الإسلام > القرآن > تفسير > الوسيط > تفسير سورة المجادلة
تفسيرُ سورةِ المجادلة كاملةً من التفسير الوسيط (محمد سيد طنطاوي). آيةً آية: نصُّ الآية ثم تفسيرُها؛ اضغط على أيِّ آيةٍ لقراءة تفسيرها وحدها.
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 59 دقيقة قراءةذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما أخرجه الإمام أحمد عن يوسف بن عبد الله بن سلام ، عن خولة بنت ثعلبة قالت : فىَّ والله وفى - زوجى - أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة .قالت : " كنت عنده ، وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه ، قالت : فدخل على يوما فراجعته بشىء فغضب ، فقال : أنت على كظهر أمى .قالت : ثم خرج فجلس فى نادى قومه ساعة ، ثم رجع ، فإذا هو يريدنى عن نفسى ، فقالت له : كلا والذى نفس خوله بيده لا تخلص إلىَّ ، وقلت ما قلت ، حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه .قالت : فواثبنى ، فامتنعت عنه ، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف فألقيته عنى .ثم خرجت إلى بعض جاراتى ، فاستعرت منها ثيابا ، ثم خرجت حتى جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلست بين يديه ، فذكرت له - صلى الله عليه وسلم - ما لقيت من زوجى ، وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه .قالت : فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " يا خويلة ، ابن عمك شيخ كبير فاتى الله فيه " .قالت : فوالله ما برحت حتى نزل فىَّ قرآن ، فتغشى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كان يتغشاه ، ثم سرى عنه ، فقال لى : " يا خويلة قد أنزل الله فيك وفى صاحبك قرآنا " .
ثم قرأ على هذه الآيات " .وفى رواية : " أنها أتت النبى - صلى الله عليه وسلم - فقالت له : يا رسول الله ، إن أوساً تزوجنى وأنا شابة مرغوب فى ، فلما خلا سنى ، ونثرت بطنى ، جعلنى عليه كأمه ، وتركنى إلى غير أحد ، فإن كنت تجد لى رخصة يا رسول الله فحدثنى بها .فقال - صلى الله عليه وسلم - : " ما أمرت بشىء فى شأنك حتى الآن " وفى رواية أنه قال لها : " ما أراك إلا قد حرمت عليه " .فقالت : يا رسول الله ، إنه ما ذكر طلاقا ، وأخذت تجادل النبى - صلى الله عليه وسلم - ثم قالت : اللهم إنى أشكو إليك فافتى ، وشدة حالى ، وإنلى من زوجى أولاداً صغاراً ، إن ضمَّهم إليه ضاعوا ، وإن ضممتهم إلى جاعوا .قالت : وما برحت حتى نزل القرآن ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : " يا خولة أبشرى " ثم قرأ على هذه الآيات " .و " قد " فى قوله - تعالى - : ( قَدْ سَمِعَ .
.
.
) ؟قلت : " معناه التوقع ، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله - تعالى - مجادلتها وشكواها ، وينزل فى ذلك ما يفرج كربها " .والسماع فى قوله - تعالى - : ( سَمِعَ ) بمعنى علم الله - تعالى - التام بما دار بين تلك المرأة ، وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - سبحانه - لشكواها ، وحكمه فى تلك المسألة ، بما يبطل ما كان شائعاً بشأنها قبل نزول هذه الآية .وقوله : ( تُجَادِلُكَ ) من المجادلة ، وهى المفاوضة على سبيلا المغالبة والمنازعة ، وأصلها من جدلت الحبل : إذا أحكمت فتله .وقوله : ( تشتكي ) من الشكو ، وأصله فتح الشَّكوة - وهى سقاء صغير يجعل فيه الماء - وإظهار ما فيها ، ثم شاع هذا الاستعمال فى إظهار الإنسان لما يؤلمه ويؤذيه ، وطلب إزالته .والمعنى : قد سمع الله - تعالى - سماعا تاما ، قول هذه المرأة التى تجادلك - أيها الرسول الكريم - فى شأن ما دار بينها وبين زوجها ، وفيما صدر عنه فى حقها من الظهار ، وسمع - سبحانه - شكواها إليه ، والتماسها منه - عز وجل - حل قضيتها ، وتفريج كربتها ، وإزالة ما نزل بها من مكروه .وقال - سبحانه - ( التي تُجَادِلُكَ ) بأسلوب الاسم الموصول للإشعار بأنها كانت فى نهاية الجدال والشكوى ، وفى أقصى درجات التوكل على ربها ، والأمل فى تفريج كربتها ، رحمة بها وبزوجها وبأبنائها .وقوله - سبحانه - : ( للَّهِ والله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ ) جملة حالية ، والتحاور : مراجعة الكلام من الجانبين .
يقال : حاور فلان فلانا فى الكلام إذا راجعه فيما يقوله .أى : والحال أن الله - تعالى - يسمع ما يدور بينك - أيها الرسول الكريم - وبين تلك المرأة ، من مراجعة فى الكلام ، ومن أخذ ورد فى شأن قضيتها .والمقصود بذلك ، بيان الاعتناء بشأن هذا التحاور ، والتنويه بأهميته ، وأنه - تعالى - قد تكرم وتفضل بإيجاد التشريع الحكيم لحل هذه القضية .وعبر - سبحانه - بصيغة المضارع ، لزيادة التنويه بشأن ذلك التحاور ، واستحضار صورته فى ذهن السامع ، ليزداد عظة واعتبارا .وجملة : ( تَحَاوُرَكُمآ إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) تذييل قصد به التعليل لما قبله بطريق التحقيق .أى : أنه - سبحانه - يسمع كل المسموعات ، ويبصر كل المبصرات ، على أتم وجه وأكمله ، ومن مقتضيات ذلك ، أن يسمع تحاوركما ، ويبصر ما دار بينكما .قال القرطبة : " أخرج ابن ماجة أن عائشة - رضى الله عنها - قالت : " تبارك الذى وسع سمعه كل شىء إنى لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ، ويخفى على بعضه ، وهى تشتكى زوجها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهى تقول : يا رسول الله!!
أكل شبابى ، ونثرت له بطنى ، حتى إذا كبر سنى .
.
.
ظاهر منى!!
اللهم إنى أشكو إليك .وفى البخارى عن عائشة قالت : الحمد لله الذى وسع سمعه الأصوات ، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا فى ناحية البيت ما أسمع ما تقول ، فأنزل الله - تعالى - : ( قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ ) .
ثم شرع - سبحانه - فى بيان شأن الظهار فى ذاته ، وفى بيان حكمه المترتب عليه شرعا فقال : ( الذين يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللائي وَلَدْنَهُمْ ) .وقوله : ( يُظَاهِرُونَ ) من الظهار ، وهو لغة مصدر ظاهر ، وهو مفاعلة من الظهر .قال الآلوسى : والظهار يراد به معان مختلفة راجعة إلى الظهر معنى ولفظا باختلاف الأغراض ، فيقال : ظاهر زيد عمراً ، أى : قابل ظهره بظهره حقيقة ، وكذا إذا غايظه .
.
وظاهره إذا ناصره باعتبار أنه يقال : قوى ظهره إذا نصره " .والمراد به هنا : أن يقول الرجل لزوجته : أنت على كظهر أمى ، قاصدا بذلك تحريم زوجته على نفسه كتحريم أمه عليه .وكان هذا القول من الرجل لامرأته يؤدى إلى طلاقها منه ، بحيث لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ، وقيل : إلى طلاقها منه طلاقاً مؤبدا لا تحل له بعده .وقيل : إن هذا القول لم يكن طلاقا من كل وجه ، بل كانت الزوجة تبقى بعده معلقة ، فلا هى مطلقة ، ولا هى غير مطلقة .و " من " فى قوله ( مِّن نِّسَآئِهِمْ ) بيانية ، لإفادة أن هذا تشريع عام ، وليس خاصا بخولة بنت ثعلبة ، التى نزلت فى شأنها هذه الآيات .وجملة : ( مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ) قائمة مقام الخبر ، ودالة عليه .والمعنى : الذين يظاهرون منكم - أيها المؤمنون - من نسائهم بأن يقولوا لهن : أنتن علينا كظهر أمهاتنا ، مخطئون فيما يقولون ، فإن زوجاتهم لسن بأمهاتهم .( إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللائي وَلَدْنَهُمْ ) أى : ليس أمهاتهم على سبيل الحقيقة والواقع إلا النساء اللائى ولدنهم وأرضعتهم ، وقمن برعايتهم فى مراحل الطفولة والصبا والشباب .ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى بقوله : ( وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ القول وَزُوراً ) .أى : وإن هؤلاء الرجال الذين يقولون لأزواجهم : أنتن علينا كظهور أمهاتنا فى الحرمة ، ليتفوهون بما هو منكر من القول ، فى حكم الشرع وفى حكم العقل ، وفى حكم الطبع .
وفضلا عن كل ذلك فهو قول كاذب وباطل إذ لم يحرم الله - تعالى - الزوجة على زوجها ، كما حرم عليه أمه .
فعلاقة الأزواج بأمهاتهم ، تختلف اختلافا تاما عن علاقتهم بزوجاتهم .وإذاً فالمقصود بهذه الجملة الكريمة : التوبيخ على هذا القول ، وهو قول الرجل لزوجته : أنت على كظهر أمى ، وذم من ينطق به ، لأنه يعرض مقام الأمهات - وهو مقام فى أسمى درجات الاحترام والتبجيل - - إلى تخيلات قبيحة تصاحب النطق بهذا الكلام .وكعادة القرآن الكريم فى قرن الترهيب بالترغيب ، حتى لا تيأس النفوس من رحمة الله ، ختمت الآية الكريمة بما يدل على فضله - تعالى - .فقال : ( وَإِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ) أى : وإن الله - تعالى - لكثير العفو والمغفرة ، لمن تاب إليه - سبحانه - وأناب وأقلع عن تلك الأقوال والأفعال التى يبغضها - سبحانه - .
ثم أخذت السورة الكريمة فى تفصيل حكم الظهار ، بعد بيان كونه منكرا من القول وزورا ، فقال - تعالى - : ( والذين يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ) .وقد اختلف العلماء فى معنى قوله - تعالى - : ( ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ ) .فمنهم من يرى أن المراد منه ، ثم يرجعون عما قالوا ، قاصدين معاشرة زوجاتهم .
.
أو قاصدين تحليل ما حرموه على أنفسهم بالنسبة لزوجاتهم بسبب الظهار .ومنهم من يرى أن المراد بهذه الجملة : العودة إلى ما كانوا يقولونه فى الجاهلية ، بعد أن هداهم الله - تعالى - إلى الإسلام ، فيكون المعنى : ثم يعودون إلى ما كانوا يقولونه فى الجاهلية من ألفاظ الظهار ، التى يبغضها الله - تعالى - .وهذا القول يبدو عليه الضعف من جهة : جعله الفعل المضارع الدال على الحال والاستقبال وهو ( يُظَاهِرُونَ ) ، بمعنى الماضى المنقطع ، ومن جهة جعلهم أن المظاهر بعد الإسلام ، كان قد ظاهر فى الجاهلية ، مع أن هذا ليس بلازم .
إذ لم يثبت أن " أوس بن الصامت " كان قد ظاهر من زوجته فى الجاهلية ، وهذا الحكم إنما هو حق المظاهر فى الإسلام .ومنهم من يرى أن المراد بهذه الجملة : تكرار لفظ الظهار ، فمعنى ثم يعودون لما قالوا : ثم يعودون إلى تكرار لفظ الظهار مرة أخرى .وكان أصحاب هذا القول يرون ، أن الكفارة لا تكون إلا بتكرار ألفاظ الظهار ، وهو قول لا يؤيده دليل ، لأنه لم يثبت أن خولة - أو غيرها - كرر عليها زوجها لفظ الظهار أكثر من مرة ، بل الثابت أنه عندما قال لها : أنت على كظهر أمى ، ذهبت إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقصت عليه ما جرى بينها بين زوجها .وقد رجح الإمام ابن جرير الرأى الأول فقال : والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال : معنى اللام فى قوله : ( لِمَا قَالُواْ ) بمعنى إلى أو فى ، لأ ، معنى الكلام : ثم يعودون لنقض ما قالوا من التحريم فيحللونه ، وإن قيل : ثم يعودون إلى تحليل ما حرموا ، أو فى تحليل ما حرموا فصواب ، لأن كل ذلك عود له ، فتأويل الكلام : ثم يعودون لتحليل ما حرموا على أنفسهم مما أحله الله لهم .والمعنى : والذين يظاهرون منكم - أيها المؤمنون - من نسائهم ، ثم يندمون على ما فعلوا ، ويريدون أن يعودوا عما قالوه ، وأن يرجعوا إلى معاشرة زوجاتهم .فعليهم فى هذه الحالة إعتاق رقبة ( مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ) أى : من قبل أن يستمتع حدهما بالآخر ، أى يحرم عليهما الجماع ودواعيه قبل التكفير .والمراد بالرقبة : المملوك ، من تسمية الكل باسم الجزء .واسم الإشارة فى قوله - سبحانه - ( ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) يعود إلى الحكم بالكفارة .أى : ذلكم الذى شرعنا لكم - أيها المؤمنون - وهو الحكم بالكفارة إنما شرعناه من أجل أن تتعظوا به ، وتنزجروا عن النطق بالألفاظ التى تؤدى إلى الظهار ، والله - تعالى - خبير ومطلع على كل ما تقولونه من أقوال ، وما تفعلونه من أفعال - وسيحاسبكم على ذلك حسابا دقيقا .وما دام الأمر كذلك ، فافعلوا ما أمركم به ، واجتنبوا ما نهاكم عنه .
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر يسره فى أحكامه فقال : ( فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ) .أى ، فمن لم يجد منكم - أيها المؤمنون - رقبة يعتقها ، أو يجد المال الذى يشترى به الرقبة فيعتقها .
.
.
فعليه فى هذه الحالة ، أن يصوم شهرين متتابعين من قبل أن يستمتع أحدهما بالآخر .( فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ) أى : فمن لم يستطع أن يصوم شهرين متتابعين ، لسبب من الأسباب كمرض أو غيره فعليه فى هذه الحالة أن يطعم ستين مسكينا ، بأن يقدم لهم طعاما يكفى لغدائهم وعشائهم بصورة مشبعة .واسم الإشارة فى قوله : ( ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ) إشارة إلى ما سبق الحديث عنه ، من تشريع يتعلق بالظهار .
ومحله إما الرفع على الابتداء ، أو النصب بمضمر معلل بما بعده .أى : ذلك واقع ، أو فعلنا ذلك ليزداد إيمانكم بالله ورسوله ، وعملكم بشريعة الإسلام ، وتنفيذكم للتكاليف التى كلفكم الله - تعلاى - بها .( وَتِلْكَ حُدُودُ الله وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) أى : وتلك الأحكام التى ذكرناها لكم هى حدود الله - تعالى - التى لا يجوز تعديها ، فالزموها وقفوا عندها ، وللكافرين الذين يتعدونها ولا يقفون عندها ، عذاب شديد الألم على من ينزل به .هذا ، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى :1 - أن الدعاء متى صدر عن لسان صادق ، وعن قلب عامر باليقين .
.
.
أجابه الله - تعالى - لصاحبه فى الحال أو فى الوقت الذى يريده - سبحانه - .والدليل على ذلك أن السيدة خولة بنت ثعلبة ، عندما تضرعت إلى الله - تعالى - بالدعاء ، أن يكشف كربها ، وأن يحل قضيتها .
.
.
أجاب - سبحاه - دعاءها ، وأنزل قرآنا يتلى ، وأحكاما يعمل بها فى شأن الظهار .ورضى الله عن السيدة عائشة فقد قالت : الحمد لله الذى وسع سمعه الأصوات ، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا فى ناحية البيت .
ما أسمع ما تقول ، فأنزل الله - عز وجل - : ( قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ..
) الآيات .وقال القرطبى : " المرأى التى اشتكت هى خولة بنت ثعلبة .
.
.
وقد مر بها عمر بن الخطاب فى خلافته ، والناس معه فاستوقفته طويلا ووعظته وقالت : يا عمر قد كنت تدعى عميرا ، ثم قيل لك يا عمر ، ثم قيل لك يا أمير المؤمنين ، فاتق الله يا عمر ، فإن من أيقن بالموت خاف الفوت ، ومن أيقن الحساب خاف العذاب .فقيل له : يا أمير المؤمنين ، أتقف هذا الوقوف لتلك المرأة العجوز؟
فقال : والله لو حبستنى من أول النهار إلى آخره لا زلت إلا للصلاة المكتوبة .
أتدرون من هذه؟
إنها خولة بنت ثعلبة ، سمع الله قولها من فوق سبع سماوات ، أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر " .2 - أخذ العلماء من قوله - تعالى - : ( الذين يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ .
.
.
) أنه ليس للنساء ظهار ، فلو ظاهرت امرأة من زوجها لم يلزمها شىء .
.
.
لأن الحل والعقد ، والتحليل والتحريم فى النكاح ، إنما هو بيد الرجل لا بيد المرأة .ويرى بعضهم أن عليها كفارة يمين ، ولا يحول قولها هذا بينها وبين زوجها من مجامعتها .
كما أخذ الحنفية والحنابلة والمالكية من هذه الآية ، أن الظهار خاص بالمسلمين ، لأنهم هم المخاطبون ، ولأن غيرهم من الذميين ليسوا من أهل الكفارة .وقال الشافعية : كما يصح طلاق الذمى وتترتب عليه أحكامه ، يصح ظهار الذمى وتترتب عليه أحكامه .
.
.
كذلك أخذ العلماء من هذه الآية : صحة ظهار العبد من زوجته ، لأن أحكام النكاح فى حقه ثابتة ، وإذا تعذر عليه العتق والإطعام .
فإنه قادر على الصوم .3 - يؤخذ من قوله - تعالى - : ( وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ القول وَزُوراً ) أن الظهار حرام ، لأن الله - تعالى - قد وصفه بأنه منكر من القول ، وبأنه زور .والفعل الذى يوصف بهذا الوصف ، يجب على المؤمن أن يتنزه عنه .4 - يرى الحنفية والظاهرية أنه يكفى فى الكفارة بالنسبة للظهار تحرير رقبة حتى ولو كانت كافرة ، لأن الله - تعالى - يقول : ( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) ولو كان الإيمان شرطا لبينه كما بينه فى كفارة القتل .
فوجب أن يطلق ما أطلقه ، وأن يقيد ما قيده ، ويعمل بكل منهما فى موضعه .ويرى جمهور الفقهاء اشتراط الإيمان فى الرقبة ، لأنه من المعروف حمل المطلق على المقيد إذا كان من جنسه ، وما دام قد ورد النص على كون الرقبة مؤممنة فى بعض الآيات ، فيجب حمل بقية الآيات على ذلك .5 - دل قوله - تعالى - ( مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ) على حرمة الجماع قبل التكفير .وألحق بعضهم بالجماع دواعيه من التقبيل ونحوه ، لأن الأصل فى الأحكام أنه إذا حرم شىء منها ، أن يلحق بذلك الشىء المحرم ما يوصل إليه إذ طريق المحرم محرم .ويرى بعضهم أن المحرم إنما هو الجماع فقط ، لأن حرمة ليست لمعنى يخل بالنكاح ، وعليه فلا يلزم من تحريم الجماع تحريم دواعيه ، فإن الحائض يحرم جماعها دون دواعيه .قال القرطبى : ولا يقرب المظاهر امرأته ولا يباشرها ولا يتلذذ بشىء حتى يُكَفِّر ، خلافا للشافعى فى أحد قوليه .
.
.
فإن وطئها قبل أن يكفر ، استغفر الله - تعالى - وأمسك عنها حتى يكفر كفارة واحدة .وقال مجاهد وغيره : عليه كفارتان .6 - قوله - تعالى - : ( فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ .
.
) صريح فى وجوب تتابع الصوم من غير انقطاع بين الأيام ، فلو أفطر يوما من الشهرين من غير عذر انقطع التتابع ، ولزمه استئناف الصوم من جديد .أما الإفطار بعذر - كمرض ونحوه - فيرى بعضهم وجوب الاستئناف ، لزوال التتابع الذى صرحت به الآية .ويرى فريق آخر من العلماء ، إن الإفطار بعذر لا يمنع التتابع .7 - أخذ العلماء من قوله - تعالى - ( فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ) أن المطلوب من المظاهر أن يطعم هؤلاء المساكين إطعاما يشبعهم فى الغداء والعشاء ، سواء أكان ذلك بالتمليك أم بالإباحة ، فأيهما وقع من المكفر أجزأه ، وسواء أطعمهم جملة أم متفرقين .وأوجب الشافعية تمليك المساكين .
.
.
بأن يملك لكل مسكين مُدًّا أو صاعا من غالب قوت البلد الذى يسكنه من عليه الكفارة .أما حكم من عجز عن الكفارة ، فيرى جمهور العلماء أنها لا تسقط عنه ، بل تستقر فى ذمته حتى يتمكن من أدائها ، كسائر الديون والحقوق ، فإنها لا تسقط ، وإنما تبقى فى ذمة من عليه ، حتى يتمكن من أدائها .قال القرطبى : " وقد ذكر الله - تعالى - الكفارة هنا مرتبة ، فلا سبيل إلى الصيام إلا عند العجز عن الرقبة ، وكذلك لا سبيل إلى الإطعام إلا عند عدم الاستطاعة على الصيام " .هذا ، ومن أراد التوسع فى هذه الأحكام الفقهية ، فعليه يكتب الفروع وببعض كتب التفسير .
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الذين يحاربون الله ورسوله ، ولا يدركون أنه - سبحانه - معهم أينما كانوا ، ويعلم ما يتناجون به من إثم وعدوان ومعصية للرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال - تعالى - : ( إِنَّ الذين يُحَآدُّونَ .
.
.
) .قوله - سبحانه - : ( يُحَآدُّونَ ) من المحادة بمعنى المعاداة والمباغضة ، وأصلها أن تكون أنت فى حد - أى : فى جانب - وعدوك فى حد آخر ، فكنى بها عن المعاداة لأنها لازمة لها .وقوله : ( كُبِتُواْ ) من الكبت بمعنى الخزى والذل ، يقال : كبت الله العدو كبتاً - من باب ضرب - إذا أهانه وأذله وأخزاه .قال الجمل : والذين يحادون الله هم الكافرون ، وهذه الاية وردت فى غزوة الأحزاب .والمقصود منها البشارة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين ، بأن أعداءهم المتحزبين القادمين عليهم ، سيصيبهم الكبت والذل ، وسيتفرق جمعهم .
.
.والمعنى : إن الذين يحاربون دين الإسلام الذى شرعه الله - تعالى - .
وجاء به رسوله - صلى الله عليه وسلم - ( كُبِتُواْ ) وأصابهم الخزى والذل ( كَمَا كُبِتَ الذين مِن قَبْلِهِمْ ) من أعداء الحق .وأوثر هنا الفعل ( يُحَآدُّونَ ) لوقوعه عقب الكلام عن حدود الله - تعالى - فى قوله - عز وجل - وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم .وقوله - تعالى - : ( كُبِتُواْ ) بمعنى سيكبتون ، وعبر عن ذلك بالماضى ، للإشعار بتحقق الذل والخسران ، لأولئك المتحزبين الذين جمعوا جموعهم لمحاربة الله ورسوله .وقد حقق الله - تعالى - وعده ، إذ ردهم بغيظهم دون أن ينالوا خيرا .وجملة : ( وَقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ .
.
) حال من الضمير فى ( كُبِتُواْ .
.
) أى : كبتوا لمجادلتهم للحق ، والحال أنا قد أنزلنا آيات واضحات ، تدل على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما جاء به من عند ربه ، وتشهد بأن أعداءه على الباطل والضلال .( وَلِلْكَافِرِينَ ) الذين أعرضوا عن دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحاربوها ( عَذَابٌ مُّهِينٌ ) أى عذاب يهينهم وبذلهم ويخزيهم .
وقوله - تعالى - : ( يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً ) يصح أن يكون متعلقاً بقوله : ( مُّهِينٌ ) كما يصح أن يكون منصوباً بفعل مقدر .أى : اذكر - أيها العاقل - لتتعظ وتعتبر ، يوم يبعث الله - تعالى - هؤلاء الكافرين جميعا من قبورهم ، فينبثهم ويخبرهم بما عملوا من أعمال سيئة .والمراد بالإنباء فى قوله : ( فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عملوا ) المجازاة والمحاسبة وإنزال حكمه بهم .وجملة : ( أَحْصَاهُ الله ) مستأنفة ، لأنها بمنزلة الجواب عما قبلها ، فكأن سائلا سأل وقال : كيف ينبئهم الله بأعمالهم؟
فكان الجواب : أحصى الله - تعلاى - عليهم عملهم ، وسجله عليهم تسجيلا تاما .وجملة ( وَنَسُوهُ ) حال من مفعول ( أحصى ) أى : والحال أنهم قد نسوا ما عملوه ، لتهاونهم به حين اقترفوه ، ولاعتقادهم بأنهم لن يسألوا عنه يوم القيامة ، فهم قد أنكروا البعث والحساب والثواب والعقاب .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( والله على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) أى : والله - تعالى - مشاهد لكل شىء فى هذا الكون ، ولا تخفى عليه خافية من أحوال خلقه .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( وَوُضِعَ الكتاب فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ ياويلتنا مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ).
ثم أقام - سبحانه - الأدلة على شمول علمه فقال : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض مَا يَكُونُ مِن نجوى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ ) .والاستفهام فى قوله : ( أَلَمْ تَرَ .
.
.
) للتقرير ، والرؤية بمعنى العلم والإدراك القلبى .
.
.
والخطاب لكل من هو أهل له .والنجوى : اسم مصدر بمعنى المسارة ، يقال : نجوته نجوا ونجوى وناجيته مناجاة ، أى : ساررته بكلام على انفراد ، وأصله : أن تخلو بمن تناجيه بسر معين فى نجوة من الأرض ، أى : فى مكان مرتفع منفصل عما حوله .وقيل : أصله من النجاة ، لأن الإسرار بالشىء فيه معاونة على النجاة .وتطلق النجوى على القوم المتناجين ، كما فى الآية التى معنا .قال الآلوسى : وقوله - تعالى - : ( مَا يَكُونُ مِن نجوى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ ) استئناف مقرر لما قبله من سعة عمله - تعالى - ، و " يكون " من كان التامة .
و " من " مزيدة و " نجوى " فاعل ، وإضافتها إلى ثلاثة من إضافة المصدر إلى فاعله .
.
.
والاستثناء فى قوله ( إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ ) مفرغ من أهم الأحوال .
.
.والمعنى : لقد علمت - أيها العاقل - علما لا يخالطه شك أو تردد ، أن الله - تعالى - يعلم علما تاما ، ما فى السموات وما فى الأرض من كائنات مختلفة الأجناس والأنواع .
.
وأنه - سبحانه - ما يقع من تناجى ثلاثة فيما بينهم إلا وهو تعالى - يعلمه ، كأنه حاضر معهم ، ومشاهد لهم ، كما يعلمه الرابع حين يكون معهم فى التناجى .( وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ ) أى : ولا يكون التناجى بين خمسة إلا وهو - سبحانه - معهم ، يعلم ما يتناجون به كما يعلم ذلك سادسهم فيما لو كان التناجى بين ستة .وقوله - تعالى - : ( وَلاَ أدنى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ) بيان لشمول علمه لجميع الأحداث .أى : ولا يقع التناجى بين ما هو أقل من ذلك العدد أو أكثر - كالاثنين والستة - إلا وهو - سبحانه - يعلم علما تاما ما يجرى بينهم فى أى مكان كانوا ، وعلى أية حال وجدوا .( ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ القيامة ) أى : ثم يخبرهم - سبحانه - يوم القيامة بما عملوه فى الدنيا من أعمال كبيرة أو صغيرة ، ويجازيهم عليها بما يستحقونه من ثواب أو عقاب .( إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) فهو - سبحانه - لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء .والمقصود بهذه الآية الكريمة ، بيان شمول علم الله - تعالى - لكل شىء ، وأنه - سبحانه - يحصى على الناس أعمالهم إحصاء الحاضر معهم ، المشاهد لهم ، الذى لا يعزب عنه شىء من حركاتهم أو سكناتهم ، ولذا افتتح - سبحانه - الآية بالعلم ، واختتمها بالعلم - أيضا - .قال الإمام الرازى ما ملخصه : ذكر - سبحانه - الثلاثة والخمسة لوجوه : أحدها : أن هذه إشارة إلى كمال رحمته ، وذلك لأن الثلاثة إذا اجتمعوا ، فإذا أخذ اثنان فى التناجى والمشاورة بقى الواحد ضائعا وحيداً ، فيضيق قلبه فيقول الله - تعالى - له : أنا جليسك وأنيسك .وثانيها : أن الآية نزلت فى قوم من المنافقين ، اجتمعوا على التناجى مغايظة للمؤمنين ، وكانوا على هذين العددين : أى كانوا فى مرة ثلاثة وفى مرة أخرى خمسة - فنزلت الآية الكريمة بيانا للواقع .ويبدو لنا ان ذكر العدد إنما هو من باب التمثيل ، وأن المقصود الأصلى من الآية الكريمة ، بيان أن علم الله - تعالى - يشمل كل كبير وصغير ، وكثير وقليل ، ولذا قال - سبحانه - : ( وَلاَ أدنى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ) .قال القرطبى : قال الفراء : المعنىغير مقصود ، والعدد غير مقصودن لأنه - تعالى - إنما قصد - وهو أعلم - أنه مع كل عدد قل أو كثر ، يعلم ما يقولون سراً وجهراً ، ولا تخفى عليه خافية ، فمن أجل ذلك اكتفى بذكر بعض العدد ، دون بعض .
.
ثم عجَّب الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - من حال قوم يؤثرون الغى على الرشد ، ويُنصحون فلا يستجيبون للنصيحة ، ويُنهون عن الشرور فيأبون إلا الانغماس فيها ، فقال - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نُهُواْ عَنِ النجوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَتِ الرسول ) .قال الآلوسى : قال ابن عباس : نزلت فى اليهود والمنافقين ، كانوا يتناجون دون المؤمنين ، وينظرون إليهم ويتغامزون بأعينهم عليهم ، يوهمونهم عند أقاربه أنهم أصابهم شر ، فلما كثر ذلك منهم شكا المؤمنون إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فنهاهم عن التناجى دون المؤمنين ، فعادوا لمثل فعلهم .والخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - والهمزة للتعجب من حالهم ، وصيغة المضارع للدلالة على تكرار فعلهم ، وتجدده ، واستحضار صورته الغريبة .والمعنى : إن شئت أن تعجب - أيها الرسول الكريم - فاعجب من حال هؤلاء اليهود والمنافقين الذين نهيتهم أنت عن التناجى فيما بينهم ، بما يقلق المؤمنين ويغيظهم .
.
ولكنهم لم يستجيبوا لنصحك ونهيك ، بل استمروا على تناجيهم بما هو إثم وعدوان ومعصية لك ، ولما جئتهم به من عند الله - تعالى - .وعبر بقوله - تعالى - : ( ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ) للإشعار بأنهم قوم لا تؤثر فيهم النصائح وإنما هم يستمعون إليها ، ثم يهجرون العمل بها .ويعودون إلى فجورهم وفسقهم .ووصف تناجيهم بأنه كان مشتملا على الإثم والعدوان ومعصية الرسول ، لا على الإثم فقط أو على العدوان فقط .
.
.
لبيان أن تناجيهم مشتمل على كل أنواع السوء والفحشاء ، فهم يتناجون بكلام هو إثم وشر فى ذاته ، وبأقوال مشتملة على ظلم المؤمنين والاعتداء على دينهم وعلى أعراضهم ، وبأفعال هى معصية للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، لأنهم لم يستجيبوا لنهيه إياهم عن المناجاة بما يؤذى المؤمنين ويحزنهم .
.
.
بل استمروا فى طغيانهم يعمهون .والباء فى قوله : ( بالإثم ) للملابسة ، أى يتناجون متلبسين بالإثم وبالعدوان وبمعصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - .ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المنافقين ومن لف لفهم من اليهود ، لم يكتفوا بتلك المناجاة القبيحة التى كانوا يديرونها فيما بينهم ، لإغاظة المؤمنين ، بل أضافوا إلى ذلك النطق أمام الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالكلام السيىء وبالعبارات التى تدل على سوء طويتهم ، فقال - تعالى - : ( وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله ) .أى : وإذا جاء هؤلاء المنافقين واليهود إلى مجلسك - أيها الرسول الكريم - ألقوا إليك بتحية ، هذه التحية لم يأذن بها الله - تعالى - ولم يخاطبك بها .وقد كان المافقون عندما يدخلون على الرسول - صلى الله عليه وسلم لا يقولون له كلمة : " السلام عليكم " - وهى تحية الإسلام ، إنما يقولون له : أنعم صباحا أو مساء .
.
.
متجنبين النطق بتحية الإسلام ، ومستعملين تحية الجاهلية .روى الشيخان عن عائشة : " أن ناسا من اليهود ، دخلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : السام - أى : الموت - عليك يا أبا القاسم .
فقال - صلى الله عليه وسلم - " وعليكم " .قالت عائشة : وقلت : عليكم السام ولعنكم الله وغضب عليكم .فقال - صلى الله عليه وسلم - يا عائشة إن الله لا يحب الفاحش والمتفحش .فقلت : ألا تسمعهم يقولون : السام؟
فقال - صلى الله عليه وسلم - " أو سمعت قولى : عليكم " فأنزل الله - تعالى - ( وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله ) " .ثم بين - سبحانه - رذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة فقال : ( وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ ) .والمراد بأنفسهم هنا : أى فيما بينهم وفى مجامعهم ، أو فيما يبنهم وبين أنفسهم .أى : إذا جاءك هؤلاء المنافقون ومن على شاكلتهم فى الضلال ، نطقوا أمامك بتحية لم يحيك بها الله - تعالى - ولا يكتفون بذلك ، بل يقولون فيما بينهم على سبيل التباهى والجحود للحق ( لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ ) أى : هلا يعذبنا الله بسبب ما قلناه لو كان محمدا - صلى الله عليه وسلم - رسولا من عنده - تعالى - أى : أنهم ينكرون نبوته - صلى الله عليه وسلم - لأنها - فى زعمهم لو كانت حقا ، لعذبهم الله - تعالى - بسبب إساءتهم إليه ، وإعراضهم عن نهيه لهم .وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يكبتهم ، وبما يسلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ المصير ) .أى : لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لمسالك هؤلاء المنافقين معك ومع أصحابك ، فإن هؤلاء المنافقين ومن لف لفهم ، كافيهم من العذاب جهنم يصلونها وياقسون حرها ، فبئس المصير جهنم لو كانوا يعلمون .
وبعد أن فضح الله - تعلاى - المنافقين ومن على شاكلتهم فى الكفر والضلال ، وبين سوء عاقبتهم بسبب مسالكهم الخبيثة .
.
.
بعد كل ذلك وجه الله - تعالى - ثلاث نداءات إلى المؤمنين ، أدبهم فيها بأدبه السامى .
.
.
فقال - تعالى - : ( ياأيها الذين آمنوا إِذَا .
.
.
) .قوله - تعالى - : ( ياأيها الذين آمنوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ ) تعليم وإرشاد منه - سبحانه - للمؤمنين ، لكى يكون حديثهم فيما بينهم ، يقوم على الخير لا على الشر ، وعلى الطاعة لا على المعصية ، وعلى البر والتقوى لا على الإثم والعدوان ، حتى لا يتشبهوا بالمنافقين ، الذين كانوا على النقيض من ذلك .أى : يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان ، ( إِذَا تَنَاجَيْتُمْ ) بأن أسر بعضكم إلى بعض حديثا ( فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَتِ الرسول ) كما هو شأن المنافقين ومن على شاكلتهم فى الكفر والضلال .( وَتَنَاجَوْاْ ) فيما بينكم ( بالبر والتقوى ) والبر ضد الإثم والعدوان ، وهو يعم جميع أفعال الخير التى أمر الله - تعالى - بها .والتقوى : الامتثال لأمر الله - تعالى - وصيانة النفس عن كل مالا يرضاه .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( واتقوا الله الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) أى : وراقبوا الله - تعالى - فى كل أحوالكم ، فإنه وحده يكون مرجعكم يوم القيامة ، وسيبعثكم ويجمعكم للحساب والجزاء .
والمراد بالنجوى فى قوله - تعالى - بعد ذلك : ( إِنَّمَا النجوى مِنَ الشيطان لِيَحْزُنَ الذين آمَنُواْ .
.
.
) : نجوى المنافقين فيما بينهم ، وهى التى عبر عنها - سبحانه - قبل ذلك بقوله : ( وَيَتَنَاجَوْنَ بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَتِ الرسول ) فأل فى قوله - تعالى - : ( النجوى ) للعهد ، أى : إنما النجوى المعهودة التى كان يتناجى المنافقون بها فيما بينهم ، كائنة من الشيطان لا من غيره ، لأنه هو الذى حرضهم وأغراهم ، بأن يتساروا بالإثم والعدوان .وقوله : ( لِيَحْزُنَ الذين آمَنُواْ ) قرأ الجمهور : ( لِيَحْزُنَ ) - بفتح الياء وضم الزاى - مضارع حزن ، فيكون ( الذين آمَنُواْ ) فاعل ، والحزن : الهم والغم .أى : زين الشيطان للمنافقين هذه النجوى السيئة ، لكى يحزن المؤمنون ويغتموا ، بسبب ظنهم أن من وراء هذه النجوى أخبارا سيئة تتعلق بهم أو بذويهم .وقرأ نافع ( لِيُحْزِنَ ) - بضم الياء وكسر الزاى - فيكون ( الذين آمَنُواْ ) مفعولا .
أى : فعل الشيطان ما فعل مع المنافقين ، لكى يدخل الحزن والغم على المؤمنين .وأسند - سبحانه - النجوى إلى الشيطان ، باعتبار أنه هو الذى يوسوس بها ، ويزينها فى قلوب هؤلاء المنافقين وأشباههم .وجملة : ( وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ الله ) معترضة لتثبيت المؤمنين ، وتسليتهم عما أصابهم من المنافقين .واسم ليس : الشيطان أو التناجى ، والاستثناء مفرغ من أهم الأحوال ، و " شيئا " منصوب على المفعول المطلق .أى : لا تحزنوا - أيها المؤمنون - لمسالك المنافقين معكم ، ولا تخافوا من تناجيهم فيما بينهم ، فإنها نجوى زينها لهم الشيطان ، واعلموا أن كيد الشيطان لن يضركم شيئا من الضرر فى حال من الأحوال إلى فى حال إرادة الله - تعالى - ومشيئته .وما دام الأمر كما بينت لكم ، فاجعلوا توكلكم - أيها المؤمنون - على الله - تعالى - وحده ، ولا تبالوا بالمنافقين ، ولا بتناجيهم ، ولا بما يسوله الشيطان لهم من قبائح ، فإن كل شىء بقضاء الله وقدره .قال الآلوسى ما ملخصه : وحاصل هذا الكلام أن ما يتناجى المنافقون به مما يحزن المؤمنين .
إن وقع فهو إرادة الله - تعالى - ومشيئته ، ولا دخل للمنافقين فيه ، وما دام الأمر كذلك ، فلا يكترث المؤمنون بتناجيهم ، وليتوكلوا على الله - عز وجل - ولا يخافوا من تناجيهم .ثم إن التناجى بين المؤمنين قد يكون منهيا عنه ، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا كنتم ثلاثة ، فلا يتناجى اثنان دون الآخر ، حتى تختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يحزنه " .ومثل التناجى فى ذلك ، أن يتكلم اثنان بحضور ثالث بلغة لا يفهمها الثالث ، إن كان يحزنه ذلك .وروى الإمام مسلم عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه ، فإن ذلك يحزنه " .والخلاصة أن تعاليم الإسلام ، تنهى عن التناجى فى الحالات التى توقع الريبة فى القلوب ، وتزعزع الثقة بين الأفراد والجماعات .وهذا النهى لون من الأدب الحكيم الذى يحفظ للمؤمنين مودتهم ومحبتهم ويبعد عن نفوسهم الشكوك والريب ، ويطرد عن قلوبهم نزغات الشيطان الذى يجرى من ابن آدم مجرى الدم .
ثم لفت - سبحانه - أنظار المؤمنين إلى أدب رفيع فقال : ( ياأيها الذين آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي المجالس فافسحوا يَفْسَحِ الله لَكُمْ ) .وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما روى عن قتادة أنه قال : نزلت هذه الآية فى مجالس الذكر ، وذلك أنهم كانوا إذا رأوا أحدهم مقبلا ، ضنوا بمجالسهم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض .وقال مقاتل بن حيان : " أنزلت هذه الآية يوم الجمعة ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ فى الصفة ، وفى المكان ضيق ، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار ، فجاء ناس من أهل بدر وقد سُبِقوا فى المجالس فقاموا حيال رسول الله - صلى الله عليه وسلم فقالوا السلام عليكم أيها النبى ورحمة الله وبركاته ، فرد النبى - صلى الله عليه وسلم - ثم سلموا على القوم بعد ذلك ، فردوا عليهم السلام ، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم .فعرف النبى - صلى الله عليه وسلم - ما يحملهم على القيام فلم يُفْسَح لهم ، فشق ذلك عليه ، فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار من غير أهل بدر : قم يا فلان ، قم يا فلان .فشق ذلك على من أقيم من مجلسه وعرف - صلى الله عليه وسلم - الكراهة فى وجوههم .فقال المنافقون : ألستم تزعمون أن صاحبكم هذا يعدل بين الناس؟
والله ما رأيناه قد عدل على هؤلاء .
.
.
فبلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " رحم الله رجلا يفسح لأخيه " فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعا "، ونزلت هذه الآية .وقوله ( تَفَسَّحُواْ ) من التفسح ، وهو تفعل بمعنى التوسع ، يقال : فسح فلان لفلان فى المجلس - من باب نفع - إذا أوجد له فسحة فى المكان ليجلس فيه .والمعنى : يا من آمنتم بالله حق الإيمان ، إذا قيل لكم توسعوا فى مجالسكم لتسع أكبر قدر من إخوانكم فامتثلوا واستجيبوا .
لأن فعلكم هذا يؤدى إلى أن يفسح الله - تعالى - لكم فى رحمته ، وفى منازلكم فى الجنة ، وفى كل شىء تحبونه .وحذف - سبحانه - متعلق ( يَفْسَحِ الله لَكُمْ ) ليشمل كل ما يرجو الناس أن يفسح الله لهم فيه من رزق ، ورحمة ، وخير دنيوى وأخروى .والمراد بالمجالس : مجالس الخير ، كمجالس الذكر ، والجهاد ، والصلاة ، وطلب العلم ، وغير ذلك من المجالس التى يحبها الله - تعالى- .وقراءة الجمهور : " إذا قيل لكم تفسحوا فى المجلس " ، بالإفراد على إرادة الجنس .
.
أى : قيل لم تفسحوا فى أى مجلس خير فافسحوا .
.
.
لأن هذا التوسع يؤدى إلى ازدياد المحبة والمودة بينكم ، وقرأ عاصم بصيغة الجمع .ثم أرشدهم - سبحانه - إلى نوع آخر من الأدب السامى فقال : ( وَإِذَا قِيلَ انشزوا فَانشُزُواْ ) .والنشوز الارتفاع عن الأرض .
يقال : نشَز ينشُز وينشِز - من بابى نصر وضرب - إذا ارتفع من مكانه .أى : وإذا قبل لكم - أيها المؤمنون - أنهضوا من أماكنكم ، للتوسعة على المقبلين عليكم ، فانهضوا ولا تتكاسلوا .وقوله : ( يَرْفَعِ الله الذين آمَنُواْ مِنكُمْ والذين أُوتُواْ العلم دَرَجَاتٍ ) جواب الأمر فى قوله : ( فَانشُزُواْ ) .وعطف " الذين أوتوا العلم " على " الذين آمنوا " من باب عطف الخاص على العام ، على سبيل التعظيم والتنويه بقدر العلماء .أى : وإذا قيل لكم ارتفعوا عن مواضعكم فى المجالس فارتفعوا ، فإنكم إن تفعلوا ذلك ، يرفع الله - تعالى - المؤمنين الصادقين منكم درجات عظيمة فى الآخرة ، ويرفع العلماء منكم درجات أعظم وأكبر .ويرى بعضهم أن المراد بالموصولين واحد ، والعطف فى الآية لتنزيل التغاير فى الصفات ، منزلة التغاير فى الذات .والمعنى : يرفع الله الذين آمنوا العالمين درجات عظيمة لا يعلم مقدارها إلا الله - تعالى - .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على شمول علمه فقال : ( والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) .أى : والله - تعالى - مطلع اطلاعا تاما على نواياكم ، وعلى ظواهركم وبواطنكم ، فاحذروا مخالفة أمره ، واتبعوا ما أرشدكم إليه من أدب وسلوك .هذا : ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة : أن إفساح المؤمن لأخيه المؤمن فى المجلس ، من الآداب الإسلامية التى ينبغى التحلى بها ، لأن هذا الفعل بجانب رفعه للدرجات فإنه سبب للتواد والتعاطف والتراحم .قال القرطبى ما ملخصه : والصحيح فى الآية أنها عامة فى كل مجلس اجتمع المسلمون فيه للخير والأجر ، سواء أكان مجلس حرب ، أم ذكر ، أم مجلس يوم الجمعة .
.
.
ولكن بدون أذى ، فقد أخرج الشيخان عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه " .وعن ابن عمر - " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يقام الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه آخر ، " ولكن تفسحوا وتوسعوا " " .وعلى أية حال فإن الآية الكريمة ترشد المؤمنين فى كل زمان ومكان ، إلى لون من مكارم الأخلاق ، ألا وهو التوسعة فى المجالس ، وتقديم أهل العلم والفضل ، وإنزالهم منازلهم التى تليق بهم فى المجالس .كذلك أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة أنه يجوز القيام للقادم .قال الإمام ابن كثير : وقد اختلف الفقهاء فى جواز القيام للوارد إذا جاء - على أقوال : فمنهم من رخص فى ذلك محتجا بحديث : " قوموا إلى سيدكم " .ومنهم من منع من ذلك ، محتجا بحديث : " قوموا إلى سيدكم " .ومنهم من منع من ذلك ، محتجا بحديث : " من أحب أن يتمثل له الرجال قياما .
فليتبوأ مقعده من النار " .ومنهم من فصل فقال : يجوز القيام للقادم من سفر ، وللحاكم فى محل ولايته ، كما دل عليه قصة سعد بن معاذ ، فإنه لما استقبله البنى - صلى الله عليه وسلم - حاكما فى بنى قريظة ، فرآه مقبلا قال للمسلمين : " قوموا إلى سيدكم " ، وما ذاك إلا ليكون أنفذ لحكمه - والله أعلم - .فأما اتخاذه - أى القيام - دينا ، فإنه من شعار الأعاجم .
.
.
وفى الحديث المروى فى السنن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجلس حيث انتهى به المجلس - ولكن حيث يجلس يكون صدر ذلك المجلس ، وكان الصحابة يجلسون منه على مراتبهم ، فالصديق عن يمينه ، وعمر عن يساره ، وبين يديه غالبا عثمان وعلى لأنهما كانا ممن يكتب الوحى ، وكان يأمرهما بذلك .
.كذلك أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، فضل العلماء وسمو منزلتهم .قال صاحب الكشاف : عن عبد الله بن مسعود أنه كان إذا قرأ هذه الآية قال : يأيها الناس افهموا هذه الآية ، ولترغبكم فى العلم .
وفى الحديث الشريف : " بين العالم والعابد مائة درجة " وفى حديث آخر : " فضل العالم عل العابد ، كفضل القمر ليلة البدر على سائر النجوم " .وعن بعض الحكماء أنه قال : ليت شعرى أى شىء أدرك من فاته العلم ، وأى شىء فات من أدرك العلم .وعن الأحنف : كل عز لم يوطد بعلم فإلى ذل يصير .
ثم أرشدهم - سبحانه - إلى لون ثالث من الأدب السامى ، فناداهم للمرة الثالثة بقوله : ( ياأيها الذين آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ الرسول فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) .والمراد بقوله - تعالى - ( إِذَا نَاجَيْتُمُ ) : إذا أردتم المناجاة ، كما فى قوله - تعالى - ( إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة ) والمراد بقوله : ( بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ ) أى : قبل مناجاتكم للرسول - صلى الله عليه وسلم - بقليل ، والكلام من باب الاستعارة التمثيلية .
حيث شبهت هيئة قرب الشىء من آخر .
بهيئة وصول الشخص إلى من يريد الوصول إليه ، على سبيل تشبيه المعقول بالمحسوس .واسم الإشارة فى قوله : ( ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ ) يعود إلى تقديم الصدقة ، والجملة بمنزلة التعليل للأمر بتقديمها .والمعنى : يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان ، إذا أردتم مناجاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والحديث معه فى أمر ما على سبيل السر ، فقدموا صدقة للفقراء قبل مناجاته - صلى الله عليه وسلم - فذلك التقديم خير لكم لما فيه من الثواب ، وأكثر طهرا لنفوسكم ، فإن لم تجدوا شيئا تتصدقون به قبل مناجاتكم له - صلى الله عليه وسلم - فلا تحزنوا فإن الله - تعالى - واسع المغفرة والرحمة .وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات ، منها : ما جاء عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أنه قال : نزلت بسبب أن المسلمين كانوا يكثرون المسائل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم حتى شقوا عليه ، فأراد الله - تعالى - أن يخفف عن نبيه - صلى الله عليه وسلم - فلما نزلت هذه الآية ، كف كثير من الناس ، ثم وسع الله عليهم بالآية التى بعدها .وقال بعض العلماء : إن هذا الأمر قد اشتمل على فوائد كثيرة :منها : تعظيم أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإكبار شأن مناجاته ، كأنها شىء لا ينال بسهولة .ومنها : التخفيف عن النبى - صلى الله عليه وسلم - بالتقليل من المناجاة ، حتى يتفرغ - صلى الله عليه وسلم - للمهام العظمى التى كلفه - سبحانه - بها .ومنها : تهوين الأمر على الفقراء الذين قد يغلبهم الأغنياء على مجلس الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإنهم إذا علموا أن قرب الأغنياء من الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومناجاتهم له ، تسبقها الصدقة ، لم يضجروا .ومنها : عدم شغل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بما لا يكون مهما من الأمور ، فيتفرغ للرسالة .
فإن الناس وقد جبلوا على الشح بالمال ، يقتصدون فى المناجاة التى تسبقها الصدقة .ومنها : تمييز محب الدنيا من محب الآخرة ، فإن المال محك الدواعى .
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر لطفه بعباده فقال : ( أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ) .الإشفاق معناه : أن يتوقع الإنسان عدم حصوله على ما يريده والمراد به هنا : الخوف .والاستفهام مستعمل فيما يشبه اللوم والعتاب ، لتخلف بعضهم عن مناجاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بسبب تقديم الصدقة .و " إذ " فى قوله : ( فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ ) ظرفية مفيدة للتعليل .والمعنى : أخفتم - أيها المؤمنون - أن تقدموا قبل مناجاتكم للرسول - صلى الله عليه وسلم - صدقة فيصيبكم بسبب ذلك الفقر ، إذا ما واظبتم على ذلك .( فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ الله عَلَيْكُمْ ) أى : فحين لم تفعلوا ما كلفناكم به من تقديم الصدقة قبل مناجاتكم للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وتاب الله - تعالى - عليكم ، بأن رخص لكم فى هذه المناجاة بدون تقديم صدقة ، بفضلنا ورحمتنا - فداوموا على إقامة الصلاة ، وعلى إعطاء الزكاة لمستحقيها ، وأطيعوا الله ورسوله ، فى كل ما أمركم به أو نهاكم عنه .واعلموا أن الله - تعالى - خبير بما تعملون ، ولا يخفى عليه شىء من أقوالكم أو أفعالكم ، وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى .وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية ناسخ للتى قبلها ، لأنها أسقطت وجوب تقديم الصدقة الذى أمرت به الآية السابقة .وقد لخص الإمام الآلوسى كلام العلماء فى هذه المسألة تلخيصا حسنا فقال : " واختلف فى أن الأمر للندب أو للوجوب ، لكنه نسخ بقوله - تعالى - : ( أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ .
.
) وهو وإن كان متصلا به تلاوة ، لكنه غير متصل به نزولا .
وقيل نسخ بآية الزكاة .
والمعول عليه الأول .ولم يعين مقدار الصدقة ، ليجزىء القليل والكثير .
أخرج الترمذى عن على بن أبى طالب قال : لما نزلت ( ياأيها الذين آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ الرسول فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً .
.
) .قال لى النبى : - صلى الله عليه وسلم - " " ما ترى فى دينار " قلت : لا يطيقونه قال : " نصف دينار " قلت : لا يطيقونه ، قال : " فكم "؟
قلت : شعيرة .
قال : " فإنك لزهيد " " .فلما نزلت : ( أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ .
.
) قال - صلى الله عليه وسلم - : " خفف الله عن هذه الأمة " ولم يعمل بها - على المشهور - غير على - كرم الله وجهه .واختلف فى مدة بقاء هذا الأمر .أى : الأمر بتقديم الصدقة : فعن مقاتل : عشرة أيام .وقال قتادة : ساعة من نهار .
.
.قال بعض العلماء : " والآية الناسخة متأخرة فى النزول ، وإن كانت تالية للآية المنسوخة فى التلاوة .والظاهر - والله أعلم - أن الحادثة من باب الابتلاء والامتحان ، ليظهر للناس محب الدنيا من محب الآخرة ، والله بكل شىء عليم " .وقال أحد العلماء : " ولا يشتم من قوله - تعالى - : ( أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ .
.
.
) .
أن الصحابة قد وقع منهم تقصير .
فإن التقصير إنما يكون إذا ثبت أنه كانت هناك مناجاة لم تصحبها صدقة ، والآية قالت : ( فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ ) أى : ما أمرتم به من الصدقة ، وقد يكون عدم الفعل ، لأنهم لم يناجوا ، فلا يكون عدم الفعل تقصيرا .وأما التعبير بالإشفاق من جانبهم ، فلا يدل على تقصيرهم ، فقد يكون الله - تعالى - علم - أن كثيرا منهم استكثر التصدق عند كل مناجاة فى المستقبل لو دام الوجوب ، فقال الله - تعالى - لهم ( أَأَشْفَقْتُمْ ) .وكذلك ليس فى قوله ( وَتَابَ الله عَلَيْكُمْ ) ما يدل على أنهم قصروا ، فإنه يحمل على أن المعنى أنه تاب عليهم برفع التكليف عنهم تخفيفا ، ومثل هذا يجوز أن يعبر عنه بالتوبة .
.
" .
ثم تعود السورة مرة أخرى إلى الحديث عن المنافقين وأشباههم ، فتصور أحوالهم ، وتبين سوء مصيرهم ، وتكشف القناع عن الأسباب التى أدت بهم إلى الخسران والهلاك فقال - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى .
.
.
) .الاستفهام فى قوله - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين تَوَلَّوْاْ .
.
) للتعجيب من حال هؤلاء المنافقين ، حيث اتخذوا اليهود حلفاء لهم ، ينقلون إليهم أسرار المؤمنين .أى : ألم ينته إلى علمك - أيها الرسول الكريم - حال أولئك المنافقين ، الذين اتخذوا اليهود أولياء ، يناصحونهم ويطلعونهم على أخباركم .فالمراد بالقوم الذين غضب الله عليهم : اليهود ، ووصفهم بذلك للتنفير منهم ، ولبيان أن المنافقين قد بلغوا النهاية فى القبح والسوء ، حيث وَالَوْا وناصروا من غضب الله عليهم ، لا من رضى الله عنهم .ثم دمغ - سبحانه - هؤلاء المنافقين برذيلة أخرى فقال : ( مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ ) أى : أن هؤلاء المنافقين بمسلكهم هذا ، صاروا بمنزلة الذين ليسوا منكم - أيها المؤمنون - وليسوا - أيضا - منهم ، أى : من اليهود .وإنما هم دائما لا مبدأ لهم ولا عقيدة ، فهم كما قال - سبحانه - ( مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك لاَ إلى هؤلاء وَلاَ إِلَى هؤلاء .
.
.
) وفى الحديث الشريف : " مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين غنمين - أى المترددة ين قطيعين - لا تدرى أيهما تتبع " .قال الجمل : وقوله : ( مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ ) فيه أوجه .
أحدها : أن هذه الجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب ، فقد أخبر عنهم بأنهم ليسوا من المؤمنين الخلص ، ولا من الكافرين الخلص ، بل هم كقوله - تعالى - : ( مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك .
.
.
) والضمير فى قوله ( مَّا هُم ) يعود على المنافقين ، وفى قوله ( مِنْهُمْ ) يعود على اليهود .الثانى : أنها حال من فاعل " تولوا " والمعنى على ما تقدم .الثالث : أنها صفة ثانية لقوله " قوما " ، وعليه يكون الضمير فى قوله :" ما هم " يعود على اليهود ، والضمير فى قوله : " منهم " يعود على المنافقين .يعنى : أن اليهود ليسوا منكم - أيها المؤمنون - ولا من المنافقين .
ومع ذلك تولاهم " المنافقون " .
.
.
إلا أن فى هذا الوجه تنافرا بين الضمائر ، فإن الضمير فى " ويحلفون " عائد على المنافقين ، وعلى الوجيهن الأولين تتحد الضمائر " .ثم دمغهم - سبحانه - برذيلة ثالثة أشد نكرا من سابقتيها فقال : ( وَيَحْلِفُونَ عَلَى الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) .أى : أنهم ينقلون إلى اليهود أسرار المؤمنين ، مع أنهم لا تربطهم باليهود أية رابطة ، لا من دين ولا من نسب .
.
.
وفضلا عن كل ذلك ، فإن هؤلاء المنافقين يواظبون ويستمرون على الحلف الكاذب المخالف للواقع ، والحال أنهم يعلمون أنهم كاذبون علما لا يخالطه شك أو ريب .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد ذم هؤلاء المنافقين .
بجملة من الصفات القبيحة ، التى على رأسها تعمدهم الكذب ، وإصرارهم عليه .قال صاحب الكشاف : " قوله : ( وَيَحْلِفُونَ عَلَى الكذب ) أى : يقولون : والله إنا لمسلمون ، فيحلفون على الكذب الذى هو ادعاء الإسلام ، ( وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) ؟
قلت : الكذب أن يكون لا على وفاق المخبر عنه ، سواء علم المخبر أم لم يعلم .
.
.
فالمعنى أنهم الذين يخبرون وخبرهم خلاف ما يخبرون عنه ، وهم عالمون بذلك معتدون له ، كمن يحلف بالغموس .
.
" .وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : " أنها نزلت فى رجل يقال له : عبد الله بن نَبْتَل - وكان من المنافقين الذين يجالسون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم يرفعون حديثه إلى اليهود ، وفى يوم من الأيام كان - صلى الله عليه وسلم - جالسا فى إحدى حجراته ، فقال لمن حوله : " يدخل عليكم الآن رجل قلبه جبار ، وينظر بعينى شيطان " فدخل ابن نبتل ، - وكان أزرق أسمر قصيرا خفيف اللحية - فقال له - صلى الله عليه وسلم - : " علام تشتمنى أنت وأصحابك "؟فحلف بالله ما فعل ذلك ، فقال له النبى - صلى الله علي وسلم - : " فعلت " فانطلق فجاء بأصحابه ، فحلفوا بالله ما سبوه " ، فنزلت هذه الآية .ومن الآيات الكثيرة التى صرحت بأن المنافقين يحلفون الأيمان الكاذبة على سبيل التعمد قوله - تعالى - : ( وَسَيَحْلِفُونَ بالله لَوِ استطعنا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ والله يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ).
ثم بين - سبحانه - ما أعده لهم من عذاب فقال : ( أَعَدَّ الله لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً .
.
) أى : هيأ الله - تعالى - لهؤلاء المنافقين عذابا قد بلغ النهاية فى الشدة والألم .وجملة ( إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) تعليل لنزول العذاب الشديد بهم ، أى : إن هذا العذاب الشديد المهيأ لهم؛ سببه سوء أعمالهم فى الدنيا ، واستحبابهم العمى على الهدى .
وقوله - سبحانه - ( اتخذوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ .
.
) بيان لرذيلة رابعة أو خامسة ، لا تقل في قبحهاعما سبقها من رذائل ، وقوله : ( أَيْمَانَهُمْ ) جمع يمين بمعنى الحلف .وقوله : ( جُنَّةً ) من الجَنِّ بمعنى الستر عن الخاصة ، وهذه المادة وما اشتق منها تدول حول الستر والخفاء .
وتطلق الجنة على الترس الذى يضعه المقاتل على صدره أن على ذراعيه ليتقى به الضربات من عدوه .ومفعول ( فَصَدُّواْ ) : محذوف للعلم به .أى : أن هؤلاء المنافقين قد اتخذوا أيمانهم الكاذبة .
وهى حلفهم للمسلمين بأنهم معهم ، وبأنهم لايضمرون شرا لهم .
اتخذوا من كل ذلك وقاية وسترة عن المؤاخذة ، كما يتخذ المقاتل الترس وقاية له من الأذى .
.
.( فَصَدُّواْ ) ( عَن سَبِيلِ الله ) أى : عن دينه الحق ، وطريقه المستقيم .( فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) أى : فترتب على تسترهم خلف الأيمان الفاجرة ، وعلى صدهم غيرهم عن الحق ، أن أعد الله - تعالى - لهم عذابا يهينهم ويذلهم .
وقوله - سبحانه - : ( لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ الله شَيْئاً .
.
) رد على ما كانوا يزعمونه من أنهم لن يعذبوا ، لأنهم أكثر أموالا وأولادا من المؤمنين .قال القرطبى : " قال مقاتل : قال المنافقون إن محمدا يزعم أنه ينصر يوم القيامة لقد شقينا إذاً فوالله لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأولادنا وأموالنا إن كانت قيامة ، فنزلت " .ومن المعروف أن عبد الله بن أبى بن سلول - زعيم المنافقين - ، كان من أغنياء المدينة ، وكان يوطن نفسه على أن يكون رئيسا للمدينة قبيل - الإسلام ، وهو القائل - كما حكى القرآن عنه - : ( لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل ) أى : أن هؤلاء المنافقين المتفاخرين بأموالهم وأولادهم ، لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئا من الغناء .( أولئك ) المنافقون هم ( أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) خلودا أبديا .
ثم بين - سبحانه - حالهم يوم القيامة ، وأنهم سيكونون على مثل حالهم فى الدنيا من الكذب والفجور .
.
فقال - تعالى - ( يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ على شَيْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الكاذبون ) .أى : اذكر - أيها الرسول الكريم - يوم يبعث الله - هؤلاء المنافقين جميعا للحساب والجزاء " فيحلفون " لله - تعالى - فى الآخرة بأنهم مسلمون " كما " كانوا " يحلفون لكم " فى الدنيا بأنهم مسلمون ." ويحسبون " فى الآخرة - لغبائهم وانطماس بصائرهم " أنهم " بسبب تلك الأيمان الفاجرة " على شىء " من جلب المنفعة أو دفع المضرة .أى يتوهمون فى الآخرة أن هذه الأيمان قد تنفعهم فى تخفيف شىء من العذاب عنهم .( أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الكاذبون ) أى الذين بلغوا فى الكذب حدا لا غاية وراءه .فأنت ترى أن الآية الكريمة قد بينت أن هؤلاء المنافقين فىب الدنيا ، قد بعثوا والنفاق ما زال فى قلوبهم ، وسلوكهم القبيح لا يزال متلبسا بهم .
فهم لم يكتفوا بكذبهم علىالمؤمنين فى الدنيا ، بل وفى الآخرة - أيضا - يحلفون لله - تعالى - بأنهم كانوا مسلمين .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) وقوله - سبحانه - : ( وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : يعنى ليس العجب من حلفهم لكم - فى الدنيا بأنهم مسلمون - فإنكم بشر تخفى عليكم السرائر .
ولكن العجب من حلفهم لله عالم الغيب والشهادة - بأنهم كانوا مسلمين فى الدنيا .والمراد وصفهم بالتوغل فى نفاقهم ، ومرونهم عليه ، وأن ذلك بعد موتهم وبعثهم باق فيهم لا يضمحل " .وقال بعض العلماء ما ملخصه : وقوله : ( وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ على شَيْءٍ ) حذفت صفة شىء ، لظهور معناها من المقام ، أى : ويحسبون أنهم على شىء نافع .وهذا يقتضى توغلهم فى النفاق ، ومرونتهم عليه ، وأنه باق فى أرواحهم بعد بعثهم ، لأن نفوسهم خرجت من الدنيا متخلقة به ، فإن النفوس إنما تكتسب تزكية أو خبثا فى عالم التكليف .وفى الحديث : أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن رجلا من أهل الجنة يستأذن ربه أن يزرع ، فيقول الله له : أولست فيما شئت؟
قال : بلى يا ربى ولكن أحب أن أزرع ، فأسرع وبذر ، فيبادر الطرفَ نباتُه واستواؤُه واستحصادُه أمثالَ الجبال .وكان رجل من أهل البادية عند النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله لا نجد هذا الرجل إلا قرشيا أو أنصاريا ، فإنهم أصحاب زرع ، فأما نحن - أى أهل البادية - فلسنا بأصحاب زرع ، فضحك النبى - صلى الله عليه وسلم - إقرارا لما فهمه الأعرابى " .وفى حديث جابر بن عبد الله الذى رواه الإمام مسلم فى صحيحه ، " أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : يبعث كل عبد على ما مات عليه " .قال عياض : هو عام فى كل حالة مات عليها المرء ، وقال السيوطى : يبعث الزمار بمزماره ، وشارب الخمر بقدحه .قلت : " ثم تتجلى لهم الحقائق على ما هى عليه ، إذ تصير العلوم على الحقيقة " .
ثم بين - سبحانه - الأسباب التى جعلت المنافقين ينغمسون فى نفاقهم فقال : ( استحوذ عَلَيْهِمُ الشيطان فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ الله .
.
.
) .وقوله : ( استحوذ ) من الحوذ : وهو أن يتبع السائق حاذيى البعير ، أى : أدبار فخذه ثم يسوقه سوقا عنيفا ، لا يستطيع البعير الفكاك منه .
.
.
والمراد به هنا : شدة الاستيلاء والغلبة .
.
.
ومنه قول السيدة عائشة فى عمر - رضى الله عنهما - : " كان أحوذيا " أى : كان ضابطا للأمور ، ومستوليا عليها استيلاء تاما .
.
.والمعنى : إن هؤلاء المنافقين قد استولى عليهم الشيطان استيلاء تاما ، بحيث صيرهم تابعين لوساوسه وتزيينه ، فهم طوع أمره ، ورهن إشارته ، فترتب على طاعتهم له أن أنساهم طاعة الله - تعالى - ، وحسابه ، وجزاءه ، فعاشوا حياتهم يتركون ما هو خير ، ويسرعون نحو ما هو شر .
.
.( أولئك ) الموصوفون بتلك الصفات القبيحة ( حِزْبُ الشَّيْطَانِ ) أى : جنوده وأتباعه ( أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ ) خسارة لا تقاربها خسارة ، لأنهم آثروا العاجل على الآجل ، والفانى على الباقى ، والضللا على الهدى .
.
.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان سنة من سننه فى خلقه ، وهى أن الذلة والصغار لأهل الباطل ، والعزة والغلبة لأهل الحق .
.
.
.
الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه ، فقال - تعالى - : ( إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ .
.
.
.
) .أى : إن الذين يحادون دين الله - تعالى - ، ويحاربون ما جاء به رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، أولئك الذين يفعلون ذلك .
.
." فى الأذلين " أى : فى عداد أذل خلق الله - تعالى - وهم المنافقون ومن لف لفهم ، من الكافرين وأهل الكتاب .وقال - سبحانه - : ( أولئك فِي الأذلين ) للإشعار بأنهم مظروفون وكائنون ، فى ذروة أشد خلق الله ذلا وصغارا .
ثم بشر - سبحانه - من هم على الحق بأعظم البشارات فقال : ( كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) .أى : أثبت الله - تعالى - ذلك فى اللوح المحفوظ وقضاه ، وأراد وقوعه فى الوقت الذى يشاؤه .فالمراد بالكتابة : القضاء والحكم .
وعبر بالكتابة للمبالغة فى تحقق الوقوع .وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية ، أنه لما فتح الله - تعالى - للمؤمنين ما فتح من الأرض ، قال المؤمنون : إنا لنرجو أن يفتح الله لنا فارس والروم .فقال بعض المنافقين : أتظنون الروم وفارس كبعض القرى التى تغلبتم عليها ، والله إنهم لأكثر عددا وأشد بطشا ، من أن تظنوا فيهم ذلك ، فنزلت .قال الآلوسى : ( كَتَبَ الله ) أى : أثبت فى اللوح المحفوظ ، أو قضى وحكم .
.
.
وهذا التعبير جار مجرى القسم ، ولذا قال - سبحانه - : ( لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي ) أى : بالحجة والسيف وما يجرى مجراه ، أو بأحدهما .
.
.( إِنَّ الله قَوِيٌّ ) على نصر رسله وأوليائه ( عَزِيزٌ ) لا يغلبه غالب بل هو القاهر فوق عباده .والمقصود بالآية الكريمة : تقرير سنة من سننه - تعالى - التى لا تتخلف ، وأن النصر سيكون حليفا لأوليائه ، فى الوقت الذى علمه وأراده .وشيبه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد ) وقوله - تعالى - ( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون ).
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية الجامعة لصفات المؤمنين الصادقين فقال : ( لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ الله وَرَسُولَهُ ) .وقوله : ( يُوَآدُّونَ ) من الموادة بمعنى حصول المودة والمحبة .أى : لا تجد - أيها الرسول الكريم - قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر حق الإيمان ، يوالون ويحبون من حارب دين الله - تعالى - وأعرض عن هدى رسوله .والمقصود من هذه الآي الكريمة النهى عن موالاة المنافقين وأشبهاهم ، وإنما جاءت بصيغة الخبر ، لأنه أقوى وآكد فى التنفير عن موالاة أعداء الله ، إذ الإتيان بصيغة الخبر تشعر بأن القوم قد امتثلوا لهذا النهى ، وأن الله - سبحانه - قد أخبر عنهم بذلك .وافتتحت الآية بقوله : ( لاَّ تَجِدُ قَوْماً ) لأن هذا الافتتاح يثير شوق السامع لمعرفة هؤلاء القوم .وقوله : ( وَلَوْ كانوا آبَآءَهُمْ ) تصريح بوجوب ترك هذه الموادة لمن حارب الله ورسوله ، مهما كانت درجة قرابة هذا المحارب .أى : من شأن المؤمنين الصادقين أن يبتعدوا عن موالاة أعداء الله ورسوله ، ولو كاه هؤلاء الأعداء .
( آبَآءَهُمْ ) الذين أتوا إلى الحياة عن طريقهم ( أَوْ أَبْنَآءَهُمْ ) الذين هم قطعة منهم .
( أَوْ إِخْوَانَهُمْ ) الذين تربطهم بهم رابطة الدم ( أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ) التى ينتسبون إليها ، وذلك لأن قضية الإيمان يجب أن تقدم كل شىء .وقدم الآباء لأنهم أول من تجب طاعتهم ، وثنى بالأبناء لأنهم ألصق الناس بهم ، وثلث بالإخوان لأنهم الناصرون لهم ، وختم بالعشيرة لأن التناصر بها يأتى فى نهاية المطاف .ثم أثنى - سبحانه - على هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين لم يوالوا أعداء الله مهما بلغت درجة قرابتهم فقال : ( أولئك كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان ) .أى : أولئك الذين لا يوادون أعداء الله مهما كانوا ، هم الذين كتب الله - تعالى - الإيمان فى قلوبهم ، فاختلط بها واختلطت به ، فصارت قلوبهم لا تحب إلا من أحب دين الله ، ولا تبغض إلا من أبغضه .( وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ ) أى : وثبتهم وقواهم بنور من عنده - سبحانه - فصاروا بسبب ذلك أشداء على الكفار ، رحماء بينهم .( وَيُدْخِلُهُمْ ) - سبحانه - يوم القيامة ( جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا ) خلوداً أبديا ، ( رَضِيَ الله عَنْهُمْ ) بسبب طاعتهم له ، ( وَرَضُواْ عَنْهُ ) بسبب ثوابه لهم .( أولئك ) الموصوفون بذلك ( حِزْبُ الله ) الذى يشرف من ينتسب إليه .( أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون ) فلاحا ونجاحا ليس بعدهما فلاح أو نجاح .وقد ذكروا روايات متعددة فى سبب نزول هذه الآية الكريمة ، منها : أنها نزلت فى أبى عبيدة عامر بن الجراح ، فقد قتل أباه - وكان كافرا - فى غزوة بدر .والآية الكريمة تصدق على أبى عبيدة وغيره ممن حاربوا أباءهم وأبناءهم وإخوانهم وعشيرتهم ، عندما استحب هؤلاء الآباء والأبناء الكفر على الإيمان .وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، وجوب عدم موالاة الكفار والفساق والمنافقين والمجاهرين بارتكاب المعاصى .
.
.
مهما بلغت درجة قرابتهم ، ومهما كانت منزلتهم .ومن دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندى يدا ولا نعمة " .