بِـ كَلِمَةِ الكُفْرِ إلى قَوْلِهِ: "إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحُمُرِ"، لِأنَّ التَكْذِيبَ في قُوَّةِ هَذا الكَلامِ.
قالَ مُجاهِدٌ: وكانَ الجُلاسُ لَمّا قالَ لَهُ صاحِبُهُ: "إنِّي سَأُخْبِرُ رَسُولَ اللهِ بِقَوْلِكَ هَذا"، هَمَّ بِقَتْلِهِ ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْ عَجْزًا عن ذَلِكَ، فَإلى هَذا هي الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا ﴾ ، وقالَ قَتادَةُ بْنُ دُعامَةَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، وذَلِكَ «أنَّ سِنانَ بْنَ وبَرَةَ الأنْصارِيَّ والجَهْجاهَ الغِفارِيَّ كَسَعَ أحَدُهُما رِجْلَ الآخَرِ في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ، فَثارُوا، فَصاحَ جَهْجاهُ بِالأنْصارِ وصاحَ سِنانٌ بِالمُهاجِرِينَ، فَثارَ الناسُ فَهَدَنَ رَسُولُ اللهِ ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ: ما أرى هَؤُلاءِ إلّا قَدْ تَداعَوْا عَلَيْنا، ما مَثَلُنا ومَثَلُهم إلّا كَما قالَ الأوَّلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، ولَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ فَوَقَفَهُ فَحَلَفَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُكَذِّبَةً لَهُ،» والإشارَةُ بِـكَلِمَةِ الكُفْرِ إلى تَمْثِيلِهِ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، قالَ قَتادَةُ: والإشارَةُ بِـ "هَمُّوا" إلى قَوْلِهِ: ﴿ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ ﴾ .
وقالَ الحَسَنُ: هُمُ المُنافِقُونَ مِن إظْهارِ الشِرْكِ ومُكابَرَةِ النَبِيِّ بِما لَمْ يَنالُوا، وقالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ بَعْدَ إسْلامِهِمْ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: "بَعْدَ إيمانِهِمْ" لِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَتَجاوَزْ ألْسِنَتَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللهُ ورَسُولُهُ ﴾ مَعْناهُ: أنَّ رَسُولَ اللهِ أنْفَذَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ دِيَةً كانَتْ قَدْ تَعَطَّلَتْ لَهُ، ذَكَرَ عِكْرِمَةُ أنَّها كانَتِ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: بَلْ كانَتْ لِلْجُلاسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بِحَسَبِ الخِلافِ المُتَقَدِّمِ فِيمَن نَزَلَتِ الآيَةُ مِن أوَّلِها، وتَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في "نَقَمُوا" في سُورَةِ الأعْرافِ، وقَرَأها أبُو حَيَوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِكَسْرِ القافِ، وهي لُغَةٌ، وقَوْلِهِ: ﴿ إلا أنْ أغْناهُمُ اللهُ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن غَيْرِ الأوَّلِ، كَما قالَ النابِغَةُ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم...
بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ فَكَأنَّ الكَلامَ: وما نَقَمُوا إلّا ما حَقُّهُ أنْ يُشْكَرَ.
وقالَ مُجاهِدٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا ﴾ : إنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن قُرَيْشٍ أرادُوا قَتْلَ رَسُولِ اللهِ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لا يُناسِبُ الآيَةَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ الجُلاسَ هو الَّذِي هَمَّ بِقَتْلِ رَسُولِ اللهِ ، وَهَذا يُشْبِهُ الآيَةَ إلّا أنَّهُ غَيْرُ قَوِيِّ السَنَدِ، وحَكى الزَجّاجُ أنَّ اثْنَيْ عَشَرَ مِنَ المُنافِقِينَ هَمُّوا بِذَلِكَ فَأطْلَعَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وذُكِرَ رَسُولُ اللهِ في إغْنائِهِمْ مِن حَيْثُ كَثُرَتْ أمْوالُهم مِنَ الغَنائِمِ، فَرَسُولُ اللهِ سَبَبٌ في ذَلِكَ، وعَلى هَذا الحَدِّ قالَ رَسُولُ اللهِ لِلْأنْصارِ: « "كُنْتُمْ عالَةً فَأغْناكُمُ اللهُ بِي"»، ثُمَّ فَتَحَ عَزَّ وجَلَّ لَهم بابَ التَوْبَةِ رِفْقًا بِهِمْ ولُطْفًا في قَوْلِهِ: ﴿ فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ .
ورُوِيَ أنَّ الجُلاسَ تابَ مِنَ النِفاقِ فَقالَ: "إنَّ اللهَ قَدْ تَرَكَ لِي بابَ التَوْبَةِ" فاعْتَرَفَ وأخْلَصَ، وحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ، والعَذابُ الألِيمُ اللاحِقُ بِهِمْ في الدُنْيا هو المَقْتُ والخَوْفُ والهُجْنَةُ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِنهم مَن عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مَن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مَن الصالِحِينَ ﴾ ﴿ فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم وأنَّ اللهَ عَلامُ الغُيُوبِ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ الأنْصارِيِّ، وقالَ الحَسَنُ: وفي مَعْتَبِ بْنِ قُشَيْرٍ مَعَهُ، واخْتِصارُ ما ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أمْرِهِ «أنَّهُ جاءَ إلى رَسُولِ اللهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ ادْعُ اللهَ أنْ يَجْعَلَ لِي مالًا فَإنِّي لَوْ كُنْتُ ذا مالٍ لَقَضَيْتُ حُقُوقَهُ وفَعَلْتُ فِيهِ الخَيْرَ، فَرادَّهُ رَسُولُ اللهِ وقالَ: "قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ"، فَعاوَدَ فَقالَ لَهُ النَبِيُّ : "ألا تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِثْلَ رَسُولِ اللهِ، لَوْ دَعَوْتُ اللهَ أنْ تَسِيرَ الجِبالُ مَعِي ذَهَبًا لَسارَتْ؟"، فَأعادَ عَلَيْهِ حَتّى دَعا لَهُ رَسُولُ اللهِ بِذَلِكَ، فاتَّخَذَ غَنَمًا فَنَمَتْ كَما يَنْمُو الدُودُ حَتّى ضاقَتْ بِهِ المَدِينَةُ، فَتَنَحّى عنها، وكَثُرَتْ غَنَمُهُ، فَكانَ لا يُصَلِّي إلّا الجُمْعَةَ، ثُمَّ كَثُرَتْ حَتّى تَنَحّى بَعِيدًا ونَجَمَ نِفاقُهُ، ونَزَلَ خِلالَ ذَلِكَ فَرْضُ الزَكاةِ عَلى رَسُولِ اللهِ ، فَبَعَثَ مُصَدِّقِينَ بِكِتابِهِ في أخْذِ زَكاةِ الغَنَمِ، فَلَمّا بَلَغُوا ثَعْلَبَةَ وقَرَأ الكِتابَ قالَ: هَذِهِ أُخْتُ الجِزْيَةِ، ثُمَّ قالَ لَهُمْ: دَعُونِي حَتّى أرى رَأْيِي، فَلَمّا أتَوْا رَسُولَ اللهِ وأخْبَرُوهُ، قالَ: "وَيْحَ ثَعْلَبَةَ" ثَلاثًا، ونَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِ، وحَضَرَ القِصَّةَ قَرِيبٌ لِثَعْلَبَةَ، فَخَرَجَ إلَيْهِ فَقالَ: أدْرِكْ أمْرَكَ، فَقَدْ نَزَلَ كَذا وكَذا، فَخَرَجَ ثَعْلَبَةُ حَتّى أتى رَسُولَ اللهِ فَرَغِبَ أنْ يُؤَدِّيَ زَكاتَهُ، فَأعْرَضَ عنهُ رَسُولُ اللهِ وقالَ: "إنَّ اللهَ أمَرَنِي أنْ لا آخُذَ زَكاتَكَ"، فَبَقِيَ كَذَلِكَ حَتّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ، ثُمَّ ورَدَ ثَعْلَبَةُ عَلى أبِي بَكْرٍ، ثُمَّ عَلى عُمْرَ ثُمَّ عَلى عُثْمانَ يَرْغَبُ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم أنْ يَأْخُذَ مِنهُ الزَكاةَ، فَكُلَّهم رَدَّ ذَلِكَ وأباهُ اقْتِداءً بِرَسُولِ اللهِ ، فَبَقِيَ ثَعْلَبَةُ كَذَلِكَ حَتّى هَلَكَ في مُدَّةِ عُثْمانَ».
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأعْقَبَهُمْ ﴾ نَصُّ المُعاقَبَةِ عَلى الذَنْبِ بِما هو أشَدُّ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾ يَقْتَضِي مُوافاتَهم عَلى النِفاقِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقْبَلِ الخُلَفاءُ رَضِيَ اللهُ عنهم رُجُوعَ ثَعْلَبَةَ لِشَهادَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِ بِالمُوافاةِ، ولَوْلا الِاحْتِمالُ في أنَّهُ نِفاقُ مَعْصِيَةٍ لَوَجَبَ قَتْلُهُ.
وقَرَأ الأعْمَشُ: "لِنَصَّدَّقَنَّ" بِالنُونِ الثَقِيلَةِ مِثْلَ الجَماعَةِ، "وَلَنَكُونَنْ" خَفِيفَةَ النُونِ.
والضَمِيرُ الَّذِي في قَوْلِهِ: "فَأعْقَبَهُمْ" يَعُودُ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى البُخْلِ المُضَمَّنِ في الآيَةِ، ويَضْعُفُ ذَلِكَ الضَمِيرُ في "يَلْقَوْنَهُ"، وقَوْلُهُ: ﴿ نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِفاقَ كُفْرٍ ويَكُونُ تَقْرِيرُ ثَعْلَبَةَ بَعْدَ هَذا النَصِّ والإبْقاءِ عَلَيْهِ لِمَكانِ إظْهارِهِ الإسْلامَ وتَعَلُّقِهِ بِما فِيهِ احْتِمالٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ نِفاقًا ﴾ يُرِيدُ بِهِ نِفاقَ مَعْصِيَةٍ وقِلَّةِ اسْتِقامَةٍ، فَيَكُونُ تَقْرِيرُهُ صَحِيحًا، ويَكُونُ تُرِكَ في أوَّلِ الزَكاةِ عِقابًا لَهُ ونَكالًا.
وهَذا نَحْوُ ما رُوِيَ أنَّ عامِلًا كَتَبَ إلى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ فُلانًا يَمْنَعُ الزَكاةَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ أنْ دَعْهُ واجْعَلْ عُقُوبَتَهُ ألّا يُؤَدِّيَ الزَكاةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، يُرِيدُ: لِما يَلْحَقُهُ مِنَ المَقْتِ في ذَلِكَ.
وَقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، ونافِعٌ، وسائِرُهُمْ: "يَكْذِبُونَ" خَفِيفَةً، قَرَأ أبُو رَجاءٍ: "يُكَذِّبُونَ" مُشَدَّدَةً.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ ما يُناسِبُها مِن حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ : « "ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقًا خالِصًا، إذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ"» وفي حَدِيثٍ آخَرَ: « "وَإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ"» ونَحْوُ هَذا مِنَ الأحادِيثِ، ويَظْهَرُ مِن مَذْهَبِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ هَذِهِ الخِلالَ الذَمِيمَةَ مُنافِقٌ مَنِ اتَّصَفَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
ورُوِيَ أنَّ عَمْرَو بْنَ العاصِ لَمّا احْتُضِرَ قالَ: "زَوِّجُوا فُلانًا فَإنِّي قَدْ وعَدْتُهُ، لا ألْقى اللهَ بِثُلْثِ النِفاقِ"، وهَذا ظاهِرُ كَلامِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: "قَدْ فَعَلَ هَذِهِ الخِلالَ إخْوَةُ يُوسُفَ ولَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ، بَلْ كانُوا أنْبِياءَ"، وهَذِهِ الأحادِيثُ إنَّما هي في المُنافِقِينَ في عَصْرِ النَبِيِّ ، الَّذِينَ شَهِدَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وهَذِهِ الخِصالُ في سائِرِ الأُمَّةِ مَعاصٍ لا نِفاقٌ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ الحَسَنَ رَجَعَ إلى هَذا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا مَحالَةَ أنَّها كانَتْ مَعَ التَوْحِيدِ والإيمانِ بِمُحَمَّدٍ مَعاصٍ، لَكِنَّها مِن قَبِيلِ النِفاقِ اللُغَوِيِّ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: كانَ العَهْدُ الَّذِي عاهَدَ اللهَ عَلَيْهِ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ شَيْئًا نَوَوْهُ في أنْفُسِهِمْ ولَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا فِيهِ نَظَرٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا ﴾ الآيَةُ، لَفْظٌ تَعَلَّقَ بِهِ مَن قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: إنَّ العَهْدَ كانَ مِنَ المُنافِقِينَ بِالنِيَّةِ لا بِالقَوْلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَعْلَمُوا" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنُ: "ألَمْ تَعْلَمُوا" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وهَذِهِ الآيَةُ تُناسِبُ حالَهُمْ، وذَلِكَ أنَّها تَضَمَّنَتْ إحاطَةَ عِلْمِ اللهِ بِهِمْ وحَصْرِهِ لَهُمْ، وفِيها تَوْبِيخُهُمْ، عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَحَدُّثِ في نُفُوسِهِمْ مِنَ الِاجْتِماعِ عَلى ثَلْبِ الإسْلامِ، وراحَةِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ في جِهَةِ النَبِيِّ وشَرْعِهِ، فَهي تَعُمُّ المُنافِقِينَ أجْمَعَ، وقائِلُ المَقالَةِ المَذْكُورَةِ ذَهَبَ إلى أنَّها تَخْتَصُّ بِالفِرْقَةِ الَّتِي عاهَدَتْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَدَقاتِ والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهم فَيَسْخَرُونَ مِنهم سَخِرَ اللهُ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهم أو لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهم ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ ﴾ رَدٌّ عَلى الضَمائِرِ في قَوْلِهِ: ﴿ يَكْذِبُونَ ﴾ ، وقَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا ﴾ ، وقَوْلِهِ: ﴿ سِرَّهم ونَجْواهُمْ ﴾ و ﴿ يَلْمِزُونَ ﴾ مَعْناهُ: يَنالُونَ بِألْسِنَتِهِمْ، وقَرَأ السَبْعَةُ: "يَلْمِزُونَ" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ كَثِيرٍ -فِيما رُوِيَ عنهُ- "يَلْمُزُونَ" بِضَمِّ المِيمِ، و"المُطَّوِّعِينَ" لَفْظَةُ عُمُومٍ في كُلِّ مُتَصَدِّقٍ، والمُرادُ بِهِ الخُصُوصُ فِيمَن تَصَدَّقَ بِكَثِيرٍ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ عَطْفًا عَلى "المُطَّوِّعِينَ": "والَّذِينَ لا يَجِدُونَ"، ولَوْ كانَ "الَّذِينَ لا يَجِدُونَ" قَدْ دَخَلُوا في "المُطَّوِّعِينَ" لَما ساغَ عَطْفُ الشَيْءِ عَلى نَفْسِهِ، وهَذا قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ ﴾ فَإنَّهُ قالَ: المُرادُ بِالمَلائِكَةِ مَن عَدا هَذَيْنِ.
وكَذَلِكَ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ وَرُمّانٌ ﴾ ، وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ، لِأنَّ التَكْرارَ لِقَصْدِ التَشْرِيفِ يُسَوِّغُ هَذا مَعَ تَجَوُّزِ العَرَبِ في كَلامِها، وأصْلُ "المُطَّوِّعِينَ" المُتَطَوِّعِينَ، فَأُبْدِلَتِ التاءُ طاءً وأُدْغِمَ، وأمّا المُتَصَدِّقُ بِكَثِيرٍ الَّذِي كانَ سَبَبًا لِلْآيَةِ فَأكْثَرُ الرِواياتِ أنَّهُ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، تَصَدَّقَ بِأرْبَعَةِ آلافٍ وأمْسَكَ مِثْلَها، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ : « "بارَكَ اللهُ لَكَ فِيما أمْسَكْتَ وفِيما أنْفَقْتَ"،» وقِيلَ هو عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ تَصَدَّقَ بِنِصْفِ مالِهِ، وقِيلَ: عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ، تَصَدَّقَ بِمِائَةِ وسْقٍ، وأمّا المُتَصَدِّقُ بِقَلِيلٍ فَهو أبُو عَقِيلٍ حَبْحابُ الأراشِيُّ، تَصَدَّقَ بِصاعٍ مِن تَمْرٍ، وقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، جَرَرْتُ البارِحَةَ بِالجَرِيرِ وأخَذْتُ صاعَيْنِ تَرَكْتُ أحَدَهُما لِعِيالِي وأتَيْتُ بِالآخَرِ صَدَقَةً، فَقالَ المُنافِقُونَ: اللهُ غَنِيٌّ عن صَدَقَةِ هَذا، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ اللهَ غَنِيٌّ عن صاعِ أبِي عَقِيلٍ، وقِيلَ: إنَّ الَّذِي لَمَزَ في القَلِيلِ أبُو خَيْثَمَةَ، قالَهُ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ صاحِبِ النَبِيِّ ، وتَصَدَّقَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأرْبَعَةِ آلافٍ، وقِيلَ: بِأرْبَعِمِائَةِ أُوقِيَّةٍ مِن فِضَّةٍ، وقِيلَ: أقَلُّ مِن هَذا.
فَقالَ المُنافِقُونَ: ما هَذا إلّا رِياءٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في هَذا كُلِّهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَسْخَرُونَ ﴾ مَعْناهُ: يَسْتَهْزِئُونَ ويَسْتَخِفُّونَ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى "يَلْمِزُونَ"، واعْتُرِضَ ذَلِكَ بِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى الصِلَةِ فَهو مِنَ الصِلَةِ، وقَدْ دَخَلَ بَيْنَ هَذا المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ لا يَجِدُونَ ﴾ ، وهَذا لا يَلْزَمُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: "والَّذِينَ" مَعْمُولٌ لِلَّذِي عَمِلَ في "المُطَّوِّعِينَ" فَهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: "جاءَنِي الَّذِي ضَرَبَ زَيْدًا وعَمْرًا فَقَتَلَهُما"، وقَوْلُهُ: ﴿ سَخِرَ اللهُ مِنهُمْ ﴾ تَسْمِيَةُ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ، وهي عِبارَةٌ عَمّا حَلَّ بِهِمْ مِنَ المَقْتِ والذُلِّ في نُفُوسِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ مَعْناهُ: مُؤْلِمٌ، وهي آيَةُ وعِيدٍ مَحْضٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "جُهْدَهُمْ" بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ الأعْرَجُ وجَماعَةٌ مَعَهُ: "جَهْدَهُمْ" بِالفَتْحِ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وقِيلَ: هُما لِمَعْنَيَيْنِ، الضَمُّ في المالِ والفَتْحُ في تَعَبِ الجِسْمِ، ونَحْوُهُ عَنِ الشَعْبِيِّ.
وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ ﴾ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: هُمُ الَّذِينَ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً وخَبَرُهُ "سَخِرَ"، وفي "سَخِرَ" مَعْنى الدُعاءِ عَلَيْهِمْ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا مُجَرَّدًا عَنِ الدُعاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ" صِفَةً جارِيَةً عَلى ما قَبْلُ، كَما ذَكَرْتُ أوَّلَ التَرْجَمَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهم أو لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ لَفْظَ أمْرٍ ومَعْناهُ الشَرْطُ بِمَعْنى: إنِ اسْتَغْفَرَتْ أو لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أو كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ﴾ ، وبِمَنزِلَةِ قَوْلِ الشاعِرِ: أسِيئِي لَنا أو أحْسِنِي لا مَلُومَةٌ ∗∗∗ لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةٌ إنَّ تَقَلَّتِ وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ في مَعْنى الآيَةِ، والمَعْنى الثانِي الَّذِي يَحْتَمِلُهُ اللَفْظُ أنْ يَكُونَ تَخْيِيرًا، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: إنْ شِئْتَ فاسْتَغْفِرْ وإنْ شِئْتَ لا تَسْتَغْفِرْ، ثُمَّ أعْلَمَهُ أنَّهُ لا يَغْفِرُ لَهم وإنِ اسْتَغْفَرَ سَبْعِينَ مَرَّةً، وهَذا هو الصَحِيحُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ وتَبْيِينِهِ ذَلِكَ.
وذَلِكَ «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ سَمِعَهُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، أتَسْتَغْفِرُ لِلْمُشْرِكِينَ وقَدْ أعْلَمَكَ اللهُ أنَّهُ لا يَغْفِرُ لَهُمْ، فَقالَ لَهُ: "يا عُمَرُ إنَّ اللهَ قَدْ خَيَّرَنِي فاخْتَرْتُ، ولَوْ عَلِمْتُ أنِّي إذا زِدْتُ عَلى السَبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُمْ، لَزِدْتُ"»، ونَحْوُ هَذا مِن مُقاوَلَةِ عُمْرَ في وقْتِ إرادَةِ النَبِيِّ الصَلاةَ عَلى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، وظاهِرُ صِلاتِهِ عَلَيْهِ أنَّ كُفْرَهُ لَمْ يَكُنْ يَقِينًا عِنْدَهُ، ومَحالٌ أنْ يُصَلِّيَ عَلى كافِرٍ، ولَكِنَّهُ راعى ظَواهِرَهُ مِنَ الإقْرارِ، ووَكَلَ سَرِيرَتَهُ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَلى هَذا كانَ سِتْرُ المُنافِقِينَ مِن أجْلِ عَدَمِ التَعْيِينِ بِالكُفْرِ.
وفي هَذِهِ الألْفاظِ الَّتِي لِرَسُولِ اللهِ رَفْضُ إلْزامِ دَلِيلِ الخِطابِ، وذَلِكَ أنَّ دَلِيلَ الخِطابِ يَقْتَضِي أنَّ الزِيادَةَ عَلى السَبْعِينَ يُغْفَرُ مَعَها، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "وَلَوْ عَلِمْتُ" فَجَعَلَ ذَلِكَ مِمّا لا يَعْلَمُهُ، ومِمّا يَنْبَغِي أنْ يُتَعَلَّمَ ويُطْلَبَ عِلْمُهُ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فَفي هَذا حُجَّةٌ عَظِيمَةٌ لِلْقَوْلِ بِرَفْضِ دَلِيلِ الخِطابِ، وإذا تَرَتَّبَ -كَما قُلْنا- التَخْيِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ صَحَّ أنَّ ذَلِكَ التَخْيِيرَ هو الَّذِي نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: في سُورَةِ المُنافِقُونَ: ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهم إنَّ اللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ ، ولِمالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ مَسائِلُ تَقْتَضِي القَوْلَ بِدَلِيلِ الخِطابِ، مِنها قَوْلُهُ: إنَّ المُدْرِكَ لِلتَّشَهُّدِ وحْدَهُ لا تَلْزَمُهُ أحْكامُ الإمامِ؛ لِأنَّ النَبِيَّ ، قالَ: « "مَن أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَلاةِ فَقَدْ أدْرَكَ الصَلاةَ"»، فاقْتَضى دَلِيلُ الخِطابِ أنَّ مَن لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً فَلَيْسَ بِمُدْرِكٍ، ولَهُ مَسائِلُ تَقْتَضِي رَفْضَ دَلِيلِ الخِطابِ، مِنها قَوْلُ النَبِيِّ : « "وَفِي سائِمَةِ الغَنَمِ الزَكاةُ"»، فَدَلِيلُ الخِطابِ أنْ لا زَكاةَ في غَيْرِ السائِمَةِ، ومالِكٌ يَرى الزَكاةَ في غَيْرِ السائِمَةِ، ومِنها أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ في الصَيْدِ: ﴿ وَمَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا ﴾ ، فَقالَ مالِكٌ: حُكْمُ المُخْطِئِ والمُتَعَمِّدِ سَواءٌ، ودَلِيلُ الخِطابِ يَقْتَضِي غَيْرَ هَذا، وأمّا تَمْثِيلُهُ بِالسَبْعِينَ دُونَ غَيْرِها مِنَ الأعْدادِ فَلِأنَّهُ عَدَدٌ كَثِيرًا ما يَجِيءُ غايَةً ومُقْنِعًا في الكَثْرَةِ، ألا تَرى إلى القَوْمِ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى، وإلى أصْحابِ العَقَبَةِ، وقَدْ قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: إنَّ التَصْرِيفَ الَّذِي يَكُونُ مِنَ السِينِ والباءِ والعَيْنِ فَهو شَدِيدُ الأمْرِ، مِن ذَلِكَ السَبْعَةُ فَإنَّها عَدَدٌ مُقْنِعٌ، هي في السَماواتِ وفي الأرْضِ وفي خَلْقِ الإنْسانِ وفي رِزْقِهِ وفي أعْضائِهِ الَّتِي بِها يُطِيعُ اللهَ وبِها يَعْصِيهِ، وبِها تَرْتِيبُ أبْوابِ جَهَنَّمَ فِيما ذَكَرَ بَعْضُ الناسِ، وهِيَ: عَيْناهُ وأُذُناهُ ولِسانُهُ وبَطْنُهُ وفَرْجُهُ ويَداهُ ورَجُلاهُ، وفي سِهامِ المَيْسِرِ وفي الأقالِيمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ومِن ذَلِكَ السَبْعُ والعُبُوسُ والعنبَسُ ونَحْوُ هَذا مِنَ القَوْلِ.
وقَوْلُهُ: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى امْتِناعِ الغُفْرانِ، وقَوْلُهُ: ﴿ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ إمّا مِن حَيْثُ هم فاسِقُونَ، وإمّا أنَّهُ لَفْظُ عُمُومٍ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ فِيمَن يُوافِي عَلى كُفْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ ﴾ ﴿ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ فَإنْ رَجَعَكَ اللهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ ﴾ هَذِهِ آيَةٌ تَتَضَمَّنُ وصْفَ حالِهِمْ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهم وفي ضِمْنِها وعِيدٌ، وقَوْلُهُ: "المُخَلَّفُونَ" لَفْظٌ يَقْتَضِي تَحْقِيرَهم وأنَّهُمُ الَّذِينَ أبْعَدَهُمُ اللهُ مِن رِضاهُ، وهَذا أمْكَنُ فِي هَذا مِن أنْ يُقالَ: "المُتَخَلِّفُونَ"، ولَمْ يَفْرَحْ إلّا مُنافِقٌ، فَخَرَجَ مِن ذَلِكَ الثَلاثَةُ، وأصْحابُ العُذْرِ، ومَقْعَدٌ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى القُعُودِ، ومِثْلُهُ: مَن كانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مالِكٍ ∗∗∗........................
وقَوْلُهُ: "خِلافَ" مَعْناهُ: بَعْدَ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ في ذَلِكَ: عَقَبَ الرَبِيعُ خِلافَهم فَكَأنَّما ∗∗∗ ∗∗∗ بَسَطَ الشَواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرا يُرِيدُ: بَعْدَهُمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَقُلْ لِلَّذِي يَبْقى خِلافَ الَّذِي مَضى ∗∗∗ ∗∗∗ تَأهَّبْ لِأُخْرى مِثْلِها فَكَأنْ قَدِ وقالَ الطَبَرِيُّ: هو مَصْدَرُ خالَفَ يُخالِفُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذا هو مَفْعُولٌ لَهُ، والمَعْنى: فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ لِخِلافِ رَسُولِ اللهِ ، أو مَصْدَرٌ، ونَصْبُهُ في القَوْلِ الأوَّلِ كَأنَّهُ عَلى الظَرْفِ، وكَراهِيَتُهم لِما ذُكِرَ هي شُحٌّ إذْ لا يُؤْمِنُونَ بِالثَوابِ في سَبِيلِ اللهِ، فَهم يَظُنُّونَ بِالدُنْيا، وقَوْلُهُمْ: ﴿ لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ ﴾ كانَ؛ لِأنَّ غَزْوَةَ تَبُوكَ كانَتْ في وقْتِ شِدَّةِ الحَرِّ وطِيبِ الثِمارِ والظِلالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ، والناسُ، فَأُقِيمَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ بِأنْ قِيلَ لَهُمْ: فَإذا كُنْتُمْ تَجْزَعُونَ مِن حَرِّ القَيْظِ، فَنارُ جَهَنَّمَ الَّتِي هي أشَدُّ أحْرى أنْ تَجْزَعُوا مِنها لَوْ فَهِمْتُمْ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو حَيَوَةَ: "خَلْفَ"، وذَكَرَها يَعْقُوبُ ولَمْ يَنْسِبْها، وقُرِئَ: "خُلْفَ" بِضَمِّ الخاءِ، ويُقَوِّي قَوْلَ الطَبَرِيِّ "أنَّ لَفْظَةَ الخِلافِ هي مَصْدَرٌ مِن خالَفَ" ما تَظاهَرَتْ بِهِ الرِواياتُ مِن أنَّ رَسُولَ اللهِ أمَرَهم بِالنَفْرِ فَعَصَوْا وخالَفُوا وقَعَدُوا مُسْتَأْذِنِينَ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: قالَ: "لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ" رَجُلٌ مِن بَنِي سَلَمَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، الحَرُّ الشَدِيدُ فَلا تُنْفِرْ في الحَرِّ، قالَ النَقّاشُ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "يَعْلَمُونَ" بَدَلَ:يَفْقَهُونَ".
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، والرَبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: قَوْلُهُ: ﴿ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا ﴾ إشارَةٌ إلى مُدَّةِ العُمْرِ في الدُنْيا، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا ﴾ إشارَةٌ إلى تَأْبِيدِ الخُلُودِ في النارِ، فَجاءَ بِلَفْظِ الأمْرِ ومَعْناهُ الخَبَرُ عن حالِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ حالِهِمْ، أيْ: هم لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الخَطَرِ مَعَ اللهِ، وسُوءِ الحالِ بِحَيْثُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ضَحِكُهم قَلِيلًا وبُكاؤُهم مِن أجْلِ ذَلِكَ كَثِيرًا، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ وقْتُ الضَحِكِ والبُكاءِ في الدُنْيا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ لِأُمَّتِهِ: « "لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ولَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا"».
ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ لَمّا قالَ هَذا الكَلامَ أوحى اللهُ إلَيْهِ: "يا مُحَمَّدُ لا تُقَنِّطْ عِبادِي".» وقَوْلُهُ: "جَزاءً" مُتَعَلِّقٌ بِالمَعْنى الَّذِي تَقْدِيرُهُ: ولْيَبْكُوا كَثِيرًا إذْ هم مُعَذَّبُونَ جَزاءً، وقَوْلَهُ: "يَكْسِبُونَ" نَصٌّ في أنَّ التَكَسُّبَ هو الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الثَوابُ والعِقابُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ رَجَعَكَ اللهُ إلى طائِفَةٍ مِنهُمْ ﴾ الآيَةُ، "رَجَعَ" يَسْتَوِي مُجاوِزُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنْ" مُبَيِّنَةٌ أنَّ النَبِيَّ لا يَعْلَمُ بِمُسْتَقْبَلاتِ أمْرِهِ مِن أجَلٍ وسِواهُ، وأيْضًا فَيُحْتَمَلُ أنْ يَمُوتُوا هم قَبْلَ رُجُوعِهِ، وأمْرُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ بِأنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ ﴾ هو عُقُوبَةٌ لَهُمْ، وإظْهارٌ لِدَناءَةِ مَنزِلَتِهِمْ وسُوءِ حالِهِمْ، وهَذا هو المَقْصُودُ في قِصَّةِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في الِامْتِناعِ مِن أخْذِ صَدَقَتِهِ، ولا خِزْيَ أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ إنْسانٌ قَدْ رَفَضَهُ الشَرْعُ ورَدَّهُ كالجَمَلِ الأجْرَبِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إلى طائِفَةٍ ﴾ يَقْتَضِي عِنْدِي أنَّ المُرادَ رُؤُوسُهم والمَتْبُوعُونَ، وعَلَيْها وقَعَ التَشْدِيدُ بِأنَّها لا تَخْرُجُ ولا تُقاتِلُ عَدُوًّا، وكَرَّرَ مَعْنى قِتالِ العَدُوِّ؛ لِأنَّهُ عُظْمُ الجِهادِ ومَوْضِعُ بارِقَةِ السُيُوفِ الَّتِي تَحْتَها الجَنَّةُ، ولَوْلا تَخْصِيصُ الطائِفَةِ، لَكانَ الكَلامُ: "فَإنْ رَجَعَكَ اللهُ إلَيْهِمْ"، ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الطائِفَةُ قَدْ حَتَّمَ عَلَيْها بِالمُوافاةِ عَلى النِفاقِ، وعُيِّنُوا لِلنَّبِيِّ ، وإلّا فَكَيْفَ يَتَرَتَّبُ ألّا يُصَلِّيَ عَلى مَوْتاهم إنْ لَمْ يُعَيِّنْهُمُ اللهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَماتُوا وهم فاسِقُونَ ﴾ نَصٌّ في مُوافاتِهِمْ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا ما رُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ عَيَّنَهم لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، وكانَتِ الصَحابَةُ إذا رَأوا حُذَيْفَةَ تَأخَّرَ عَنِ الصَلاةِ عَلى جِنازَةِ رَجُلٍ تَأخَّرُوا هم عنها.» ورُوِيَ عن حُذَيْفَةَ أنَّهُ قالَ يَوْمًا: بَقِيَ مِنَ المُنافِقِينَ كَذا وكَذا، فَقالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنْشُدُكَ اللهَ أنا مِنهُمْ؟
فَقالَ: لا، وواللهِ لا أمَّنْتُ مِنها أحَدًا بَعْدَكَ؟
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مَعِي" بِسُكُونِ الياءِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِيما قالَ المُفَضَّلُ - "مَعِيَ" بِحَرَكَةِ الياءِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَوْلُهُ: "أوَّلَ" هو بِالإضافَةِ إلى وقْتِ الِاسْتِئْذانِ.
والخالِفُونَ: جَمِيعُ مَن تَخَلَّفَ مِن نِساءٍ وصِبْيانٍ وأهْلِ عُذْرٍ، غَلَّبَ المُذَكَّرَ فَجَمَعَ بِالياءِ والنُونِ وإنْ كانَ ثَمَّ نِساءٌ، وهو جَمْعٌ خالِفٍ.
وقالَ قَتادَةُ: الخالِفُونَ: النِساءُ، وهَذا مَرْدُودٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ الرِجالُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿ مَعَ الخالِفِينَ ﴾ أنْ يُرِيدَ: مَعَ الفاسِدِينَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِن: خَلَفَ الشَيْءُ إذا فَسَدَ، ومِنهُ: خُلُوفُ فَمِ الصائِمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَأْوِيلٌ مُقْحَمٌ، والأوَّلُ أفْصَحَ وأجْرى عَلى اللَفْظَةِ، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ، وعِكْرِمَةُ: "مَعَ الخَلِفِينَ" وهو مَقْصُورٌ مِنَ "الخالِفِينَ"، كَما قالَ: "عَرِدًا وبَرِدًا" يُرِيدُ: عارِدًا وبارِدًا، وكَما قالَ الآخَرُ: مِثْلُ النَقا لَبْدُهُ بَرْدُ الظِلَلِ يُرِيدُ: الظِلالَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إنَّهم كَفَرُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ وماتُوا وهم فاسِقُونَ ﴾ ﴿ وَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأولادُهم إنَّما يُرِيدُ اللهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ ﴾ ﴿ وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَوْلِ مِنهم وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ ﴾ ﴿ رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في شَأْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وصَلاةُ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ.
رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ «أنَّ رَسُولَ اللهِ لَمّا تَقَدَّمَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ جاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، فَجَذَبَهُ بِثَوْبِهِ وتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ، ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا الآيَةُ، فانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ولَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ،» وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلّى عَلَيْهِ، وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، وفي كِتابِ الجَنائِزِ مِنَ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ جابِرٍ قالَ: « "أتى رَسُولُ اللهِ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيِّ بَعْدَما أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ فَأمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ ووَضَعَهُ عَلى رُكْبَتِهِ ونَفَثَ عَلَيْهِ مِن رِيقِهِ، وألْبَسَهُ قَمِيصَهُ"،» وَرُوِيَ في ذَلِكَ «أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعَثَ إلى رَسُولِ اللهِ في مَرَضِهِ ورَغِبَ إلَيْهِ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ وأنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ.» ورُوِيَ «أنَّ ابْنَهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ جاءَ رَسُولَ اللهِ بَعْدَ مَوْتِ أبِيهِ فَرَغِبَ في ذَلِكَ وفي أنْ يَكْسُوَهُ قَمِيصَهُ الَّذِي يَلِي بَدَنَهُ، فَفَعَلَ، فَلَمّا جاءَ رَسُولُ اللهِ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ قامَ إلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، أتُصَلِّي عَلَيْهِ وقَدْ نَهاكَ اللهُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لَهُمْ؟
وجَعَلَ يُعَدِّدُ أفْعالَ عَبْدِ اللهِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ : "أخِّرْ عَنِّي يا عُمَرُ فَإنِّي خُيِّرْتَ، ولَوْ أعْلَمُ أنِّي إنْ زِدْتُ عَلى السَبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ"»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: « "إنَّ قَمِيصِي لا يُغْنِي عنهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وإنِّي لِأرْجُو أنْ يُسْلِمَ بِفِعْلِي هَذا ألْفُ رَجُلٍ مِن قَوْمِي"»، كَذا في بَعْضِ الرِواياتِ، يُرِيدُ: مِن مُنافِقِي العَرَبِ، والصَحِيحُ أنَّهُ قالَ: "رِجالٌ مِن قَوْمِهِ"، فَسَكَتَ عُمَرُ، وصَلّى رَسُولُ اللهِ عَلى عَبْدِ اللهِ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، وصَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ لِمَوْضِعِ إظْهارِ الإيمانِ، ومُحالٌ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ وهو يَتَحَقَّقُ كُفْرَهُ، وبَعْدَ هَذا -واللهُ أعْلَمُ- عُيِّنَ لَهُ مَن لا يُصَلِّي عَلَيْهِ، ووَقَعَ في مَغازِي أبِي إسْحاقَ وفي بَعْضِ كُتُبِ التَفْسِيرِ: فَأسْلَمَ وتابَ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ مِن رَسُولِ اللهِ والرَغْبَةِ مِن عَبْدِ اللهِ ألْفُ رَجُلٍ مِنَ الخَزْرَجِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، قالَهُ مَن لَمْ يَعْرِفْ عِدَّةَ الأنْصارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ ﴾ الآيَةُ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ والمُرادُ أُمَّتُهُ إذْ هو بِإجْماعٍ- مِمَّنْ لا تَفْتِنُهُ زَخارِفُ الدُنْيا.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: "وَلا تُعْجِبُكَ أيُّها الإنْسانُ"، والمُرادُ الجِنْسُ، ووَجْهُ تَكْرِيرِها تَأْكِيدُ هَذا المَعْنى وإيضاحُهُ، لِأنَّ الناسَ كانُوا يُفْتَنُونَ بِصَلاحِ حالِ المُنافِقِينَ في دُنْياهم.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ﴾ الآيَةُ، العامِلُ في "إذا" "اسْتَأْذَنَكَ"، والسُورَةُ المُشارُ إلَيْها هي بَراءَةٌ فِيما قالَ بَعْضُهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إلى كُلِّ سُورَةٍ فِيها الأمْرُ بِالإيمانِ والجِهادِ مَعَ الرَسُولِ ، وسُورَةُ القُرْآنِ أُجْمِعَ عَلى تَرْكِ هَمْزِها في الِاسْتِعْمالِ، واخْتُلِفَ هَلْ أصْلُها الهَمْزُ أمْ لا فَقِيلَ: أصْلُها الهَمْزُ، فَهي مِن أسْأرَ إذا بَقِيَتْ لَهُ قِطْعَةٌ مِنَ الشَيْءِ، فالسُورَةُ: قِطْعَةٌ مِنَ القُرْآنِ، وقِيلَ: أصْلُها ألّا تُهْمَزَ فَهي كَسُورَةِ البِناءِ، وهي ما انْبَنى مِنهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَهي الرُتْبَةُ بَعْدَ الرُتْبَةِ، ومِن هَذا قَوْلُ النابِغَةِ: ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ أعْطاكَ سُورَةً ∗∗∗ تَرى كُلَّ مَلِكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ وقَدْ مَضى هَذا كُلُّهُ مُسْتَوْعَبًا في صَدْرِ هَذا الكِتابِ.
و"أنْ" في قَوْلِهِ: "أنْ آمِنُوا" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى أيْ، فَهي -عَلى هَذا- لا مَوْضِعَ لَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: بِـ "أنْ" فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ، و"الطَوْلُ" في هَذِهِ الآيَةِ: المالُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وغَيْرُهُما، والإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، ومَعْتَبِ بْنِ قَشَيْرٍ، ونُظَرائِهِمْ.
والقاعِدُونَ: الزَمْنى وأهْلُ العُذْرِ في الجُمْلَةِ ومَن تُرِكَ لِضَبْطِ المَدِينَةِ لِأنَّ ذَلِكَ عُذْرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ ﴾ الآيَةُ، تَقْرِيعٌ وإظْهارُ شُنْعَةٍ كَما يُقالُ عَلى وجْهِ التَعْيِيرِ: رَضِيتَ يا فُلانُ كَذا؟
و"الخَوالِفُ": النِساءُ، جَمْعُ خالِفَةٍ، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ النَحّاسُ: يُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ: خالِفَةٌ، فَهَذا جَمْعُهُ بِحَسَبِ اللَفْظِ، والمُرادُ أخِسَّةُ الناسِ وأخالِفُهُمْ، وقالَ النَضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ في كِتابِ النَقّاشِ: الخَوالِفُ: مَن لا خَيْرَ فِيهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الخَوالِفُ جَمْعُ خالِفٍ فَهو جارٍ مَجْرى فَوارِسَ ونَواكِسَ وهَوالِكَ.
و"طُبِعَ" في هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَعارٌ، ولَمّا كانَ الطَبْعُ عَلى الصَوّانِ والكِتابِ مانِعًا مِنهُ وحافِظًا عَلَيْهِ شَبَّهَ القَلْبَ الَّذِي قَدْ غَشِيَهُ الكُفْرُ والضَلالُ حَتّى مَنَعَ الإيمانَ والهُدى مِنهُ بِالصَوّانِ المَطْبُوعِ عَلَيْهِ، ومِن هَذا اسْتِعارَةٌ الغُفْلِ والكِنانِ لِلْقَلْبِ، و"لا يَفْقَهُونَ" مَعْناهُ: لا يَفْهَمُونَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَكِنِ الرَسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ أعَدَّ اللهُ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ ﴿ وَجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهم وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ ورَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ الأكْثَرُ في "لَكِنْ" أنْ تَجِيءَ بَعْدَ نَفْيٍ، وهو هُنا في المَعْنى، وذَلِكَ أنَّ الآيَةَ السالِفَةَ مَعْناها أنَّ المُنافِقِينَ لَمْ يُجاهِدُوا فَحَسُنَ بَعْدَها: ( لَكِنَّ الرَسُولَ والمُؤْمِنُونَ جاهَدُوا )، والخَيْراتُ جَمْعُ خَيْرَةٍ، وهو المُسْتَحْسَنُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في النِساءِ، فَمِن ذَلِكَ قوله عزّ وجلّ: ﴿ فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ ﴾ ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ، أنْشَدَهُ الطَبَرِيُّ: ولَقَدْ طَعنتُ مَجامِعَ الرَبَلاتِ...
رَبَلاتِ هِنْدٍ خِيرَةِ المَلِكاتِ و"المُفْلِحُونَ": الَّذِينَ أدْرَكُوا بُغْيَتَهم مِنَ الجَنَّةِ، والفَلاحُ يَأْتِي بِمَعْنى إدْراكِ البُغْيَةِ، مِن ذَلِكَ قَوْلُ لَبِيدٍ: أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُبْلَغُ بِالضَعْـ...
فِ وقَدْ يُخْدَعُ الأرِيبُ وقَدْ يَأْتِي بِمَعْنى البَقاءِ كَقَوْلِ الشاعِرِ: لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الهُمُومِ سَعَهْ...
والمُسْىُ والصُبْحُ لا فَلاحَ مَعَهْ أيْ لا بَقاءَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبُلُوغُ البُغْيَةِ يَعُمُّ لَفْظَةَ الفَلاحِ حَيْثُ وقَعَتْ فَتَأمَّلْهُ.
و"أعَدَّ" مَعْناهُ: يَسَّرَ وهَيَّأ، وقَوْلُهُ: "مِن تَحْتِها" يُرِيدُ: مِن تَحْتِ مَبانِيها وأعالِيها، و"الفَوْزُ" حُصُولُ الإنْسانِ عَلى أمَلِهِ وظَفَرُهُ بِبُغْيَتِهِ، ومِن ذَلِكَ فَوْزُ سِهامِ الأيْسارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ ﴾ الآيَةُ، اخْتَلَفَ المُتَألُّونَ في هَؤُلاءِ الَّذِي جاءُوا هَلْ كانُوا مُؤْمِنِينَ أو كافِرِينَ؟، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَوْمٌ مَعَهُ مِنهم مُجاهِدٌ: كانُوا مُؤْمِنِينَ وكانَتْ أعْذارُهم صادِقَةً، وقَرَأ: "وَجاءَ المُعْذِرُونَ" بِسُكُونِ العَيْنِ، وهي قِراءَةُ الضَحّاكِ، وحَمِيدُ الأعْرَجِ، وأبِي صالِحٍ، وعِيسى بْنِ هِلالٍ، وقَرَأ بَعْضُ قائِلِي هَذِهِ المَقالَةَ "المُعَذِّرُونَ" بِشَدِّ الذالِ، قالُوا: وأصْلُهُ "المُتَعَذَّرُونَ" فَقُلِبَتِ التاءُ ذالًا وأُدْغِمَتْ.
ويَحْتَمِلُ "المُعْتَذِرُونَ" في هَذا القَوْلِ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: المُتَعَذَّرُونَ بِأعْذارٍ حَقٍّ، والآخَرُ أنْ يَكُونَ: الَّذِينَ قَدْ بَلَغُوا عُذْرَهم مِنَ الِاجْتِهادِ في طَلَبِ الغَزْوِ مَعَكَ فَلَمْ يَقْدِرُوا، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِ لَبِيدٍ: ....................
∗∗∗ ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ وقالَ قَتادَةُ وفِرْقَةٌ مَعَهُ: بَلِ الَّذِينَ جاءُوا كَفَرَةٌ، وقَوْلُهم وعُذْرُهم كَذِبٌ، وكُلُّ هَذِهِ الفِرْقَةِ قَرَأ: "المُعَذِّرُونَ" بِشَدِّ الذالِ، فَمِنهم مَن قالَ: أصْلُهُ المُتَعَذَّرُونَ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ التاءِ إلى العَيْنِ وأُدْغِمَتِ التاءُ في الذالِ، والمَعْنى: مُعْتَذِرُونَ بِكَذِبٍ، ومِنهم مَن قالَ: هو مِنَ التَعْذِيرِ، أيِ الَّذِينَ يَعْذُرُونَ الغَزْوَ ويَدْفَعُونَ في وجْهِ الشَرْعِ، فالآيَةُ إلى آخِرِها -فِي هَذا القَوْلِ- إنَّما وصَفَتْ صِنْفًا واحِدًا في الكُفْرِ يَنْقَسِمُ إلى أعْرابِيٍّ وحَضَرِيٍّ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ وصَفَتْ صِنْفَيْنِ مُؤْمِنًا وكافِرًا، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقالَ بَعْضُهُمْ: سَألْتُ مَسْلَمَةَ فَقالَ: "المُعَذِّرُونَ" بِشَدِّ العَيْنِ والذالِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: أرادَ: المُعْتَذِرِينَ، والتاءُ لا تُدْغَمُ في العَيْنِ لِبُعْدِ المَخارِجِ، وهي غَلَطٌ عنهُ أو عَلَيْهِ، قالَ أبُو عَمْرٍو: وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "المُعْتَذِرُونَ" بِزِيادَةِ تاءٍ، وقَرَأ الحَسَنُ -بِخِلافٍ عنهُ- وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، والناسُ: "كَذَبُوا" بِتَخْفِيفِ الذالِ، وقَرَأ الحَسَنُ -وَهُوَ المَشْهُورُ عنهُ- وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ونُوحٌ، وإسْماعِيلُ: "كَذَّبُوا" بِتَشْدِيدِ الذالِ، والمَعْنى: لَمْ يُصَدِّقُوهُ تَعالى ولا رَسُولَهُ ورَدُّوا عَلَيْهِ أمْرَهُ، ثُمَّ تَوَعَّدَ -فِي آخِرِ الآيَةِ- الكافِرِينَ بِعَذابٍ ألِيمٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ في الدُنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ في الآخِرَةِ بِالنارِ.
وقَوْلُهُ: "مِنهُمْ" يُرِيدُ أنَّ المُعَذِّرِينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ، ويُرَجِّحُهُ بَعْضُ التَرْجِيحِ فَتَأمَّلْهُ، وضَعَّفَ الطَبَرِيُّ قَوْلَ مَن قالَ إنَّ "المُعَذِّرِينَ" مِنَ التَعْذِيرِ وأنَحى عَلَيْهِ، والقَوْلُ مَنصُوصٌ ووَجْهُهُ بَيِّنٌ واللهُ المُعِينُ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: "المُعَذِّرُونَ" نَفَرٌ مِن بَنِي غِفارٍ، مِنهم خِفافُ بْنُ إيماءَ بْنِ رُحْضَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم مُؤْمِنُونَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَيْسَ عَلى الضُعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَمْعِ حَزَنًا ألا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ ﴾ يَقُولُ تَعالى: لَيْسَ عَلى أهْلِ الأعْذارِ الصَحِيحَةِ مِن ضَعْفِ أبْدانٍ أو مَرَضٍ أو زَمانَةٍ أو عَدَمِ نَفَقَةٍ إثْمٌ، والحَرَجُ: الإثْمُ، وقَوْلُهُ: ﴿ إذا نَصَحُوا ﴾ يُرِيدُ: بِنِيّاتِهِمْ وأقْوالِهِمْ سِرًّا وجَهْرًا، وقَرَأ أبُو حَيَوَةَ: "نَصَحُوا اللهَ ورَسُولَهُ" بِغَيْرِ لامٍ وبِنَصْبِ الهاءِ المَكْتُوبَةِ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ﴾ الآيَةُ، في لائِمَةٍ تُناطُ بِهِمْ أو تَذْنِيبٍ أو عُقُوبَةٍ، ثُمَّ أكَّدَ الرَجاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ .
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "واللهُ لِأهْلِ الإساءَةِ غَفُورٌ رَحِيمٌ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى جِهَةِ التَفْسِيرِ أشْبَهُ مِنهُ عَلى جِهَةِ التِلاوَةِ لِخِلافِهِ المُصْحَفَ.
واخْتُلِفَ فِيمَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ ﴾ .
فَقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ في بَنِي مُقَرِّنٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبَنُو مُقَرِّنٍ سِتَّةُ إخْوَةٍ صَحِبُوا النَبِيَّ ، ولَيْسَ في الصَحابَةِ سِتَّةُ إخْوَةٍ غَيْرُهُمْ، وقِيلَ: كانُوا سَبْعَةً.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ ﴾ الآيَةُ، اخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
فَقِيلَ: نَزَلَتْ في عِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، وقِيلَ: في عائِذِ بْنِ عَمْرٍو، وقِيلَ: في أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ ورَهْطِهِ، وقِيلَ: في بَنِي مُقَرِّنٍ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في سَبْعَةِ نَفَرٍ مِن بُطُونٍ شَتّى، فَهُمُ البَكّاءُونَ، وهم سالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وحَرَمِيُّ بْنُ عَمْرٍو مِن بَنِي واقِفٍ، وأبُو لَيْلى عَبْدُ الرَحْمَنِ مِن بَنِي مازِنِ بْنِ النَجّارِ، وسُلَيْمانُ بْنُ صَخْرٍ مِن بَنِي المُعَلّى، وأبُو رَعِيلَةَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ مِن بَنِي حارِثَةَ، وهو الَّذِي تَصَدَّقُ بِعِرْضِهِ فَقَبِلَ اللهُ مِنهُ، وعَمْرُو بْنُ غَنَمَةَ مِن بَنِي سَلَمَةَ، وعائِدُ بْنُ عَمْرٍو المُزَنِيُّ، وقِيلَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو المُزَنِيُّ، قالَ هَذا كُلَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، وقالَ مُجاهِدٌ: البَكّاؤُونَ هم بَنُو بَكْرٍ مِن مُزَيْنَةَ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: "لِتَحْمِلَهُمْ" أيْ عَلى ظَهْرٍ يُرْكَبُ ويُحْمَلُ عَلَيْهِ الأثاثُ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّما اسْتَحْمَلُوهُ النِعالَ، ذَكَرَهُ النَقّاشُ عَنِ الحَسَنِ بْنِ صالِحٍ، وهَذا بَعِيدٌ شاذٌّ.
والعامِلُ في "إذا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: "قُلْتَ" ويَكُونُ قَوْلُهُ: "تَوَلَّوْا" مَقْطُوعًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ: "تَوَلَّوْا" ويَكُونُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: فَقُلْتَ، أو يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ ﴾ بِمَنزِلَةِ: وجَدُوكَ في هَذِهِ الحالِ.
وفي الكَلامِ اخْتِصارٌ وإيجازٌ ولا بُدَّ، يَدُلُّ ظاهِرُ الكَلامِ عَلى ما اخْتُصِرَ مِنهُ، وقالَ الجُرْجانِيُّ في "النَظْمِ" لَهُ: إنَّ قَوْلَهُ: "قُلْتَ" في حُكْمِ المَعْطُوفِ تَقْدِيرُهُ: وقُلْتَ، و"حَزَنًا" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، وقَرَأ مَعْقِلُ بْنُ هارُونَ: "لِنَحْمِلَهُمْ" بِنُونِ الجَماعَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما السَبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهم أغْنِياءُ رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكم قَدْ نَبَّأنا اللهُ مِن أخْبارِكم وسَيَرى اللهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ قَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ "إنَّما" لَيْسَ بِحَصْرٍ، وإنَّما هي لِلْمُبالَغَةِ فِيما يُرِيدُ تَقْرِيرَهُ عَلى نَحْوِ قَوْلِكَ: "إنَّما الشُجاعُ عنتَرَةُ"، ويَقْضِي بِذَلِكَ أنّا نَجِدُ "السَبِيلَ" في الشَرْعِ عَلى غَيْرِ هَذِهِ الفِرْقَةِ "مَوْجُودًا"، والسَبِيلُ قَدْ تُوصَلُ بِـ "عَلى" وبِـ"إلى" فَتَقُولُ: لا سَبِيلَ عَلى فُلانٍ، ولا سَبِيلَ إلى فُلانٍ، غَيْرَ أنَّ وُصُولَها بِـ "عَلى" يَقْتَضِي أحْيانًا ضَعْفَ المُتَوَصَّلِ إلَيْهِ وقِلَّةَ مَنَعَتِهِ، فَلِذَلِكَ حَسُنَتْ في هَذِهِ الآيَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في "إلى"، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: "فُلانٌ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الأمْرِ ولا إلى طاعَةِ اللهِ"، ولا يَحْسُنُ في شَبْهِ هَذا "عَلى"، والسَبِيلُ -فِي هَذِهِ الآيَةِ- سَبِيلُ المُعاقَبَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ: عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ومَعْتَبُ، وغَيْرُهُمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْتَذِرُونَ إلَيْكُمْ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ المُخاطَبَةُ لِلنَّبِيِّ ، واشْتَرَكَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ في بَعْضٍ لِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَعْتَذِرُونَ أيْضًا إلى المُؤْمِنِينَ، ولِأنَّ أنْباءَ اللهِ أيْضًا تَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ رَجَعْتُمْ ﴾ يُرِيدُ: مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ ﴾ مَعْناهُ: لَنْ نُصَدِّقَكُمْ، ولَكِنْ لَفْظَةُ "نُؤْمِنُ" تَتَّصِلُ بِلامٍ أحْيانًا كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ( يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ )، و"نَبَّأ" -فِي هَذِهِ الآيَةِ- قِيلَ: هي بِمَعْنى عَرَّفَ لا تَحْتاجُ إلى أكْثَرَ مِن مَفْعُولَيْنِ، فالضَمِيرُ مَفْعُولٌ أوَّلُ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن أخْبارِكُمْ ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ في زِيادَةِ "مِن" في الواجِبِ، فالتَقْدِيرُ: قَدْ نَبَّأْنا اللهُ أخْبارَكُمْ، وهو عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ نَعْتٌ لِمَحْذُوفٍ هو المَفْعُولُ الثانِي تَقْدِيرُهُ: قَدْ نَبَّأْنا اللهُ جَلِيَّةً مِن أخْبارِكُمْ، وقِيلَ: "نَبَّأ" بِمَعْنى أعْلَمَ يَحْتاجُ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ، فالضَمِيرُ واحِدٌ، و ﴿ مِن أخْبارِكُمْ ﴾ ثانٍ حَسَبَ ما تَقَدَّمَ مِنَ القَوْلَيْنِ، والثالِثُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِهِ: قَدْ نَبَّأْنا اللهُ مِن أخْبارِكم كَذِبًا أو نَحْوَهُ، وحَذْفُ هَذا المَفْعُولِ مَعَ الدَلالَةِ عَلَيْهِ جائِزٌ بِخِلافِ الِاقْتِصارِ، وذَلِكَ أنَّ الِاقْتِصارَ إنَّما يَجُوزُ إمّا عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ ويَسْقُطُ الِاثْنانِ إذْ هُما الِابْتِداءُ والخَبَرُ، وإمّا عَلى الِاثْنَيْنِ الأخِيرَيْنِ ويَسْقُطُ الأوَّلُ، وإمّا أنْ يَقْتَصِرَ عَلى المَفْعُولَيْنِ الأوَّلَيْنِ ويُسْقِطَ الثالِثَ دُونَ دَلالَةٍ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لا يَجُوزُ، ويَجُوزُ حَذْفُهُ مَعَ الدَلالَةِ عَلَيْهِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قَدْ نَبَّأنا اللهُ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ ما زادُوكم إلا خَبالا ولأوضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ ﴾ ونَحْوِ هَذا.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَسَيَرى اللهُ ﴾ تَوَعُّدُ مَعْناهُ: وسَيَراهُ في حالِ وُجُودِهِ ويَقَعُ الجَزاءُ مِنهُ عَلَيْهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.
وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ ﴾ يُرِيدُ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ، والغَيْبُ والشَهادَةُ يَعُمّانِ جَمِيعَ الأشْياءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَيُنَبِّئُكُمْ ﴾ مَعْناهُ: التَخْوِيفُ مِمَّنْ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عنهم فَأعْرِضُوا عنهم إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عنهم فَإنْ تَرْضَوْا عنهم فَإنْ اللهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ ﴾ ﴿ الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا وأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أوَّلِ ما نَزَلَ في شَأْنِ المُنافِقِينَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وذَلِكَ «أنَّ بَعْضَ المُنافِقِينَ اعْتَذَرُوا إلى النَبِيِّ ، واسْتَأْذَنُوهُ في القُعُودِ قَبْلَ مَسِيرِهِ فَأذِنَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا مِن عِنْدِهِ وقالَ أحَدُهُمْ: واللهِ ما هو إلّا شَحْمَةٌ لِأوَّلِ آكِلٍ، فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ، نَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ، فانْصَرَفَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ فَقالَ لِلْمُنافِقِينَ في مَجْلِسٍ مِنهُمْ: واللهِ لَقَدْ نَزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ فِيكم قُرْآنٌ، فَقالُوا لَهُ: وما ذَلِكَ؟
فَقالَ: لا أحْفَظُ إلّا أنِّي سَمِعْتُ وصْفَكم فِيهِ بِالرِجْسِ، فَقالَ لَهم مَخْشِيٌّ: واللهِ لَوَدِدْتُ أنْ أُجْلَدَ مِائَةَ جَلْدَةٍ ولا أكُونُ مَعَكُمْ، فَخَرَجَ حَتّى لَحِقَ بِرَسُولِ اللهِ ، فَقالَ لَهُ: ما جاءَ بِكَ؟
فَقالَ: وجْهُ رَسُولِ اللهِ تَسْفَعُهُ الرِيحُ وأنا في الكِنِّ، فَرُوِيَ أنَّهُ مِمَّنْ تابَ.» وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأعْرِضُوا عنهُمْ ﴾ أُمِرْنا بِانْتِهارِهِمْ وعُقُوبَتِهِمْ بِالإعْراضِ والوَصْمِ بِالنِفاقِ، وهَذا مَعَ إجْمالٍ لا مَعَ تَعْيِينٍ مُصَرَّحٍ مِنَ اللهِ ولا مِن رَسُولِهِ، بَلْ كانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مَيْدانُ المُغالَطَةِ مَبْسُوطًا، وقَوْلُهُ: ﴿ رِجْسٌ ﴾ أيْ نَتَنٌ وقَذَرٌ، وناهِيكَ بِهَذا الوَصْفِ مَحَطَّةً دُنْياوِيَّةً، ثُمَّ عَطَفَ بِمَحَطَّةِ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿ وَمَأْواهم جَهَنَّمُ ﴾ أيْ مَسْكَنُهم.
ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ جَزاءً بِتَكَسُّبِهِمُ المَعاصِيَ والكُفْرَ مَعَ أنَّ ذَلِكَ مِمّا قَدَّرَهُ اللهُ وقَضاهُ لا رَبَّ غَيْرُهُ ولا مَعْبُودَ سِواهُ.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ «عن كَعْبِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ مِن تَبُوكَ جَلَسَ لِلنّاسِ فَجاءَهُ المُخَلَّفُونَ يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ ويَحْلِفُونَ، وكانُوا بِضْعَةً وثَمانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنهم رَسُولُ اللهِ عَلانِيَتَهم وبايَعَهم واسْتَغْفَرَ لَهُمْ، ووَكَلَ سَرائِرَهم إلى اللهِ تَعالى.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عنهُمْ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي قَبْلَها مُخاطَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مَعَ الرَسُولِ، والمَعْنى: يَحْلِفُونَ لَكم مُبْطِلِينَ ومَقْصِدُهم أنْ تَرْضَوْا لا أنَّهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِوَجْهِ اللهِ ولا لِلْبَرِّ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فَإنْ تَرْضَوْا ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ شَرْطٌ يَتَضَمَّنُ النَهْيَ عَنِ الرِضى عنهُمْ، وحُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ يَسْتَمِرُّ في كُلِّ مَغْمُوصٍ عَلَيْهِ بِبِدْعَةٍ ونَحْوِها، فَإنَّ المُؤْمِنَ يَنْبَغِي أنْ يُبْغِضَهُ ولا يَرْضى عنهُ لِسَبَبٍ مِن أسْبابِ الدُنْيا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا وأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللهُ ﴾ الآيَةُ، "الأعْرابُ" لَفْظَةٌ عامَّةٌ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ فِيمَنِ اسْتَثْناهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا مَعْلُومٌ بِالوُجُودِ وكَيْفَ كانَ الأمْرُ، وإنَّما انْطَلَقَ عَلَيْهِمْ هَذا الوَصْفُ بِحَسَبِ بُعْدِهِمْ عَنِ الحَواضِرِ ومَواضِعِ العِلْمِ والأحْكامِ والشَرْعِ، وهَذِهِ الآيَةُ إنَّما نَزَلَتْ في مُنافِقِينَ كانُوا في البَوادِي، ولا مَحالَةَ أنَّ خَوْفَهم هُناكَ أقَلُّ مِن خَوْفِ مُنافِقِي المَدِينَةِ، فَألْسِنَتُهم لِذَلِكَ مُطْلَقَةٌ، ونِفاقُهم أنْجَمُ.
وَأسْنَدَ الطَبَرِيُّ أنَّ زَيْدَ بْنَ صُوحانَ كانَ يُحَدِّثُ أصْحابَهُ بِالعِلْمِ وعِنْدَهُ أعْرابِيٌّ، وكانَ زَيْدٌ قَدْ أُصِيبَتْ يَدُهُ اليُسْرى يَوْمَ نَهاوَنْدَ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: واللهِ إنَّ حَدِيثَكَ لَيُعْجِبُنِي وإنَّ يَدَكَ لَتُرِيبُنِي، وقالَ زَيْدٌ: وما يُرِيبُكَ مِن يَدِي وهي الشِمالُ؟
فَقالَ الأعْرابِيُّ: واللهُ ما أدْرِي ألْيَمِينَ تَقْطَعُونَ أمِ الشِمالَ؟
فَقالَ زَيْدٌ: صَدَقَ اللهُ، ﴿ الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا وأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ ﴾ .
و"أجْدَرُ" مَعْناهُ: أحْرى وأقْمَنُ، والحُدُودُ هُنا: السُنَنُ والأحْكامُ ومَعالِمُ الشَرِيعَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَوْءِ واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ وَمِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ وصَلَواتِ الرَسُولِ ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهم سَيُدْخِلُهُمُ اللهِ في رَحْمَتِهِ إنَّ اللهِ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ هَذا نَصٌّ مِنَ المُنافِقِينَ مِنهُمْ، ومَعْنى "يَتَّخِذُ" في هَذِهِ الآياتِ أيْ: يَجْعَلُ مَقْصِدَهُ ولا يَنْوِي فِيهِ غَيْرَ ذَلِكَ، وأصْلُ المَغْرَمِ الدَيْنُ، ومِنهُ تَعَوَّذَ رَسُولُ اللهِ مِنَ المَغْرَمِ والمَأْثَمِ، ولَكِنْ كَثُرَ اسْتِعْمالُ المَغْرَمِ فِيما يُؤَدِّيهِ الإنْسانُ مِمّا لا يَلْزَمُهُ بِحَقٍّ، وفي اللَفْظِ مَعْنى اللُزُومِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا ﴾ أيْ: مَكْرُوهًا لازِمًا، و"الدَوائِرُ": المَصائِبُ الَّتِي لا مَخْلَصَ لِلْإنْسانِ مِنها فَهي تُحِيطُ بِهِ كَما تُحِيطُ الدائِرَةُ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ تُشْتَقَّ مِن دَوْرِ الزَمانِ، والمَعْنى: يَنْتَظِرُ بِكم ما تَأْتِي بِهِ الأيّامُ وتَدُورُ بِهِ.
ثُمَّ قالَ عَلى جِهَةِ الدُعاءِ: ﴿ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَوْءِ ﴾ ، وكُلُّ ما كانَ بِلَفْظِ دُعاءٍ مِن جِهَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّما هو بِمَعْنى إيجابِ الشَيْءِ، لِأنَّ اللهَ لا يَدْعُو عَلى مَخْلُوقاتِهِ وهي في قَبْضَتِهِ، ومِن هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾ ، ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ ، فَهي كُلُّها أحْكامٌ تامَّةٌ تَضَمَّنَها خَبَرُهُ تَبارَكَ وتَعالى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ السَبْعَةِ وغَيْرِهِمْ: "دائِرَةُ السَوْءِ" بِفَتْحِ السِينِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِخِلافٍ عنهُ، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ بِخِلافٍ عنهُما: "دائِرَةُ السُوءِ" بِضَمِّ السِينِ، واخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وقِيلَ: الفَتْحُ المَصْدَرُ والضَمُّ الِاسْمُ، واخْتَلَفَ الناسُ فِيهِما وهو اخْتِلافٌ يَقْرُبُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، والفَتْحُ في السِينِ يَقْتَضِي وصْفَ الدائِرَةِ بِأنَّها سَيِّئَةٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْنى "الدائِرَةِ" يَقْتَضِي مَعْنى "السَوْءِ" فَإنَّما هي إضافَةُ بَيانٍ وتَأْكِيدٍ، كَما قالُوا: "شَمْسُ النَهارِ" و"لَحْيا رَأْسِهِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا يُقالُ: "رَجُلُ سَوْءٍ" إلّا بِفَتْحِ السِينِ، هَذا قَوْلُ أكْثَرِهِمْ، وقَدْ حُكِيَ: "رَجُلُ سُوءٍ" بِضَمِّ السِينِ، وقَدْ قالَ الشاعِرُ: وكُنْتُ كَذِئْبِ السُوءِ لَمّا رَأى دَمًا ∗∗∗ بِصاحِبِهِ يَوْمًا أحالَ عَلى الدَمِ ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في فَتْحِ السِينِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللهِ ﴾ الآيَةُ، قالَ قَتادَةُ: (هَذِهِ ثَنِيَّةُ اللهِ تَعالى مِنَ الأعْرابِ)، و"يَتَّخِذُ" في هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا هي بِمَعْنى: يَجْعَلُهُ مَقْصِدًا، والمَعْنى: يَنْوِي بِنَفَقَتِهِ في سَبِيلِ اللهِ القُرْبَةَ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ واسْتِغْنامَ دُعاءِ الرَسُولِ ، فَفِي دُعائِهِ لَهم خَيْرُ الآخِرَةِ في النَجاةِ مِنَ النارِ، وخَيْرُ الدُنْيا في أرْزاقِهِمْ ومِنَحِ اللهِ لَهُمْ، فَـ "صَلَواتِ" -عَلى هَذا- عَطْفٌ عَلى "قُرُباتٍ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى "ما يُنْفِقُ"، أيْ: ويَتَّخِذُ بِالأعْمالِ الصالِحَةِ صَلَواتِ الرَسُولِ قُرْبَةً، والأُولى أبْيَنُ.
و"قُرُباتٍ" جَمْعُ قُرْبَةٍ أو قُرُبَةٍ بِسُكُونِ الراءِ وضَمِّها، وهُما لُغَتانِ، والصَلاةُ في هَذِهِ الآيَةِ: الدُعاءُ إجْماعًا، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الصَلاةُ مِنَ اللهِ رَحْمَةٌ، ومِنَ النَبِيِّ والمَلائِكَةِ دُعاءٌ، ومِنَ الناسِ عِبادَةٌ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "إنَّها" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَفَقَةِ، وهَذا في انْعِطافِ "الصَلَواتِ" عَلى "القُرُباتِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الصَلَواتِ، وهَذا في انْعِطافِهِ عَلى "ما يُنْفِقُ"، وقَرَأ نافِعٌ: "قُرُبَةً" بِضَمِّ الراءِ، واخْتُلِفَ عنهُ وعن عاصِمٍ والأعْمَشِ، وقَرَأ الباقُونَ: "قُرْبَةً" بِسُكُونِ الراءِ، ولَمْ يُخْتَلَفْ في "قُرُباتٍ"، ثُمَّ وعَدَ تَبارَكَ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ في رَحْمَتِهِ ﴾ الآيَةُ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في بَنِي مُقَرِّنٍ مِن مُزَيْنَةَ، وقالَهُ مُجاهِدٌ.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ مُغَفَّلِ بْنِ مُقَرِّنٍ أنَّهُ قالَ: كُنّا عِشْرَةً ولَدَ مُقَرِّنٍ فَنَزَلَتْ فِينا: ﴿ وَمِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللهِ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ: "عَشْرَةً ولَدَ مُقَرِّنٍ" يُرِيدُ السِتَّةَ أولادَ مُقَرِّنٍ لِصُلْبِهِ أوِ السَبْعَةَ عَلى ما في الِاسْتِيعابِ مِن قَوْلِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، وبَنِيهِمْ لِأنَّ هَذا هو الَّذِي في مَشْهُورِ دَواوِينِ أهْلِ العِلْمِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والسابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عنهم ورَضُوا عنهُ وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِفاقِ لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهم سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ ﴾ قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ سِيرِينَ، وقَتادَةُ: "السابِقُونَ الأوَّلُونَ": مَن صَلّى القِبْلَتَيْنِ، وقالَ عَطاءٌ: "السابِقُونَ الأوَّلُونَ": مَن شَهِدَ بَدْرًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحُوِّلَتِ القِبْلَةُ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ.
وقالَ عامِرُ بْنُ شَراحِيلَ الشَعْبِيُّ: ( السابِقُونَ الأوَّلُونَ ): مَن أدْرَكَ بَيْعَةَ الرِضْوانِ، ﴿ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ ﴾ يُرِيدُ سائِرَ الصَحابَةِ، ويَدْخُلُ في هَذا اللَفْظِ التابِعُونَ وسائِرُ الأُمَّةِ لَكِنْ بِشَرِيطَةِ الإحْسانِ، وقَدْ لَزِمَ هَذا الِاسْمُ الطَبَقَةَ الَّتِي رَأتْ مَن رَأى النَبِيَّ ، ولَوْ قالَ قائِلٌ: إنَّ السابِقِينَ الأوَّلِينَ هم جَمِيعُ مَن هاجَرَ إلى أنِ انْقَطَعَتِ الهِجْرَةِ لَكانَ قَوْلًا يَقْتَضِيهِ اللَفْظُ، وتَكُونُ "مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ، و"الَّذِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ عَطْفُ عَلى قَوْلِهِ: "والسابِقُونَ".
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ، وسَلامٌ، وسَعِيدٌ، ويَعْقُوبُ بْنُ طَلْحَةَ، وعِيسى الكُوفِيُّ: "والسابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارُ" بِرَفْعِ الراءِ عَطْفًا عَلى "والسابِقُونَ"، وكَذَلِكَ يَنْعَطِفُ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ ﴾ جَعَلَ الِاتِّباعَ عَدِيلًا لِلْأنْصارِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ أنَّ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ سَمِعَهُ فَرَدَّهُ فَبَعَثَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ في أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَسَألَهُ فَقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ﴿ والسابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ ﴾ ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما كُنّا نَرى إلّا أنّا قَدْ رُفِعْنا رِفْعَةً لا يَنالُها مَعَنا أحَدٌ، فَقالَ أُبَيٌّ: إنَّ مِصْداقَ هَذا في كِتابِ اللهِ في أوَّلِ سُورَةِ الجُمْعَةِ: ﴿ وَآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ﴾ ، وفي سُورَةِ الحَشْرِ: ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ﴾ ، وفي سُورَةِ الأنْفالِ في قَوْلِهِ: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكُمْ ﴾ ، فَرَجَعَ عُمَرُ إلى قَوْلِ أُبَيٍّ، ونَبَّهَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ التابِعَيْنِ وهُمُ الَّذِينَ أدْرَكُوا أصْحابَ رَسُولِ اللهِ ، كَما نَبَّهَ مَن ذَكَرَهم قَوْلُهُ : « "اللهُمَّ ارْحَمِ الأنْصارَ وَأبْناءَ الأنْصارِ وأبْناءَ أبْناءِ الأنْصارِ"» فَتَأمَّلْهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "مِن تَحْتِها الأنْهارُ"، وقَرَأ الباقُونَ: "تَحْتَها" بِإسْقاطِ "مِن"، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: الحُكْمُ بِالرِضى عنهم بِإدْخالِهِمُ الجَنَّةَ وغَفْرِ ذُنُوبِهِمْ، والحُكْمُ بِرِضاهم عنهُ في شُكْرِهِمْ وحَمْدِهِمْ عَلى نِعَمِهِ وإيمانِهِمْ بِهِ وطاعَتِهِمْ لَهُ، جَعَلَنا اللهُ مِنَ الفائِزِينَ بِرَحْمَتِهِ ومَنِّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ ﴾ الآيَةُ.
مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ شَرَّكَ في بَعْضِها أُمَّتَهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ ﴾ إلى جُهَيْنَةَ ومُزَيْنَةَ وأسْلَمَ وغِفارٍ وعُصَيَّةَ ولِحْيانَ وغَيْرِهِمْ مِنَ القَبائِلِ المُجاوِرَةِ لِلْمَدِينَةِ، فَأخْبَرَ اللهُ عن مُنافِقِيهِمْ، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: "وَمِن أهْلِ المَدِينَةِ قَوْمٌ أو مُنافِقُونَ"، هَذا أحْسَنُ ما حَمَلَهُ اللَفْظُ، و"مَرَدُوا" قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: مُرِّنُوا عَلَيْهِ ولَجُّوا فِيهِ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو قَرِيبٌ مِنهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أقامُوا عَلَيْهِ لَمْ يَتُوبُوا كَما تابَ الآخَرُونَ.
والظاهِرُ مِن مَعْنى اللَفْظِ أنَّ التَمَرُّدَ في الشَيْءِ أوِ المُرُودُ عَلَيْهِ إنَّما هو اللَجاجُ والِاسْتِهْتارُ بِهِ والعُتُوُّ عَلى الزاجِرِ ورُكُوبُ الرَأْسِ في ذَلِكَ، وهو مُسْتَعْمَلٌ في الشَرِّ لا في الخَيْرِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: شَيْطانٌ مارِدٌ ومَرِيدٍ، ومِن هَذا سُمِّيَتْ مُرادٌ لِأنَّها تَمَرَّدَتْ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: يُقالُ: "تَمَرَّدَ الرَجُلُ في أمْرِ كَذا" إذا تَجَرَّدَ لَهُ، وهو مِن قَوْلِهِمْ: "شَجَرَةٌ مَرْداءُ" إذا لَمْ يَكُنْ عَلَيْها ورَقٌ، ومِنهُ: ﴿ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "تَمَرَّدَ مارِدٌ وعَزَّ الأبْلَقُ"، ومِنهُ الأمْرَدُ الَّذِي لا لِحْيَةَ لَهُ، فَمَعْنى "مَرَدُوا" في هَذِهِ الآيَةِ: لَجُّوا فِيهِ واسْتَهْتَرُوا بِهِ وعَتَوْا عَلى زاجِرِهِمْ.
ثُمَّ نَفى عَزَّ وجَلَّ عِلْمَ نَبِيِّهِ بِهِمْ عَلى التَعْيِينِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ﴾ قالَ: فَما بالُ أقْوامٍ يَتَكَلَّفُونَ عِلْمَ الناسِ، فُلانٌ في الجَنَّةِ، فُلانٌ في النارِ، فَإذا سَألْتَ أحَدَهم عن نَفْسِهِ قالَ: لا أدْرِي، أنْتَ لَعَمْرِي بِنَفْسِكَ أعْلَمُ مِنكَ بِأعْمالِ الناسِ، ولَقَدْ تَكَلَّفْتَ شَيْئًا ما تُكَلَّفَهُ الرُسُلُ، قالَ نَبِيُّ اللهِ نُوحٌ : ﴿ قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ، وقالَ نَبِيُّ اللهِ شُعَيْبٌ: ﴿ بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ ﴾ ، وقالَ تَبارَكَ وتَعالى لِنَبِيِّهِ : ﴿ لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ ﴾ .
في مُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "سَيُعَذِّبُهُمْ" بِالياءِ والكَلامُ -عَلى القِراءَتَيْنِ- وعِيدٌ، واللَفْظُ يَقْتَضِي ثَلاثَةَ مَواطِنَ مِنَ العَذابِ، ولا خِلافَ بَيْنِ المُتَأوِّلِينَ أنَّ العَذابَ العَظِيمَ الَّذِي يُرَدُّونَ إلَيْهِ هو عَذابُ الآخِرَةِ، وأكْثَرُ الناسِ أنَّ العَذابَ المُتَوَسِّطَ هو عَذابُ القَبْرِ، واخْتُلِفَ في عَذابِ المَرَّةِ الأُولى فَقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هو عَذابُهم بِالقَتْلِ والجُوعِ، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ مِنهم مَن لَمْ يُصِبْهُ هَذا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: عَذابُهم هو بِإقامَةِ حُدُودِ الشَرْعِ عَلَيْهِمْ مَعَ كَراهِيَتِهِمْ فِيهِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: عَذابُهم هو هَمُّهم بِظُهُورِ الإسْلامِ وعُلُوِّ كَلِمَتِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -وَهُوَ الأشْهَرُ عنهُ-: عَذابُهم هو فَضِيحَتُهم ووَصْمُهم بِالنِفاقِ، ورُوِيَ في هَذا التَأْوِيلِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ خَطَبَ يَوْمَ جُمْعَةٍ فَنَدَّدَ بِالمُنافِقِينَ وصَرَّحَ وقالَ: "اخْرُجْ يا فُلانُ مِنَ المَسْجِدِ فَإنَّكَ مُنافِقٌ، واخْرُجْ أنْتَ يا فُلانُ، واخْرُجْ أنْتَ يا فُلانُ" حَتّى أخْرَجَ جَماعَةً مِنهُمْ، فَرَآهم عُمَرُ يَخْرُجُونَ مِنَ المَسْجِدِ وهو مُقْبِلٌ إلى الجُمْعَةِ، فَظَنَّ أنَّ الناسَ انْتَشَرُوا وأنَّ الجُمْعَةَ فاتَتْهُ فاخْتَبَأ مِنهم حَياءً، ثُمَّ وصَلَ إلى المَسْجِدِ فَرَأى أنَّ الصَلاةَ لَمْ تُقْضَ وفَهِمَ الأمْرَ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِعْلُ النَبِيِّ هَذا بِهِمْ هو عَلى جِهَةِ التَأْدِيبِ اجْتِهادًا مِنهُ فِيهِمْ، ولَمْ يَسْلَخْهم ذَلِكَ مِنَ الإسْلامِ وإنَّما هو كَما يُخْرَجُ العُصاةُ والمُتَّهَمُونَ، ولا عَذابَ أعْظَمُ مِن هَذا.
وكانَ رَسُولُ اللهِ كَثِيرًا ما يَتَكَلَّمُ فِيهِمْ عَلى الإجْمالِ دُونَ تَعْيِينٍ، فَهَذا أيْضًا مِنَ العَذابِ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: العَذابُ الأوَّلُ هي عِلَلٌ وأدْواءٌ أخْبَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ أنَّهُ يُصِيبُهم بِها، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ عن قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ نَبِيَّ اللهِ أسَرَّ إلى حُذَيْفَةَ بِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ، وقالَ: "سِتَّةٌ مِنهم تَكْفِيكَهُمُ الدُبَيْلَةُ، سِراجٌ مِن نارِ جَهَنَّمَ تَأْخُذُ في كَتِفِ أحَدِهِمْ حَتّى تَقْضِيَ إلى صَدْرِهِ، وسِتَّةٌ يَمُوتُونَ مَوْتًا"»، ذُكِرَ لَنا أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ إذا ماتَ رَجُلٌ مِمَّنْ يَظُنُّ أنَّهُ مِنهم نَظَرَ إلى حُذَيْفَةَ، فَإنْ صَلّى صَلّى عُمَرُ عَلَيْهِ وإلّا تَرَكَ، وذُكِرَ لَنا أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ لِحُذَيْفَةَ: أنْشُدُكَ بِاللهِ، أمِنهم أنا؟
قالَ: لا، واللهِ ولا أُؤَمِّنُ مِنها أحَدًا بَعْدَكَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ ﴾ : أمّا عَذابُ الدُنْيا فالأمْوالُ والأولادُ، لِكُلِّ صِنْفٍ عَذابٌ فَهو مَرَّتانِ، وقَرَأ قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿ فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أولادُهم إنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُنْيا ﴾ ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: المَرَّتانِ هي في الدُنْيا، الأُولى: القَتْلُ والجُوعُ والمَصائِبُ، والثانِيَةُ: المَوْتُ إذْ هو لِلْكُفّارِ عَذابٌ.
وقالَ الحَسَنُ: الأُولى هي أخْذُ الزَكاةِ مِن أمْوالِهِمْ، والعَذابُ العَظِيمُ هو جَمِيعُ ما بَعْدَ المَوْتِ، وأظُنُّ الزَجّاجَ أشارَ إلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهم واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ المَعْنى: ومِن هَذِهِ الطَوائِفِ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ، واخْتُلِفَ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -فِيما رُوِيَ عنهُ- وأبُو عُثْمانَ: هي في الأعْرابِ، وهي عامَّةٌ في الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فِيمَن لَهُ أعْمالٌ صالِحَةٌ وسَيِّئَةٌ، فَهي آيَةٌ تَرَجٍّ عَلى هَذا، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ هَذا عن حَجّاجِ بْنِ أبِي زَيْنَبَ قالَ: سَمِعْتُ أبا عُثْمانَ يَقُولُ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أرْجى عِنْدِي لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ ، وقالَ قَتادَةُ: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي لُبابَةَ الأنْصارِيِّ خاصَّةً في شَأْنِهِ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وذَلِكَ أنَّهُ كَلَّمَهم في النُزُولِ عَلى حُكْمِ اللهِ ورَسُولِهِ، وأشارَ هو لَهم إلى حَلْقِهِ يُرِيدُ أنَّ النَبِيَّ يَذْبَحُهم إنْ نَزَلُوا، فَلَمّا افْتُضِحَ تابَ ونَدِمَ ورَبَطَ نَفْسَهُ في سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ، وأقْسَمَ ألّا يَطْعَمَ ولا يَشْرَبَ حَتّى يَعْفُوَ اللهُ عنهُ أو يَمُوتَ، فَمَكَثَ كَذَلِكَ حَتّى عَفا اللهُ عنهُ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأمَرَ رَسُولُ اللهِ بِحَلِّهِ، ذَكَرَ هَذا الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ، وذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ في كِتابِ السِيَرِ أوعَبَ وأتْقَنَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ عَظِيمَةٌ: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في شَأْنِ المُتَخَلِّفِينَ عن غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكانَ "عَمَلُهُمُ السَيِّئُ" التَخَلُّفَ بِإجْماعٍ مِن أهْلٍ هَذِهِ المَقالَةِ، واخْتَلَفُوا في "الصالِحِ" فَقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: الِاعْتِرافُ والتَوْبَةُ والنَدَمُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ "الصالِحُ" غَزْوُهم فِيما سَلَفَ مِن غَزْوِ النَبِيِّ ، ثُمَّ اخْتَلَفَ أهْلُ هَذِهِ المَقالَةِ في عَدَدِ القَوْمِ الَّذِينَ عُنُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كانُوا عَشَرَةَ رَهْطٍ رَبَطَ مِنهم أنْفُسَهم سَبْعَةٌ، وبَقِيَ الثَلاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا دُونَ رَبْطٍ المَذْكُورُونَ بَعْدَ هَذا، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانُوا ثَمانِيَةً مِنهم كَرَدْمُ، ومِرْداسٌ، وأبُو قَيْسٍ، وأبُو لُبابَةَ.
وقالَ قَتادَةُ: كانُوا سَبْعَةً، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وفِرْقَةٌ: كانُوا خَمْسَةً، وكُلُّهم قالَ: كانَ فِيهِمْ أبُو لُبابَةَ، وذَكَرَ قَتادَةُ فِيهِمُ الجَدَّ بْنَ قَيْسٍ، وهو -فِيما أعْلَمُ- وهْمٌ لِأنَّ الجِدَّ لَمْ يَكُنْ تُرْوَ لَهُ تَوْبَةٌ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: "وَآخَرَ" فَهو بِمَعْنى "بِآخَرَ" وهُما مُتَقارِبانِ.
و"عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ.
ورُوِيَ في خَبَرِ الَّذِينَ رَبَطُوا أنْفُسَهم «أنَّ رَسُولَ اللهِ لَمّا دَخَلَ المَسْجِدَ فَرَآهم قالَ: "ما بالُ هَؤُلاءِ؟" فَقِيلَ لَهُ: إنَّهم تابُوا وأقْسَمُوا ألّا يَنْحَلُّوا حَتّى يَحُلَّهم رَسُولُ اللهِ ويَعْذُرَهُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "وَأنا واللهِ لا أحُلُّهم ولا أعْذُرُهم إلّا أنْ يَأْمُرَنِي اللهُ بِذَلِكَ، فَإنَّهم تَخَلَّفُوا عَنِّي وتَرَكُوا جِهادَ الكُفّارِ مَعَ المُؤْمِنِينَ"»، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ «أنَّ أبا لُبابَةَ والجَماعَةَ التائِبَةَ الَّتِي رَبَطَتْ أنْفُسَها وهي المَقْصُودَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا ﴾ جاءَتْ رَسُولَ اللهِ لَمّا تِيبَ عَلَيْها فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، إنّا نُرِيدُ أنْ نَتَصَدَّقَ بِأمْوالِنا زِيادَةً في تَوْبَتِنا، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "إنِّي لا أعْرِضُ لِأمْوالِكم إلّا بِأمْرٍ مِنَ اللهِ"، فَتَرَكَهم حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» فَهُمُ المُرادُ بِها، فَرُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ أخَذَ ثُلُثَ أمْوالِهِمْ مُراعاةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن أمْوالِهِمْ ﴾ ، فَهَذا هو الَّذِي تَظاهَرَتْ بِهِ أقْوالُ المُتَأوِّلِينَ، ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ.
وَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ، فَقَوْلُهُ -عَلى هَذا-: ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ ﴾ ضَمِيرُهُ لِجَمِيعِ الناسِ، وهو عُمُومٌ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ إذْ يَخْرُجُ مِنَ الأمْوالِ الأنْواعُ الَّتِي لا زَكاةَ فِيها كالثِيابِ والرُباعِ ونَحْوِهِ، والضَمِيرُ الَّذِي في "أمْوالِهِمْ" أيْضًا كَذَلِكَ عُمُومٌ يُرادُ بِهِ خُصُوصٌ إذْ يَخْرُجُ مِنهُ العَبِيدُ وسِواهُمْ، وقَوْلُهُ: "صَدَقَةً" مُجْمَلٌ يَحْتاجُ إلى تَفْسِيرٍ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الإمامَ يَتَوَلّى أخْذَ الصَدَقاتِ ويَنْظُرُ فِيها، و"مِن" في هَذِهِ الآيَةِ لِلتَّبْعِيضِ، هَذا أقْوى وُجُوهِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها ﴾ أحْسَنُ ما يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأفْعالُ مُسْنَدَةً إلى ضَمِيرِ النَبِيِّ ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "خُذْ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في صِفَةِ الصَدَقَةِ، وهَذا مُتَرَجِّحٌ بِحَسَبِ رَفْعِ الفِعْلِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ "بِها" أيْ: بِنَفْسِها، أيْ: يَقَعُ تَطْهِيرُهم مِن ذُنُوبِهِمْ بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "تُطَهِّرُهُمْ" صِفَةً "لِلصَّدَقَةِ"، و"تُزَكِّيهِمْ" مُسْنَدًا إلى النَبِيِّ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الصَدَقَةِ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ لِأنَّها حالُ نَكِرَةٍ، وحَكى مَكِّيٌّ أنْ يَكُونَ "تُطَهِّرُهُمْ" مِن صِفَةِ الصَدَقَةِ، وقَوْلُهُ: "وَتُزَكِّيهِمْ" حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "خُذْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَرْدُودٌ لِمَكانِ واوِ العَطْفِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَتَقَدَّرُ: "خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً مُطَهِّرَةً ومُزَكِّيًا بِها"، وهَذا فاسِدُ المَعْنى، ولَوْ لَمْ يَكُنْ في الكَلامِ واوُ العَطْفِ جازَ.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تُطْهِرْهُمْ" بِسُكُونِ الطاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ مَعْناهُ: ادْعُ لَهم فَإنَّ في دُعائِكَ لَهم سُكُونًا لِأنْفُسِهِمْ وَطُمَأْنِينَةً ووَقارًا، فَهَذِهِ عِبارَةٌ عن صَلاحِ المُعْتَقَدِ.
وحَكى مَكِّيٌّ، والنَحّاسُ، وغَيْرُهُما أنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وهْمٌ بَعِيدٌ، وذَلِكَ أنَّ تِلْكَ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ لَهم حُكْمُ الكافِرِينَ، وهَذِهِ في التائِبِينَ مِنَ التَخَلُّفِ الَّذِينَ لَهم حُكْمُ المُؤْمِنِينَ، فَلا تَناسُخَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "إنَّ صَلَواتِكَ" بِالجَمْعِ، وكَذَلِكَ في "هُودٍ" وفي "المُؤْمِنِينَ"، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إنَّ صَلاتَكَ" بِالإفْرادِ، وكَذَلِكَ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ في "هُودٍ" وفي "المُؤْمِنِينَ"، وقَرَأ عاصِمٌ في "المُؤْمِنَيْنِ" وحْدَها جَمْعًا، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في سُورَةِ "الأنْعامِ" و"سَألَ سائِلٌ"، وهو مَصْدَرٌ أفْرَدَتْهُ فِرْقَةٌ وجَمَعَتْهُ فِرْقَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: سَمِيعٌ أيْ: لِدُعائِكَ، عَلِيمٌ أيْ بِمَن يَهْدِي ويَتُوبُ عَلَيْهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا تَقْتَضِيهِ هاتانِ الصِفَتانِ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَعَلَ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الدُعاءِ والِاسْتِغْفارِ لَهُمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ﴿ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾ : رَحْمَةٌ لَهُمْ، وقالَ قَتادَةُ: ﴿ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾ أيْ: وقارٌ لَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما مَعْناهُ أنَّ مَن يَدْعُو لَهُ النَبِيُّ فَإنَّهُ تَطِيبُ نَفْسُهُ ويَقْوى رَجاؤُهُ، ويُرْوى أنَّهُ قَدْ صَحَّتْ وسِيلَتُهُ إلى اللهِ تَعالى وهَذا بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللهَ هو يَقْبَلُ التَوْبَةَ عن عِبادِهِ ويَأْخُذُ الصَدَقاتِ وأنَّ اللهَ هو التَوّابُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ألَمْ يَعْلَمُوا" عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُ-: "ألَمْ تَعْلَمُوا" عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ ألَمْ تَعْلَمُوا؟، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، والضَمِيرُ في "يَعْلَمُوا" قالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُرادُ بِهِ الَّذِينَ لَمْ يَتُوبُوا مِنَ المُتَخَلِّفِينَ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا تِيبَ عَلى بَعْضِهِمْ قالَ الغَيْرُ: ما هَذِهِ الخاصَّةُ الَّتِي خُصَّ بِها هَؤُلاءِ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "يَعْلَمُوا" يُرادُ بِهِ الَّذِينَ تابُوا ورَبَطُوا أنْفُسَهم.
وقَوْلُهُ: "هُوَ" تَأْكِيدٌ لِانْفِرادِ اللهِ بِهَذِهِ الأُمُورِ وتَحْقِيقٌ لِذَلِكَ، لِأنَّهُ لَوْ قالَ: "أنَّ اللهَ يَقْبَلُ التَوْبَةَ" لاحْتَمَلَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ قَبُولُ رَسُولِهِ قَبُولًا مِنهُ، فَبَيَّنَتِ الآيَةُ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَصِلُ إلَيْهِ نَبِيٌّ ولا مَلَكٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَأْخُذُ الصَدَقاتِ ﴾ مَعْناهُ: يَأْمُرُ بِها ويُشَرِّعُها كَما تَقُولُ: أخَذَ السُلْطانُ مِنَ الناسِ كَذا، إذا حَمَلَهم عَلى أدائِهِ.
وقالَ الزَجّاجُ: مَعْناهُ: ويَقْبَلُ الصَدَقاتِ، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ في أخْذِ اللهِ صَدَقَةً مِن عَبِيدِهِ، مِنها قَوْلُهُ الَّذِي رَواهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي قَتادَةَ المُحارِبِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عنهُ: "إنَّ العَبْدَ إذا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ وقَعَتْ في يَدِ اللهِ قَبْلَ أنْ تَقَعَ في يَدِ السائِلِ"، ومِنها قَوْلُهُ الَّذِي رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ: "إنَّ الصَدَقَةَ تَكُونُ قَدْرَ اللُقْمَةِ يَأْخُذُها اللهُ بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيها لِأحَدِكم كَما يُرَبِّي أحَدُكم فَلُوَّهُ أو فَصِيلَهُ حَتّى يَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ"، وغَيْرُ هَذا مِنَ الأحادِيثِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنِ القَبُولِ والتَحَفِّي بِصَدَقَةِ العَبْدِ، فَقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ تُخَرَّجَ لَفْظَةُ "وَيَأْخُذُ" عَلى هَذا.
وَيَتَعَلَّقُ في هَذِهِ الآيَةِ القَوْلُ في قَبُولِ التَوْبَةِ، وتَلْخِيصُ ذَلِكَ أنَّ قَبُولَ التَوْبَةِ مِنَ الكُفْرِ يَقْطَعُ بِهِ عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ إجْماعًا، وهَذِهِ نازِلَةُ هَذِهِ الآيَةِ، وهَذِهِ الفِرْقَةُ التائِبَةُ مِنَ النِفاقِ تائِبَةٌ مِن كُفْرٍ، وأمّا قَبُولُ التَوْبَةِ مِنَ المَعاصِي فَيَقْطَعُ بِأنَّ اللهَ تَعالى يَقْبَلُ مِن طائِفَةٍ مِنَ الأُمَّةِ تَوْبَتَهُمْ، واخْتُلِفَ هَلْ تُقْبَلُ تَوْبَةُ الجَمِيعِ؟،وَأمّا إذا عُيِّنَ إنْسانٌ تائِبٌ فَيُرْجى قَبُولُ تَوْبَتِهِ ولا يَقْطَعُ بِها عَلى اللهِ.
وأمّا إذا فَرَضْنا تائِبًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ صَحِيحَ التَوْبَةِ، فَهَلْ يَقْطَعُ عَلى اللهِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ أمْ لا؟
فاخْتُلِفَ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ فِيها الفُقَهاءُ والمُحَدِّثُونَ- وهو كانَ مَذْهَبَ أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ-: يَقْطَعُ عَلى اللهِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ لِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ بِذَلِكَ عن نَفْسِهِ، وعَلى هَذا يَلْزَمُ أنْ تُقْبَلَ تَوْبَةُ جَمِيعِ التائِبِينَ، وذَهَبَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ إلى أنَّ ذَلِكَ لا يُقْطَعُ بِهِ عَلى اللهِ تَعالى، بَلْ يَقْوى فِيهِ الرَجاءُ، ومِن حُجَّتِهِمْ أنَّ الإنْسانَ إذا قالَ في الجُمْلَةِ: إنِّي لا أغْفِرُ لِمَن ظَلَمَنِي، ثُمَّ جاءَ مَن قَدْ سَبَّهُ وآذاهُ، فَلَهُ تَعَقُّبُ حَقِّهِ، وبِالغُفْرانِ لِقَوْمٍ يَصْدُقُ وعْدُهُ ولا يَلْزَمُهُ الغُفْرانُ لِكُلِّ ظالِمٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ونَحْوُ هَذا مِنَ القَوْلِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ، واللهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عن عِبادِهِ ﴾ هي بِمَعْنى "مِن"، وكَثِيرًا ما يُتَوَصَّلُ في مَوْضِعٍ واحِدٍ بِهَذِهِ وهَذِهِ، تَقُولُ: لا صَدَقَةَ إلّا عن غِنًى، ومِن غِنًى، وفَعَلَ فُلانٌ ذَلِكَ مِن أشَرِهِ وبَطَرِهِ، وعن أشَرِهِ وبَطَرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا ﴾ تَقْرِيرٌ، والمَعْنى: حُقَّ لَهم أنْ يَعْلَمُوا، وقَوْلُهُ: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا ﴾ الآيَةُ، صِيغَةُ أمْرٍ مُضَمَّنُها الوَعِيدُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: المُرادُ بِها الَّذِينَ اعْتَذَرُوا مِنَ المُتَخَلِّفِينَ وتابُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ أنَّ المُرادَ بِها الَّذِينَ اعْتَذَرُوا ولَمْ يَتُوبُوا، وهُمُ المُتَوَعَّدُونَ، وهُمُ الَّذِينَ في ضَمِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا ﴾ إلّا عَلى الِاحْتِمالِ الثانِي مِن أنَّ الآياتِ كُلَّها في الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا، ومَعْنى ﴿ فَسَيَرى اللهُ ﴾ أيْ مَوْجُودًا مُعَوَّضًا لِلْجَزاءِ عَلَيْهِ بِخَيْرٍ أو شَرٍّ، وأمّا الرَسُولُ والمُؤْمِنُونَ فَرُؤْيَتُهم رُؤْيَةُ حَقِيقَةٍ لا تَجَوُّزٍ، وقالَ ابْنُ المُبارَكُ: رُؤْيَةُ المُؤْمِنِينَ هي شَهادَتُهم عَلى المَرْءِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وهي ثَناؤُهم عِنْدَ الجَنائِزِ.
وقالَ الحَسَنُ ما مَعْناهُ أنَّهم حَذَّرُوا مِن فِراسَةِ المُؤْمِنِ الَّتِي قالَ فِيها النَبِيُّ : « "اتَّقَوْا فِراسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللهِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ يُرِيدُ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ، ومَعْنى الغَيْبِ والشَهادَةِ: ما غابَ وما شُوهِدَ، وهي حالَتانِ تَعُمُّ كُلَّ شَيْءٍ، وقَوْلُهُ: فَيُنَبِّئُكم عِبارَةٌ عن حُضُورِ الأعْمالِ وإظْهارِها لِلْجَزاءِ عَلَيْها وهَذا وعِيدٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللهِ إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلا الحُسْنى واللهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: وآخَرُونَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ أوَّلًا: وآخَرُونَ، وقَرَأ نافِعٌ، والأعْرَجُ، وابْنُ نَصاحٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ، وأهْلُ الحِجازِ: "مُرْجَوْنَ" مِن أرْجى يُرْجى دُونَ هَمْزٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وأهْلُ البَصْرَةِ: "مُرْجَؤُونَ" مِن أرْجَأ يُرْجِئُ بِالهَمْزِ، واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، وهُما لُغَتانِ، ومَعْناهُما التَأْخِيرُ، ومِنهُ المُرْجِئَةُ لِأنَّهم أخَّرُوا الأعْمالَ، أيْ أخَّرُوا حُكْمَها ومَرْتَبَتَها، وأنْكَرَ المُبَرِّدُ تَرْكَ الهَمْزِ في مَعْنى التَأْخِيرِ، ولَيْسَ كَما قالَ.
والمُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ -فِيما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ، وقَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ - الثَلاثَةُ الَّذِينَ خَلِّفُوا، وهم هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ، ومَرارَةُ بْنُ الرَبِيعِ، وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ التَوْبَةِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في غَيْرِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا مُعَرَّضِينَ لِلتَّوْبَةِ مَعَ بِنائِهِمْ مَسْجِدِ الضِرارِ، وعَلى هَذا يَكُونُ ﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا ﴾ بِإسْقاطِ واوِ العَطْفِ بَدَلًا مِن ﴿ آخَرُونَ ﴾ أو خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: هُمُ الَّذِينَ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- فِيها تَرَجٍّ لَهم واسْتِدْعاءٌ إلى الإيمانِ والتَوْبَةِ، وعَلِيمٌ مَعْناهُ: بِمَن يَهْدِي إلى الرُشْدِ، وحَكِيمٌ فِيما يُنَفِّذُهُ مِن تَنْعِيمِ مَن شاءَ وتَعْذِيبِ مَن شاءَ لا رَبَّ غَيْرُهُ ولا مَعْبُودَ سِواهُ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وعَوامُّ القُرّاءِ، والناسُ في كُلِّ قُطْرٍ إلّا بِالمَدِينَةِ: "والَّذِينَ اتَّخَذُوا"، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وغَيْرُهم "الَّذِينَ اتَّخَذُوا" بِإسْقاطِ الواوِ، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِهِمْ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ، وقالَ الزَهْراوِيُّ: هي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ، وهي في مَصاحِفِ أهْلِ الشامِ بِغَيْرِ واوٍ.
فَأمّا مَن قَرَأ بِالواوِ فَذَلِكَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "وَآخَرُونَ" أيْ: ومِنهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا، وأمّا مَن قَرَأ بِإسْقاطِها فَرَفَعَ الَّذِينَ بِالِابْتِداءِ.
واخْتُلِفَ في الخَبَرِ فَقِيلَ: الخَبَرُ: "لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا"، قالَهُ الكِسائِيُّ، ويَتَّجِهُ بِإضْمارٍ إمّا في أوَّلِ الآيَةِ وإمّا في آخِرِها بِتَقْدِيرِ: "لا تَقُمْ في مَسْجِدِهِمْ"، وقِيلَ: الخَبَرُ: "لا يَزالُ بُنْيانُهُمْ"، قالَهُ النَحّاسُ، وهَذا أفْصَحُ، وقَدْ ذَكَرْتُ كَوْنَ "الَّذِينَ" بَدَلًا مِن "آخَرُونَ"، آنِفًا، وقالَ المَهْدَوِيُّ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: "مُعَذَّبُونَ" أو نَحْوُهُ.
وأمّا الجَماعَةُ المُرادَةُ بِـ "الَّذِينَ اتَّخَذُوا" فَهم مُنافِقُو بَنِي غَنَمِ بْنِ عَوْفٍ، وبَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ عَنِ الزُهْرِيِّ وغَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: «أقْبَلَ رَسُولُ اللهِ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ حَتّى نَزَلَ بِذِي أوانٍ -بَلَدٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَدِينَةِ ساعَةٌ مِن نَهارٍ- وقَدْ كانَ أصْحابُ مَسْجِدِ الضِرارِ قَدْ كانُوا أتَوْهُ وهو يَتَجَهَّزُ إلى تَبُوكَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ إنّا قَدْ بَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ والحاجَةِ واللَيْلَةِ المَطِيرَةِ، وإنّا نُحِبُّ أنْ تَأْتِيَنا فَتُصَلِّيَ لَنا فِيهِ، فَقالَ: إنِّي عَلى جَناحِ سَفَرٍ وحالِ شُغْلٍ، ولَوْ قَدِمْنا إنْ شاءَ اللهُ أتَيْناكم فَصَلَّيْنا لَكم فِيهِ، فَلَمّا أقْبَلَ ونَزَلَ بِذِي أوانٍ نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ في شَأْنِ مَسْجِدِ الضِرارِ، فَدَعا رَسُولُ اللهِ مالِكَ بْنَ الدُخْشُمِ، ومَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ أو أخاهُ عاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ فَقالَ: انْطَلِقا إلى هَذا المَسْجِدِ الظالِمِ أهْلُهُ فاهْدِماهُ وحَرِّقاهُ، فانْطَلَقا مُسْرِعَيْنِ فَفَعَلا، وحَرَّقاهُ بِنارٍ في سَعَفٍ.» وذَكَرَ النَقّاشُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ بَعَثَ لِهَدْمِهِ وتَحْرِيقِهِ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ، ووَحْشِيًّا مَوْلى المُطْعَمِ بْنِ عَدِيٍّ».
وكانَ بانُوهُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا: خُذامُ بْنُ خالِدٍ، ومِن دارِهِ أُخْرِجَ مَسْجِدُ الشِقاقِ، وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، ومُتْعَبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وأبُو حُبَيْبَةَ بْنُ الأزْعَرِ، وعَبّادُ بْنُ حَنِيفٍ أخُو سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ، وجارِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، وابْناهُ: مَجْمَعُ بْنُ جارِيَةَ وهو كانَ إمامَهُمْ، وحَلَفَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- في خِلافَتِهِ أنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بِأمْرِهِمْ، وزَيْدُ بْنُ جارِيَةَ، ونَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وبَحْزَجُ مِن بَنِي ضَبِيعَةَ، وبِجادُ بْنُ عُثْمانَ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ.
وبَحْزَجُ مِنهم هو الَّذِي حَلَفَ لِرَسُولِ اللهِ : ما أرَدْتُ إلّا الحُسْنى والتَوْسِعَةَ عَلَيْنا وعَلى مَن عَجَزَ أو ضَعُفَ عَنِ المَسِيرِ إلى مَسْجِدِ قُباءٍ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "ما أرَدْنا إلّا الحُسْنى".
والآيَةُ تَقْتَضِي شَرْحَ شَيْءٍ مِن أمْرِ هَذِهِ المَساجِدِ، فَرُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ وقْتَ الهِجْرَةِ بَنى مَسْجِدًا في بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وهو مَسْجِدُ قُباءٍ،» وقِيلَ: وَجَدَهُ مَبْنِيًّا قَبْلَ وُرُودِهِ، وقِيلَ: وجَدَهُ مَوْضِعَ صَلاةٍ فَبَناهُ، وتَشَرَّفَ القَوْمُ بِذَلِكَ فَحَسَدَهم مِن حِينِئِذٍ رِجالٌ مِن بَنِي عَمِّهِمْ مِن بَنِي غَنَمِ بْنِ عَوْفٍ وبَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ، فَكانَ فِيهِمْ نِفاقٌ، وكانَ مَوْضِعُ مَسْجِدِ قُباءٍ مَرْبَطًا لِحِمارِ امْرَأةٍ مِنَ الأنْصارِ اسْمُها لِيَةُ، فَكانَ المُنافِقُونَ يَقُولُونَ: واللهِ لا نَصْبِرُ عَلى الصَلاةِ في مَرْبَطِ حِمارِ لِيَةَ ونَحْوُ هَذا مِنَ الأقْوالِ، وكانَ أبُو عامِرٍ عَبْدُ عَمْرٍو المَعْرُوفُ بِالراهِبِ مِنهُمْ، وكانَتْ أُمُّهُ مِنَ الرُومِ، فَكانَ يَتَعَبَّدُ في الجاهِلِيَّةِ فَسُمِّي الراهِبَ، وهو أبُو حَنْظَلَةَ غِسِّيلِ المَلائِكَةِ، وكانَ سَيِّدًا نَظِيرًا وقَرِيبًا مِن عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، فَلَمّا جاءَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالإسْلامِ نافَقَ ولَمْ يَزَلْ مُجاهِرًا بِذَلِكَ فَسَمّاهُ رَسُولُ اللهِ الفاسِقَ، ثُمَّ خَرَجَ في جَماعَةٍ مِنَ المُنافِقِينَ فَحِزَّبَ عَلى رَسُولِ اللهِ الأحْزابَ، فَلَمّا رَدَّهُمُ اللهُ بِغَيْظِهِمْ أقامَ أبُو عامِرٍ بِمَكَّةَ مَظْهِرًا لِعَداوَتِهِ، فَلَمّا فَتَحَ اللهُ مَكَّةَ هَرَبَ إلى الطائِفِ.
فَلَمّا أسْلَمْ أهْلُ الطائِفِ خَرَجَ هارِبًا إلى الشامِ يُرِيدُ قَيْصَرَ مُسْتَنْصِرًا بِهِ عَلى رَسُولِ اللهِ ، وكَتَبَ إلى قَوْمِهِ المُنافِقِينَ مِنهم أنِ ابْنُوا مَسْجِدًا مُقاوَمَةً لِمَسْجِدِ قُباءٍ وتَحْقِيرًا لَهُ، فَإنِّي سَآتِي بِجَيْشٍ مِنَ الرُومِ أُخْرِجُ بِهِ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ مِنَ المَدِينَةِ فَبَنَوْهُ وقالُوا: سَيَأْتِي أبُو عامِرٍ ويُصَلِّي فِيهِ ويَتَّخِذُهُ مُتَعَبَّدًا ويُسَرُّ بِهِ، ثُمَّ إنَّ أبا عامِرٍ هَلَكَ عِنْدَ قَيْصَرَ.
ونَزَلَ القُرْآنُ في أمْرِ مَسْجِدِ الضِرارِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللهَ ورَسُولَهُ ﴾ يَعْنِي أبا عامِرٍ وقَوْلُهُمْ: "سَيَأْتِي أبُو عامِرٍ "، وقَرَأ الأعْمَشُ: "لِلَّذِينِ حارَبُوا اللهَ" وقَوْلُهُ: ﴿ ضِرارًا ﴾ أيْ داعِيَةً لِلتَّضارِّ بَيْنَ جَماعَتَيْنِ، فَلِذَلِكَ قالَ: "ضِرارًا" وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ ما يَكُونُ مِنِ اثْنَيْنِ وإنْ كانَ المَصْدَرُ المُلازِمُ لِذَلِكَ مُفاعَلَةً كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، ونُصِبَ "ضِرارٌ" وما بَعْدَهُ عَلى المَصْدَرِ في مَوْضِعِ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ يُرِيدُ: بَيْنَ الجَماعَةِ الَّتِي كانَتْ تُصَلِّي في مَسْجِدِ قُباءٍ، فَإنَّ مَن جاوَزَ مَسْجِدَهم كانُوا يَصْرِفُونَهُ إلَيْهِ وذَلِكَ داعِيَةٌ إلى صَرْفِهِ عَنِ الإيمانِ.
وقِيلَ: أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ جَماعَةَ مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ، وهَذا بِحَسَبِ الخِلافِ في المَسْجِدِ المُؤَسَّسِ عَلى التَقْوى، وسَيَأْتِي ذَلِكَ، قالَ النَقّاشُ: يَلْزَمُ مِن هَذا ألّا يُصَلّى عَلَيْهِ في كَنِيسَةٍ ونَحْوِها لِأنَّها بُنِيَتْ عَلى شَرٍّ مِن هَذا كُلِّهِ، وقَدْ قِيلَ في هَذا: ﴿ لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفَقُّهٌ غَيْرُ قَوِيٍّ.
والإرْصادُ: الإعْدادُ والتَهْيِئَةُ، والَّذِي حارَبَ اللهَ ورَسُولَهُ: هو أبُو عامِرٍ الفاسِقُ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ يُرِيدُ: في غَزْوَةِ الأحْزابِ وغَيْرِها، والحالِفُ المُرادُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَيَحْلِفُنَّ ﴾ هو بَحْزَجٌ ومَن حَلَفَ مِن أصْحابِهِ، وكُسِرَتِ الألِفُ مِن قَوْلِهِ: "إنَّهم لَكاذِبُونَ" لِأنَّ الشَهادَةَ في مَعْنى القَوْلِ.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن شَقِيقٍ أنَّهُ جاءَ لِيُصَلِّيَ في مَسْجِدٍ بُنِيَ غاضِرَةً فَوَجَدَ الصَلاةَ قَدْ فاتَتْهُ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ مَسْجِدَ بَنِي فُلانٍ لَمْ يُصَلَّ فِيهِ بَعْدُ، فَقالَ: لا أُحِبُّ أنْ أُصَلِّيَ فِيهِ فَإنَّهُ بُنِيَ عَلى ضِرارٍ، وكُلُّ مَسْجِدٍ بُنِيَ ضِرارًا ورِياءً وسُمْعَةً فَهو في حُكْمِ مَسْجِدِ الضِرارِ، ورُوِيَ أنَّ مَسْجِدَ الضِرارِ لَمّا هُدِمَ وأُحْرِقَ اتُّخِذَ مَزْبَلَةً تُرْمى فِيهِ الأقْذارُ والقِماماتُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ ﴾ ﴿ أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أمْ مِنَ أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا ﴾ كانَ لا يَمُرُّ بِالطَرِيقِ الَّتِي فِيها المَسْجِدُ، وهَذا النَهْيُ إنَّما هو لِأنَّ البانِينَ لِمَسْجِدِ الضِرارِ قَدْ كانُوا خادَعُوا رَسُولَ اللهِ وقالُوا: بَنَيْنا مَسْجِدًا لِلضَّرُوراتِ والسَيْلِ الحايِلِ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا فَنُرِيدُ أنْ تُصَلِّي لَنا فِيهِ وتَدْعُوَ بِالبَرَكَةِ، فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ بِالمَشْيِ مَعَهم إلى ذَلِكَ، واسْتَدْعى قَمِيصَهُ لِيَنْهَضَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ: ﴿ لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ لَمَسْجِدٌ ﴾ قِيلَ: إنَّ اللامَ لامُ قَسَمٍ، وقِيلَ: هي لامُ الِابْتِداءِ كَما تَقُولُ: لَزَيْدٌ أحْسَنُ الناسِ فِعْلًا، وهي مُقْتَضِيَةٌ تَأْكِيدًا.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وفِرْقَةٌ مِنَ الصَحابَةِ والتابِعَيْنِ:رَضِيَ اللهُ عنهُمُ:المُرادُ بِالمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَقْوى: هو مَسْجِدُ قُباءٍ.
ورُوِيَ عن عُمَرَ، وأبِي سَعِيدٍ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ مَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ بِالمَدِينَةِ، ويَلِيقُ القَوْلُ الأوَّلُ بِالقِصَّةِ، إلّا أنَّ القَوْلَ الثانِيَ رُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ، ولا نَظَرَ مَعَ الحَدِيثِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ عن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قالَ: «اخْتَلَفَ رَجُلٌ مِن بَنِي خُدْرَةَ ورَجُلٌ مَن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَقالَ الخُدْرِيُّ: هو مَسْجِدُ الرَسُولِ ، وقالَ الآخَرُ: هو مَسْجِدُ قُباءٍ، فَأتَيا رَسُولَ اللهِ فَسَألاهُ فَقالَ: "هُوَ مَسْجِدِي هَذا، وفي الآخَرِ خَيْرٌ كَثِيرٌ"» إلى كَثِيرٍ مِنَ الآثارِ في هَذا عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ كانَ في بُقْعَتِهِ نَخْلٌ وقُبُورُ مُشْرِكِينَ ومِرْبَدٍ لِيَتِيمَيْنِ كانا في حِجْرِ أسْعَدَ بْنِ زُرارَةَ، وبَناهُ رَسُولُ اللهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ: الأولى بِالسَمِيطِ وهي لَبِنَةٌ أمامَ لَبِنَةٍ، والثانِيَةُ بِالصَعِيدَةِ، وهي لَبِنَةٌ ونِصْفٌ في عَرْضِ الحائِطِ، والثالِثَةُ بِالأُنْثى والذَكَرِ، وهي لَبِنَتانِ تُعْرَضُ عَلَيْهِما لَبِنَتانِ، وكانَ في طُولِهِ سَبْعُونَ ذِراعًا، وكانَ عُمُدُهُ النَخْلُ، وكانَ عَرِيشًا يَكُفُّ المَطَرَ، وعُرِضَ عَلى رَسُولِ اللهِ بُنْيانُهُ ورَفْعُهُ فَقالَ: « "لا، بَلْ يَكُونُ عَرِيشًا كَعَرِيشِ أخِي مُوسى كانَ إذا قامَ ضَرَبَ رَأْسُهُ في سَقْفِهِ".» وكانَ رَسُولُ اللهِ يَنْقُلُ فِيهِ اللَبِنَ عَلى صَدْرِهِ، ويُقالُ إنَّ أوَّلَ مَن وضَعَ في أساسِهِ حَجَرًا رَسُولُ اللهِ ، ثُمَّ وضَعَ أبُو بَكْرٍ حَجَرًا، ثُمَّ وضَعَ عُمَرُ حَجَرًا، ثُمَّ وضَعَ عُثْمانُ حَجَرًا، ثُمَّ رَمى الناسُ بِالحِجارَةِ فَتَفاءَلَ بِذَلِكَ بَعْضُ الصَحابَةِ في أنَّها الخِلافَةُ فَصَدَقَ فَأْلُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ مِن أوَّلِ يَوْمٍ ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: مُنْذُ أوَّلِ يَوْمٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: مِن تَأْسِيسِ أوَّلِ يَوْمٍ، وإنَّما دَعا إلى هَذا الِاخْتِلافِ أنَّ مِن أُصُولِ النَحْوِيِّينَ أنَّ "مِن" لا تُجَرُّ بِها الأزْمانُ، وإنَّما تُجَرُّ الأزْمانُ بِمُنْذُ، تَقُولُ: ما رَأيْتُهُ مُنْذُ يَوْمَيْنِ أو سَنَةٍ أو يَوْمٍ، ولا تَقُولُ: مِن شَهْرٍ ولا مِن سَنَةٍ، ولا مِن يَوْمٍ، فَإذا وقَعَتْ "مِن" في الكَلامِ وهي تَلِي زَمَنًا فَيُقَدَّرُ مُضْمَرٌ يَلِيقُ أنْ تَجُرَّهُ "مِن" كَقَوْلِ الشاعِرِ: لِمَنِ الدِيارُ كَقُنَّةِ الحِجْرِ ∗∗∗ أقْوَيْنَ مِن حِجَجٍ ومِن دَهْرِ؟
و"مِن شَهْرٍ" رِوايَةٌ، فَقَدَّرُوهُ: "مِن مَرِّ حِجَجٍ ومِن مَرِّ دَهْرٍ"، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَّلِ يَوْمٍ ﴾ يَوْمًا وهو اسْمُ زَمانٍ احْتاجُوا فِيهِ إلى تَقْدِيرِ "مِن تَأْسِيسِ"، ويَحْسُنُ عِنْدِي أنْ يُسْتَغْنى في هَذِهِ الآيَةِ عن تَقْدِيرٍ، وأنْ تَكُونَ "مِن" تَجُرُّ لَفْظَةَ "أوَّلِ" لِأنَّها بِمَعْنى البُداءَةِ، كَأنَّهُ قالَ: مِن مُبْتَدَإ الأيّامِ، وهي هُنا- تَقُومُ مَقامَ "المَرِّ" في البَيْتِ المُتَقَدِّمِ، وهي كَما تَقُولُ: "جِئْتُ مِن قَبْلِكَ ومِن بَعْدِكَ" وأنْتَ لا تَدُلُّ بِهاتَيْنِ اللَفْظَتَيْنِ إلّا عَلى الزَمَنِ، وقَدْ حُكِيَ لِي هَذا الَّذِي اخْتَرْتُهُ عن بَعْضِ أئِمَّةِ النَحْوِ.
ومَعْنى ﴿ أنْ تَقُومَ فِيهِ ﴾ أيْ بِصَلاتِكَ وعِبادَتِكَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ" بِكَسْرِ الهاءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ: "أنْ تَقُومَ فِيهِ، فِيهُ" بِضَمِّ الهاءِ الثانِيَةِ عَلى الأصْلِ، ويُحَسِّنُهُ تَجَنُّبُ تَكْرارِ لَفْظٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى مَسْجِدِ الرَسُولِ ، والرِجالُ: جَماعَةُ الأنْصارِ.
ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ لَهُمْ: "يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إنِّي رَأيْتُ اللهَ أثْنى عَلَيْكم بِالطُهُورِ فَماذا تَفْعَلُونَ؟" فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ: إنّا رَأيْنا جِيرانَنا مِنَ اليَهُودِ يَتَطَهَّرُونَ بِالماءِ، (قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ الِاسْتِنْجاءَ بِالماءِ)، فَفَعَلْنا نَحْنُ ذَلِكَ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ لَمْ نَدَعْهُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "فَلا تَدَعُوهُ أبَدًا".» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلّامٍ وغَيْرُهُ ما مَعْناهُ: إنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى مَسْجِدِ قُباءٍ، والمُرادُ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ إنَّما قالَ المُقالَةَ المُتَقَدِّمَةَ لِبَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، والأوَّلُ أكْثَرُ.
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الأفْضَلِ بَيْنَ الِاسْتِنْجاءِ بِالماءِ أو بِالحِجارَةِ، فَقِيلَ هَذا وقِيلَ هَذا، ورَأتْ فِرْقَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ الجَمْعَ بَيْنَهُما، فَيُنَقِّي بِالحِجارَةِ ثُمَّ يُتْبِعُ بِالماءِ، وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ بَعْضَ عُلَماءِ القَيْرَوانِ كانُوا يَتَّخِذُونَ في مُتَوَضَّياتِهِمْ أحْجارًا في تُرابٍ يُنَقُّونَ بِها ثُمَّ يَسْتَنْجُونَ بِالماءِ أخْذًا بِهَذا القَوْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما يُتَصَوَّرُ الخِلافُ في البِلادِ الَّتِي يُمْكِنُ فِيها أنْ تُنَقَّيَ الحِجارَةُ، وابْنُ حَبِيبٍ لا يُجِيزُ الِاسْتِنْجاءَ بِالحِجارَةِ حَيْثُ يُوجَدُ الماءُ، وهو قَوْلٌ شَذَّ فِيهِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَتَطَهَّرُوا"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ: "يَطَّهَّرُوا" بِالإدْغامِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "المُتَطَهِّرِينَ" بِالتاءِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: أحْدَثَ قَوْمٌ مِن أهْلِ قُباءٍ الِاسْتِنْجاءَ بِالماءِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: "مِنهم عُوَيْمُ بْنُ ساعِدَةَ» " ولَمْ يُسَمَّ أحَدٌ مِنهم غَيْرُ عُوَيْمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ ﴾ الآيَةُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى تَقْرِيرٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وجَماعَةٌ: "أُسِّسَ بُنْيانُهُ" عَلى بِناءِ "أسَّسَ" لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ "بُنْيانٌ" فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وجَماعَةٌ: "أسَّسَ بُنْيانَهُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ "بُنْيانٌ" فِيهِما، وقَرَأ عِمارَةُ بْنُ ضَبّا -رَواهُ يَعْقُوبُ- الأوَّلُ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ والثانِي عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ، والآيَةُ تَتَضَمَّنُ مُعادَلَةً بَيْنَ شَيْئَيْنِ، فَإمّا بَيْنَ البِناءَيْنِ وإمّا بَيْنَ البانِينَ، فالمُعادَلَةُ الأولى هي بِتَقْدِيرٍ: "أبِناءُ مَن أسَّسَ؟".
وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ -وَرُوِيَتْ عن نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ -: "أفَمَن أسَّ بُنْيانَهُ" عَلى إضافَةِ "أسَّ" إلى "بُنْيانٍ"، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وأبُو حَيَوَةَ أيْضًا: "أساسُ بُنْيانِهِ"، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ أيْضًا: "أُسُسُ بُنْيانِهِ" عَلى وزْنِ "فُعُلُ" بِضَمِّ الفاءِ والعَيْنِ، وهو جَمْعُ أساسٍ كَقَذالٍ وقُذُلٍ، حَكى ذَلِكَ أبُو الفَتْحِ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لِنَصْرٍ إنَّما هِيَ: "أسَسٌ" بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ وسِينٍ مَفْتُوحَةٍ وسِينٍ مَضْمُومَةٍ، وعَلى الحِكايَتَيْنِ فالإضافَةُ إلى البُنْيانِ، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ أيْضًا: "أساسٌ" عَلى جَمْعِ "أُسٍّ"، والبُنْيانُ مَصْدَرٌ، يُقالُ: بَنى يَبْنِي بِناءً وبُنْيانًا كالغُفْرانِ والطُغْيانِ فَسُمِّيَ بِهِ المَبْنى مِثْلُ الخَلْقِ إذا أرَدْتَ بِهِ المَخْلُوقَ، وقِيلَ: هو جَمْعٌ واحِدُهُ بُنْيانَةٌ، وأنْشَدَ في ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ: كَبُنْيانَةِ القارِي مَوْضِعُ رِجْلِها ∗∗∗ ∗∗∗ وآثارِ نَسْعَيْها مِنَ الدَفِّ أبْلَقُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَلى تَقْوى"، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "عَلى تَقْوًى" بِتَنْوِينِ الواوِ، حَكى هَذِهِ القِراءَةَ سِيبَوَيْهِ ورَدَّها الناسُ، قالَ أبُو الفَتْحِ: قِياسُها أنْ تَكُونَ الألْفُ لِلْإلْحاقِ كَأرْطى ونَحْوِهِ.
وأمّا المُرادُ بِالبُنْيانِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَقْوى والرِضْوانِ فَهو -فِي ظاهِرِ اللَفْظِ وقَوْلِ الجُمْهُورِ- المَسْجِدُ المَذْكُورُ قَبْلُ، ويَطَّرِدُ فِيهِ الخِلافُ المُتَقَدِّمُ، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أنَّهُ قالَ: المُرادُ بِالمَسْجِدِ المُؤَسَّسِ عَلى التَقْوى هو مَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ ، والمُرادُ بِأنَّهُ أُسِّسَ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ، ورِضْوانٍ خَيْرٌ هو مَسْجِدٌ قُباءٍ، وأمّا البُنْيانُ الَّذِي أُسِّسَ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَهو مَسْجِدُ الضِرارِ بِإجْماعٍ.
والشَفا: الحاشِيَةُ والشَفِيرُ.
والجُرُفُ: الحَفِيرُ حَوْلَ البِئْرِ ونَحْوُهُ مِمّا جَرَفَتْهُ السُيُولُ والنَدْوَةُ والبِلى.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وجَماعَةٌ: "جُرُفٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وجَماعَةٌ: "جُرْفٍ" بِسُكُونِ الراءِ، واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، وهُما لُغَتانِ، وقِيلَ: الأصْلُ بِضَمِّ الراءِ وتَخْفِيفِها بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ.
و"هارٍ" مَعْناهُ: مُتَهَدِّمٌ مُنْهالٌ، مَن هارَ يَهُورُ، ويُقالُ: هارَ يَهِيرُ ويَهارُ، وأصْلُهُ: هايِرٌ أو هاوِرٌ، فَقِيلَ: قُلِبَتْ راؤُهُ قَبْلَ حَرْفِ العِلَّةِ فَجاءَ هارُو أو هارِي، فَصُنِعَ بِهِ ما صُنِعَ بِقاضٍ وغازٍ، وعَلى هَذا يُقالُ في حالِ النَصْبِ: هارِيًا، ومِثْلُهُ "فِي يَوْمٍ راحٍ" أصْلُهُ: رائِحٍ، ومِثْلُهُ "شاكِي السِلاحِ" أصْلُهُ: شائِكٌ، ومِثْلُهُ قَوْلُ العَجّاجِ: لاثٍ بِهِ الأشاءُ والعُبْرِي أصْلُهُ: لائِثٌ.
ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ......................
∗∗∗ ∗∗∗ خَفَضُوا أسِنَّتَهم فَكُلٌّ ناعٍ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّهُ مِن "نَعى يَنْعِي" والمُرادُ أنَّهم يَقُولُونَ: "يا ثارّاتِ فُلانٍ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "فَكُلُّهم نائِعٌ" أيْ عاطِشٌ كَما قالَ عُمَيْرُ بْنُ شِيَيْمِ: .........................
∗∗∗ ∗∗∗ والأسَلَ النِياعا وقِيلَ في "هارٍ": إنَّ حَرْفَ عِلَّتِهِ حُذِفَ حَذْفًا، فَعَلى هَذا يَجْرِي بِوُجُوهِ الإعْرابِ فَتَقُولُ: جَرْفٌ هارٌ، ورَأيْتَ جَرْفًا هارًا، ومَرَرْتُ بِحَرْفٍ هارٍ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في إمالَةِ "هارٍ" و"انْهارَ".
وتَأْسِيسُ البِناءِ عَلى تَقْوى إنَّما هو بِحُسْنِ النِيَّةِ فِيهِ وقَصْدِ وجْهِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وإظْهارِ شَرْعِهِ، كَما صَنَعَ في مَسْجِدِ النَبِيِّ وفي مَسْجِدِ قُباءٍ.
والتَأْسِيسُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ إنَّما هو بِفَسادِ النِيَّةِ وقَصْدِ الرِياءِ والتَفْرِيقِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، فَهَذِهِ تَشْبِيهاتٌ صَحِيحَةٌ بارِعَةٌ.
و"خَيْرٌ" في هَذِهِ الآيَةِ تَفْضِيلٌ، ولا شَرِكَةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ في خَيْرٍ إلّا عَلى مُعْتَقَدِ بانِي مَسْجِدِ الضِرارِ، فَبِحَسَبِ ذَلِكَ المُعْتَقَدِ صَحَّ التَفْضِيلُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ ﴾ الظاهِرُ مِنهُ ومِمّا صَحَّ مِن خَبَرِهِمْ وهَدْمِ رَسُولِ اللهِ مَسْجِدَهم أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ المَثَلِ، أيْ: مَثَلُ هَؤُلاءِ المُضارِّينَ مِنَ المُنافِقِينَ في قَصْدِهِمْ مَعْصِيَةَ اللهِ وحُصُولِهِمْ مِن ذَلِكَ عَلى سُخْطِهِ كَمَن يَنْهارُ بُنْيانُهُ في نارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ اقْتُضِبَ الكَلامُ اقْتِضابًا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُهُ.
وقِيلَ: بَلْ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ وإنَّ ذَلِكَ المَسْجِدَ بِعَيْنِهِ انْهارَ في نارِ جَهَنَّمَ، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ.
ورُوِيَ «عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وغَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ الدُخانَ يَخْرُجُ مِنهُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ .» ورُوِيَ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ رَسُولَ اللهِ رَآهُ حِينَ انْهارَ حَتّى بَلَغَ الأرْضَ السابِعَةَ فَفَزِعَ لِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ .
ورُوِيَ أنَّهم لَمْ يُصَلُّوا فِيهِ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ، أكْمَلُوهُ يَوْمَ الجُمْعَةِ وصَلَّوْا فِيهِ يَوْمَ الجُمْعَةِ ولَيْلَةَ السَبْتِ وانْهارَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ بِإسْنادٍ لَيِّنٍ، وما قَدَّمْناهُ أصْوَبُ وأصَحُّ، وكَذَلِكَ بَقِيَ أمْرُهُ والصَلاةُ فِيهِ مِن قَبْلِ سَفَرِ رَسُولِ اللهِ إلى تَبُوكَ إلى أنْ أقْفَلَ مِنها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ طَعْنٌ عَلى هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ وإشارَةٌ إلَيْهِمْ، والمَعْنى: لا يَهْدِيهِمْ مِن حَيْثُ هم ظالِمُونَ، أو يَكُونُ المُرادُ الخُصُوصَ فِيمَن يُوافِي عَلى ظُلْمِهِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن خَلَفِ بْنِ ياسِينَ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ مَسْجِدَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُ اللهُ في القُرْآنِ فَرَأيْتُ فِيهِ مَكانًا يَخْرُجُ مِنهُ الدُخانُ، وذَلِكَ في زَمَنِ أبِي جَعْفَرٍ المَنصُورِ.
ورُوِيَ شَبِيهٌ بِهَذا أو نَحْوِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ إلا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبِهِمْ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهَ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ ومَن أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهَ فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ الضَمِيرُ في بُنْيانُهُمُ عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ البانِينَ لِلْمَسْجِدِ ومَن شارَكَهم في غَرَضِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِي بَنَوْا ﴾ تَأْكِيدٌ وتَصْرِيحٌ بِأمْرِ المَسْجِدِ ورَفْعٌ لِلْإشْكالِ، والرِيبَةُ: الشَكُّ، وقَدْ يُسَمّى رِيبَةً فَسادُ المُعْتَقَدِ واضْطِرابُهُ والِاعْتِراضُ في الشَيْءِ والتَخَبُّطُ فِيهِ والحَزازَةُ مِن أجْلِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ شَكًّا، فَقَدْ يَرْتابُ مَن لا يَشُكُّ، ولَكِنَّها في مُعْتادِ اللُغَةِ تَجْرِي مَعَ الشَكِّ، ومَعْنى الرِيبَةِ -فِي هَذِهِ الآيَةِ- أمْرٌ يَعُمُّ الغَيْظَ والحَنَقَ ويَعُمُّ اعْتِقادَ صَوابِ فِعْلِهِمْ ونَحْوَ هَذا مِمّا يُؤَدِّي كُلُّهُ إلى الرِيبَةِ في الإسْلامِ، فَمَقْصِدُ الكَلامِ: لا يَزالُ هَذا البُنْيانُ الَّذِي هُدِمَ لَهم يُبْقِي في قُلُوبِهِمْ حَزازَةً وأثَرَ سُوءٍ وبِالشَكِّ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما الرِيبَةَ هُنا، وفَسَّرَها السُدِّيُّ بِالكُفْرِ، وقِيلَ لَهُ: أفَكَفَرَ مَجْمَعُ بْنُ جارِيَةَ؟
قالَ: لا ولَكِنَّها حَزازَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَجْمَعُ رَحِمَهُ اللهُ قَدْ أقْسَمَ لِعُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ ما عَلِمَ باطِنَ القَوْمِ ولا قَصَدَ سُوءًا، والآيَةُ إنَّما عَنَتْ مَن أبْطَنَ سُوءًا، فَلَيْسَ مَجْمَعٌ مِنهم.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا يَزالُونَ مُرِيبِينَ بِسَبَبِ بِنائِهِمُ الَّذِي اتَّضَحَ فِيهِ نِفاقُهُمْ، وجُمْلَةُ هَذا أنَّ الرِيبَةَ في الآيَةِ تَعُمُّ مَعانِيَ كَثِيرَةً يَأْخُذُ كُلُّ مُنافِقٍ مِنها بِحَسَبِ قَدْرِهِ مِنَ النِفاقِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "إلّا أنْ تُقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ" بِضَمِّ التاءِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ -بِخِلافٍ عنهُ-: "إلّا أنْ تَقَطَّعَ" بِفَتْحِ التاءِ عَلى أنَّها فاعِلَةٌ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ويَعْقُوبُ: "إلى أنْ تَقَطَّعَ" عَلى مَعْنى: إلى أنْ يَمُوتُوا، وقَرَأ بَعْضُهُمْ: "إلى أنْ تَقْطَعَ"، وقَرَأ أبُو حَيَوَةَ "إلّا أنْ يُقْطِعَ" بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الطاءِ ونَصْبِ القُلُوبِ، أيْ: بِالقَتْلِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَقِيلَ: بِالمَوْتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُمْ، وقِيلَ: بِالتَوْبَةِ، ولَيْسَ هَذا بِالظاهِرِ إلّا أنْ يُتَأوَّلَ: أو يَتُوبُوا تَوْبَةً نَصُوحًا يَكُونُ مَعَها مِنَ النَدَمِ والحَسْرَةِ عَلى الذَنْبِ ما يَقْطَعُ القُلُوبَ هَمًّا وفِكْرَةً، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَوْ قُطِّعَتْ قُلُوبُهُمْ"، وكَذَلِكَ قَرَأها أصْحابُهُ وحَكاها أبُو عَمْرٍو: "وَإنْ قُطِعَتْ" بِتَخْفِيفِ الطاءِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "حَتّى المَماتِ"، وفِيهِ "تُقْطَعُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في البَيْعَةِ الثالِثَةِ وهي بَيْعَةُ العَقَبَةِ الكُبْرى، وهي الَّتِي أنافَ فِيها رِجالُ الأنْصارِ عَلى السَبْعِينَ، وكانَ أصْغَرُهم سِنًّا عُقْبَةَ بْنَ عَمْرٍو، وذَلِكَ أنَّهُمُ اجْتَمَعُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ عِنْدَ العَقَبَةِ فَقالُوا: اشْتَرِطْ لَكَ ولِرَبِّكَ، والمُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَواحَةَ، فاشْتَرَطَ رَسُولُ اللهِ حِمايَتَهُ مِمّا يَحْمُونَ بِهِ أنْفُسَهُمْ، واشْتَرَطَ لِرَبِّهِ التِزامَ الشَرِيعَةِ وقِتالَ الأحْمَرِ والأسْوَدِ في الدَفْعِ عَنِ الحَوْزَةِ، فَقالُوا: ما لَنا عَلى ذَلِكَ؟
قالَ: الجَنَّةُ، فَقالُوا: نَعَمْ، رَبِحَ البَيْعُ لا نُقِيلُ ولا نُقالَ، وفي بَعْضِ الرِواياتِ: ولا نَسْتَقِيلُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.
ثُمَّ الآيَةُ -بَعْدَ ذَلِكَ- عامَّةٌ في كُلِّ مَن جاهَدَ في سَبِيلِ اللهِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ما مِن مُسْلِمٍ إلّا ولِلَّهِ في عُنُقِهِ هَذِهِ البَيْعَةُ وفى بِها أو لَمْ يَفِ، وفي الحَدِيثِ: « "أنْ فَوْقَ كُلِّ بِرٍّ بِرٌّ حَتّى يَبْذُلَ العَبْدُ دَمَهُ فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ فَلا بِرَّ فَوْقَ ذَلِكَ"،» وهَذا تَمْثِيلٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ جَمِيلٌ صُنْعُهُ بِالمُبايَعَةِ، وذَلِكَ أنَّ حَقِيقَةَ المُبايَعَةِ أنْ تَقَعَ بَيْنَ نَفْسَيْنِ بِقَصْدٍ مِنهُما وتَمَلُّكٍ صَحِيحٍ، وهَذِهِ القِصَّةُ وَهَبَ اللهُ عِبادَهُ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ، ثُمَّ أمَرَهم بِبَذْلِها في ذاتِهِ، ووَعَدَهم عَلى ذَلِكَ ما هو خَيْرٌ مِنها، فَهَذا غايَةُ التَفَضُّلِ، ثُمَّ شَبَّهَ القِصَّةَ بِالمُبايَعَةِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهم قالُوا: ثامَنَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عِبادَهُ فَأعْلى لَهُمْ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: مَعْنى الآيَةِ: اشْتَرى مِنهم أنْفُسَهم ألّا يُعْمِلُوها إلّا في طاعَةِ اللهِ، وأمْوالَهم ألّا يُنْفِقُوها إلّا في سَبِيلِ اللهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالآيَةُ -عَلى هَذا- أعَمُّ مِنَ القَتْلِ في سَبِيلِ اللهِ، ومُبايَعَةُ الخُلَفاءِ هي مُنْتَزَعَةٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
كانَ الناسُ يُعْطُونَ الخُلَفاءَ طاعَتَهم ونَصائِحَهم وجِدَّهُمْ، ويُعْطِيهِمُ الخُلَفاءُ عَدْلَهم ونَظَرَهم والقِيامَ بِأُمُورِهِمْ.
وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ سَمِعَ الواعِظَ أبا الفَضْلِ بْنَ الجَوْهَرِيِّ يَقُولُ عَلى المِنبَرِ بِمِصْرَ: ناهِيكَ مِن صَفْقَةٍ البائِعُ فِيها رَبُّ العُلا، والثَمَنُ جَنَّةُ المَأْوى، والواسِطَةُ مُحَمَّدٌ المُصْطَفى .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ ﴾ مَقْطُوعٌ ومُسْتَأْنَفٌ، وذَلِكَ عَلى تَأْوِيلِ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وأمّا عَلى تَأْوِيلِ الجُمْهُورِ مِن أنَّ الشِراءَ والبَيْعَ إنَّما هو مَعَ المُجاهِدِينَ فَهو في مَوْضِعِ الحالِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وغَيْرُهُمْ: "فَيَقْتُلُونَ" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، "وَيُقْتَلُونَ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والنَخْعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِعَكْسِ ذَلِكَ، والمَعْنى واحِدٌ إذِ الغَرَضُ أنَّ المُؤْمِنِينَ يُقاتِلُونَ فَيُوجَدُ فِيهِمْ مَن يَقْتُلُ وفِيهِمْ مَن يُقْتَلُ، وفِيهِمْ مَن يَجْتَمِعانِ لَهُ، وفِيهِمْ مَن لا تَقَعُ لَهُ واحِدَةٌ مِنهُما، ولَيْسَ الغَرَضُ أنْ يَجْتَمِعَ ولا بُدَّ لِكُلٍّ واحِدٍ واحِدٌ، وإذا اعْتُبِرَ هَذا بانَ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآيَةِ هو في مَعْنى الوَعْدِ فَجاءَ هو مُؤَكِّدًا لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ ﴾ .
وقالَ المُفَسِّرُونَ: يَظْهَرُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي التَوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ ﴾ أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُمِرَتْ بِالجِهادِ ووُعِدَتْ عَلَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنَّ مِيعادَ أُمَّةِ رَسُولِ اللهِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في هَذِهِ الكُتُبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، أيْ: لا أحَدَ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فاسْتَبْشِرُوا ﴾ فِعْلٌ جاءَ فِيهِ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ، ولَيْسَ هَذا مِن مَعْنى طَلَبِ الشَيْءِ، كَما تَقُولُ: اسْتَوْقَدَ نارًا، واسْتَهْدى مالًا، واسْتَدْعى نَصْرًا، بَلْ هو كَعَجِبَ واسْتَعْجَبَ، ثُمَّ وصَفَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ذَلِكَ البَيْعَ بِأنَّهُ ﴿ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ ، أيْ أنَّهُ الحُصُولُ عَلى الحَظِّ الأغْبَطِ مِن حَطِّ الذُنُوبِ ودُخُولِ الجَنَّةِ بِلا حِسابٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ التائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ السائِحُونَ الراكِعُونَ الساجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والناهُونَ عَنِ المُنْكَرِ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ ﴾ هَذِهِ الأوصافُ هي مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَ اللهُ أنَّهُ اشْتَرى مِنهم أنْفُسَهُمْ، وارْتَفَعَتْ هَذِهِ الصِفاتُ لَمّا جاءَتْ مَقْطُوعَةً في ابْتِداءِ آيَةٍ عَلى مَعْنى: هُمُ التائِبُونَ، ومَعْنى الآيَةِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ أقْوالُ العُلَماءِ والشَرْعِ أنَّها أوصافُ الكَمَلَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ذَكَرَها اللهُ تَعالى لِيَسْتَبِقَ إلَيْها أهْلُ التَوْحِيدِ حَتّى يَكُونُوا في أعْلى رُتْبَةٍ، والآيَةُ الأولى مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها، يَقَعُ تَحْتَ تِلْكَ المُبايَعَةِ كُلُّ مُوَحِّدٍ قاتَلَ في سَبِيلِ اللهِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هي العُلْيا وإنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهَذِهِ الصِفاتِ الَّتِي هي في هَذِهِ الآيَةِ أو بِأكْثَرِها.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هَذِهِ الأوصافُ جاءَتْ عَلى جِهَةِ الشَرْطِ، والآيَتانِ مُرْتَبِطَتانِ فَلا يَدْخُلُ في المُبايَعَةِ إلّا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هم عَلى هَذِهِ الأوصافِ ويَبْذُلُونَ أنْفُسَهم في سَبِيلِ اللهِ.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ عَنِ الضَحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ أنَّ رَجُلًا سَألَهُ عن قَوْلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ اللهَ اشْتَرى ﴾ الآيَةُ، وقالَ الرَجُلُ: ألا أحْمِلُ عَلى المُشْرِكِينَ فَأُقاتِلَ حَتّى أقْتُلَ؟
فَقالَ الضَحّاكُ: ويْلَكَ، أيْنَ الشَرْطُ: ﴿ التائِبُونَ العابِدُونَ ﴾ الآيَةُ؟
وهَذا القَوْلُ تَحْرِيجٌ وتَضْيِيقٌ واللهُ أعْلَمُ، والأوَّلُ أصْوَبُ، والشَهادَةُ ماحِيَةٌ لِكُلِّ ذَنْبٍ إلّا لِمَظالِمِ العِبادِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى يَحْمِلُ عَنِ الشَهِيدِ مَظالِمَ العِبادِ ويُجازِيهِمْ عنهُ، خَتَمَ اللهُ لَنا بِالحُسْنى.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ رَفْعَ التائِبِينَ إنَّما هو عَلى الِابْتِداءِ وما بَعْدَهُ صِفَةٌ إلّا قَوْلَهُ: "الآمِرُونَ" فَإنَّهُ خَبَرُ الِابْتِداءِ، كَأنَّهُ قالَ: "هُمُ الآمِرُونَ"، وهَذا حَسَنٌ إلّا أنَّ مَعْنى الآيَةِ يَنْفَصِلُ مِن مَعْنى الَّتِي قَبْلَها، وذَلِكَ قَلِقٌ فَتَأمَّلْهُ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "التائِبِينَ العابِدِينَ" إلى آخِرِها، ولِذَلِكَ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: الصِفَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى اتِّباعِ اللَفْظِ، والآخَرُ: النَصْبُ عَلى المَدْحِ.
و"التائِبُونَ" يَعُمُّ الرُجُوعَ مِنَ الشَرِّ إلى الخَيْرِ كانَ ذَلِكَ مِن كُفْرٍ أو مَعْصِيَةٍ، والرُجُوعُ مِن حالَةٍ إلى ما هي أحْسَنُ مِنها وإنْ لَمْ تَكُنِ الأُولى شَرًّا بَلْ خَيْرًا، وهَكَذا كانَتْ تَوْبَةُ النَبِيِّ واسْتِغْفارُهُ سَبْعِينَ مَرَّةً في اليَوْمِ، والتائِبُ هو المُقْلِعُ عَنِ الذَنْبِ العازِمُ عَلى التَمادِي عَلى الإقْلاعِ النادِمُ عَلى ما سَلَفَ، والتائِبُ عن ذَنْبٍ يُسَمّى تائِبًا وإنْ قامَ عَلى غَيْرِهِ إلّا أنْ يَكُونَ مِن نَوْعِهِ فَلَيْسَ بِتائِبٍ، والتَوْبَةُ ونَقْضُها دائِبًا خَيْرٌ مِنَ الإصْرارِ، ومَن تابَ ثُمَّ نَقَضَ ووافى عَلى النَقْضِ فَإنَّ ذُنُوبَهُ الأُولى تَبْقى عَلَيْهِ لِأنَّ تَوْبَتَهُ مِنها عَلِمَ اللهُ أنَّها مَنقُوضَةٌ، ويَحْتَمِلُ الأمْرُ غَيْرَ ذَلِكَ واللهُ أعْلَمُ.
وقالَ الحَسَنُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: "التائِبُونَ" مَعْناهُ: مِنَ الشِرْكِ.
و"العابِدُونَ" لَفْظٌ يَعُمُّ القِيامَ بِعِبادَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى والتِزامَ شَرْعِهِ ومُلازَمَةَ ذَلِكَ والمُثابَرَةَ عَلَيْهِ والدَوامَ، والعابِدُ هو المُحْسِنُ الَّذِي فَسَّرَ رَسُولُ اللهِ في قَوْلِهِ: "أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَراهُ"، وبِأدْنى عِبادَةٍ يُؤَدِّيها المَرْءُ المُسْلِمُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ عابِدٍ ويَحْصُلُ في أدْنى رُتْبَتِهِ، وعَلى قَدْرِ زِيادَتِهِ في العِبادَةِ يَحْصُلُ الوَصْفُ.
وَ"الحامِدُونَ" مَعْناهُ: الذاكِرُونَ لِلَّهِ بِأوصافِهِ الحُسْنى في كُلِّ حالٍ وعَلى السَرّاءِ والضَرّاءِ، وحَمْدُهُ لِأنَّهُ أهْلٌ لِذَلِكَ، وهو أعَمُّ مِنَ الشُكْرِ إذِ الشُكْرُ إنَّما هو عَلى النِعَمِ الخاصَّةِ بِالشاكِرِ.
و"السائِحُونَ" مَعْناهُ: الصائِمُونَ، ورُوِيَ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّها قالَتْ: "سِياحَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ الصِيامُ"، وأسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ، ورُوِيَ أنَّهُ مِن كَلامِ النَبِيِّ ، وفي الحَدِيثِ: "إنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سَيّاحِينَ مَشّائِينَ في الآفاقِ يُبَلِّغُونِي صَلاةَ أُمَّتِي عَلَيَّ"، ويُرْوى الحَدِيثُ "صَيّاحِينَ" بِالصادِّ مِنَ الصِياحِ، والسِياحَةُ في الأرْضِ مَأْخُوذٌ مِنَ السَيْحِ وهو الماءُ الجارِي عَلى الأرْضِ إلى غَيْرِ غايَةٍ، وقالَ بَعْضُ الناسِ -وَهُوَ في كِتابِ النَقّاشِ -: ﴿ السائِحُونَ ﴾ هُمُ الجائِلُونَ بِأفْكارِهِمْ في قُدْرَةِ اللهِ ومَلَكُوتِهِ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وهي مِن أفْضَلِ العِباداتِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "اقْعُدْ بِنا نُؤْمِن ساعَةً"، ويُرْوى أنَّ بَعْضَ العُبّادِ أخَذَ القَدَحَ لِيَتَوَضَّأ لِصَلاةِ اللَيْلِ، فَأدْخَلَ أُصْبُعَهُ في أُذُنِ القَدَحِ وجَعَلَ يُفَكِّرُ حَتّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: أدْخَلْتُ أُصْبُعِي في أُذُنِ القَدَحِ فَتَذَكَّرْتُ قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿ إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَلاسِلُ ﴾ ، وفَكَّرْتُ كَيْفَ أتَلَقّى الغُلَّ وبَقِيتُ في ذَلِكَ لَيْلِي أجْمَعَ.
و ﴿ الراكِعُونَ الساجِدُونَ ﴾ هُمُ المُصَلُّونَ الصَلَواتِ الخَمْسَ، كَذا قالَ أهْلُ العِلْمِ، ولَكِنْ لا يُخْتَلَفُ في أنَّ مَن يُكْثِرُ النَوافِلَ هو أدْخَلُ في الِاسْمِ وأغْرَقُ في الِاتِّصافِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والناهُونَ عَنِ المُنْكَرِ ﴾ هو أمْرُ فَرْضٍ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِالجُمْلَةِ، ثُمَّ يَفْتَرِقُ الناسُ فِيهِ مَعَ التَعْيِينِ، فَأمّا وُلاةُ الأمْرِ والرُؤَساءُ فَهو فَرْضٌ عَلَيْهِمْ في كُلِّ حالٍ، وأمّا سائِرُ الناسِ فَهو فَرْضٌ عَلَيْهِمْ بِشُرُوطٍ، مِنها: ألّا تَلْحَقَهُ مَضَرَّةٌ، وأنْ يَعْلَمَ أنَّ قَوْلَهُ يُسْمَعُ ويُعْمَلُ بِهِ ونَحْوَ هَذا، ثُمَّ مَن تَحَمَّلَ بَعْدُ في ذاتِ اللهِ مَشَقَّةُ فَهو أعْظَمُ أجْرًا، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: حَيْثُما ذَكَرَ اللهُ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيَ عَنِ المُنْكَرِ فَهو الأمْرُ بِالإسْلامِ والنَهْيُ عَنِ الكُفْرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا شَكَّ أنَّهُ يَتَناوَلُ هَذا وهو أحْرى أنْ يَتَناوَلَ ما دُونَهُ فَتَعْمِيمُ اللَفْظِ أولى، وأمّا هَذِهِ الواوُ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿ والناهُونَ ﴾ ولَمْ يَتَقَدَّمْ في واحِدَةٍ مِنَ الصِفاتِ قَبْلُ، فَقِيلَ: مَعْناها الرَبْطُ بَيْنَ هاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ وهي الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيُ عَنِ المُنْكَرِ إذْ هُما مِن غَيْرِ قَبِيلِ الصِفاتِ الأُوَلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ الأوَّلَ فِيما يَخُصُّ المَرْءَ، وهاتانِ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، ووَجَبَ الرَبْطُ بَيْنَهُما لِتَلازُمِهِما وتَناسُبِهِما، وقِيلَ: هي زائِدَةٌ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لا مَعْنى لَهُ، وقِيلَ: هي واوُ الثَمانِيَةِ، لِأنَّ هَذِهِ الصِفَةَ جاءَتْ ثامِنَةً في الرُتْبَةِ، ومِن هَذا قَوْلُهُ تَعالى في أبْوابِ الجَنَّةِ: ﴿ وَفُتِحَتْ أبْوابُها ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَثامِنُهم كَلْبُهُمْ ﴾ ، ومِن هَذا قَوْلُهُ: ﴿ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَلى أنَّ هَذِهِ تُعْتَرَضُ حَتّى لا يَلْزَمَ أنْ يَكُونَ واوُ ثَمانِيَةٍ أنَّها فَرَّقَتْ بَيْنَ فَصْلَيْنِ يَعُمّانِ بِمَجْمُوعِهِما جَمِيعَ النِساءِ ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ "ثَيِّباتٍ أبْكارًا"، فَهي فاصِلَةٌ ضَرُورَةً، وواوُ الثَمانِيَةِ قَدْ ذَكَرَها ابْنُ خالَوَيْهِ في مُناظَرَتِهِ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَفُتِحَتْ أبْوابُها ﴾ وأنْكَرَها أبُو عَلِيٍّ، وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ الأُسْتاذِ النَحْوِيِّ أبِي عَبْدِ اللهِ الكَفِيفِ المالِقِيِّ - وكانَ مِمَّنِ اسْتَوْطَنَ غِرْناطَةَ وأقْرَأ فِيها في مُدَّةِ ابْنِ حَبُوسٍ- أنَّهُ قالَ: "هِيَ لُغَةٌ فَصِيحَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ، مِن شَأْنِهِمْ أنْ يَقُولُوا إذا عَدُّوا: واحِدٌ، اثْنانِ، ثَلاثَةٌ، أرْبَعَةٌ، خَمْسَةٌ، سِتَّةٌ، سَبْعَةٌ، وثَمانِيَةٌ، تِسْعَةٌ، عَشْرَةٌ، فَهَكَذا هي لُغَتُهُمْ، ومَتى جاءَ في كَلامِهِمْ أمْرُ ثَمانِيَةٍ أدْخَلُوا الواوَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ تَحْتَهُ إلْزامُ الشَرِيعَةِ والِانْتِهاءُ عَمّا نَهى اللهُ في كُلِّ شَيْءٍ وفي كُلِّ فَنٍّ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ قِيلَ: هو لَفْظٌ عامٌّ أُمِرَ بِهِ النَبِيُّ أنْ يُبَشِّرَ أُمَّتَهُ جَمِيعًا بِالخَيْرِ مِنَ اللهِ، وقِيلَ: بَلْ هَذِهِ الألْفاظُ خاصَّةً لِمَن لَمْ يَغْزُ، أيْ: لَمّا تَقَدَّمَ في الآيَةِ وعْدُ المُجاهِدِينَ وفَضْلُهم أمَرَ أنْ يُبَشِّرَ سائِرَ الناسِ مِمَّنْ لَمْ يَغْزُ بِأنَّ الإيمانَ مُخَلِّصٌ مِنَ النارِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ ﴾ الآيَةُ، يَقْتَضِي التَأْنِيبَ ومَنعَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ مَعَ اليَأْسِ عن إيمانِهِمْ، إمّا بِمُوافاتِهِمْ عَلى الكُفْرِ ومَوْتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في العاصِ بْنِ وائِلٍ: "لا جَزاهُ اللهُ خَيْرًا"، وإمّا بِنَصٍّ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى أحَدٍ كَأبِي لَهَبٍ وغَيْرِهِ فَيَمْتَنِعُ الِاسْتِغْفارُ لَهُ وهو حَيٌّ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ الجُمْهُورُ -وَمَدارُهُ عَلى ابْنِ المُسَيِّبِ وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ -: نَزَلَتْ في شَأْنِ أبِي طالِبٍ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ دَخَلَ عَلَيْهِ حِينَ احْتُضِرَ ووَعَظَهُ وقالَ: "أيْ عَمِّ، قُلْ لا إلَهَ إلّا اللهُ كَلِمَةً أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللهِ تَعالى"، وكانَ بِالحَضْرَةِ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللهِ بْنُ أُمَيَّةَ، فَقالا لَهُ: يا أبا طالِبٍ أتَرْغَبُ عن مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟
فَقالَ أبُو طالِبٍ: يا مُحَمَّدُ، واللهِ لَوْلا أنِّي أخافُ أنْ يُعَيَّرَ بِها ولَدِي مِن بَعْدِي لَأقْرَرْتُ بِها عَيْنَكَ، ثُمَّ قالَ: أنا عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وماتَ عَلى ذَلِكَ، إذْ لَمْ يَسْمَعْ مِنهُ النَبِيُّ ما قالَ لِلْعَبّاسِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "واللهِ لِأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عنكَ"، فَكانَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ الِاسْتِغْفارَ لِأبِي طالِبٍ، ورُوِيَ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا رَأوا رَسُولَ اللهِ يَسْتَغْفِرُ لِأبِي طالِبٍ جَعَلُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِمَوْتاهُمْ، فَلِذَلِكَ دَخَلُوا في التَأْنِيبِ والنَهْيِ.
والآيَةُ -عَلى هَذا- ناسِخَةٌ لِفِعْلِ النَبِيِّ إذْ أفْعالُهُ في حُكْمِ الشَرْعِ المُسْتَقِرِّ.
وقالَ فُضَيْلُ بْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ: إنَّ رَسُولَ اللهِ لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ أتى قَبْرَ أُمِّهِ فَوَقَفَ عَلَيْهِ حَتّى سَخُنَتْ عَلَيْهِ الشَمْسُ، وجَعَلَ يَرْغَبُ في أنْ يُؤْذَنَ لَهُ في الِاسْتِغْفارِ لَها فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَأخْبَرَ أصْحابَهُ أنَّهُ أُذِنَ لَهُ في زِيارَةِ قَبْرِها ومُنِعَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَها، فَما رُئِيَ باكِيًا أكْثَرَ مِن يَوْمِئِذٍ، ونَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ في المُنافِقِينَ: "واللهِ لِأزِيدَنَّ عَلى السَبْعِينَ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما: إنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ جَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ قالُوا: نَسْتَغْفِرُ لِمَوْتانا كَما اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَفي وُرُودِ النَهْيِ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ مَوْضِعُ اعْتِراضٍ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ، فَنَزَلَ رَفْعُ ذَلِكَ الِاعْتِراضِ في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ ﴾ يُرِيدُ: مِن بَعْدِ المَوْتِ عَلى الكُفْرِ، فَحِينَئِذٍ تَبَيَّنَ أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ، أيْ سُكّانُها وعَمَرَتُها، والِاسْتِغْفارُ لِلْمُشْرِكِ الحَيِّ جائِزٌ إذْ يُرْجى إسْلامُهُ، ومِن هَذا قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "رَحِمَ اللهُ رَجُلًا اسْتَغْفَرَ لِأبِي هُرَيْرَةَ وأُمِّهِ"، قِيلَ لَهُ: ولِأبِيهِ قالَ: لا، إنَّ أبِي ماتَ كافِرًا، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: الآيَةُ في النَهْيِ عَنِ الصَلاةِ عَلى المُشْرِكِينَ، والِاسْتِغْفارُ هاهُنا يُرادُ بِهِ الصَلاةُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عن مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيمٌ ﴾ ﴿ وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ إنَّ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وما لَكم مِن دُونِ اللهَ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ المَعْنى: لا حُجَّةَ أيُّها المُؤْمِنُونَ في اسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ لِأبِيهِ فَإنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إلّا عن مَوْعِدَةٍ، واخْتُلِفَ في ذَلِكَ فَقِيلَ: عن مَوْعِدَةٍ مِن إبْراهِيمَ في أنْ يَسْتَغْفِرَ لِأبِيهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ﴾ ، وقِيلَ: عن مَوْعِدَةٍ مِن أبِيهِ لَهُ مِن أنَّهُ سَيُؤْمِنُ، فَكانَ إبْراهِيمُ قَدْ قَوِيَ طَمَعُهُ في إيمانِهِ فَحَمَلَهُ عَلى الِاسْتِغْفارِ لَهُ حَتّى نُهِيَ عنهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "وَما يَسْتَغْفِرُ إبْراهِيمُ" ورُوِيَ عنهُ: "وَما اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ"، و"مَوْعِدَةٌ" مَفْعِلَةٌ مِنَ الوَعْدِ، وأمّا تَبَيُّنُهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ، فَقِيلَ: بِمَوْتٍ آزَرَ عَلى الكُفْرِ، وقِيلَ: ذَلِكَ بِأنَّهُ نُهِيَ عنهُ وهو حَيٌّ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ذَلِكَ كُلُّهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وذَلِكَ أنَّ في الحَدِيثِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ يَلْقاهُ فَيَعْرِفُهُ ويَتَذَكَّرُ قَوْلَهُ: "سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي" فَيَقُولُ لَهُ: الزَمْ حَقْوِي فَلَنْ أدَعَكَ اليَوْمَ لِشَيْءٍ، فَيَلْزَمُهُ حَتّى يَأْتِيَ الصِراطَ فَيَلْتَفِتُ إلَيْهِ فَإذا هو قَدْ مُسِخَ ضِبْعانًا أمْذَرَ، فَيَتَبَرَّأُ مِنهُ حِينَئِذٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورَبْطُ أمْرِ الِاسْتِغْفارِ بِالآخِرَةِ ضَعِيفٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيمٌ ﴾ ثَناءٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى إبْراهِيمَ، والأوّاهُ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هو الدَعّاءُ، وقِيلَ: هو الداعِي بِتَضَرُّعٍ، وقِيلَ: هو المُوقِنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقِيلَ: هو الرَحِيمُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا، وقِيلَ: هو المُؤْمِنُ التَوّابُ، وقِيلَ: هو المُسَبِّحُ، وقِيلَ: هو الكَثِيرُ الذِكْرِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: هو التَلّاءُ لِلْقُرْآنِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَقُولُ مِن خَوْفِهِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ أبَدًا: أوّاهُ ويُكْثِرُ ذَلِكَ.
ورُوِيَ «أنَّ أبا ذَرٍّ سَمِعَ رَجُلًا يُكْثِرُ ذَلِكَ في طَوافِهِ فَشَكاهُ إلى رَسُولِ اللهِ فَقالَ: "دَعْهُ فَإنَّهُ أوّاهُ"»، والتَأوُّهُ: التَفَجُّعُ الَّذِي يَكْثُرُ حَتّى يَنْطِقَ الإنْسانُ مَعَهُ بِـ "أوهِ"، قالَ المُؤَلِّفُ: ويُقالُ: أوَّهْ، فَمِنَ الأوَّلِ «قَوْلُ رَسُولِ اللهِ لِبِلالٍ في بَيْعٍ أو شِراءٍ أنْكَرَهُ عَلَيْهِ: (أوهِ، ذَلِكَ الرِبا بِعَيْنِهِ)،» ومِنَ الثانِي قَوْلُ الشاعِرِ: فَأوهٍ لِذِكْراها إذا ما ذَكَرْتُها ∗∗∗ ومِن بُعْدِ أرْضٍ بَيْنَنا وسَماءِ ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ المُثَقَّبِ العَبْدِيِّ: إذا ما قُمْتُ أرْحَلُها بِلَيْلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ تَأوَّهَ آهَةَ الرَجُلِ الحَزِينِ ويُرْوى: آهَّةَ، ومِن ذَلِكَ «قَوْلُ النَبِيِّ : "أوَّهِ لِأفْراخِ مُحَمَّدٍ"»، وحَلِيمٌ مَعْناهُ: صابِرٌ مُحْتَمِلٌ عَظِيمُ العَقْلِ، والحِلْمُ العَقْلُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا ﴾ الآيَةُ مَعْناهُ: التَأْنِيسُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَقِيلَ: إنَّ بَعْضَهم خافَ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ دُونَ أمْرٍ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُؤْنِسَةً، أيْ: ما كانَ اللهُ -بَعْدَ أنْ هَدى إلى الإسْلامِ وأنْقَذَ مِنَ النارِ- لِيُحْبِطَ ذَلِكَ ويُضِلَّ أهْلَهُ لِمُواقَعَتِهِمْ ذَنْبًا لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنهُ نَهْيٌ عنهُ، فَأمّا إذا بَيَّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ مِنَ الأُمُورِ ويَتَجَنَّبُونَ مِنَ الأشْياءِ فَحِينَئِذٍ مَن واقَعَ -بَعْدَ النَهْيِ- اسْتَوْجَبَ العُقُوبَةَ.
وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ كانُوا غَيْبًا فَحُوِّلَتِ القِبْلَةُ فَصَلَّوْا -قَبْلَ أنْ يَصِلَهم ذَلِكَ- إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وآخَرِينَ شَرِبُوا الخَمْرَ بَعْدَ تَحْرِيمِها قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ، فَخافُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وتَكَلَّمُوا في ذَلِكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أصْوَبُ وألْيَقُ بِالآيَةِ.
وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يُحْيِي ويُمِيتُ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّها يَجِبُ أيُّها المُؤْمِنُونَ ألّا تَجْزَعُوا مِن عَدُوٍّ وإنْ كَثُرَ، ولا تَهابُوا أحَدًا فَإنَّ المَوْتَ المَخُوفَ والحَياةَ المَحْبُوبَةَ إنَّما هُما بِيَدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى الَّذِي قالَ صَحِيحٌ في نَفْسِهِ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ: "إنَّ القَصْدَ بِالآيَةِ إنَّما هو لِهَذا" قَوْلٌ يَبْعُدُ، والظاهِرُ في الآيَةِ إنَّما هو لَمّا نَصَّ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ نِعْمَتَهُ وفَضْلَهُ عَلى عَبِيدِهِ في أنَّهُ مَتى مَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِدايَةٍ فَفَضْلُهُ أسْبَغُ مِن أنْ يَصْرِفَهم ويُضِلَّهم قَبْلَ أنْ تَقَعَ مِنهم مَعْصِيَةٌ ومُخالَفَةُ أمْرٍ أتْبَعَ ذَلِكَ بِأوصافٍ فِيها تَمْجِيدُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وتَعْظِيمُهُ وبَعْثُ النُفُوسِ عَلى إدْمانِ شُكْرِهِ والإقْرارِ بِعُبُودِيَّتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَقَدْ تابَ اللهُ عَلى النَبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ وَعَلى الثَلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيْهِمُ أنْفُسُهم وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللهِ إلا إلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمُ لِيَتُوبُوا إنَّ اللهِ هو التَوّابُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وكُونُوا مَعَ الصادِقِينَ ﴾ التَوْبَةُ مِنَ اللهِ رُجُوعُهُ بِعَبْدِهِ مِن حالَةٍ إلى أرْفَعَ مِنها، فَقَدْ تَكُونُ في الأكْثَرِ رُجُوعًا مِن حالَةِ المَعْصِيَةِ إلى حالَةِ الطاعَةِ، وقَدْ تَكُونُ رُجُوعًا مِن حالَةِ طاعَةٍ إلى أكْمَلَ مِنها، وهَذِهِ تَوْبَتُهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى النَبِيِّ لِأنَّهُ رَجَعَ بِهِ مِن حالِهِ قَبْلَ تَحْصِيلِ الغَزْوَةِ وأجْرِها وتَحَمُّلِ مَشَقّاتِها إلى حالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ.
وأمّا تَوْبَتُهُ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فَحالُها مُعَرَّضَةٌ لِأنْ تَكُونَ مِن تَقْصِيرٍ إلى طاعَةٍ وجِدٍّ في الغَزْوِ ونُصْرَةِ الدِينِ، وأمّا تَوْبَتُهُ عَلى الفَرِيقِ الَّذِي كادَ أنْ يَزِيغَ فَرُجُوعٌ مِن حالَةٍ مَحْطُوطَةٍ إلى حالِ غُفْرانٍ ورِضا.
واتَّبَعُوهُ مَعْناهُ: دَخَلُوا في أمْرِهِ وانْبِعاثِهِ ولَمْ يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عن نَفْسِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي ساعَةِ العُسْرَةِ ﴾ يُرِيدُ: في وقْتِ العُسْرَةِ، فَأنْزَلَ الساعَةَ مَنزِلَةَ المُدَّةِ والوَقْتِ والزَمَنِ وإنْ كانَ عُرْفُ الساعَةِ في اللُغَةِ أنَّهُ لِما قَلَّ مِنَ الزَمَنِ كالقِطْعَةِ مِنَ النَهارِ.
ألا تَرى قَوْلَهُ في رَواحِ يَوْمِ الجُمْعَةِ: "فِي الساعَةِ الأُولى وفي الثانِيَةِ" الحَدِيثُ، فَهي هُنا تَجَوُّزٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فِي ساعَةِ العُسْرَةِ ﴾ الساعَةَ الَّتِي وقَعَ فِيها عَزْمُهم وانْقِيادُهم لِتَحَمُّلِ المَشَقَّةِ إذِ السُفْرَةُ كُلُّها تَبَعٌ لِتِلْكَ الساعَةِ وبِها وفِيها يَقَعُ الأجْرُ عَلى اللهِ وتَرْتَبِطُ النِيَّةُ، فَمَنِ اعْتَزَمَ عَلى الغَزْوِ وهو مُعْسِرٌ فَقَدِ اتَّبَعَ في ساعَةِ العُسْرَةِ، ولَوِ اتَّفَقَ أنْ يَطْرَأ لَهم غِنًى في سائِرِ سَفْرَتِهِمْ لَما اخْتَلَّ كَوْنُهم مُتَّبِعِينَ في ساعَةِ عُسْرَةِ، والعُسْرَةُ: الشِدَّةُ وضِيقُ الحالِ والعُدْمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ ﴾ ، وهَذا هو جَيْشُ العُسْرَةِ الَّذِي قالَ رَسُولُ اللهِ فِيهِ: « "مَن جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ"، فَجَهَّزَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِألْفِ جَمَلٍ وألْفِ دِينارٍ.
ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ قَلَبَ الدَنانِيرَ بِيَدِهِ وقالَ: "وَما عَلى عُثْمانَ ما عَمِلَ بَعْدَ هَذا؟"، وجاءَ أيْضًا رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ بِسَبْعِمِائَةِ وسْقٍ مِن تَمْرٍ،» وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: إنَّ العُسْرَةَ بَلَغَتْ بِهِمْ في تِلْكَ الغَزْوَةِ وهي غَزْوَةُ تَبُوكَ إلى أنْ قَسَّمُوا التَمْرَةَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، ثُمَّ كانَ النَفَرُ يَأْخُذُونَ التَمْرَةَ الواحِدَةَ فَيَمْضُغُها أحَدُهم ويَشْرَبُ عَلَيْها الماءَ ثُمَّ يَفْعَلُ كُلُّهم بِها ذَلِكَ.
وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: وأصابَهم في بَعْضِها عَطَشٌ شَدِيدٌ حَتّى جَعَلُوا يَنْحَرُونَ الإبِلَ ويَشْرَبُونَ ما في كُرُوشِها مِنَ الماءِ ويَعْصِرُونَ الفَرْثَ حَتّى اسْتَسْقى لَهم رَسُولُ اللهِ فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو، فَما رَجَعَهُما حَتّى انْسَكَبَتْ سَحابَةٌ فَشَرِبُوا وادَّخَرُوا ثُمَّ ارْتَحَلُوا فَإذا السَحابَةُ لَمْ تَخْرُجْ عَنِ العَسْكَرِ، وحِينَئِذٍ قالَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ: وهَلْ هَذِهِ إلّا سَحابَةٌ مَرَّتْ؟
وكانَتِ الغَزْوَةُ في شِدَّةِ الحَرِّ، وكانَ الناسُ كَثِيرًا فَقَلَّ الظَهْرُ فَجاءَتْهُمُ العُسْرَةُ مِن جِهاتٍ، ووَصَلَ رَسُولُ اللهِ إلى أوائِلِ بَلَدِ العَدُوِّ فَصالَحَهُ أهْلُ أذْرَجَ وأيْلَةَ، وغَيْرُهُما عَلى الجِزْيَةِ ونَحْوِها، وانْصَرَفَ.
وأمّا الزَيْغُ الَّذِي كادَتْ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم أنْ تُواقِعَهُ فَقِيلَ: هَمَّتْ فِرْقَةٌ بِالِانْصِرافِ لَمّا لَقُوا مِنَ المَشَقَّةِ والعُسْرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وقِيلَ: زَيْغُها إنَّما كانَ بِظُنُونٍ لَها ساءَتْ في مَعْنى عَزْمِ رَسُولِ اللهِ عَلى تِلْكَ الغَزْوَةِ لِما رَأتْهُ مِن شِدَّةِ العُسْرَةِ وقِلَّةِ الوَفْرِ وبُعْدِ المَشَقَّةِ وقُوَّةِ العَدُوِّ المَقْصُودِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "تَزِيغُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ عَلى لَفْظِ القُلُوبِ.
ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ كانَ يُدْغِمُ الدالَ في التاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْمَشُ، والجَحْدَرِيُّ: "يَزِيغُ" بِالياءِ عَلى مَعْنى جَمْعِ القُلُوبِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "مِن بَعْدِ ما زاغَتْ قُلُوبُ فَرِيقٍ"، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "مِن بَعْدِ ما كادَتْ تَزِيغُ".
وَأمّا "كادَ" فَيُحْتَمَلُ أنْ يَرْتَفِعَ بِها ثَلاثَةُ أشْياءَ؛ أوَّلُها وأقْواها: القِصَّةُ والشَأْنُ، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وتَرْتَفِعُ "القُلُوبُ" -عَلى هَذا- بِـ "تَزِيغُ"، والثانِي: أنْ يَرْتَفِعَ بِها ما يَقْتَضِيهِ ذِكْرُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ أوَّلًا، ويُقَدَّرُ ذَلِكَ: "القَوْمُ"، فَكَأنَّهُ قالَ: مِن بَعْدِ ما كادَ القَوْمُ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ، والثالِثُ: أنْ يَرْتَفِعَ بِها "القُلُوبُ" ويَكُونُ في قَوْلِهِ: "تَزِيغُ" ضَمِيرُ "القُلُوبِ"، وجازَ ذَلِكَ تَشْبِيهًا بَكانَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ ﴾ ، وأيْضًا فَلِأنَّ هَذا التَقْدِيمَ لِلْخَبَرِ يُرادُ بِهِ التَأْخِيرُ، وشُبِّهَتْ "كادَ" بِـ "كانَ" لِلُزُومِ الخَبَرِ لَها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في "عَسى".
ثُمَّ أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ تابَ أيْضًا عَلى هَذا الفَرِيقِ وراجَعَ بِهِ، وأنِسَ بِإعْلامِهِ لِلْأُمَّةِ بِأنَّهُ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، والثَلاثَةُ هُمْ: كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ، ومُرارَةُ بْنُ الرَبِيعِ العامِرِيُّ، ويُقالُ: ابْنُ رَبِيعَةَ، ويُقالُ: ابْنُ رِبْعِيِّ، وقَدْ خَرَجَ حَدِيثُهم بِكَمالِهِ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، وهو في السَيَرِ، فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْنا سَوْقَهُ.
وهُمُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ فِيهِمْ: ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ ﴾ ، ومَعْنى: خُلِّفُوا: أُخِّرُوا وتُرِكَ أمْرُهم ولَمْ تُقْبَلْ مِنهم مَعْذِرَةٌ ولا رُدَّتْ عَلَيْهِمْ، فَكَأنَّهم خُلِّفُوا عَنِ المُعْتَذِرِينَ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿ خُلِّفُوا ﴾ أيْ عن غَزْوَةِ تَبُوكَ، قالَهُ قَتادَةُ، وهَذا ضَعِيفٌ وقَدْ رَدَّهُ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ نَفْسُهُ وقالَ: مَعْنى خُلِّفُوا: تُرِكُوا عن قَبُولِ العُذْرِ، ولَيْسَ بِتَخَلُّفِنا عَنِ الغَزْوِ، ويُقَوِّي ذَلِكَ جَعْلُهُ ﴿ حَتّى إذا ضاقَتْ ﴾ غايَةً لِلتَّخَلُّفِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عن تَخْلِيفِهِمْ عَنِ الغَزْوِ، وإنَّما ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ عن تَخْلِيفِهِمْ عن قَبُولِ العُذْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خُلِّفُوا" بِضَمِّ الخاءِ وشَدِّ اللامِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ بْنُ هارُونَ المَخْزُومِيُّ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وعَمْرُو بْنُ عَبِيدٍ، وأبُو عَمْرٍو أيْضًا: "خَلَفُوا" بِفَتْحِ الخاءِ واللامِ غَيْرَ مُشَدَّدَةٍ، وقَرَأ أبُو مالِكٍ: "خَلِفُوا" بِضَمِّ الخاءِ وتَخْفِيفِ اللامِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "خالَفُوا" والمَعْنى قَرِيبُ مِنَ الَّتِي قَبْلَها، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ: ولَوْ خُلِّفُوا لَمْ يَكُنْ لَهم ذَنْبٌ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَعَلى الثَلاثَةِ المُخَلَّفِينَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما رَحُبَتْ ﴾ مَعْناهُ: بِرُحْبِها، كَأنَّهُ قالَ: عَلى ما هي في نَفْسِها رَحْبَةٌ، فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، ﴿ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ ﴾ اسْتِعارَةٌ لِأنَّ الهَمَّ والغَمَّ مَلَأها، ﴿ وَظَنُّوا ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: أيْقَنُوا وحَصَلَ عِلْمٌ لَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾ لَمّا كانَ هَذا القَوْلُ في تَعْدِيدِ نِعَمِهِ بَدا في تَرْتِيبِهِ بِالجِهَةِ الَّتِي هي عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُنَبِّهًا عَلى تَلَقِّي النِعْمَةِ مِن عِنْدِهِ لا رَبَّ غَيْرُهُ، ولَوْ كانَ القَوْلُ في تَعْدِيدِ ذَنْبٍ لَكانَ الِابْتِداءُ بِالجِهَةِ الَّتِي هي عَنِ المُذْنِبِ كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ لِيَكُونَ هَذا أشَدَّ تَقْرِيرًا لِلذَّنْبِ عَلَيْهِمْ، وهَذا مِن فَصاحَةِ القُرْآنِ وبَدِيعِ نَظْمِهِ ومُعْجِزِ اتِّساقِهِ.
وبَيانُ هَذِهِ الآيَةِ ومَواقِعُ ألْفاظِها إنَّما يَكْمُلُ مَعَ مُطالَعَةِ حَدِيثِ الثَلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا في الكُتُبِ الَّتِي ذَكَرْنا، وإنَّما عَظُمَ ذَنْبُهم واسْتَحَقُّوا عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأنَّ الشَرْعَ يَطْلُبُهم مِنَ الجِدِّ فِيهِ بِحَسَبِ مَنازِلِهِمْ مِنهُ وتَقَدُّمِهِمْ فِيهِ، إذْ هم أُسْوَةٌ وحُجَّةٌ لِلْمُنافِقِينَ والطاعِنِينَ، إذْ كانَ كَعْبٌ مِن أهْلِ العَقَبَةِ وصاحَباهُ مَن أهْلِ بَدْرٍ.
وفي هَذا ما يَقْتَضِي أنَّ الرَجُلَ العالِمَ والمُقْتَدى بِهِ أقَلُّ عُذْرًا في السُقُوطِ مِن سِواهُ، وكَتَبَ الأوزاعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ إلى المَنصُورِ أبِي جَعْفَرٍ في آخِرِ رِسالَةٍ: "واعْلَمْ أنَّ قَرابَتَكَ مِن رَسُولِ اللهِ لَنْ تَزِيدَ حَقَّ اللهِ عَلَيْكَ إلّا عِظَمًا، ولا طاعَتَهُ إلّا وُجُوبًا، ولا الناسَ فِيما خالَفَ ذَلِكَ مِنكَ إلّا إنْكارًا والسَلامُ"، ولَقَدْ أحْسَنَ القاضِي التَنُوخِيُّ في قَوْلِهِ: والعَيْبُ يُعْلَقُ بِالكَبِيرِ كَبِيرُ وفِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ الثَلاثَةِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ كانَ لَيْلَةَ نُزُولِ تَوْبَتِهِمْ في بَيْتِ أمِّ سَلَمَةَ، وكانَتْ لَهم صالِحَةٌ، فَقالَ لَها رَسُولُ اللهِ : "يا أُمَّ سَلَمَةَ، تِيبَ عَلى كَعْبِ بْنِ مالِكٍ وصاحِبَيْهِ"، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ ألا أبْعَثُ إلَيْهِمْ؟
فَقالَ: "إذًا يَحْطِمُكُمُ الناسُ سائِرَ اللَيْلَةِ فَيَمْنَعُوكُمُ النَوْمَ"».
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وكُونُوا مَعَ الصادِقِينَ ﴾ ، هَذا الأمْرُ بِالكَوْنِ مَعَ أهْلِ الصِدْقِ حَسَنٌ بَعْدَ قِصَّةِ الثَلاثَةِ حِينَ نَفَعَهُمُ الصِدْقُ وذَهَبَ بِهِمْ عن مَنازِلِ المُنافِقِينَ، فَجاءَ هَذا الأمْرُ اعْتِراضًا في أثْناءِ الكَلامِ إذْ عَنَّ في القِصَّةِ ما يَجِبُ التَنْبِيهُ عَلى امْتِثالِهِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ: الصِدْقُ في هَذِهِ الآيَةِ هو صِدْقُ الحَدِيثِ، وقالَ نافِعٌ، والضَحّاكُ ما مَعْناهُ: إنَّ اللَفْظَ أعَمُّ مِن صِدْقِ الحَدِيثِ، وهو بِمَعْنى الصِحَّةِ في الدِينِ والتَمَكُّنِ في الخَيْرِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: "عَوْدٌ صِدْقٌ ورَجُلٌ صِدْقٌ"، وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: كُونُوا مَعَ مُحَمَّدٍ ، وأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وأخْيارِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ صَدَقُوا اللهَ فِي الإسْلامِ.
و"مَعَ" في هَذِهِ الآيَةِ تَقْتَضِي الصُحْبَةَ في الحالِ والمُشارَكَةَ في الوَصْفِ المُقْتَضِي لِلْمَدْحِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: "وَكُونُوا مِنَ الصادِقِينَ"، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ، وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَتَأوَّلُهُ في صِدْقِ الحَدِيثِ.
ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: الكَذِبُ لا يَصْلُحُ مِنهُ جِدٌّ ولا هَزْلٌ، اقْرَأُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وكُونُوا مَعَ الصادِقِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عن رَسُولِ اللهِ ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عن نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِنَ عَدُوٍّ نَيْلا إلا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إنَّ اللهِ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلا كُتِبَ لَهم لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ هَذِهِ مُعاتَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ يَثْرِبَ وقَبائِلِ العَرَبِ المُجاوِرَةِ لَها عَلى التَخَلُّفِ عن رَسُولِ اللهِ في غَزْوِهِ، وقُوَّةُ الكَلامِ تُعْطِي الأمْرَ بِصُحْبَتِهِ إلى تَوَجُّهِهِ غازِيًا وبَذْلِ النُفُوسِ دُونَهُ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ، فَقالَ قَتادَةُ: كانَ هَذا الإلْزامُ خاصًّا مَعَ النَبِيِّ ووُجُوبِ النَفْرِ إلى الغَزْوِ إذا خَرَجَ هو بِنَفْسِهِ، ولَمْ يَبْقَ هَذا الحُكْمُ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الخُلَفاءِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَ هَذا الأمْرُ والإلْزامُ في قِلَّةِ الإسْلامِ والِاحْتِياجِ إلى اتِّصالِ الأيْدِي ثُمَّ نُسِخَ عِنْدَ قُوَّةِ الإسْلامِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ في الِانْبِعاثِ إلى غَزْوِ العَدُوِّ عَلى الدُخُولِ في الإسْلامِ، وأمّا إذا ألَمَّ العَدُوُّ بِجِهَةٍ فَمُتَعَيَّنٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ القِيامُ بِذَبِّهِ ومُكافَحَتِهِ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ ﴾ فَمَعْناهُ ألّا يَتَحَمَّلَ رَسُولُ اللهِ في اللهِ مَشَقَّةً ويَجُودَ بِنَفْسِهِ في سَبِيلِ اللهِ فَيَقَعَ مِنهم شُحٌّ عَلى أنْفُسِهِمْ ويَكِعُّونَ عَمّا دَخَلَ هو فِيهِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى لِمَ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ التَخَلُّفُ عن رَسُولِ اللهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهُمْ ﴾ ...
الآيَةُ.
والنَصَبُ: التَعَبُ.
ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ: كِلِينِي لِهَمٍّ يا أُمَيْمَةُ ناصِبِ ∗∗∗.........................
أيْ: ذِي نَصْبٍ.
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا ﴾ .
والمَخْمَصَةُ: مَفْعَلَةٌ مِن خَمْصِ البَطْنِ وهو ضُمُورُهُ، واسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِحالَةِ الجُوعِ إذِ الخُمُوصُ مُلازِمٌ لَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: تَبِيتُونَ في المَشْتى مِلاءً بُطُونُكم...
وجاراتُكم غَرْثى يَبِتْنَ خَمائِصا ومِنهُ: "أخْمَصُ القَدَمِ"، والخُمْصانَةُ مِنَ النِساءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا ﴾ أيْ: ولا يَنْتَهُونَ مِنَ الأرْضِ مُنْتَهًى مُؤْذِيًا لِلْكُفّارِ، وذَلِكَ هو الغائِظُ، ومِنهُ في "المُدَوَّنَةِ": "كُنّا لا نَتَوَضَّأُ مِن مَوْطِئٍ" مِن قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلا ﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِقَلِيلِ ما يَصْنَعُهُ المُؤْمِنُونَ بِالكَفَرَةِ مِن أخْذِ مالٍ أو إيرادِ هَوانٍ وكَثِيرِهِ، والنَيْلُ: مَصْدَرُ نالَ يَنالُ، ولَيْسَ مِن قَوْلِهِمْ: نِلْتُ أنُولُهُ نَوْلًا ونَوالًا، وقِيلَ: هو مِنهُ وبُدِّلَتِ الواوُ ياءً لِخِفَّتِها هُنا، وهَذا ضَعِيفٌ، والطَبَرِيُّ قَدْ ذَكَرَ نَحْوَهُ وضَعَّفَهُ وقالَ: لَيْسَ ذَلِكَ المَعْرُوفَ مِن كَلامِ العَرَبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُنْفِقُونَ ﴾ الآيَةُ، قَدَّمَ الصَغِيرَةَ لِلِاهْتِمامِ، أيْ: إذا كُتِبَتِ الصَغِيرَةُ فالكَبِيرَةُ أحْرى، والوادِي: ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ كانَ فِيهِ ماءٌ أو لَمْ يَكُنْ، وجَمْعُهُ أودِيَةٌ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ فاعِلٌ وأفْعِلَةٌ إلّا في هَذا الحَرْفِ وحْدَهُ، وفي الحَدِيثِ: « "ما ازْدادَ قَوْمٌ مِن أهْلِيهِمْ في سَبِيلِ اللهِ بُعْدًا إلّا ازْدادُوا مِنَ اللهِ قُرْبًا"».
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً واعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا بِالبادِيَةِ سُكّانًا ومَبْعُوثِينَ لِتَعْلِيمِ الشَرْعِ لَمّا سَمِعُوا قَوْلَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ ﴾ أهَمَّهم ذَلِكَ، فَنَفَرُوا إلى المَدِينَةِ إلى رَسُولِ اللهِ خَشْيَةَ أنْ يَكُونُوا مُذْنِبِينَ في التَخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في نَفْرِهِمْ ذَلِكَ.» وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ المُنافِقِينَ لَمّا نَزَلَتِ الآياتُ في المُتَخَلِّفِينَ قالُوا: هَلَكَ أهْلُ البَوادِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُقِيمَةً لِعُذْرِ أهْلِ البَوادِي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهُمْ ﴾ عُمُومٌ في اللَفْظِ والمُرادُ بِهِ في المَعْنى الجُمْهُورُ والأكْثَرُ، وتَجِيءُ هَذِهِ الآيَةُ مُبَيِّنَةً لِذَلِكَ مُطَّرِدَةَ الألْفاظِ مُتَّصِلَةَ المَعْنى مِن قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَحْذَرُونَ ﴾ .
بَيَّنَ في آخِرِ الآيَةِ العُمُومَ الَّذِي في أوَّلِها إذْ هو مُعَرَّضٌ أنْ يُتَأوَّلَ فِيهِ ألّا يَتَخَلَّفَ بَشَرٌ.
والتَفَقُّهُ هو مِنَ النافِرِينَ، والإنْذارُ هو مِنهُمْ، والضَمِيرُ في رَجَعُوا لَهم أيْضًا.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ لَيْسَتْ في مَعْنى الغَزْوِ، وإنَّما سَبَبُها أنَّ قَبائِلَ مِنَ العَرَبِ لَمّا دَعا رَسُولُ اللهِ عَلى مُضَرَ بِالسِنِينَ أصابَتْهم مَجاعَةٌ وشِدَّةٌ، فَنَفَرُوا إلى المَدِينَةِ لِمَعْنى المَعاشِ فَكادُوا أنْ يُفْسِدُوها، وكانَ أكْثَرُهم غَيْرَ صَحِيحِ الإيمانِ وإنَّما أضْرَعَهُ الجُوعُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ فَقالَ: وما كانَ مِن صِفَتِهِ الإيمانُ لِيَنْفِرَ مِثْلَ هَذا النَفِيرِ، أيْ: لَيْسَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما مَعْناهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالبُعُوثِ والسَرايا، والآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ ثابِتَةُ الحُكْمِ مَعَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ في الغَزْوِ، وهَذِهِ ثابِتَةُ الحُكْمِ مَعَ تَخَلُّفِهِ، أيْ: يَجِبُ إذا تَخَلَّفَ ألّا يَنْفِرَ الناسُ كافَّةً فَيَبْقى هو مُنْفَرِدًا، وإنَّما يَنْبَغِي أنْ تَنْفِرَ طائِفَةٌ وتَبْقى طائِفَةٌ لِتَتَفَقَّهَ هَذِهِ الباقِيَةُ في الدِينِ، ويُنْذِرُوا النافِرِينَ إذا رَجَعَ النافِرُونَ إلَيْهِمْ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِكُلِّ ما ورَدَ مِن إلْزامِ الكافَّةِ النَفِيرَ والقِتالَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ لِيَتَفَقَّهُوا ﴾ عائِدٌ أيْضًا -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- عَلى الطائِفَةِ المُتَخَلِّفَةِ مَعَ النَبِيِّ ، وهو القَوْلُ الأوَّلُ في تَرْتِيبِنا هَذا عائِدٌ عَلى الطائِفَةِ النافِرَةِ، وكَذَلِكَ يَتَرَتَّبُ عَوْدُهُ مَعَ بَعْضِ الأقْوالِ عَلى هَذِهِ، ومَعَ بَعْضِها عَلى هَذِهِ.
والجُمْهُورُ عَلى أنَّ التَفَقُّهَ إنَّما هو بِمُشاهَدَةِ رَسُولِ اللهِ وصُحْبَتِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ التَفَقُّهُ في الغَزْوِ في السَرايا لِما يَرَوْنَ مِن نُصْرَةِ اللهِ لِدِينِهِ وإظْهارِهِ العَدَدَ القَلِيلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى الكَثِيرِ مِنَ الكافِرِينَ وعِلْمِهِمْ بِذَلِكَ صِحَّةُ دِينِ الإسْلامِ ومَكانَتِهِ مِنَ اللهِ تَعالى، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ وقَوّاهُ، والآخَرُ أيْضًا قَوِيٌّ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( لِيُنْذِرُوا ) عائِدٌ عَلى المُتَفَقِّهِينَ بِحَسَبِ الخِلافِ، والإنْذارُ عامٌّ لِلْكُفْرِ والمَعاصِي والحَذَرُ مِنها أيْضًا كَذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ﴾ الآيَةُ، قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ الأمْرِ بِقِتالِ الكُفّارِ كافَّةً فَهي مِنَ التَدْرِيجِ الَّذِي كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ يُضْعِفُهُ هَذِهِ الآيَةُ مِن آخِرِ ما نَزَلَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ رَسُولُ اللهِ رُبَّما تَجاوَزَ قَوْمًا مِنَ الكُفّارِ غازِيًا لِقَوْمٍ آخَرِينَ أبْعَدَ مِنهُمْ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى بِغَزْوِ الأدْنى فالأدْنى إلى المَدِينَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ مُبَيِّنَةٌ صُورَةَ القِتالِ كافَّةً، وهي مُتَرَتِّبَةٌ مَعَ الأمْرِ بِقِتالِ الكُفّارِ كافَّةً، ومَعْناها أنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ فِيها المُؤْمِنِينَ أنْ يُقاتِلَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنهُمُ الجِنْسَ الَّذِي يُصاقِبُهُ مِنَ الكَفَرَةِ، وهَذا هو القِتالُ لِكَلِمَةِ اللهِ ورَدِّ الناسِ إلى الإسْلامِ، وأمّا إذا مالَ العَدُوُّ إلى صُقْعٍ مِن أصْقاعِ المُسْلِمِينَ فَفَرْضٌ عَلى مَنِ اتَّصَلَ بِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ كِفايَةُ عَدُوِّ ذَلِكَ الصُقْعِ وإنْ بَعُدَتِ الدارُ ونَأتِ البِلادُ، وقالَ قائِلُو هَذِهِ المَقالَةِ: نَزَلَتِ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى قِتالِ الرُومِ بِالشامِ لِأنَّهم كانُوا يَوْمَئِذٍ العَدُوَّ الَّذِي يَلِي ويَقْرُبُ، إذْ كانَتِ العَرَبُ قَدْ عَمَّها الإسْلامُ وكانَتِ العِراقُ بَعِيدَةً، ثُمَّ لَمّا اتَّسَعَ نِطاقُ الإسْلامِ تَوَجَّهَ الفَرْضُ في قِتالِ الفُرْسِ والدَيْلَمِ وغَيْرِهِما مِنَ الأُمَمِ، وسَألَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَجُلٌ عن قِتالِ الدَيْلَمِ فَقالَ: عَلَيْكَ بِالرُومِ، وقالَ الحَسَنُ: هُمُ الرُومُ والدَيْلَمُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَعْنِي في زَمَنِهِ ذَلِكَ، وقالَهُ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ وقْتَ نُزُولِها: العَرَبُ، فَلَمّا فَرَغَ مِنهم نَزَلَتْ في الرُومِ وغَيْرِهِمْ: ﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عن يَدٍ وهم صاغِرُونَ ﴾ .
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "غِلْظَةً" بِكَسْرِ الغَيْنِ، وقَرَأ المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، والأعْمَشُ: "غَلْظَةً" بِفَتْحِها، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ، وأبانُ بْنُ ثَعْلَبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "غُلْظَةً" بِضَمِّها، وهي قِراءَةُ أبِي حَيَوَةَ، ورَواها المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ أيْضًا، قالَ أبُو حاتِمٍ: رُوِيَتِ الوُجُوهُ الثَلاثَةُ عن أبِي عَمْرٍو، وفي هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ شُذُوذٌ، وهي لُغاتٌ.
ومَعْنى الكَلامِ: ولِيَجِدُوا فِيكم خُشُونَةً وبَأْسًا، وذَلِكَ مَقْصُودٌ بِهِ القِتالُ، ومِنهُ: "العَذابُ الغَلِيظُ" و ﴿ غَلِيظَ القَلْبِ ﴾ ، و ﴿ غِلاظٌ شِدادٌ ﴾ في صِفَةِ الزَبانِيَةِ، و"غَلُظَتْ عَلَيْنا كُدْيَةٌ" في حَفْرِ الخَنْدَقِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
ثُمَّ وعَدَ اللهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ، وحَضَّ عَلى التَقْوى الَّتِي هي مِلاكُ الدِينِ والدُنْيا وبِها يُلْقى العَدُوُّ، وقَدْ قالَ بَعْضُ الصَحابَةِ: "إنَّما تُقاتِلُونَ الناسَ بِأعْمالِكُمْ".
وأهْلُها هُمُ المُجِدُّونَ في طُرُقِ الحَقِّ، فَوَعَدَ تَعالى أنَّهُ مَعَ أهْلِ التَقْوى، ومَن كانَ اللهُ مَعَهُ فَلَنْ يُغْلَبَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ ﴿ وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ ﴾ ﴿ أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أو مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ولا هم يَذَّكَّرُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في شَأْنِ المُنافِقِينَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمِنهُمْ ﴾ عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِمُنافِقِينَ مِثْلِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِقَوْمٍ مِن قَراباتِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَسْتَنِيمُونَ إلَيْهِمْ، ويَثِقُونَ بِسَتْرِهِمْ عَلَيْهِمْ، ويَطْمَعُونَ في رَدِّهِمْ إلى النِفاقِ.
ومَعْنى ﴿ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا ﴾ الِاسْتِخْفافُ والتَحْقِيرُ لِشَأْنِ السُورَةِ كَما تَقُولُ: أيُّ غَرِيبٍ في هَذا؟
أو أيُّ دَلِيلٍ؟
ثُمَّ ابْتَدَأ عَزَّ وجَلَّ الرَدَّ عَلَيْهِمْ والحُكْمَ بِما يَهْدِمُ لَبْسَهم فَأخْبَرَ أنَّ المُؤْمِنِينَ زادَتْهم إيمانًا، وأنَّهم يَسْتَبْشِرُونَ مِن ألْفاظِها ومَعانِيها بِرَحْمَةِ اللهِ ورِضْوانِهِ، والزِيادَةُ في الإيمانِ مَوْضِعُ تَخَبُّطٍ لِلنّاسِ وتَطْوِيلٍ، وتَلْخِيصُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ الإيمانَ الَّذِي هو نَفْسُ التَصْدِيقِ لَيْسَ مِمّا يَقْبَلُ الزِيادَةَ والنَقْصَ في نَفْسِهِ، وإنَّما تَقَعُ الزِيادَةُ في المُصَدِّقِ بِهِ، فَإذا نَزَلَتْ سُورَةٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، حَدَثَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِها تَصْدِيقٌ خاصٌّ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ، فَتَصْدِيقُهم بِما تَضَمَّنَتْهُ السُورَةُ مِن أخْبارٍ وأمْرٍ ونَهْيٍ أمْرٌ زائِدٌ عَلى الَّذِي كانَ عِنْدَهم قَبْلُ، فَهَذا وجْهٌ مِن زِيادَةِ الإيمانِ، ووَجْهٌ آخَرُ أنَّ السُورَةَ رُبَّما تَضَمَّنَتْ دَلِيلًا أو تَنْبِيهًا عَلَيْهِ فَيَكُونُ المُؤْمِنُ قَدْ عَرَفَ اللهَ بِعِدَّةِ أدِلَّةٍ، فَإذا نَزَلَتِ السُورَةُ زادَتْ في أدِلَّتِهِ، وهَذِهِ أيْضًا جِهَةٌ أُخْرى مِنَ الزِيادَةِ، وكُلُّها خارِجَةٌ عن نَفْسِ التَصْدِيقِ إذا حَصَلَ تامًّا، فَإنَّهُ لَيْسَ يَبْقى فِيهِ مَوْضِعُ زِيادَةٍ، ووَجْهٌ آخَرُ مِن وُجُوهِ الزِيادَةِ أنَّ الرَجُلَ رُبَّما عارَضَهُ شَكٌّ يَسِيرٌ أو لاحَتْ لَهُ شُبْهَةٌ مُشَغِّبَةٌ فَإذا نَزَلَتِ السُورَةُ ارْتَفَعَتْ تِلْكَ الشُبْهَةُ واسْتَراحَ مِنها، فَهَذا أيْضًا زِيادَةٌ في الإيمانِ إذْ يَرْتَقِي اعْتِقادُهُ عن مَرْتَبَةِ مُعارَضَةِ تِلْكَ الشُبْهَةِ إلى الخُلُوصِ مِنها، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن يُسَمِّي الطاعاتِ إيمانًا -وَذَلِكَ مَجازٌ عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ- فَتَتَرَتَّبُ الزِيادَةُ بِالسُورَةِ، إذْ تَتَضَمَّنُ أوامِرَ ونَواهِيَ وأحْكامًا، وهَذا حُكْمُ مَن يَتَعَلَّمُ العِلْمَ في مَعْنى زِيادَةِ الإيمانِ ونُقْصانِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّ تَعَلُّمَ الإنْسانِ العِلْمَ بِمَنزِلَةِ نُزُولِ سُورَةِ القُرْآنِ.
و ﴿ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ هُمُ المُنافِقُونَ، وهَذا تَشْبِيهٌ، وذَلِكَ أنَّ السالِمَ المُعْتَقَدِ المُنْشَرِحَ الصَدْرِ بِالإيمانِ يُشْبِهُهُ الصَحِيحُ، والفاسِدُ المُعْتَقَدِ يُشْبِهُهُ المَرِيضُ، فَفي العِبارَةِ مَجازٌ فَصِيحٌ لِأنَّ المَرَضَ والصِحَّةَ إنَّما هي خاصَّةٌ في الأعْضاءِ، فَهي في المُعْتَقَداتِ مَجازٌ، والرِجْسُ في هَذِهِ الآيَةِ عِبارَةٌ عن حالِهِمُ الَّتِي جَمَعَتْ مَعْنى الرِجْسِ في اللُغَةِ، وذَلِكَ أنَّ الرِجْسَ في اللُغَةِ يَجِيءُ بِمَعْنى القَذَرِ، ويَجِيءُ بِمَعْنى العَذابِ، وحالُ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ هي قَذَرٌ وهي عَذابٌ عاجِلٌ كَفِيلٌ بِآجِلٍ، وزِيادَةُ الرِجْسِ إلى الرِجْسِ هي عَمَهُهم في الكُفْرِ وخَبْطُهم في الضَلالِ، يُعاقِبُهُمُ اللهُ عَلى الكُفْرِ والإعْراضِ بِالخَتْمِ عَلى قُلُوبِهِمْ والخَتْمِ بِالنارِ عَلَيْهِمْ، وإذْ كَفَرُوا بِسُورَةٍ فَقَدْ زادَ كُفْرُهم فَذَلِكَ زِيادَةُ رِجْسٍ إلى رِجْسِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ ﴾ الآيَةُ، قَرَأ الجُمْهُورُ: "أوَ لا يَرَوْنَ" بِالياءِ عَلى مَعْنى: أو لا يَرى المُنافِقُونَ.
وقَرَأ حَمْزَةُ: "أو لا تَرَوْنَ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى: أو لا تَرَوْنَ أيُّها المُؤْمِنُونَ، فَهَذا تَنْبِيهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والأعْمَشُ: "أو لا تَرى" أيْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ.
ورُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ أيْضًا: "أو لَمْ تَرَوْا".
وذَكَرَ عنهُ أبُو حاتِمٍ: "أو لَمْ يَرَوْا"، وقالَ مُجاهِدٌ: "يُفْتَنُونَ" مَعْناهُ: يُخْتَبَرُونَ بِالسَنَةِ والجُوعِ، وحَكى عنهُ النَقّاشُ أنَّهُ قالَ: مَرْضَةً أو مَرْضَتَيْنِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: يُخْتَبَرُونَ بِالأمْرِ بِالجِهادِ، والَّذِي يَظْهَرُ مِمّا قَبْلَ الآيَةِ ومِمّا بَعْدَها أنَّ الفِتْنَةَ والِاخْتِبارَ إنَّما هي بِكَشْفِ اللهِ تَعالى أسْرارَهم وإفْشائِهِ عَقائِدَهُمْ، فَهَذا هو الِاخْتِبارُ الَّذِي تَقُومُ عَلَيْهِ الحُجَّةُ بِرُؤْيَتِهِ وتَرْكِ التَوْبَةِ، وأمّا الجِهادُ أوِ الجُوعُ فَلا يُتَرَقَّبُ مَعَهُما ما ذَكَرْناهُ، فَمَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا: أفَلا يَزْدَجِرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تُفْضَحُ سَرائِرُهم كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً أو مَرَّتَيْنِ بِحَسَبِ واحِدٍ واحِدٍ، ويَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ فَيَتُوبُونَ ويَتَذَكَّرُونَ وعْدَ اللهِ ووَعِيدَهُ، وأمّا الِاخْتِبارُ في المَرَضِ فَهو في المُؤْمِنِينَ، وقَدْ كانَ الحَسَنُ يُنْشِدُ: أفِي كُلِّ عامٍ مَرْضَةٌ ثُمَّ نَقْهَةٌ ∗∗∗ فَحَتّى مَتى حَتّى مَتى وإلى مَتى؟
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: يُفْتَنُونَ بِما يُشِيعُهُ المُشْرِكُونَ عَلى رَسُولِ اللهِ مِنَ الأكاذِيبِ، فَكانَ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُفْتَنُونَ في ذَلِكَ، وحَكى الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ عن حُذَيْفَةَ وهو غَرِيبٌ مِنَ المَعْنى.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهم بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ﴾ ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إلَهَ إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( بَعْضُهم ) عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ، والمَعْنى: وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فِيها فَضِيحَةُ أسْرارِهِمْ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، يَفْهَمُ مِن تِلْكَ النَظْرَةِ التَقْرِيرَ، هَلْ مَعَكم مَن يَنْقُلُ عنكُمْ؟
هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ حِينَ تُدَبِّرُونَ أُمُورَكُمْ؟
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ انْصَرَفُوا ﴾ مَعْناهُ: عن طَرِيقِ الِاهْتِداءِ، وذَلِكَ أنَّهم حِينَما يُبَيَّنُ لَهم كَشْفُ أسْرارِهِمْ والإعْلامُ بِمُغَيَّباتِ أُمُورِهِمْ يَقَعُ لَهم لا مَحالَةَ تَعَجُّبٌ وتَوَقُّفٌ ونَظَرٌ، فَلَوِ اهْتَدَوْا لَكانَ ذَلِكَ الوَقْتُ مَظِنَّةَ ذَلِكَ، فَهم إذْ يُصَمِّمُونَ عَلى الكُفْرِ ويَرْتَبِكُونَ فِيهِ كَأنَّهُمُ انْصَرَفُوا عن تِلْكَ الحالِ الَّتِي كانَتْ مَظِنَّةً لِلنَّظَرِ الصَحِيحِ والِاهْتِداءِ، وابْتَدَأ بِالفِعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِمْ إذْ هو تَعْدِيدُ ذَنْبٍ عَلى ما قَدْ بَيَّناهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، أيِ اسْتَوْجَبُوا ذَلِكَ ﴿ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ﴾ أيْ لا يَفْهَمُونَ عَنِ اللهِ ولا عن رَسُولِهِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: "لا تَقُولُوا: انْصَرَفْنا مِنَ الصَلاةِ، فَإنَّ قَوْمًا انْصَرَفُوا فَصَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ، ولَكِنْ قُولُوا: قَضَيْنا الصَلاةَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا النَظَرُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ هو إيماءٌ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: "نَظَرَ" في هَذِهِ الآيَةِ في مَوْضِعِ: "قالَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ جاءَكُمْ ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْعَرَبِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وهَذا عَلى جِهَةِ تَعْدِيدِ النِعْمَةِ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ، إذْ جاءَ بِلِسانِهِمْ وبِما يَفْهَمُونَهُ مِنَ الأغْراضِ والفَصاحَةِ وشُرِّفُوا بِهِ غابِرَ الأيّامِ.
وقالَ الزَجّاجُ: هي مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ العالَمِ، والمَعْنى: لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِنَ البَشَرِ، والأوَّلُ أصْوَبُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ يَقْتَضِي مَدْحًا لِنَسَبِ النَبِيِّ وأنَّهُ مِن صَمِيمِ العَرَبِ وأشْرَفِها، ويَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ : « "إنَّ اللهَ اصْطَفى كِنانَةَ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، واصْطَفى قُرَيْشًا مِن كِنانَةَ، واصْطَفى بَنِي هاشِمٍ مِن قُرَيْشٍ، واصْطَفانِي مِن بَنِي هاشِمٍ"»، ومِنهُ قَوْلُهُ : « "إنِّي مِن نِكاحٍ ولَسْتُ مِن سِفاحٍ"»، مَعْناهُ: أنَّ نَسَبَهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَكُنِ النَسْلُ فِيهِ إلّا مِن نِكاحٍ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ زِنًى، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ قُسَيْطٍ المَكِّيُّ: "مِن أنْفَسِكُمْ" بِفَتْحِ الفاءِ مِنَ النَفاسَةِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ وعن فاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَواها عَنِ النَبِيِّ .
وقَوْلُهُ: ﴿ ما عَنِتُّمْ ﴾ مَعْناهُ: عُنَتُكُمْ، فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، وهي ابْتِداءٌ، و"عَزِيزٌ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "ما عَنِتُّمْ" فاعِلًا بِـ "عَزِيزٌ" و"عَزِيزٌ" صِفَةٌ لِلرَّسُولِ ، وهَذا أصْوَبُ مِنَ الأوَّلِ.
والعَنَتُ: المَشَقَّةُ، وهي هُنا لَفْظَةٌ عامَّةٌ، أيْ: ما شَقَّ عَلَيْكم مِن كُفْرٍ وضَلالٍ بِحَسَبِ الحَقِّ، ومِن قَتْلٍ أو إسارٍ وامْتِحانٍ بِسَبَبِ الحَقِّ واعْتِقادِكم أيْضًا مَعَهُ، وقالَقَتادَةُ: المَعْنى: عَنَتُ مُؤْمِنِيكم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَعْمِيمُ عَنَتِ الجَمِيعِ أوجَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ﴾ يُرِيدُ: عَلى إيمانِكم وهُداكُمْ، وقَوْلِهِ: رَؤُفٌ مَعْناهُ: مُبالِغٌ في الشَفَقَةِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَأْفَةُ أرَقُّ مِنَ الرَحْمَةِ.
وقَرَأ "رَؤُفٌ" دُونَ مَدٍّ؛ الأعْمَشُ، وأهْلُ الكُوفَةِ، وأبُو عَمْرٍو.
ثُمَّ خاطَبَ النَبِيَّ بَعْدَ تَقْرِيرِهِ عَلَيْهِمْ هَذِهِ النِعْمَةَ فَقالَ: ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ يا مُحَمَّدُ، أيْ أعْرَضُوا بَعْدَ هَذِهِ الحالِ المُتَقَرِّرَةِ الَّتِي مَنَّ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيْهِمْ بِها ﴿ فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ ﴾ مَعْناهُ: وأعْمالُكَ بِحَسَبِ قَوْلِكَ مِنَ التَفْوِيضِ إلى اللهِ والتَوَكُّلِ عَلَيْهِ والجِدِّ في قِتالِهِمْ.
ولَيْسَتْ بِآيَةِ مُوادَعَةٍ لِأنَّها مِن آخِرِ ما نَزَلَ، وخُصِّصَ العَرْشُ بِالذِكْرِ إذْ هو أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "العَظِيمُ" بِرَفْعِ المِيمِ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ.
وهاتانِ الآيَتانِ لَمْ تُوجَدا حِينَ جُمِعَ المُصْحَفُ إلّا في حِفْظِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ، "وَوَقَعَ في البُخارِيِّ: أو أبِي خُزَيْمَةَ"، فَلَمّا جاءَ بِهِما تَذَكَّرَهُما كَثِيرٌ مِنَ الصَحابَةِ، وقَدْ كانَ زَيْدٌ يَعْرِفُهُما ولِذَلِكَ قالَ: "فَقَدْتُ آيَتَيْنِ مِن آخَرِ سُورَةِ التَوْبَةِ".
ولَوْ لَمْ يَعْرِفْهُما لَمْ يَدْرِ هَلْ فَقَدَ شَيْئًا أمْ لا، فَإنَّما ثَبَتَتِ الآيَةُ بِالإجْماعِ لا بِخُزَيْمَةَ وحْدَهُ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في كِتابِهِ قالَ: كانَ عُمَرُ لا يُثْبِتُ آيَةً في المُصْحَفِ إلّا أنْ يَشْهَدَ عَلَيْها رَجُلانِ، فَلَمّا جاءَ خُزَيْمَةُ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ قالَ: واللهِ لا أسْألُكَ عَلَيْهِما بَيِّنَةً أبَدًا فَإنَّهُ هَكَذا كانَ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَعْنِي صِفَةَ النَبِيِّ الَّتِي تَضَمَّنَتْها الآيَةُ، وهَذا -واللهُ أعْلَمُ- قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في مُدَّةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ الجَمْعِ الأوَّلِ، وحِينَئِذٍ فُقِدَتِ الآيَتانِ، ولَمْ يُجْمَعْ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ في خِلافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
وخُزَيْمَةُ بْنُ ثابِتٍ هو المَعْرُوفُ بِذِي الشَهادَتَيْنِ، وعُرِفَ بِذَلِكَ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ أمْضى شَهادَتَهُ وحْدَهُ في ابْتِياعِ فَرَسٍ وحَكَمَ بِها لِنَفْسِهِ ، وهَذا خُصُوصٌ لِرَسُولِ اللهِ .
وذَكَرَ النَقّاشُ عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: أقْرَبُ القُرْآنِ عَهْدًا بِاللهِ تَعالى هاتانِ الآيَتانِ: ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ ﴾ إلى آخِرِ السُورَةِ.
انْتَهى بِعَوْنِ اللهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ سُورَةُ التَوْبَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ