تفسير سورة الأنفال الآية ٦١ عند الوسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > الوسيط > سورة 8 الأنفال > الآية ٦١

۞ وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٦١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

ثم أمر - تعالى - رسوله - صلى الله عليه - بقبول السلم والمصالحة ، إذا ما رغب أعداؤه فى ذلك ، وكانت ظواهرهم وأفعالهم تدل على صدق نواياهم فقال - تعالى - : ( وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ .

.

.

عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) .قوله ( جَنَحُواْ ) من الجنوح بمعنى الميل ، يقال : جنح فلان للشئ وإليه - يجنح - مثلث النون - جنوحاً .

أى : مال إليه .قال القرطبى : والجنح : الميل .

وجنح الرجل إلى الآخر : مال إليه .

ومنه قيل للأضلاع جوانح ، لأنها مالت على الحشورة - بضم الحاء وكسرها - أى : الأمعاه .وجنحت الإِبل : إذا مالت أعناقها فى السير قال ذو الرمة :إذا مات فوق الرحل أحييت روحه ...

بذكراك والعيس المراسيل جنحوقرأ الأعمش وأبو بكر وابن محيص " للسلم " - بكسر السين - وقرأ الباقون بالفتح .

وإنما قال ( لَهَا ) لأن السلم مؤنثة - تأنيث نقيضها وهى الحرب .

.

ويجوز أن يكون التأنيث للفعلة .والمعنى : عليك - أيها الرسول الكريم - أن تنكل فى الحرب بأولئك الكافرين الناقضين لعهودهم فى كل مرة ، وأن تهيئ ما استطعت من قوة لإِرهابهم فإن مالوا بعد ذلك إلى ( لِلسَّلْمِ ) أى : المسالمة والمصالحة فوافقهم ومل إليها ما دامت المصلحة فى هذه المسالمة .وقوله ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّهُ هُوَ السميع العليم ) معطوف على ( فاجنح لَهَا ) لقصد التثبيت وبعث الطمأنينة فى قلبه .أى : اقبل المسالمة ما دام فيها مصلحتك ، وفوض أمرك إلى الله - تعالى - ولا تخش مكرهم وكيدهم وغدرهم ، إنه - سبحانه - ( هُوَ السميع ) لأقوالهم ( العليم ) بأحوالهم ، فيجازيهم بما يستحقون ، ويرد كيدهم فى نحورهم .وعبر - سبحانه - عن جنوحهم إلى السلم بحرف ( إِن ) الذى يعبر به عن الشئ المشكوك فى وقوعه ، للإِشارة إلى أنهم ليسوا أهلاً لاختيار المسالمة أو المصالحة لذاتها ، وإنما هم جنحوا إليها لحاجة فى نفوسهم ، فعلى المؤمنين أن يكونوا دائماً على حذر منهم ، وألا يأمنوا مكرهم .هذا وقد اختلف العلماء فيمن عنى بهذه الآية ، فمنهم من يرى أن المعنى بها أهل الكتاب ، ومنهم من يرى أن الآية عامة ، أى تشمل أهل الكتاب والمشركين .

ثم اختلفوا بعد ذلك فى كونها منسوخة أولاً؟وقد حكى ابن جرير معظم هذه الخلافات ورجح أن المقصود بهذه الآية جماعة من أهل الكتاب ، وأن الآية ليست منسوخة فقال ما ملخصه :عن قتادة أن قوله ( وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا ) منسوخة بقوله فى سورة براءة ( فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ) وبقوله ( وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً ) فقد كانت هذه - أي الآية التى معنا وهى قوله - تعالى - ( وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ .

.

.

) قبل براءة .

كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يوادع القول إلى أجل ، فإما أن يسلموا ، وإما أن يقاتلهم ، ثم نسخ ذلك بعد براءة فقال : ( فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ) وعن عكرمة والحسن البصرى قالا : ( وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ .

.

.

) نسختها الآية التى فى براءة وهى قوله - تعالى - ( قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر )الآية .ثم قال ابن جرير : فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله من أن الآية منسوخة ، فقول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل .لأن قوله ( وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا .

.

) إنما عنى به بنو قريظة - كما قال مجاهد - وكانوا يهودا أهل كتاب وقد أذن الله - جل ثناؤه - للمؤمنين بصلح أهل الكتاب ، ومتاركتهم الحرب ، على أخذ الجزئية منهم ، وأما قوله : ( فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ) فإنما عنى به مشركو العرب ن عبدة الأوثان ، الذين لا يجوز قبول الجزية منهم ، فليس فى إحدى الآتين نفى حكم الأخرى ، بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه .

.هذا ما يراه ابن جرير .

أما ابن كثير فقد وافقه على أن الآية ليست منسوخة ، وخالفه فى أن المقصود بها بنو قريظة ، فهو يرى أن الآية عامة فقد قال - رحمه الله - :قوله : ( وَإِن جَنَحُواْ ) أى : مالوا ( لِلسَّلْمِ ) أى المسالمة والمصالحة والمهادنة ( فاجنح لَهَا ) أى : فمل إليها واقبل منهم ذلك .

ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسع سنين أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الأخر .

.وقال مجاهد : نزلت فى بنى قريظة ، وهذا فيه نظر ، لأن السياق كله فى موقعه بدر ، وذكرها مكتنف لها كله .وقال ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء الخراسانى وعكرمة والحسن وقتادة : إن الآية منسوخة بآية السيف فى براءة ، وهى قوله - تعالى - ( قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) وفيه نظر أيضاً ، لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك ، فأما إذا كان العدو كثيفاً فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه هذه الآية الكريمة ( وَإِن جَنَحُواْ ) وكما فعل النبى - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية ، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص .

.ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن كثير أرجح ، لأن الآية الكريمة تقرر مبدأ عاماً فى معاملة الأعداء ، وهو أنه من الجائز مهادنتهم ومسالمتهم ما دام ذلك فى مصلحة المسلمين .ولعل هذا هو ما قصده صاحب الكشاف بقوله عند تفسير الآية - " والصحيح أن الأمر موقوف على ما يرى فيه الإِمام صلاح الإِسلام وأهله من حرب أو سلم .

وليس يحتم أن يقاتلوا أبداً .

أو يجابوا إلى الهدنة أبداً " .

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله